← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11681

رحلة بنيامين التطيلى

بنيامين التطيلي

Полный текст (385 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أن ما هم عليه ضلال وجهل. فيلزمك أن تبحث عما أخذته عن أبيك من أن تكون هذه حالتك. فإن قال: إن الذي أخذته عن أبي أصح مما أخذه الناس عن آبائهم. لزمه أن يقيم البرهان على نبوة موسى من غير تقليد لأبيه لأنه قد ادعى صحة ذلك بغير تقليد. وإن زعم أن العلة في صحة ما نقله عن أبيه أنه رجح أباه على آباء الناس أصدق والمعرفة كما يدعي اليهود في حق آبائهم، لزمه أن يأتي بالدليل على أن أباه أعقل من سائر آباء الناس، وأفضل. فإن هو ادعى ذلك فقد كذب فيه. لأن من ادعى مثل هذا يجب أن يستدل على فضائله بآثاره، وقول اليهود باطل. فإنهم ليس لهم من الآثار في العالم ما ليس لغيرهم مثله، بل هم على الحقيقة لا ذكر لهم بين الأمم الذين استخرجوا العلوم الدقيقة ودونوها لمن يأتي بعدهم وجميع ما نسب إليهم من العلوم ما استفادوه من علوم غيرهم لا يضاهي بعض الفنون الحكمية التي استخرجها حكماء اليونان، والعلوم التي استنبطها النبط وأما تصانيف المسلمين فيستحيل لكثرتها أن يقف أحد من الناس على جميع ما صنفوه في أحد الفنون العلمية لسعته وكثرته. وإذا كان هذا موقعهم من الأمم فقد بطل قولهم إن آباءهم أعقل الناس وأفضلهم وأحكمهم. ولهم أسوة بسائر آباء الناس المماثلين لهم من ولد سام بن نوح ﵉. فإذا أقروا بتأسّي آبائهم بآباء غيرهم، وقد علموا أن آباء غيرهم قد لقنوهم الكفر. لزمهم أن شهادة الآباء لا يجوز أن تكون حجة في صحة الدين. فلا يبقى لهم حجّة في نبوة موسى إلا شهادة التواتر،

стр. 72

وهذا التواتر موجود لعيسى ومحمد، كوجوده لموسى. وإذا كانوا قد آمنوا بموسى لشهادة التواتر بنبوته، فقد لزمهم التصديق بنبوة المسيح والمصطفى ﵉. وجه آخر في إثبات النسخ وأصولها: نقول لهم: فهل أنتم اليوم على ملة موسى ﵇؟ فإن قالوا: نعم. قلنا لهم: أليس في التوراة «أن من مس عظما، أو وطئ قبرا، أو حضر ميتا عند موته، فإنه يصير من النجاسة في حال لا طهارة له منها، إلا برماد البقرة التي كان الإمام الهاروني يحرقها» فلا يمكنهم مخالفة ذلك، لأنه نص ما يتداولونه. فنقول لهم: فهل أنتم اليوم على ذلك؟ فيقولون: لا نقدر على ذلك. فنقول لهم: فكيف جعلتم أن من لمس العظم والقبر والميت فهو طاهر يصلح للصلاة وحمل المصحف، والذي في كتابكم خلافه؟ فإن قالوا: لأنا عدمنا أسباب الطهارة، وهى رماد البقرة، والإمام المطهر المستغفر. قلنا: فهل ترون هذا الأمر مع عجزكم عنه مما تستغنون عنه في الطهارة أم لا؟ فإن قالوا: نعم. قد نستغنى عنه. فقد أقروا بالنسخ لتلك الفريضة لحال اقتضاها هذا الزمان.

стр. 73

وإن قالوا: لا نستغنى في الطهارة عن ذلك الطهور، فقد أقروا بأنهم الأنجاس أبدا، ما داموا لا يقدرون على سبب الطهارة. فنقول لهم: فإذا كنتم أنجاسا على رأيكم وأصولكم، فما بالكم تعتزلون الحائض بعد انقطاع الحيض وارتفاعه سبعة أيام، اعتزالا تفرطون فيه إلى حد أن أحدكم لو لمس ثوبه ثوب المرأة الحائض لاستنجستموه مع ثوبه؟ فإن قالوا: لأن ذلك من أحكام التوراة. قلنا: أليس في التوراة أن ذلك يراد به الطهارة؟ فإذا كانت الطهارة قد فاتتكم فإن النجاسة التي أنتم فيها على معتقد كم لا ترتفع بالغسل كنجاسة الحيض، فهى كذلك أشد من نجاسة الحيض، لما أنكم ترون أن الحائض طاهر إذا كانت من غير ملتكم، ولا تستنجسون لامسها، ولا الثوب الذي تلمسه، وتخصيص الأمر، أعني نجاسة الحائض لطائفتكم مما ليس في التوراة، فهذا كله منكم نسخ أو تبديل. فإن قالوا: إن هذا وإن كان النص غير ناطق به فقد جاء في الفقه. قلنا لهم: فما تقولون في فقهائكم. هل الذي اختلفوا فيه من مسائل الخلاف والمذهب- على كثرتها لديكم- كان ثمرة اجتهاد واستدلال منقولا بعينه؟ فهم يقولون: إن جميع ما في كتب فقهنا نقله الفقهاء عن الأخبار عن الثقات من السلف، عن يوشع بن نون عن موسى الكليم ﵉ عن الله تعالى. فيلزمكم في هذه المسألة الواحدة التي اختلف فيها اثنان من فقهائكم أن يكون كل واحد

стр. 74

منهما ينقل مذهبه فيها نقلا مستندا إلى الله . وفي ذلك من الشناعة اللازمة أن يجعلوا الله قد أمر في تلك المسألة بشيء وخلافه وهو النسخ الذي يدفعونه بعينه. فإن قالوا: إن الخلاف غير مستبعد، لأن الأولين كانوا بعد اختلافهم في المذهب في المسألة يرجعون بها إلى أصل واحد هو المقطوع به. قلنا: إن رجوعهم بعد الاختلاف إلى الاتفاق على مذهب واحد إما لأن أحدهم رجع عما نقل أو طعن في نقله، فيلزمه السقوط عن العدالة، ولا يجوز لكم أن تعاودوا الالتفات إلى نقله، وإما أن يكون الفقهاء اجتمعوا على نسخ أحد المذهبين، أو تكون رواية أحدهما ناسخة لرواية الآخر، وما من الفقهاء إلا قد ألغى مذهبه في مسائل كثيرة، وهذا جنون ممن لا يقر بالنسخ «١» ، ولا يرى كلام أصحاب الخلاف اجتهادا ونظرا، بل نقلا محضا.

стр. 75

إلزامهم النسخ بوجه آخر: نقول لهم: ما تقولون في صلواتكم وصومكم، هل هى التي فارقكم عليها موسى ﵇. فإن قالوا: نعم قلنا: فهل كان موسى وأمته يقولون في صلاتهم كما تقولون: (تقاع شوفار كاذول لحيروا ثلتوو سانيس لقبو صينو وقصلنو باحدّ تياره باع كنفوث ها ارص ال نوى قد شيخا يا روح أنا أدوناى مقبيص ندحى عموا يا روح برائل) . تفسيره: اللهم اضرب بطوق عظيم لعنقنا، واقبضنا جميعا من أربعة أقطار الأرض إلى قدسك، سبحانك يا جامع تشتيت قوم بنى إسرائيل. أم هل كانوا على عهد موسى ﵇ يقولون كما تقولون في كل يوم: (هاشيب شوفطينو كبار شيونا ويوعصينو كبتحلا وبن أشير برشا لايم عير قد شخا يحيتوونا حمينو بلسنا نا ياروخ أنا أدوناى بوى بروشا لايم) تفسيره: رد حكامنا كالأولين، ومسراتنا كالابتداء، وابن يروشليم قرية قدسك في أيامنا وأعزنا ببنائها. سبحانك يا باني يروشليم. أما هذه فصول شاهدة بأنكم لفقتموها بعد زوال الدولة؟ وأما صوم إحراق بيت المقدس وصوم حصاره وصوم كداليا الذي جعلتموه فرضا، هل كان موسى يصومها وأمر بها هو أو خليفته يوشع

