← Тараджим

Тараджим · id 11682

الإحاطة في أخبار غرناطة

لسان الدين بن الخطيب

Полный текст (1 954 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل، فانصرفوا، ودخل منزله ملقيا بيده، ومسلّما لقضاء الله سبحانه في كسره، إلى أن قبض عليه وعلى سائر بنيه وقومه، عند ارتفاع النهار وانتشار المتغلّبين على القصبة، فنقفوا متحرّجين من دماء المسلمين، وصرفوا إلى الأندلس، في ضحو يوم الخميس الثاني عشر من ذي قعدة عام خمسة وسبعمائة، بعد انقضاء خمسة عشر يوما من تملّك بلدهم، فاستقرّ بغرناطة تحت ستر واحترام وجراية فيها كفاف. ثم لما خرجت سبتة عن طاعة أمير المسلمين، انصرف القوم إلى فاس، فتوفي بها. وفاته: في شعبان المكرم من عام ثلاثة عشر وسبعمائة. عبد الله بن الجبير بن عثمان بن عيسى بن الجبير اليحصبي «١» من أهل لوشة، وهو محسوب من الغرناطيين. قال الأستاذ «٢» : من أعيانها ذوي الشرف والجلالة. قلت: ينسب إليه بها معاهد تدلّ على قدم وأصالة. حاله: قال أبو القاسم الملّاحي «٣» : كان أديبا بارع الأدب، كاتبا، بليغا، شاعرا مطبوعا، لسنا مفوّها، عارفا بالنحو والأدب واللغات، وقد مال في عنفوان شبيبته إلى الجندية لشهامته وعزّة نفسه، فكان في عسكر المأمون بن عبّاد «٤» ، واشتمل عليه المأمون، وكان من أظرف الناس، وأملحهم شبيبة «٥» ، وأحسنهم شارة، وأتمّهم معرفة. مشيخته: أخذ «٦» عن أشياخ بلده غرناطة، وأخذ بمالقة عن غانم الأديب، وبقرطبة عن ابن سراج. شعره: وله في إنشاده لدى المأمون مجال رحب، فمن ذلك قوله «٧» : [البسيط] يا هاجرين، أضلّ الله سعيكم ... كم تهجرون محبّيكم بلا سبب

стр. 1087

ويا مسرّين للإخوان غائلة ... ومظهرين وجوه البرّ والرّحب ما كان ضرّكم الإخلاص لو طبعت ... تلك النفوس على علياء أو أدب أشبهتم الدّهر لمّا كان والدكم ... فأنتم شرّ أبناء لشرّ «١» أب عبد الله بن سعيد بن عبد الله بن سعيد بن أحمد ابن علي السّلماني «٢» والد المؤلف، ﵁، يكنى أبا محمد، غرناطي الولادة والاستيطان، لوشي الأصل، ثم طليطليّه، ثم قرطبيّه. أوليته: كان سلفه يعرفون بقرطبة ببني وزير، وهم بها أهل نباهة، وبيتهم بيت فقه وخيريّة وماليّة، ونجارهم نجار فرسان يمانيّة. ولمّا حدث على الحكم بن هشام الوقيعة الرّبضيّة، وكان له الفلج، وبأهل الرّبض الدّبرة، كان أعلام هذا البيت من الجالية أمام الحكم، حسبما امتحن به الكثير من أعلام المشيخة بها، كالفقيه طالوت، ويحيى بن يحيى، وغيرهما «٣» ، ولحقوا بطليطلة، فاستقرّوا بها، ونبا بهم وطنهم، ثم حوّموا على سكنى الموسّطة، وآب إلى قرطبة قبلهم بعد عهد متقادم، ومنهم خلف وعبد الرحمن، وقد مرّ له ذكر في هذا الكتاب. وولّي القضاء بالكورة. ومنهم قوم من قرابتهم تملّكوا منتفريد «٤» ، الحصن المعروف الآن بالمنعة والخصب، وتمدّن فيهم، وبنيت به القلعة السّامية، ونسب إليه ذلك المجد، فهم يعرفون ببلدنا ببني المنتفريدين. واستقرّ منهم جدّنا الأعلى بلوشة خطيبا وقاضيا بالصّقع ومشاورا «٥» ، وهو المضاف إلى اسمه التّسويد بلوشة عرفا كأنه اسم مركّب، فلا يقول أحد منهم في القديم إلّا سيّدي سعيد. كذا تعرّفنا من المشيخة، وإليه النّسبة اليوم، وبه يعرف خلفه ببني الخطيب، وكان صالحا فاضلا، من أهل العلم والعمل. حدّثني الشيخ المسنّ أبو الحكم المنتفريدي، وقد وقفني على جدار برج ببعض أملاكنا بها، على الطّريق الآتية من غرناطة إلى لوشة، ثم إلى غيرها، كإشبيلية وسواها، فقال: كان جدّك يسكن بهذا البرج كذا من فصول العام، ويتلو القرآن ليلا، فلا يتمالك المارّون على الطّريق، أن يقربوا إصغاء لحسن تلاوته

