Полный текст (1 954 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
أذو «١» الحظّ من علم الكتاب حداك «٢» لي؟ ... أم الفلك الدّوّار نحوي أدارك «٣» ؟
وكيف كتمت الليل وجهك مظلما ... أشعرك أعشيت «٤» السّنا أم شعارك؟
وكيف اعتسفت «٥» البيد لا في ظعائن ... ولا شجر الخطّيّ حفّ شجارك «٦» ؟
ولا أذّن الحيّ الجميع برحلة ... أراح لها راعي المخاض عشارك «٧»
ولا أرزمت «٨» خوص المهاري مجيبة ... صهيل جياد يكتنفن قطارك «٩»
ولا أذكت الرّكبان عنك عيونها «١٠» ... حذار عيون لا ينمن حذارك
وكيف رضيت الليل ملبس طارق ... وما ذرّ قرن الشمس إلّا استنارك؟
وكم دون رحلي من بروج «١١» مشيدة ... تحرّم من قرب المزار مزارك
وقد زأرت حولي أسود تهامست ... لها الأسد أن كفّي عن السّمع زارك
وأرضي سيول من خيول مظفّر ... وليلي «١٢» نجوم من سماء «١٣» مبارك
стр. 1017
بحيث وجدت الأمن يهتف بالمنى ... هلمّي إلى عينين «١» جادا سرارك «٢»
هلمّي إلى بحرين قد مرج النّدى ... عبابيهما لا يسأمان انتظارك
هلمّي إلى سيفين والحدّ واحد ... يجيران من صرف الحوادث جارك
هلمّي إلى طرفي رهان تقدّما ... إلى الأمد الجالي عليك اختيارك
هلمّي إلى قطبي نجوم كتائب ... تنادي نجوم التّعس غوري مغارك «٣»
وحيّي على دوحين جاد «٤» نداهما ... ظلالك واستدنى إليك»
ثمارك
وبشراك قد فازت قداحك بالعلا «٦» ... وأعطيت من هذا الأنام خيارك
شريكان في صدق المنى وكلاهما ... إذا قارن «٧» الأقران غير مشارك
هما سمعا دعواك يا دعوة الهدى ... وقد أوثق الدهر الخؤون إسارك
وسلّا سيوفا لم تزل تلتظي أسّى «٨» ... بثأرك حتى أدركا لك ثارك
ويهنيك يا دار الخلافة منهما ... هلالان لاحا يرفعان منارك
كلا القمرين بين عينيه غرّة ... أنارت «٩» كسوفيك وجلّت سرارك
стр. 1018
فقاد إليك الخيل شعثا شوازيا ... يلبّين بالنّصر العزيز انتصارك
سوابق هيجاء كأنّ صهيلها ... يجاوب تحت الخافقات شعارك
بكلّ سريّ العتق سرّى عن الهدى ... وكل حميّ الأنف أحمى ذمارك
تحلّوا من المنصور نصرا وعزّة ... فأبلوك في يوم البلاء اختيارك
إذا انتسبوا يوم الطّعان لعامر ... فعمرك يا هام العدى لا عمارك!
يقودهم منهم سراجا كتائب ... يقولان للدّنيا: أجدّي افتخارك
إذا افترّت الرايات عن غرّتيهما ... فيا للعدى أضللت منهم فرارك
وإن أشرق النّادي بنور سناهما ... فبشرى الأماني: عينك «١» لا ضمارك «٢»
وكم كشفا «٣» من كربة بعد كربة ... تقول لها النيران: كفّي أوارك
وكم لبّيا من دعوة وتداركا ... شفى رمق ما كان بالمتدارك
ويا نفس غاو، كم أقرّا نفارك ... ويا رجل هاو، كم أقالا عثارك
ولست ببدع حين قلت لهمّتي ... أقلّي لإعتاب الزّمان انتظارك
стр. 1019
فلله صدق العزم أيّة «١» غرّة ... إذا لم تطيعي في «لعلّ» اغترارك
فإن غالت البيد اصطبارك والسّرى ... فما غال ضيم الكاشحين اصطبارك
ويا خلّة التّسويف، قومي فأغدفي «٢» ... قناعك من دوني وشدّي إزارك
وحسبك بي يا خلّة النّاي خاطري ... بنفسي إلى الحظّ النّفيس حطارك
فقد آن إعطاء النّوى صفقة الهوى ... وقولك للأيّام: جوري مجارك «٣»
ويا ستر البيض النّواعم، أعلني «٤» ... إلى اليغملات والرّحال بدارك «٥»
نواجي واستودعتهنّ نواجيا ... حفاظك يا هذي بذي وازدهارك «٦»
ودونك أفلاذ الفؤاد فشمّري ... ودونك يا عين اللّبيب اعتبارك
صرفت الكرى عنها بمغتبق السّرى ... وقلت: أديري والنجوم عقارك
فإن وجبت للمغربين جنوبها «٧» ... فداوي برقراق السّراب خمارك
فأوري «٨» بزندي سدفة ودجنّة ... إذا كانتا لي مرخك وعفارك «٩»
стр. 1020
وإن خلع الليل الأصائل فاخلعي ... إلى الملكين الأكرمين عذارك
بلنسية مثوى الأمانيّ فاطلبي ... كنوزك في أقطارها «١» وادّخارك
سينبيك زجري عن بلاء نسيته ... إذا أصبحت تلك القصور قصارك
وأظفر سعي بالرّضا من مظفّر ... وبورك لي في حسن رأي مبارك «٢»
قصيّ «٣» المنى قد شام بارقة الحيا ... وأنشقت يا ظئر الرّجاء حوارك «٤»
وحمدا يميني قد تملّأت بالمنى ... وشكرا يساري قد حويت يسارك
وقل لسماء المزن: إن شئت أقلعي ... ويا أرضها «٥» إن شئت غيضي بحارك
ولا توحشي يا دولة العزّ والمنى «٦» ... مساءك من نوريهما وابتكارك
وصولهما إلى غرناطة: وصلا مع أمثالهما من أمراء الشّرق صحبة المرتضى، وكان من انهزام الجميع بظاهرها، وإيقاع الصناهجة «٧» بهم ما هو معلوم حسبما مرّ ويأتي بحول الله.
стр. 1021
ومن ترجمة الأعيان والوزراء بل ومن ترجمة الطارئين والغرباء منها
منصور بن عمر بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق بن محيو
يكنى أبا علي.
أوليّته: معروفة، قد مرّت عند ذكر إخوته وقومه.
حاله: كان، ﵀، فتى القوم، لسنا، مفوّها، مدركا، متعاطيا للأدب والتاريخ، مخالطا للنّبلاء، متسوّرا خلق العلماء، غزلا، كلفا بالدّعابة، طرفة من طرف أهل بيته، قويّ الشّكيمة، جوادا بما في وسعه، متناهيا في البدانة. دخل غرناطة في الجملة من إخوانه وبني عمّه، مغرّبين عن مقرّ الملوك بالمغرب، وأقام بها إلى شهر ربيع الأول من عام ثلاثة وستين وسبعمائة. وركب البحر في الخامس والعشرين منه، عندما لحق أخوه عبد الحكيم بالمغرب. وبايعه الناس، ولاحت له بارقة لم تكد تقد حتى خبت، فبادر إلى مظاهرته في جفن غزوي «١» من أسطول الأندلس، وصحبه قوم ممن يخطب الخطط، ويبتدر رمق الدول، وهال عليهم البحر، فطرح الجفن بأحواز غسّاسة، وقد عادتها ملكة عدوّهم، فتقبّض عليه، وأدخل مدينة فاس في الثاني لربيع الآخر من العام، مشهور المركب على الظّهر، يضرب بين يديه طبل للشّهرة، وناقور المثلة، وأجلس بين يدي السلطان، فأبلى بما راق الحاضرين من بيانه من العذر للخروج بالاستمالة حتى لرجي خلاصه، واستقرّ مثقّفا تتعلّق به الأراجيف، ويحوم حول مطرحة الاختبار إلى حين وفاته.
شعره: أنشدني الفقيه الأديب أبو بكر بن أبي القاسم بن قطبة من شعره، وكان صاحبه في الرّحلة، ومزامله في أسطول المنحسة، وذلك قوله: [مخلع البسيط]
سوف ننال المنى ونرقى ... مراقي العزّ والمعالي
إذا حططنا بأرض فاس ... وحكّمت في العدى العوالي
فأنت عندي بها حقيق ... يا حائز الفضل والكمال
стр. 1022
وفاته: في وسط جمادى الأولى من العام «١» ، دخل عليه في بيت معتقله فقتل، ودفن ببعض مدافنهم، رحمة الله عليه.
مقاتل بن عطية البرزالي
يكنى أبا حرب، وقال فيه أبو القاسم الغافقي: من أهل غرناطة، ويلقّب بذي الوزارتين، ويعرف بالرّيّه «٢» لحمرة كانت في وجهه.
حاله: كان من الفرسان الشجعان، لا يصطلى بناره، وكان معه من قومه نحو من ثلاث مائة فارس من بني برزال. وولّاه الأمير عبد الله بن بلقّين بن باديس مدينة أليسّانة «٣» ، والتقى به ابن عباد وأخذ بمخنّقها، وكان عبد الله يحذره. وعندما تحقّق حركة اللّمتونيين «٤» إليه، صرفه عن جهته، فقلّ لذلك ناصره، وأسرع ذهاب أمره.
شجاعته: قال: وحضر مقاتل مع عبد الله بن بلقين، أمير غرناطة، وقيعة النّيبل في صدر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، فأبلى فيها بلاء عظيما، وجرح وجهه، ومزّق درعه بالطّعن والضّرب. وذكر من حضرها ونجا منها، قال: كنت قد سقط الرمح من يدي ولم أشعر، وحملت التّرس ولم أعلم به، وحملني الله إلى طريق منجاة فركبتها، مرّة أقع ومرّة أقوم، فأدركت فارسا على فرس أدهم ورمحه على عاتقه، ودرقته على فخذه، ودرعه مهتّكة بالطّعن، وبه جرح في وجهه يثعب دما تحت مغفره، وهو مع ذلك ينهض على رسله، فرجعت إلى نفسي فوجدت ثقلا، فتذكرت التّرس، فأخرجت حمالته عن عاتقي، وألقيته عني، فوجدت خفّة، وعدت إلى العدوّ، فصاح ذلك الفارس: خذ التّرس، قلت: لا حاجة لي به، فقال: خذه، فتركته وولّيت مسرعا، فهمز فرسه ووضع سنان رمحه بين كتفيّ، وقال: خذ الترس، وإلّا أخرجته بين كتفيك في صدرك، فرأيت الموت الذي فررت منه، ورجعت إلى التّرس فأخذته، وأنا أدعو عليه، وأسرعت عدوا، فقال لي: «على ما كنت فليكن عدوّك» ، فاستعذت
стр. 1023
وقلت: ما بعثه الله إلّا لهلاكي، وإذا قطعة من خيل الروم قد بصرت به، فوقع في نفسه أنه يسرع الجري فيسلم وأقتل، فلمّا ضاق الطّلق ما بينه وبين أقربهم منه، عطف عليه كالعقاب، وطعنه ففطره، وتخلّص الرمح منه، ثم حمل على آخر فطعنه، ومال على الثالث فانهزم منه، فرجع إليّ، وقد بهتّ من فعله، ورشاش دم الجرح يتطاير من قناع المغفر لشدّة نفسه، وقال لي: يا فاعل، يا صانع، أتلقي الرّمح ومعك مقاتل الرّيّه؟
انتهى اختصار السفر الثامن والحمد لله رب العالمين يتلوه في اختصار التاسع بعده ومن ترجمة القضاة مؤمل بن رجا بن عكرمة بن رجا العقيلي من إلبيرة*** ومن السّفر التاسع من ترجمة القضاة
مومّل بن رجاء بن عكرمة بن رجاء العقيلي
من إلبيرة.
