← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11681

رحلة بنيامين التطيلى

بنيامين التطيلي

Полный текст (385 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

يأوي إليها المعوزون من المرضى رغبة في الشفاء ولهذا المارستان قوامون من الأطباء يبلغ عددهم الستين طبيبا، يعالجون المرضى ويطبخون لهم الأدوية. والخليفة يجهزهم بما يحتاجون إليه من بيت المال. وفيها أيضا بناية تدعى «دار المارستان «١» » يأوى إليها المجانين المغلوبون على عقولهم بتأثير حر القيظ الشديد! والأطباء يقيدونهم بالأغلال حتى يثوبوا إلى سابق رشدهم. ويعيشون مدة مكوثهم فيها بنفقة الخليفة. ويقوم أطباء الخليفة بتفقدهم مرة في كل شهر، فيسرحون من عاد إلى الصواب منهم ليعود إلى أهله. وتشمل خيرات الخليفة كل من أمّ بغداد من المرضى والمجاذيب. فالخليفة جزيل

стр. 282

الإحسان. همه عمل الخير. ويقيم ببغداد نحو (أربعين) ألف يهودي «١» . وهم يعيشون بأمان وعز ورفاهة في ظل أمير المؤمنين الخليفة. وبينهم عدد من كبار العلماء ورؤساء المثيبة وعلماء الدين. ولهم في بغداد عشر مدارس مهمة. ورئيس المدرسة الكبرى هو الرابي صموئيل بن على «٢» الرّابي والغاؤون، رأس مثيبة «غاؤون يعقوب» . وهو ينتسب إلى سبط لاوي من آل موسى النبي (ع) . وأما رئيس المدرسة الثانية «٣» فهور. حنينة أخوه، شيخ اللاويين ونائب رأس المثيبة. ورئيس المدرسة الثالثة ر. دانيال «٤» ورئيس المدرسة الرابعة الحبر إلعازر. ورئيس المدرسة الخامسة ر. إلعازر بن

стр. 283

صمح «١» رأس المجمع العلمي، ويرتقي نسبه إلى صموئيل النبي. وقد اشتهر هو وإخوته بالتجويد ورخامة الصوت والترتيل على الطريقة التي كان يرتل بها أجدادهم اللاويون في بيت المقدس. ورئيس المدرسة السادسة ر. حسداي الملقب بفخر الأحبار. ورئيس المدرسة السابعة ر. حجاي. ورئيس المدرسة الثامنة ر. عزرا صاحب سر المثيبة. ورئيس المدرسة التاسعة ر. إبراهيم ويكنى أبا طاهر «٢» . ورئيس المدرسة العاشرة والختامية (السيوم) ر. زكاي بن بستناي. وهؤلاء الأساتذة العشرة يعرفون بالمعتكفين «٣» . لا عمل لهم غير النظر في مصالح أبناء طائفتهم. ويقضون بين الناس طول أيام الأسبوع، كل في مدرسته، خلا نهار الاثنين حيث يجتمعون في مجلس كبيرهم رأس مثيبة «غاؤون يعقوب» للنظر في شؤون الناس مجتمعين. أما رئيس هؤلاء العلماء جميعهم، فهو الرابي دانيال بن حسداي

стр. 284

الملقب «سيدنا رأس الجالوت «١» » . ويسميه المسلمون «سيدنا ابن داود» . لأن بيده وثيقة تثبت انتهاء نسبه إلى الملك داود. وهو يستمد سلطانه من كتاب عهد يوجه إليه من الخليفة أمير المؤمنين عملا بالشرع المحمدي. وينتقل هذا المنصب إلى ذريته بالوراثة. وعند نصب الرئيس يمنحه الخليفة ختم الرئاسة على أبناء ملته كافة «٢» . وتقضي التقاليد المرعية بين اليهود والمسلمين وسائر أبناء الرعية بالنهوض أمام رأس الجالوت وتحيته عند مروره بهم. ومن خالف ذلك عوقب بضربه مائة جلده.

стр. 285

وعندما يخرج رأس الجالوت لمقابلة الخليفة يسير معه الفرسان من اليهود والمسلمين. ويتقدم الموكب مناد ينادي بالناس: «اعملوا الطريق لسيدنا ابن داود «١» !» . ويكون الرئيس ممتطيا صهوة جواده وعليه حلة من حرير مقصب، وعلى رأسه عمامة كبيرة تتدلى منها قطعة قماش مربوطة بسلسلة منقوش عليها شعار الخليفة. وعندما يمثل في حضرة الخليفة يبادر إلى لثم يده. وعندئذ ينهض الخليفة وينهض معه الحجاب ورجال الحاشية، فيجلس الرئيس فوق كرسي مخصص لجلوسه قبالة الخليفة. ويسري نفوذ رأس الجالوت على جميع طوائف اليهود المنتشرة في شنعار (العراق) وبلاد خراسان، وسبأ (اليمن) وبلاد ما بين النهرين (الجزيرة) وجبال أراراط (أرمينية) وبلاد اللان «٢» المحوطة بالجبال الشاهقة والتي لا ينفذ إليها سوى من الأبواب الحديد «٣» التي شيدها الإسكندر فتهدمت من بعده؛ وطوائف اليهود المنتشرين في سبيرية وبلاد التوغرميم (التركمان) وبلاد كرجستان (جورجية) حتى شواطئ نهر جيحون وحدود سمرقند وبلد الطيبات «٤» (التبت) وديار الهند.