стр. 76

بن نون؟ أو صوم صلب هامان، هل هذه الأمور مفترضة بالتوراة، أو زيدت لأسباب اقتضت زيادتها في هذه الأعصار؟ فإن قالوا: وكيف يلزمنا النسخ بهذه الآي. قلنا: لأن التوراة بهذه الآية نطقت، وهي: (لوثوا سيفوا عل هدّا بارا شيرا نوضى مصوى أتخيم ولو تغر عد ممينو) . تفسيره: لا تزيدوا على الأمر الذي أنا موصيكم به شيئا، وإذا زدتم أشياء من الفرائض فقد نسختم تلك الآية. إثبات النسخ على وجه آخر: نقول لهم: أليس عندكم أنّ الله اختار من بني إسرائيل الأبكار ليكونوا خواص في الخدمة للأقداس. فيقولون: بلى. فنقول لهم: أليس عندكم أيضا أن موسى لما نزل من الجبل ومعه الألواح ووجد القوم عاكفين على العجل، وقف بطرف العسكر ونادى: «من كان لله تعالى فليحضرني» فانضم إليه بنو لاوى ولم ينضم إليه البكور، على أن مناداته وإن كان لفظها يقتضي العموم لم يكن أشار بها إلا إلى البكور، إذ هم خاصة الله يومئذ، دون أولاد لاوي. فلما خذله البكور ونصره أولاد لاوى قال الله لموسى: (واأقاح اث هلويم ثاحث كل نحور بنى إسرائيل) . تفسيره: وقد أخذت اللاوين عوضا عن كل بكر في بني إسرائيل.

стр. 77

وفي عقيب نزول هذه الآية أليس إن الله عزل الأبكار عن ولاية الاختصاص وأخذ أولاد لاوي عوضا عنهم؟ فهم لا يقدرون على إنكار ذلك. وهذا يلزمهم منه القول بالبدء أو النسخ. إلزامهم نبوة المسيح ﵇ : نقول لهم: أليس في التوراة التي في أيديكم: (لو باسنور شيبط منجهوزا ومحوقق مين دغلاو) تفسيره: لا يزول الملك من آل يهود أو الراسم من بين ظهرانيهم إلى أن يأتي المسيح، فلا يقدرون على جحده. فنقول لهم: أما علمتم أنكم أصحاب دولة وملك إلى ظهور المسيح ثم انقضى ملككم. فإن لم يكن لكم ملك فقد لزمكم من التوراة أن المسيح قد أرسل. وأيضا: فإنا نقول لهم: أليس منذ بعث المسيح عيسى ﵇ استولت ملوك الروم على اليهود وبيت المقدس، وانقضت دولهم، وتفرق شملهم، فلا يقدرون على جحد ذلك إلا بالبهتان، ويلزمهم على أصلهم الذي في التوراة: أن عيسى ابن مريم هو المسيح الذي ينتظرونه.

стр. 78

إلزامهم نبوته ونبوة المصطفى ﵉: نقول لهم: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ فيقولون: ولد يوسف النجار سفاحا. كان قد عرف اسم الله الأعظم. فاستخدم كثيرا من الأشياء «١» . فنقول لهم: أليس عندكم في أصح نقلكم: أن موسى ﵇ قد أطلعه الله تعالى على الاسم المركب من اثنين وأربعين حرفا، وبه شق البحر، وعمل المعجزات؟ فلا يقدرون على إنكار ذلك. فنقول لهم: فإذا كان موسى قد عمل المعجزات بأسماء الله تعالى، فلم صدقتم نبوته وكذبتم نبوة عيسى؟ فيقولون: لأن الله تعالى علم موسى الأسماء، وعيسى لم يتعلمها من الوحى، ولكنه تعلمها من حيطان بيت المقدس. فنقول لهم: فإذا كان الأمر الذي يتوصل به إلى عمل المعجزات قد يصل إليه من لا يختصه الله به، ولا يريد تعليمه إياه. فبأي شئ جاز تصديق موسى، فيقولون: لأنه أخذها عن ربه؟ فنقول: وبأي شئ عرفتم أنه أخذها عن ربه؟ فيقولون: بما تواتر من أخبار أسلافنا؟ وأيضا فإنا نلجئهم إلى نقل أسلافهم، ونقول لهم: بماذا عرفتم نبوة موسى؟ فإن قالوا: بما عمله من المعجزات. قلنا لهم: وهل فيكم من

стр. 79

رأى هذه المعجزات؟ أليس هذا لعمري طريقا إلى تصديق النبوة، لأن هذا كان يلزمكم منه أن تكون معجزات الأنبياء ﵈ باقية من بعدهم، ليراها كل جيل بعد جيل، فيؤمنوا به وليس ذلك بواجب، لأنه إذا اشتهر النبي في عصر، وصحت نبوته في ذلك العصر بالمعجزات التي ظهرت منه لأهل عصره، ووصل خبره لأهل عصر آخر، وجب عليهم تصديق نبوته واتباعه. لأن المتواترات والمشهورات مما يجب قبولها في العقل. وموسى ﵇ ومحمد وعيسى صلوات الله عليهم في هذا الأمر متساوون. ونقول: تواتر الشهادات بنبوة موسى أضعف من تواتر الشهادات بنبوة عيسى ومحمد ﵉. لأن شهادة المسلمين والنصارى بنبوة موسى ليست إلا بسبب أن كتابيهما يشهدان له بذلك، فتصديقهم بنبوة موسى فرع عن تصديقهم بكتابيهما. وأما معجزات القرآن فإنها باقية، وإذا كانت باقية فتلك فضيلة زائدة لا تحتاج إلى كونها سبب الإيمان. فأما من أعطي ذوق الفصاحة فإن إيمانه بإعجاز القرآن إيمان من شاهد المعجزات، لا من اعتمد على الخبر، إلا أن هذه درجة لم يرشح لها كل أحد. فإن قالوا: إن نبينا يشهد له جميع الأمم، فإن التواتر به أقوى، فكيف تقولون إنه أضعف؟ قلنا: كل اجتماع شهادات الأمم صحيح لديكم؟ فإن قالوا: نعم. قلنا: فإن الأمم الذين قبلتم شهاداتهم مجتمعون على تكفيركم وتضليلكم. فيلزمكم ذلك، لأن شهادتهم عندكم مقبولة.

стр. 80

فإن قالوا: لا نقبل شهادة أحد. لم يبق لهم تواتر إلا من طائفتهم، وهي أقل الطوائف عددا. فيصير تواترهم وشرعهم لذلك أضعف الشرائع. ويلزمهم مما تقدم أن كل من أظهر معجزات شهد بها التواتر مصدق في مقالته ويلزمهم من ذلك: التصديق بنبوة المسيح والمصطفى عليهما الصلاة والسلام. فصل فيما يحكونه من عيسى ﵇: هم يزعمون أنه كان من العلماء، وأنه كان يطبب المرضى بالأدوية، ويوهمهم أن الانتفاع المنال حصل لهم بدعائه. وأنه أبرأ جماعة من المرضى من أسقامهم في يوم السبت فأنكرت عليه اليهود ذلك، فقال لهم: أخبروني عن الشاة من الغنم: إن وقعت في البئر يوم السبت، أما تنزلون إليها وتحلون السبت لتخليصها؟ قالوا: بلى. قال: فلماذا أحللتم السبت لتخليص الغنم، ولا تحلونه لتخليص الإنسان الذي هو أكبر حرمة من الغنم؟ فأفحمهم ولم يؤمنوا. وأيضا، فإنهم يحكون عنه: أنه كان مع جماعة من تلاميذه في جبل، ولم يحضرهم الطعام. فأذن لهم في تناول الحشيش في يوم السبت. فقال لهم أرأيتم لو أن أحدكم كان وحيدا مع قوم على غير ملته، وأمروه بقطع النبات في يوم السبت وإلقائه لدوابهم ألستم تجيزون له قطع النبات؟ قالوا: بلى. قال فإن هؤلاء القوم أمرتهم بقطع النبات ليأكلوه لينقذوا به أنفسهم، لا للطعن في أمر السبت كل ذلك

стр. 81

ملاطفة منه لعقولهم التي لا ينطبع فيها النسخ. لئن كان كل ما يحكونه من ذلك صحيحا، فلعله كان في ابتداء أمر المسيح ﵇. ذكر الآيات والعلامات: التي في التوراة الدالة على نبوة سيدنا محمد ﷺ إنهم لا يقدرون على أن يحجدوا هذه الآية من الجزء الثاني من السفر الخامس من التوراة: (لاهيم وهى تابى أقيم مقارب احيحيم كاموخا ابلا وشيماعون) . تفسيره: نبيا اقيم لهم من وسط إخوتهم مثلك به فليؤمنوا. وإنما أشار بهذا إلى أنهم يؤمنون بمحمد ﷺ . فإن قالوا: إنه قال: من وسط إخوتهم، وليس في عادة كتابنا أنه يعني بقوله «إخوتهم» إلا بني إسرائيل. قلنا: بلى، قد جاء في التوراة «إخوتهم» لبنى العيص. وذلك في الجزء الأول من السفر الخامس وهو قوله: (ايم عوبريم بقبول احيحيم بنى عيسى وهيوشيم بسيعير) . تفسيره: أنتم عابرون في تخوم إخوتكم بنى العيص المقيمين في سعير، إياكم أن تطمعوا في شئ من أرضهم. فإذا كان بنو العيص إخوة لبنى إسرائيل، لأن العيص وإسرائيل ولدا إسحاق، فكذلك بنو إسماعيل إخوة لجميع ولد إبراهيم.