حاله: كان شيخا مضعوفا يغلب عليه البله، من أهل التّعيّن والحسب والأصالة، عريقا في القضاء، قاض ابن قاض ابن قاض. ولّي قضاء إلبيرة للأمير محمد.
من حكاياته: رفعت إليه امرأة كتاب صداقها، فقال: الصّداق مفسوخ، وأنتما على حرام، فافترقا، فرّق الله بينكما. ثم رمى بالصّداق إلى من حوله، وقال: عجبا لمن يدّعي فقها ولا يعلمه، أو يزعم أنه يوثّق ولا يتقنه، مثل أبي فلان وهو في المجلس يكتب هذا الصّداق، وهو مفسوخ، ما أحقّه أن يغرّم ما فيه. فدار الصّداق على يدي كل من حضر، وكل يقول: ما أرى موضع فسخ، فقال: أنتم أجهل من كاتبه، لكني أعذركم؛ لأن كل واحد منكم يستر على صاحبه خطأه، انظروا وأمنحكم اليوم، فنظروا فلم يجدوا شيئا يوجب فسخا. فدنا منه محمد بن فطيس الفقيه، فقال: أصلح الله القاضي، إن الله منحك من العلم والفهم ما نحن مقرّون بالعجز عنه، فأفدنا هذه الفائدة، فقال: ادن، فدنا منه، فقال: أو ليس في الصداق:
«ولا يمنعها زيارة ذوي محارمها، ولا يمنعهم زيارتها بالمعروف» ؟ ولولا معرفتي بمحبّتك ما أعلمتك. فشكره الشيخ، وأخذ بطرف لحيته يجرّه إليه حتى قبّلها، وكان عظيم اللحية طويلها، شيمة أهل هذه الطّبقة. قال ابن فطيس: أنا المخصوص بالفائدة، ولا أعرّف بها إلّا من تأذن بتعريفه إياها، فتبسّم القاضي معجبا بما رأى،
стр. 1024
وشفعوا إليه أن لا يفسخ الصّداق، وقيل للزوجين: لا تطلبا به عنده شيئا. وولّي قضاء جيّان.
ومن الطارئين والغرباء
المهلب بن أحمد بن أبي صفرة الأسدي
من أهل ألمريّة، يكنى أبا القاسم.
حاله: كان من أدهى الناس وأفصحهم، ومن أهل التّعيّن والعناية التامة، واستقضي بألمريّة.
مشيخته: سمع من أبي محمد الأصبهاني، ورحل وروى عن أبي ذرّ الهروي.
تواليفه: ألّف كتابا في «شرح البخاري» ، أخذه الناس عنه.
وفاته: توفي سنة ست وثلاثين وأربعمائة، وقيل سنة ... «١» .
ومن ترجمة الكتاب والشعراء وهم الأصليّون
مالك بن عبد الرحمن بن علي بن عبد الرحمن بن الفرج ابن أزرق بن سعد بن سالم بن الفرج «٢»
المنزل بوادي الحجارة بمدينة الفرج المنسوبة إليه الآن.
قال ابن عبد الملك: كذا كتب لي بخطّه بسبتة، وهو مصمودي ثم شصّادي مولى بني مخزوم، مالقي، سكن سبتة طويلا ثم مدينة فاس، ثم عاد إلى سبتة مرة أخرى، وبآخرة فاس، يكنى أبا الحكم وأبا المجد، والأولى أشهر، ويعرف بابن المرحّل، وصف جرى على جدّه علي بن عبد الرحمن لمّا رحل من شنتمريّة «٣» ، حين إسلامها للروم عام خمسة وستين وخمسمائة.
стр. 1025
حاله: قال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: شاعر رقيق مطبوع، متقدّم، سريع البديهة، رشيق الأغراض، ذاكر للأدب واللغة. تحرّف مدّة بصناعة التّوثيق ببلده، وولّي القضاء مرات بجهات غرناطة وغيرها. وكان حسن الكتابة إذا كتب، والشّعر أغلب عليه. وذكره ابن خلاد، وابن عبد الملك، فأما ابن عبد الملك، فلم يستوف له ما استوفى لغيره، وأما ابن خلّاد، فقصر به، إذ قال: كانت نشأته بمالقة بلده، وقرارة مولده في ناسها ووسط أجناسها، لم يتميّز بحسب، ولم يتقدّم في ميدان نسب، وإنما أنهضه أدبه وشعره، وعوّضه بالظّهور من الخمول نظمه ونثره، فطلع في جبين زمانه غرّة منيرة، ونصع في سلك فصحاء أوانه درّة خطيرة، وحاز من جيله رتبة التقديم، وامتاز في رعيله بإدراك كلّ معنى وسيم. والإنصاف فيه ما ثبت لي في بعض التقييدات، وهو الشيخ المسنّ المعمّر الفقيه، شاعر المغرب، وأديب صقعه، وحامل الرّاية، المعلّم بالشّهرة، المثل في الإكثار، الجامع بين سهولة اللفظ، وسلاسة المعنى، وإفادة التّوليد، وإحكام الاختراع، وانقياد القريحة، واسترسال الطّبع، والنّفاذ في الأغراض. استعان على ذلك بالعلم، بالمقاصد اللّسانية لغة وبيانا وعربيّة وعروضا، وحفظا واضطلاعا، إلى نفوذ الذّهن، وشدّة الإدراك، وقوّة العارضة، والتّبريز في ميدان اللّوذعية، والقحة والمجانة، المؤيّد ذلك بخفّة الرّوح، وذكاء الطّبع، وحرارة النّادرة، وحلاوة الدّعابة، يقوم على الأغربة والأخبار، ويشارك في الفقه، ويتقدّم في حفظ اللغة، ويقوم على الفرائض. وتولّى القضاء.
وكتب عن الأمراء، وخدم واسترفد، وكان مقصودا من رواة العلم والشّعر، وطلّاب الملح، وملتمسي الفوائد، لسعة الذّرع وانفساح المعرفة، وعلوّ السّن، وطيب المجالسة، مهيبا مخطوب السّلامة، مرهوبا على الأعراض، في شدقه شفرته وناره، فلا يتعرّض إليه أحد بنقد، أو أشار إلى قناته بغمز، إلّا وناط به آبدة، تركته في المثلات، ولذلك بخس وزنه، واقتحم حماه، وساءت بمحاسنه القالة، ﵀ وتجاوز عنه.
مشيخته: تلا بالسّبع على أبي جعفر بن علي الفخّار «١» ، وأخذ عنه بمالقة وعن غيره. وصحب وجالس من أهلها أبا بكر عبد الرحمن بن علي بن دحمان، وأبا عبد الله الإستجي، وابن عسكر، وأبا عمرو بن سالم، وأبا النعيم رضوان بن خالد «٢» ، وانتفع بهم في الطريقة، وبفاس أبا زيد اليرناسني الفقيه. ولقي بإشبيلية أبا
стр. 1026
الحسن بن الدّباغ، وأبا علي الشّلوبين، وأبا القاسم بن بقي، وأجازوا له. وروى عنه أبو جعفر بن الزبير، والقاضي أبو عبد الله بن عبد الملك، وجماعة.
دخوله غرناطة: قال ابن الزبير «١» : تكرّر قدومه علينا بغرناطة، وآخر انفصالاته عنها آخر سنة أربع وسبعين وستمائة. وقال لي حفيده أبو الحسين التّلمساني من شيوخنا: أنشد السلطان الغالب بالله، بمجلسه للنّاس من المقصورة بإزاء الحمراء، قبل بناء الحمراء. وقال غيره: أقام بغرناطة، وعقد بها الشروط مدة. وقال لي شيخنا أبو الحسن الجيّاب: ولي القضاء بجهات من البشارات «٢» ، وشكى للسّلطان بضعف الولاية، فأضاف إليه حصن أشكر «٣» ، يا متشو «٤» ، وأمر أن يهمل هذا الاسم ولا يشكّل، فقال أبو الحكم، ﵀، عند وقوفه عليه: قال لي السلطان في تصحيف هذا الاسم، «أشكر يا تيس» وهي من المقاصد النبيلة.
تواليفه: وهي كثيرة متعدّدة، منها شعره، والذي دوّن منه أنواع، فمنه مختاره، وسمّاه بالجولات، ومنه الصدور والمطالع. وله العشريات والنّبويّات على حروف المعجم، والتزام افتتاح بيوتها بحرف الرّوي، وسمّاها، «الوسيلة الكبرى المرجو نفعها في الدّنيا والأخرى» . وعشرياته الزّهديّة، وأرجوزته المسماة «سلك المنخّل، لمالك بن المرحّل» نظم فيها منخل أبي القاسم بن المغربي، والقصيدة الطويلة المسماة بالواضحة، والأرجوزة المسماة «اللّؤلؤ والمرجان» والموطّأة لمالك.
والأرجوزة في العروض. وكتابه في كان ماذا، المسمّى «بالرّمي بالحصا» ، إلى ما يشقّ إحصاره، من الأغراض النّبيلة، والمقاصد الأدبية.
