Полный текст (1 954 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
وفيما يختصّ ببني زيّان، بعد ذكر أبي زيّان: [الرجز]
حتى إذا استوفى زمان سعده ... قام أبو حمّو بها من بعده
وهو الذي سطا عليه ولده ... حتى انتهى على يديه أمده «١»
وفيما يختصّ بآل أبي حفص بعد ذكر جملة «٢» منهم: [الرجز]
ثم الشهيد «٣» والأمير «٤» خالد ... هيهات ما في الدهر حيّ خالد
وزكريّاء «٥» بها بعد ثوى ... ثم نوى الرّحلة عنها والنوى
وحلّ «٦» بالشرق وبالشرق ثوى ... وربما فاز امرؤ بما نوى
ومن ملوك النصارى بقشتاله: هرانده بن شانجه بن ألهنشه «٧» بن هرانده بن شانجه. ونازل على عهده الجزيرة الخضراء، ثم أقلع عنها عن ضريبة «٨» وشروط، ثم نازل في أخريات أمره «٩» حصن القبذاق، وأدركه ألم الموت بظاهره، فاحتمل من المحلّة «١٠» إلى جيّان، وبقيت المحلّة منيخة على الحصن، إلى أن تملّك بعد موت الطّاغية بأيام «١١» ثلاثة، كتموا فيها موته. ولسبب ١»
هلاكه حكاية ظريفة، تضمنتها «طرفة العصر، في تاريخ دولة بني نصر» . وقام بعده بأمر النصرانية ولده ألهنشه، واستمرّت أيامه إلى «١٣» عام خمسين وسبعمائة.
بعض الأحداث في أيامه: نازل على أول أمره طاغية قشتالة الجزيرة الخضراء في الحادي والعشرين من «١٤» عام تسعة وسبعمائة، وأقام عليها إلى أخريات شعبان من العام المذكور، وأقلع «١٥» عنها بعد ظهوره على الجبل «١٦» وفوز قداحه به. ونازل
стр. 1052
صاحب برجلونة مدينة ألمريّة غرّة ربيع الأول من هذا العام، وأخذ بمخنّقها، وتفرّقت الظبا على الخراش «١» ، ووقعت على جيش المسلمين الناهد إليه وقيعة «٢» كبيرة، واستمرّت المطاولة إلى أخريات شعبان، ونفّس الله الحصر، وفرّج الكرب. وما كاد أهل الأندلس يستنشقون «٣» ريح العافية، حتى نشأ نجم الفتنة «٤» ، ونشأت ريح الخلاف، واستفسد وزير الدولة ضمائر أهلها، واستهدف إلى رعيتها بإيثار النصارى والصاغية إلى العدوّ، وأظهر الرّئيس «٥» ابن عم الأب صاحب مالقة أبو سعيد فرج «٦» بن إسماعيل، صنو الغالب بالله «٧» ابن نصر، الامتساك بما كان بيده، والدعاء لنفسه، وقدّم ولده الدّائل إلى طلب الملك. وثار أهل غرناطة، يوم الخامس والعشرين لرمضان «٨» من العام، وأعلن منهم من أعلن بالخلاف ثم خانهم التدبير، وخبطوا العشواء «٩» ، ونزل الحشم، فلاذ الناس منهم بديارهم، وبرز السلطان إلى باب القلعة، متقدّما بالعفّة عن الناس، وفرّ الحاسرون عن القناع، فلحقوا بالسلطان أبي الوليد بمالقة، فاستنهضوه «١٠» إلى الحركة، وقصد الحضرة، فأجابهم وتحرّك، فأطاعته الحصون بطريقه، واحتلّ خارج «١١» غرناطة صبيحة يوم الخميس السابع والعشرين لشوال منه «١٢» ، فابتدره الناس من صائح ومشير بثوبه، ومتطارح بنفسه، فدخل البلد من ناحية ربض البيّازين، واستقرّ بالقصبة «١٣» ، كما تقدم في اسمه. وفي ظهر يوم السبت التاسع والعشرين من الشهر، نزل «١٤» الحمراء دار الملك، وانفصل السلطان المترجم به، موفّى له شرط عقده من انتقاله إلى وادي آش، مستبدّا بها، وتعيين مال مخصوص، وغير ذلك. ورحل ليلة الثلاثاء الثالث لذي قعدة من العام. واستمرّت الحال، بين حرب ومهادنة «١٥» ، وجرت بسبب ذلك أمور صعبة إلى حين وفاته.
﵀.
стр. 1053
مولده: ولد «١» في رمضان عام ستة وثمانين وستمائة. وكانت سنّه ستا وثلاثين سنة وثلاثة أشهر، ودولته الجامعة خمس سنين وشهرا واحدا، ومقامه بوادي آش تسعة أعوام وثلاثة أيام.
وفاته: توفي، ﵀، ليلة الأربعاء سادس ذي قعدة من عام اثنين وعشرين وسبعمائة بوادي آش، ودفن بجامع القصبة منها، ثم نقل في أوائل «٢» ذي الحجة منه إلى الحضرة، فكان وصوله يوم الخميس السادس منه، وبرز إليه السلطان، والجمع الكثير من الناس، ووضع «٣» سريره بالمصلّى العيدي، وصلّى عليه إثر صلاة العصر، ودفن بمقبرة سلفه بالسّبيكة، وكان يوما من الأيام المشهودة، وعلى قبره مكتوب في الرّخام:
«هذا قبر السلطان المرفّع «٤» المقدار، الكريم البيت العظيم النّجار، سلالة الملوك الأعلام الأخيار، الصّريح النّسب في صميم الأنصار «٥» ، الملك الأوحد الذي له السّلف العالي المنار، في الملك المنيع الذّمار، رابع ملوك بني نصر أنصار دين المصطفى «٦» المختار، المجاهدين في سبيل الملك الغفار، الباذلين في رضاه كرائم الأموال ونفائس الأعمار، المعظّم المقدّس المرحوم أبي الجيوش نصر ابن السلطان الأعلى، الهمام الأسمى، المجاهد الأحمى، الملك العادل، الطّاهر الشّمائل، ناصر دين الإسلام، ومبيد عبدة الأصنام، المؤيد المنصور، المقدّس، المرحوم أمير المسلمين أبي عبد الله ابن السلطان الجليل «٧» ، الملك الشهير، مؤسّس قواعد الملك على التّقوى والرّضوان، وحافظ كلمة الإسلام وناصر دين الإيمان، الغالب بالله، المنصور بفضل الله، المقدّس المرحوم، أمير المسلمين أبي عبد الله بن نصر، تغمّده الله برحمته وغفرانه، وبوّأه منازل إحسانه، وكتبه في أهل رضوانه، وكان «٨» مولده في يوم الاثنين الرابع والعشرين لشهر رمضان المعظم عام ستة وثمانين وستمائة. وبويع يوم الجمعة غرّة شوال عام ثمانية وسبعمائة، وتوفي، ﵀ «٩» ، ليلة يوم الأربعاء
стр. 1054
السادس لشهر ذي قعدة عام اثنين وعشرين وسبعمائة، فسبحان الملك الحقّ المبين، وارث الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين. وفي جهة «١» : [الكامل]
يا قبر، جاد ثراك «٢» صوب غمام ... يهمي عليك برحمة وسلام
بوركت لحدا فيه أيّ وديعة ... ملك كريم من نجار كرام
ما شئت من حلم ومن خلق رضى ... وزكاء أعراق ومجد سام
فاسعد بنصر رابع الأملاك من ... أبناء نصر ناصري الإسلام
من خزرج الفخر الذين مقامهم ... في نصر خير الخلق خير مقام
يا أيها المولى المؤسّس بيته ... في معدن الأحساب والأحلام
ما للمنيّة والشباب مساعد ... قد أقصدتك بصائبات سهام
عجلت على ذاك الجمال فغادرت ... ربع المحاسن طامس الأعلام
فمحى الرّدى من حسن وجهك آية ... نحو «٣» النهار لسدفة الإظلام
ما كنت إلّا بدر تمّ باهرا ... أخنى الخسوف عليك عند تمام
فعلى ضريح أبي الجيوش تحيّة ... كالمسك عرفا عند فضّ ختام
وتغمّدته رحمة الله التي ... ترضيه من عدن بدار مقام
ومن الأعيان والوزراء
نصر بن إبراهيم بن أبي الفتح الفهري
يكنى أبا الفتح، أصلهم من حصن أريول من عمل مرسية، ولهم في الدولة النّصرية مزية خصّوا لها بأعظم رتب القيادة، واستعمل بعضهم في ولاية السلطان.
حاله: نقلت من خط شيخنا أبي بكر بن شبرين، قال: وفي السادس عشر لذي قعدة منه، يعني عام عشرة وسبعمائة، توفي بغرناطة القائد المبارك أبو الفتح، أحد الولاة والأعيان الذاكرين لله تعالى، أولي النزاهة والوفاء.
نصر بن إبراهيم بن أبي الفتح بن نصر بن إبراهيم ابن نصر الفهري
يكنى أبا الفتح، حفيد المذكور معه في هذا الباب.
стр. 1055
حاله: من كتاب «طرفة العصر» : نسيج وحده في الخير والعفاف، ولين العريكة، ودماثة الأخلاق، إلى بعد الهمّة، وجمال الأبّهة، وضخامة التّجنّد، واستجادة المركب والعدّة، وارتباط العبادة. استعان على ذلك بالنّعمة العريضة بين منادية إليه بميراث، ومكتسب من جرّاء المتغلّب على الدولة صهره ابن المحروق معياشة لبنته. ونمت حال هذا الشهم النّجد، وشمخت رتبته حتى خطب للوزارة في أخريات أيامه، وعاق عن تمام المراد به إلحاح السّقم على بدنه وملازمة الضّنا لجثمانه، فمضى لسبيله، عزيز الفقد عند الخاصّة، ذائع الثّناء، نقي العرض، صدرا في الولاة، وعلما في القوّاد الحماة.
وفاته: توفي بغرناطة ليلة الجمعة الثامن والعشرين لجمادى الآخرة عام خمسة وأربعين وسبعمائة. وكانت جنازته آخذة نهاية الاحتفال، ركب إليها السلطان، ووقف بإزاء لحده، إلى أن ووري، تنويها بقدره، وإشادة ببقاء الحرمة على خلفه. وحمل سريره الجملة من فرسانه وأبناء نعمته.
ومن الكتّاب والشعراء
نزهون بنت القليعي»
قال ابن الأبّار «٢» : وهو فيما أحسب أبو بكر محمد بن أحمد بن خلف بن عبد الملك بن غالب الغسّاني، غرناطية «٣» .
حالها: كانت «٤» أديبة شاعرة، سريعة الجواب، صاحبة فكاهة ودعابة. وقد جرى شيء من ذلك في اسم أبي بكر بن قزمان «٥» ، والمخزومي الأعمى «٦» ، وأبي بكر بن سعيد «٧» .
стр. 1056
شعرها: دخل «١» الأديب أبو بكر الكتندي «٢» الشاعر، وهي تقرأ على المخزومي الأعمى، فلمّا نظر إليها، قال: أجز يا أستاذ: [الكامل]
لو كنت تبصر من تكلّمه «٣» ... ..............
فأفحم المخزومي زامعا، فقالت: [الكامل]
................ .. ... لغدوت أخرس من خلاخله
ثم زادت:
البدر يطلع من أزرّته ... والغصن يمرح في غلائله
ولا خفاء ببراعة هذه الإجازة ورفاعة هذا الأدب.