стр. 286

ففي هذه الأقطار كلها لا يعين الرّابيون والحزانون «١» إلا بمعرفة رأس الجالوت. وهم يشخصون إلى بغداد بعد نصبهم لمقابلة الرئيس، ويحملون إليه الهدايا والعطايا من أقصى المعمور. ويمتلك الرئيس العقارات الواسعة والمزارع والبساتين في جميع أنحاء بابل (العراق) وأكثرها مما ورثه عن أجداده. وأملاكه هذه مصونة، ليس من حق أحد أن ينتزعها منه. وله إيراد سنوي عظيم من الفنادق والأسواق والمتاجر عدا الهدايا التي تتوارد عليه من البلدان القصية. فهو على ذلك واسع الثروة، وعلى جانب عظيم من الحكمة والفقه بأحكام التوراة والتلمود. ويجري الاحتفال بنصب رأس الجالوت الجديد بمهرجان مشهور. إذ يبعث إليه الخليفة بإحدى ركائبه الملوكية فيتوجه إلى قصر الخلافة، وفي ركابه الأمراء والنبلاء، ومعه الهدايا والتحف النفيسة للخليفة ورجال قصره. وعندما يمثل بين يدي الخليفة يتسلم منه كتاب العهد، ثم يضع أمير المؤمنين يده على رأس الرئيس الجديد «٢» ، ومن ثم يعود إلى داره بموكبه الخاص وحوله الجماهير الغفيرة. وتنفخ أمامه البوقات وتقرع الطبول. وبعدها يحتفل بتجديد نصب رؤساء المثيبة بأن يضع الرئيس الأكبر يده على رأس كل منهم.

стр. 287

وبين يهود بغداد عدد كبير من العلماء وذوي اليسار. ولهم فيها ثمان وعشرون كنيسة. قسم منها في جانب الرصافة ومنها في جانب الكرخ على الشاطئ الغربي من نهر حدقل (دجلة) الذي يمر في المدينة فيشطرها شطرين. وكنيسة رأس الجالوت بناء جسيم، فيه الأساطين الرخام المنقوشة بالأصباغ الزاهية المزوقة بالفضة والذهب. وتزدان رؤوس الأساطين بكتابات من المزامير بحروف من ذهب. وفي صدر الكنيسة مصطبة يصعد إليها بعشر درجات من رخام، وفوقها الأريكة المخصصة لرأس الجالوت أمير آل داود. وتبلغ استدارة بغداد عشرين ميلا «١» . وتمتد حولها الرياض والحقول وبساتين النخيل مما لا مثيل له في جميع العراق. ولها تجارة واسعة، يقصدها التجار من جميع أقطار العالم للبيع والشراء. وفي بغداد عدد كبير من العلماء الفلاسفة والمتفننين في جميع العلوم والمعارف والسحريات. وعلى مسيرة يومين منها:-

стр. 288

جاهيجان (زريران Gahigan «١» (هي رسن الواردة في التوراة. فيها نحو خمسة آلاف يهودي وكنيس كبير فيه قبر رابة «٢» . وتحت القبر غار فيه قبور لاثنى عشر من تلامذته. وعلى مسيرة يوم منها:-

стр. 289

خرائب بابل Babel «١» هي بابل الكبرى القديمة. لم يبق منها اليوم سوى الأطلال الدارسة. وتمتد هذه الخرائب إلى مسافة ثلاثين ميلا. ويشاهد فيها بقايا قصر بخت نصر. والناس تخاف الولوج فيه لكثرة ما به من عقارب وأفاعى. وفي بقعة تبعد نحو ميل واحد عن هذه الأطلال يقيم عشرون ألفا من اليهود. ولديهم كنيس عتيق البنيان منسوب إلى النبي دانيال «٢» يؤمونه لإقامة الصلاة فيه، بناؤه من الحجر المتين المهذب والأجر. وفي بابل بقايا أتون النار الذي طرح فيه حننية وميشائيل وعزرية «٣» ، على مقربة من قصر بخت نصر. وتسمى الأراضي المنبسطة التي حول بابل «بقعة دورة «٤» » وهي معروفة عند الجميع. وعلى بعد خمسة أميال منها:-

стр. 290

الحلة Hilla «١» فيها نحو عشرة آلاف يهودي، عندهم أربع كنائس. أولاها كنيسة الرابي مئير وفيها قبره. والثانية كنيسة الرابي زعيري بار حامة وفيها قبره أيضا «٢» . ويقيم اليهود فريضة الصلاة في هذه الكنائس كل يوم. ومنها على مسيرة أربعة أميال:- برس نمرود Burs Nimrod «٣» أو برج التفرقة حيث بلبل الله