شعره: قال القاضي أبو عبد الله بن عبد الملك: كان مكثرا من النّظم، مجيدا، سريع البديهة، مستغرق الفكرة في قرضه، لا يفتر عنه حينا من ليل أو نهار. شاهدت ذلك، وأخبرني أنّه دأبه، وأنه لا يقدر على صرفه من خاطره، وإخلاء باله من الخوض فيه، حتى كان من كلامه في ذلك، أنه مرض من الأمراض المزمنة. واشتهر نظمه، وذاع شعره، فكلفت به ألسنة الخاصّة والعامّة، وصار رأس مال المستمعين
стр. 1027
والمغنّين، وهجير الصّادرين والواردين، ووسيلة المكدّين، وطراز أوراد المؤذّنين وبطائقة البطالين، ونحن نجتزئ منه بنبذ من بعض الأغراض تدل على ما وراءها، إن شاء الله. فمن ذلك في غرض النّسيب: [الكامل]
دنف تستّر بالغرام طويلا ... حتى تغيّر رقّة ونحولا
بسط الوصال فما تمكّن جالسا ... حتى أقيم على البساط دليلا
يا سادتي، ماذا الجزاء «١» فديتكم ... الفضل لو غير الفتى ما قيلا
قالوا تعاطى الصّبر عن أحبابه ... لو كان يصبر للصّدود قليلا
ما ذاق إلّا شربة من هجرنا ... وكأنّه شرب الفرات شمولا
أيقول: عشت وقد تملّكه الهوى؟ ... لو قال متّ لكان أقوم قيلا
حلف الغرام بحبّنا وجمالنا ... إن لم يدعه ميّتا فعليلا
إنّ الجفون هي السّيوف وإنما ... قطعت فلم تسمع لهنّ صليلا
قل للحبيب ولا أصرّح باسمه ... ماذا الملال وما عهدت ملولا
بيني وبينك ذمّة مرعيّة ... أتراك تقطع حبلها الموصولا؟
ولكم شربت صفاء «٢» ودّك خالصا ... ولبست ظلّا من رضاك ظليلا
يا «٣» غصن بان بان عنّي ظلّه ... عند الهجير فما وجدت مقيلا
اعطف على المضنى الذي أحرقته ... في نار هجرك لوعة وغليلا
فارقته فتقطّعت أفلاذه ... شوقا وما ألفى إليك سبيلا
لو لم يكن منك التّغيّر لم يسل ... بالناس لو حشروا إليه قبيلا
يا راحلا عني بقلب مغضب ... أيطيق قلبي غضبة ورحيلا؟
قل للصّبا: هيّجت أشجان الصّبا ... فوجدت يا ريح القبول قبولا
هل لي رسول في الرياح؟ فإذا «٤» من ... فارقته بعث النسيم رسولا؟
يا ليت شعري، أين قرّ قراره؟ ... يا قلب، ويك أما وجدت دليلا؟
إن لم يعد ذاك الوصال كعهدنا ... نكّلت عيني بالبكا تنكيلا
وقال نسيبا ومدحا: [الكامل]
أعدى عليّ هواه خصم جفونه ... ما لي به قبل ولا بفنونه
стр. 1028
إن لم تجرني منه رحمة قلبه ... من ذا يجير عليه ملك يمينه؟
صاب من الأتراك أصبى مهجتي ... فعبدت نور الحسن فوق جبينه
متمكّن في الحسن نون صدغه ... فتبيّن التّمكين في تنوينه
تنساب عقرب صدغه في جنّة ... لم يجن منها الصّبّ غير منونه
ولوى ضفيرته فولّى مدبرا ... فعل الكليم ارتاع من تبيينه
قد أطمعتني فيه رقّة خدّه ... لو أمكنتني فيه رقّة دينه
ورجوت لين قوامه لو لم يكن ... كالرّمح شدّة طعنه في لينه
شاكي السّلاح وما الذي في جفنه ... أعدى عليّ من الذي بجفونه
ناديته لمّا ندت لي سينه ... وشعرت من لفظ السلام بسينه
رحماك في دنف غدا وحياته ... مماته وحراكه كسكونه
إن لم تمنّ عليّ منّة راحم ... فمناه أن يلقاه ريب منونه
ولذا أبيت سوى سمات عدوّه ... فأمانه من ذاك ظهر أمونه
سننيخها في باب أروع ماجد ... فيرى محلّ الفصل حقّ يقينه
حيث المعارف والعوارف والعلا ... في حدّ مجد جامع لفنونه
بدر وفي الحسن بن أحمد التقت ... نجب مررن على العطا بركوبه
تبغي مناها في مناها عنده ... وتطوف بالحاجات عند حجونه
فرع من الأصل اليماني طيّب ... ورث البيان وزاد في تبيينه
يبدي البشاشة في أسرّة وجهه ... طورا ويحمي العزّ في عرنينه
بسطت شمائله الزمان «١» كمثل ما ... بسط الغناء «٢» نفوسنا بلحونه
يثني عليه كلّ فعل سائر ... كالمسك إذ يثني على دارينه
ومن النّسيب قوله: [البسيط]
هو الحبيب قضى بالجور أم عدلا ... لبّى الخيار وأمّا في هواه فلا
تالله ما قصّر العذّال في عذلي ... لكن أبت أذني أن تسمع العذلا
أمّا السّلوّ فشيء لست أعرفه ... كفى بخلّك غدرا أن يقال سلا
جفون غيري أصحت بعدما قطرت ... وقلب غيري صحا من بعد ما ثملا
وغصن بان تثنّى من معاطفه ... سقيته الدّمع حتى أثمر العذلا
стр. 1029
آثرته «١» ونسيم الشّعر آونة ... فكلّما مال من أعطافه اعتدلا
أملت والهمّة العلياء طامحة ... وليس في الناس إلّا آمل أملا
وقال: إيها طفيليّ ومقترح ... ألست عبدي ومملوكي؟ فقلت: بلى
يا من تحدّث عن حسني وعن كلفي ... بحسنه وبحبّي فاضرب المثلا
نيّطت خدّي خوف القبض من ملكه ... إذا أشار بأدنى لحظه قتلا
تقبّل الأرض أعضائي وتخدمه ... إذا تجلّى بظهر الغيب واتّصلا
يا من له دولة في الحسن باهرة ... مثلي ومثل فؤادي يخدم الدّولا
ومن نظمه في عروض يخرج من دوبيتي مجزوّا، مقصرا قوله وملحه في اختراع الأعاريض كثيرة:
الصّبّ إلى الجمال مائل ... والحبّ لصدقه دلائل
والدّمع لسائلي جواب ... إن روجع سائل بسائل
والحسن على القلوب وال ... والقلب إلى الحبيب وابل
لو ساعد من أحبّ سعد ... ما حال من الحبيب حائل
يا عاذلي، إليك عنّي لا ... تقرّب ساحتي العواذل
ما نازلني كمثل ظبي ... يشفي بلحظة المنازل
ما بين دفونه حسام ... مخارقه له حمائل
والسيف يبتّ ثم ينبو ... واللحظ يطبق المفاصل
والسهم يصيب ثم يخطي ... واللحظ يمرّ في المقاتل
مهلا فدمي له حلال ... ما أقبل فيه قول قائل
إن صدّني فذاك قصدي ... أو جدّلني فلا أجادل
يا حسن طلوعه علينا ... والسّكر بمعطفيه مائل
ظمآن مخفّف الأعالي ... ريّان مثقّل الأسافل
قد نمّ به شذا الغوالي ... إذ هبّ ونمّت الغلائل
والطّيب منبّه عليه ... من كان عن العيان غافل
والغنج محرّك إليه ... من كان مسكّن البلابل
والسّحر رسول مقلتيه ... ما أقرب عهده ببابل!
стр. 1030
والروض يعير وجنتيه ... وردا كهواي غير حائل
واللين يهزّ معطفيه ... كالغصن تهزّه الشّمائل
والكأس تلوح في يديه ... كالنّجم بأسعد المنازل
يسقيك بريقه مداما ... ما أملح ساقيا مواصل
يسبيك برقّة الحواشي ... عشقا ولكافّة الشمائل
ما أحسن ما وجدت خدّا ... إذ نجم صباي غير آفل
ومن مستحسن نزعاته: [البسيط]
يا راحلين وبي من قربهم أمل ... لو أغنت الحليتان القول «١» والعمل
سرتم وسار اشتياقي بعدكم مثلا ... من دونه السّامران الشّعر والمثل
وظلّ يعذلني في حبّكم نفر ... لا كانت المحنتان الحبّ والعذل
عطفا علينا ولا تبغوا بنا بدلا ... فما استوى التّابعان العطف والعمل
قد ذقت فضلكم دهرا فلا وأبي ... ما طاب لي الأحمران الخمر والعسل
وقد هرمت أسى من هجركم وجوى ... وشبّ مني اثنتان الحرص والأمل
غدرتم أو مللتم يا ذوي ثقتي ... لبّتكم «٢» الخصلتان الغدر والملل
قالوا: كبرت ولم تبرح كذا غزلا ... أزرى بك الفاضحان الشّيب والغزل
لم أنس يوم تنادوا «٣» للرحيل ضحى ... وقرب المركبان الطّرف والجمل
وأشرقت بهواديهم هوادجهم ... ولاحت الزّينتان الحلي والحلل
وودّعوني بأجفان ممرّضة ... تغضّها الرّقبتان الخوف والخجل
كم عفّروا بين أيدي العيس من بطل ... أصابه المضنيان الغنج والكحل
دارت عليهم كؤوس الحبّ مترعة ... وما أبى «٤» المسكران الخمر والمقل
وآخرين اشتفوا منهم بضمّهم ... يا حبّذا الشافيان الضّم والقبل
كأنما الرّوض منهم روضة أنف ... يزهى بها المثبتان السّهل والجبل
من مسترق «٥» الرّوابي والوهاد بهم ... ما راقه المعجبان الخصر والكفل
стр. 1031
يا حادي العيس خذني مأخذا حسنا ... لا يستوي الضاديان «١» الرّيث «٢» والعجل
لم يبق لي غير ذكر أو بكا طلل ... لو ينفع الباقيان الذّكر والطّلل
يا ليت شعري ولا أنس ولا جذل ... هل يرفع الطّيّبان الأنس والجذل؟
ومن قوله على لسان ألثغ ينطق بالسّين ثاء ويقرأ بالرّويّين: [مخلع البسيط]
عمرت ربع الهوى بقلب ... لقوّة الحبّ غير ناكس ث
لبثت فيه أجر ذيل النّ ... حول أحبب به للابس ث
إن متّ شوقا فلي غرام ... نباته بالسّقام وادس ث
أمّا حديث الهوى فحقّ ... يصرف بلواه كلّ حادس ث
تعبت بالشّوق في حبيب ... أنا به ما حييت يائس ث
يختال كالغصن ماس فيه ... طرف فأزرى بكلّ «٣» مائس ث
دنيا تبدّت لكلّ وأي ... فهو لدنياه أيّ حارس ث
يلعب بالعاشقين طرّا ... والكلّ راضون وهو عابس ث
ومن شعره في الزهد يصف الدنيا بالغرور والكذب «٤» والزّور: [الكامل]
يا خاطب الدنيا، طلبت غرورا ... وقبلت من تلك المحاسن زورا
دنياك إمّا فتنة أو محنة ... وأراك في كلتيهما مقهورا
وأرى السنين تمرّ عنك سريعة ... حتى لأحسبهنّ صرن شهورا
بينا تريك أهلّة في أفقها ... أبصرتها في إثر ذاك بدورا
كانت قسيّا ثم صرن دوائرا ... لا بدّ أن ترمي الورى وتدورا
يأتي الظلام فما يسوّد رقعة ... حتى ترى مسطورها منشورا
فإذا الصباح أتى ومدّ رداءه ... نفض المساء رداءه المنشورا
يتعاقبان عليك، هذا ناشر ... مسكا وهذا ناشر كافورا
ما المسك والكافور إلّا أن ترى ... من فعلك الإمساك والتّكبيرا
أمسى على فوديك من لونيهما ... سمة تسوم كآبة وبسورا
стр. 1032
حتى متى لا ترعوي وإلى متى؟ ... أو ما لقيت من المشيب نذيرا؟
أخشى عليك من الذّنوب فربما ... تلفى الصّغير من الذنوب كبيرا
فانظر لنفسك إنني لك ناصح ... واستغفر المولى تجده غفورا
من قبل ضجعتك التي تلقى لها ... خدّ الصّغار على التّراب حقيرا
والهول ثم الهول في اليوم الذي ... تجد الذي قدّمته مسطورا
وقال في المعنى «١» المذكور: [الوافر]
وأشفي «٢» الوجد ما أبكى العيونا ... وأشفي الدّمع ما نكأ الجفونا
فيا ابن الأربعين اركب سفينا ... من التّقوى فقد عمّرت حينا
ونح إن كنت من أصحاب نوح ... لكي تنجو نجاة الأربعينا
بدا للشّيب «٣» في فوديك رقم ... فيا أهل الرّقيم، أتسمعونا؟
لأنتم أهل كهف قد ضربنا ... على آذانهم فيه سنينا
رأيت الشّيب يجري في سواد ... بياضا لا كعقل الكاتبينا
وقد يجري السّواد على بياض ... فكان «٤» الحسن فيه مستبينا
فهذا العكس يؤذن بانعكاس ... وقد أشعرتم لو تشعرونا
نبات هاج ثم يرى حطاما ... وهذا اللّحظ قد شمل العيونا
نذير جاءكم عريان يعدو ... وأنتم تضحكون وتلعبونا
أخي، فإلى «٥» متى هذا التّصابي؟ ... جننت بهذه الدنيا جنونا
هي الدنيا وإن وصلت وبرّت ... فكم قطعت وكم تركت بنينا!
