Полный текст (1 954 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
حاله: من خطّ ولده شيخنا على الاختصار، قال يخاطبني في بعض ما كتب به إليّ: ذكر أبي، وهو ممن طلبتم ذكره إلي في أخباره جزءا من نحو سبعين ورقة في المقسوم، لخّصت لك من مبيّضته ما يذكر:
نشأ، ﵀، بسبتة على طهارة تامة، وعفّة بالغة وصون ظاهر، كان بذلك علما لشبّان مكتبه. قرأ القرآن بالقراءات السّبع، وحفظ ما يذكر من المبادىء، واتّسم بالطلب. ثم تاقت نفسه إلى الاعتلاق بالعروة الوثقى التي اعتلق بها سلفه، فنبذ الدّنيا، وأقبل على الآخرة، وجرى على سنن المتّقين، آخذا بالأشدّ من ذلك والأقوى، طامحا بهمّته إلى أقصى ما يؤمّله السّالكون، فرفض زي الطّلبة، ولبس الخشنية، وترك ملابسة الخلق بالجملة، وبالغ في الانقباض عنهم، وانقطع إلى الله برباطات سبتة وجبالها، وخصوصا بمينائها، وعكف على ذلك سنين، ثم سافر إلى المغرب، سائحا في الأرض، على زي الفقهاء للقاء العبّاد وأهل العلم، فأحرز من ذلك ما شاء. ثم أجاز البحر إلى جزيرة الأندلس، وورد ألمريّة، مستقرّ سلفه، وأخذ في إيثار بقايا أملاك بقيت لأسلافه بها، على ما كان عليه من التّبتّل والإخبات. وكان على ما تلقينا من أصحابه وخدّانه، صوّاما، قوّاما، خاشعا، ذاكرا، تاليا، قوّالا للحق، وإن كان مرّا كبيرا في إسقاط التّصنّع والمباهاة، لا يضاهى في ذلك، ولا يشقّ غباره. وقدم على غرناطة، ودخل على أمير المسلمين، وقال له الوزير: يقول لك السلطان ما حاجتك؟ فقال: بهذا الرسم رحلت، ثم ظهر لي أن أنزل حاجتي بالله، فعار على من انتسب إليه أن يقصد غيره. ثم أجاز البحر وقد اشتدّت أحوال أهل الأندلس بسبب عدوّهم، وقدم على ملكه، ووعظه موعظة أعنف عليه فيها، فانفعل لموعظته، وأجاز البحر بسببه إلى جزيرة الأندلس، وغزا بها، وأقام بها ما شاء الله، وتأدب الروم لو تمّ المراد، قال: وأخبره السلطان أبو يوسف ملك المغرب، قال: كل رجل صالح دخل عليّ كانت يده ترعد في يدي، إلّا هذا الرجل، فإن يدي كانت ترعد في يده عند مصافحته.
كراماته: وجلب له كرامات عدّة، فقال في بعضها: ومن ذلك ما حدّثني الشيخ المعلم الثّقة أبو محمد قاسم الحصّار، وكان من الملازمين له، المنقطعين إلى خدمته، والسّفر معه إلى البادية، فقال: إني لأحفظ لأبيك أشياء من الأحوال العظيمة، منها ما أذكره، ومنها ما لا أستطيع ذكره. ثم قال: حدّثني أهل وادي الزّرجون، وهو حشّ»
من أعمال سبتة، قالوا: انصرف السيد أبو عبد الله من هنا، هذا لفظه، فلما استقرّ في
стр. 982
رأس العقبة المشرفة على الوادي، صاح عليه أهل القرى، إذ كانوا قد رأوا أسدا كبيرا جدا قد تعرّض في الطريق، ما نجا قط من صادفه مثله، فلما سمع الصياح قال: ما هذا؟ فقيل له: أهل القرى يصيحون عليه خيفة من السّبع، قال: فأعرض عنهم بيده، ورفع حاجبه كالمتكبّر على ذلك، وأسكتهم، وأخذ في الطّريق حتى وصل إلى الأسد، فأشار عليه بالقضيب، وقال له: من ههنا، من ههنا، اخرج عن الطريق، فخرج بإذن الله عن الطريق، ولم يوجد هنالك بعد. وأمثال ذلك كثيرة.
مشيخته: قرأ على الأستاذ أبي الحسين بن أبي الربيع القرشي، وأجازه والده أبو إسحاق إجازة عامة. ومن شيوخه القاضي المسنّ أبو عبد الله الأزدي، والمحدّث أبو بكر بن مشليون، وأبو عبد الله بن جوهر، وأبو الحسين بن السراج، وأبو عبد الله محمد بن عبد الله الخزرجي، وأبو عبد الله بن الأبار، وأبو الوليد بن العطار، وأبو العباس بن عبد الملك، وأبو إسحاق بن عياش، وأبو محمد عبد الله بن أحمد بن عطيّة، وأبو بكر القرطبي حميد، وأبو إبراهيم الطّرسي، والقاضي أبو عبد الله بن عياض، والكاتب أبو الحسن الرّعيني، وأبو الحسن الشّاري، وأبو يحيى بن الفرس، وأبو إسحاق بن عبيد الله، وأبو الحسن الغزّال، وجماعة من الأندلس غير هؤلاء.
ومن أهل العدوة كأبي يعقوب المحاسبي، وابن فرتون، وغيرهما «١» .
محنته: نمي عنه إلى السلطان بالأندلس، أنه أغرى به ملك المغرب، وتخلّص بعد لأي في خبر طويل، وانتهب السلطان ماله، وألحق أملاكه بالمختص «٢» ، واستمرّ، وذلك إلى دولة والده، وامتحن السّاعون به، فعجّل الله عقوبتهم.
مولده: قال شيخنا: نقلت من خطّ أبيه ما نصّه: ولد ابني أبو بكر محمد، أسعده الله ووفّقه، في النصف الأول من ليلة يوم الاثنين الحادي والعشرين لذي قعدة من سنة ست وأربعين وستمائة.
وفاته: قال: ألفيت بخط القاضي الأديب الكاتب أبي بكر بن شبرين، وكان ممن حضر جنازته بسبتة، وكانت وفاة الفقيه النّاسك السّالك الصالح أبي بكر محمد بن الشيخ الفقيه المحدّث أبي إسحاق السلمي البلفيقي في العشر الأواخر من رمضان أربعة وتسعين وستمائة، بمحروسة سبتة، ودفن إثر صلاة العصر بجبّانة الخرّوبة من منارتها بمقربة من قبر ريحان الأسود العبد الصالح، نفع الله به. وصلّى عليه الإمام أبو عبد الله بن حريث.
стр. 983
محمد بن يحيى بن إبراهيم بن أحمد بن مالك ابن إبراهيم بن يحيى بن عبّاد النّفزي «١»
من أهل رندة، يكنى أبا عمرو، ويعرف بابن عبّاد، الحاجّ الصّوفي.
حاله: نشأ ببلده رندة، وهو من ذوي البيوتات الأصيلة بها، ثم رحل إلى المشرق، ولقي العلماء والصّوفية، وحضر عند المشيخة، ثم كرّ إلى الأندلس، فتصوف، وجال في النّواحي، واطّرح السّموت، وفوّت ما كان بيده من متاع الدّنيا، وكان له مال له خطر، وألقى التّصنّع لأهله رأسا. وكان فيه تولّه وحدّة، وله ذهن ثاقب، يتكلم في المعقولات والمنقولات، على طريقة الحكماء والصّوفية، ويأتي بكل عبارة غريبة، وآثاره هائلة من غير تمكّن علم، ولا وثاقة إدراك، غير أنك لا تسمع منه إلّا حسنا، وهو مع ذلك طوّاف على البلاد، زوّار للرّبط، صبّار على المجاهدة طوعا وضرورة، ولا يسأل ثيابا البتّة إلّا بذلة من ثوب أو غيره، صدقة واحد في وقته.
محنته وفضله وشعره: نمي عنه كلام بين يدي صاحب المغرب، أسف به مدبّر الدولة يومئذ، فأشخص عند إيابه إلى رندة وسجن بسجن أرباب الجرائم، فكتب إلى وليّ الأمر: [الطويل]
تركت لكم عزّ الغنى فأبيتم ... وأن تتركوني للمذلّة والفقر
ونازعتموني في الخمول وإنه ... لذي مهجتي أحلى من البنى والأمر
ثم قال: يا من رماني بسهمه الغرب، قد ردّ عليك مخضوبا بالدّم. قال: فو الله ما مرّت ثلاثة، حتى نفذ حكم الله فيمن عدا عليه.