стр. 291

الألسنة. مشيد بالحجارة التي يسميها الناس هناك بالآجر. ويبلغ طول أساساته ميلين وعرضها مائتين وأربعين ذراعا وارتفاعه مائة قصبة وبين كل عشرة أذرع صعودا توجد طريق مفتولة تعرج بالصاعد إلى أعلى البناء. ومن قمته يمكن رؤية ما حوله إلى مسافة عشرين ميلا. لأن الأراضي المحيطة به منخفضة ومستوية. ويقال: إن صاعقة انقضت عليه من السماء فأحرقت أكثره. وعلى مسيرة نصف يوم منه:- نفاحة Naphaha «١» فيها نحو مائتي يهودي. وفيها كنيس ر. إسحاق نفاحة وحوله قبره. وهي على مسيرة ثلاثة فراسخ من:- مرقد حزقيال Ezekiel «٢» على شاطئ الفرات. وهو بناء جسيم

стр. 292

يحتوي على ستين صومعة، لكل منها برج. ويتوسط أكبر هذه الصوامع منبر، خلفه مرقد النبي حزقيال بن بوزي الكاهن، تعلوه قبة كبيرة هي آية في حسن الإنشاء. ويقال: إنها من بناء يكنية ملك يهوذا وثلاثين ألفا من أتباعه بعد ما سرحهم من الأسر الملك أويل مروداخ البابلي. ومرقد حزقيال على فرع من الفرات يدعى كيبار «١» . منقوش على حجارته اسم يكنية الملك وأتباعه وفي آخر الثبت اسم

стр. 293

حزقيال النبي. وهذا المقام يعظمه اليهود ويحجونه من أقاصي البلاد للتبرك به وإقامة الصلاة فيه. ويحل موسم هذه الزيارة بين عيد رأس السنة وعيد الكفارة «١» . فتقام الأفراح والمهرجانات يحضرها من بغداد رأس الجالوت ورأس المثيبة، فتضطر الجموع الغفيرة إلى الإقامة في العراء، ويمتد مخيمهم إلى مسافة اثنين وعشرين ميلا. ويقيم الأعراب في هذا الموسم سوقا عظيمة يبيعون فيها أنواع السلع من الحجاج. وفي يوم عيد الكفارة تتلى فصول من أسفار موسى، من مخطوط كبير يقال إن حزقيال كتبه بيده. وفوق القبر قنديل يتقد ليلا ونهارا، يقال: إن النبي حزقيال كان أول من أشعله، وعليه قيّم يتعهد تبديل الفتائل وتجديد الزيت كلما دعت الحاجة إلى ذلك. وتجاور المرقد دار من أوقاف النبي فيها خزانة كتب يقال: إن بعضها يرتقي تاريخه إلى عهد الهيكل الثاني. ومن جاري العادة، أن من يموت بلا عقب يقف كتبه على خزانة الدار هذه.

стр. 294

وفي مقام النبي حزقيال طائفة من المجاورين «١» ، مهمتهم العناية بالزوار القادمين من بلاد فارس ومادي ممن ينذرون حج قبر هذا النبي، فيكونون لهم أدلاء ومرشدين. ومن زوار هذا المرقد أيضا جماعة من أتقياء المسلمين «٢» ، يؤمونه لإقامة الصلاة فيه، له في قلوبهم حرمة كبيرة، ويسمونه بلغتهم «دار المليحة «٣» » . ولهذا المرقد أوقاف واسعة من العقار والضياع، يقال: إنها من تركة الملك يكنية. فلما تولى محمد (المقتفي «٤» ) خليفة المسلمين على

стр. 295

البلاد، أيّد حق المرقد في هذه الأوقاف. وعلى بعد نصف ميل من قبر حزقيال، قباب تحتها قبور حننية، ميشائيل وعزرية «١» وهذه الأبنية كلها محافظ عليها من اليهود والمسلمين. لا يمسها أحد بضرر حتى في أيام الحروب. وعلى مسيرة ثلاثة أيام من هنا:- القوسنات Kotsonat «٢» فيها نحو ٣٠٠ يهودي. وبها قبور الصالحين الرّابيين بابة وهناء وسيناء ويوسف بار حامة. ولكل من هذه القبور كنيس تقام فيه الصلاة كل يوم. وهي تبعد مسيرة ثلاثة أيام عن:- عين شفاثة Ain Sphata «٣» قبر النبي ناحوم الألقوشي ﵇ «٤» ومنها على مسيرة يوم:- كفر الكرم El -Karm «٥» فيه قبور الرابيين حسداي وعقيبة ودوسة. وفي وسط الصحراء على مسيرة نصف يوم من هنا توجد قبور الرابيين

стр. 296

داود ويهوذا وأبايي وكردية وسحورة وإدة. وعلى مسيرة يوم:- نهر ريجة Nahr Rega «١» فيه قبر صدقية ملك يهوذا «٢» ﵇. فوقه قبة كبيرة. وعلى مسيرة يوم:- الكوفة Kuffa «٣» يقيم بها نحو سبعة آلاف يهودي. وفيها قبر يكنية ملك يهوذا حوله كنيس لليهود. وفيها أيضا مسجد كبير للمسلمين، في رحبته مرقد الإمام علي بن أبي طالب صهر نبيهم