وكتب إليها أبو بكر بن سعيد، وقد بلغه أنها تخالط غيره من الأدباء الأعيان «٤» :
[المجتث]
يا من له ألف خلّ «٥» ... من عاشق وعشيق «٦»
أراك خلّيت للنّا ... س سدّ ذاك الطريق «٧»
فأجابته بقولها: [الطويل]
حللت أبا بكر محلّا منعته ... سواك، وهل غير الرفيع «٨» له صدري؟
وإن كان لي كم من حبيب فإنما ... يقدّم أهل الحقّ فضل «٩» أبي بكر
وهذه غاية في الحسن بعيدة. ومحاسنها شهيرة، وكانت من غرر المفاخر الغرناطية.
стр. 1057
حرف الصاد
من الأعيان والوزراء
الصّميل بن حاتم بن عمر بن جذع بن شمر بن ذي الجوشن الضّبابي الكلبي «١»
وهو من أشراف عرب الكوفة.
أوليته: قال صاحب الكتاب «الخزائني» : جدّه «٢» أحد قتلة الحسين بن علي والذي قدم برأسه على يزيد بن معاوية، فلمّا قام المختار «٣» ثائرا بالحسين فرّ عنه شمر ولحق بالشام فأقام بها في عزّ ومنعة. ولمّا خرج كلثوم بن عياض غازيا إلى المغرب، كان الصّميل ممن ضرب عليه البعث في أشراف أهل الشام. ودخل الأندلس في طالعة بلج بن بشر القشيري، فشرف ببدنه إلى شرف تقدّم له، وردّ ابن حيّان هذا. وقال في كتاب «بهجة الأنفس، وروضة الأنس» : كان الصّميل بن حاتم هذا جدّه شمر قاتل الحسين، ﵁، من أهل الكوفة، فلمّا قتله، تمكّن منه المختار فقتله، وهدم داره، فارتحل ولده من الكوفة، فرأس بالأندلس، وفاق أقرانه بالنجدة والسّخاء.
حاله: قال «٤» : كان شجاعا، نجدا، جوادا، كريما، إلّا أنه كان رجلا أمّيّا لا يقرأ ولا يكتب، وكان «٥» له في قلب الدول وتدبير الحروب، أخبار مشهورة.
من أخباره: حكى ابن القوطيّة، قال «٦» : مرّ الصّميل بمعلّم يتلو: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ
«٧» ، فوقف يسمع، ونادى بالمعلّم: يا هناه، كذا نزلت
стр. 1058
هذه الآية؟ فقال: نعم، فقال: أرى والله أن سيشركنا في هذا الأمر العبيد والأراذل والسّفلة.
خبره في الجود: قال: كان أبو الأجرب الشاعر «١» وقفا على أمداح الصّميل، وهو القائل: [الوافر]
بنى لك حاتم بيتا رفيعا ... رأيناه على عمد طوال
وقد كان ابتنى شمر وعمرو ... بيوتا غير ضاحية الظّلال
فأنت ابن الأكارم من معدّ ... تعلج للأباطح «٢» والرّمال
وقارضه بإجزاله لعطائه وانتمائه في ثوابه، بأن أغلظ القسم على نفسه بأن لا يراه إلّا أعطاه ما حضره، فكان أبو الأجرب قد اعتمد اجتنابه في اللقاء حياء منه وإبقاء على ماله، فكان لا يزوره إلّا في العيدين قاضيا لحقّه. وقد لقيه يوما مواجهة ببعض الطريق، والصّميل راكب، ومعه ابناه، فلم يحضره ما يعطيه، فأرجل أحد ابنيه، وأعطاه دابّته، فضرب في صنعه، وفيه يقول من قصيدة:
[الكامل]
دون الصّميل شريعة مورودة ... لا يستطيع لها العدوّ ورودا
فتّ الورى وجمعت أشتات العلا ... وحويت مجدا لا ينال وجودا
فإذا هلكت فلا تحمّل فارس ... سيفا ولا حمل النساء وليدا
وكان صاحب أمره ولّاه الأندلس قبل الأمويين؛ لهم الأسماء وله معنى الإمرة، وكان مظفّر الحروب، سديد الرأي، شهير الموقف، عظيم الصبر. وأوقع باليمانيّة وقائع كثيرة، منها وقيعة شقندة، ولم يكن بالأندلس مثلها، أثخن فيها القتل باليمانية.
أنفته: قال: وكان أبيّا للضّيم، محاميا عن العشيرة، كلّم أبا الخطّار الأمير في رجل من قومه انتصر به، فأفجمه، وردّ عليه، فأمر به، فتعتع ومالت عمامته، فلمّا خرج قال له بعض من على باب الأمير: يا أبا الجوشن، ما باب عمامتك مائلة؟
فقال: إن كان لي قوم فسيقيمونها، وخرج من ليلته، فأفسد ملكه.
стр. 1059
وفاؤه: وخبر وفائه مشهور، فيما كان من جوابه لرسولي عبد الرحمن بن معاوية إليه، بما قطع به رجاء الهوادة في أمر أميره يوسف بن عبد الرحمن الفهري، والتّستّر مع ذلك عليهما، فلينظر في كتاب «المقتبس» .
دخوله غرناطة: ولما صار الأمر إلى عبد الرحمن بن معاوية، صقر بني أمية، وقهر الأمير يوسف الفهري ووزيره الصّميل، إذ عزله الناس، ورجع معه يوسف الفهري والصميل إلى قرطبة، ولم يلبثا أن نكثا، ولحقا فحص غرناطة، ونازلهما الأمير عبد الرحمن بن معاوية في خبر طويل، واستنزلهما عن عهد، وعاد الجميع إلى قرطبة، وكان يوسف والصميل يركبان إلى القصر كل جمعة إلى أن مضيا لسبيلهما. وكان عبد الرحمن بن معاوية يسترجع ويقول: ما رأيت مثله رجلا. لقد صحبني من إلبيرة إلى قرطبة، فما مسّت ركبتي ركبته، ولا خرجت دابّته عن دابّتي.
ومن الكتّاب والشعراء
صفوان بن إدريس بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عيسى ابن إدريس التّجيبي «١»
من أهل مرسية، يكنى أبا بجر «٢» .
حاله: كان «٣» أديبا، حسيبا جليلا، أصيلا، ممتعا من الظّرف، ريّان من الأدب، حافظا، حسن الخطّ، سريع البديهة، ترف النّشأة، على تصاون وعفاف، جميلا سريّا، سمحا ذكيا، مليح العشرة، طيّب النفس، ممّن تساوى حظّه في النظم والنثر، على تباين الناس في ذلك.
مشيخته: روى عن أبيه وخاله، ابن عمّ أبيه القاضي أبي القاسم بن إدريس، وأبي بكر بن مغاور، وأبي الحسن بن القاسم، وأبي رجال بن غلبون، وأبي عبد الله بن حميد، وأبي العباس بن مضاء، وأبي القاسم بن حبيش، وأبي محمد الحجري، وابن حوط الله، وأبي الوليد بن رشد، وأجاز له أبو القاسم بن بشكوال.
стр. 1060
من روى عنه: أبو إسحاق اليابري، وأبو الربيع بن سالم، وأبو عبد الله بن أبي البقاء، وأبو عمرو بن سالم، ومحمد بن محمد بن عيشون.
تواليفه: له تواليف أدبيّة منها، «زاد المسافر» ، وكتاب «الرحلة» ، وكتاب «العجالة» سفران يتضمنان من نظمه ونثره أدبا لا كفاء له. وانفرد من تأبين الحسين، ﵁، وبكاء أهل البيت، بما ظهرت عليه بركته في «١» حكايات كثيرة.
شعره: ثبتّ من ذلك في العجالة قوله «٢» : [الكامل]
جاد الزمان بأنّة الجرعاء ... توقان من دمعي وغيث سماء «٣»
فالدّمع يقضي عندها حقّ الهوى ... والغيم حقّ البانة الغيناء «٤»
خلت الصّدور من القلوب كما خلت ... تلك المقاصر من مها وظباء
ولقد أقول لصاحبيّ وإنما ... ذخر الصّديق لأمجد «٥» الأشياء
يا صاحبيّ، ولا أقلّ إذا أنا ... ناديت من أن تصغيا لندائي «٦»
عوجا بحار «٧» الغيم في سقي الحما ... حتى ترى «٨» كيف انسكاب الماء
ونسنّ في سقي المنازل سنّة ... نمضي بها حكما على الظّرفاء
يا منزلا نشطت إليه عبرتي ... حتى تبسّم زهره لبكائي «٩»
ما كنت قبل مزار ربعك عالما ... أنّ المدامع أصدق الأنواء
يا ليت شعري والزّمان تنقّل ... والدّهر ناسخ شدّة برخاء
هل نلتقي في روضة موشيّة ... خفّاقة الأغصان والأفياء؟
وننال فيها من تألّفنا ولو ... ما فيه سخمة «١٠» أعين الرّقباء؟
في حيث أتلعت الغصون سوالفا ... قد قلّدت بلآلئ الأنداء
وجرت «١١» ثغور الياسمين فقبّلت ... عنيّ «١٢» عذار الآسة الميساء
стр. 1061
والورد في شطّ الخليج كأنّه ... رمد ألمّ بمقلة زرقاء
وكأنّ غصن «١» الزّهر في خضر الرّبى ... زهر النجوم تلوح بالخضراء
وكأنما جاء النّسيم مبشّرا ... للرّوض يخبره بطول بقاء
فكساه خلعة طيبه ورمى له ... بدراهم الأزهار رمي سخاء
وكأنّما احتقر الصّنيع فبادرت ... بالعذر «٢» عنه نغمة الورقاء
والغصن يرقص في حلى أوراقه ... كالخود في موشيّة خضراء
وافترّ ثغر الأقحوان بما رأى ... طربا وقهقه منه جري الماء
أفديه من أنس تصرّم فانقضى ... فكأنّه قد كان في الإغفاء
لم يبق منه غير ذكر أو منى ... وكلاهما سبب لطول عناء
أو رقعة من صاحب هي تحفة ... إنّ الرّقاع لتحفة النّبهاء
كبطاقة الوسميّ «٣» إذ حيّا بها ... إنّ الكتاب تحيّة الظّرفاء «٤»
وهي طويلة «٥» . وقال مراجعا عن كتاب أيضا: [الوافر]
ألا سمح الزمان به كتابا ... ذرى بوروده أنسي قبابا
فلا أدري أكانا تحت وعد ... دعا بهما لبرئي فاستجابا؟
وقد ظفرت يدي بالغنم منه ... فليت الدهر سنّى لي إيابا
فلو لم أستفد شيئا سواه ... قنعت بمثله علقا لبابا
إذا أحرزت هذا في اغترابي ... فدعني أقطع العمر اغترابا
رجمت بأنسه شيطان همّي ... فهل وجّهت طرسا أم شهابا؟
رشفت به رضاب الودّ عذبا ... يذكّرني شمائلك العذابا
وكدت أجرّ أذيالي نشاطا ... ولكن خلت قولهم تصابا
فضضت ختامه عنّي كأني ... فتحت بفضّه للروض بابا
فكدت أبثّه في جفن عيني ... لكي أستودع الزّهر السّحابا
وكنت أصونه في القلب لكن ... خشيت عليه أن يفنى التهابا
ولو أنّ الليالي سامحتني ... لكنت على كتابكم الجوابا
стр. 1062
فأبلي عندكم بالشّكر عذرا ... وأجزل من ثنائكم الثّوابا
ولكنّ الليالي قيّدتني ... وقيّد عدّتي «١» إلّا الخطابا
فما تلقاني الأحباب إلّا ... سلاما أو مناما أو كتابا
لأمر ما يقصّ الدهر ريشي ... لأنّ السّهم مهما ريش صابا
وعاذلة تقول ولست أصغي ... ولو أصغيت لم أرفع جوابا