стр. 82

وإن قالوا: إن هذا القول إنما أشير به إلى شموائيل النبي ﵇. لأنه قال «من وسط إخوتهم مثلك» وشموائيل كان مثل موسى لأنه من أولاد لاوى، يعنون من السبط الذي كان منه موسى ﵇. قلنا لهم: فإن كنتم صادقين فأي حاجة بكم إلى أن يوصيكم بشموائيل، وأنتم تقولون: إن شموائيل لم يأت بزيادة ولا نسخ؟ أشفق من أن لا تقبلوه: لأنه إنما أرسل ليقوي أيديكم على أهل فلسطين، وليردكم إلى شرع التوراة. وبين صفته؟ فأنتم أسبق الناس إلى الإيمان، به لأنه إنما يخاف تكذيبكم لمن ينسخ مذهبكم، وبغير أوضاع ديانتكم، فالوصية بالإيمان به مما لا يستغني مثلكم عنه. ولذلك لم يكن بموسى حاجة إلى أن يوصيكم بالإيمان بنبوة أرميا وأشعيا وغيرهما من الأنبياء. وهذا دليل على أن التوراة أمرتهم في هذا الفصل بالإيمان بالمصطفى وأتباعه ﷺ . الإشارة إلى اسمه ﷺ في التوراة: قال الله تعالى في الجزء الثالث من السفر الأول من التوراة، مخاطبا لإبراهيم الخليل ﵇: «وأما في إسماعيل فقد قبلت دعاءك، قد باركت فيه وأثمره وأكثره جدا جدا» . ذلك قوله (وليشماعيل أشمعتيخا هنى بيراختى اوثو وهفريتى اوثو

стр. 83

وهربيتى بمادماد) فهذه الكلمة «بمادماد» إذا عددنا حساب حروفها بالجمل وجدناه اثنين وتسعين، وذلك عدد حساب حروف «محمد» ﷺ . فإنه أيضا اثنان وتسعون. وإنما جعل ذلك في هذا الموضع ملغزا. لأنه لو صرح به لبدلته اليهود وأسقطته من التوراة. كما عملوا في غير ذلك. فإن قالوا: إنما يوجد في التوراة عدة كلمات مما يكون حساب حروفه متساويا لعدد حساب حروف اسم زيد، وعمرو، وخالد، فيكونون أنبياء؟ فالجواب: أن الأمر كما يقولون لو كان لهذه الآية أسوة بغيرها من كلمات التوراة، لكنا نقيم البراهين والأدلة على أنه لا أسوة لهذه الكلمة بغيرها في سائر التوراة. وذلك أنه ليس في التوراة من الآيات ما حاز به إسماعيل الشرف كهذه الآية. لأنها وعد من الله تعالى لإبراهيم بما يكون من شرف إسماعيل، وليس في التوراة آية أخرى مشتملة على شرف لقبيلة زيد وعمرو وخالد وبكر، كما أنه ليس في هذه الآية كلمة تساوي «بمادماد» التي معناها «جدا جدا» وذلك أنها كلمة المبالغة من الله ، فلا أسوة لها من كلمات الآية المذكورة. وإذا كانت هذه الآية أعظم الآيات مبالغة في حق إسماعيل وأولاده، وكانت تلك الكلمة أعظم مبالغة من باقي كلمات تلك الآية، فلا عجب أن تتضمن الإشارة إلى أجل أولاد إسماعيل شرفا، وأعظمهم قدرا ﷺ . وإذ قد بينا أنه ليس لهذه الكلمة أسوة بغيرها من كلمات هذه

стр. 84

الآية، ولا لهذه الآية أسوة بغيرها من آيات التوراة فقد بطل اعتراضهم. ذكر الموضع الذي أشير فيه إلى: نبوة الكليم والمسيح والمصطفى ﵈ وهو: (وامارادوناى اتكلى وريفور يعاريه سيعير انخرى لانا استخى بعبوريته على طوردفار ان وعمه ربوان قد يشيز) . تفسيره: قال الله تعالى «من سيناء تجلى، وأشرق نوره من سيعير، واطلع من جبال فاران، ومعه ربوات المقدسين» . وهم يعلمون أن جبل سيعير هو جبل الشراة الذي فيه بنو العيص الذين آمنوا بالمسيح عيسى ﵇. بل في هذا الجبل كان مقام المسيح ﵇. وهم يعلمون أن سيناء هو جبل الطور، لكنهم لا يعلمون أن جبل فاران هو جبل مكة. وفي الإشارة إلى هذه الأماكن الثلاثة التي كانت مقام نبوة هؤلاء الأنبياء للعقلاء أن يبحثوا عن تأويله المؤدى إلى الأمر باتباع مقالتهم. فأما الدليل الواضح من التوراة على أن جبل فاران هو جبل مكة: فهو أن إسماعيل لما فارق أباه الخليل ﵉ سكن إسماعيل في برية فاران، ونطقت التوراة بذلك في قوله: (وبيثب بمديار فاران وتقاح لواموا أشامنا يرص مصرايم) . تفسيره: وأقام في برية فاران وأنكحته أمه امرأة من أرض مصر. فقد ثبت من التوراة أن جبل فاران مسكن لآل إسماعيل. وإذا

стр. 85

كانت التوراة قد أشارت في الآية التي تقدم ذكرها إلى نبوة تنزل على جبل فاران لزم أن تلك النبوة على آل إسماعيل، لأنهم سكان فاران. وقد علم الناس قاطبة أن المشار إليه بالنبوة من ولد إسماعيل هو محمد ﷺ ، وأنه بعث من مكة التي كان فيها مقام إبراهيم وإسماعيل. فدل ذلك على أن جبال فاران هى جبال مكة، وأن التوراة أشارت في هذه المواضع إلى نبوة المصطفى ﷺ وبشرت به، إلا أن اليهود- لجهلهم وضلالهم- لا يجوزون الجمع بين هاتين العبارتين من الآيتين، بل يسلمون بالمقدمتين ويجحدون النتيجة، لفرط جهلهم. وقد شهدت عليهم التوراة بالإفلاس من الفطنة والرأي وذلك قوله تعالى: (كى غوى أو باذ عيصون هما وابن باهيم تسونا) تفسيره: إنهم لشعب عادم الرأي، وليس فيهم فطانة. في إبطال ما يدعون من محبة الله تعالى إياهم: هم يزعمون أن الله يحبهم دون جميع الناس، ويحب طائفتهم وسلالتهم، وأن الأنبياء والصالحين لا يختارهم الله تعالى إلا منه، ونحن نناظرهم على ذلك. فنقول لهم: ما قولكم في أيوب النبي ﵇؟ أتقرون بنبوته؟ فيقولون: نعم. فنقول لهم: ما تقولون في جمهور بني إسرائيل، أعنى التسعة أسباط والنصف الذين أغواهم برعام بن نباط الذي خرج على ولد سليمان بن داود، ووضع لهم الكبشين من الذهب وعكف على

стр. 86

عبادتهم جماعة من بني إسرائيل وأهل جميع ولاية دار ملكهم الملقب يومئذ شورمون، إلى أن جرت الحرب بينهم وبين السبطيين والنصف الذين كانوا مؤمنين مع ولد سليمان ببيت المقدس، وقتل معهم في معركة واحدة خمسمائة ألف إنسان. فما تقولون في أولئك القتلى بأسرهم، وفي التسعة أسباط ونصف، هل كان الله يحبهم لأنهم إسرائيليون؟ فيقولون: لا، لأنهم كفار. فنقول لهم: أليس عندكم في التوراة، أنه لا فرق بين الدخيل في دينكم وبين الصريح النسب منكم؟ فيقولون: بلى، لأن التوراة ناطقة بهذا: (ككيركا از راخ كاخيم بيهى لقي أدوناي) تفسيره: إن الأجنبي والصريح النسب سواء بينكم عند الله. (توراحات ومتنفاط ايحاد يهى لاخيم ولكيرهكار بتوححيم) . تفسيره: شريعة واحدة وحكم واحد يكن لكم وللغريب الساكن فيما بينكم. وبهذا اضطررناهم إلى الإقرار بأن الله لا يحب الضالين منهم ويحب المؤمنين من غير طائفتهم، ويتخذ أولياءه وأنبياءه من غير سلالتهم، فقد نفوا ما ادعوه من اختصاص محبة الله لطائفتهم من بين المخلوقين.