وشعره حسن يدلّ على طبع معين، فمن ذلك: [الكامل]
سرى يسرّ إليّ أنك تاركي ... نفسي الفداء للطفك المتدارك
يا مالكي ولي الفخار بأنني ... لك في الهوى ملك وأنّك مالكي «٢»
التّرك هلك فاعفني منه وعد ... بالوصل تحيي ذا «٣» محبّ هالك
стр. 984
وأعد جميلا في الهوى عوّدتني ... إن لم تعده إليّ من للهالك؟
يا منية القلب الذي بجماله ... فتن الورى من فاتك أو ناسك
آتيه «١» دونك أو أحار وفي سنى ... ذاك الجمال جلا الظلام الحالك؟
ولكم سلكت إليك لكن حين لم ... تكن الدّليل اختلّ قصد السّالك
ولقد عرفت بستر سرّي في الهوى ... فهجرتني فكسيت ثوب الهاتك
ما السّتر إلّا ما يحوك رضاك لا ... ما حاكه للبتر كفّ الحائك
ما الفضل إلّا ما حكمت به فصن ... واهتك وصل إن شئت أو كن تاركي «٢»
ما لي سوى حبّيك يا حبّي فدع ... تركي فهلك الملك ترك المالك
وقال أيضا «٣» : [الكامل]
هذا العقيق فسل معاطف بانه ... هل نسمة عادته من نعمانه؟
واسأله إن زارته ماذا أخبرت ... عن أجرع العلمين أو سكّانه
وأصخ لحسن حديثها وأعده لل ... مضني ففيه البرء من أشجانه
يا حبّذا ذاك الحديث وحبّذا ... من قد رواه «٤» وحبّذا ببيانه
وسقى الإله زمانه ومكانه ... ويعزّ قدر زمانه ومكانه
يا سعد، ساعد مستهاما فيه لا ... ذقت الهوى ونجوت من عدوانه
وأصخ لما يتلو «٥» الوجود عليك من ... أنبائهم بلسان حال كيانه «٦»
وأبنه لي واقبل ذمامي بشارة ... ويقلّ بذل ذماي في تبيانه
وسل النّسيم يهبّ من واديهم ... بشذا «٧» خزاماه وطيب ليانه «٨»
ارحم بروح منه روحي تحيه ... وبسقمه «٩» سقمي فديتك عانه
وبنشره انشر نفس مشتاق قضت ... شوقا لنفحة نسمة «١٠» من بانه
يا سعد، حدّثني فكلّ مخبّر ... عن خسر من أهواه أو إحسانه «١١»
стр. 985
يا سعد، حدّثني حديثا «١» عنهم ... ويجلّ قدر الحبّ عن نسيانه
يا سعد، طارحنيه واملأ مسمعي ... من سرّه إن شئت أو إعلانه
أنا في الغرام أخوك حقا والفتى ... لا يكتم الأسرار عن «٢» إخوانه
قل كيف وادي ودّ «٣» سكّان الحمى ... ومنى أمانيه وروض لسانه؟ «٤»
هل قلّصت أيدي النّوى من ظلّه؟ ... أو ما جرى هل عاث في جريانه؟
وهل الربوع أواهل بحمى لهم «٥» ... فسقى «٦» الربوع الودق «٧» من هتّانه؟
وهل التقى بان على عهد النّوى «٨» ... وهل اللّوى يلوي بعود زمانه؟
فبروض أنسهم عهدت «٩» نضارة ... نزّهت منها الطّرف «١٠» في بستانه
وأرى هجير الهجر أذبل يانعا ... منه وأذوى الغضّ من ريحانه
وأحال حال الأنس فيه وحشة ... وطوى بساط الأنس في هجرانه
آها ووالهفي وويحي أن مضى ... عهد عرفت الأنس في أزمانه
وبأجرع العلمين من شرقيّه ... حبّ غذاني حبّه بلبانه
حاز المحاسن كلّها فجمعن لي ... كلّ الهوى فحملت «١١» كلّ هوانه
وزها عليّ بعزّة «١٢» فبواجب ... أزهو «١٣» بذلّي في يدي سلطانه
وقضى بأن أقضي وليت بما قضى ... يرضى فطيب العيش في رضوانه
واختار لي أن لا أميل لسلوة ... عن حبّه فسلوت عن سلوانه
يا عاذلي أو ناصحي أو لائمي ... تبغي السّلوّ ولات حين أوانه
غلب الغرام وعزّ سلطان الهوى ... فالكلّ فيه عليّ من أعوانه
стр. 986
فعلام تعتب مستهاما، كلّ ما «١» ... في الكون عاذره على هيمانه «٢»
دع عنك لومي إنني لك ناصح ... أبدى الجمال العذر عن هيمانه
وإذا الفتى قام الجمال بعذره ... في الحبّ فاتركه وثني عنانه
من سام قلبي في هواه سلوة ... قد سامه ما ليس في إمكانه
وقال في الغرض المذكور»
: [البسيط]
يا للرّجال، ألا حبّ يساعدني ... في ذا الغرام فأبكيه ويبكيني؟ «٤»
غلبت فيه وما أجدت مغالبتي ... وهنت والصّبّ أولى الناس بالهون
ركبت لجّته وحدي فأدهشني ... ومتّ «٥» في يده فردا فدلّوني «٦»
واضيعة العمر والبلوى مضاعفة ... ما بين يأس وآمال ترجّيني «٧»
والهف نفسي إن أودت وما ظفرت ... في ذا الهوى بتمنّ أو بتأمين
فليت «٨» شعري وعمري ينقضي طمعا ... في ذا الهوى «٩» بين مغلوب ومغبون
هل الألى «١٠» ملكوا رقيّ وقد علموا ... بذلّتي «١١» وافتقاري أن يواسوني؟
فكم أكفكف دمعي بعدهم وأرى ... مجدّدا نار يأسي وهي تبليني
وكم أمرّ على الأطلال أندبها ... وبالمنازل من خيف ودارين
وفي الفؤاد لهم ما ليس يعلمه ... هم، علمهم بالحال يكفيني
أهمي المدامع كي أروى فتعطشني ... وألزم الذّكر للسّلوى فيشجيني
وكلّ من لمحت عيني أسائله ... عنهم فيغري بهم قلبي ويغريني
يا أهل نجد وفخري «١٢» أن أحبّكم ... لا أطلب الوصل عزّ الحبّ يغنيني
هل للهوى «١٣» من سبيل للمنى فلقد ... عزّت أمانيه في الدّنيا وفي الدّين
стр. 987
محمد بن يوسف بن خلصون
يكنى أبا القاسم، روطيّ «١» الأصل، لوشيّه «٢» ، سكن لوشة وغرناطة ومالقة.
حاله: كان من جلّة المشيخة وأعلام الحكمة، فاضلا، منقطع القرين في المعرفة بالعلوم العقلية، متبحرا في الإلهيات، إماما في طريقة الصّوفية، من أهل المقامات والأحوال، كاتبا بليغا، شاعرا مجيدا، كثير الحلاوة والطّلاوة، قائما على القرآن، فقيها أصوليا، عظيم التخلّق، جميل العشرة. انتقل من حصن روطة إلى الخطابة والإمامة بلوشة، كثير الدؤوب على النّظر والخلوة، مقصودا من منتحلي ما لديه ضرورة. لم يتزوج، وتمالأت عليه طائفة ممن شانها الغضّ من مثله، فانزعج من لوشة إلى مالقة، فتحرّف بها بصناعة الطّب، إلى حين وفاته.
حدّثني والدي، وكان خبيرا بأحواله، وهو من أصحاب أبيه، قال: أصابت الناس شدّة قحط، وكانت طائفة من أضداده تقول كلاما مسجّعا، معناه: إنكم إن أخرجتم ابن خلصون من بينكم، مطرتم. قال: فانزعج عنها، ولما كان على أميال نزل الغيث الرغد، قال: فسجد بموضعه ذلك، وهو معروف، وقال: سيدي، وأساوي عندك هذا المقدار، وأوجب شكرانا. وقدم غرناطة، وبها الأستاذ أبو عبد الله الرّقوطي، وله استيلاء على الحظوة السلطانية، وشأنه اختبار من يرد على الحضرة ممن يحمل فنّا، وللسلطان على ابن خلصون موجدة، لمدحه في حداثته أحد الثوار عليه بقمارش «٣» ، بقصيدة شهيرة. فلمّا حضر، سأله الأستاذ: ما صناعتك، فقال:
التصوّف، فالتفت إلى السلطان وقال: هذا رجل ضعيف لا شيء لديه، بحيث لا يفرّق بين الصّناعة وغيرها، فصرفه ﵀.
تواليفه: وتواليفه كثيرة، تدل على جلالته وأصالة معرفته، تنطق علما وحكمة، وتروق أدبا وظرفا. فمن ذلك كتابه في «المحبة» ، وقفت عليه بخط جدّي الأقرب سعيد، وهو نهاية. وكتاب «وصف السلوك، إلى ملك الملوك» ، عارض به معراج
стр. 988
الحاتمي، فبان له الفضل، ووجبت المزيّة، ورسالة «الفتق والرّتق، في أسرار حكمة الشرق» .
شعره: من ذلك قوله: [الكامل]
هل تعلمون مصارع العشّاق ... عند الوداع بلوعة الأشواق؟
والبين يكتب من نجيع دمائهم ... إن الشّهيد لمن يمت بفراق
لو كنت شاهد حالهم يوم النّوى ... لرأيت ما يلقون غير مطاق
منهم كئيب لا يملّ بكاؤه ... قد أغرقته مدامع الآماق
ومحرّق الأحشاء أشعل ناره ... طول الوجيب بقلبه الخفّاق
ومولّة لا يستطيع كلامه ... مما يقاسي في الهوى ويلاقي «١»
خرس اللسان فما يطيق عبارة ... ألم المرور وما له من راق؟
ما للمحبّ من المنون وقاية ... إن لم يغثه حبيبه بتلاق
مولاي، عبدك ذاهب بغرامه ... فادرك «٢» بوصلك من دماه الباقي «٣»
إني إليك بذلّتي متوسّل ... فاعطف بلطف منك أو إشفاق
ومن شعره أيضا: [الكامل]
أعد الحديث إذا وصفت جماله ... فبه تهيّج للمحبّ خياله
يا واصف المحبوب كرّر ذكره ... وأدر على عشّاقه جرياله
فبذكر من أهوى وشرح صفاته ... لذّ الحديث لمسمعي وخلاله
طاب السّماع بوصفه لمسامعي ... وقررت عينا مذ لمحت هلاله
قلبي يلذّ ملامة في حبّه ... ويرى رشادا في هواه ضلاله
يا عاذلي أو ما ترقّ لسامر ... سمع الظّلام أنينه فرثا له؟
ومن شعره أيضا: [الكامل]
إن كنت تزعم حبّنا وهوانا ... فلتحملنّ مذلّة وهوانا
فاسجر لنفسك إن أردت وصالنا ... واغضب عليها إن طلبت رضانا
стр. 989
واخلع فؤادك في طلاب ودادنا ... واسمح بموتك إن هويت لقانا
فإذا فنيت عن الوجود حقيقة ... وعن الفناء فعند ذاك ترانا
أو ما علمت الحبّ فيه عبرة ... فاخلص لنا عن غيرنا وسوانا
وابذل لبابك إن وقفت ببابنا ... واترك حماك إذا فقدت حمانا
ما لعلع ما حاجر ما رامة ... ما ريم أنس يسحر الأذهانا
إنّ الجمال مخيّم بقبابنا ... وظباؤه محجوبة بظبانا
نحن الأحبّة من يلذ بفنائنا ... نجمع له مع حسننا إحسانا
نحن الموالي فاخضعنّ لعزّنا «١» ... إنّا لندفع في الهوى من هانا
إنّ التّذلّل للتّدلّل سحر ... فاخلد إلينا عاشقا ومهانا
واصبر على ذلّ المحبّة والهوى ... واسمع مقالة هائم قد لانا
نون الهوان من الهوى مسروقة ... فإذا هويت فقد لقيت هوانا
ومن لطيف كلامه ورقيق شعره: [الرمل]
لو خيال من حبيبي طرقا ... لم يدع دمعي بخدّي طرفا
ونسيم الريح منه لو سرى ... بشذاه لأزال الحرقا
ومتى هبّت عليلات الصّبا ... صحّ جسمي فهي «٢» لي نفث رقا
عجبا يشكو فؤادي في الهوى ... لهب النار وجفني الفرقا
يا أهيل «٣» الحيّ، لي فيكم رشا ... لم يدع لي رمقا مذ رمقا
بدر تمّ طالع أثمره ... غصن بان تحته دعص نقا
راق حسنا وجمالا مثلما ... رقّ قلبي في هواه ورقا
أنّس «٤» الشمس ضياه ذهبا ... وكسا البدر سناه ورقا
حلل الحسن عليه خلعت ... فارتداها ولها قد خلقا
ومن شعره: [البسيط]
دعوت من شفتي رفقا على كبدي ... فقال لي: خلق الإنسان في كبد
قلت الخيال ولو في النّوم يقنعني ... فقال: قد كحلت عيناك بالسّهد
стр. 990
فقلت: حسبي بقلبي في تذكّره ... فقال: لي القلب والأفكار ملك يدي