стр. 297

محمد «١» ، يحجونه للزيارة والتبرك. وعلى مسيرة نصف يوم منها:- سورا Sura أو مثامحسية «٢» الواردة في التلمود. كانت في سالف عهدها مقر رأس الجالوت ورؤساء المثيبة. وفيها من قبور الصالحين قبر الغاؤون الرابي شريرا «٣» وولده الغاؤون الرابي هاي وقبر الغاؤون

стр. 298

سعدية «١» ور. صموئيل بن حفني الكاهن «٢» وصفنية بن كوشي بن النبي جدلية «٣» وقبور غيرهم من رؤساء الجالوت من آل الملك داود ورؤساء المثيبة الذين عاشوا فيها قبل خرابها. وعلى مسيرة يومين منها:- شفياثيب Shafjatib «٤» هو الكنيس الذي جلب اليهود ترابه وحجارته من القدس. وبعد مسيرة خمسة أيام منها كانت العودة إلى الحلة حيث تجتمع القوافل المسافرة بطريق الصحراء إلى أرض اليمن.

стр. 299

وأرض اليمن «١» هذه، تمتد مسيرة واحد وعشرين يوما عن شنعار (العراق) الكائن على تخومها الشمالية. وفي هذه الصحراء مضارب بني ركاب «٢» من عشائر تيماء. وفي تيماء يقيم شيخهم وحاكمهم

стр. 300

الكبير حنان. وهي صقع واسع الأرجاء، امتداده مسيرة ستة عشر يوما بين الجبال الشمالية. وفيها القلاع الكبيرة الحصينة التي لا تخضع لأية سيطرة أجنبية. وأهلها يخرجون مع جيرانهم وأحلافهم من أبناء العرب للغزو والكسب في الأماكن البعيدة. وهؤلاء الأعراب يعيشون عيشة بدوية، يبيتون في الخيام، لا يعرفون بناء البيوت، دأبهم الغزو في أراضي اليمن. واليهود هنا مرهوبو الجانب من جيرانهم، لديهم الأراضي الواسعة. فيشتغل البعض منهم بالزراعة والبعض الآخر يرعى الماشية. ولرؤسائهم عليهم ضريبة الأعشار، يؤدونها للقيام بأود علمائهم الساهرين على مدارسهم وفقرائهم ونساكهم المعروفين بالبكائين «١» . وهؤلاء يعيشون حياة كلها تقشف وزهد. لا يذوقون لحما ولا يشربون خمرا. لباسهم السواد ومأواهم الأكواخ والكهوف. يقضون جل أوقاتهم صياما باستثناء أيام السبوت والأعياد. وهم دوما عاكفون على إقامة الصلوات من أجل إخوانهم اليهود المشتتين في أنحاء المعمورة. وحاضرة هذه البلاد «تناجم» (؟) حولها نحو أربعين مدينة ومائتي قرية ومائة ضيعة يقيم بها نحو ٣٠٠ ألف يهودي! وهي بلدة حصينة تبلغ مساحتها خمسة عشر ميلا بالطول ومثلها بالعرض. تتوسطها

стр. 301

الحقول والمزارع وقصر الرئيس سليمان (؟) ومن هذه المدن أيضا تلماس (؟) البلد الكبير حيث يقيم مائة ألف يهودي! ويشرف على البلدة جبلان شاهقان، وفيها الحكماء وذوو اليسار. وهي تبعد مسيرة ثلاثة أيام عن خيبر. وفي خيبر تقيم جماعة من اليهود يقال: إنها من بقايا أسباط رأوبين وجاد ومنشة، الذين أجلاهم سلمناصر ملك أشور، فهاجروا إلى هذا الصقع وشيدوا فيه المدن والقلاع. وهم في حرب دائمة مع جيرانهم، يعتصمون وراء الصحراء المترامية التي تبلغ مسيرتها ثمانية عشر يوما، مما يجعلهم بعيدين عن متناول من يقصدهم من الأعداء. وخيبر مدينة كبيرة آهلة بنحو خمسين ألفا! من اليهود، بينهم العلماء. وهم في إغارة مستمرة على شنعار (العراق) وأراضي الشمال وبلاد اليمن التي تبدأ عندها بلاد الهند «١» . ومنها على مسيرة خمسة وعشرين يوما، نهر فيرا (؟) الذي في أرض اليمن، حيث يقيم نحو ٣٠٠٠ يهودي وعلى مسيرة سبعة أيام منها:- واسط Wasit «٢» فيها نحو عشرة آلاف

стр. 302

يهودي «١» ، بينهم القاضي ر. نيدان وعلى مسيرة خمسة أيام منها:- البصرة Basra «٢» موقعها على شط دجلة «٣» . وفيها نحو عشرة آلاف يهودي «٤» بينهم العلماء والعظماء. وهي تبعد مسيرة يومين عن:-