تخوّفني الدّواهي وهي عندي ... أقل من أن أضيق بها جنابا
إذا طرقت أعدّ لها قراها ... وقارا واحتسابا واصطبارا
وما مثلي يخوّف بالدواهي ... عرين اللّيث لا يخشى الذّبابا
تعاتبني فلا يرتدّ طرفي ... وهل تسترقص الرّيح الهضابا؟
ولو أنّ العتاب يفيد شيئا ... ملأت مسامع الدّنيا عتابا
وقد وصّيتها بالصّمت عنّي ... فما صمتت ولا قالت صوابا
تعنّفني على تركي بلادا ... عهدت بها القرارة والشّبابا
تقول: وهل يضرّ السّيف إلّا ... إذا ما فارق السيف القرابا
فقلت: وهل يضرّ السيف فلّ ... إذا قطّ الجماجم والرّقابا؟
بخوض الهول تكتسب المعالي ... يحلّ السّهل من ركب الصّعابا
فليث الغاب يفترس الأناسي ... وليث البيت يفترس الذّبابا
ولو كان انقضاض الطّير سهلا ... لكانت كلّ طائرة عقابا
دعيني والنهار أسير فيه ... أسير عزائم تفري الصّلابا
أغازل من غزالته فتاة ... تبيّض فودها هرما وشابا
إذا شاءت مواصلتي تجلّت ... وإن ملّت توارت لي احتجابا
وأسري اللّيل لا ألوي عنانا ... ولو نيل الأماني ما «٢» أصابا
أطارح من كواكبه كماما ... وأزجر من دجنّته غرابا
وأركب أشهبا «٣» غبرا كباعي ... وخضرا مثل خاطري انسيابا
وآخذ من بنات الدّهر حقّي ... جهاز البيت استلب استلابا
ولست أذيل بالمدح القوافي ... ولا أرضى بخطّتها اكتسابا
стр. 1063
أأمدح من به أهجو مديحي ... إذا طيّبت بالمسك الكلاما
سأخزنها عن الأسماع حتى ... أردّ الصّمت بينهما حجابا
فلست بمادح ما عشت إلّا ... سيوفا أو جيادا أو صحابا
أبا موسى، وإنّي ذو «١» وداد ... أناجي لو سمعت إذا أجابا
ولكن دون ذلك مهمه لو ... طوته الريح لم ترج الإيابا
أخي، برّ المودّة كلّ برّ ... إذا برّ الأشقّا «٢» الانتسابا
بعثت إليك من نظمي بدرّ ... شققت عليه من فكري عبابا
عداني الدهر أن يلقاك شخصي ... فأغنى الشّعر عن شخصي ونابا
وقال في الغرض الذي نظم فيه الرّصافي «٣» من وصف بلده، وذكر إخوانه ومعاهده، مساجلا في العروض والرّوي، عقب رسالة سماها «رسالة طراد الجياد في الميدان، وتنازع اللّدان والإخوان، في تنفيق مرسية على غيرها من البلدان» «٤» :
[الطويل]
لعلّ «٥» رسول البرق يغتنم الأجرا ... فينثر «٦» عنّي ماء عبرته نثرا!
معاملة أربو «٧» بها غير مذنب ... فأقضيه دمع العين من نقطة بحرا
ليسقي «٨» من تدمير قطرا محبّبا ... يقرّ بعين القطر أن تشرب القطرا
ويقرضه ذوب اللّجين وإنما ... توفّيه عيني من مدامعها تبرا
وما ذاك تقصيرا بها غير أنه ... سجيّة ماء البحر أن يذوي الزّهرا
خليليّ، قوما فاحبسا طرق الصّبا ... مخافة أن تحمي «٩» بزفرتي الحرّى
فإنّ الصّبا ريح عليّ كريمة ... بآية ما تسري من الجنّة الصّغرى
стр. 1064
خليليّ، أعني أرض مرسية المنى ... ولولا توخّي الصّدق سمّيتها الكبرى
محلّي بل جوّي الذي عبقت به ... نواسم آدابي معطّرة نشرا
ووكري الذي منه درجت فليتني ... فجعت بريش العزم كي ألزم الوكرا
وما روضة الخضراء قد مثلت بها ... مجرّتها نهرا وأنجمها زهرا
بأبهج منها والخليج مجرّة ... وقد فضحت أزهار ساحتها الزّهرا
وقد أسكرت أزهار «١» أغصانها الصّبا ... وما كنت أعتدّ الصّبا قبلها خمرا
هنالك بين الغصن والقطر والصّبا ... وزهر الرّبى ولّدت آدابي الغرّا
إذا نظم الغصن الحيا قال خاطري ... تعلّم نظام النّثر من ههنا شعرا
وإن نثرت ريح الصّبا زهر الرّبى ... تعلّمت حلّ الشّعر أسبكه نثرا
فوائد أسحار هناك اقتبستها ... ولم أر روضا غيره يقرئ السّحرا
كأنّ هزيز الريح يمدح روضها ... فتملأ فاه من أزاهر ها درّا «٢»
أيا زنقات «٣» الحسن، هل فيك نظرة ... من الجرف الأعلى إلى السّكّة الغرّا؟
فأنظر من هذي لتلك كأنما ... أغيّر إذ غازلتها أختها الأخرى
هي الكاعب الحسناء تمّم حسنها ... وقدّت لها أوراقها حللا خضرا
إذا خطبت أعطت دراهم زهرها ... وما عادة الحسناء أن تنقد المهرا
وقامت بعرس الأنس قينة أيكة «٤» ... أغاريدها تسترقص الغصن النّضرا
فقل في خليج يلبس الحوت درعه ... ولكنه لا يستطيع بها قصرا «٥»
إذا ما بدا فيها الهلال رأيته ... كصفحة سيف وسمها قبعة صفرا
وإن لاح فيها البدر شبّهت متنه ... بسطر «٦» لجين ضمّ من ذهب عشرا
وفي جرفي روض هناك تجافيا ... لنهر «٧» يودّ الأفق لو زاره فجرا
كأنهما خلّا صفاء تعاتبا ... وقد بكيا من رقّة ذلك النّهرا
وكم لي بالباب الجديد «٨» عشيّة ... من الأنس ما فيه سوى أنّه مرّا
стр. 1065
عشايا «١» كأنّ الدّهر غصّ «٢» بحسنها ... فأجلت سياط «٣» البرق أفراسها الشّقرا «٤»
عليهنّ أجري خيل دمعي بوجنتي ... إذا ركبت حمرا ميادينها الصفرا
أعهدي بالغرس المنعّم دوحه ... سقتك دموعي إنها مزنة شكرى «٥»
فكم فيك من يوم أغرّ محجّل ... تقضّت أمانيه فخلّدتها ذكرا
على مذنّب كالنحر «٦» من فرط حسنه ... تودّ الثّريّا أن تكون «٧» له نحرا
سقت أدمعي والقطر أيهما انبرى ... نقا الرّملة البيضاء فالنّهر فالجسرا
وإخوان صدق لو قضيت حقوقهم ... لما فارقت عيني وجوههم الزّهرا
ولو كنت أقضي حقّ نفسي ولم أكن ... لما بتّ أستحلي فراقهم المرّا
وما اخترت هذا البعد إلّا ضروة ... وهل تستجير العين أن تفقد الشّفرا «٨» ؟
قضى الله أن ينأى «٩» بي الدهر عنهم ... أراد بذاك الله أن أعتب الدهرا
وو الله لو نلت المنى ما حمدتها ... وما عادة المشغوف أن يحمد الهجرا
أيأنس باللّذات قلبي ودونهم ... مرام يجدّ الرّكب «١٠» في طيّها شهرا؟
ويصحب هادي الليل راء وحرفة ... وصادا ونونا قد تقوّس «١١» واصفرّا
فديتهم بانوا وضنّوا بكتبهم ... فلا خبرا منهم لقيت ولا خبرا
ولولا علا همّاتهم لعتبتهم ... ولكن عراب الخيل لا تحمل الزّجرا
ضربت غبار البيد في مهرق السّرى ... بحيث جعلت الليل في ضربه حبرا
وحقّقت ذاك الضّرب جمعا وعدّة ... وطرحا وتجميلا فأخرج لي صفرا
كأنّ زماني حاسب متعسّف ... يطارحني كسرا، أما يحسن الجبرا؟
فكم عارف بي وهو يحسب «١٢» رتبتي ... فيمدحني سرّا ويشتمني جهرا
стр. 1066
لذلك ما أعطيت نفسي حقّها ... وقلت لسرب الشّعر: لا ترم «١» الفكرا «٢»
فما برحت فكري عذارى قصائدي ... ومن خلق العذراء أن تألف الخدرا
ولست وإن طاشت سهامي بآيس ... فإنّ مع العذر «٣» الذي يتّقى يسرا
ومن مقطوعاته «٤» : [السريع]
يا قمرا مطلعه أضلعي ... له سواد القلب منها «٥» غسق
وربّما استوقد نار الهوى ... فناب فيها لونها عن شفق
ملّكتني في «٦» دولة من صبا ... وصدتني في «٧» شرك من حدق
عندي من حبّك «٨» ما لو سرت ... في البحر منه شعلة لاحترق
ومن مقطوعاته أيضا «٩» : [الكامل]
قد كان لي قلب فلمّا فارقوا ... سوّى جناحا للغرام وطارا
وجرت سحاب بالدموع «١٠» فأوقدت ... بين الجوانح لوعة وأوارا
ومن العجائب أنّ فيض مدامعي ... ماء ويثمر «١١» في ضلوعي نارا
وشعره الرّمل والقطر كثرة، فلنختم له المقطوعات بقوله «١٢» : [المنسرح]
قالوا وقد طال بي مدى خطئي ... ولم أزل في تجرّمي ساهي «١٣»
أعددت شيئا ترجو النجاة به؟ ... فقلت: أعددت رحمة الله
نثره: كتب يهنّئ «١٤» قاضي الجماعة أبا القاسم بن بقيّ من رسالة «١٥» : لأن «١٦» قدره «١٧» دام عمره، وامتثل نهيه الشرعي وأمره، أعلى رتبة وأكرم محلّا، من أن
стр. 1067
يتحلّى بخطّة هي به تتحلّى. كيف يهنأ بالقعود لسماع دعوة «١» الباطل، ولمعاناة «٢» الإنصاف الممطول من الماطل، والتّعب في المعادلة، بين ذوي المجادلة. أما لو علم المتشوّقون «٣» إلى خطّة الأحكام، المستشرفون إلى ما لها من التّبسّط والاحتكام، ما يجب لها من اللّوازم، والشروط الجوازم، كبسط الكنف، ورفع الجنف، والمساواة بين العدوّ وذي الذّنب، والصاحب بالجنب، وتقديم ابن السّبيل، على ذي الرّحم والقبيل، وإيثار الغريب، على القريب، والتوسّع في الأخلاق، حتى لمن ليس له من خلاق، إلى غير ذلك ممّا علم قاضي الجماعة أحصاه، واستعمل لخلقه «٤» الفاضل أدناه وأقصاه، لجعلوا خمولهم مأمولهم، وأضربوا عن ظهورهم «٥» ، فنبذوه وراء ظهورهم «٦» ، اللهمّ إلّا من أوتي بسطة في العلم، ورسا طودا في ساحة الحلم، وتساوى ميزانه في الحرب والسّلم، وكان كقاضي الجماعة «٧» ، في المماثلة بين أجناس الناس، فقصاراه أن يتقلّد الأحكام للأجر، لا للتّعسف «٨» والزّجر، ويتولّاها للثواب، لا للغلظة في ردّ الجواب، ويأخذها لحسن الجزاء، لا لقبح «٩» الاستهزاء، ويلتزمها لجزيل الذّخر، لا للإزراء والسّخر. فإذا كان كذلك، وسلك المتوليّ هذا السّالك «١٠» ، وكان كقاضي «١١» الجماعة ولا مثل له، ونفع الحقّ به علله، ونقع غلله، فيومئذ تهنأ «١٢» به خطّة القضاء، ويعرف ما لله عليه «١٣» من اليد البيضاء.