قلت الوصال حياتي منك يا أملي ... قال الوصال فراق الروح للجسد
فقلت: أهلا بما يرضى الحبيب به ... فإنّ قلبي لا يلوى على أحد
ومن أقواله الصّوفية، وكلها تشير إلى ذلك المعنى: [الطويل]
ركبنا مطايا شوقنا نبتغي السّرى ... وللنّجم قنديل يضيء لمن سرى
وعين الدّجى قد نام لم يدر ما بنا ... وأجفاننا بالسّهد لم تطعم الكرى
إلى أن رأينا اللّيل شاب قذاله ... ولاح عمود الفجر غصنا منوّرا
لمحنا برأس البعد نارا منيرة ... فسرنا لها نبغي الكرامة والقرا
وأفضى بنا السير الحثيث بسحرة ... لحانة دير بالنواقس دورا
فلمّا حللنا حبوة السير عنده ... وأبصرنا القسّيس قام مكبّرا
وحرّك ناقوسا له أعجم الصّدا ... فأفصح بالسّر الذي شاء مخبرا
وقال لنا: حطّوا حمدتم مسيركم ... وعند الصّباح يحمد القوم السرى «١»
نعمتم صباحا ما الذي قد أتى بكم ... فقلنا له: إنا أتيناك زوّرا
وراحتنا في الرّاح إن كنت بائعا ... فإنّ لدينا فيه أربح مشترى
فقال لكم: عندي مدام عتيقة ... مخلّدة من قبل آدم أعصرا
مشعشعة كالشمس لكن تروحنت ... وجلّت عن التجسيم قدما فلا ترى
وحلّ لنا في الحين ختم فدامها ... فأسدى لنا مسكا فتيقا وعنبرا
وقلنا: من السّاقي فلاح بوجهه ... فأدهش ألباب الأنام وحيّرا
وأشغلنا عن خمره بجماله ... وغيّبنا سكرا فلم ندر ما جرى
ومن شعره في المعنى: [البسيط]
يا نائما يطلب الأسرار إسرارا ... فيك العيان ونبغي بعد آثارا
أرجع إليك ففيك الملك مجتمع ... والفلك والفلك العلوي قد دارا
أنت المثال وكرسي الصّفات فته ... على العوالم إعلانا وإسرارا
والطّور والدّرّ منثورا وقد كتبت ... أقلام قدرته في اللّوح آثارا
стр. 991
والبيت يعمره سرّ الملائك في ... مشكاة قلبك قد أسرجن أنوارا
ورفع الله سقفا أنت تسكنه ... سماؤه أطلعت شهبا وأقمارا
وبحر فكرك مسجور بجوهره ... فغص به مخرجا للدّرّ أسرارا
فإن رأيت بوادي القدس نار هدى ... فاثبت فنورك فيها مازج النّارا
واخلع لسمع النّدا نعليك مفتقرا ... إلى المنادي تنل عزّا وإكبارا
وغب عن الكون بالأسماء متّصفا ... واطلب من الكلّ ربّ الدار لا الدّارا
ومن ذلك في هذا المعنى: [الطويل]
أطالب ما في الرّوح من غامض السّرّ ... وقارع باب العلم من عالم الأمر
عرضت لعلم أبهم الشّرع بابه ... لكلّ جهول للحقائق لا يدري
ولكنّ خبيرا قد سألت محقّقا ... فدونك فانظم ما نثرت من الدّرّ
وبين يدي نجواك قدّم وسيلة ... تقى الله واكتم ما فهمت من السّرّ
ولا تلتفت جسما ولا ما يخصّه ... من الحسّ والتخييل والوهم والفكر
وخذ صورة كلّية جوهريّة ... تجلّ عن التمييز بالعكس والسّبر
ولكن بمرآة اليقين تولّدت ... وليست بذاتي إن سألت ولا غير
كذلك لم تحدث وليست قديمة ... وما وصفت يوما بشفع ولا وتر
ولكن بذات الذّات كان ظهورها ... إذا ما تبدّت في الدّجى غرّة الفجر
ومن هذا الغرض قوله: [الطويل]
مشاهدتي مغناك، يا غايتي، وقت ... فما أشتكي بعدا وحبّك لي نعت
مقامي بقائي عاكفا بجمالكم ... فكلّ مقام في الحقيقة لي تحت
لئن حالت الأحوال دون لقائكم ... فإنّي على حكم المحبّة ما حلت
وإن كان غيري في الهوى خان عهده ... فإني وأيم الله عهدي ما خنت
وما لي رجاء غير نيل وصالكم ... ولا خوف إلّا أن يكون له فوت
نعم إن بدا من جانب الأنس بارق ... يحرّكني بسط به نحوكم طرت
ومهما تذكّرت العتاب يهزّني ... لهيبتكم قبض يغيب به النّعت
تواجدت حتى صار لي الوجد مشربا ... ولاح وجود للحقيقة إذ غبت
فها أنا بين الصّحو والمحو دائر ... أقول: فلا حرف هناك ولا صوت
стр. 992
قصودي إليكم والورود عليكم ... ومنكم سهودي والوجود إذا عدت «١»
وفي غيبتي عنّي حضوري لديكم ... وعند امتحان الرّسم والمحو أثبتّ
وفي فرقتي الباني بحقّ جمعتني ... وفي جمع جمعي في الحقيقة فرّقت
تجلّيت «٢» لي حتى دهشت مهابة ... ولما رددت اللّحظ بالسّرّ لي عشت
موارد حقّ بل مواهب غاية ... إذا ما بدت تلك البداءة لي تهت
لوائح أنوار تلوح وتختفي ... ولكن وميض البرق ليس له ثبت
ومهما بدت تلك الطّوالع أدهشت ... وإن غيّبت تلك اللّوامع أظلمت
وهيهات هيبات الجلال تردّني ... وعند التجلّي لا محالة دكدكت
نسفن جبالي فهي قاع وصفصف «٣» ... وليس يرى فيهنّ زيغ ولا أمت
ولي أدمع أجّجن نار جوانحي ... ولي نفس لولاه من حبّكم ذبت
ألا فانظروا قلب العيان حقيقة ... فنائي وجودي «٤» والحياة إذا متّ
مراتب في التّلوين نلت جميعها ... وفي عالم التّمكين عن كلّها بنت
وعند قيامي عن فنائي وجدتكم ... فلا رتبة علويّة فوق ما نلت
ورود وشرب ثم لا ريّ بعده ... لئن كنت أروى من شرابك لا كنت
شربت كئاس «٥» الوجود مدامة ... فلست أجلّي عن ورود متى شئت
وكيف وأقداح العوالم كلّها ... ولكنني «٦» من صاحب الدّير أسكرت
تعلّق قوم بالأواني وإنّني ... جمال المعاني لا المغاني علّمت
وأرضعت كأسا لم تدنّس بمزجها ... وقد نلتها صرفا لعمري «٧» ما ضعت
شراب بها الأبرار طاب مزاجهم ... وأرضعتها صرفا لأنّي قرّبت
بها آدم نال الخلافة عندما ... تبدّت له شمسا لها نحوه سمت
ونجت لنوح حين فرّ لفلكه ... ومن بان عن أسرارها لي «٨» عمد الموت
стр. 993
وقد أخمدت نار الخليل بنورها ... وكان لموسى عن أشعّتها بهت
وهبّت لروح الله روح نسيمها ... فأبصره الأعمى وكلّمه الميت
وسار بها المختار سيري لربّه ... إلى حيث لا فوق هناك ولا تحت
هنيئا لمن قد أسكرته بعرفها ... لقد نال ما يبغي وساعده البخت
ومن نثر الأستاذ الجليل أبي القاسم بن خلصون المترجم به، قوله من رسالة:
وصلني أيها الابن النّجيب، المخلص الحبيب، كتابك الناطق بخلوص ودّك، ورسوخ عهدك، وتلك سجيّة لائقة بمجدك، وشنشنة تعرف من والدك وجدّك، وصل الله أسباب سعدك، وأنهض عزم جدّك، بتوفيق جدّك، وبلّغك من مأمولك أقصى قصدك. فلتعلم أيها الحبيب أن جناني، ينطوي لكم أكثر مما ينشره لساني، فإني مغرى بشكركم وإن أعجمت، ومفصح بجميل ذكركم وإن جمجمت، لا جرم أنّ الوقت حكم بما حكم، واستولى الهرج فاستحكم، حتى انقطعت المسالك، وعدم الوارد والسّالك، وذلك تمحيص من الله جار على قضيّة قسطه، وتقليب لقلوب عباده بين إصبعي قبضه وبسطه، حين مدّ على الخليقة ظلّ التّلوين، ولو شاء لجعله ساكنا، ثم جعل شمس المعرفة لأهل التّمكين، عليه دليلا باطنا، ثم قبض كل الفرق عن خاصيته قبضا يسيرا، حتى أطلع عليهم من الأنس بدرا منيرا. وإلى ذلك يا بنيّ، فإني أحمد الله تعالى إليك على تشويقه إيّاك إلى مطالعة كتب المعارف، وتعطّشك للورود على بحر اللّطائف. وإنّ الإمام أبا حامد «١» ، ﵀، لممن أحرز خصلها، وأحكم فرعها وأصلها، لا ينكر ذلك إلّا حاسد، ولا يأباه إلّا متعسّف جاحد. هذا وصفه، ﵀، فيما يخصّه في ذاته. وأما تعليمه في تواليفه، وطريقه التي سلكها في كافّة تصانيفه؛ فمن علمائنا، ﵃، من قال: إنه خلط النّهاية بالبداية، فصارت كتبه أقرب إلى التّضليل منها إلى الهداية، وإن كان لم يقصد فيها إلّا النّفع فيما أمّه من الغرض، فوجد في كتبه الضّرر بالعرض، وممن قال بهذا الفقيه الحكيم أبو بكر بن الطّفيل «٢» ، قال: وأما أبو حامد، فإنه مضطرب التأليف، يربط في موضع، ويحلّ في آخر، ويتمذهب بأشياء، ويكفر بها، مثل أنه كفّر الفلاسفة باعتقادهم أن المعاد
стр. 994
روحاني، وإنكار هم حشر الأجساد. وقد لوّح هو بأن ذلك مذهبه في آخر كتاب «الجواهر والأربعين» ، وخرّج بأنه معتقد كبار الصّوفية، في كتاب آخر، وقال: إن معتقده كمعتقدهم، وأنه وقع على ذلك بعد بحث طويل وعناء شديد. قال: وإنما كلامه في كتبه على نحو تعليم الجمهور. وقد اعتذر أبو حامد نفسه عن ذلك في آخر كتاب «ميزان العمل» ، على أغلب ظنّي، فإن لي من مطالعة الكتب مدّة. قال: ولو لم يكن في هذه الألفاظ إلّا ما يشكّك في اعتقادك الموروث، يعني التّقليد، فإنه من لم يشكّ لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر ففي العمى والحيرة. ثم تمثّل بقول الشاعر: [البسيط]
خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به ... في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل
وذلك أنه قسّم آراءه إلى ثلاثة: رأي يجاب به كلّ مسترشد سائل بحسب سؤاله وعلى مقدار فهمه. ورأي يجاب به الخاصّة ولا يصرّح به للعامّة. ورأي بين الإنسان وبين نفسه، لا يطّلع عليه إلّا من شريكه في اعتقاده. وأما الفقيه الفاضل أبو الوليد بن رشد، ﵀، فإنّه بالغ في ذلك مبالغ عظيمة، وذلك في كتابه الذي وصف فيه مناهج أدلّة المتكلّمين، فإنه لما تكلّم على طرق الأشعريّة والمعتزلة والفلاسفة والصّوفية والحشويّة وما أحدثه المتكلّمون من الضّرر في الشّريعة بتواليفهم، انعطف فقال: وأما أبو حامد، فإنه طمّ الوادي على القرى، ولم يلتزم طريقة في كتبه، فنراه مع الأشعرية أشعريّا، ومع المعتزلة معتزليّا، ومع الفلاسفة فيلسوفا، ومع الصّوفية صوفيّا، حتى كأني به: [البسيط]
يوما يمان إذا لاقيت ذا يمن ... وإن لقيت معدّيا فعدنان
ثم قال: والذي يجب على أهل العلم، أن ينهوا الجمهور عن كتبه، فإن الضّرر فيها بالذات، والمنفعة بالعرض. قال: وإنما ذلك لأنه صرّح في كتبه بنتائج الحكمة دون مقدّماتها، وأفصح بالتّأويلات التي لا يطلع عليها إلا العلماء الرّاسخون في العلم، وهي التي لا يجوز أن تؤوّل للجمهور، ولا أن تذكر في غير كتب البرهان. وأنا أقول: إن كتبه في الأصلين، أعني أصول الدين وأصول الفقه، في غاية النّبل والنّباهة، وبسط اللفظ، وحسن التّرتيب والتّقسيم، وقرب المسائل.