стр. 303

نهر سمره Samra «١» المتاخمة لبلاد العجم. يقيم بها نحو ألف وخمسمائة يهودي. وعندها قبر عزرا الكاهن الكاتب (ع) توفي فيها في أثناء قدومه من القدس لمقابلة الملك أرتحشسته «٢» . وعند قبره كنيس كبير لليهود وجامع للمسلمين. وهؤلاء يجلّون المقام ويؤمونه لإقامة الصلاة فيه. وهم واليهود على صفاء وولاء. وعلى مسيرة أربعة

стр. 304

أيام منها:- خوزستان Chuzistan «١» أو عيلام الواردة في التوراة. وهي كورة كبيرة لكن أكثرها خراب غير مأهول. وتتوسط هذه الخرائب قلعة شوشان «٢» . فيها بقايا قصر أحشويروش «٣» ، وهو بناء قديم على جانب كبير من الفخامة والرونق. ويخترق المدينة نهر «أولاي» أحد روافد

стр. 305

حدقل (دجلة «١» ) فيشطرها إلى شطرين يوصل بينهما جسر وفيها نحو سبعة آلاف يهودي. عندهم أربعة عشر كنيسا. في أحدها قبر النبي دانيال «٢» (ع) . ولقبر دانيال هذا حكاية طريفة. ذلك أن اليهود يقيمون بالجانب المعمور من المدينة حيث الأسواق والمتاجر وبيوت الموسرين. أما الجانب الثاني فيسكن فيه الفقراء الذين لا أسواق لهم ولا متاجر ولا رياض أو بساتين. فدفعهم الحسد إلى الاعتقاد بأن هذه الرفاهة التي تعم أهل الجانب الأول إنما جاءتهم ببركة النبي دانيال، وعندهم قبره. لذلك طالبوا بإلحاح أن ينقل مثوى النبي إلى جانبهم. فكان أن أبى أهل الجانب الأول تلبية هذا الطلب فنشبت بين رجال الفريقين فتن ومشاحنات دامت أمدا طويلا، حتى أدركهم الملل، فاصطلحوا على أن يبقى ناووس النبي دانيال سنة حولية عند كل من الجانبين على التوالي. وبقيت الحال على هذا المنوال حتى تغلب عليهم سنجرشاه بن

стр. 306

(ملك) شاه «١» الملك العظيم الذي كان يحكم خمسا وأربعين إمارة، المعروف عند العرب بسلطان الفرس الكبير ومسيرة سلطنته أربعة أشهر وأربعة أيام، من شواطئ نهر سمرة إلى سمرقند ونهر غوزان «٢» ونيسابور وبلاد مادي وجبال خفتون «٣» وأراضي التبت ذات الغابات التي يكثر فيها غزال المسك. فلما دخل هذا الإمبراطور سنجر ملك العجم مدينة شوشان. وشاهد كيف يتبادل أهلها نقل ناووس النبي دانيال عبر الجسر ويمشي خلفه خلق غفير من اليهود والمسلمين؛ قال لهم: إنه لا يليق بكرامة النبي مثل هذا العمل المزري. فأمر بأن يذرع النهر من كلا الجانبين بالتساوي، وأن توضع رفاة النبي في ناووس من زجاج، يعلق في منتصف الجسر بسلاسل من حديد، وأن يقام فوق الموضع الذي كان النبي مدفونا فيه، مصلى يؤمه من يشاء من يهود وغيرهم لإقامة فريضة الصلاة. وأمر كذلك بأن يحظر صيد السمك على بعد ميل من كلا طرفي الناووس إكراما للنبي. وهكذا يشاهد نعش النبي دانيال (ع) معلقا

стр. 307

حتى اليوم «١» . وعلى مسيرة ثلاثة أيام من هنا:- رودبار Rudbar «٢» يقيم بها نحو عشرين ألف يهودي «٣» . بينهم عدد من العلماء والموسرين وعلى مسيرة يومين منها:- نهاوند Nihavand «٤» البلدة التي تقع عندها:

стр. 308

أرض الملاحدة «١» التي تسكنها طائفة لا تؤمن بدين الإسلام. يعتصم أتباعها بالجبال المنيعة ويطيعون «شيخ الحشاشين» ويقيم بين ظهرانيهم نحو أربعة آلاف يهودي، يسكنون الجبال مثلهم ويرافقونهم في غزواتهم وحروبهم. وهم أشداء، لا يقدر أحد على قتالهم. وبينهم العلماء التابعون لنفوذ رأس الجالوت ببغداد. وهذه الأراضي تبعد مسيرة خمسة أيام عن:- العمادية Emadia «٢» يقيم بها نحو خمسة وعشرين ألف يهودي. وهم جماعات منتشرة في أكثر من مائة موقع من جبال خفتيان «٣» عند تخوم بلاد مادي. ويهودها من بقايا الجالية الأولى التي أسرها شلمناصر

стр. 309

ملك آشور ويتفاهمون بلسان الترجوم «١» ، وبينهم عدد من كبار العلماء. والعمادية على مسيرة يوم من تخوم بلاد العجم. يؤدي يهودها الجزية للمسلمين شأن سائر اليهود المقيمين في الديار الإسلامية، وقدرها دينار أميري ذهبا «٢» ، أو ما يعادل مرابطيا وثلث مرابطي «٣» ذهبا لمن بلغ منهم الخامسة عشرة من عمره. وقبل عشر سنوات قامت في العمادية فتنة داود بن الروحي. وكان هذا قد تلقى العلم في بغداد عن حسداي رأس الجالوت وعن علي رأس مثيبة «غاؤون يعقوب» . فتضلع بالتوراة والفقه والتلمود وسائر العلوم وبرع بلغة المسلمين وآدابهم ونبغ بفنون السحر والشعوذة.