стр. 87

فصل في ذكر طرف من كفرهم وتبديلهم إن سبيل ذوي التحصيل أن يجتنبوا الرذائل، وينفروا مما قبح في العقول السليمة، ورجح زيفه عند الأفهام المستقيمة. ولهذه الطائفة من الفنون الضلالية والاختلال ما تبنو عن مثله العقول، ويخالفه المشروع والمعقول. فمن ذلك: أنهم مع ذهاب دولتهم وتفرق شملهم وعملهم بالغضب الممدود عليهم، يقولون كل يوم في صلواتهم: إنهم أبناء الله وأحباؤه، وذلك قولهم كل يوم في الصلاة: (اهباث عولام اهبثانو أدوناي الوهينو) . تفسيره: الدهر أحبتنا يا إلهنا. (هثبيوا بينو التور انخينا) . تفسيره: ارددنا يا أبانا إلى شريعتك. (أبينوا ملكينو الوهينو) . تفسيره: يا أبانا باملكنا يا إلهنا. (أنا أدوناي أبينوا كوالينوا) . تفسيره: أنت اللهم أبونا منقذنا. (وايث كل رود في يانخا واويبى عدا شخا كوالام كساموا أيام إيجاد ميهم لونوا اثار) تفسيره: وجميع الذين اقتفوا أثر نبيك واعدا جماعتك كلهم عبروا البحر واحد منهم لم يبق.

стр. 88

ويمثلون أنفسهم بعناقيد العنب، وسائر الأمم بالشوك المحيط بأعالي حيطان الكرم. وهذا من قلة عقولهم ونظرهم، فإن المعتني بمصالح الكرم إنما يجعل على حيطانه الشوك حفظا وحياطة للكرم. ولسنا نرى لليهود من بقية الأمم إلا الضرر والذل والصغار، وذلك مبطل لقولهم. وينتظرون فإنما يأتيهم من نسل داود: إذا حرك شفتيه بالدعاء مات جميع الأمم ولا يبقى إلا اليهود وأن هذا المنتظر بزعمهم هو المسيح الذي وعدوا به. وقد كان الأنبياء ﵈ ضربوا لهم أمثالا أشاروا بها إلى جلالة دين المسيح ﵇ وخضوع الجبارين لأهل ملته وإتيانه بالنسخ العظيم. فمن ذلك قول أشعيا في نبوته: (وغار زائب عم كبيش يحذا ويربضوا شنيهيم وفارا واذوب ترعينا وارباكبا فارابوخل تبين) . تفسيره: أن الذئب والكبش يرعيان جميعا ويريضان معا، وأن البقرة والدب يرعيان جميعا، وأن الأسد يأكل التبن كالبقرة. فلم يفهموا من تلك الأمثال إلا صورها الحسية دون معانيها العقلية، فتأولوها على الإيمان بالمسيح عند مبعثه، وأقاموا ينتظرون الأسد يأكل التبن، ونصح لهم حينئذ العلائم بمبعث المسيح. ويعتقدون أيضا أن هذا المنتظر متى جاءهم يجمعهم بأسرهم إلى القدس، وتصير لهم الدولة ويخلو العالم من سواهم، فيحجم الموت عن جنابهم المدة الطويلة. وسبيلهم أن يعولوا على متابعة الأسود في غاباتها، وطرح التبن بين أيديها، ليعلموا وقت أكلها إياه.

стр. 89

وأيضا، إنهم في العشر الأول من الشهر الأول من كل سنة، يقولون في صلاتهم: (الوهيبود الوهي ايوثينو ماوخ على كل بوشي تبيل أرصيحا ويماركول اشبرنشا ما باقو أدوناي الوهي بسرائيل مالاخ وملخو ثو ايلول ما شالا) . تفسيره: يا إلهنا وإله آبائنا املك على جميع أهل الأرض ليقول كل ذي نسمة الله إله إسرائيل قد ملك ومملكته في الكل متسلطنة. ويقولون في هذه الصلوات أيضا: وسيكون لله الملك وفي ذلك اليوم يكون الله واحد. ويعنون بذلك أنه لا يظهر أن الملك لله إلا إذا صارت الدولة إلى اليهود الذين هم أمته وصفوته. فأما ما دامت الدولة لغير اليهود فإن الله خامل الذكر عند الأمم، وأنه مطعون في ملكه، مشكوك في قدرته. فهذا معنى قولهم: اللهم املك على جميع أهل الأرض ومعنى قولهم: وسيكون الملك لله. ومما ينخرط في هذا السلك قولهم: (لا ما يومر وهو كوييم إلى أنا الوهيم) . تفسيره: لم تقول الأمم أين إلههم؟) (وقولهم عور إلا ما يشنان أدوناي هاقيصا مشاثيخا) . تفسيره: انتبه، لم تنام يا رب؟ استيقظ من رقدتك؟. وهؤلاء إنما نطقوا بهذه الهذيانات والكفريات من شدة الضجر من الذل والعبودية والصغار، وانتظار فرج لا يزداد منهم إلا بعدا، فأوقعهم ذلك في الطيش والضجر، وأخرجهم إلى نوع من الزندقة والهذيان

стр. 90

الذي لا تستحسنه إلا عقولهم الركيكة. فتجرؤوا على الله بهذه المناجاة القبيحة، كأنهم ينخون الله بذلك لينخى لهم ويحمى لنفسه، لأنهم إذا ناجوا ربهم بذلك فكأنهم يخبرونه بأنه قد اختار الخمول لنفسه وينخونه للنباهة واشتهار الصيت، فترى أحدهم إذا تلا هذه الكلمات في الصلاة يقشعر جلده، ولا يشك في أن كلماته تقع عند الله تعالى بموقع عظيم، وإنه يؤثّر في ربه، ويحركه بذلك، ويهزه وينخيه. وهؤلاء على الحقيقة ينبغي أن يرحم جهلهم وضعف عقولهم. وأيضا، فإن عندهم في توراتهم: أن موسى صعد الجبل مع مشايخ أمته فأبصروا الله جهرة، وتحت رجليه كرسى منظره كمنظر البلّور، ذلك قوله: (وتراءى ويث الوهي يسرائيل وثاحث رعلاى كراى كيناث هشيفير وخعيصم هشامايم لاطوهره) . ويزعمون أن اللوحين مكتوبين بأصبع الله، ذلك قولهم (بأصباع الوهيم) ويطول الكتاب إن عددنا ما عندهم من كفريات التجسيم، على أن أحبارهم قد تهذبوا كثيرا عن معتقد آبائهم بما استفادوه من عندهم، بما يدفع عنهم إنكار المسلمين عليهم، ما تقتضيه الألفاظ التي فسروها ونقلوها، وصاروا متى سئلوا عما عندهم من هذه الفضائح استتروا بالجحد والبهتان، خوفا من فظيع ما يلزمهم من الشناعة. ومن ذلك: أنهم ينسبون الله تعالى إلى الندم على ما يفعل. فمن ذلك قولهم في التوراة التي في أيديهم:

стр. 91

(ويناجم أدوناي كى عاسااث أذام أرض ويتعصب ال لبو) تفسيره: وندم الله على خلق البشر في الأرض وشق عليه. وقد أفرط المترجم في تعصبه وتحريفه للألفاظ عن موجب اللغة، وفسر (ويناجم أدوناي وناب أدوناي تميمريه) يعني. غار الله في رأيه. وهذا التأويل أيضا وإن كان غير موافق اللغة فهو أيضا كفر، مناقض لما يدفعونه من البدء والنسخ. وأما الدليل على تفسيره (وبتعصيب ال لبوه) وشق عليه. فهو ما جاء في مخاطبة حواء (بتعصيب تيلدي بانيم) تفسيره: بمشقة تلدين الأولاد. فقد تبين أن «العصيب» عندهم في اللسان العبراني: هو المشقة. وهذه الآية عندهم في قوم نوح، زعموا أن الله تعالى لما رأى فساد قوم نوح، وأن شرهم وكفرهم قد عظم ندم على خلق البشر وشق عليه. ولا يعلم البله أن من يقول بهذه المقالة يلزمه أن الله كان قبل أن يخلق البشر لم يكن عالما مما سيكون من قوم نوح وغير ذلك من النقص تعالى الله عما يكفرون. وعندهم: أن الله تعالى قال لشموائيل النبي ﵇ (ات أول لميلخ على يسرائيل) . تفسيره: ندمت إذ وليت شاءول على يسرائيل. وفي موضع آخر من سفر شموائيل (وأدوناي يخام كى همليح اث شاءول على يسرائيل) .