فلا تخدعك «٦» أيام تليها ... ليال واخشها بيضا وجونا
فذاك إذا نظرت سلاح دنيا ... تعيد حراك ساكنها سكونا
وبين يديك يوم أيّ يوم ... يدينك فيه ربّ الناس دينا
فإمّا دار عزّ ليس يفنى ... وإمّا دار هون لن يهونا
فطوبى في غد للمتّقينا ... وويل في غد للمجرمينا
стр. 1033
وآه ثم آه ثم آه ... على نفسي أكرّرها مئينا
أخيّ، سمعت هذا الوعظ أم لا؟ ... ألا يا «١» ليتني في السامعينا
إذا ما الوعظ لم يورد بصدق ... فلا خسر كخسر الواعظينا
وقال يتشوّق إلى بيت الله الحرام، ويمدح رسول الله ﷺ : [البسيط]
شوق كما رفعت نار على علم ... تشبّ بين فروع الضّال والسّلم
ألفّه بضلوعي وهو يحرقها ... حتى يراني بريا ليس بالقلم
من يشتريني بالبشرى ويملكني ... عبدا إذا نظرت عيني إلى الحرم؟
دع للحبيب ذمامي واحتمل رمقي ... فليس ذا قدم من ليس ذا قدم
يا أهل طيبة، طاب العيش عندكم ... جاورتم خير مبعوث إلى الأمم
عاينتم جنّة الفردوس من كثب ... في مهبط الوحي والآيات والحكم
لنتركنّ بها الأوطان خالية ... ونسلكنّ لها البيداء في الظّلم
ركابنا تحمل الأوزار مثقلة ... إلى محطّ خطايا العرب والعجم
ذنوبنا، يا رسول الله، قد كثرت ... وقد أتيناك فاستغفر لمجترم
ذنب يليه على تكراره ندم ... فقد مضى العمر في ذنب وفي ندم
نبكي فتشغلنا الدنيا فتضحكنا ... ولو صدقنا البكا شبنا دما بدم
يا ركب مصر، رويدا يلتحق بكم ... قوم مغاربة لحم على وضم
فيهم عبيد تسوق العيس زفرته ... لم يلق مولاه قد ناداه في النّسم
يبغي إليه شفيعا لا نظير له ... في الفضل والمجد والعلياء والكرم
ذاك الحبيب الذي ترجى شفاعته ... محمد خير خلق الله كلّهم
صلّى عليه إله الخلق ما طلعت ... شمس وما رفعت نار على علم
ومن مقطوعاته العجيبة في شتى الأغراض، وهي نقطة من قطر، وبلالة من بحر، قوله مما يكتب على حمالة سيف، وقد كلف بذلك غيره من الشعراء بسبتة، فلمّا رآها أخفى كل منظومه، وزعم أنه لم يأت بشيء، وهو المخترع المرقص:
[البسيط]
جماله كرياض جاورت نهرا ... فأنبتت شجرا راقت أزاهرها
كحيّة الماء عامت فيه وانصرفت ... فغاب أوّلها فيه وآخرها
стр. 1034
وقوله، وقد تناول الرئيس ابن خلاص «١» بيده مقصّا فأدمى يده فأنشده:
[الوافر]
عداوة لا لكفّك من قد نمّ «٢» ... فلا تعجب لقرّاض لئيم
لئن أدماك فهو لها شبيه ... وقد يسطو اللّئيم على الكريم
وقوله في الخضاب: [الطويل]
سترت مشيبي بالخضاب تعلّلا ... فلم يحظ شيبي «٣» وراب خضابي
كأنّي وقد زوّرت لونا على الصّبا ... أعنون طرسا ليس فيه كتابي
غراب خضاب لم يقف من حذاره ... وأغرب شيء في الحذار غرابي
وقوله وهو من البديع المخترع: [الكامل]
لا بدّ من ميل إلى جهة فلا ... تنكر على الرجل الكريم مميلا
إنّ الفؤاد وإن توسّط في الحشا ... ليميل في جهة الشّمال قليلا
وقوله وهو معنى قد قيل فيه: [الكامل]
لا تعجبوا للمرء يجهل قدره ... أبدا ويعرف غيره فيصبر
فالعين تبصر غيرها مع بعده ... لكنّ بؤبو نفسها لا تبصر «٤»
وقوله: [الوافر]
أرى المتعلّمين عليك أعدا «٥» ... إذا أعلمتهم من كلّ عاد
فما عند الصّغير سوى عقوق ... ولا عند الكبير سوى عناد
وقوله في وصفه ذي الجاه: [الخفيف]
يضع الناس صاحب الجاه فيهم ... كل يوم في كفّة الميزان
стр. 1035
إن رأوه يوما ترجّح وزنا ... ضاعفوا البرّ فهو ذو رجحان
أو رأوا منه نقص حبّة وزن ... ما كسوه في حبّة الجلجلان
وأنشدنا عنه غير واحد من شيوخنا وقد بلغ الثمانين: [السريع]
يا أيها الشيخ الذي عمره ... قد زاد عشرا بعد سبعينا
سكرت من أكؤس خمر الصّبا ... فحدّك الدّهر ثمانينا
وقال: هيهات! ما أظنّه يكملها، وقال في الكبرة: [الكامل]
يا من لشيخ قد أسنّ وقد عفا ... مذ جاوز السّبعين أضحى مدنفا
خانته بعد وفائها أعضاؤه ... فغدا قعيدا لا يطيق تصرّفا
هرما غريبا ما لديه مؤانس ... إلّا حديث محمد والمصطفى
وكتب إلى القاضي أبي الحجاج الطّرسوني في مراجعة: [السريع]
يا سيدي، شاكركم مالك ... قد صيّرت ميم اسمه هاء
ومن يعش خمسا وتسعين ... قد أنهت «١» التعمير إنهاء
ومن نظمه في عرس صنعها بسبتة على طريقه في المجانة: [الكامل]
الله أكبر في منار الجامع ... من سبتة تأذين عبد خاشع
الله أكبر للصّلاة أقيمها ... بين الصّفوف من البلاط الواسع
الله أكبر محرما وموجّها ... دبري «٢» إلى ربّي بقلب خاضع
الحمد لله السلام عليكم ... آمين لا تفتح لكلّ مخادع
إن النّساء خدعنني ومكرن بي ... وملأن من ذكر النساء مسامعي
حتى وقعت وما وقعت بجانب ... لكن على رأس لأمر واقع
والله ما كانت إليه ضرورة ... لكنّ أمر الله دون مدافع
فخطبن لي في بيت حسن قلن لي ... وكذبن لي في بنت قبح شانع
بكرا زعمن صغيرة في سنّها ... حسناء تسفر عن جمال بارع
خودا لها شعر أثيث حالك ... كالليل تجلى عن صباح ساطع
стр. 1036
حوراء يرتاع الغزال إذا رنت ... بجفون خشف «١» في الخمائل رافع
تتلو الكتاب بغنّة وفصاحة ... فيميل نحو الذّكر قلب السامع
بسّامة عن لؤلؤ متناسق ... في ثغرها في نظمه متتابع
أنفاسها كالرّاح فضّ ختامها ... من بعد ما ختمت بمسك رائع
شمّاء دون تفاوت عربيّة ... ببسالة وشجاعة ومنازع
غيداء كالغصن الرّطيب إذا مشت ... ناءت بردف للتعجّل مانع
تخطو على رجلي حمامة أيكة ... مخضوبة تسبي فؤاد السامع
ووصفن لي من حسنها وجمالها ... ما البعض منه يقيم عذر الخالع
فدنوت واستأمنت بعد توحّشي ... وأطاع قلب لم يكن بمطاوع
فحملنني نحو الوليّ وجئنني ... بالشّاهدين وجلد كبش واسع
وبعرفه من نافع لتعادل ... والله ليس بنافع
فشرطن أشراطا عليّ كثيرة ... ما كنت في حملي لها بمطاوع
ثم انفصلت وقد علمت «٢» بأنني ... أوثقت في عنقي لها بجوامع
وتركنني يوما وعدن وقلن لي ... خذ في البناء ولكن بمرافع
واصنع لها عرسا ولا تحوج إلى ... قاض عليك ولا وكيل رافع
وقرعت سنّي عند ذاك ندامة ... ما كنت لولا أن «٣» خدعت بقارع
ولزمتني حتى انفصلت بموعد ... بعد اليمين إلى النهار الرابع
فلو أنني طلّقت كنت موفّقا ... ونفضت من ذاك النكاح أصابعي
لكن طمعت بأن أرى الحسن الذي ... زوّرن لي فذممت سوء مطامعي
فنظرت في أمر البناء معجّلا ... وصنعت عرسا يا لها من صانع!
وطمعت أن «٤» تجلى ويبصر وجهها ... ويقرّ عيني بالهلال الطّالع
وظننت ذاك كما ذكرن ولم يكن ... وحصلت أيضا في مقام الفازع
وحملنني ليلا إلى دار لها ... في موضع عن كل خير سامع
دار خراب في مكان توحّش ... ما بين آثار هناك بلاقع
فقعدت في بيت صغير مظلم ... ولا شيء فيه سوى حصير الجامع
стр. 1037
فسمعت حسّا عن شمالي منكرا ... وتنحنحا يحكي نقيق ضفادع
فأردت أن أنجو بنفسي هاربا ... ووثبت عند الباب وثبة جازع
فلقيتهنّ وقد أتين بجذوة ... فرددنني وحبسنني بمجامع
ودخلن بي في البيت واستجلسنني ... فجلست كالمضرور يوم زعازع
وأشرن لي نحو السّماء «١» وقلن لي ... هذي زويبعة وبنت زوابع
هذي خليلتك التي زوّجتها ... فاجلس هنا معها ليوم سابع
بتنا من «٢» النّعمى التي خوّلتها ... فلقد حصلت على رياض يانع
فنظرت نحو خليلتي متأمّلا ... فوجدتها محجوبة ببراقع
وأتيتها وأردت نزع خمارها ... فغدت تدافعني بجدّ وازع
فوجلتها في صدرها وحذوته ... وكشفت هامتها بغيظ صارع
فوجدتها قرعاء تحسب أنّها ... مقروعة في رأسها بمقارع
حولاء تنظر فوقها في ساقها ... فتخالها مبهوتة في الشارع
فطساء تحسب أنّ روثة أنفها ... قطعت فلا شلّت يمين القاطع
صمّاء تدعى بالبريح وتارة ... بالطّبل أو يؤتى لها بمقامع
بكماء إن رامت كلاما صوّتت ... تصويت معزى نحو جدي راضع
فقماء إن ما «٣» تلتقي أسنانها ... تفسو إذا نطقت فساء الشابع
عرجاء إن قامت تعالج مشيها ... أبصرت مشية ضالع أو خامع
فلقيتها وجعلت أبصق نحوها ... وأفرّ نحو دجى وغيث هامع
حيران أغدو في الزّقاق كأنني ... لصّ أحسّ بطالب أو تابع
حتى إذا لاح الصباح وفتّحوا ... باب المدينة كنت أوّل كاسع
والله ما لي بعد ذاك بأمرها ... علم ولا بأمور بيتي الضّائع
نثره: وفضّل الناس نظمه على نثره، ونحن نسلّم ذلك من باب الكثرة، لا من باب الإجادة. وهذه الرسالة معلمة بالشهادة بحول الله.