стр. 1088

وخشوعا. وكان ولده عبد الله بعده، على وتيرة حسنة من الخير والنّباهة وطيب الطّعمة، ثم جدّه الأقرب سعيد على سننه، مرب عليه بمزيد المعرفة، وحسن الخطّ. ولما وقع بلوشة بلده، ما هو معروف من ثورة أصهارهم من بني الطّنجالي، وكان بينهم ما يكون بين الفحول في الهجمات من التّشاجر، فرّ عنهم خيفة على نفسه، وعلى ذلك فناله اعتقال طويل، عدا به عليه عن تلك الثورة. ثم بان عذره، وبرّئت ساحته، واستظهر به السلطان، وأقام بغرناطة، مكرّما، مؤثرا، مؤتمنا، وصاهر في أشراف بيوتاتها، فكانت عنده بنت الوزير أبي العلى أضحى بن أضحى الهمداني، وتوفيت تحته، فأنجز له بسببها الحظّ في الحمّام الأعظم المنسوب إلى جدّها اليوم. ثم تزوج بنت القائد أبي جعفر أحمد بن محمد الجعدالة السّلمي، أم الأب المترجم به، ولها إلى السلطان ثاني ملوك بني نصر وعظيمهم «١» متات ببنوّة الخؤولة من جهة القوّاد الأصلاء القرطبيين بني دحون، فوضح القصد، وتأكدت الحظوة. وقد وقعت الإشارة إلى ذلك كله في محلّه. ثم رسخت لولده أبي، القدم في الخدمة والعناية، حسبما يتقرّر في موضعه. حاله: كان، ﵀، فذّا في حسن الشكل والأبّهة، وطلاقة اللسان، ونصاعة الظّرف، وحضور الجواب، وطيب المجالسة، وثقوب الفهم، مشارا إليه في الحلاوة وعذوبة الفكاهة، واسترسال الانبساط، مغييا في ميدان الدّعابة، جزلا، مهيبا، صارما، متجنّدا، رائق الخصل ركضا وثقافة، وعدوا وسباحة وشطرنجا، حافظا للمثل واللّغة، أخباريا، مضطلعا بالتاريخ، ناظما نائرا، جميل البزّة، فاره المركب، مليح الشّيبة. نشأ بغرناطة تحت ترف ونعمة، من جهة أمّه وأبيه، وقرأ على أبي إسحاق بن زرقال، وأبي الحسن البلّوطي، ثم على أستاذ الجماعة أبي جعفر بن الزّبير، ظاهرة عليه مخيّلة النّجابة والإدراك. ثم أقصر لعدم الحامل على الدّؤوب، وانتقل إلى بلد سلفه، متحيّفا الكثير من الأصول في باب البذل وقرى الضّيوف، ومداومة الصّيد، وإيثار الراحة، معتمدا بالتّجلّة، مقصود الحلّة، مخطوب المداخلة، من أبناء أشراف الدولة، منتجعا لأولي الكدية. ولما قام بالأمر السلطان، أمير المسلمين أبو الوليد، وأمّه بنت السلطان ثاني الملوك من بني نصر، جزم ما تقدّم من المتات والوسيلة، استنهضه للإعانة على أمره، وجعل طريقه على بلده، فحطب في حبله، وتمسّك بدعوته، واعتمده بنزله وضيافته، وكان أعظم الأسباب في حصول الأمر بيده، ودخوله

стр. 1089

في حكمه، وانتقل إلى حضرة الملك بانتقاله، فنال ما شاء من اصطناعه وحظوته، وجرى له هذا الرّسم في أيام من خلفه من ولده إلى يوم الوقيعة الكبرى بطريف تاريخ فقده. وجرى ذكره في كتاب «الإكليل» بما نصه «١» : إن طال الكلام، وجمحت الأقلام، كنت كما قيل: مادح نفسه يقرئك السلام، وإن أحجمت، فما أسديت في الثّناء ولا ألحمت، وأضعت الحقوق، وخفت ومعاذ الله العقوق. هذا، ولو أنّي زجرت طير البيان من أوكاره، وجئته «٢» بعيون الإحسان وأبكاره، لما قضيت حقّه بعد، ولا قلت إلّا التي علمت سعد «٣» . فقد كان، ﵀، ذمر «٤» عزم، ورجل رخاء وأزم، تروق أنوار خلاله الباهرة، وتضيء مجالس الملوك من صورتيه الباطنة والظاهرة، ذكاء يتوقّد، وطلاقة يحسد نورها الفرقد. فقدته «٥» بكائنة طريف «٦» ، جبر الله عثارها، وعجّل ثارها. حدّث خطيب المسجد الأعظم، وهو ما هو، من وفور العقل، وصحة النّقل، قال: مررت بأبيك بعد ما تمت الكسرة، وخذلت تلك الأسرة، وقد كبا بأخيك الطّرف، وعرض عليه الحمام للصّرف، والشيخ ﵀ لم تزلّ قدمه، ولا راعه الموقف وعظمه. ولما آيس من الخلاص وطلّابه، صرفني وقال: أنا أولى به، فقضى سعيدا شهيدا، لم يستنفره الهول، ولم يثنه ولا رضي عار الفرار عن ابنه. شعره: قال في «الإكليل» «٧» : وكان «٨» له في الأدب فريضة، وفي النّادرة العذبة منادح عريضة. تكلّمت يوما بين يديه، في مسائل من الطب، وأنشدته أبياتا من شعري «٩» ، وقرأت عليه رقاعا من إنشائي، فسرّ وتهلّل، وعبّر عما أمل، وما برح أن

стр. 1090

ارتجل قوله رحمة الله عليه: [مخلع البسيط] الطبّ والشّعر والكتابه ... سماتنا في بني النّجابه هنّ ثلاث مبلّغات ... مراتبا بعضها الحجابه ووقّع لي يوما بخطّه على ظهر أبيات، بعثتها إليه، أعرض عليه نمطها: [الكامل] وردت كما ورد النسيم بسحره «١» ... عن روضة جاد الغمام رباها فكأنما» هاروت أودع سحره ... فيها وآثرها به وحباها مصقولة الألفاظ يبهر حسنها ... فبمثلها «٣» افتخر البليغ وباهى فقررت عينا عند رؤية حسنها ... إني أبوك وكنت أنت أباها ومن شعره «٤» قوله: [الوافر] وقالوا قد نأوا «٥» : فاصبر ستشفى ... فترياق الهوى بعد الدّيار فقلت: هبوا بأنّ الحقّ هذا ... فقلبي يمّموا فيم اصطباري «٦» ؟ ومن قوله مما يجري مجرى الحكم والأمثال «٧» : [السريع] عليك بالصمت فكم ناطق ... كلامه أدّى إلى كلمه «٨» إنّ لسان المرء أهدى إلى ... غرّته والله من خصمه يرى صغير الجرم مستضعفا ... وجرمه أكبر من جرمه وقال وهو من المستحسن في التّجنيس «٩» : [الخفيف] أنا بالدّهر، يا بنيّ، خبير ... فإذا شئت علمه فتعالى كم مليك قد ارتغى «١٠» منه روضا ... لم يدافع عنه الردى «١١» ما ارتغى لا كلّ شيء تراه يفنى ويبقى ... ربّنا الله ذو الجلال تعالى أنشدني هاتين المقطوعتين.