وكذلك كتبه الفقهية والخلافية والمذهبيّة، التي ألّفها على مذهب الشّافعي، فإنه كان شافعيّ المذهب في الفروع. وأما كتبه التي ذهب فيها مذهب التصوّف، فهي التي يوجد فيها ما ذكر من الضّرر بالعرض. وذلك أنه بنى الأكثر من الاعتقادات فيها على ما تأدّى إلى فهمه من مذاهب الفلاسفة، ونسبها إلى المتصوّفة. وقد نبّه على
стр. 995
ذلك الفقيه الجليل أبو بكر الطّرطوشي «١» في كتابه الذي سماه ب «مراقي العارفين» .
قال: وقد دخل على السّالكين ضرر عظيم من كتب هذا الرجل الطّوسي «٢» ، فإنه تشبّه بالصّوفية ولم يلحق بمذاهبهم، وخلط مذاهب الفلاسفة بمذاهبهم، حتى غلط الناس فيها. على أنّني أقول: إنّ باعه في الفلسفة كان قصيرا، وإنه حذا حذو الشيخ أبي علي بن سينا في فلسفته التي نقلها في المقاصد، ومنطقه الذي نقله في معيار العلم، لكن قصر عنه. وتلك الاعتقادات، منها حقّ ومنها باطل، وتلخيصه لا يتأتّى إلّا لصنفين من الناس، أعني أهل البرهان وأهل المكاشفة، فبحسب ذلك تحتاج كتبه إلى تقدمة علوم البرهان، أو رياضة أهل المكاشفة. ولذلك صنّف هو معيار العلم؛ ليكون الناظر في كتبه يتقدّم، فيتعلّم منه أصناف البراهين، فيلحق بأهل البرهان. وقدّم أيضا تصنيف «ميزان العمل» ليكون المرتاض فيه، وبه يلحق بأهل المكاشفة، وحينئذ ينظر في سائر كتبه. وهذه الرسالة طويلة، تكلم فيها على كتب أبي حامد الغزالي، ﵀، بما يدل على تفنّنه، وعلى اضطلاعه، ﵀.
ومن الغرباء في هذا الاسم
محمد بن أحمد بن أمين بن معاذ بن إبراهيم بن جميل ابن يوسف العراقي
ثم الخلاطي، ثم الأقشري الفارسي، وينعت من النّعوت المشرقية بجلال الدين، من بلاد فارس.
حاله: كان من الصّوفية المتجرّدين من المال والعيال، ذا وقار وتؤدة، وسكون ومحافظة على ظاهره. أكثر في بلاد المشرق من الأخذ عن الشّيوخ المحدّثين والمتصوّفين، ثم قدم المغرب، فاستوطن بعض بلاده، ثم أجاز البحر إلى الأندلس عام أربعة وسبعمائة، وأخذ عمّن بها من الشيوخ، ودخل غرناطة. وكان شافعيّ المذهب، يشارك في قرض الشّعر.
стр. 996
مشيخته: أخذ عن أبي مروان عبد الملك الشّريشي بفاس، وعن أبي بكر محمد بن محمد بن قسي المومياني، ولبس الخرقة الصّوفية من جماعة بالمشرق وبالمغرب، منهم الإمام أبو إبراهيم الماجري، عن أبي محمد صالح، عن أبي مدين.
تواليفه: أخذ عنه تأليفه في نحو اللغة الفارسية وشرح ألفاظها. قال شيخنا الوزير أبو بكر بن الحكيم: كتب إلى والدي ببابه، وقد أحسّ بغضّ من الشيخ الإمام أبي عبد الله بن خميس، عميد مجلس الوزارة الحكيمية: [المتقارب]
عبيد بباب العلى واقف ... أيقبله المجد أم ينصرف؟
فإن قبل المجد نلت المنى ... وإلّا فقدري ما أعرف
ثم كتب على لفظه: ما من، وصحّحه، قال: فأذن له، واستظرف منزعه.
محمد بن أحمد بن شاطر الجمحي المرّاكشي «١»
يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن شاطر.
حاله: فقير متجرّد، يلبس أحسن أطوار الخرقة، ويؤثر الاصطلاح، مليح الشّيبة، جميل الصورة، مستظرف الشّكل، ملازم للمسجد، مساكن بالمدارس، محبّب إلى الخواص، كثير الذّكر، متردّد التأوّه، شارد اللّسان، كثير الفلتات، مطّرح في أكثر الأحايين للسّمت، ينزع إلى هدف تائه، تشم عليه القحة والمجانة، مقتحم حمى الحشمة في باب إيهام التّلبيس، يزلق سوء الاعتقاد عن صفاته، وإن قارب الانهماك، وغير مبال بناقد، ولا حافل بذام، ولا حامد. كلما اتّبع انفرد، ومهمى استقام شرد، تطيب النّفس به على غرّة، ويحسن الظّن بباطنه على سوء ظاهره، مليح الحديث، كثير الاعتبار، دائم الاسترجاع والاستغفار، فعّال الموعظة، عجيب الانتزاع من الحديث والقرآن، مع عدم الحفظ، مستشهد بالأبيات الغريبة على الأحوال. قال شيخنا القاضي أبو عبد الله بن المقري: لقيت فيمن لقيت بتلمسان رجلين، أحدهما عالم الدّنيا، والآخر نادرتها. أما العالم، فشيخنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن أحمد العبدري الآبلي، وأما النّادرة، فأبو عبد الله بن شاطر. ثم قال: صحب أبا زيد الهزميري كثيرا، وأبا عبد الله بن تجلّات، وأبا العباس بن البنّاء «٢» وإخوانهم من
стр. 997
المرّاكشيين ومن جاورهم، واختصّ بأبي زيد الهزميري، وآثره وتبنّاه، وكان يقول له:
وألقيت عليك محبّة منّي، فيظهر أثر ذلك عليه، من ستر الهنات، ووضع القبول، فلا تجد من يستثقله من راض عنه أو ساخط. دخل الأندلس، وقدم على غرناطة، وتلوّم بها أياما.
نبذ من أقواله: فمن ذلك أنه إذا سئل عن نفسه يقول: أنا وليّ مفسود، وفي هذا من النّصفة، وخفّة الرّوح ما لا خفاء به. قال بعض شيوخنا «١» : قلت له يوما:
كيف أنت؟ فقال «٢» : كيف أنا محبوس في الدّم. ومن حكمه: الليل والنهار حرسيّان «٣» ، أحدهما أسود، والآخر أبيض، وقد أخذ «٤» بمجامع الخلق إلى «٥» يوم القيامة، وإنّ مردّنا «٦» إلى الله. ومرّ يوما بأبي العباس «٧» بن شعيب الكاتب وهو جالس في جامع الجزيرة، وقد ذهبت به الفكرة، فصاح به، فلمّا رفع رأسه، قال، وله نعش «٨» خاطر: انظر إلى مركب عزرائيل، قد رفع شراعه، والنّدا «٩» عليه، اركبوا يا عزا. قال شيخنا أبو عبد الله المقري: وجدته يوما في المسجد ذاكرا، فقلت له: كيف أنت؟ فقال: مهيم في روضة يجبرون، فهممت بالانصراف، فقال:
أين تذهب من روضة من رياض الجنة، يقام فيها على رأسك بهذا التّاج؟ وأشار إلى المنار، مملوءا بالله أكبر. قال: وأنشدني أبو العباس بن البنّاء، وكتبهما عنه «١٠» :
[الوافر]
قصدت إلى الوجازة «١١» في كلامي ... لعلمي بالصّواب في الاختصار
ولم أحذر فهم «١٢» ما دون فهمي ... ولكن خفت إزراء الكبار
فشأن فحولة العلماء شأني ... وشأن البسط تعليم الصّغار
стр. 998
قال: وأخبار ابن شاطر تحتمل كرّاسة، قلت: رأيته بفاس في أخريات عام خمسة وخمسين، وهو الآن بحاله الموصوفة، قد أربى على السّبعين.
محمد بن محمد بن عبد الرحمن التميمي ابن الحلفاوي
من أهل تونس، يكنى أبا عبد الله، نزيل غرناطة، ويعرف بالتّونسي وبابن المؤذن ببلده.
حاله: من «العائد» : قال: وليّ الله المجاب الدعوة، الظاهر الكرامة، المشهود له بالولاية. ورد الأندلس في جملة من تجّار بلده، وبيده مال كبير بذله في معاملة ربّه، إلى أن استأصله بالصّدقة، وأنفقه في سبيل الله ابتغاء مرضاته، وتجرّد عن الدنيا، وأخذ نفسه بالصّلاة والصّوم والتّلاوة وكثرة السّجود والتّطارح على ذلك، محفوظا في ذلك كله حفظة الأولياء، مذكّرا بمن سلفه من الزّهاد، عازبا عن الدنيا، أخذ نفسه بسلوك الإيتاب عنها، رحمة للخلق، وتمالأ للمساكين، يقصده الناس بصدقاتهم، فيبثّها في ذوي الحاجات، فيتألّف في باب مسجده آلاف من رجالهم ونسائهم وصبيانهم، حتى يعمّهم الرّفد، وتسعهم الصّدقة. وكان غريب الأحوال؛ إذا وصل وقت الصلاة يظهر عليه البشر والسّرور، ويدخل مسجده الذي ابتناه واحتفل فيه، فيخلو بنفسه آخذا في تعبّدات كثيرة غريبة شاملة لجميع أركان المسجد، ويزدحم الناس حول المسجد، وأكثرهم أهل الفاقة، فإذا تمكّن الوقت أذّن أذانا مؤثّرا في القلوب، جدى وصدقا ووقارا، كان صدره ينصدع عند قول: لا إله إلّا الله. ثم يعبد التّعبّد والسّجود في الصّومعة وأدراجها، حتى يفتح باب المسجد، وينتقل إلى صدر المحراب، فيصلي ركعات خفيفة، فإذا أقام الصلاة، ووقف عند المحراب، ظهر عليه من الخوف والكآبة والحزن والانكسار والتّضرّع والتّملّق والرّغبة، ما لا تفي العبارة بوصفه، كأن موقفه موقف أهل الجرائم بين أيدي الملوك الجبابرة. فإذا أتمّ الصلاة على أتمّ هيئاتها، ترى كأن الغبار على وجهه، أو كأنه حشر من قبر، فإذا شرع في الدّعاء بأثر الصلاة، يتلوه بترداد الصلاة على النّبيّ ﷺ ، في كل دعوة، ويتوسّل به، وتظهر عليه أحوال من الحضور والمراقبة، وينجلي عن وجهه ما كان به. وكان يختم القرآن في شهر رمضان مائة ختمة، فما من ليلة إلّا ويحيي اللّيل كلّه فيها بمسجده. هذا ترتيبه، ولو تتبّعنا ما شوهد من كراماته وأحواله، لخرجنا عن الغرض.