كتب إلى الشيخين الفقيهين الأديبين البليغين أبي بكر بن يوسف بن الفخّار، وأبي القاسم خلف بن عبد العزيز القبتوري:
стр. 1038
«لله درّكما حليفي صفاء، وأليفي وفاء، يتنازعان كأس المودّة تنازع الأكفاء، ويتهاديان ريحان التحية تهادي الظّرفاء. قسيمي نسب، وقريعي حسب، يتجاوزان بمطبوع من الأدب ومكتسب، ويتواردان على علم من الظّرف ونسب، رضيعي لبان، ذريعي لبان، يحرزان ميراث قسّ وسحبان، ويبرزان من الذّكاء ما بان على أبان، قسيمي مجال، فصيحي رويّة وارتجال، يترعان في أشطان البلاغة سجالا بعد سجال، ويصرعان في ميدان الفصاحة رجالا على رجال. ما بالكما؟ لا حرمت حبالكما ولا قصمت نبالكما، لم تسمحا لي من عقودكما بدرّة، ولم ترشّحاني من نقودكما بدرة، ولم تفسحا لي بحلوة ولا مرّة. لقد ابتليت من أدبكما بنهر أقربه ولا أشربه، وما أرده ولا أتبرّده. ولو كنت من أصحاب طالوت لا فسحت لي غرفة، وأتيحت لي ترفة. بل لو كنت من الإبل ذوات الأظماء، ما جليت بعد الظّمإ على الماء، ولا دخلت بالإشفاق مدخل العجماء. كيف وأنا ولا فخر في صورة إنسان، ناطق بلسان، أفرّق بين الإساءة والإحسان. وإن قلت إنّ باعي في النّظم قصير، وما لي على النّثر وليّ ولا نصير، وصنعة النحو عني بمعزل، ومنزل الفقيه ليس لي بمنزل، ولم أقدم على العلم القديم، ولا استأثرت من أهله بنديم. فأنا والحمد لله غنيّ بصنعة الجفر، وأقتني اليراع كأنها شبابيك التّبر، وأبري البريّة التي «١» تنيف على الشّبر، وأزين خدود الأسطار المستوية، بعقارب اللّامات الملتوية، ولا أقول كأنها، فلا ينكر السيدان أعزّ هما الله أنها نعم بعود أزاعم، وبمثل شكسي تحضر الملاحم. فما هذا الازدراء والاجتراء في هذا الأمر مرّ المواقير. تالله لقد ظلمتماني على علم، واستندتما إلى غير حلم، أما رهبتما شبابي، أما رغبتما في حسابي، أما رفعتما بين نفح صبابي، ولفح صبابي. لعمري لقد ركبتما خطرا، وهجتما الأسد بطرا، وأبحتما حمى محتضرا، ولم تمعنا في هذا الأمر نظرا: [الطويل]
أعد نظرا يا عبد قيس لعلّما ... أضاءت لك النّار الحمار المقيّدا
ونفسي عين الحمار، في هذا المضمار، لا أعرف قبيلا من دبير، ولا أفرّق بحسّي بين صغير وكبير، ولا أعهد أنّ حصاة الرّمي أخفّ من ثبير، أليس في ذوي كبد رطبة أجر، وفي معاملة أهل التّقوى والمغفرة تجر؟ وإذا خوّلتماني نعمة أو نفلتماني نفلا، فاليد العليا خير من اليد السّفلى، وما نقص مال من صدقة، ولا جمال من لمح حدقة، والعلم يزيد بالإنفاق، وكتمه حرام باتفاق، فإن قلتما لي إنّ فهمك سقيم، وعوجك على الرّياضة لا يستقيم، فلعلّ الذي نصب قامتي، يمنّ
стр. 1039
باستقامتي، وعسى الذي يشقّ سمعي وبصري، أن يزيل عييّ وحصري، فأعي ما تقصّان، وأجتلي ما تنصّان، وأجني ثمار تلك الأغصان، فقد شاهدتما كثيرا من الحيوان، يناغى فيتعلّم، ويلقّن فيتكلّم. هذا والجنس غير الجنس، فكيف المشارك في نوعيّة الإنس؟ فإن قلنا إن ذلك يشقّ، فأين الحقّ الذي يحقّ، والمشقّة أخت المروّة، وينعكس مساق هذه الأخوّة، فيقال المروّة أخت المشقّة، والحجيج يصبر على بعد الشّقّة، ولولا المشقّة كثر السّادة، وقلّت الحسادة، فما ضرّكما أيها السيّدان أن تحسبا تحويجي، وتكتسبا الأجر في تدريجي؟ فإنكما إن فعلتما ذلك نسبت إلى ولائكما، كما حسبت على علائكما، وأضفت إلى نديّكما، كما عرّفت بمنتداكما.
ألم تعلما أنّ المرء يعرف بخليله، ويقاس به في كثيرة وقليله؟ ولعلّي أمتحن في مرام، ويعجم عودي رام، فيقول هذا العود من تلك الأعواد، وما في الحلبة من جواد، فأكسوكما عارا، وأكون عليكما شعارا. على أني إذا دعيت باسمكما استريت من الادّعاء، فلا أستجيب لهذا الدّعاء، ولكن أقول كما قال ابن أبي سفيان حين عرف الإدارة، وأنكر الإمارة، نعم أخوّتي أصحّ، وأنّها بها أشحّ، إلا أنّ غيري نظم في السّلك، وأسهم في الملك، وأنا بينكما كالمحجوب بين طلّاب، يشاركهم في البكا لا في التّراب «١» ، إن حضرت فكنتم في الإقحام، أو لمقعد في زحام، وإن غبت فيقضى الأمر، وقد سطر زيد وعمرو. ناشدتكما الله في الإنصاف أن تريعا بواد من أودية الشّحر، في ناد من أندية الشّعر بل السّحر، حيث تندرج الأنهار، وتتأرّج الأزهار، ويتبرّج الليل والنهار، ويقرأ الطير صحفا منتثرة، ويجلو النور ثغورا مؤشّرة، ويغازل عيون النّرجس الوجل، خدود الورد الخجل، وتتمايل أعطاف البان، على أرداف الكثبان، فيرقد النسيم العليل، في حجر الرّوض وهو بليل، وتبرز هوادج الرّاح، على الرّاح، وقد هديت بأقمار، وحديت بأزهار ومزمار، وركبتها الصّبا والكميت في ذلك المضمار، ولم تزالا في طيب، وعيش رطيب، من قباب وخدور، وشموس وبدور، تصلان الليالي والأيام أعجازا بصدور، وأنا الطّريد منبوذ بالعراء، موقوذ في جهة الوراء، لا يدني محلّي، ولا يعتنى بعقدي ولا حلّي، ولا أدرج من الحرور إلى الظّل، ولا أخرج من الحرام إلى الحلّ، ولا يبعث إليّ مع النّسيم هبّة، ولا يتاح لي من الآتي عبّة. قد هلكت لغوا، ولم تقيما لي صفوا، ومتّ كمدا، ولم تبعثا لبعثي أمدا. أتراه خلفتماني جرضا، وألقيتماني حرضا؟ كم أستسقي فلا أسقى، وأسترقي فلا أرقى، لا ماء أشربه، ولا عمل في وصلكما
стр. 1040
أدرّبه. لم يبق لي حيلة إلّا الدّعاء المجاب، فعسى الكرب أن ينجاب. اللهمّ كما أمددت هذين السّيّدين بالعلم الذي هو جمال، وسدّدتهما إلى العمل الذي هو كمال، وجمعت فيهما الفضائل والمكارم، وختمت بهما الأفاضل والمكارم، وجعلت الأدب الصّريح أقلّ خصالهما، والنّظر الصحيح أقلّ نصالهما، فاجعل اللهمّ لي في قلوبهما رحمة وحنانا، وابسط لي منهما وجها واشرح لي جنانا، واجعلني اللهمّ ممّن اقتدى بهما، وتعلّق بأهدابهما، وكان دأبه في الصّالحات كدأبهما، حتى أكون بهما ثالث القمرين في الآيات، وثالث العمرين في عمل البرّ وطول الحياة، اللهمّ آمين، وصلّى الله على محمد خاتم النبيّين. وكأنّي أنظر إلى سيديّ عزّهما الله إذا وقفا على هذا الخطاب، ونظرا إلى هذا الاحتطاب، كيف يديران رمزا، ويسيران غمزا؟ ويقال: استتبّ الفصال، وتعاطى البيذق ما تفعل النّصال، وحنّ جذع ليس منها «١» ، وخذ عجفاءك وسمّنها، فأقول وطرفي غضيض، ومحلّي الحضيض، مثلي كمثل الفروج أو ثاني البروج، وما تقاس الأكفّ بالسّروج، فأضربا عني أيها الفاضلان، ما أنا ممّن تناضلان، والسلام» .
مولده: قال شيخنا الفقيه أبو عبد الله ابن القاضي المتبحّر العالم أبي عبد الله بن عبد الملك: سألته عن مولده فأنشدني: [الرجز]
يا سائلي عن مولدي كي أذكره ... ولدت يوم سبعة وعشره
من المحرّم افتتاح أربع ... من بعد ستمائة مفسّرة
وفاته: في التاسع «٢» عشر لرجب عام تسعة وتسعين وستمائة، ودفن بمقبرة فاس، وأمر أن يكتب على قبره: [مجزوء الخفيف]
زر غريبا بمقره ... نازحا ما له ولي «٣»
تركوه موسّدا ... بين ترب وجندل
ولتقل عند قبره ... بلسان التّدلّل
يرحم الله عبده ... مالك بن المرحّل
стр. 1041
ومن طارئي المقرئين والعلماء
منصور بن علي بن عبد الله الزواوي
صاحبنا، يكنى أبا علي.
حاله: هذا الرجل طرف في الخير والسلامة، وحسن العهد، والصّون والطهارة والعفّة، قليل التصنّع، مؤثر للاقتصاد، منقبض عن الناس، مكفوف اللسان واليد، مشتغل بشأنه، عاكف على ما يعنيه، مستقيم الظاهر، ساذج الباطن، منصف في المذاكرة، موجب لحقّ الخصم، حريص على الإفادة والاستفادة، مثابر على تعلّم العلم وتعليمه، غير أنف عن حمله عمّن دونه، جملة من جمل السّذاجة والرّجولة وحسن المعاملة، صدر من صدور الطّلبة، له مشاركة حسنة في كثير من العلوم العقلية والنّقلية، واطّلاع وتقييد، ونظر في الأصول والمنطق وعلم الكلام، ودعوى في الحساب والهندسة والآلات. يكتب الشّعر فلا يعدو الإجادة والسّداد.
قدم الأندلس في عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة، فلقي رحبا، وعرف قدره، فتقدم مقرئا بالمدرسة «١» تحت جراية نبيهة، وحلّق للناس متكلّما على الفروع الفقهية والتفسير، وتصدّر للفتيا، وحضر بالدار السلطانية مع مثله. جرّبته وصحبته، فبلوت منه دينا ونصفة، وحسن عشرة.
محنته: امتحن في هذا العهد الأخير بمطالبة شرعيّة، لمتوقّف صدر عنه لما جمع الفقهاء للنّظر في ثبوت عقد على رجل نال من جانب الله والنّبوّة، وشكّ في القول بتكفيره، فقال القوم بإشراكه في التكفير ولطخه بالعاب الكبير، إذ كان كثير المشاحّة لجماعتهم، فأجلت الحال عن صرفه عن الأندلس في أواخر شعبان عام خمسة وستين وسبعمائة.