ومحاسنه في النثر أيضا جمّة.
ومن أخباره «١٤» أنه رحل إلى مرّاكش متسبّبا «١٥» في جهاز بنت بلغت التّزويج، وقصد دار الإمارة مادحا، فما تيسّر له شيء من أمله، ففكّر في خيبة قصده، وقال:
لو كنت تأمّلت «١٦» جهة الله، ومدحت المصطفى «١٧» ﷺ ، وآل بيته الطاهرين، لبلغت أملي بمحمود عملي. ثم استغفر الله «١٨» في توجّهه الأول، وعلم أن ليس على غير
стр. 1068
الثاني من «١» معوّل، فلم يكن إلّا أن صوّب نحو هذا القصد سهمه، وأمضى فيه عزمه، وإذا به قد وجّه عنه، وأدخل «٢» على الخليفة، فسأله عن مقصده، فأخبره مفصحا به، فأنفذه وزاده عليه، وأخبره أنّ ذلك لرؤيا رسول الله ﷺ ، في النّوم يأمره «٣» بقضاء حاجته. فانفصل موفّى الأغراض، واستمرّ في مدح أهل البيت حتى اشتهر في ذلك «٤» .
وفاته: سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، وسنّه دون الأربعين سنة، وصلّى عليه أبوه، فإنه كان بمكان من الدّين «٥» والفضل، رحمة الله عليه، وتلقيت من جهات أنه دخل غرناطة، لما امتدح القائد أبا عبد الله بن صناديد بمدينة جيّان، حسبما يظهر من عجالته، من غير تحقيق لذلك.
صالح بن يزيد بن صالح بن موسى بن أبي القاسم ابن علي بن شريف النّفزي «٦»
من أهل رندة، يكنى أبا الطّيّب.
حاله: قال ابن الزّبير: شاعر مجيد في المدح والغزل، وغير ذلك. وعنده مشاركة في الحساب والفرائض. نظم في ذلك. وله تواليف أدبية، وقصائد زهدية، وجزء على حديث جبريل ﵇، وغير ذلك مما روى عنه. وكان في الجملة معدودا في أهل الخير، وذوي الفضل والدّين. تكرّر لقائي إياه، وقد أقام بمالقة أشهرا، أيام إقرائي. وكان لا يفارق مجالس إقرائي، وأنشدني كثيرا من شعره.
وقال ابن عبد الملك «٧» : كان خاتمة الأدباء بالأندلس، بارع التّصرّف في منظوم الكلام ومنثوره، فقيها حافظا، فرضيّا، متفنّنا في معارف شتى «٨» ، نبيل المقاصد «٩» ، متواضعا، مقتصدا في أحواله. وله مقامات بديعة في أغراض شتّى، وكلامه، نظما ونثرا، مدوّن.
стр. 1069
مشيخته: روى «١» عن آباء الحسن: أبيه، والدبّاج، وابن الفخّار الشّريشي، وابن قطرال، وأبي الحسن بن زرقون، وأبي القاسم ابن الجدّ «٢» .
تواليفه: ألّف جزءا على حديث جبريل، وتصنيفا في الفرائض وأعمالها، وآخر في العروض، وآخر في صنعة الشعر سماه «الوافي «٣» ، في علم القوافي» .
وله كتاب كبير سماه «روضة الأنس، ونزهة النّفس» .
دخوله غرناطة: وكان كثير الوفادة على غرناطة، والتردّد إليها، يسترفد ملوكها، وينشد أمراءها، والقصيدة التي أوّلها: «أواصلتي يوما وهاجرتي ألفا» «٤» ، أخبرني شيخنا أبو عبد الله اللّوشي أنه نظمها باقتراح السلطان، ﵀، وقد أوعز إليه ألّا يخرج عن بعض بساتين الملك حتى يكملها في معارضة محمد بن هاني الإلبيري.
شعره: وهو كثير، سهل المأخذ، عذب اللفظ، رائق المعنى، غير مؤثر للجزالة. فمن ذلك قوله، ﵀، في غرض المدح من السّلطانيات «٥» : [الوافر]
سرى والحبّ أمر لا يرام ... وقد أغرى به الشّوق الغرام «٦»
وأغفى أهلها إلّا وشاة ... إذا نام الحوادث لا تنام
وما أخفاه «٧» بين القوم إلّا ... ضنى ولربما «٨» نفع السّقام
فنال بها على قدر مناه ... وبين القبض والبسط القوام
وأشهى الوصل ما كان اختلاسا ... وخير الحبّ ما فيه اختتام
وما أحلى الوصال لو أنّ شيئا ... من الدّنيا للذّته دوام
بكيت من الفراق بغير أرضي ... وقد يبكي الغريب المستهام
أعاذلتي، وقد فارقت إلفي ... أمثلي في صبابته يلام؟
أأفقده فلا أبكي عليه؟ ... يكون أرقّ من قلبي الحمام
أأنساه فأحسبه كصبري ... وهل ينسى لمحبوب ذمام؟
стр. 1070
رويدا، إنّ بعض اللّوم لوم ... ومثلي لا ينهنهه الملام
ويوم نوى وضعت الكفّ فيه ... على قلب يطير به الهيام
ولولا أن سفحت به جفونا ... تفيض دما لأحرقها الضّرام «١»
وليل بتّه «٢» كالدّهر طولا ... تنكّر لي وعرّفه التّمام
كأنّ سماءه «٣» زهر «٤» تجلّى ... بزهر الزّهر والشّرق «٥» الكمام
كأنّ البدر تحت الغيم وجه ... عليه من ملاحته لثام
كأنّ الكوكب الدّرّي كأس ... وقد رقّ الزّجاجة والمدام
كأنّ سطور أفلاك الدّراري ... قسيّ والرّجوم لها سهام
كأنّ مدار قطب بنات نعش ... نديّ والنجوم به ندام
كأنّ بناته الكبرى جوار ... جوار والسّهى فيها غلام
كأنّ بناته الصّغرى جمان ... على لبّاتها منها «٦» نظام
كواكب بتّ أرعاهنّ حتى ... كأنّي عاشق وهي الذّمام
إلى أن مزّقت كفّ الثّريّا ... جيوب الأفق وانجاب الظلام
فما خلت انصداع الفجر إلّا ... قرابا ينتضى منه حسام
وما شبّهت وجه الشمس إلّا ... لوجهك «٧» أيها الملك الهمام
وإن شبّهته بالبدر يوما ... فللبدر الملاحة والتّمام
تهلّل منه حسن الدهر حتى ... كأنّك في محيّاه ابتسام
وعرف ما تنكّر من معال ... كأنّك لاسمها ألف ولام
وملء العين منك جلال مولى ... صنائعه كغرّته وسام
إذا ما قيل في يده غمام ... فقد بخست وقد خدع الغمام
وحشو الدّرع أروع غالبيّ ... يراع بذكره الجيش اللهام
إذا ما سلّ سيف العزم يوما ... على أمر فسلّم يا سلام
стр. 1071
تناهى مجده كرما وبأسا ... فما يدري أمحيا أم حمام
نمّته للمكارم والمعالي ... سراة من بني نصر كرام
هم الأنصار هم نصروا وآووا ... ولولا المسك ما طاب الختام
وهم قادوا الجيوش لكلّ فتح ... ولولا الجدّ ما قطع الحسام
وهم منحوا الجزيرة من حماهم ... جوارا لا يذمّ ولا يضام
فمن حرب تشيب له النّواصي ... وسلم تحيّته سلام
بسعدك، يا محمد، عزّ دين ... له بعد «١» الإله بك اعتصام
وباسمك تمّ للإسلام سلم ... وغبّ السّلم نصر مستدام
وكان مرامه صعبا ولكن ... بحمد الله قد سهل المرام
أدام الله أمرك من أمير ... ففيه لكل مكرمة دوام
وأنت العروة الوثقى تماما ... وما للعروة الوثقى انفصام
وروح أنت والجسم المعالي ... ومعنى أنت واللّفظ «٢» الأنام
إذا ما ضاقت الدنيا بحرّ ... كفاه لثم كفّك والسلام
ومن شعره أيضا: [الطويل]
أواصلتي يوما وهاجرتي ألفا ... وصالك ما أحلى وهجرك ما أجفا!