ولادته: ولد بتونس في حدود الأربعين وستمائة.
стр. 999
وفاته: توفي شهر ربيع الثاني عام خمسة عشر وسبعمائة. وكان الحفل في جنازته عظيما، استوعب الناس كافّة، وحضر السلطان فمن دونه، وكانت تنمّ، زعموا، على نعشه وقبره رائحة المسك. وتبرّك الناس بجنازته، وقصد قبره المرضى وأهل الحاجات، وبقي القرّاء يقرءون القرآن عليه مدة طويلة، وتصدّق على قبره بجملة من مال، ففدي به طائفة من الأسرى. وقبره بباب إلبيرة عن يمين الخارج إلى مقبرة العسّال، معروف هنالك.
محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن يوسف اللّواتي «١»
من أهل طنجة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن بطّوطة «٢» .
حاله: من خطّ شيخنا أبي البركات، قال: هذا رجل لديه مشاركة يسيرة في الطّلب، رحل من بلاده إلى بلاد المشرق يوم الخميس الثاني من رجب عام خمسة وعشرين وسبعمائة، فدخل بلاد مصر والشام والعراق، وعراق العجم، وبلاد الهند والسّند، والصين، وصين الصّين، وبلاد اليمن. وحج عام ستة وعشرين وسبعمائة. ولقي من الملوك والمشايخ عالما، وجاور بمكّة. واستقرّ عند ملك الهند، فحظي لديه، وولّاه القضاء، وأفاده مالا جسيما. وكانت رحلته على رسم الصّوفية زيّا وسجيّة، ثم قفل إلى بلاد المغرب، ودخل جزيرة الأندلس، فحكى بها أحوال المشرق، وما استفاد من أهله، فكذّب. وقال: لقيته بغرناطة، وبتنا معه ببستان أبي القاسم ابن عاصم بقرية نبلة، وحدّثنا في تلك الليلة، وفي اليوم قبلها عن البلاد المشرقيّة وغيرها، فأخبر أنّه دخل الكنيسة العظمى بالقسطنطينية العظمى، وهي على قدر مدينة مسقّفة كلها، وفيها اثنا «٣» عشر ألف أسقف. قلت: وأحاديثه في الغرابة أبعد من هذا. وانتقل إلى العدوة، فدخل بلاد السّودان. ثم تعرّف أن ملك المغرب استدعاه، فلحق ببابه، وأمر بتدوين رحلته.
стр. 1000
سائر الأسماء في حرف الميم الملوك والأمراء وما منهم إلّا طارىء علينا أو غريب
مزدلي بن تيولتكان بن حمنى بن محمد بن ترقوت بن وربابطن ابن منصور بن نصاله بن أمية بن واباتن الصّنهاجي اللّتموني
حاله: كان الأمير مزدلي عضد القائم بالدولة اللّمتونية يوسف بن تاشفين، وقريبه لالتقائهما في ترقوت، راش به وبرى، وجزّ وفرى، فهو شيخ الدولة اللّمتونية، وكبير العصابة الصّنهاجية، بطلا ثبتا، بهمة من البهم، بعيد الصّيت، عظيم الجلد، شهير الذّكر، أصيل الرّأي، مستحكم الحنكة. طال عمره، وحمدت مواقعه، وبعدت غاراته، وعظمت في العدوّ وقائعه، وشكرت عن سلطانه نيابته.
من مناقبه: استرجاع مدينة بلنسية من أيدي الرّوم بسعيه، وردّه إلى ملكة الإسلام بحميد غنائه في منتصف رجب عام خمس وخمسمائة.
دخوله غرناطة: ولّي قرطبة وغرناطة وما إليهما من قبل يوسف بن تاشفين سنة خمس وخمسمائة.
قال ابن الصّيرفي: توفي ليلة الثلاثاء السابع عشر من شوال عام ثمانية وخمسمائة، غازيا على مقربة من حصن قسطانية، طرق به إلى قرطبة، فوصل يوم الأربعاء ثاني يوم وفاته، وصلّى عليه إثر صلاة العصر الفقيه القاضي بقرطبة أبو القاسم بن حمدين، ودفنه قرب أبيه، وبنيت عليه روضة حسنة. وكان، نضّر الله وجهه، البقيّة الصالحة على نهج أمير المسلمين يوسف.
موسى بن محمد بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي الهنتاني
السيد أبو عمران.
حاله: بيته معروف. وكان أديبا شاعرا، جوادا، واختصّ بالعادل، فجلّ قدره في دولته، وأمله الناس بإشبيلية في حوائجهم لمحلّه منهم. ولمّا انصرف عنها العادل إلى طلب الخلافة، قدّمه عليها، فبلغ الغاية.
وفي شوال من عام اثنين وعشرين وستمائة، كانت على جيشه الوقيعة، أوقعها به السيد أبو محمد البيّاسي، وأخباره شهيرة.
وفاته: وتوفي تغريقا في البحر بعد أن ولّي بجاية، ﵀ وعفا عنه.
стр. 1001
شعره: قال: وكان أبو المطرّف بن عميرة، ينشد له، يخاطب الفقيه الأديب أبا الحسن بن حريق يستحثّه على نظم الشعر في عروض الخبب: [المتدارك]
خذ في الأشعار على الخبب ... فقصورك عنه من العجب
هذا وبنو الآداب قضوا ... بعلوّ مجدّك في الرّتب
فنظم له أبو الحسن القصيدة المشهورة، منها: [المتدارك أو الخبب]
أبعيد الشّيب هوى وصبا؟ ... كلّا لا لهوا ولا لعبا
ذرّت الستّون برادتها ... في مسك عذارك فاشتهبا
ومنها:
يا نفس أحيى أحيى تصلي أملا ... عيشي روحيا تروي عجبا
وخذي في شكر الكبرة ما ... لاح الإصباح وما ذهبا
فيها أحرزت معارف ما ... أبليت بجدّته الحقبا
والخمر إذا أعتقت وصفت ... أعلى ثمنا منها عنبا
وبقيّة عمر المرء له ... إن كان بها طبّا دربا
هبني فيها بإنابته ... ما هدّمه أيام صبا
دخل غرناطة، فوجب ذكره مع مثله.
منديل بن يعقوب بن عبد الحق بن محيو الأمير أبو زيّان
حاله: كان فاضلا عاقلا جوادا، عيّنه أبوه أمير المسلمين أبو يوسف بن عبد الحقّ، للضّرب على أحواز مالقة عند الفتنة، فاضطرب المحلة تجاه سهيل «١» ، وضيّق على تلك الأحواز، وبرز إليه الجيش لنظر موسى بن رحّو من قرابته النّازعين عن إيالة المغرب من بني رحّو. وكان اللقاء، فوقعت به الدّبرة، وانهزم جيشه، وقبض عليه، وسيق إلى السلطان، فتلقّاه بالبرّ، ورعى ما لبيته الكبير من الحقّ، وأسكنه مجاورا لقصره بحمرائه «٢» ، مرفّها عليه، محجوزا عن التصرّف، إلى أن كان
стр. 1002
ما تلاحق بهذه الحال من وفاة أبيه السلطان أبي يوسف بالجزيرة الخضراء، وتصيّر الأمر إلى ولده السلطان أمير المسلمين أبي يعقوب يوسف. وتجدّدت الألفة وتأكّدت المودّة، وارتفعت الإحنة، فكان ما هو معروف من التقائهما على تعبئة إجازة ملك المغرب أبي يعقوب البحر على ظاهر مربلّة «١» ، وصرف الأمير أبو زيان محبوّا بما يليق به.
حدّثني شيخنا أبو زكريا بن هذيل، ﵀، قال: نصب للسلطان أبي يعقوب خباء احتفل في اتخاذه له أمير سبتة، فبلغ الغاية التي تستطيعها الملوك، سموّ عماد، وامتداد ظلّ، وانفساح ساحة، إلى إحكام الصّنعة، والإعياء في الزّخرف. وقعد فيه السلطان ملك المغرب، وأجلس السلطان أمير المسلمين أبا عبد الله بن الغالب بالله، عن يمينه، وأخاه الأمير أبا زيّان عن يساره، وقرأ عشاره المعروف بالوقّاد، آية الله في حسن الصّوت، وبعد مدى السّمع، وطيب النّغمة، قوله : يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)
قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ (٨٩)
قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)
قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ (٩١)
قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢)
«٢» . فكان مقاما مبهتا. كان السلطان، ﵀، يقول: لشدّ ما جنى عليّ عدوّ الله بقحته، والله لقد كان يشير بيده إلى السلطان وأخيه عند قوله: أنا يوسف وهذا أخي. ثم أجاز للعدوة، فطاح بها لعهد غير بعيد.
وكان الإيقاع بجيش الأمير أبي زيّان في أخريات ذي الحجة عام أربعة وثمانين وستمائة، فاتصل بذلك موت والد أمير المسلمين أبي يوسف بالخضراء في شهر محرم عام خمسة وثمانين بعده، وكان لقاء السّلطانين بالخضراء في شهر محرم عام خمسة وثمانين هذه، وكان اللّقاء، كما ذكر، في شهر ربيع الآخر من العام المذكور.
стр. 1003
ومن الطارئين
المطرّف بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن ابن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية «١»
حاله: كان المطرّف، ولد الخليفة «٢» عبد الله أمير المسلمين بالأندلس، شجاعا مقداما، جريّا، صرفه والده الخليفة في الغزوات وقود العساكر، وهو الذي بنى حصن لوشة، ووقم كثيرا من الخوارج على والده.