стр. 92

تفسيره: والله ندم على تمليكه شاءول على إسرائيل. وأيضا فإن عندهم في كتابهم أن نوحا النبي ﵇ لما خرج من السفينة بدأ ببناء مذبح لله تعالى وقرب عليه قرابين. ويتلو ذلك (ويارح أدوناي ايث ريخ هينحمورح ويومز أدوناي ال لبوا اوسيف عود لقليل اث لماذا ما ياعيور هااذام كى يبصر كيب هااذام راغ منعورا وو لو اوسيف عوز لهكوث اث كل حاى طااشير عاسيثى) . تفسيره: فاستنشق الله تعالى رائحة القتار. فقال الله تعالى، في ذاته: لن أعاود لعنة الأرض بسبب الناس لأن خاطر البشري مطبوع على الردة. ولن أعاود إهلاك جميع الحيوان كما صنعت. ولسنا نرى أن هذه الكفريات كانت في التوراة المنزلة على موسى ﵇ ولا نقول أيضا: إن اليهود قصدوا تغييرها وإفسادها بل الحق أولى ما اتبع ونحن نذكر الآن حقيقة سبب تبديل التوراة ... الخ وهكذا يستمر شموئيل (السموأل) المتحول للإسلام بلهجته عالية النّبرة هذه. لكن لدينا وثيقة أخرى ليهودي آخر أسلم وراح يبرر لغيره من اليهود سبب إسلامه، إذ يبدو أنهم أنبوه على ذلك، وكان هذا اليهودي المتحول وهو الحبر إسرائيل بن شموئيل (السموأل) الأورشليمي خفيف الظل حقّا، ووثيقته كما هو واضح من لهجتها تشير إلى اتجاه للتحول للإسلام، كان قبله، كما كان قائما في زمانه.. وإليكم هذه الوثيقة التي تعود إلى القرن الثالث عشر للميلاد:

стр. 93

الرسالة السّبيعية الحاوية الضوابط الإرشادية بإبطال الديانة اليهودية للحبّر إسرائيل بن شموئيل الأورشليمي «الحمد لله الذي اختص لذاته العلية بقوله السامى (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) وجعل الناس أحزابا وفرقا، وقد تراهم بجهل وعلم كافة إليه يسألون (؟) وأرسل إليهم رسلا وأنبياء جمة، وأحصى معناهم بمحمد خاتم المرسلين. وأمرنا بالصلاة والسلام عليهم وعلى آلهم وأصحابهم أجمعين. أما بعد فهذه الرسالة المسمّاة بالسبعينية، الحاوية لسبعين من القضايا التنبيهية قد تتعلّق بجواب يفيد المعرفة، واستدلالا لزوميا للأحكام التوراتية بالشّرائع القرآنيّة، على سؤال يرد من أحبار اليهود البواقي من الملّة الإسرائيلية إلى رجل مهتد إلى الديانة المحمديّة. صورة السؤال: ألا يا حبيبى: ما الذي ألجأك إلى أن تترك دين آبائك وأجدادك وتوراتهم وشريعتهم وتنتقل إلى دين الكوثيم دين الإسلام، الذي كنت تبغضه وتشنؤه، كما نحن الآن جماعة اليهود ونكره الدخول فيه؟ صورة الجواب: ألا يا بنى إسرائيل، يا أقربائي وبنى جنسي: إني أعلمكم أن الذي ألجأني إلى أن أترك ما عندكم وأدخل في دين الإسلام هو مركب من سبعة قضايا: أولها: أنّي فحصت الفحص البليغ وتركت الغرض والعناد القبيح

стр. 94

فوجدت كلام الأنبياء ﵈ وإشاراتهم عن هذا النبي العظيم محمد الذي اتبعته هى منطبقة عليه من كل الجهات، ثم هذه النبؤءات التي رأيتها في كتب الأنبياء وسمعتها. فعلى ظني أنّه ليس عليها مرد مطلقا ولا ناقص بوجه الحق، وهي من سيدنا موسى وأشعيا وداود وزكريا وغيرهم ثم مفردات هذه الشهادة مفنّدة في محلات كثيرة من كتب المباحثات والمجادلات في هذا المعنى مأخوذة من التوراة عينها. فمن جملة ما ذكرت التوراة في سفر التكوين المسمى بالعبراني «باراشيب» بأن لسيدنا إسحاق جد الأنبياء بركة واحدة وذكرت لسيدنا إسماعيل جملة بركات، وعليكم يا أحبائي بمراجعتها. وثانيها: أنّه قبل مطالعتي لهذه البراهين كان دائما يخطر لفكري- كما الآن يخطر لفكركم- وكنت أقول لذاتي بأن توراتنا وزبورنا ونبوّات أنبيائنا لم يوجد فيها أدنى إشارة إلى نبي المسلمين. ولكن بعد مدّة مديدة من الزمان راجعت ذاتي وقلت في عقلي: ويّه.. ويّه. كيف نبي مثل هذا الذي تبعته ألوف وكرّات ومليونات وشعوبه وأمته أكثر بكرّات من شعوب موسى، وتبشيره للناس وإنذاره بترك الكفر والحث على الإيمان بالله ومجاهدته وغيرته الشهيرة، أيهمل ويترك، وينسى من الذكر عند أنبياء بني إسرائيل؟ فهذا القول بهذا الشكل الذي يعلمنا فيه أحبارنا والحاخاميم هو مضاد لكل عقل سليم، بحيث أن أنبياء بني إسرائيل أنبأوا عن أشياء كثيرة وكلية وجزئية، والإشارة عن هذا النبي (محمد) هي من الأشياء الكلية

стр. 95

اللازمة، فكيف يتركونها وينسونها ويه.. ويه.. أنا لا يقبل عقلي كلام الحاخاميم الباطل وتأويلهم. فالتزمت عندما امتلأ فكري من هذا الميزان أن أفتّش وأفحص بزيادة عما كنت أفحص من قبل، فوجدت كما قدّمت. وقلت إن معاني كثيرة وإشارات غزيرة موجودة في التوراة تشير إلى هذا النبي العظيم محمد، وهذه هي التي كانت من جملة الأسباب التي أحوجتني أن أترك الشريعة التوراتية وأتبع الشريعة القرآنيّة المهندمة بغاية الهندام، والمنتظم إليها أخص ما يوجد في الشرائع السابقة. وثالثها: اعلموا يا أقربائي وبني جنسي، أني أخبركم أن الذي حملني بعد ذلك أن أتبع هذا النبي الجليل محمد: من كوني نظرت أنّ جماعة اليهود على بكرة أبيهم في كل مصر ومكان عائشون بغير شريعة التوراة ولا عاملون بأحكامها اللازمة كونهم لا يستطيعون العمل بها، لا، بل ممتنع، وقد تصرمت عنهم بالطبع وتلاشت وهي باقية بالورق فقط، ويظهر من ذلك أن الله قد استخدمها إلى أزمنة معلومة محدودة غير راض بخلودها. لا، بل إنه راض بانقضائها وتبديلها. والبرهان على ذلك هو من المشاهدات والمتواترات والتجربيات والحدسيّات والأوليات. إذ إننا نرى أن أعمدة وأركان هذه الشريعة الموسوية التي كانت مسندة عليها وفيها قوامها واستيلاؤها قد انهدمت بالكلّية وعدمت، مثل إبادة الملك والرياسة وعدم وجود الأنبياء وإبطال الكهنوت وخراب الهيكل السليماني وهدم المذبح واندثار الذبائح