ومن عجب للطّيف أن جاء واهتدى ... فعاد عليلا عاد كالطّيف أم أخفى
فيا سائرا، لولا التخيّل ما سرى ... ويا شاهدا، لولا التعلّل ما أغفى
ألمّ فأحياني وولّى فراعني ... ولم أر أجفى منك طبعا ولا أشفى
بعيني شكواي للغرام وتيهه ... إلى أن تثنّى عطفه فانثنى عطفا
فعانقته شوقا وقبّلته هوى ... ولا قبلة تكفي ولا لوعة تطفا
ومن نزعاته العجيبة قوله، وقد سبق إلى غرضه غيره: [البسيط]
يا طلعة الشمس إلّا أنه قمر ... أمّا هواك فلا يبقي ولا يذر
كيف التخلّص من عينيك لي ومتى ... وفيهما القاتلان الغنج والحور
وكيف يسلي فؤادى عن صبابته ... ولو نهى النّاهيان الشّيب والكبر
أنت المنى والمنايا فيك قد جمعت ... وعندك الحالتان النّفع والضّرر
стр. 1072
ولي من الشّوق ما لا دواء له ... ومنك لي الشّافيان القرب والنّظر
وفي وصالك ما أبقي به رمقي ... لو ساعد المسعدان الذّكر والقدر
وكان طيف خيال منك يقنعني ... لو يذهب المانعان الدّمع والسّهر
يا نابيا، لم يكن إلّا ليملكني ... من بعده المهلكان الغمّ والغير
ما غبت إلّا وغاب الجنس أجمعه ... واستوحش المؤنسان السّمع والبصر
بما تكنّ ضلوعي في هواك بمن ... يعنو له السّاجدان النّجم والشجر
أدرك بقيّة نفس لست مدركها ... إذا مضى الهاديان العين والأثر
ودلّ حيرة مهجور بلا سبب ... يبكي له القاسيان الدّهر والحجر
وإن أبيت فلي من ليس يسلمني ... إذا نبا المذهبان الورد والصّدر
مؤيّدا لملك بالآراء يحكمها ... في ضمنها المبهجان اليمن والظّفر
من كالأمير أبي عبد الإله إذا ما ... خانت القدمان البيض والسّمر
الواهب الخيل آلافا وفارسها ... إذا استوى المهطعان الصّرّ والصّبر
والمشبه اللّيث في بأس وفي خطر ... ونعمت الحليتان البأس والخفر
تأمّن الناس في أيامه ومشوا ... كما مشى الصّاحبان الشاة والنّمر
وزال ما كان من خوف ومن حذر ... فما يرى الدّايلان الخوف والحذر
رأيت منه الذي كنت أسمعه ... وحبّذا الطّيّبان الخبر والخبر
ما شئت من شيم عليا ومن شيم ... كأنها الرّائقان الظّلّ والزّهر
وما أردت من إحسان ومن كرم ... ينسى به الأجودان البحر والمطر
وغرّة يتلألأ من سماحتها ... كأنها النّهران الشمس والقمر
إيه، فلولا دواع من محبّته ... لم يسهل الأصعبان البين والخطر
نأيت عنه اضطرارا ثم عدت له ... كما اقتضى المبرمان الحلّ والسّفر
فإن قضى الله أن يقضي به أملي ... فحسبي المحسبان الظّلّ والثّمر
ولست أبعد إذ والحال متّسع ... أن يبلغ الغائبان السّؤل والوطر
ومن شعره في أغراض متعددة، قال في الليل والسّهر: [مجزوء السريع]
أطال ليلي الكمد ... فالدهر عندي سرمد
وما أظنّ أنه ... ليلة الهجر غد
يا نائما عن لوعتي ... عوفيت ممّا أجد
ارقد هنيّا إنّني ... لا أستطيع أرقد
لواعج ما تنطفي ... وأدمع تضطرد
стр. 1073
وكبدي كبد الهوى ... وأين منّي الكبد؟
ولا تسل عن جلدي ... والله ما لي جلد
ومن شعره أيضا في المقطوعات: [السريع]
وليلة قصّر من طولها ... بزورة من رشا نافر
استوفر الدهر بها غالطا ... فأدغم الأوّل والآخر
وقال من قصيدة مغربة في الإحسان «١» : [السريع]
وليلة نبّهت أجفانها ... والفجر قد فجّر نهر النهار
والليل كالمهزوم يوم «٢» الوغا ... والشّهب مثل الشّهب «٣» عند الفرار
كأنما استخفى السّها خيفة ... وطولب النّجم بثأر فثار
لذاك ما شابت نواصي الدّجى ... وطارح النّسر أخاه فطار
وفي الثّريّا قمر سافر ... عن غرّة غيّر منها الشّفار «٤»
كأنّ عنقودا بها ماثل «٥» ... إذ صار كالعرجون عند السّرار
كأنها تسبك ديناره ... وكفّها تفتل منه سوار «٦»
كأنما الظّلماء مظلومة ... تحكّم الفجر عليها فجار
كأنما الصّبح لمشتاقه ... إقبال دنيا «٧» بعد ذلّ افتقار
كأنما الشمس وقد أشرقت ... وجه أبي عبد الإله استنار
وفي وصف البحر والأنهار وما في معنى ذلك: [البسيط]
البحر أعظم مما أنت تحسبه ... من لم ير البحر يوما ما رأى عجبا
طام له حبب طاف على زورق ... مثل السماء إذا ما ملئت شهبا
وقال في وصف نهر: [الطويل]
وأزرق محفوف بزهر كأنّه ... نجوم بأكناف المجرّة تزهر
يسيل على مثل الجمان مسلسلا ... كما سلّ عن غمد حسام مجوهر
стр. 1074
وقد صافح الأدواح من صفحاته ... وحتى «١» حباب بالنّسيم مكسّر
فما كان في عطف الخليج قلامة ... وما كان في وجه الغدير فمغفر
وفي العقل والتّغرّب: [السريع]
ما أحسن العقل وآثاره ... لو لازم الإنسان إيثاره
يصون بالعقل الفتى نفسه ... كما يصوم الحرّ أسراره
لا سيما إن كان في غربة ... يحتاج أن يعرف مقداره
ومن وصفه الجيش والسلاح: [الكامل]
وكتيبة بالدّارعين كثيفة ... جرّت ديول الجحفل الجرّار
روض المنايا بينها القضب التي ... زفّت بها الرّايات كالأزهار
فيها الكماة بنو الكماة كأنهم ... أسد الشّرى بين القنا الخطّار
متهلّلين لدى اللّقاء كأنهم ... خلقت وجوههم من الأقمار
من كلّ ليث فوق برق خاطف ... بيمينه قدر من الأقدار
من كلّ ماض قد تقلّد مثله ... فيصبّ آجالا على الأعمار
لبسوا القلوب على الدروع وأسرعوا ... لأكفّهم نارا لأهل النار
وتقدّموا ولهم على أعدائهم ... حنق العدا وحميّة الأنصار
فارتاع ناقوس بخلع لسانه ... وبكى الصّليب لذلّة الكفّار
ثم انثنوا عنه وعن عبّاده و ... قد أصبحوا خبرا من الأخبار
وفي السّيف: [البسيط]
وأبيض صيغ من ماء ومن لهب ... على اعتدال فلم يخمد ولم يسل
ماضي الغرار يهاب العمر صولته ... كأنما هو مطبوع من الأجل
أبهى من الوصل بعد الهجر منظره ... حسنا وأقطع من دين على ملل «٢»
وأسمر ظنّ أن «٣» ما كل سابغة ... فخاض كالأيم يستشفي من النّهل
هام الكماة به حبّا ولا عجب ... من لوعة بمليح القدّ معتدل
إذا الطّعين تلقّاه وأرعفه ... حسبته عاشقا يبكي على طلل
стр. 1075
ومن ذلك قوله في وصف قوس: [الوافر]
تنكّبها كحاجبه وسوّى ... بأهداب الجفون لها نبالا
فلم أر قبله بدرا منيرا ... تحمّل فوق عاتقه هلالا
ومن ذلك في وصف قلم: [المتقارب]
وأصفر كالصّبّ في رونق ... تظنّ به الحبّ ممن نحل
بديع الصّفات حديد السّبات ... يطول الرّماح وإن لم يطل
يعبّر عمّا وراء الضمير ... ويفعل فعل «١» الظّبا والذّبل
ومن ذلك قوله فيما يظهر منها: [البسيط]
تفاخر السّيف فيما قيل والقلم ... والفصل بينهما لا شكّ منفهم
كلاهما شرف لله «٢» درّهما ... وحبّذ الخطّتان الحكم والحكم
ومن ذلك قوله في سكّين الدواة: [الخفيف]
أنا صمصامة الكتابة ما لي ... من شبيه في المرهفات الرّقاق
فكأنّي في الحسن يوم وصال ... وكأنّي في القطع يوم فراق
ومن ذلك قوله في المقصّ: [الوافر]
ومعتنقين ما اشتهرا بعشق ... وإن وصفا بضمّ واعتناق
لعمر أبيك ما اعتنقا لمعنى ... سوى معنى القطيعة والفراق
ومن ذلك قوله في الورد: [مخلع البسيط]
الورد سلطان كلّ زهر ... لو أنّه دائم الورود
بعد خدود الملاح شيء ... ما أشبه الورد بالخدود
ومن ذلك قوله في الخيريّ: [السريع]
وأزرق كمثل السماء ... فيه لمن ينظر سرّ عجيب
شحّ مع الصّبح بأنفاسه ... كأنما الصّبح عليه رقيب
وباح بالليل بأسراره ... لمّا رأى اللّيل نهار الأريب
стр. 1076
ومن ذلك قوله في الرّيحان: [الوافر]
وأخضر فستقيّ اللون غضّ ... يروق بحسن منظره العيونا
أغار على التّرنج وقد حكاه ... وزاد على اسمه ألفا ونونا
وقال من جملة قصائده المطوّلات التي تفنّن فيها، ﵀: [الطويل]
وغانية يغني عن العود صوتها ... وجارية تسقي وساقية تجري
بحيث يجرّ النهر ذيل مجرّة ... يرفّ على حافاتها الزّهر كالزّهر
وقد هزّت الأرواح خصر كتائب ... بألوية بيض على أسل سمر
رمى قزح نبلا إليها فجرّدت ... سيوف سواقيها على دارع النّهر
وهبّت صبا نجد فجرّت غلائلا ... تجفّف دمع الطّلّ عن وجنة الزّهر
كأنّ بصفح الرّوض وشي صحيفة ... وكالألفات القضب والطّرس كالتّبر
كأنّ به الأقحوان خواتما ... مفضّضة فيها فصوص من التّبر
كأنّ به النّرجس الغضّ أعيا ... ترقرق في أجفانها أدمع القطر
كأنّ شذا الخيريّ زورة عاشق ... يرى أنّ جنح اللّيل أكتم للسّرّ
وقال في وصف الرّمان: [البسيط]
لله رمّانة قد راق منظرها ... فمثلها ببديع الحسن منعوت
القشر حقّ لها قد ضمّ داخله ... والشّحم قطن لها «١» والحبّ ياقوت
ومن ذلك قوله في الجزر: [البسيط]
انظر إلى جزر «٢» في اللون مختلف ... البعض من سبج والبعض من ذهب
إن قلت: قصب فقل: قصب بلا زهر ... أو قلت: شمع فقل: شمع بلا لهب
وفي الاغتراب وما يتعلّق به مما يقرب من المطولات: [الوافر]
غريب كلّما يلقى غريب ... فلا وطن لديه ولا حبيب
تذكّر أصله فبكى اشتياقا ... وليس غريبا أن يبكي غريب
ومما هاج أشواقي حديث ... جرى فجرى له الدّمع السّكوب
стр. 1077
ذكرت به الشّباب فشقّ قلبي ... ألم تر كيف تنشقّ القلوب؟
على زمن الصّبا فليبك مثلي ... فما زمن الصّبا إلّا عجيب
جهلت شبيبتي حتى تولّت ... وقدر الشيء يعرف إذ يغيب
ألا ذكر الإله بكل خير ... بلادا لا يضيع بها أديب
بلاد ماؤها عذب زلال ... وريح هوائها مسك رطيب
بها قلبي الذي قلبي المعنّى ... يكاد من الحنين له يذوب
رزقت الصّبر بلين أبي وأمي ... كلانا بعد صاحبه كثيب
ألا فتوخّ بعدي من أؤاخي ... ودع ما لا يريب لما يريب
ولا تحكم بأول ما تراه ... فإنّ الفجر أوله كذوب
ألا إنا خلقنا في زمان ... يشيب بهوله من لا يشيب
وقد لذّ الحمام وطاب عندي ... وعيشي لا يلذّ ولا يطيب
لحى الله الضّرورة فهي بلوى ... تهين الحرّ والبلوى ضروب
رأيت المال يستر كلّ عيب ... ولا تخفى مع الفقر العيوب
وفقد المال في التّحقيق عندي ... كفقد الرّوح ذا من ذا قريب