стр. 1091

مولده: ولد بحضرة غرناطة في جمادى الأولى من عام اثنين وسبعين وستمائة. وفاته: بعد «١» يوم الوقيعة الكبرى على المسلمين بظاهر طريف يوم الاثنين السابع لجمادى الأولى عام واحد وأربعين وسبعمائة. من رثاه: قلت في رثائه من قصيدة أولها «٢» : [الطويل] سهام المنايا لا تطيش ولا تخطي ... وللدهر كفّ تستردّ الذي تعطي وإنّا وإن كنّا على ثبج الدّنا ... فلا بدّ يوما أن نحلّ على الشّطّ وسيّان ذلّ الفقر أو عزّة الغنى ... ومن أسرع السّير الحثيث ومن يبطي «٣» تساوى على ورد الرّدى كلّ وارد ... فلم يغن ربّ السّيف عن ربّة القرط وقال شيخنا أبو زكريا بن هذيل من قصيدة يرثيه بها «٤» : [الطويل] إذا أنا لم أرث الصديق فما عذري ... إذا قلت أبياتا حسانا من الشعر؟ ولو كان شعري لم يكن غير ندبة ... وأجريت دمعي لليراع «٥» عن الحبر لما كنت أقضي حقّ صحبته التي ... توخّيتها عونا على نوب الدّهر رماني عبد الله يوم وداعه ... بداهية دهياء «٦» قاصمة الظّهر قطعت رجائي حين صحّ حديثه ... فإن لم يوف دمعي فقد خانني صبري وهل مؤنس كابن الخطيب لوحشتي ... أبثّ له همّي وأودعه سرّي؟ عبد الله بن محمد بن أحمد بن محمد بن جزيّ «٧» من أهل غرناطة، يكنى أبا محمد، وقد مرّ ذكر أبيه شيخنا وأخويه، وتقرّرت نباهة بيتهم.

стр. 1092

حاله: هذا «١» الفاضل قريع بيت نبيه، وسلف شهير، وأبوّة خيّرة «٢» ، وأخوّة بليغة، وخؤولة تميّزت من السلطات بحظوة. أديب حافظ، قام على فنّ العربيّة، مشارك في فنون لسانيّة سواه، طرف «٣» في الإدراك، جيد النظم، مطواع القريحة، باطنه نبل، وظاهره غفلة. قعد للإقراء ببلده غرناطة، معيدا ومستقلّا، ثم تقدّم للقضاء بجهات نبيهة، على زمن الحداثة، وهو لهذا العهد مخطوب رتبة، وجار إلى غاية، وعين من أعيان البلدة. مشيخته: أخذ عن والده الأستاذ الشهير «٤» أبي القاسم حديث الرّحمة بشرطه، وسمع عليه على صغر السّن، أبعاضا من كتب عدة في فنون مختلفة، كبعض صحيح مسلم، وبعض صحيح البخاري، وبعض الجامع للتّرمذي، وبعض السّنن للنّسائي، وبعض سنن أبي داود، وبعض موطّأ مالك بن أنس، وبعض الشّفاء لعياض، وبعض الشّمائل للتّرمذي، وبعض الأعلام للنّميري، وبعض المشرع السّلس في الحديث المسلسل لابن أبي الأحوص، وبعض كتاب التّيسير لأبي عمرو الدّاني، وبعض كتاب التّبصرة للمكيّ، وبعض الكافي لابن شريح، وبعض الهداية للمهدي، وبعض التّلخيص للطّبري، وبعض كتاب الدّلالة في إثبات النبوّة والرسالة لأبي عامر بن ربيع، وبعض كتاب حلبة الأسانيد وبغية التلاميذ لابن الكمّاد، وبعض كتاب وسيلة المسلم في تهذيب صحيح مسلم من تواليف والده، وبعض القوانين الفقهية، وبعض كتاب الدّعوات والأذكار، وبعض كتاب النّور المبين في قواعد عقائد الدين من تأليفه، وبعض تقريب الوصول إلى علم الأصول، وبعض كتاب الصلاة، وبعض كتاب الأنوار السّنية في الكلمات السّنية، وبعض كتاب برنامجه. كل ذلك من تأليف والده، ﵀. وأجاز له رواية الكتب المذكورة عنه، مع رواية جميع مرويّاته وتواليفه وتقييداته، إجازة عامة. ولقّنه في صغره جملة من الأحاديث النبوية والمسائل الفقهية، والمقطوعات الشعرية. ومنهم قاضي الجماعة أبو البركات بن الحاج، حدّثه بألمرية حديث الرحمة بشرطه، وسمع عليه بها وبغرناطة عدّة من أبعاض كتب، وأجازه عامة، وأنشده من شعره، وشعر غيره. ومنهم قاضي الجماعة الشريف أبو القاسم، لازمه مدة القراءة عليه، واستفاد منه، وتفقّه عليه بقراءة غيره في كثير من النّصف الثاني من كتاب سيبويه، وفي كثير من النصف الثاني من كتاب الإيضاح لأبي علي الفارسي، وفي