دخوله غرناطة: قال ابن حيّان «٣» : غزا المطرّف ببشتر «٤» بسبب ابن حفصون، إذ كان صالح الأمير عبد الله، ودفع رهينة ابنه، فلما امتحن الطّفل وجد غير ابنه، فنهض إليه المطرّف، وكان القائد على العسكر قبله عبد الملك بن أمية، فنهض صحبته، ونازل المطرّف ابن حفصون، فهتك حوزته، وتقدّم إلى بنية كان ابتناها بموضع يعرف باللّويّات «٥» ، فشرع في خرابها، وخرج ابن حفصون ومن معه من النّصرانية يدافع عنها، وعن كنيسة كانت بقربها، فغلب ابن حفصون، وهدمت الكنيسة، وقتل في هذه الحرب حفص بن المرّة، قائده ووجوه رجاله، وعند الفراغ من ذلك انصرف المطرّف، فدخل كورة إلبيرة، وبنا لوشة، وتقدّم منها إلى إلبيرة ودخلها، ثم طاف بتلك الجهات والحصون، ثم انصرف.
ذكر إيقاعه بعبد الملك بن أمية وسبب الإحنة بينه وبين أبيه.
قال «٦» : وفي هذه الحركة أوقع بعبد الملك بن أمية؛ لما كان في نفسه لصرف والده عن عقد البيعة له وتمزيق العهد في خبر يطول. وكان والده قد أخذ عليه
стр. 1004
الميثاق عند خروجه إلى شذونة «١» ألّا يعرض إليه بمكروه، وأقسم له بالأيمان، لئن نال منه شيئا ليعاقبنّه بمثله، فلمّا قتله، عقد الوثائق عليه، وأخذ الشّهادات فيها بالظّلم والشّؤم خوفا من أبيه، وكتب إليه يعتذر له، ويحكّمه في نفسه.
مقتل المطرّف: قال «٢» : وظهرت عليه فعال قبيحة، من أذى جيرانه بما أكّد غائلة أبيه عليه، وأعان عليه معاوية بن هشام، لما ذكروا أنّ المطرّف كان قد خلا به، فذكروا أنه نزل يوما عنده بمنزله، وأخذوا في حديث الأبناء، وكان المطرّف عقيما، فدعا معاوية بصبيّ يكلف به، فجات وبرأسه ذؤابتان، فلمّا نظر إليه المطرّف حسده، وقال: يا معاوية، أتتشبّه بأبناء الخلفاء في بنيهم؟ وتناول السّيف فحزّ به الذّؤابة، وكان معاوية حيّة قريش دهاء ومكرا، فأظهر الاستحسان لصنعه وانبسط معه في الأنس، وهو مضطغن، فلمّا خرج كتب إلى الخليفة يسأله اتّصاله إليه، فلما أوصله كاشفه في أمر المطرّف بما أزعجه، وأقام على ذلك ليلا أحكم أمره عند الخليفة بلطف حيلته، فأصاب مقتله سهم سعايته. قال ابن الفيّاض: بعث الأمير عبد الله إلى دار ولده المطرّف عسكرا للقبض عليه، مع ابن مضر، فقوتل في داره حتى أخذ، وجيء به إليه، فتشاور الوزراء في قتله، فأشار عليه بعضهم أن لا يقتله، وقال بعضهم: إن لم تقتله قتلك، فأمر ابن مضر بصرفه إلى داره، وقتله فيها، وأن يدفنه تحت الرّيحانة التي كان يشرب الخمر تحتها، وهو ابن سبع وعشرين وسنة، وذلك في يوم الأحد ضحى لعشر خلون من رمضان سنة اثنتين وثمانين ومائتين.
منذر بن يحيى التّجيبي «٣»
أمير الثّغر، المنتزي بعد الجماعة بقاعدة سرقسطة، يكنى أبا الحكم، ويلقّب بالحاجب المنصور، وذي الرّياستين.
حاله: قال أبو مروان «٤» : وكان أبو الحكم رجلا من عرض الجند، وترقّى إلى القيادة آخر دولة ابن أبي عامر، وتناهى أمره في الفتنة إلى
стр. 1005
الإمارة «١» . وكان أبوه من الفرسان غير النّبهاء. فأمّا ابنه منذر، فكان فارسا نقيّ الفروسة «٢» ، خارجا عن مدى الجهل، يتمسك بطرف من الكتابة السّاذجة. وكان على غدره، كريما، وهب قصّاده مالا عظيما، فوفدوا عليه، وعمرت لذلك حضرته سرقسطة، فحسنت أيامه، وهتف المدّاح بذكره.
وفيه يقول أبو عمرو بن درّاج القسطلّي قصيدته المشهورة، حين صرف إليه وجهه، وقدم عليه في سنة ثمان وعشرين وأربعمائة «٣» : [الكامل]
بشراك من طول التّرحّل والسّرى ... صبح بروح السّفر لاح فأسفرا
من حاجب الشمس الذي حجب الدّجى ... فجرا بأنهار الذّرى «٤» متفجّرا
نادى «٥» بحيّ على الندى ثم اعتلى ... سبل «٦» العفاة مهلّلا ومكبّرا
لبّيك أسمعنا نداك ودوننا ... نوء الكواكب مخويا أو ممطرا
من كلّ طارق ليل همّ «٧» ينتحي ... وجهي بوجه من لقائك أزهرا
سار ليعدل عن سمائك أنجمي ... وقد ازدهاها عن سناك محيّرا
فكأنما أعدته «٨» أسباب النّوى ... قدرا لبعدي عن يديك مقدّرا «٩»
أو غار من هممي فأنحى شأوها ... فلك البروج مغرّبا ومغوّرا
حتى علقت النّيّرين فأعلقا ... مثنى يدي ملك الملوك النّيّرا
فسريت في حرم الأهلّة مظلما ... ورفلت في خلع السّموم مهجّرا
وشعبت أفلاذ الفؤاد ولم أكد ... فحذوت من حذو الثّريّا منظرا
ستّ تسرّاها «١٠» الجلاء مغرّبا ... وحدا بها حادي النّجاء «١١» مشمّرا
لا يستفيق الصّبح منها ما بدا ... فلقا ولا جدي الفراقد ما سرى
стр. 1006
ظعن ألفن القفر في غول الدّجى ... وتركن مألوف المعاهد مقفرا
يطلبن لجّ البحر حيث تقاذفت ... أمواجه والبرّ حيث تنكّرا
هيم وما يبغين دونك موردا ... أبدا ولا عن بحر جودك مصدرا
من كلّ نضو الآل محبوك المنى ... يزجيه نحوك كلّ محبوك القرا «١»
بدن فدت منّا دماء نحورها ... ببغائها «٢» في كلّ أفق منحرا
نحرت بنا صدر الدّبور فأنبطت ... فلق المضاجع تحت جوّ أكدرا
وصبت إلى نحو «٣» الصّبا فاستخلصت ... سكن الليالي والنّهار المبصرا
خوص نفخن بنا البرى حتى انثنت ... أشلاؤهن كمثل أنصاف البرا
ندرت لنا أن لا تلاقي راحة ... مما تلاقي أو تلاقي منذرا «٤»
وتقاسمت أن لا تسيغ حياتها ... دون ابن يحيى «٥» أو تموت فتعذرا
لله أيّ أهلّة بلغت بنا ... يمناك يا بدر السماء المقمرا
بل أيّ غصن في ذراك هصرته ... فجرى «٦» فأورق في يديك وأثمرا
فلئن صفا ماء الحياة لديك لي ... فبما شرقت إليك بالماء الصّرى «٧»
ولئن خلعت عليّ بردا أخضرا ... فلقد لبست إليك عيشا أغبرا
ولئن مددت عليّ ظلّا باردا ... فلكم صليت إليك جوّا «٨» مسعرا
وكفى لمن «٩» جعل الحياة بضاعة ... ورأى رضاك بها رخيصا فاشترى
فمن المبلّغ عن غريب نازح ... قلبا يكاد عليّ أن يتفطّرا
لهفان لا يرتدّ طرف جفونه «١٠» ... إلّا تذكّر عبرتي فاستعبرا
أبنيّ، لا تذهب بنفسك حسرة ... عن غول رحلي منجدا أو مغورا
فلئن تركت الليل فوقي داجيا ... فلقد لقيت الصّبح بعدك أزهرا
ولقد وردت مياه مأرب حفّلا ... وأسمت خيلي وسط جنّة عبقرا
ونظمت للغيد الحسان قلائدا ... من تاج كسرى ذي البهاء وقيصرا
стр. 1007
وحللت أرضا بدّلت حصباؤها ... ذهبا يرفّ «١» لناظريّ وجوهرا
وليعلم «٢» الأملاك أنّي بعدهم ... ألفيت كلّ الصّيد في جوف الفرا «٣»
ورمى عليّ رداءه من دونهم ... ملك تخيّر للعلا فتخيّرا
ضربوا قداحهم عليّ ففاز بي ... من كان بالقدح المعلّى أجدرا
من فكّ طرفي من تكاليف الفلا ... وأجار طرفي من تباريح السّرى
وكفى عتابي من ألام معذّرا ... وتذمّمي ممّن تجمّل «٤» معذرا
ومسائل عنّي الرفاق وودّه ... لو تنبذ الساحات «٥» رحلي بالعرا
وبقيت في لجج الأسى متضلّلا ... وعدلت عن سبل الهدى متحيّرا
كلّا وقد آنست من هود هدى ... ولقيت يعرب في القيول وحميرا
وأصبت في سبإ مورّث ملكه ... يسبي الملوك ولا يدبّ لها الضّرا
فكأنما تابعت تبّع رافعا ... أعلامه ملكا يدين له الورى
والحارث الجفنيّ ممنوع الحمى ... بالخيل والآساد مبذول القرى
وحططت رحلي بين ناري حاتم ... أيام يقري موسرا أو معسرا
ولقيت زيد الخيل تحت عجاجة ... تكسو «٦» غلائلها الجياد الضّمّرا
وعقدت في يمن مواثق ذمّة ... مشدودة الأسباب موثقة العرى
وأتيت بحدل «٧» وهو يرفع منبرا ... للدّين والدّنيا ويخفض منبرا
وحططت «٨» بين جفانها وجفونها ... حرما أبت حرماته أن تخفرا
تلك البحور «٩» تتابعت وخلفتها ... سعيا فكنت الجوهر المتخيّرا
ولقد نموك ولادة وسيادة ... وكسوك عزّا وابتنوا لك مفخرا
стр. 1008
فممرت بالآمال «١» أكرم أكرم ... ملكا ورثت علاه أكبر أكبرا
وشمائل عبقت بها سبل الهدى ... وذرت على الآفاق مسكا أذفرا
أهدى إلى شغف القلوب من الهوى ... وألذّ في الأجفان من طعم الكرى
ومشاهد لك لم تكن أيّامها ... ظنّا يريب ولا حديثا يفترى
لاقيت فيها الموت أسود أدهما ... فذعرته بالسّيف أبيض أحمرا
ولو اجتلى في زيّ قرنك معلما ... لتركته تحت العجاج معفّرا
يا من تكبّر بالتّكرّم «٢» قدره ... حتى تكرّم أن يرى متكبّرا
والمنذر الأعداء بالبشرى لنا ... صدقت صفاتك منذرا ومبشّرا
ما صوّر الإيمان في قلب امرئ ... حتى يراك الله فيه مصوّرا
فارفع لها علم الهدى فلمثلها ... رفعتك أعلام السيادة في الذّرى
وانصر نصرت من السماء فإنما ... ناسبت أنصار النبيّ لتنصرا
واسلم ولا وجدوا لجوّك منفسا ... في النائبات ولا لبحرك معبرا
سيرته: قال «٣» : وساس لأول ولايته عظيم الفرنحة «٤» ، فحفظت أطرافه، وبلغ من استمالته طوائف النّصرانية، أن جرى على يديه بحضرته عقد مصاهرة بعضهم «٥» ، فقرفته الألسنة لسعيه في نظام سلك النصارى. وعمر به الثّغر إلى أن ألوت به المنيّة.