стр. 310

فدخل في روعه أن يعلن العصيان على ملك العجم «١» ، ويجمع حوله اليهود القاطنين في جبال حبتون ومقاتلة النصارى المتمكنين من أورشليم والاستيلاء عليها وطردهم منها. فشرع ينشر دعوته بين اليهود ويدعم دعوته بالبراهين الباطلة، كأن يقول لهم: «إن الله قيضني لفتح القدس وإنقاذكم من نير الاستعباد» فآمنت به جماعة من بسطاء اليهود وحسبوه المسيح المنتظر. فلما استفحل أمره وطرق حديثه أسماع سلطان العجم، أرسل بطلب داود فمثل بين يديه من غير خوف أو وجل. فسأله السلطان: - أمن الصحيح أنك ملك اليهود؟

стр. 311

قال: نعم! فأمر السلطان في الحال بالقبض على داود وزجه في السجن الكبير في طبرستان، المدينة الواقعة على شاطئ نهر قيزيل أوزون، ليرسف في أعماقه مدى الحياة. وبعد ثلاثة أيام كان السلطان يعقد مجلسا مع خواصه للنظر في قضية اليهود من أتباع داود، الذين شقوا عليه عصا الطاعة. فإذا داود يظهر فجأة في بلاط السلطان، وهو طليق من الأغلال والقيود. فكانت دهشة الجميع عظيمة. فسأله السلطان: - كيف شخصت إلى هنا، ومن هو الذي أطلق سراحك؟ فأجابه داود: - حكمتي ودهائي وحدهما. وأنا في الحقيقة لست أخافك، ولا أخشى وزراءك. فأمر السلطان حراسه بأن يقبضوا على داود. لكن هؤلاء كانوا يسمعون صوته ولا يرون شخصه. فهال السلطان هذا الأمر. وسمع صوت داود يقول: - إنني الآن ذاهب في طريقي. فشاهده الجميع وهو يبارح المكان. وتبعه السلطان وجنده ووزراؤه، حتى أشرفوا على شاطئ النهر. فرأوا داود ينشر طيلسانه فوق الماء ويعبر عليه إلى الجانب الآخر. فأمر السلطان جنده بأن يلحقوا به، وركبوا الزوارق وعبروا إلى الشاطئ الثاني. وشرعوا يبحثون عن داود دون جدوى. فعلموا أن الرجل ساحر يندر نظيره.

стр. 312

أما داود فإنه تمتم ببعض التعاويذ ونطق باسم الله الخفي «١» ، فقطع بيوم واحد ما مسيرته عشرة أيام. فبلغ العمادية وقص على أتباعه ما حدث له، فأخذتهم الرهبة والدهشة من أمره. وبعد ذلك كتب سلطان العجم إلى أمير المؤمنين خليفة بغداد، يعلمه بما كان من أمر داود، ويسأله أن يوسط رأس الجالوت ورؤساء المثيبة ببغداد، لكي يؤثروا بنفوذهم على داود بن الروحي، فيكف عن أعماله وتمرده، وإلا فإنه سيأمر بالانتقام من جميع اليهود الموجودين في مملكته، ويفنيهم عن آخرهم. وقد أصاب اليهود في بلاد العجم من جراء ذلك عسر شديد، فكتبوا من جانبهم إلى رأس الجالوت ورؤساء المثيبة ببغداد يستحثونهم لإنقاذهم من الهلاك المحقق، بأن يرشدوا داود إلى طريق الصواب، فيحقنوا الدماء البريئة. وللحال حرر رأس الجالوت ورؤساء المثيبة كتابا إلى داود، بينوا فيه خطله وأظهروا بهتانه. وختموا كتابهم بالعبارات التالية: «ليكن معلوما لديك أن موعد ظهور المسيح لم يحن بعد، وليس لدينا البراهين عن قرب ظهوره. وهذا أمر لا يأتي بالعنف ولا يتم بشق عصا الطاعة. وإنا لمطالبوك بالكف عما أنت فيه، وإلا حرمناك من جماعة بني إسرائيل» .