стр. 1093

كثير من كتاب التّسهيل لابن مالك، وفي القصيدة الخزرجية في العروض، وسمع من لفظه الرّبع الواحد أو نحوه من تأليفه شرح مقصورة حازم، وتفقّه عليه فيه، وأنشده كثيرا من شعره وشعر غيره. ومنهم الأستاذ أبو عبد الله البيّاني، لازمه مدة القراءة عليه، وتفقّه عليه بقراءته في كتاب التّسهيل البديع في اختصار التّفريع إلّا يسيرا منه، وتفقّه عليه بقراءة غيره في أبعاض من كتب فقهية وغيرها، ككتاب التهذيب، وكتاب الجواهر الثمينة، وكتاب التفريع، وكتاب الرسالة لابن أبي زيد، وكتاب الأحكام لابن العربي، وكتاب شرح العمدة لابن دقيق العيد، وغير ذلك مما يطول ذكره. ومنهم الأستاذ الأعرف الشهير أبو سعيد بن لب، تفقّه عليه بقراءته في جميع النصف الثاني من كتاب الإيضاح للفارسي، وفي كثير من النصف الأول من كتاب سيبويه، وتفقّه عليه بقراءة غيره في أبعاض من كتب عدة، في فنون مختلفة، كالمدوّنة والجواهر، وكتاب ابن الحاجب، وكتاب التّلقين، وكتاب الجمل، وكتاب التّسهيل والتنقيح، والشّاطبيّة، وكتاب العمدة في الحديث وغير ذلك. ومنهم الشيخ المقرئ المحدّث أبو عبد الله محمد بن بيبش، سمع عليه بقراءة أخيه الكاتب أبي عبد الله محمد، جميع كتاب الموطّأ، وكتاب الشّفا إلّا يسيرا منه، وأجازه روايتهما عنه، ورواية جميع مرويّاته، إجازة عامة، وأنشده جملة من شعره وشعر غيره. وممن أجازه عامة، رئيس الكتاب أبو الحسن بن الجيّاب، وقاضي الجماعة أبو عبد الله بن يحيى بن بكر الأشعري، والخطيب أبو علي القرشي، والأستاذ أبو محمد بن سلمون، والحاج الراوية أبو جعفر بن جابر، والشيخ القاضي أبو جعفر أحمد بن عتيق الشّاطبي الأزدي، والقاضي الكاتب البارع أبو بكر بن شبرين، والقاضي الخطيب الأستاذ الراوية أبو بكر بن الشيخ الخطيب الصالح أبي جعفر بن الزيات، والقاضي الخطيب أبو محمد بن محمد بن الصّايع. وممن كتب له بالإجازة من المشايخ، شيخ المشايخ أثير الدين أبو حيّان محمد بن يوسف بن حيان، وقاضي الجماعة بفاس محمد بن محمد بن أحمد المقري، ورئيس الكتاب أبو محمد الحضرمي، وجماعة سوى من ذكر من أهل المشرق والمغرب. شعره: وشعره نبيل الأغراض، حسن المقاصد. فمن ذلك قوله: [الطويل] سنى الليلة الغرّاء «١» وافتك بالبشرى ... وأبدى بها «٢» وجه القبول لك البشرا

стр. 1094

تهلّل وجه الكون من طرب بها ... وأشرقت الدّنيا «١» بغرّتها الغرّا لها المنّة العظمى بميلاد أحمد ... لها الرّتبة العليا لها العزّة الكبرا طوى سرّه في صدره الدّهر مدّة ... فوافى ربيعا ناشرا ذلك السّرّا حوى شهرة الفضل الشهير وفضله ... فأحسن به فضلا وأعظم به شهرا لقد كان ليل الكفر في اللّيل قد جفا ... فأطلع منه في سمّة «٢» الهدى فجرا وفي ليلة الميلاد لاحت شواهد ... قضت أنّ دين الكفر قد أبطل الكفرا لقد أخمدت أنوارها نار فارس ... وأرجت «٣» كما ارتجّ إيوانه كسرى له معجزات يعجز القلب كنهها ... ويحصر إن رام اللسان لها حصرا معال يكلّ الشّعر عن نيل وصفها ... وتقصر عن إدراك مصعده الشّعرى به بشّر الرّسل الكرام ولم تزل ... شمائله تتلى وآياته تترى ففي الصّحف الأولى مناقبه العلى ... وفي الذكر آيات خصّت «٤» له قدرا لقد خصّه مولاه بالقرب والرضى ... وحسبك ما قد نصّ في النّجم والإسرا وردّ عليه الشمس بعد غروبها ... وشقّ على رغم العداة له البدرا وكان له في مائه وطعامه ... لطائف ربّانيّة تبهر الفكرا غدا الماء من بين الأصابع نابعا ... وعاد قليل الزّاد من يمنه كثرا وكم نائل أولى وكم سائل حبا ... وكم مشتك أشفى وكم مدنف أبرى! كفى شاهدا أن ردّ عين قتادة ... فكان لها الفضل المبين على الأخرى وحنّ إليه الجذع عند فراقه ... ولا حنّت الخنساء إذ فارقت صخرا وحقّ له إذ بان عنه حبيبه ... ومن ذاق طعم الوصل لم يحمل الهجرا خليليّ، والدنيا تجدّد للفقر ... ضروبا من الأشواق لو تنفع الذّكرى بعيشكما هل لي إلى أرض طيبة ... سبيل؟ فأمّا الصّبر عنها فلا صبرا منى النفس «٥» من تلك المعاهد زورة ... أبثّ بها شكوى وأشكو بها وزرا وتعفير خدّي في عروق ترابها ... ليمحو لي ذنبا ويثبت لي أجرا