وقد اعترف له الناس بالرّأي والسّياسة.
كتّابه: واستكتب عدّة كتّاب كابن مدوّر، وابن أزرق، وابن واجب، وغيرهم.
وصوله إلى غرناطة: وصل غرناطة صحبة الأمير المرتضى الآتي ذكره، وكان ممن انهزم بانهزامه. وذكروا أنه مرّ بسليمان بن هود، وهو مثبت للإفرنج الذين كانوا في المحلّة لا يريم موقفه «٦» ، فصاح به النّجاة: يا ابن الفاعلة، فلست أقف عليك، فقال له سليمان: جئت والله بها صلعا، وفضحت أهل الأندلس، ثم انقلع وراءه.
стр. 1009
وفاته: وكانت «١» على يدي رجل من أبناء عمّه يدعى عبد الله بن حكم، كان مقدّما في قوّاده، أضمر غدره، فدخل عليه، وهو غافل في غلالة، ليس عنده إلّا نفر من خواصّ خدمه الصّقلب، قد أكبّ على كتاب يقرؤه، فعلاه بسكّين أجهز به عليه.
وأجفل الخدم إلّا شهم منهم أكبّ عليه فمات معه. وملك سرقسطة، وتمسّك بها أياما، ثم فرّ عنها، وملكها ابن هود. وكان الإيقاع به غرة ذي حجة سنة ثلاثين وأربعمائة، رحمة الله عليه.
موسى بن يوسف بن عبد الرحمن بن يحيى ابن يغمراسن بن زيّان «٢»
الأمير بتلمسان، يكنى أبا حمّو.
أوليته: أوّليته معروفة تنظر فيما سلف من الأسماء.
حاله: هذا السلطان مجمع على حزمه، وضمّه لأطراف ملكه، واضطلاعه بأعباء ملك وطنه، وصبره لدولة قومه، وطلوعه بسعادة قبيله. عاقل، حازم، حصيف، ثابت الجأش، وقور مهيب، جمّاعة للمال، مباشر للأمور، هاجر للّذات، يقظ، متشمّر. قام بالأمر غرّة ربيع الأول في عام ستين «٣» ، مرتاش الجناح بالأحلاف من عرب القبلة، معوّلا عليهم عند قصد عدوّه، وحلب ضرع الجباية، فأثرى بيت ماله، ونبهت دولته، واتّقته جيرته، فهو اليوم ممن يشار إليه بالسّداد.
أدبه وشعره: ووجّه لهذا العهد في جملة هدايا ودّية، ومقاصد سنيّة، نسخة من كتابه المسمى ب «واسطة السّلوك، في سياسة الملوك» «٤» ، افتتحه بقوله:
«الحمد لله الذي جعل نعمته على الخلق، بما ألّفهم عليه من الحقّ، شاملة شائعة، ويسّر طوائف من عباده لليسرى فأتت إليها مساعدة مسارعة، وحضّهم على الأخذ بالحسنى ولا أحسن من نفوس أرشدت فأقبلت لإرثها طالبة ولربّها طائعة، ولا أسمى من همم نظرت بحسن السّياسة في تدبير الرّياسة التي هي لأشتات الملك
стр. 1010
جامعة، ولأسباب الملك مانعة، وأظهرت من معادنها درر الحكم وغرر الكلم لائحة لامعة، فاجتلت أقمارها طالعة، واجتنت أزهارها يانعة. وصلى الله على سيدنا محمد الكريم المبعوث بالآيات البيّنات ساطية ساطعة، والمعجزات المعجمات قاصمة لظهور الجاحدين قاطعة، الذي زويت له الأرض فتدانت أفكارها وهي نابية شاسعة، واشتاقت له المياه فبرزت بين أصابعه يانعة، وامتثل السّحاب أمره فسحّ باستسقائه دررا هامية هامعة، وحنّ الجذع له وكان حنينه لهذه الآيات الثّلاث آية رابعة، إلى ما لا يحصى مما أتت به متواترات الأخبار وصيحات الآثار ناصرة لنبوّته ساطعة، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وعترته التي أجابت داعي الله خاشية خاشعة، وأذعنت لأوامر رسول الله ﷺ فكانت من الاستبداد خالية وللأنداد خالعة، صلاة ديمتها دائمة متتابعة، وسلّم كثيرا» .
جمع فيه الكثير من أخبار الملوك وسيرهم، وخصّ به ولده ووليّ عهده، فجاء مجموعا يستظرف من مثله، ويدلّ على مكانه من الأدب ومحلّه.
وثبت فيه الكثير من شعره، فمن ذلك قصيدة أجاب فيها أحد رؤوس القبائل، وقد طلب منه الرجوع إلى طاعته، والانتظام في سلك جماعته، وهي:
[الطويل]
تذكّرت أطلال الرّبوع الطّواسم ... وما قد مضى من عهدها المتقادم
وقفت بها من بعد بعد أنيسها «١» ... بصبر مناف أو بشوق ملازم
تهيم بمغناهم وتندب ربعهم ... وأيّ فؤاد بعدهم غير هائم؟
تحنّ إلى سلمى ومن سكن الحمى ... وما حبّ سلمى للفتى بمسالم
فلا تندب الأطلال واسل عن الهوى ... ولا تقل في تذكار تلك المعالم
فإن الهوى لا يستفزّ ذوي النّهى ... ولا يستبي إلّا الضّعيف العزائم
صبور على البلوى طهور من الهوى ... قريب من التّقوى بعيد المآثم
ومن يبغ درك المعلوات ونيلها ... يساق بخلق الشّهد مرّ العلاقم
ولائمة لمّا ركبنا إلى العلا ... بحار الردى في لجّها المتلاحم
تقول بإشفاق: أتنسى هوى الدّما ... وتنثر درّا «٢» من دموع سواجم؟
إليك فإنّا لا يردّ اعتزامنا ... مقالة باك أو ملامة لائم
ألم تدر أنّ اللوم لوم وأننا ... لنجتنب اللّوم اجتناب المحارم؟
стр. 1011
فما بسوى العلياء «١» همنا جلالة ... إذا هام قوم بالحسان النّواعم
بروق السّيوف المشرفيّات والقنا ... أحبّ إلينا من بروق المباسم
وأمّا صميل السّابحات لذي الوغى ... فأشجى لدينا من غناء «٢» الحمائم
وأحسن من قدّ الفتاة وخدّها ... قدود العوالي أو خدود الصوارم
إذا نحن جرّدنا الصوارم لم تعد ... إلى غمدها إلّا بجرّ الغلاصم «٣»
نواصل بين الهندواني الطّلاء «٤» ... بتفريق ما بين الطّلى والجماجم
فيرغب منّا السّلم كلّ محارب ... ويرهب منّا الحرب كلّ مسالم
نقود إلى الهيجاء كلّ مضمّر ... ونقدم إقدام الأسود الضّراغم
وما كلّ من قاد الجيوش إلى العدا ... يعود إلى أوطانه بالغنائم
وننصر مظلوما ونمنع ظالما ... إذا شيك مظلوم بشوكة ظالم
ويأوي إلينا المستجير ويلتجي ... ويحميه منّا كلّ ليت ضبارم «٥»
ألم تر إذ جاء السّبيعيّ قاصدا ... إلى بابنا يبغي التماس المكارم؟
وذلك لمّا أن جفاه صحابه ... وكلّ خليل ودّه غير دائم
وأزمع إرسالا إلينا رسالة ... بإخلاص ودّ واجب غير واجم
وكان رأى أنّ المهامه بيننا ... فخلّى لذات الخفّ ذات المناسم
وقال ألا سل من عليم مجرّب ... أبثّ له ما تحت طيّ الحيازم
فيبلغ عنه الآن خير رسالة ... تؤدّي إلى خير الملوك الأعاظم
على ناقة وجناء كالحرف ضامر ... تخيّرها بين القلاص الرّواسم
من اللائي يظلمن الظليم إذا عدى ... ويشبهه في جيده والقوائم
إذا أتلعت فوق السّحاب جوابها ... تخيّلتها بعض «٦» السحاب الرّواكم
وإن هملجت بالسّير في وسط مهمه ... نزلت كمثل البرق لاح لشائم
ولم يأمن الخلّان بعد اختلالهم ... فأمسى وفي أكبادها أيّ جاحم
стр. 1012
فقالوا فحمّلها الحمائم قال لا ... لبعد المدى أو خوف صيد الحمائم
وما القصد إلّا في الوصول بسرعة ... فقالوا: فحمّلها أكفّ النواسم
فقال: لنعم المرسلات وإنّما ... لها ألسن مشهورة بالنّمائم
فلم يلف فيها للأمانة موضعا ... وكلّ امرئ للسّرّ ليس بكاتم
فحينئذ وافى إلينا بنفسه ... فكان لدينا خير واف وقادم
يجوب إلى «١» البيداء قصدا وبشرنا ... يضيء له الظّلماء في كلّ عاتم
طلاب العلا تسري مع الوحش في الفلا ... ويصحب منها كلّ باغ وباغم
على سلهب «٢» ذي صورتين مطعّم «٣» ... من المغربات الصّافنات الصّلادم «٤»
إذا شاء أيّ الوحش أدركه به ... فتحسبه في البيد بعض النّعائم
ويقدمه طوعا إلينا رجاؤه ... حمايتنا إيّاه من كلّ ظالم
ألا أيها الآتي لظلّ حناننا ... نزلت برحب في عراص المكارم
وقوبلت منّا بالذي أنت أهله ... وفاض عليك الجود فيض الغمائم
كذا دأبنا للقادمين محلّنا ... حمى وندى ينسى به جود حاتم
وهذا جواب عن نظامك إنّنا ... بعثنا به كاللؤلؤ المتناظم
ونحن ذوو التيجان من آل حمير ... لعمرك من التّيجان غير العمائم
بهمّتنا العليا سمونا إلى العلا ... وكم دون إدراك العلا من ملاحم
شددنا لها أزرا وشدنا بناءها ... وكم مكثت دهرا بغير دعائم
نظمنا شتيت المجد بعد افتراقه ... وكم بات نهبا شمله دون ناظم
ورضنا جياد الملك بعد جماحها ... فذلّت وقد كانت صعاب الشّكائم
مناقب زيّانيّة «٥» موسويّة ... يذلّ لها عزّ الملوك القماقم
يقصّر عن إدراكها كلّ مبتغ ... ويعجز عن إحصائها كلّ ناظم
فلله منّا الحمد والشّكر دائما ... وصلّى «٦» على المختار من آل هاشم
ونختصّكم منّا السّلام الأثير ما ... تضاحك روض عن بكاء الغمائم
стр. 1013
قلت: ولمّا تعرّفت كلفه بالأدب والإلمام بمجاورته، عزمت على لقائه، وتشوّقت عند العزم على الرّحلة الحجازية، إلى زيارته، ولذلك كنت أخاطبه بكلمة منها: [الطويل]
على قدر قد جئت قومك يا موسى ... فجلّت بك النّعمى وزالت بك البوسى
فحالت دون ذلك الأحوال، وهو بحاله الموصوفة إلى هذا العهد، وفّقه الله، وسائر من تولّى أمرا من أمور المسلمين.