مشيخته: طلبت منه تقييد مشيخته، فكتب مما يدل على جودة القريحة ما نصه:
«يتفضّل سيدي الأعلى الذي أهتدي بمصباحه، وأعشو إلى غرره وأوضاحه، جامع أشتات العلوم، وفاتق رتق الفهوم، حامل راية البديع، وصاحب آيات التّورية فيه
стр. 1042
والتّرصيع، نخبة البلغاء، وفخر الجهابذة العلماء، قائد جياد البلاغة من نواصيها، وسائق شوارد الحكم من أقاصيها، أبو عبد الله بن الخطيب أبقاه الله للقريض يقطف زهره، ويجتني غرره، وللبديع يطلع قمره، وينظم درره، وللأدب يحوك حلله، ويجمع تفاصيله وجمله، وللمعاني يجوس بجيوش البراعة خلالها، ويفتتح بعوامل اليراعة أقفالها، وللأسجاع يقرّط الأسماع بفرائدها، ويحلّي النحور بقلائدها، وللنّظم يورد جياده أحلى الموارد، ويجيلها في مضمار البلاغة من غير معاند، وللنّثر يفترع أبكاره، ويودعها أسراره، ولسائر العلوم يصوغها في مفرق الآداب تاجا، ويضعها في أسطر الطّروس سراجا، ولا زال ذا القلم الأعلى، وبدر الوزارة الأوضح الأجلى، ببقاء هذه الدولة المولوية والإمامة المحمدية كعبة لملوك الإسلام، ومقصدا للعلماء الأعلام، ورضى عنهم خلفا وسلفا، وبورك لنا فيهم وسطا وطرفا، ولا زالت آمالنا بعلائهم منوطة، وفي جاههم العريض مبسوطة، بقبول ما نبّه عليه، من كتب شيوخي المشاهير إليه، فها أنا أذكر ما تيسّر لي من ذلك بالاختصار، إذ لا تفي بذكرهم وحلاهم المجلّدات الكبار.
فمنهم مولاي الوالد علي بن عبد الله لقاه الله الرّوح والريحان، وأوسعه الرّضا والغفران. قرأت عليه القرآن وبعض ما يتعلق به من الإعراب والضبط. ثم بعثني إلى شيخنا المجتهد الإمام علم العلماء، وقطب الفقهاء، قدوة النّظار، وإمام الأمصار، منصور بن أحمد المشدالي، ﵀ وقدّس روحه، فوجدته قد بلغ السّنّ به غاية أوجبت جلوسه في داره، إلّا أنه يفيد بفوائده بعض زوّاره، فقرأت من أوائل ابن الحاجب «١» عليه لإشارة والدي بذلك إليه، وذلك أول محرم عام سبعة وعشرين وسبعمائة. واشتدّ الحصار ببجاية لسماعنا أنّ السلطان العبد الوادي «٢» ينزل علينا بنفسه، فأمرني بالخروج، ﵀، فعاقني عائق عن الرجوع إليه؛ لأتمم قراءة ابن الحاجب عليه. ثم مات، ﵀، عام أحد وثلاثين وسبعمائة، فخصّ مصابه البلاد وعمّ، ولفّ سائر الطلبة وضمّ، إلّا أنه ملأ بجاية وأنظارها بالعلوم النظرية وقساها، وأنظارها بالفهوم النقلية والعقلية فصار من طلبته شيخنا المعظم، ومفيدنا المقدّم، أبو عبد الله محمد بن يحيى الباهلي المعروف بالمفسّر، ﵀، بالطريقة الحاجبية، والكتابة الشرعية والأدبية، مع فضل السّنّ وتقرير حسن، إلى معارف تحلّاها،
стр. 1043
ومحاسن اشتمل حلاها. واستمرّ في ذكر شيوخه على هذه الوتيرة من التزام السّجع، وتقرير الحلي، فأجاد، وتجاوز المعتاد، فذكر منهم محمد بن يحيى الباهلي المذكور، وأنه أخذ عنه جملة من العلوم، فأفرده بقراءة الإرشاد؛ والأستاذ أبا علي بن حسن البجلي، وقرأ عليه جملة من الحاصل، وجملة من المعالم الدينية والفقهية، والكتب المنطقية، كالخونجي، والآيات البيّنات؛ والقاضي أبا عبد الله محمد بن أبي يوسف، قاضي الجماعة ببجاية؛ وأبا العباس أحمد بن عمران الساوي اليانيولي. قال:
ثم ثنيت العنان بتوجّهي إلى تلمسان، راغبا في علوم العربية، والفهوم الهندسية والحسابية، فأول من لقيت شيخنا الذي علمت في الدنيا جلالته وإمامته، وعرفت في أقاصي البلاد سيادته وزعامته، وذكر رئيس الكتّاب العالم الفاضل أبا محمد عبد المهيمن الحضرمي، والمحدّث البقيّة أبا العباس بن يربوع، والقاضي أبا إسحاق بن أبي يحيى، وقرأ شيئا من مبادئ العربية على الأستاذ أبي عبد الله الرّندي. ولقي بالأندلس جلّة؛ فممّن قرأ عليه إمام الصنعة العربية شيخنا أبو عبد الله بن الفخّار الشهير بالبيري، ولازمه إلى حين وفاته، وكتب له بالإجازة والإذن له في التّحليق بموضع قعوده من المدرسة بعده. وقاضي الجماعة الشريف أبو القاسم محمد بن أحمد الحسيني، نسيج وحده، ولازمه، وأخذ عنه تواليفه، وقرأ عليه تسهيل الفوائد لابن مالك، وقيّد عليه، وروى عن شيخنا إمام البقية أبي البركات ابن الحاج، وعن الخطيب المحدّث أبي جعفر الطّنجالي، وهو الآن بالحال الموصوفة.
أعانه الله وأمتع به.
شعره: زرنا معا والشيخ القاضي المتفنّن أبو عبد الله المقرئ، عند قدومه إلى الأندلس، رباط العقاب «١» . واستنشدت القاضي، وكتب لي يومئذ بخطّه: استنشدني الفقيه الوجيه الكامل ذو الوزارتين أبو عبد الله بن الخطيب، أطال الله بقاه كما أطال ثناه، وحفظ مهجته، كما أحسن بهجته، فأنشدته لنفسي: [البسيط]
لمّا رأيناك بعد الشّيب يا رجل ... لا تستقيم وأمر النفس تمتثل
زدنا يقينا بما كنّا نصدّقه ... عند المشيب يشبّ الحرص والأمل
وكان ذلك بمسجد رابطة العقاب، عقب صلاة الظهر من يوم الأحد التاسع والعشرين لشهر ربيع الآخر من عام سبعة وخمسين وسبعمائة. وكتب الشيخ الأستاذ أبو علي يقول: منصور بن علي الزّواوي، في رابطة العقاب في كذا، أجزت صاحبنا
стр. 1044
الفقيه المعظم، أبا عبد الله بن الخطيب وأولاده الثلاثة عبد الله، ومحمدا، وعليّا، أسعدهم الله، جميع ما يجوز لي وعنّي روايته، وأنشدته قولي أخاطب بعض أصحابنا:
[الطويل]
يحيّيك عن بعض المنازل صاحب ... صديق غدت تهدى إليك رسائله
مقدّمة حفظ الوداد وسيلة ... ولا ودّ أن تصحّ وسائله
يسائل عنك الدارسين «١» ولم يكن ... تغيب لبعد الدار عنك مسائله
وكتبت له قبل هذا مما أنشدته عند قدومي على غرناطة: [المجتث]
يا من وجدناه لفظا ... حقيقة في المعالي
مقدّمات علاكم ... أنتجن كلّ كمال
وكل نظم قياس ... خلوت منه فخال
وهو من لدن أزعج عن الأندلس، كما تقدّم ذكره، مقيم بتلمسان، على ما كان عليه من الإقراء والتدريس.
مسلم بن سعيد التّنملّي «٢»
حاله: كان غير نبيه الأبوّة. ظهر في دولة السلطان أمير المسلمين، ثاني الملوك من بني نصر «٣» ، بمزيد كفاية، فقلّده خطّة الحفازة، وهي تعميم النظر في المجابي، وضمّ الأموال، وإيقاع النّكير في محلّ التّقصير، ومظانّ الريب، فنمت حاله، وعظم جاهه، ورهبت سطوته، وخيف إيقاعه، وقربت من السلطان وسيلته، فتقدّم الخدّام، واستوعب أطراف الحظوة، واكتسب العقار، وصاهر في نبيه البيوتات، وأورث عنه أخبارا تشهد له بالجود وعلوّ الهمة، وشرف النفس، إلى أن قضى على هذه الوتيرة.
ذكروا أن شخصا جلب سلعة نفيسة مما يطمع في إخفائها، حيدة عن وظيفة المغرم الباهظة في مثل جنسه، فبينما هو يروم المحاولة، إذ بصر بنبيه المركب والبزة،
стр. 1045
ينفضّ في زوايا الفحص عن مثل مضطبنه، فظنّه رئيسا من رؤساء الجند، فقصده ورغب منه إجازة خبيئته بباب المدينة، وقرّر لتخوّفه من ظلم الحافز الكذا مسلم، فأخذها منه وخبّأها تحت ثيابه، ووكّل به. ولم يذهب المسكين إلّا يسيرا، حتى سأل عن الرجل، فأخبر أنّه الذي فرّ عنه، فسقط في يده. ثم تحامل، فألفاه ينظره في داخل السور، فدفع إليه أمانته، وقال: سر في حفظ الله، فقد عصمها الله من ذلك الرجل الظالم. فخجل الرجل، وانصرف متعجّبا. وأخباره في السّراوة ونجح الوسيلة كثيرة.
وفاته: توفي في عام ثمانية وتسعين وستمائة، وشهد أميره دفنه، وكان قد أسفّ ولي العهد بأمور صانعه فيها من باب خدمة والده، فكان يتلمّظ لنكبته، ونصب لثاته لأكله، فعاجله الحمام قبل إيقاع نقمته به. ولمّا تصيّر إليه الأمر، نبش قبره، وأخرج شلوه، فأحرق بالنار، إغراقا في شهوة التّشفي، ﵀ عليه.