стр. 1095

تعلّلني نفسي بإدراكها المنى ... وما أجهدت عيشا ولا ملّكت قفرا ومن كانت الآمال أقصى اجتهاده ... غدت كفّه ممّا تأمّله صفرا وكم زجرتها واعظات زمانها ... فما سمعت وعظا ولا قبلت زجرا وكنت لها عصر الشبيبة عاذرا ... سقاه الحيا ما كان أقصره عصرا وأمّا وقد ولّت ثلاثون حجّة ... فلست أرى للنفس من بعدها عذرا إذا أنت لم تترك سوى النفس طائعا ... فلا بدّ بعد الشّيب من تركه قسرا ولم أدّخر إلّا شفاعة أحمد ... لتخفيف وزر شدّ ما أوثق الظّهرا لقد علقت «١» كفّ الرجاء بحمله ... لعلّ كسير القلب يقلبه برّا هو المرتضى الداعي إلى منهج الرّضا ... هو المصطفى الهادي الميسّر لليسرى هو الحاسر الماحي الضّلالة بالهدى ... هو الشّافع الواقي إذا شهر الحشرا بأي كلام يبلغ المرء وصف من ... مكارمه تستغرق النّظم والنّثرا خلال إذا الأفكار جاست خلالها ... تكرّ على الأعقاب خاسئة خسرا لقد غضّ طرف النّجم باهرها سنى ... وأرغم أنف الرّوض عاطرها نشرا سقى ليلة حيّت به واكف الحيا ... فنعماؤها ما إن يحيط بها شكرا لقد خصّها سند الإله برحمة ... فعمّت بها الدنيا وسكّانها طرّا أقمت أمير المسلمين حقوقها ... بأفعال برّ أضحكت للهدى ثغرا لقد سرت فيها إذ أتتك بسرّه ... أقرّت لها عينا وسرّت لها صدرا عرفت بها حقّ الذي عرفت به ... فأحسنتها شكرا وأوليتها برّا وأصحبتها الإخلاص لله والتّقى ... وأعقبها الإحسان والنّائل الغمرا لدى مصنع ملا «٢» العيون محاسنا ... تجسّم فيه السّحر حتى بدا قصرا منها بعد أبيات في المدح للسلطان: روى عن أبي الحجاج غرّ شمائل ... أعاد لنا دهم الليالي بها غرّا ومن كبني نصر جلالة منصب ... بهم نصر الرحمن دين الهدى نصرا هم ما هم إن تلقهم في مهمّة ... لقيت الجناب السّهل والمعقل الوعرا سلالة أنصار النبيّ محمد ... فسل أحدا ينبيك عنهم وسل بدرا

стр. 1096

ومن شعره في المقطوعات، قال في التورية العروضية «١» : [الوافر] لقد قطّعت قلبي يا خليلي ... بهجر طال منك على العليل ولكن ما عجيب منك هذا ... إذ «٢» التّقطيع من شأن الخليل» وقال في التّورية النّحوية «٤» : [الطويل] لقد كنت موصولا فأبدل وصلكم ... بهجر وما مثلي على الهجر يصبر فما بالكم غيّرتم عبدكم ... وعهدي بالمحبوب ليس يغيّر «٥» وقال في التّورية مداعبا بعض المقرئين للعدد وهو بديع «٦» : [الكامل] يا ناصبا علم الحساب حباله «٧» ... لقناص ظبي ساحر الألباب إن كنت ترجو «٨» بالحساب وصاله ... فالبدر «٩» يرزقنا بغير حساب وقال في التّورية العروضية «١٠» : [المتقارب] لقد كمل الودّ ما «١١» بيننا ... ودمنا على فرح شامل فإن دخل القطع في وصلنا ... فقد يدخل القطع في الكامل وقال في تضمين مثل «١٢» : [الوافر] ألا أكتم حبّ من أحببت واصبر ... فإنّ الهجر يحدثه الكلام وإن أبداه دمع أو نحول ... فمن بعد اجتهادي «١٣» لا تلام وقال «١٤» : [السريع] وأشنب الثّغر له وجنة ... تعدّت النّحل على وردها ما ذاك إلّا حسد «١٥» إذ رأت ... رضابه أعذب من شهدها

стр. 1097

وقال في التّورية بأسماء كتب فقهية جوابا غير معمّى «١» : [الطويل] لك الله من خلّ حباني برقعة ... حبتني من أبياتها «٢» بالنوادر رسالة رمز في الجمال نهاية «٣» ... وخيرة نظم أتحفت بالجواهر وقال في التّورية أيضا «٤» : [الطويل] إلى الله أشكو غدر آل تودّدي «٥» ... إليّ فلمّا لاح سرّي لهم حالوا لقد خدعوني إذ أروني مودّة ... ولكنّه لا غرو أن يخدع الآل وقال يخاطب رجلا من أصحابه «٦» : [الطويل] أبا حسن «٧» إن شتّت الدّهر شملنا ... فليس لودّ في الفؤاد «٨» شتات وإن حلت عن عهد الإخاء فلم يزل «٩» ... لقلبي على حفظ العهود ثبات وهبني سرت مني إليك إساءة ... ألم تتقدّم قبلها حسنات؟ وقال في النّسيب «١٠» : [الطويل] لئن «١١» كان باب القرب قد سدّ بيننا ... ولم يبق لي في نيل وصلك مطمع وأخفرت «١٢» عهدي دون ذنب جنيته ... وأصبح ودّي فيك وهو مضيّع ولم ترث لي عمّا «١٣» ألاقي من الأسى ... وصرت أنادي منك من ليس يسمع وضاقت بي الأحوال عن كلّ وجهة ... فما «١٤» أرتجي من رحمة الله أوسع

стр. 1098

وممّا نظمه في التّضمين مخاطبا بعض المنتحلين للشّعر قوله «١» : [الطويل] لقد صرت في غصب القصائد ماهرا ... فما أسم جميع الشعر عندك غير لي «٢» ولم تبق شعرا لامرىء متقدّم «٣» ... ولم تبق شعرا يا ابن بشت «٤» لأول فشعر جرير قد غصبت ورؤبة «٥» ... وشعر ابن مرج الكحل وابن المرحّل وإن دام هذا الأمر أصبحت تدّعي ... (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل) » ومن المقرئين والعلماء عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن مجاهد العبدري الكوّاب «٧» من أهل غرناطة، يكنى أبا محمد، الخطيب، المقرئ. حاله: من «الصّلة» : كان، ﵀، أتقن أهل زمانه في تجويد كتاب الله العزيز، وأبرعهم في ذلك، وأنفعهم للمتعلم، نفع الله به كل من قرأ عليه، وترك بعده جملة يرجع إليهم في ذلك، ويعمل على ما عندهم. وكان مع ذلك نبيه الأغراض، في جميع ما يحتاج إليه في علمه، ذاكرا للاختيارات التي تنسب للمقرئين، من يرجّح ويعلّل، ويختار ويردّ، موفقا في ذلك، صابرا على التعليم، دائبا عليه نهاره وليله، ذاكرا لخلاف السّبعة. رحل الناس إليه من كل مكان، خاصّتهم وعامّهم، وملأ بلده تجويدا وإتقانا، وكان مع هذا فاضلا ورعا جليلا. خطب بجامع غرناطة وأمّ به مدة طويلة إلى حين وفاته. مشيخته: أخذ القراءات عن الحاج أبي الحسين «٨» بن كوثر، وأبي خالد بن رفاعة، وأبي عبد الله بن عروس. ورحل إلى بيّاسة فأخذ بها القراءات عن أبي بكر بن حسّون، وأخذ مع هؤلاء عن جعفر بن حكم، وأبي جعفر بن عبد الرحيم،