وجرى ذكره في رجز الدول «١» من نظمي: [الرجز]
بادرها المفدي الهمام موسى ... فأذهب الرحمن عنها البوسى
جدّد فيها الملك لمّا أخلقا ... وبعث السّعد وقد كان لقا
ورتّب الرّتب والرّسوما ... وأطلع الشّموس والنّجوما
واحتجن المال بها والعدّه ... وهو بها باق لهذي المدّة
ولادته: ولد بمدينة غرناطة حسبما وقعت عليه بخط الثّقة من ناسه، في أول عام ثلاثة وعشرين وسبعمائة «٢» .
مبارك ومظفّر الأميران موليا المنصور بن أبي عامر «٣»
حالهما: قال أبو مروان «٤» : ترقّيا إلى تملّك بلنسية من وكالة السّاقية، وظهر من سياستهما وتعاوضهما «٥» صحّة الألفة طول حياتهما، ما فاتا به في معناهما «٦» أشقّاء الأخوّة وعشّاق الأحبّة، إذ نزلا معا بقصر الإمارة مختلطين، تجمعهما مائدة واحدة من غير تميّز في شيء، إلّا الحرم خاصّة. وكان التّقدّم لمبارك في المخاطبة، وحفظ رسوم الإمارة، أفضل صرامة وذكرا، قصر عنهما مظفّر، لدماثة خلقه، وانحطاطه
стр. 1014
لصاحبه في سائر أمره، على نحلته»
بكتابة ساذجة وفروسة «٢» ، فبلغا الغاية من اقتناء الأسلحة والآلات الملوكية، والخيل المغربات، ونفيس الحلي والحلل، وإشادة البناء للقصور. واشتمل هذا الرأي على جميع أصحابهما، ومن تعلّق بهما من وزرائهما وكتّابهما، ولم يعرض لهما عارض إنفاق «٣» بتلك الآفاق، فانغمسا في النّعيم إلى قمم رؤوسهما حتى انقضى أمرهما.
قال «٤» : وكان موت مبارك أنه ركب يوما من قصر بلنسية، وقد تعرّض أهلها مستغيثين من مال افترضه عليهم، فقال لهم: إن كنت لا أريد إنفاقه فيما يعمّ المسلمين نفعه فلا تؤخّر عقوبتي يومي هذا. وركب إثر ذلك، فلما أتى القنطرة، وكانت من خشب، خرجت رجل فرسه من حدّها فرمى به أسفلها، واعترضته خشبة ناتئة «٥» شرخت وجهه، وسقط الفرس عليه، ففاضت نفسه، وكفاهم الله أمره يومئذ.
وفي مبارك ومظفّر يقول أبو عمرو بن درّاج القسطلّي، ﵀ «٦» : [الطويل]
أنورك أم أوقدت بالليل نارك ... لباغ قراك أو لباغ جوارك؟
وريّاك أم عرف المجامر أشعلت ... بعود الكباء والألوّة «٧» نارك؟
ومبسمك الوضّاح أم ضوء بارق ... حداه دعائي أن يجود ديارك؟
وخلخالك استنضيت أم قمر بدا؟ ... وشمس تبدّت أم ألحت سوارك؟
стр. 1015
وطرّة صبح أم جبينك سافرا ... أعرت الصباح نوره أم أعارك؟
وأنت هجرت «١» الليل إذ هزم الضّحى ... كتائبه والصّبح لمّا استجارك
فللصّبح فيما بين قرطيك مطلع ... وقد سكن الليل البهيم خمارك
فيا لنهار لا يغيض «٢» ظلامه ... ويا لظلام لا يغيض «٣» نهارك
ونجم الثّريّا أم لآل تقسّمت ... يمينك إذ ضمّختها أم يسارك؟
لسلطان «٤» حسن في بديع محاسن ... يصيد القلوب النّافرات نفارك
وجند غرام في دروع «٥» صبابة ... تقلّدن أقدار الهوى واقتدارك
هو الملك لا بلقيس أدرك شأوها ... مداك ولا الزّبّاء شقّت غبارك
وقادحة «٦» الجوزاء راعيت موهنا ... بحرّ هواك أم ترسّمت «٧» دارك؟
وطيفك أسرى فاستثار تشوّقي ... إلى العهد أم شوقي إليك استثارك؟
وموقد «٨» أنفاسي إليك استطارني ... أم الرّوح لمّا ردّ فيّ استطارك؟
فكم جزت من بحر إليّ ومهمه ... يكاد ينسّي المستهام ادّكارك
стр. 1016
أذو «١» الحظّ من علم الكتاب حداك «٢» لي؟ ... أم الفلك الدّوّار نحوي أدارك «٣» ؟
وكيف كتمت الليل وجهك مظلما ... أشعرك أعشيت «٤» السّنا أم شعارك؟
وكيف اعتسفت «٥» البيد لا في ظعائن ... ولا شجر الخطّيّ حفّ شجارك «٦» ؟
ولا أذّن الحيّ الجميع برحلة ... أراح لها راعي المخاض عشارك «٧»
ولا أرزمت «٨» خوص المهاري مجيبة ... صهيل جياد يكتنفن قطارك «٩»
ولا أذكت الرّكبان عنك عيونها «١٠» ... حذار عيون لا ينمن حذارك
وكيف رضيت الليل ملبس طارق ... وما ذرّ قرن الشمس إلّا استنارك؟
وكم دون رحلي من بروج «١١» مشيدة ... تحرّم من قرب المزار مزارك
وقد زأرت حولي أسود تهامست ... لها الأسد أن كفّي عن السّمع زارك
وأرضي سيول من خيول مظفّر ... وليلي «١٢» نجوم من سماء «١٣» مبارك
стр. 1017
بحيث وجدت الأمن يهتف بالمنى ... هلمّي إلى عينين «١» جادا سرارك «٢»
هلمّي إلى بحرين قد مرج النّدى ... عبابيهما لا يسأمان انتظارك
هلمّي إلى سيفين والحدّ واحد ... يجيران من صرف الحوادث جارك
هلمّي إلى طرفي رهان تقدّما ... إلى الأمد الجالي عليك اختيارك
هلمّي إلى قطبي نجوم كتائب ... تنادي نجوم التّعس غوري مغارك «٣»
وحيّي على دوحين جاد «٤» نداهما ... ظلالك واستدنى إليك»
ثمارك
وبشراك قد فازت قداحك بالعلا «٦» ... وأعطيت من هذا الأنام خيارك
شريكان في صدق المنى وكلاهما ... إذا قارن «٧» الأقران غير مشارك
هما سمعا دعواك يا دعوة الهدى ... وقد أوثق الدهر الخؤون إسارك
وسلّا سيوفا لم تزل تلتظي أسّى «٨» ... بثأرك حتى أدركا لك ثارك
ويهنيك يا دار الخلافة منهما ... هلالان لاحا يرفعان منارك
كلا القمرين بين عينيه غرّة ... أنارت «٩» كسوفيك وجلّت سرارك
стр. 1018
فقاد إليك الخيل شعثا شوازيا ... يلبّين بالنّصر العزيز انتصارك
سوابق هيجاء كأنّ صهيلها ... يجاوب تحت الخافقات شعارك
بكلّ سريّ العتق سرّى عن الهدى ... وكل حميّ الأنف أحمى ذمارك
تحلّوا من المنصور نصرا وعزّة ... فأبلوك في يوم البلاء اختيارك
إذا انتسبوا يوم الطّعان لعامر ... فعمرك يا هام العدى لا عمارك!
يقودهم منهم سراجا كتائب ... يقولان للدّنيا: أجدّي افتخارك
إذا افترّت الرايات عن غرّتيهما ... فيا للعدى أضللت منهم فرارك
وإن أشرق النّادي بنور سناهما ... فبشرى الأماني: عينك «١» لا ضمارك «٢»
وكم كشفا «٣» من كربة بعد كربة ... تقول لها النيران: كفّي أوارك
وكم لبّيا من دعوة وتداركا ... شفى رمق ما كان بالمتدارك
ويا نفس غاو، كم أقرّا نفارك ... ويا رجل هاو، كم أقالا عثارك
ولست ببدع حين قلت لهمّتي ... أقلّي لإعتاب الزّمان انتظارك
стр. 1019
فلله صدق العزم أيّة «١» غرّة ... إذا لم تطيعي في «لعلّ» اغترارك
فإن غالت البيد اصطبارك والسّرى ... فما غال ضيم الكاشحين اصطبارك
ويا خلّة التّسويف، قومي فأغدفي «٢» ... قناعك من دوني وشدّي إزارك
وحسبك بي يا خلّة النّاي خاطري ... بنفسي إلى الحظّ النّفيس حطارك
فقد آن إعطاء النّوى صفقة الهوى ... وقولك للأيّام: جوري مجارك «٣»
ويا ستر البيض النّواعم، أعلني «٤» ... إلى اليغملات والرّحال بدارك «٥»
نواجي واستودعتهنّ نواجيا ... حفاظك يا هذي بذي وازدهارك «٦»
ودونك أفلاذ الفؤاد فشمّري ... ودونك يا عين اللّبيب اعتبارك
صرفت الكرى عنها بمغتبق السّرى ... وقلت: أديري والنجوم عقارك
فإن وجبت للمغربين جنوبها «٧» ... فداوي برقراق السّراب خمارك
فأوري «٨» بزندي سدفة ودجنّة ... إذا كانتا لي مرخك وعفارك «٩»
стр. 1020
وإن خلع الليل الأصائل فاخلعي ... إلى الملكين الأكرمين عذارك
بلنسية مثوى الأمانيّ فاطلبي ... كنوزك في أقطارها «١» وادّخارك
سينبيك زجري عن بلاء نسيته ... إذا أصبحت تلك القصور قصارك
وأظفر سعي بالرّضا من مظفّر ... وبورك لي في حسن رأي مبارك «٢»
قصيّ «٣» المنى قد شام بارقة الحيا ... وأنشقت يا ظئر الرّجاء حوارك «٤»
وحمدا يميني قد تملّأت بالمنى ... وشكرا يساري قد حويت يسارك
وقل لسماء المزن: إن شئت أقلعي ... ويا أرضها «٥» إن شئت غيضي بحارك
ولا توحشي يا دولة العزّ والمنى «٦» ... مساءك من نوريهما وابتكارك
وصولهما إلى غرناطة: وصلا مع أمثالهما من أمراء الشّرق صحبة المرتضى، وكان من انهزام الجميع بظاهرها، وإيقاع الصناهجة «٧» بهم ما هو معلوم حسبما مرّ ويأتي بحول الله.
следующие страницы →