ومن العمال الأثراء
مؤمّل، مولى باديس بن حبّوس
حاله ومحنته: قال ابن الصّيرفي: وقد ذكر عبد الله بن بلقّين، حفيد باديس، واستشارته عن أمره، لمّا بلغه حركة يوسف بن تاشفين إلى خلعه. وكان في الجملة من أحبابه، رجل من عبيد جدّه اسمه مؤمّل، وله سنّ، وعنده دهاء وفطنة، ورأي ونظر. وقال في موضع آخر: ولم يكن في وزراء مملكته وأحبار دولته، أصيل الرأي، جزل الكلمة، إلّا ابن أبي خيثمة «١» من كتبته، ومؤمّل من عبيد جدّه، وجعفر من فتيانه. رجع، قال: فألطف له مؤمّل في القول، وأعلمه برفق، وحسن أدب، أن ذلك غير صواب، وأشار إليه بالخروج إلى أمير المسلمين إذا قرب، والتّطارح عليه، فإنه لا تمكنه مدافعته، ولا تطاق حربه، والاستجداء له أحمد عاقبة وأيمن مغبّة. وتابعه على ذلك نظراؤه من أهل السّن والحنكة، ودافع في صدّ رأيه الغلمة والأغمار، فاستشاظ غيظا على مؤمّل ومن نحا نحوه، وهمّ بهم، فخرجوا،
стр. 1046
وقد سلّ بهم فرقا منه. فلمّا جنّهم الليل فرّوا إلى لوشة، وبها من أبناء عبيد باديس قائدها، فملكوها وثاروا فيها، بدعوة أمير المسلمين يوسف بن تاشفين. وبادر مؤمّل بالخطاب إلى أمير المسلمين المذكور وقد كان سفر إليه عن سلطانه، فأعجبه عقلا ونبلا، فاهتزّ إليه، وكان أقوى الأسباب على حركته. وبادر حفيد باديس الأمر، فأشخص الجيش لنظر صهره، فتغلّب عليهم، وسيق مؤمّل ومن كان معه شرّ سوق في الحديد، وأركبوا على دواب هجن، وكشفت رؤوسهم، وأردف وراء كلّ رجل من يصفعه. وتقدّم الأمر في نصب الجذوع وإحضار الرّماة. وتلطّف جعفر في أمرهم، وقال للأمير عبد الله: إن قتلتهم الآن، أطفأت غضبك، وأذهبت ملكك، فاستخرج المال، وأنت من وراء الانتقام، فثقّفهم، وأطمعوا في أنفسهم ريثما شغله الأمر، وأنفذ إليه يوسف بن تاشفين في حلّ اعتقالهم، فلم تسعه مخالفته وأطلقهم.
ولمّا ملك غرناطة على تفيئة تلك الحال، قدّم مؤمّلا على مستخلصه «١» وجعل بيده مفاتيح قصره، فنال ما شاء من مال وحظوة، واقتنى ما أراد من صامت وذخيرة.
ونسبت إليه بغرناطة آثار، منها السّقاية بباب الفخّارين، والحوز المعروف بحوز مؤمّل «٢» ، أدركتها وهي بحالها.
وفاته: قال ابن الصّيرفي: وفي ربيع الأول من هذا العام، وهو عام اثنين وتسعين وأربعمائة، توفي بغرناطة مؤمّل مولى باديس بن حبّوس، عبد أمير المسلمين، وجابي مستخلصه، وكان له دهاء وصبر، ولم يكن بقارئ ولا كاتب. رزقه الله عند أمير المسلمين، أيام حياته، منزلة لطيفة ودرجة رفيعة. ولمّا أشرف على المنيّة، أحضر ما كان عنده من مال المستخلص، وأشهد الحاضرين على دفعه إلى من استوثقه على حمله، ثم أبرأ جميع عماله وكتّابه. وأنفذ رجلا من صنائعه إلى أمير المسلمين بجملة من مال نفسه، يريه أن ذلك جميع ما اكتسبه في دولته، أيام خدمته، وأن بيت المال أولى به، ورغب في ستر أهله وولده، فلمّا وصل إليه، أظهر الأسف عليه، وأمضى تقديم صنيعته. ثم ذكر ما كشف البحث عنه من محتجنه، وشقاء من خلفه بسببه، وعدّد مالا وذخيرة.
стр. 1047
حرف النون الملوك والأمراء
نصر بن محمد بن محمد بن يوسف بن نصر بن أحمد ابن محمد بن خميس بن عقيل الخزرجي الأنصاري «١»
أمير المسلمين بالأندلس، بعد أبيه وجدّه وأخيه، يكنى أبا الجيوش، وقد تقدم من أوليّة هؤلاء الملوك ما يغني عن الإعادة.
حاله: من كتاب «طرفة العصر في أخبار الملوك من بني نصر» من تصنيفنا، قال: كان فتى يملأ «٢» العيون حسنا وتمام صورة، دمث الأخلاق، ليّن العريكة، عفيفا، مجبولا على طلب الهدنة وحبّ الخير، مغمد السّيف، قليل الشّر، نافرا للبطر وإراقة الدماء، محبّا في العلم وأهله، آخذا من صناعة التّعديل «٣» بحظّ رغيب، يخطّ التقاويم «٤» الصّحيحة، ويصنع الآلات الطّريقة «٥» بيده، اختصّ في ذلك الشيخ الإمام أبا عبد الله بن الرّقّام، وحيد عصره، فجاء واحد دهره ظرفا وإحكاما. وكان حسن العهد، كثير الوفاء. حمله الوفاء على اللّجاج في أمر «٦» وزيره المطلوب بعزله، على الاستهداف للخلع.
تقدّم يوم خلع أخيه، وهو يوم عيد الفطر من عام ثمانية وسبعمائة، وسنّه ثلاث وعشرون سنة، فكان من تمام الخلق، وجمال الصّورة، والتّأنق في «٧» ملوكي اللّباس، آية من آيات الله خالقه. واقتدى «٨» برسوم أبيه وأخيه، وأجرى الألقاب والعوائد لأول دولته. وكانت أيامه، كما شاء الله، أيام نحس مستمرّ، شملت المسلمين فيها الأزمة، وأحاط بهم الذّعر، وكلب العدوّ. وسيمرّ من ذلك ما فيه كفاية «٩» . وكان فتى أيّ فتى، لو ساعده الجدّ، والأمر لله من قبل ومن بعد.
стр. 1048
وزراء دولته: وزر له مقيم أمره ومحكم التّدبير على أخيه، أبو «١» بكر عتيق بن محمد بن المول. وبيت بني مول بقرطبة بيت «٢» له ذكر وأصالة. ولما تغلّب عليها «٣» ابن هود اختفى بها أبوه أياما عدة «٤» . ولما تملّكها السلطان الغالب بالله تلك البرهة، خرج إليه وصحبه إلى غرناطة، فاتّصلت قرباه بعقده على بنت للرئيس أبي جعفر المعروف «٥» بالعجلب ابن عمّ السلطان. واشتدّ عضده، ثم تأكّدت القربى بعقد مول أخي هذا الوزير على بنت الرئيس أبي الوليد أخت الرئيس أبي سعيد، منجب هؤلاء الملوك الكرام، فقام «٦» بأمره، واضطلع بأعباء سلطانه، إلى أن كان من تغلّب أهل الدولة عليه، وإخافة سلطانه منه، ما أوجب صرفه إلى المغرب في غرض الرسالة، وأشير عليه في طريقه بإقامته بالمغرب، فكان صرفا حسنا. وتولّى الوزارة محمد بن علي بن عبد الله بن الحاج، المسيّر «٧» لخلعه، واجتثاث أصله وفرعه، وكان خبّا داهية، أعلم الناس بأخبار الرّوم وسيرهم وآثارهم. فحدثت بين السلطان وبين أهل «٨» حضرته الوحشة بسببه.
قضاته: أقرّ على خطة القضاء بحضرته قاضي أخيه الشيخ الفقيه أبا جعفر القرشي المنبز بابن فركون، وقد تقدم التعريف به مستوفى بحول الله «٩» .
كتّابه: شيخنا «١٠» الصدر الوجيه، نسيج وحده أبو الحسن علي بن محمد بن سليمان بن الجيّاب إلى آخر مدته.
من كان على عهده من الملوك: بالمغرب «١١» ، السلطان أبو الربيع سليمان بن عبد الله بن أبي يعقوب يوسف بن أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق. تصيّر الأمر إليه بعد وفاة أخيه السلطان أبي ثابت عامر بأحواز طنجة، في صفر عام ثمانية وسبعمائة.
وكان «١٢» مشكورا، مبخت الولاية. وفي دولته عادت سبتة إلى الإيالة المرينيّة. ثم توفي بتازى «١٣» في مستهل رجب «١٤» من عام عشرة وسبعمائة. وتولّى الملك بعده عمّ
стр. 1049
أبيه السلطان الجليل الكبير، خدن العافية، ووليّ السلامة، وممهّد الدولة أبو سعيد عثمان بن أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق. واستمرّت ولايته إلى تمام أيام هذا الأمير، وكثيرا «١» من أيام من بعده. وقد تقدّم من ذكر السلطان أبي يوسف في اسم من تقدم من الملوك ما فيه كفاية.
وبتلمسان، الأمير أبو حمّو موسى بن عثمان بن يغمراسن، [سلطان بني عبد الواد، مذلّل الصّقع] «٢» ، والمثل «٣» السّائر في الحزم والتيقّظ، وصلابة الوجه، زعموا، وإحكام القحة، والإغراب في خبث «٤» السّيرة. واستمرّت ولايته إلى عام ثمانية عشر وسبعمائة، إلى أن سطا به ولده عبد الرحمن أبو تاشفين.
وبتونس، الأمير الخليفة أبو عبد الله محمد بن الواثق «٥» يحيى بن المستنصر محمد «٦» بن الأمير أبي زكريا بن أبي حفص «٧» . ثم توفي في ربيع «٨» الآخر عام تسعة «٩» وسبعمائة. فولي الأمر قريبه الأمير أبو بكر «١٠» عبد الرحمن بن الأمير أبي يحيى «١١» زكريا ابن الأمير [أبي إسحاق بن الأمير] «١٢» أبي زكريا بن عبد الواحد بن أبي حفص. ونهض إليه من بجاية قريبة السلطان أبو البقاء خالد ابن الأمير أبي زكريا ابن الأمير أبي إسحاق ابن الأمير أبي زكريا يحيى «١٣» بن عبد الواحد بن أبي حفص، فالتقيا «١٤» بأرض تونس، فهزم أبو بكر «١٥» ، ونجا بنفسه، فدخل بستانا لبعض أهل الخدمة، مختفيا فيه، فسعي به إلى أبي البقاء، فجيء به إليه، فأمر بعض القرابة بقتله صبرا، نفعه الله «١٦» . وتمّ الأمر لأبي البقاء في رابع جمادى الأولى منه، إلى أن وفد «١٧» الشيخ المعظم «١٨» أبو يحيى زكريا الشهير «١٩»
стр. 1050
باللّحياني، قافلا من بلاد المشرق، وهو كبير آل أبي حفص نسبا «١» وقدرا، فأقام بإطرابلس، وأنفذ إلى تونس خاصّته الشيخ الفقيه أبا عبد الله المردوري «٢» محاربا لأبي البقاء، وطالبا للأمر. فتمّ الأمر «٣» ، وخلع أبو البقاء تاسع جمادى الأولى عام أحد عشر وسبعمائة. وتمّ الأمير للشيخ أبي يحيى. واعتقل أبو البقاء، فلم يزل معتقلا إلى أن توفي في شوال عام ثلاثة عشر وسبعمائة، ودفن بالجبّانة المعروفة لهم «٤» بالزلّاج، فضريحه «٥» فيما تعرّفنا بإزاء ضريح قتيله «٦» المظلوم أبي بكر، لا فاصل بينهما. وعند الله تجتمع الخصوم.