стр. 313

وأرسلت نسخة من هذا الكتاب إلى الرئيس زكاي ويوسف الفلكي الملقب ببرهان الفلك في الموصل «١» ، لكي يبعثا بمثل فحواه إلى داود بن الروحي. فصدع رئيس الموصل وبرهان الفلك بالأمر، فوجّها إلى داود برسالة كلها إقناع ووعيد. لكنه لم يعدل عن زيغه وأباطيله. فلما ولي الحكم زين الدين «٢» أمير التوغرمين (السلاجقة) وهو من أتباع ملك العجم دبر مكيدة للقضاء على داود بن الروحي. فأرسل بطلب حميه ومنحه عشرة آلاف دينار إن هو أجهز على صهره داود. فدخل عليه الرجل. وهو يغط بالنوم في فراشه، وذبحه وهكذا انتهى أمره وتخلص اليهود من شره. لكن ملك العجم ظل ناقما على اليهود المقيمين في مملكته. فكتب هؤلاء إلى رأس الجالوت يطلبون وساطته من أجلهم لدى ملك العجم، لما له من حظوة ومقام. فأرسل رأس الجالوت يترضى ملك العجم، وقدم له مبلغا جسيما قدره مائة ألف دينار ذهبا، فأصدر الملك أمره بالعفو واستراحت البلاد «٣» . ومن جبل العمادية يقطع المسافر مسيرة عشرة أيام شرقا إلى:-

стр. 314

همذان Ecbatana «١» هي مادي المدينة الكبرى الواردة في التوراة. فيها نحو خمسين ألف يهودي. وفي كنيستها قبر مردخاي وأستير «٢» وعلى مسيرة أربعة أيام منها:- طبرستان Tabaristan «٣» الواقعة على شاطئ نهر غوزان

стр. 315

(سفيد رود) . فيها نحو أربعة آلاف يهودي. وهي على مسيرة سبعة أيام من:- أصبهان Ispahan «١» البلدة الكبيرة، كرسي المملكة. استدارتها نحو اثنى عشر ميلا. وفيها نحو خمسة عشر ألفا من اليهود. وهي مقر الرئيس سرشالوم الموكل بيهود العجم من رأس الجالوت ببغداد. وعلى مسيرة أربعة أيام منها:- شيراز Shiraz «٢» أو مدينة فارس «٣» . فيها نحو عشرة آلاف يهودي.

стр. 316

وعلى مسيرة سبعة أيام منها:- خيوة Khiva «١» البلدة الكبيرة على شاطئ نهر غوزان. فيها نحو ثمانية آلاف يهودي. ولها تجارة واسعة، يؤمها التجار من جميع الأمم للبيع والشراء. وأراضيها على امتداد عظيم. وهي تبعد مسيرة خمسة أيام عن:- سمرقند Samarkant «٢» البلدة المتاخمة لمملكة (العجم «٣» ) . فيها نحو خمسين ألف يهودي «٤» . بينهم عدد كبير من العلماء وذوي اليسار، وعندهم الرئيس عوبدية الموكل بهم من رأس الجالوت ببغداد. وعلى مسيرة أربعة أيام منها:- بلاد التبت Tibet «٥» فيها آجام يكثر فيها غزال المسك. ومنها يقطع المسافر مسيرة خمسة وعشرين يوما، فيعود إلى:- نيسابور Naysabur «٦» على شواطئ نهر غوزان (سفيد رود) .

стр. 317

ويزعم يهودها أنهم من بقايا الأسباط الأربعة من بني إسرائيل التي أسرها شلمناصر ملك أشور. وهي أسباط دان وزبولون ونفتلي وآشر التي ورد عنها في التوراة: «وسبى ملك أشور بني إسرائيل إلى أشور، ووضعهم في حلح وحابور، نهر غوزان وفي مدن مادي» . وهي بلاد واسعة الأرجاء تبلغ مسيرتها عشرين يوما. وبها المدن والقرى تحميها الجبال من جهة ونهر غوزان من الجهة الأخرى. واليهود هنا مستقلون. لا يدينون بالطاعة لغير رئيسهم يوسف أمر كلة اللاوي ومن معه من كبار علماء الدين. وهم يشتغلون بالزراعة ويخرجون للغزو في بلاد الكاشيين (خراسان) بطريق الصحراء. ولهؤلاء اليهود أحلاف من القبائل التي يسميها المسلمون «كفار الترك» . وهم جماعات لا حصر لها من البدو. يعيشون في الصحراء ويعبدون الهواء، وطعامهم اللحم النيئ، يأكلونه من غير شواء. ولا يأكلون الخبز ولا يعرفون الخمر. وفي موضع الأنف في وجوههم ثقبان صغيران يتنسمون بهما الهواء. وهم إذا أكلوا لحما لا يفرقون بين الطاهر وغير الطاهر من الحيوان. وعلاقتهم باليهود يسودها الصفاء والوثام. وقد أغار «كفار الترك» على بلاد العجم قبل ثمانية عشر عاما «١» ،