وقد أجهدت نفسي في اجتهاد ... وما أن كلّ مجتهد مصيب
وقد تجري الأمور على قياس ... ولو تجري لعاش بها اللّبيب
كأنّ العقل للدّنيا عدوّ ... فما يقضي بها أربا أريب
إذا لم يرزق الإنسان بختا ... فما حسناته إلّا ذنوب
ومن نسيبه قوله في بادرة من حمّام: [الكامل]
برزت من الحمّام تمسح وجهها ... عن مثل ماء الورد بالعنّاب
والماء يقطر من ذوائب شعرها ... كالطّل يسقط من جناح غراب
فكأنها الشمس المنيرة في الضّحى ... طلعت علينا من خلال سحاب
ومن مقطوعاته أيضا قوله: [الكامل]
ومتيّم لو كان صوّر نفسه ... ما زادها شيئا سوى الإشفاق
ما كان يرضى بالصّدود وإنّما ... كثرت عليه مسائل العشّاق
وقال: [مخلع البسيط]
وافى وقد زانه جمال ... فيه لعشّاقه اعتذار
стр. 1078
ثلاثة ما لها مثال: ... الوجه والخدّ والعذار
فمن رآه رأى رياضا: ... الورد والآس والبهار
ومن ذلك قوله في ذمّ إخوة السوء: [الكامل]
ليس الأخوّة «١» باللّسان أخوّة ... فإذا تراد أخوّتي لا تنفع
لا أنت في الدّنيا تفرّج كربه ... عنّي ولا يوم القيامة تشفع
وقال كذلك: [الكامل]
ولقد عرفت الدّهر حين خبرته ... وبلوت بالحاجات أهل زمان
فإذا الأخوّة باللسان كثيرة ... وإذا الدّراهم ميلق الإخوان
ومن ذلك قوله في ثقيل: [المتقارب]
تزلزلت الأرض زلزالها ... فقلت لسكانها: ما لها؟
فقالوا: أتانا أبو عامر ... فأخرجت الأرض أثقالها
ومن ذلك قوله في الصّبر: [السريع]
الدهر لا يبقي على حالة ... لكنه يقبل أو يدبر
فإن تلقّاك بمكروهه ... فاصبر فإنّ الدّهر لا يصبر
ومن ذلك قوله في الموت: [السريع]
الموت سرّ الله في خلقه ... وحكمة دلّت على قهره
ما أصعب الموت وما بعده ... لو فكّر الإنسان في أمره
أيام طاعات الفتى وحدها ... هي التي تحسب من عمره
لا تلهك الدنيا ولذّاتها ... عن نهي مولاك ولا أمره
وانظر إلى من ملك الأرض هل ... صحّ له منها سوى قبره؟
نثره: قال في كتاب «روضة الأنس» ما نصّه:
«ويتعلّق بهذا الباب ما خاطبني به الفقيه الكاتب الجليل أبو بكر البرذعي، من أهل بلدنا، أعزّه الله: أخبرك بعجاب، إذ لا سرّ دونك ولا حجاب، بعد أن أتقدّم إليك أن لا تعجل باللوم إليّ، قبل علم ما لديّ، فإنّ الدهر أخدع من كفّة الحابل،
стр. 1079
وقلب الإنسان للآفات قابل. مشيت يوما إلى سوق الرّقيق، لأخذ حقّ فؤاد عتيق، فرأيت بها جارية عسجدية اللون، حديثة عهد بالصّون، متمايلة القدّ، قائمة النّهد، بلحظ قد أوتي من السّحر أوفر حظّ، وفم كشرطة رشحت بدم، داخله سمطان لولا هما ما عرف النّظم، ولا حكم على الدّر للعظم، في صدغها لامان ما خطّ شكلهما قلم، ولا قصّ مثلهما حلم. لها جيد تتمنّاه الغيد، وخصر هو قبضة الكفّ في الحصر، وردف يظلمه من يشبه به بالحقف، ويدان خلقا للوشي، وقدمان أهلّتا للّثم لا للمشي، فتطاولت إليه الأعناق، وبذلت فيها الأعلاق، والمياسير عليها مغرم في القوم، وتسوّم أهل السّوم، وكل فيها يزيد، ليبلغ ما يريد، إلى أن جاء فتى صادق في حبّه، لا يبالي بفساد ماله في صلاح قلبه، فعدّ المال عدّا، ولم يجد غيره من التسليم بدّا. فلمّا فاتتني، تركت الأشواق وأتتني، وانتقضت عزائم صبري فما أتتني، فالله الله، تدارك أخاك سريعا، قبل أن تلفيه من الوجد صريعا، واستنزله خادما، قبل أن تصبح عليه نادما، ولن أحتاج أن أصفها إليك، مع ما قصصته عليك، وقد أهديتها دررا، فخذها على جهة الفكاهة والدّعابة: [الوافر]
ولا تطلع أخا جهل عليها ... فمن لم يدر قدر الشيء عابه
فأجبته: نعم نعم، أنعم الله بالك، وسنى آمالك، أنا بحول الله أرتاد لك من نحو هاتيك، ما يسليك ويؤاتيك، وإلّا فبيضا كاللّجين، هل القلب والعين، زهرة غصن في روضة حسن، ذات ذوائب، كأنها الليل على نهار، أو بنفسج في بهار.
لها وجه أبهى من الغنا، وأشهى من نيل المنى، فيه حاجبان كأنهما قوس صنعت من السّبح، ورصّعت بعاج من البلح، على عينين ساحرتين، بالعقل ساخرتين، بهما تصاب الكبود، وتشقّ القلوب قبل الجلود، إلى فم كأنّه ختام مسك، على نظام سلك، سقاه الحسن رحيقه، فأنبتت درره وعقيقه، وجيد في الحسن وحيد على صدر كأنه من مرمر، فيه حقّتا عاج طوّقتا بعنبر، قد خلقتا للعضّ، في جسم غضّ، له خصر مدمج، وردفه يتموّج، وأطراف كالعنم، رقمت رقم القلم، من اللائي شهدن ابن المؤمّل، وقال في مثلها الأول، إن هي تاهت فمثلها تاها، أو هي باهت فمثلها باها، من أين للغصن مثل قامتها أو أين للبدر مثل مرآها، ما فعلت في العقول صابية ما فعلت في العقول عيناها، تملكني بالهوى وأملكها، فهأنا عبدها ومولاها، فأيّهما لست بذلت فيه الجهد، وأرقيت للمجد والودّ إن شاء الله تعالى.
وأنا فيما عرض لسيدي، حفظه الله، على ما يحبّ، أعذره ولا أعذله، وأنصره ولا أخذله، لكني أقول كما قال بعض الحكماء: لا ينبغي لمن قلبه رقيق، أن يدخل سوق الرّقيق، إلّا أن يكون قد جمع بين المال، والجمال يتنافس في العالي،
стр. 1080
ويسترخص بالثمن الغالي، ولا يبالي بما قال الأئمة، إذا وجد من يلائمه، كما قال الشاعر: [الخفيف]
ما انتفاع المحبّ بالمال إذ «١» لم ... يتوصّل به لوصل الحبيب
إنما ينبغي بحكم الهوى أن ... ينفق المال في صلاح القلوب
والسلام على سيدي، ما كانت الفكاهة من شأن الوفاء، والمداعبة من شيم الظّرفاء، ورحمة الله وبركاته.
مولده: ولد في محرم سنة إحدى وستمائة.
وفاته: توفي في عام أربعة وثمانين وستمائة.
نقلت من خط صاحبنا الفقيه المؤرخ أبي الحسن بن الحسن، قال: أنشدني الشيخ الرّاوية الأديب القاضي الفاضل أبو الحجاج يوسف بن موسى بن سليمان المنتشافري، قال: أنشدني القاضي الفاضل أبو القاسم ابن الوزير أبي الحجاج ابن الحقالة، قال: أنشدني الأديب أبو الطيب صالح بن أبي خالد يزيد بن صالح بن شريف الرّندي لنفسه، ليكتب على قبره: [الطويل]
خليليّ، بالودّ الذي بيننا اجعلا ... إذا متّ قبري عرضة للتّرحّم
عسى مسلم يدنو فيدعو برحمة ... فإني محتاج لدعوة مسلم
حرف العين من ترجمة الملوك والأمراء
عبد الله بن إبراهيم بن علي بن محمد التجيبي الرئيس أبو محمد بن إشقيلولة
أوليته: قد مرّ شيء من ذلك في اسم الرئيس أبي إسحاق أبيه.
حاله: كان أميرا شهما، مضطلعا بالقضية، شهير المواقف، أبيّ النفس، عالي العمة. انتزى على خاله أمير المسلمين الغالب بالله «٢» ، وكان أملك لما بيده من مدينة وادي آش وما إليها، معزّزا بأخيه الرئيس أبي الحسن مظاهره في الأمر، ومشاركه في
стр. 1081
السلطان. واستمرّت الحال مدة حياة خاله السلطان، ولمّا صار الأمر إلى مخيفه ولي العهد «١» ، استشرى الداء، وأعضل الأمر، وعمّت الفتنة، وزاحمه السلطان بالمنكّب؛ انفجم، واعتوره بالحيلة، حتى تحيّف أطرافه، وكان ما هو معلوم من إجازة أمير المسلمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق «٢» البحر إلى الجهاد، ومال الحال بينه وبين السلطان أمير المسلمين أبي عبد الله بن نصر إلى التّقاطع، وتصيّرت مالقة إلى الإيالة المغربية، ثم عادت إلى السلطان.
وفي أخريات هذه الأحوال، أحكم السلطان مع طاغية الرّوم السّلم، وصرف وجهه إلى مطالبة الرئيس أبي محمد، صاحب وادي آش، فألجأه الحال إلى أن صرف الدعوة بوادي آش إلى السلطان بالمغرب ورفع شعاره، فأقعد عنه. ووقعت مراسلات أجلت عن انتقال الرئيس أبي محمد إلى المغرب، معوّضا عن مدينة وادي آش بقصر كتامة «٣» ، وذلك في عام تسعة وثمانين وستمائة.
وفاته: دخلت قصر كتامة يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من ذي قعدة عام خمسة وخمسين وسبعمائة في غرض الرسالة، وزرت مقبرة الرؤساء بني إشقيلولة بظاهرها، وفي قبّة ضخمة البناء رحيبة الفناء، نسيجة وحدها بذلك البلد بين منازل البلى وديار الفناء، وبها قبر الرئيس أبي محمد هذا، عن يسار الداخل، بينه وبين جدار القبلة قبر، وسنامه رخام مكتوب عليه: [المجتث]
قبر عزيز علينا ... لو أنّ من فيه يفدى
أسكنت قرّة عيني ... وقطعة القلب لحدا
ما زال حكما عليه ... وما القضاء تعدّى
فالصّبر «٤» أحسن ثوب ... به العزيز تردّى
وعند رأس السّنام الرخامي، مهد مائل من الرخام فيه:
«أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، صلّى الله على سيدنا محمد وآله، وسلّم تسليما. هذا قبر الرئيس الجليل، الأعلى الهمام، الأوحد،
стр. 1082
الأسعد، المبارك، الأسنى، الأسمى، الأحفل، الأكمل، المجاهد، المقدس، المرحوم، أبي محمد عبد الله، ابن الرئيس الجليل، الهمام، الأوحد، الأسعد، المبارك، الأمضى، الأسنى، الأسمى، المعظم، المرفّع، المجاهد، الأرضى، المقدس، المرحوم أبي إسحاق إبراهيم بن إشقيلولة، ﵀ وعفا عنه وأسكنه جنّته. ظهر، عفا الله عنه، بوادي آش، أمّنها الله، قاعدة من قواعد الأندلس، وتسلطن، ونشرت علامات سلطنته، وضربت الطبول. وجاهد منها العدو، قصمه الله، وظهر على خاله سلطان الأندلس، وأقام في سلطنته نحوا من ثلاث وعشرين سنة. ثم قام بدعوة الملك الأعلى، السلطان المؤيد المنصور، أمير المسلمين، المؤيد بالله أبي يعقوب، أيّده الله بنصره، وأمدّه بمعونته ويسره، وأمره، أيّده الله، أن يتخلّى عن وادي آش المذكورة، ويصل للمغرب، فتنحّى عن الأندلس للمغرب، آنسه الله، في جمادى الأولى من عام ستة وثمانين وستمائة، فأعطاه، أيّده الله، قصر عبد الكريم، أمّنه الله، وأنعم عليه، فأقام به مدة من ثمانية أعوام، وجاز منه إلى الأندلس، أمّنها الله، وجاهد بها مرّتين، ثم رجع إلى قصر عبد الكريم المذكور، وتوفي، شرّف الله روحه الطّيبة المجاهدة، عشيّ يوم السبت العاشر من شهر محرم سنة خمس وتسعين وستمائة» .