стр. 96

ومحق الأسباط وما يتعلق بهم لأن هذه الأعمدة والأركان قد ربط بها الله جميع ما يلزم من القضايا الدينية المشروعة في التوراة حتى الأحكام المدنية، لكي- إذا عدمت هذه اللوازم الركنية بطلت- (كما هو مشاهد الآن) - نستدل من انعدامها على بطلان الديانة جميعها، بحيث تعلق الدين بها، والبرهان على ذلك واضح جدا وأجلى من ضياء الشمس بضحاها ومشاهد تحت حواسنا بفناها. إذ إنّ الله سبحانه قد نزع الملك منكم والاستيلاء الذي به كنتم تجرون الأحكام الدينية والمدنية وأبطل وجود الأنبياء من سلسلتكم على الإطلاق التي كانت تسوسكم وتنصحكم وتعلمكم وتنبئكم على ما كان وما يكون وتصنع المعجزات لكي تثبت لكم أن الذي كانت تخاطبكم- هو وحي من عند الله. وهذه الكثرة من الأنبياء قد كانت موجودة خاصة عند أمتكم بالحصر، وليست عند من سواها، وآباء الكهنة ورؤساء الكهنة والكهنوت الذي كان لا يتم الخلاص لليهود ولا الغفران إلا بهم وعلى أيديهم، وحتى لا يجوز العمل الذي كانوا يعملونه في الاستغفارات والتخلص من السيئات إلّا بواسطتهم، وهدم المذبح والهيكل الذي عمّره سليمان اللذين كانا لا تتمّ أعمال القرابين إلا بهما. ومحق الله وهدم معرفة الأسباط ورتبهم ووظائفهم المتعلقة بالخدمات الدينية والأحكام الحرسية والملكية. ورابعها: وهي الأغرب من كلّ ما ذكرناه- أن «أشداي أصباؤت أهيه شراهيه» حين وضع شريعة التوراة وفرضها قد جعل على الأمة اليهودية شرائع ووصايا يجمع عددها ستمائة وثلاث عشرة وصية،

стр. 97

وهذه الوصايا الحاوية على هذا العدد قد ربطها، وحكم حكما صارما على من لم يعملها بستمائة وثلاث عشرة لعنة، لأنه يقال في سفر التثنية، الاشتراع في الإصحاح السابع والعشرين والثامن والعشرين «ملعونا يكون من لا يعملها واحدة واحدة» ثم إن هذا الإله الذي من جملة أسمائه بالعبرانى «الألوهيم» «الأدوناى» قد وضع على من يخالف هذه الوصايا ولا يعمل بها واسطة للتخلص من تلك اللعنة المترتبة على المخالف: تطهيرات وتكفيرات وغفرانات وذبائح وقرابين بأعداد من الحيوانات والطيور المعلومات. وحصر هذا الألوهيم الياهو في هذه المذكورات أن تصنع وتقرب ضمن الهيكل والمذبح ورسم أيضا بأن من يقدّم قربانا خارج الهيكل يقتل. وأمر بأن تكون القرابين مقدمة له تعالى على أيادي الأحبار ورؤساء كهنتهم. وكان كل من يتعدى ويخالف وصية من هذه الوصايا وتلزمه لعنة من هذه اللعنات يخلص منها بواسطة الكهنة ورؤساء الكهنة والهيكل والمذبح وباقي المذكورات. كما سبق القول. وأما الآن يا أقربائي وبنى جنسي، قد رأيت أن عامة اليهود الباقية من بنى إسرائيل عندما يخالفون وصية من هذه الوصايا وتلزمهم لعنة من هذه اللعنات المشروحة من سيدنا موسى في التوراة ليس لهم وجهة للتخلص منها مطلقا. وهم حزنانين* من كونهم لا يمكنهم العمل بكامل الوصايا المشروحة، ومتحققون أنهم تحت مخالفتهم، وثقيل عليهم حمل اللعنات الموضوعة عليهم. ويمتنع أيضا فرارهم بالتطهيرات والتخلص

стр. 98

من قصاصها ما داموا تحت نيرها، لأن الباب مسدود بواسطة ما أنا عازم على شرحه. ويه.. ويه..! يا أسفاه.. يا حسرتاه، لأن الهيكل الذي عمّره سليمان الذي هو مثال القبّة الموسوية مع المذبح اللذين لا تكون هذه القرابين إلا بهما قد خربا وانهدما، والذبائح والقرابين مع الكهنة ورؤساء الكهنة الذين كانوا يعملونها في الهيكل والمذبح للفداء والتطهير مع باقي ما ذكرناه من النبوة والملك والأسباط ومتعلقاتهم قد اضمحلوا وتلاشوا وما بقي لهم أثر بالكلية، فمن انعدام ما ذكرناه إفرادا وإجماعا، وبطلانه ما عاد يمكن للباقي من الشعب الإسرائيلي التخفف من الخطايا ومن المرتب عليهم من القصاصات. لا، بل وممتنع عليكم يا أحبائي التقرب إلى الله، بحيث التزمتم تبعة لعنات شريعتكم التوراتية مع عدم مكنتكم أيضا التطهيرات المربوطة عليها، وهذا القول ليس هو قولي ولا يجوز عندي أن ألعن، بل هي لعنات شريعتكم وتوراتكم.... وخامسها: يا أحبائي، ليس خافيكم أن في الزمان الماضي قد جاء سيدنا عيسى فاستكبرتم ... وقد وعد سيدنا عيسى بمجئ محمد وأشار إليه بإشارات كثيرة. إنه قد سماه «الفارقليط» وهي كلمة يونانية، وترجمتها للعربي الداعي، وبسبب هذه الإشارات أسلم عبد الله بن سلام وكعب الأحبار وغيرهما كثير. وسادسها: وإذ رأى الأحبار والحاخاميم الكثير من جماعتهم اليهود الموجودين في تلك الأعصار تابعين لدين هذين الرجلين النبيين العظيمين، وما بقى عندهم إلّا القليل من الناس كما هو مشاهد، فقد

стр. 99

شرعوا في عمل تحريفات وتأويلات وتفسيرات مخالفة لمضامين الشهادة الواردة في التوراة بحقهما. واخترعوا آراء مستحدثة، حتى قد رأوا أن يبقوا الباقين في دينهم إلى الآن. ومع ذلك لما كنت أتردد عندكم كنت أرى أن بعضا منكم مذبذبين ومنقسمة آراؤهم في الكثير مما ذكرته، وهم من الناس العقلاء، وبعض منهم عارفون الحق ولكنهم مربوطون في وظائفهم الدينية والأموال والأولاد والعيال، وبعضهم مغفّلون غير مبالين من دخولهم تحت هذه اللعنات المذكورة التي يلتزم الدخول تحت نيرها جمهورهم بلا محالة بحيث لا يمكنهم عمل الوصايا المربوطة على من لم يعملها هذه اللعنات، مع عدم إمكان عمل الوسائط بالقرابين التي كانت تخلّص الناس منها. ثم ومن أقوى هذه الآراء المستحدثة قد اخترعوا لهم رأيا أبتر ليس له سند من التوراة مطلقا، لا من موسى ولا من موسى وهو التقميص. أعنى أن الإنسان اليهودي عندما يموت وهو غير مكمل الوصايا المشروحة، ومدين إلى الكثير منها ووقع تحت هذه اللعنات فيلزمه الرجوع للدنيا ثاني مرّة أو ثالث مرة أو إلى أكثر من ذلك إلى أن يكمل كل الوصايا ويتخلص من جرثومة هذه اللعنات رويدا رويدا، ثم لما فحصت ودققت واتصلت إلى معرفة هذه القواعد الدينية ورأيت أنها حديثة ولا سند لها من التوراة قلت لنفسي: ويه! ويه! ما الذي يحملك على القعود في هذه الشريعة ... وسابعا: أني قلت لنفسي: يا ترى ما الذي يمنعني من اتباع الحق؟ فقلت: لا مانع