стр. 1099

وأبي الحسن الصّدفي الفاسي، وسمع عليه كثيرا من كتاب سيبويه تفقّها، وأجاز له كتابة القاضي أبو بكر بن أبي جمرة مع آخرين ممن أخذوا عنه. من أخذ عنه: روى عن الناس أهل بلده وغيرهم، منهم ابن أبي الأحوص، وأبو عبد الله بن إبراهيم المقرئ. وفاته: توفي في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة «١» ، ودفن بمقبرة باب إلبيرة. عبد الله بن علي بن عبد الله بن علي بن سلمون الكناني من أهل غرناطة، يكنى أبا محمد، ويعرف بابن سلمون. حاله: كان، ﵀، نسيج وحده، دينا وفضلا، وتخلّقا ودماثة، ولين جانب، حسن اللّقاء، سليم الباطن، مغرقا في الخير، عظيم الهشّة والقبول، كريم الطّويّة، عظيم الانقياد، طيّب اللهجة، متهالكا في التماس الصّالحين، يتقلّب في ذلك بين الخطإ والإصابة، صدرا في أهل الشّورى. قرأ ببلده وسمع وأسمع وأقرأ، وكتب الشروط مدة، مأثور العدالة، معروف النّزاهة، مثلا في ذلك، ويقوم على العربية والفقه، خصوصا باب البيوع، ويتقدّم السّباق في معرفة القراءات، منقطع القرين في ذلك، أشدّ الناس خفوفا في الحوائج، وأسرعهم إلى المشاركة. مشيخته: قرأ على الأستاذ الكبير أبي جعفر بن الزبير بغرناطة، ولازمه، فانتفع به دراية ورواية. وقرأ على الخطيب أبي الحسن بن فضيلة، والمكتّب أبي الحسن البلّوطي، وأبي محمد النّفزي، والخطيب أبي جعفر الكحيلي. وبمالقة على الأستاذ أبي محمد الباهلي. وبسبتة على الأستاذ المقرئ رحلة وقته أبي القاسم بن الطيب، وسمع عليه الكثير. وعلى الأستاذ أبي عبد الله الدّراج، ولازم مجلس إقرائه، وعلى الشيخ المعمّر أبي عبد الله بن الخطّار الكامي، وهو أعلى من لقيه من تلك الحلبة. وأخذ بالإجازة عن العدل أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن النّولي، وروايته عالية. لقي أبا الربيع بن سالم، ولقي بسبتة الشّريف الرّاوية أبا علي الحسن بن أبي الشرف ربيع، والأديب الكاتب أبا علي الحسين بن عتيق بن الحسين بن رشيق. وبفاس الفقيه أبا غالب محمد بن محمد بن عبد الرحمن المغيلي. وقرأ على الخطيب المحدّث أبي عبد الله بن رشيد. وسمع على ذي الوزارتين أبي عبد الله بن الحكيم. ولقي الأديب المعمّر مالك بن المرحّل. وأجازه أبو عمران موسى بن الخطيب أبي الحسن

стр. 1100

الدّاري برندة. وأجازه من أهل المشرق كثير، منهم عز الدين أحمد بن محمد الحسني بقيّة الأشراف بالدّيار المصرية، وجمال الدين أحمد بن محمد بن عبد الله الظاهري، ونجم الدين أحمد بن حمدان الحرّاني، وجمال الدين أحمد بن أبي الفتح الشّيباني، وأحمد بن عبد المنعم الصّوفي، ومولده عام أحد وستمائة، وأحمد بن سلمان بن أحمد المقدسي، وأحمد بن عبد الحميد بن عبد الهادي، وشمس الدين إبراهيم بن سرور المقدسي، والخطيب بالمسجد الأعظم ببجاية أبو عبد الله بن صالح الكناني، وأبو عبد الله محمد بن أبي خمسة محمد بن البكري بن أبي بكر، وأبو عبد الله محمد بن علي بن وهب بن مطيع بن أبي الطاعة القشيري، وابن دقيق العيد تقي الدين، وأبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سعد بن جماعة، والشيخة الصالحة أم محمد عائشة بنت أبي الخطاب محمد بن أحمد بن خليل السّكوني. وأجازه نحو من المايتين من أهل المشرق والمغرب. ولقي بفاس الشّيخة الأديبة الطيبة الشاعرة سارة بنت أحمد بن عثمان بن الصلاح الحلبيّة وأجازته، وألبسته خرقة التصوّف. قال: وأنشدتني قصيدة أجابت بها الخطيب المحدّث أبا عبد الله بن رشيد، أولها يعني قصيدة ابن رشيد: [السريع] سرى نسيم من حمى سارة ... عاد به كلّ نسيم عاطرا وجال أفكار الدّنا ذكرها ... فسار فيها مثلا سائرا دائرة والمجد قطب لها ... دارت عليه فلكا دائرا فقالت: وافى قريض منكم مذ غدا ... لبعض أوصافكم ذاكرا أطلع من أنفاسه حجوا «١» ... ومن شذاه نفسا عاطرا أعاد ميت الفكر من خاطري ... من بعد دفن في الثّرى ناشرا يبهر طرفي حسن منظره ... أحبب به نظما غدا باهرا فقلت لمّا «٢» هالني حسنه ... أشاعرا أصبح أم ساحرا؟ أم روضة هذي التي قد نوى؟ ... أم بدر تمّ قد بدا زاهرا؟ أم ضرب «٣» من فمه سائل؟ ... أم جوهر أضحى لنا ناثرا؟