عبد الله بن بلقّين بن باديس بن حبّوس بن ماكسن ابن زيري بن مناد الصّنهاجي»
أمير غرناطة.
أوليته: قد مرّ من ذلك في اسم جدّه ما فيه كفاية.
حاله: لقبه المظفّر بالله، الناصر لدين الله. ولي بعد جدّه باديس في شوال سنة خمس وستين وأربعمائة، وصحبه سماجة الصّنهاجي تسع سنين. قال الغافقي: وكان قد حاز حظّا وافرا من البلاغة والمعرفة، شاعرا جيّد الشعر، مطبوعه، حسن الخطّ.
كانت بغرناطة ربعة مصحف بخطّه في نهاية الصّنعة والإتقان. ووصفه ابن الصّيرفي
стр. 1083
فقال «١» : كان جبانا معمد «٢» السيف، قلقا، لا يثبت على الظّهر، عزهاة «٣» لا أرب له في النساء «٤» ، هيّابة، مفرط الجزع، يخلد إلى الرّاحات، ويستوزر الأغمار.
خلعه: قال: «٥» وفي عام ثلاثة وثمانين وأربعمائة، تحرّك أمير المسلمين، يوسف بن تاشفين، لخلع رؤساء الأندلس، فأجاز البحر، ويمّم قرطبة، وتواترت الأنباء عن حفيد باديس صاحب غرناطة، بما يغيظه ويحقده، حسبما تقدم في اسم مؤمّل مولى باديس. وقدّم إلى غرناطة أربع محلّات، فنزلت بمقربة منها، ولم تمتدّ يد إلى شيء يوجد، فسرّ الناس واستبشروا، وأمنت البادية، وتمايل أهل الحاضرة إلى القوي. وأسرع حفيد باديس في المال، وألحق السّوقة والحاكّة «٦» ، واستكثر من اللّفيف، وألحّ بالكتب على أذفونش بما يطمعه. وتحقّق يوسف بن تاشفين استشراف الحضرة إلى مقدمه، فتحرّك. وفي ليلة الأحد لثلاث عشرة خلت من رجب، اجتمع إلى حفيد باديس صنائعه، فخوّفوه من عاقبة التربّص، وحملوه على الخروج إليه، فركب وركبت أمّه وتركا القصر على حاله، ولقي أمير المسلمين على فرسخين من المدينة، فترجّل، وسأله العفو، فعفا عنه، ووقف عليه، وأمره بالرّكوب، فركب، وأقبل حتى نزل ب «المشايخ» من خارج الحضرة. واضطربت المحلّات، وأمر مؤمّلا بثقافه في القصر، فتولّى ذلك، وخرج الجمّ من أهل المدينة، فبايعوا أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، فلقيهم، وأنسهم، وسكّن جأشهم، فاطمأنوا. وسهّل مؤمّل إليه دخول الأعيان، فأمر بكتب الصّكوك، ورفع أنواع القبالات والخراج، إلّا زكاة العين، وصدقة الماشية، وعشر الزّرع. واستقصي ما كان بالقصر، فظهر على ما يحول الناظر، ويروع الخاطر، من الأعلاق والذّخيرة، والحلى، ونفيس الجوهر، وأحجار الياقوت، وقصب الزّمرد، وآنية الذّهب والفضة، وأطباق البلّور المحكم، والجرداذنات، والعراقيّات، والثّياب الرّفيعة، والأنماط، والكلل، والسّتائر، وأوطية الدّيباج، مما كان في ادّخار باديس واكتسابه. وأقبلت دوابّ الظّهر من المنكّب
стр. 1084
بأحمال السّبيك والمسبوك، واختلفت أمّ عبد الله لاستخراج ما أودع بطن الأرض، حتى لم يبق إلّا الخرثى والثّقل والسّقط. وزّع ذلك الأمير على قوّاده، ولم يستأثر منه بشيء. قال «١» : ورغب إليه مؤمّل في دخول القصر، فركب إليه، وكثر استحسانه إياه، وأمر بحفظه. وتفقّد أوضاعه وأفنيته. ونقل عبد الله إلى مرّاكش، وسنّه يوم خلع، خمس وثلاثون سنة وسبعة أشهر، فاستقرّ بها هو وأخوه تميم، وحلّ اعتقالهما، ورفّه عنهما، وأجري المرتّب والمساهمة عليهما. وأحسن عبد الله أداء الطاعة، مع لين الكلمة، فقضيت مآربه، وأسعفت رغباته، وخفّ على الدولة، واستراح واستريح منه، ورزق الولد في الخمول، فعاش له ابنان وبنت، جمع لهم المال. فلمّا توفي ترك مالا جمّا.
مولده: ولد عبد الله سنة سبع وأربعين وأربعمائة.
عبد الله بن علي بن محمد التّجيبي، الرئيس أبو محمد ابن إشقيلولة
حاله: كان رئيسا شجاعا، بهمة، حازما، أيّدا، جلدا. تولّى مدينة مالقة عقب وفاة الرئيس واليها أبي الوليد بن أبي الحجاج بن نصر، صنو أمير المسلمين، الغالب بالله، في أوائل عام خمسة وخمسين وستمائة. وكان صهر السلطان على إحدى بناته، وله منه محلّ كبير، ومكان قريب، وله من ملكه حظّ رغيب.
واستمرّت حاله إلى عام أربعة وستين وستمائة، وفسد ما بينه وبين وليّ العهد، الأمير أبي عبد الله محمد ابن أمير المسلمين أبي عبد الله الغالب بالله، إذ وغر له صدره، ولا بني أخيه الرئيسين، أبي محمد وأبي الحسن، ابني الرئيس أبي إسحاق بن إشقيلولة المتأمّرين بوادي آش، فضايقهم وأخافهم بما أدّاهم إلى الامتناع والدّعاء لأنفسهم والاستمساك بما بأيديهم. وعمّت المسلمين الفتنة المنسوبة إليهم، فانتزى هذا الرئيس بمدينة مالقة، وكان أملك لما بيده، واستعان بالنّصري، وشمّر عن ساعد الجدّ، فأباد الكثير من أعيان البلدة في باب توسّم التهم وتطرّق السعايات، واستولى على أموالهم. واستمرت الحال بين حرب أجلت فيها غلبة الأمير مخيفه، ولي العهد، بجيش النّصري، ونازل مالقة أربعين يوما، وشعّث الكثير بظاهرها، وتسمّى بعلم الأمير عند أهل مالقة، وما بين سلم ومهادنة. وفي عام
стр. 1085
ستين وستمائة، نازله السلطان الغالب بالله صهره، وأعيا عليه أمر مالقة، لاضطلاع هذا الرئيس بأمره، وضبط من لنظره، واستمساكه بعروة حزمه.
وفي بعض الأيام ركب السلطان في ثلاثة من مماليكه، متخفّيا، كاتما غرضه، وقعد بباب المدينة، فلمّا بصر به الرجال القائمون به، هالهم الأمر، وأدهشتهم الهيبة، فأفرجوا له، موقّرين لجلاله، آنسين لقلّة أتباعه، فدخل، وقصد القصبة، وقد نذر به الرئيس أبو محمد، فبادر إليه راجلا، متبذّلا، مهرولا، حافيا. ولمّا دنا منه ترامى على رجليه يقبّلهما، إظهارا لحقّ أبوّته، وتعظيما لقدره، ودخل معه إلى بنته وحفدته، فترامى الجميع على أطرافه يلثمونها، ويتعلّقون بأذياله وأدرانه، وهو يبكي إظهارا للشّفقة والمودّة وتكلّم الجميل. وأقام معهم بياض يومه، ثم انصرف إلى محلّته، وأتبعه الرئيس، فأمره بالاستمساك بقصبته وملازمة محلّ إمرته، وما لبث أن شرع في الارتحال عن ألطاف ومهادات، وتقدير جرايات، وإحكام هديّة، وتقرير إمارة، إلى أن توفي السلطان، ﵀، فعادت الفتنة جزعة، ووالى ولده أمير المسلمين بعده الضرب على مالقة، إلى أن هلك الرئيس أبو محمد، واستقرّ بالأمور ولده المذكور في المحمّدين، وكان من الأمر ما ينظره في مكانه من أراد استيفاءه، بحول الله.
عبد الله بن محمد بن أحمد بن محمد العزفي
يكنى أبا طالب، الرئيس الفقيه، الكبير الشّهير، صاحب الأمر والرّئاسة والإمارة بسبتة، نيابة عن أخيه الرئيس الصّالح أبي حاتم، بحكم الاستقلال في ذلك، والاستبداد التّام، من غير مطالعة لأخيه ولا رجوع إليه في شيء من الأمور، ولا تشوّف من أخيه إلى ذلك، لخروجه البتّة عنه، وإيثاره العزلة، واشتغاله بنفسه.
حاله: قد تقدم من ذكر أوّليته ما فيه كفاية. وكان من أهل الجلالة والصّيانة، وطهارة النّشأة، حافظا للحديث، ملازما لتلاوة كتاب الله، عارفا بالتاريخ، عظيم الهيبة، كبير القدر والصّيت، عالي الهمّة، شديد البأو، معظّما عند الملوك، جميل الشّارة، ممتثل الإشارة لديهم، عجيب السّكينة والوقار، بعيد المرمى، شديد الانقباض، مطاع السّلطان بموضعه، مرهوب الجانب، من غير إيقاع بأحد، ولا هتك حرمة، محافظا على إقامة الرّسوم الحسبيّة والدّينية.
مشيخته: قرأ على الأستاذ أبي الحسين بن أبي الربيع وغيره.
نكبته: تغلّب على بلده أيام إمارته، وثار أهله إليه في السّلاح والعدّة؛ ليحيطوا بمن في القصبة، فخرج إليهم، وشكر مساعيهم، وقال: قال رسول الله ﷺ : كن
стр. 1086
عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل، فانصرفوا، ودخل منزله ملقيا بيده، ومسلّما لقضاء الله سبحانه في كسره، إلى أن قبض عليه وعلى سائر بنيه وقومه، عند ارتفاع النهار وانتشار المتغلّبين على القصبة، فنقفوا متحرّجين من دماء المسلمين، وصرفوا إلى الأندلس، في ضحو يوم الخميس الثاني عشر من ذي قعدة عام خمسة وسبعمائة، بعد انقضاء خمسة عشر يوما من تملّك بلدهم، فاستقرّ بغرناطة تحت ستر واحترام وجراية فيها كفاف. ثم لما خرجت سبتة عن طاعة أمير المسلمين، انصرف القوم إلى فاس، فتوفي بها.