стр. 318

بجيوش جرارة، فاستولوا على «الري» وأعملوا السيف في رقاب أهلها ونهبوا ما فيها ورجعوا بما غنموه إلى جبالهم. وكان هذا أول حادث في بابه في بلاد العجم. فلما بلغت أخبار هذه المذبحة أسماع ملك العجم، ثار ثائره وأقسم ليبيدن هذه القبائل التي باغتت بلاده من وراء الصحراء، وليمحونهم من تحت السماء. فانتشر المنادون في طول البلاد وعرضها يطلبون الأدلاء لهداية الجيوش اللجبة في مسالك الصحراء. فشخص رجل بحضرة الملك وقال له: «إني دليلكم إلى مضارب القوم، لأنني منهم» . فوعده الملك بجزيل العطاء إن هو دلهم على السبل المؤدية إلى تلك الجبال السحيقة. فلما سأله عن مقدار المؤونة التي يحتاجها الجند في مسيرته، قال: «تزودوا بما يكفيكم خمسة عشر يوما من الزاد والماء.» . وخرجت الجيوش الجرارة تطلب مضارب القوم. وظلت تضرب في عرض البيداء خمسة عشر يوما دون أن تعثر للأعداء على أثر. فأشرف

стр. 319

الزاد على النفاد، وهلك بعض الجند والخيل جوعا. فأحضر الملك دليل الجيش بين يديه واستوضح منه جلية الأمر. فأخبره هذا بأنه قد ضل الطريق. فغضب الملك وأمر بقطع رأس الدليل. ثم نادى المنادون يوصون الجند بالتقتير بالزاد، وأن يقاسم من يحمل شيئا منه صاحبه. وذبحت الخيل لأطعام الجيوش خوفا من هلاكه عن آخره. وبعد مسيرة ثلاثة عشر يوما أشرفوا على جبال نيسابور حيث يقيم اليهود. وكان وصولهم إليها في يوم سبت. فضربوا خيامهم بين الرياض والبساتين المثمرة على عين ماء بالقرب من نهر غوزان، فعاثوا بالأشجار، يأكلون فاكهتها ويقطعون عيدانها، لكنهم لم يجدوا حولها إنسيا واحدا. وكانت المدن والقلاع تظهر لعيانهم عن بعد. فأوفد الملك رسولين من جنده لاستطلاع خبر القوم. ولما بلغ الرسولان شاطئ النهر، وجدا عليه قنطرة عظيمة فوقها الأبراج الحصينة، وبرأسها باب ضخم محكم الإيصاد، وفي عدوة النهر من الجانب الآخر مدينة كبيرة. فصاح الرسولان تنبيها لمن على الجسر بحضورهما. فخرج إليهما رجل يسألهما عن هويتهما ووجهتهما، لكنهما لم يفقها حديثه. وبعده حضر ترجمان يفهم لغة الرسولين، فلما سألهما عن أمرهما وما يريدانه، أجابا: «إننا من عسكر ملك العجم وقد جئنا نستطلع شأنكم ونعرف الملك الذي يحكمكم» . فقال الرجلان: «إننا يهود، لا نعرف لنا ملكا غير رئيسنا، وهو يهودي مثلنا.» وعندها سألهما الرسولان عن قبائل الغز من كفار الترك. فأجاب اليهوديان: «إنهم أحلافنا. ومن آذاهم فهو عدونا» .

стр. 320

فرجع الرسولان أدراجهما وأخبرا ملك العجم بما شاهدا وما سمعا، فاحتار الملك وخاف سوء المغبة. وفي اليوم التالي جاءه رسول أهل المدينة يدعو جيش العجم إلى الحرب والقتال فقال الملك: «إني ما حضرت إلى هنا لقتالكم، وإنما لمناجزة أعدائي كفار الترك. فإذا أبيتم إلا قتالي، فسوف أنتقم منكم بإهلاك جميع اليهود القاطنين في مملكتي، وهم كثيرون. وأنتم في هذا المكان أقوى مني. فأنا أسألكم بالمعروف أن تكفوا عن قتالي وتتركوني وشأني مع كفار الترك. وسوف أدفع لكم ثمن ما يحتاج إليه جندي من زاد وأرزاق.» فلما سمع اليهود هذا الكلام، تشاوروا فيما بينهم، وقر رأيهم على مصافاة ملك العجم، حقنا لدماء إخوانهم من اليهود المقيمين في بلاده. فاستضافوا جند العجم في مدينتهم خمسة عشر يوما وأكرموا وفادتهم غاية الإكرام. لكنهم ظلوا أمناء على عهدهم مع كفار الترك، فأوفدوا إليهم سرا من يشعرهم بمقدم ملك العجم لمقاتلتهم. فاستعد كفار الترك، وأخذوا الأهبة للحرب والقتال، فنصبوا الكمين في مسالك الجبال ومضائق الشعاب، وحشدوا الجيوش الجرارة من جميع أنحاء تلك الصحراء. فما إن خرج ملك العجم بعسكره لمقاتلتهم حتى هاجموه من كل صوب، فانتصروا عليه، وأهلكوا عددا غفيرا من جنده، ففر ملك العجم بمن كتبت له السلامة من أتباعه وعاد إلى بلاده. وحدث أن فارسا من جند ملك العجم خدع يهوديا يدعى موسى، فاستصحبه إلى بلاد العجم، وهناك استرقه له عبدا. وبعد مضي مدة
следующие страницы →