стр. 100

ثم قلت: وما هو الفرق الحاصل فيما بين ديانتي وبين الديانة المحمدية؟ فأجبت ذاتي وقلت: إن الفروقات الباقية اللازمة والضرورية في هذا المعنى غير المتقدم شرحهنّ سبعة: الفرق الأول: هو ترك فرائض المأكولات التي حرمتها الحاخاميم وأثقالها. الثاني: التخلص من هذه اللعنات ونكباتها. الثالث: أن أطرح التجديف الذي كنت أتكلمه بحق عيسى وأمه وغيرهما من حوارييه وتعليماته. الرابع: أن أقر أن عيسى نبي ورسول من عند الله برسالة معلنة بأفرادها. الخامس: أن أقلع البغضة المزروعة في قلبي بحق الأمم من الناس وهي معي عن آبائي وأجدادي، وبحق محمد المصطفى بنوع أبلغ الحاوي أكثر المحامد وصفاتها. السادس: الاعتراف بنبوة محمد ﷺ . السابع: أعترف بأنه جاء بشريعة عدلية وفضيلة كاملة حاوية معنى جوهريات ما جاء في الشرائع السابقة.. هذا هو الذي يزيد علىّ ويلزمني إذ إن إيماني بوحدانية الله هو هو وختاني بمطهوري هو هو، وبعدي عن المرأة في أوقات معلومة هو هو وتطهيراتي وإسقاط غسلي هي هي وكثير من الأحكام التوراتية، كأوجه الزواج المربوط بالقرابات عدا وجهين زائدين هي هي، واعترافي بموسى ونوح وإبراهيم وباقي الأنبياء هوهو. والشرائع العدلية كالعين

стр. 101

بالعين والسن بالسن هي هي. وقد رأيت كل ما يلزم ويتعلق اتباعه لذلك هو هو.. ومن بعد وقوفكم على جوابي هذا أرجو أن تعذروني وإن كان يغيب عنكم شئ اطلبوا إلى الله تعالى أن يرشدكم ويأتيكم بالبيان. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ***** ويشير توماس أرنولد في كتابه الشهير (الدعوة للإسلام) * إلى عدد من المتحولين للإسلام ممن كتبوا كتبا، لكنه لم يحدد بالنسبة لبعضهم إن كان قد تحول من المسيحية أم من اليهودية ****

стр. 102

ثانيا مقدمة عزرا حدّاد مترجم النص من العبريّة

стр. 103

مقدمة المترجم منازل قوم حدثتنا حديثهم ... ولم أر أحلى من حديث المنازل «أبو العلاء المعري» - ١-[هذا كتاب «رحلة بنيامين» ] هذا كتاب «رحلة بنيامين» * أقدمه إلى الناطقين بالضاد تلبية لرغبة أبداها عدد من إخواني أدباء العراق ومؤرخيه، لما احتوته هذه الرحلة من معلومات مهمة عن أحوال العالم عامة والشرق الإسلامي خاصة، في عصر من أخطر العصور التأريخية في الشرق والغرب- القرن السادس للهجرة والثاني عشر للميلاد- مما يجعلها في مصاف أهم الرحلات القديمة، وأوثق المصادر التأريخية المعروفة. ولقد كانت كتب الرحلات ويوميات الأسفار، ولا تزال، من أهم الوثائق المعول عليها في كتابة التأريخ قديمه وحديثه. وروايات الرواد وحكايات الجوابين من أخص ما يعنى به المؤرخون عند تدقيقهم وتمحيصهم الحوادث التأريخية في كل زمان ومكان. فالرحالة بفضل مشاهدته الأماكن والبقاع التي يرتادها عيانا، واتصاله اتصالا قاصدا بأهل الأقطار التي يجوبها، واطلاعه عن كثب على أحوالها وسير أمورها وإدارتها؛ ليعطينا عن أوضاع الأمم سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، في مختلف العصور، صورة واضحة قريبة من الواقع، تسهّل مهمة المؤرخ المعتكف بين جدران خزانته، يجوس خلال الكتب والسجلات والوثائق.

стр. 104

وكتب الرحلات، على ما قد يتخللها من نقائص وهفوات، وعلى ما قد يشوبها أحيانا من مبالغات وأخذ الأمور بشكلها السطحي الظاهر؛ لا تقل أهمية لطلاب التأريخ عن كثير من الوثائق المحفورة على أحجار الأوابد وجدران القصور والمعابد الأثرية التي يعمل النقابون على اكتناه أسرارها وحل رموزها وطلاسمها، واجتلاء خباياها وما تعقّد من معضلاتها. لأن بعض هذه الكتابات قد تكون بعيدة عن كبد الحقيقة أو قد تكون موحى بها من ملك متنفذ أو أمير متحكم أراد أن يشيد بعظمته ويقص على المتأخرين أحاديث فتوحاته وغزواته، وأقاصيص سؤدده وسلطانه؛ بعبارات كلها أو جلها إغراق وإسفاف في التصوير. والمؤرخ إذا أخذ مثل هذه الكتابات على علاتها من غير تمحيص وروية وتدقيق؛ شذ عن جادة الصواب وحاد، غير قاصد، عن محجة الحقيقة التي يجدّ في طلبها. أما الجوّابون*، وأكثرهم لا يمت إلى ذوي السلطان بصلة، فكان شأنهم عند تسجيل مشاهداتهم غير ذلك. فهم لم يركبوا الأهوال ويتجشموا مشاق السفر إلى الأقطار السحيقة، في عصور تباعدت الشقة بين بلدانها ووعرت المسالك وعسرت طرق المواصلات؛ لنظم قصائد المديح ونسج عبارات الثناء لأرباب القصور وأصحاب التيجان. إنما كانوا يعنون بالدرجة الأولى، في دراسة أحوال البلدان التي يجوبونها ومعرفة سهلها ووعرها وجبالها وحزونها وأوديتها وأنهارها وخيراتها وغلتها والوقوف على محاسنها ومساوئها وتقدمها أو

стр. 105

انحطاطها وسيرة أهليها وعقائدهم ودرجة حضارتهم ومدنيتهم وطرق معيشتهم وأسباب رزقهم وما اتصفوا به من أخلاق وعادات وخمول ونشاط وقعود ونهوض، وما إلى ذلك من أحوال لها الأثر المباشر في سير التأريخ وتطور الأحداث. فتراهم يمتدحون ما يجدر بالمدح ويشجبون ما يستحق الذم من غير ما خوف أو رقابة، فتخرج لنا الصورة التي يرسمونها للبلدان والأقطار التي ارتادوها، في غالب الأحيان، قريبة من الواقع، دانية من الحقيقة، وبذلك كانت خدمتهم للتأريخ والمؤرخين عظيمة وافية. ٢- جغرافيو المسلمين وروادهم في القرون الوسطى في عصور الإسلام الزاهرة، امتدت الفتوحات العربية والغزوات الإسلامية إلى الهند وتخوم الصين شرقا وجبال البرانس وشواطئ بحر الظلمات (الأطلنطي) غربا. فلما هدأت تلك الموجبة الجارفة من الغزوات، واستقرت الحدود بعض الاستقرار في القرن الرابع للهجرة (العاشر للميلاد) كانت حدود مملكة الإسلام، كما يعينها ابن حوقل، تمتد «من الهند وبحر فارس شرقا ومملكة السودان الذين يسكنون على المحيط الأطلسي غربا وبلاد الروم وما يتصل بها شمالا وبحر فارس جنوبا «١» وكان طبيعيا، بل نتيجة محتومة، أن تتضعضع الوحدة السياسية في هذه الأقطار الشاسعة بعد أن دامت ردحا من الزمن، وأن

стр. 106

تتجزأ مملكة الإسلام إلى دول صغيرة أو كبيرة بمقتضى الأحوال والظروف وتغلّب الأمراء. وانتهت الإمبراطورية العربية إلى مثل ما انتهت إليه من قبلها امبراطورية الإسكندر وإمبراطورية الرومان، فلم يعد من الميسور إدارة تلك الرقعة الشاسعة التي لم تكن تقطع من شرقيها إلى غربيها- على ما يرويه المقدسي- بأقل من عشرة أشهر، من حكومة مركزية واحدة. وقد يكون لتباين الأهواء والمشارب السياسية والميول المذهبية أثر كبير نضيفه إلى المؤثرات الجغرافية والإقليمية لتعيين أسباب هذا التجزؤ أو التعجيل به على الأقل. لكنه قد حدث فعلا؛ وقبل مسلمو تلك الأجيال الأمر الواقع وسلّموا به. على أن هذه الأقطار الشاسعة التي فرّقت ما بينها الحدود الإدارية المصطنعة والتخوم السياسية المستحدثة، كانت تربطها أواصر وحدة روحية تخطت الحدود المرسومة والحواجز الموهومة. تلك هي رابطة الدين، وصلة المعتقد والعرف، وقرابة الدم والعنصر ووشائج العقل والفكر واللغة والثقافة. فقد استطاعت الفتوحات الإسلامية- وهذا ما يميزها عن غيرها من غزوات الأقدمين- أن تسبك تلك الأقطار المترامية في قالب روحي محكم البنيان، وتلحمها بلحمة دين موحد لم تستطع تقلبات الأحداث السياسية فصم عروته الوثقى أو تفريق كلمته المثلى. فكان المسلم، حيثما تنقل داخل حدود هذه المملكة، يجد نفسه بين إخوان له، يظله ما يظلهم من دين ويسري عليه ما يسري عليهم من شرع وعرف وعادات. وأينما ألقى عصا الترحال من أصبهان وبغداد شرقا والقاهرة وغرناطة غربا، وجد الجامع الذي يؤدي