وفاته: في شعبان المكرم من عام ثلاثة عشر وسبعمائة.
عبد الله بن الجبير بن عثمان بن عيسى بن الجبير اليحصبي «١»
من أهل لوشة، وهو محسوب من الغرناطيين. قال الأستاذ «٢» : من أعيانها ذوي الشرف والجلالة. قلت: ينسب إليه بها معاهد تدلّ على قدم وأصالة.
حاله: قال أبو القاسم الملّاحي «٣» : كان أديبا بارع الأدب، كاتبا، بليغا، شاعرا مطبوعا، لسنا مفوّها، عارفا بالنحو والأدب واللغات، وقد مال في عنفوان شبيبته إلى الجندية لشهامته وعزّة نفسه، فكان في عسكر المأمون بن عبّاد «٤» ، واشتمل عليه المأمون، وكان من أظرف الناس، وأملحهم شبيبة «٥» ، وأحسنهم شارة، وأتمّهم معرفة.
مشيخته: أخذ «٦» عن أشياخ بلده غرناطة، وأخذ بمالقة عن غانم الأديب، وبقرطبة عن ابن سراج.
شعره: وله في إنشاده لدى المأمون مجال رحب، فمن ذلك قوله «٧» :
[البسيط]
يا هاجرين، أضلّ الله سعيكم ... كم تهجرون محبّيكم بلا سبب
стр. 1087
ويا مسرّين للإخوان غائلة ... ومظهرين وجوه البرّ والرّحب
ما كان ضرّكم الإخلاص لو طبعت ... تلك النفوس على علياء أو أدب
أشبهتم الدّهر لمّا كان والدكم ... فأنتم شرّ أبناء لشرّ «١» أب
عبد الله بن سعيد بن عبد الله بن سعيد بن أحمد ابن علي السّلماني «٢»
والد المؤلف، ﵁، يكنى أبا محمد، غرناطي الولادة والاستيطان، لوشي الأصل، ثم طليطليّه، ثم قرطبيّه.
أوليته: كان سلفه يعرفون بقرطبة ببني وزير، وهم بها أهل نباهة، وبيتهم بيت فقه وخيريّة وماليّة، ونجارهم نجار فرسان يمانيّة. ولمّا حدث على الحكم بن هشام الوقيعة الرّبضيّة، وكان له الفلج، وبأهل الرّبض الدّبرة، كان أعلام هذا البيت من الجالية أمام الحكم، حسبما امتحن به الكثير من أعلام المشيخة بها، كالفقيه طالوت، ويحيى بن يحيى، وغيرهما «٣» ، ولحقوا بطليطلة، فاستقرّوا بها، ونبا بهم وطنهم، ثم حوّموا على سكنى الموسّطة، وآب إلى قرطبة قبلهم بعد عهد متقادم، ومنهم خلف وعبد الرحمن، وقد مرّ له ذكر في هذا الكتاب. وولّي القضاء بالكورة. ومنهم قوم من قرابتهم تملّكوا منتفريد «٤» ، الحصن المعروف الآن بالمنعة والخصب، وتمدّن فيهم، وبنيت به القلعة السّامية، ونسب إليه ذلك المجد، فهم يعرفون ببلدنا ببني المنتفريدين. واستقرّ منهم جدّنا الأعلى بلوشة خطيبا وقاضيا بالصّقع ومشاورا «٥» ، وهو المضاف إلى اسمه التّسويد بلوشة عرفا كأنه اسم مركّب، فلا يقول أحد منهم في القديم إلّا سيّدي سعيد. كذا تعرّفنا من المشيخة، وإليه النّسبة اليوم، وبه يعرف خلفه ببني الخطيب، وكان صالحا فاضلا، من أهل العلم والعمل. حدّثني الشيخ المسنّ أبو الحكم المنتفريدي، وقد وقفني على جدار برج ببعض أملاكنا بها، على الطّريق الآتية من غرناطة إلى لوشة، ثم إلى غيرها، كإشبيلية وسواها، فقال: كان جدّك يسكن بهذا البرج كذا من فصول العام، ويتلو القرآن ليلا، فلا يتمالك المارّون على الطّريق، أن يقربوا إصغاء لحسن تلاوته
стр. 1088
وخشوعا. وكان ولده عبد الله بعده، على وتيرة حسنة من الخير والنّباهة وطيب الطّعمة، ثم جدّه الأقرب سعيد على سننه، مرب عليه بمزيد المعرفة، وحسن الخطّ.
ولما وقع بلوشة بلده، ما هو معروف من ثورة أصهارهم من بني الطّنجالي، وكان بينهم ما يكون بين الفحول في الهجمات من التّشاجر، فرّ عنهم خيفة على نفسه، وعلى ذلك فناله اعتقال طويل، عدا به عليه عن تلك الثورة. ثم بان عذره، وبرّئت ساحته، واستظهر به السلطان، وأقام بغرناطة، مكرّما، مؤثرا، مؤتمنا، وصاهر في أشراف بيوتاتها، فكانت عنده بنت الوزير أبي العلى أضحى بن أضحى الهمداني، وتوفيت تحته، فأنجز له بسببها الحظّ في الحمّام الأعظم المنسوب إلى جدّها اليوم.
ثم تزوج بنت القائد أبي جعفر أحمد بن محمد الجعدالة السّلمي، أم الأب المترجم به، ولها إلى السلطان ثاني ملوك بني نصر وعظيمهم «١» متات ببنوّة الخؤولة من جهة القوّاد الأصلاء القرطبيين بني دحون، فوضح القصد، وتأكدت الحظوة. وقد وقعت الإشارة إلى ذلك كله في محلّه. ثم رسخت لولده أبي، القدم في الخدمة والعناية، حسبما يتقرّر في موضعه.
حاله: كان، ﵀، فذّا في حسن الشكل والأبّهة، وطلاقة اللسان، ونصاعة الظّرف، وحضور الجواب، وطيب المجالسة، وثقوب الفهم، مشارا إليه في الحلاوة وعذوبة الفكاهة، واسترسال الانبساط، مغييا في ميدان الدّعابة، جزلا، مهيبا، صارما، متجنّدا، رائق الخصل ركضا وثقافة، وعدوا وسباحة وشطرنجا، حافظا للمثل واللّغة، أخباريا، مضطلعا بالتاريخ، ناظما نائرا، جميل البزّة، فاره المركب، مليح الشّيبة. نشأ بغرناطة تحت ترف ونعمة، من جهة أمّه وأبيه، وقرأ على أبي إسحاق بن زرقال، وأبي الحسن البلّوطي، ثم على أستاذ الجماعة أبي جعفر بن الزّبير، ظاهرة عليه مخيّلة النّجابة والإدراك. ثم أقصر لعدم الحامل على الدّؤوب، وانتقل إلى بلد سلفه، متحيّفا الكثير من الأصول في باب البذل وقرى الضّيوف، ومداومة الصّيد، وإيثار الراحة، معتمدا بالتّجلّة، مقصود الحلّة، مخطوب المداخلة، من أبناء أشراف الدولة، منتجعا لأولي الكدية. ولما قام بالأمر السلطان، أمير المسلمين أبو الوليد، وأمّه بنت السلطان ثاني الملوك من بني نصر، جزم ما تقدّم من المتات والوسيلة، استنهضه للإعانة على أمره، وجعل طريقه على بلده، فحطب في حبله، وتمسّك بدعوته، واعتمده بنزله وضيافته، وكان أعظم الأسباب في حصول الأمر بيده، ودخوله
стр. 1089
في حكمه، وانتقل إلى حضرة الملك بانتقاله، فنال ما شاء من اصطناعه وحظوته، وجرى له هذا الرّسم في أيام من خلفه من ولده إلى يوم الوقيعة الكبرى بطريف تاريخ فقده.
وجرى ذكره في كتاب «الإكليل» بما نصه «١» : إن طال الكلام، وجمحت الأقلام، كنت كما قيل: مادح نفسه يقرئك السلام، وإن أحجمت، فما أسديت في الثّناء ولا ألحمت، وأضعت الحقوق، وخفت ومعاذ الله العقوق. هذا، ولو أنّي زجرت طير البيان من أوكاره، وجئته «٢» بعيون الإحسان وأبكاره، لما قضيت حقّه بعد، ولا قلت إلّا التي علمت سعد «٣» . فقد كان، ﵀، ذمر «٤» عزم، ورجل رخاء وأزم، تروق أنوار خلاله الباهرة، وتضيء مجالس الملوك من صورتيه الباطنة والظاهرة، ذكاء يتوقّد، وطلاقة يحسد نورها الفرقد. فقدته «٥» بكائنة طريف «٦» ، جبر الله عثارها، وعجّل ثارها.
حدّث خطيب المسجد الأعظم، وهو ما هو، من وفور العقل، وصحة النّقل، قال: مررت بأبيك بعد ما تمت الكسرة، وخذلت تلك الأسرة، وقد كبا بأخيك الطّرف، وعرض عليه الحمام للصّرف، والشيخ ﵀ لم تزلّ قدمه، ولا راعه الموقف وعظمه. ولما آيس من الخلاص وطلّابه، صرفني وقال: أنا أولى به، فقضى سعيدا شهيدا، لم يستنفره الهول، ولم يثنه ولا رضي عار الفرار عن ابنه.
شعره: قال في «الإكليل» «٧» : وكان «٨» له في الأدب فريضة، وفي النّادرة العذبة منادح عريضة. تكلّمت يوما بين يديه، في مسائل من الطب، وأنشدته أبياتا من شعري «٩» ، وقرأت عليه رقاعا من إنشائي، فسرّ وتهلّل، وعبّر عما أمل، وما برح أن
стр. 1090
ارتجل قوله رحمة الله عليه: [مخلع البسيط]
الطبّ والشّعر والكتابه ... سماتنا في بني النّجابه
هنّ ثلاث مبلّغات ... مراتبا بعضها الحجابه
ووقّع لي يوما بخطّه على ظهر أبيات، بعثتها إليه، أعرض عليه نمطها: [الكامل]
وردت كما ورد النسيم بسحره «١» ... عن روضة جاد الغمام رباها
فكأنما» هاروت أودع سحره ... فيها وآثرها به وحباها
مصقولة الألفاظ يبهر حسنها ... فبمثلها «٣» افتخر البليغ وباهى
فقررت عينا عند رؤية حسنها ... إني أبوك وكنت أنت أباها
ومن شعره «٤» قوله: [الوافر]
وقالوا قد نأوا «٥» : فاصبر ستشفى ... فترياق الهوى بعد الدّيار
فقلت: هبوا بأنّ الحقّ هذا ... فقلبي يمّموا فيم اصطباري «٦» ؟
ومن قوله مما يجري مجرى الحكم والأمثال «٧» : [السريع]
عليك بالصمت فكم ناطق ... كلامه أدّى إلى كلمه «٨»
إنّ لسان المرء أهدى إلى ... غرّته والله من خصمه
يرى صغير الجرم مستضعفا ... وجرمه أكبر من جرمه
وقال وهو من المستحسن في التّجنيس «٩» : [الخفيف]
أنا بالدّهر، يا بنيّ، خبير ... فإذا شئت علمه فتعالى
كم مليك قد ارتغى «١٠» منه روضا ... لم يدافع عنه الردى «١١» ما ارتغى لا
كلّ شيء تراه يفنى ويبقى ... ربّنا الله ذو الجلال تعالى
أنشدني هاتين المقطوعتين.
следующие страницы →