стр. 1101

لله ما أعذب ألفاظه ... وأنور الباطن والظّاهرا! يا ابن رشيد، بل أبا الرّشد، ... من لم يزل طيّ العلا ناشرا «١» خذ ما فدتك النّفس يا سيدي ... وكن لمن نظمها عاذرا ما تصل الأنثى بتقصيرها ... لأن تباري ذكرا ماهرا لا زلت تحيى من رسوم العلا ... ما كان منها دارسا داثرا تصانيفه: الكتاب المسمى ب «الشافي في تجربة ما وقع من الخلاف بين التّيسير والتّبصرة والكافي» لا نظير له. مولده: ولد بغرناظة بلده في الثاني والعشرين لذي قعدة من عام تسعة وستين وستمائة. وفاته: فقد في الوقيعة العظمى بطريف يوم الاثنين السابع لجمادى الأولى من عام أحد وأربعين وسبعمائة. حدّث بعض الجند أنه رآه يتحامل، وجرح بصدره يثغب دما، وهو رابط الجأش، فكان آخر العهد به، تقبّل الله شهادته. عبد الله بن سهل الغرناطي «٢» يكنى أبا محمد، وينبز «٣» بوجه «٤» نافخ. حاله: من كتاب ابن حمامة، قال: عني بعلم القرآن والنحو والحديث عناية تامة، وبهذا كنت أسمع الثّناء عليه من الأشياخ في حال طفولتي بغرناظة، ثم شهر بعد ذلك بعلم المنطق، والعلوم الرياضية، وسائر العلوم القديمة، وعظم بسببها، وامتدّ صيته من أجلها، وأجمع المسلمون واليهود والنصارى أن ليس في زمانه مثله، ولا في كثير ممن تقدّمه، وبين هذه الملل الثلاثة من التّحاسد ما عرف. وكانت النصارى تقصده من طليطلة، تتعلّم منه أيام كان ببيّاسة «٥» ، وله مع قسّيسهم مجالس في

стр. 1102

التّناظر، حاز فيها قصب السّبق. قال: ثم خرج عن بيّاسة، وسار إلى نظر ابن همشك «١» عند خروج النصارى عن بيّاسة. وله تواليف. وهو الآن بحاله. قلت: تاريخ هذا القول، عام ثلاثة وخمسين وخمسمائة. عبد الله بن أيوب الأنصاري «٢» يكنى أبا محمد، ويعرف بابن خدوج «٣» ، من أهل قلعة أيوب «٤» . حاله: فقيه حافظ لمذهب مالك. استوطن غرناطة وسكنها. تواليفه: ألّف في الفقه كتابا مفيدا سماه «المنوطة على مذهب مالك» ، في ثمانية أسفار «٥» ، أتقن فيها كل الإتقان. وفاته: توفي بها سنة اثنتين وستين وخمسمائة، وقد قارب المائة. عبد الله بن الحسن بن أحمد بن يحيى ابن عبد الله الأنصاري «٦» مالقي، قرطبي الأصل، يكنى أبا محمد، ويعرف بالقرطبي، وقرأ بغرناظة. حاله: كان «٧» في وقته ببلده كامل المعارف، صدرا في المقرئين والمجوّدين «٨» ، رئيس المحدّثين وإمامهم، واسع المعرفة، مكثرا، ثقة، عدلا، أمينا، مكين الرّواية «٩» ، رائق الحطّ، نبيل التّقييد والضّبط، ناقدا، ذاكرا أسماء رجال الحديث وطبقاتهم وتواريخهم، وما حلوا به من جرح وتعديل، لا يدانيه أحد في ذلك، عزيز النّظر «١٠» ،

стр. 1103

متيقّظا، متوقّد الذهن، كريم الخلال، حميد العشرة، دمثا، متواضعا، حسن الخلق، محبّبا إلى الناس، نزيه النفس، جميل الهيئة، وقورا، معظّما عند الخاصة والعامة، ديّنا، زاهدا، ورعا، فاضلا، نحويا ماهرا، ريّان من الأدب، قائلا الجيّد من الشعر، مقصدا ومقطعا. وكان له بجامع مالقة الأعظم مجلس عام، سوى مجلس تدريسه، يتكلم فيه على الحديث، إسنادا ومتنا، بطريقة عجز «١» عنها الكثير من أكابر أهل زمانه. وتصدّر للإقراء ابن عشرين سنة «٢» . من أخباره في العلم والذكاء: قالوا: قرىء «٣» عليه يوما باب الابتداء بالكلم التي يلفظ بها في «٤» إيضاح الفارسي، وكان أحسن الناس قياما عليه، فتكلّم على المسألة الواقعة في ذلك الباب، المتعلقة بعلم العروض، وكان في الحاضرين من أحسن «٥» صناعته، فجاذبه الكلام «٦» ، وضايقه في «٧» المباحثة، حتى أحسّ الأستاذ من نفسه التّقصير، إذ لم يكن له قبل كبير نظر في العروض، فكفّ عن الخوض في المسألة، وانصرف إلى منزله، وعكف سائر اليوم «٨» على تصفّح علم العروض حتى فهم أغراضه، وحصّل تواليفه «٩» ، وصنّف فيه مختصرا نبيلا لخّص في صدره ضروبه «١٠» ، وأبدع فيه بنظم مثله، وجاء به من الغد، معجزا من رآه أو سمع به، فبهت الحاضرون وقضوا العجب من اقتداره وذكائه، ونفوذ فهمه، وسموّ همّته. ومن أخباره في الدّين: قال أبو أحمد جعفر بن زعرور العاملي المالقي، تلميذه الأخصّ به: بتّ معه ليلة في دويرته التي كانت له بجبل فاره «١١» للإقراء والمطالعة، فقام ساعة كنت فيها يقظانا «١٢» ، وهو ضاحك مسرور، يشدّ يده كأنّه ظفر بشيء نفيس، فسألته فقال: رأيت كأن الناس قد حشروا في العرض على الله، وأتي بالمحدّثين، وكنت أرى أبا عبد الله النّميري يؤتى به، فيوقف بين يدي الله تعالى،