стр. 107

فيه فريضة الصلاة. والرباط الموقوف على إيوائه وإطعامه إذا جاع، والمدرسة التي يتلقى فيها علوم الدين والدنيا، والمارستان الذي يعالجه إذا ما ألم به مرض. مثل هذه العناية التي كان المسلم يلقاها أو يتوقع أن يجدها في مختلف الأقطار الإسلامية، والرغبة الملحة التي كانت تحمل الكثير من المسلمين إلى الاطلاع على شؤون تلك الرقعة التي تربط ما بينها وشائج الدين والقربى ودرس أحوالها عن كثب، كانت الحافز المهم لشد الرحال للسفر والتجوال بين تلك البلدان المتباعدة شرقا وغربا. فمنهم من كان يرحل للعلم والوقوف على جغرافية الممالك الإسلامية والتعرف إلى أصول إدارتها ودرجة رفاهة أهليها وخيرات بلادهم وزروعهم وصناعتهم وتجارتهم؛ وبالإجمال درس أحوالهم العمومية من كافة الوجوه. ومنهم من كان يرحل للتجارة والبيع والشراء وتبادل السلع فدوّن عدد منهم وصف البلاد التي هبطوا إليها وقيّدوا مشاهداتهم في المدن التي زاروها والمسافات التي قطعوها والصعاب التي اجتازوها، ورسموا طبيعة تلك البلدان مع ذكر أنهارها وجبالها وحزونها ووهادها وطرق مواصلاتها وقناطرها وأوضاع أهليها، وما امتازوا به من أخلاق وعادات، فمدحوا ما يستحق المديح وعابوا ما يجدر به الذم والانتقاد، ومن ثم جاءتنا هذه المجموعة النفيسة من كتب الجغرافية والرحلات ومعاجم البلدان، وكلها من تدوين أولئك الفطاحل الذين تجشموا الصعاب وركبوا متون الأخطار فجابوا الأقطار المختلفة وشاهدوا وسجّلوا كل كبيرة وصغيرة وقيدوا كل شاردة وواردة؛ وبذلك أدّوا للجغرافية

стр. 108

والتأريخ خدمة تذكر فتشكر على مرّ العصور وكرّ السنين. وهناك عامل ديني مهم، عدا الدافع العلمي والمقصد التجاري، كان حافزا للمسلم على التجوال والترحال. تلك هي فريضة حج بيت الله الحرام الواجبة على كل من استطاع إليه سبيلا من المسلمين. فكان الخلفاء والسلاطين والأمراء يعنون العناية الفائقة بتنظيم طرق الحج وتعبيدها وتوفير آبارها وموارد مياهها وتوطيد الأمن في ربوعها وضمان راحة الحجيج وسلامتهم، بقدر ما تسمح به الظروف والأحوال، رعاية منهم لهذه الفريضة المقدسة. فكانت قوافل الحج تسلك في ذهابها وإيابها سبلا مطروقة ومسالك مألوفة؛ فيها كلّ التسهيلات التي كان من الميسور توفيرها في تلك العصور. وإننا لنرى عددا من الرحالين العرب والمسلمين في القرون الوسطى يرافقون هذه القوافل ويتبينون مسالكها ومفاوزها ويدوّنون ملاحظاتهم ومشاهداتهم ليستفيد منها الخلف. ونحن إذ كنا بصدد عرض عام لا التفصيل والإسهاب؛ ومهمتنا تنحصر بالأوضاع التي كانت تسود مملكة الإسلام في القرن السادس للهجرة (الثاني عشر للميلاد) ؛ اكتفينا بذكر عدد من مشاهير جغرافيي المسلمين ورحاليهم في ذلك العصر وما إليه. فمنهم من الجغرافيين، ابن خرداذبه صاحب كتاب «المسالك والممالك» (٢٥٠ هـ- ٨٦٤ م) واليعقوبي الذي وضع جغرافيته في القرن الرابع للهجرة والعاشر للميلاد. وقدامة بن جعفر المتوفى سنة (٣١٠- ٩٢٢ م) والبلخي المتوفى سنة (٣٤٦ هـ- ٩٣٤ م) وابن حوقل المتوفى سنة

стр. 109

(٣٧١ هـ- ٩٨١ م) وأبو دلف ابن المهلهل صاحب «عجائب البلدان» من القرن الرابع للهجرة (العاشر للميلاد) والمسعودي المتوفى سنة (٣٦٧ هـ ٩٥٧ م) وأبو الريحان محمد البيروني (٣٦٩- ٤٤١ هـ. و٩٧٩- ١٠٤٩ م) وياقوت الحموي صاحب «معجم البلدان» (٥٧٥- ٦٢٧ هـ. و ١١٧٩- ١٢٢٩ م) . ومن كبار الرحالين الذين وصلت إلينا أسفارهم وتنقلاتهم، ناصر خسرو صاحب «السفرنامة» المتوفى سنة (٥٤٢ هـ- ١٠٦٠ م) . وأبو الحسين محمد بن جبير الأندلسي المتوفى سنة (٦١٤ هـ- ١٢١٧ م) وعلي الهروي صاحب «إشارات إلى معرفة الزيارات» المتوفى في حلب سنة (٦١١ هـ. ١٢١٤ م) وأسامة بن منقذ صاحب «الاعتبار» المتوفي سنة (٥٨٤ هـ ١١٨٨ م) . وعبد اللطيف البغدادي صاحب «الإفادة والاعتبار» من القرن السابع للهجرة والثالث عشر للميلاد. وابن سعيد المغربي صاحب «المغرب» من القرن السابع للهجرة والثالث عشر للميلاد، وابن بطوطة الرحالة المعروف المتوفى سنة (٧٧٠ هـ ١٣٦٨/١٣٦٩ م) وأضرابهم كثيرون من الذين وصلت إلينا كتبهم وأخبار تجوالهم وأسفارهم وخلفوا لنا هذه الثروة القيمة- مكتبة الجغرافية العربية.

стр. 110

٣- الرواد اليهود في القرون الوسطى إن اليهود في أسبانية والشرق، خالطوا العرب في عصورهم الذهبية، وتأثروا بتفكيرهم واقتبسوا لغتهم وتحلّوا بآدابهم، وضربوا بسهم وافر في جميع نواحي نشاط الفكر العربي. لذا لم تكن الأسفار البعيدة والرحلات المديدة غريبة عنهم أيضا. على أنه من الحق أن نشير هنا إلى أن الدوافع التي كانت تحدو باليهودي الأوروبي على ترك دياره والضرب في طول الأرض وعرضها لم تكن كلها اختيارية، ولم تكن كلها لمجرد الاطلاع أو الوقوف على أحوال الأقطار المختلفة. بل كانت هناك ثلاثة عوامل أساسية تدفعه طوعا أو كرها إلى الإكثار من الرحيل والتجوال. أما العامل الأول فكان سياسيا. إذ كان اليهودي الأوروبي، في عرف تلك العصور المظلمة، ملكا لأمير الإقطاع يصنع به ما توحي إليه رغبته ومصلحته. وعلى هذا، قلما كان له مطلق الحرية للإقامة حيث شاء. كما لم يكن مطمئنا على سلامته واستقراره في موطنه ومسقط رأسه. بل كان يجد نفسه بين فترات متقاربة أو متباعدة، حيال قرار مؤلم خطير يجب أن يتخذه بمنتهى السرعة- وهو أن يتخير بين أن يترك دينه ومعتقده باعتناق ديانة السلطة القائمة، أو أن يبارح موطنه ويحمل عصا الترحال، تاركا وراءه كل ما ملكه من حطام دنياه الضيقة. ولما كان الشق الأخير من هذا الخيار المؤلم أكثر ما يؤثره اليهودي على الرغم مما كان فيه من تضحية تبلغ في أغلب الأحيان الجود بالروح في سبيل المعتقد؛ فإن تعبير «اليهودي التائه» لم يكن في
следующие страницы →