واتّصلت أيام الأمير أبي يحيى، إلى أن انقرضت مدة الأمير أبي الجيوش. وقد تضمّن الإلماع بذلك «٧» الرّجز المسمّى ب «قطع السّلوك» «٨» من نظمي. فمن «٩» ذلك فيما يختصّ بملوك «١٠» المغرب قولي في ذكر السلطان أبي يعقوب: [الرجز]
ثم تقضّى معظم الزمان ... مواصلا حصر بني زيّان
حتى أتى أهل تلمسان الفرج ... ونشقوا من جانب اللّطف الأرج
لما ترقّى درج السّعد درج ... فانفضّ ضيق الحصر عنها وانفرج
وابن ابنه وهو المسمّى عامرا ... أصبح بعد ناهيا وآمرا
وكان ليثا دامي المخالب ... تغلّب «١١» الأمر بجدّ غالب
أباح بالسّيف نفوسا عدّه ... فلم تطل في الملك منه المدّة
ومات حتف أنفه واخترما ... ثم سليمان عليها قدّما
أبو الربيع دهره ربيع ... يثني على سيرته الجميع
حتى إذا الملك سليمان قضى ... تصيّر الملك «١٢» لعثمان الرّضا
فلاح نور السّعد فيها وأضا ... ونسي «١٣» العهد الذي كان مضى
стр. 1051
وفيما يختصّ ببني زيّان، بعد ذكر أبي زيّان: [الرجز]
حتى إذا استوفى زمان سعده ... قام أبو حمّو بها من بعده
وهو الذي سطا عليه ولده ... حتى انتهى على يديه أمده «١»
وفيما يختصّ بآل أبي حفص بعد ذكر جملة «٢» منهم: [الرجز]
ثم الشهيد «٣» والأمير «٤» خالد ... هيهات ما في الدهر حيّ خالد
وزكريّاء «٥» بها بعد ثوى ... ثم نوى الرّحلة عنها والنوى
وحلّ «٦» بالشرق وبالشرق ثوى ... وربما فاز امرؤ بما نوى
ومن ملوك النصارى بقشتاله: هرانده بن شانجه بن ألهنشه «٧» بن هرانده بن شانجه. ونازل على عهده الجزيرة الخضراء، ثم أقلع عنها عن ضريبة «٨» وشروط، ثم نازل في أخريات أمره «٩» حصن القبذاق، وأدركه ألم الموت بظاهره، فاحتمل من المحلّة «١٠» إلى جيّان، وبقيت المحلّة منيخة على الحصن، إلى أن تملّك بعد موت الطّاغية بأيام «١١» ثلاثة، كتموا فيها موته. ولسبب ١»
هلاكه حكاية ظريفة، تضمنتها «طرفة العصر، في تاريخ دولة بني نصر» . وقام بعده بأمر النصرانية ولده ألهنشه، واستمرّت أيامه إلى «١٣» عام خمسين وسبعمائة.
بعض الأحداث في أيامه: نازل على أول أمره طاغية قشتالة الجزيرة الخضراء في الحادي والعشرين من «١٤» عام تسعة وسبعمائة، وأقام عليها إلى أخريات شعبان من العام المذكور، وأقلع «١٥» عنها بعد ظهوره على الجبل «١٦» وفوز قداحه به. ونازل
стр. 1052
صاحب برجلونة مدينة ألمريّة غرّة ربيع الأول من هذا العام، وأخذ بمخنّقها، وتفرّقت الظبا على الخراش «١» ، ووقعت على جيش المسلمين الناهد إليه وقيعة «٢» كبيرة، واستمرّت المطاولة إلى أخريات شعبان، ونفّس الله الحصر، وفرّج الكرب. وما كاد أهل الأندلس يستنشقون «٣» ريح العافية، حتى نشأ نجم الفتنة «٤» ، ونشأت ريح الخلاف، واستفسد وزير الدولة ضمائر أهلها، واستهدف إلى رعيتها بإيثار النصارى والصاغية إلى العدوّ، وأظهر الرّئيس «٥» ابن عم الأب صاحب مالقة أبو سعيد فرج «٦» بن إسماعيل، صنو الغالب بالله «٧» ابن نصر، الامتساك بما كان بيده، والدعاء لنفسه، وقدّم ولده الدّائل إلى طلب الملك. وثار أهل غرناطة، يوم الخامس والعشرين لرمضان «٨» من العام، وأعلن منهم من أعلن بالخلاف ثم خانهم التدبير، وخبطوا العشواء «٩» ، ونزل الحشم، فلاذ الناس منهم بديارهم، وبرز السلطان إلى باب القلعة، متقدّما بالعفّة عن الناس، وفرّ الحاسرون عن القناع، فلحقوا بالسلطان أبي الوليد بمالقة، فاستنهضوه «١٠» إلى الحركة، وقصد الحضرة، فأجابهم وتحرّك، فأطاعته الحصون بطريقه، واحتلّ خارج «١١» غرناطة صبيحة يوم الخميس السابع والعشرين لشوال منه «١٢» ، فابتدره الناس من صائح ومشير بثوبه، ومتطارح بنفسه، فدخل البلد من ناحية ربض البيّازين، واستقرّ بالقصبة «١٣» ، كما تقدم في اسمه. وفي ظهر يوم السبت التاسع والعشرين من الشهر، نزل «١٤» الحمراء دار الملك، وانفصل السلطان المترجم به، موفّى له شرط عقده من انتقاله إلى وادي آش، مستبدّا بها، وتعيين مال مخصوص، وغير ذلك. ورحل ليلة الثلاثاء الثالث لذي قعدة من العام. واستمرّت الحال، بين حرب ومهادنة «١٥» ، وجرت بسبب ذلك أمور صعبة إلى حين وفاته.
﵀.
стр. 1053
مولده: ولد «١» في رمضان عام ستة وثمانين وستمائة. وكانت سنّه ستا وثلاثين سنة وثلاثة أشهر، ودولته الجامعة خمس سنين وشهرا واحدا، ومقامه بوادي آش تسعة أعوام وثلاثة أيام.
وفاته: توفي، ﵀، ليلة الأربعاء سادس ذي قعدة من عام اثنين وعشرين وسبعمائة بوادي آش، ودفن بجامع القصبة منها، ثم نقل في أوائل «٢» ذي الحجة منه إلى الحضرة، فكان وصوله يوم الخميس السادس منه، وبرز إليه السلطان، والجمع الكثير من الناس، ووضع «٣» سريره بالمصلّى العيدي، وصلّى عليه إثر صلاة العصر، ودفن بمقبرة سلفه بالسّبيكة، وكان يوما من الأيام المشهودة، وعلى قبره مكتوب في الرّخام:
«هذا قبر السلطان المرفّع «٤» المقدار، الكريم البيت العظيم النّجار، سلالة الملوك الأعلام الأخيار، الصّريح النّسب في صميم الأنصار «٥» ، الملك الأوحد الذي له السّلف العالي المنار، في الملك المنيع الذّمار، رابع ملوك بني نصر أنصار دين المصطفى «٦» المختار، المجاهدين في سبيل الملك الغفار، الباذلين في رضاه كرائم الأموال ونفائس الأعمار، المعظّم المقدّس المرحوم أبي الجيوش نصر ابن السلطان الأعلى، الهمام الأسمى، المجاهد الأحمى، الملك العادل، الطّاهر الشّمائل، ناصر دين الإسلام، ومبيد عبدة الأصنام، المؤيد المنصور، المقدّس، المرحوم أمير المسلمين أبي عبد الله ابن السلطان الجليل «٧» ، الملك الشهير، مؤسّس قواعد الملك على التّقوى والرّضوان، وحافظ كلمة الإسلام وناصر دين الإيمان، الغالب بالله، المنصور بفضل الله، المقدّس المرحوم، أمير المسلمين أبي عبد الله بن نصر، تغمّده الله برحمته وغفرانه، وبوّأه منازل إحسانه، وكتبه في أهل رضوانه، وكان «٨» مولده في يوم الاثنين الرابع والعشرين لشهر رمضان المعظم عام ستة وثمانين وستمائة. وبويع يوم الجمعة غرّة شوال عام ثمانية وسبعمائة، وتوفي، ﵀ «٩» ، ليلة يوم الأربعاء
стр. 1054
السادس لشهر ذي قعدة عام اثنين وعشرين وسبعمائة، فسبحان الملك الحقّ المبين، وارث الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين. وفي جهة «١» : [الكامل]
يا قبر، جاد ثراك «٢» صوب غمام ... يهمي عليك برحمة وسلام
بوركت لحدا فيه أيّ وديعة ... ملك كريم من نجار كرام
ما شئت من حلم ومن خلق رضى ... وزكاء أعراق ومجد سام
فاسعد بنصر رابع الأملاك من ... أبناء نصر ناصري الإسلام
من خزرج الفخر الذين مقامهم ... في نصر خير الخلق خير مقام
يا أيها المولى المؤسّس بيته ... في معدن الأحساب والأحلام
ما للمنيّة والشباب مساعد ... قد أقصدتك بصائبات سهام
عجلت على ذاك الجمال فغادرت ... ربع المحاسن طامس الأعلام
فمحى الرّدى من حسن وجهك آية ... نحو «٣» النهار لسدفة الإظلام
ما كنت إلّا بدر تمّ باهرا ... أخنى الخسوف عليك عند تمام
فعلى ضريح أبي الجيوش تحيّة ... كالمسك عرفا عند فضّ ختام
وتغمّدته رحمة الله التي ... ترضيه من عدن بدار مقام
ومن الأعيان والوزراء
نصر بن إبراهيم بن أبي الفتح الفهري
يكنى أبا الفتح، أصلهم من حصن أريول من عمل مرسية، ولهم في الدولة النّصرية مزية خصّوا لها بأعظم رتب القيادة، واستعمل بعضهم في ولاية السلطان.
حاله: نقلت من خط شيخنا أبي بكر بن شبرين، قال: وفي السادس عشر لذي قعدة منه، يعني عام عشرة وسبعمائة، توفي بغرناطة القائد المبارك أبو الفتح، أحد الولاة والأعيان الذاكرين لله تعالى، أولي النزاهة والوفاء.
نصر بن إبراهيم بن أبي الفتح بن نصر بن إبراهيم ابن نصر الفهري
يكنى أبا الفتح، حفيد المذكور معه في هذا الباب.
стр. 1055
حاله: من كتاب «طرفة العصر» : نسيج وحده في الخير والعفاف، ولين العريكة، ودماثة الأخلاق، إلى بعد الهمّة، وجمال الأبّهة، وضخامة التّجنّد، واستجادة المركب والعدّة، وارتباط العبادة. استعان على ذلك بالنّعمة العريضة بين منادية إليه بميراث، ومكتسب من جرّاء المتغلّب على الدولة صهره ابن المحروق معياشة لبنته. ونمت حال هذا الشهم النّجد، وشمخت رتبته حتى خطب للوزارة في أخريات أيامه، وعاق عن تمام المراد به إلحاح السّقم على بدنه وملازمة الضّنا لجثمانه، فمضى لسبيله، عزيز الفقد عند الخاصّة، ذائع الثّناء، نقي العرض، صدرا في الولاة، وعلما في القوّاد الحماة.
وفاته: توفي بغرناطة ليلة الجمعة الثامن والعشرين لجمادى الآخرة عام خمسة وأربعين وسبعمائة. وكانت جنازته آخذة نهاية الاحتفال، ركب إليها السلطان، ووقف بإزاء لحده، إلى أن ووري، تنويها بقدره، وإشادة ببقاء الحرمة على خلفه. وحمل سريره الجملة من فرسانه وأبناء نعمته.
ومن الكتّاب والشعراء
نزهون بنت القليعي»
قال ابن الأبّار «٢» : وهو فيما أحسب أبو بكر محمد بن أحمد بن خلف بن عبد الملك بن غالب الغسّاني، غرناطية «٣» .
حالها: كانت «٤» أديبة شاعرة، سريعة الجواب، صاحبة فكاهة ودعابة. وقد جرى شيء من ذلك في اسم أبي بكر بن قزمان «٥» ، والمخزومي الأعمى «٦» ، وأبي بكر بن سعيد «٧» .
следующие страницы →