стр. 1104

فيعطي براءته من النّار، ثم يؤتى بي، فأوقفت بين يدي ربيّ، فأعطاني براءتي من النّار، فاستيقظت، وأنا أشدّ عليها يدي اغتباطا بها وفرحا، والحمد لله. مشيخته: تلا «١» بمالقة على أبيه، وأبي زيد السّهيلي، والقاسم بن دحمان، وروى عنهم، وعن أبي الحجاج بن الشيخ، وأبوي عبد الله بن الفخّار، وابن نوح، وابن اليتيم، وابن كامل، وابن جابر، وابن بونة. وبالمنكّب عن عبد الوهاب الصّدفي. وحضر بمالقة مجلس أبي إسحاق بن قرقول. وبإشبيلية عن أبي بكر بن الجد، وابن صاف، وأبي جعفر بن مضاء، وأبوي الحسن عبد الرحمن بن مسلمة، وأبي عبد الله بن زرقون، وأبي القاسم بن عبد الرازق، وأبي محمد بن جمهور. وبغرناطة عن أبوي جعفر بن حكم الحصّار، وابن شراحيل، وأبي عبد الله بن عروس، وأبوي محمد عبد الحق النّوالشي، وعبد المنعم بن الفرس. وبمرسية عن أبي عبد الله بن حميد، وأبي القاسم بن حبيش. وبسبتة عن أبي محمد الحجري. وأجاز له من الأندلس ابن محرز، وابن حسّون، وابن خيرة، والأركشي، وابن حفص، وابن سعادة، ويحيى المجريطي، وابن بشكوال، وابن قزمان. ومن أهل المشرق جماعة كبيرة. شعره وتصانيفه: ألّف في العروض مجموعات نبيلة، وفي قراءة نافع. ولخّص أسانيد الموطّأ. وله المبدي، لخطإ الرّندي. ودخل يوما بمجلس أقرأ به أبو الفضل عياض، وكان أفتى منه، غير أنّ الشّيب جار عليه، وتأخّر شيب الأستاذ، فقال: يا أستاذ، شبنا وما شبتم، قال: فأنشده ارتجالا «٢» : [الطويل] وهل نافع «٣» أن أخطأ الشّيب مفرقي ... وقد شاب أترابي وشاب لداتي؟ لئن كان خطب الشّيب يوجد حسّه «٤» ... بتربي فمعناه يقوم بذاتي ومن شعره في التّجنيس «٥» : [الطويل] لعمرك، ما الدّنيا وسرعة «٦» سيرها ... بسكّانها إلّا طريق مجاز حقيقتها أنّ المقام بغيرها ... ولكنهم قد أولعوا بمجاز

стр. 1105

ومما يؤثر أيضا من شعره قوله «١» : [الخفيف] سهرت أعين ونامت عيون ... لأمور «٢» تكون أو لا تكون فاطرد الهمّ ما استطعت عن النّف ... س فحملانك الهموم جنون إنّ ربّا كفاك بالأمس ما كان ... سيكفيك «٣» في غد ما يكون مولده: ولد أبو محمد قريب ظهر يوم الاثنين لثمان بقين من ذي القعدة عام ستة وخمسين وخمسمائة. وفاته: سحر ليلة السبت أو سحر يومها، ودفن إثر صلاة العصر من اليوم السابع لربيع الآخر سنة إحدى عشرة «٤» وستمائة. من رثاه: رثاه الأديب أبو محمد عبد الله بن حسّون البرجي من قصيدة حسنة طويلة «٥» : [الطويل] خليليّ، هبّا ساعداني بعبرة ... وقولا لمن بالريّ: ويحكم هبّوا نبكّ «٦» العلا والمجد والعلم والتّقى ... فمأتم أحزاني نوائحه الصّحب فقد سلب الدّين الحنيفيّ روحه ... ففي كلّ سرّ «٧» من نباهته نهب وقد طمست أنوار سنّة أحمد ... وقد خلت الدنيا وقد ظعن الرّكب مضى الكوكب الوقّاد والمرهف الذي ... يصحّح «٨» في نصّ الحديث فما ينبو «٩» تمنّى علاه النّيران ونوره ... وقالا بزعم: إنّه لهما ترب أأسلو وبحر العلم غيضت مياهه ... ومحيي رسوم العلم يحجبه التّرب؟ عزيز على الإسلام أن يودع الثرى ... مسدّدة الأسرى «١٠» وعالمه النّدب

стр. 1106

بكى العالم العلويّ والسّبع حسرة ... أولئك «١» حزب الله ما فوقهم حزب على القرطبيّ الحبر أستاذنا الذي ... على أهل هذا العصر فضّله الرّبّ فقد كان فيما قد «٢» مضى من زمانه ... به تحسن الدّنيا ويلتئم الشّعب ويجمع سرب الأنس روض جنابه «٣» ... فقد جفّ ذاك الرّوض وافترق السّرب فسحقا لدنيا خادعتنا بمكرها ... إذا عاقدت سلما فمقصدها حرب ركبنا بها «٤» السّهل الذّلول فقادنا ... إلى كلّ ما في طيّه مركب صعب ونغفل عنها والرّدى يستفزّنا ... كفى واعظا بالموت لو كان لي لبّ عبد الله بن أحمد بن إسماعيل بن عيسى بن أحمد ابن إسماعيل بن سماك العاملي «٥» يكنى أبا محمد، مالقي الأصل. حاله: كان فقيها أديبا، بارع الأدب، شاعرا مطبوعا، كثير النّادر، حلو الشّمايل، أدرك شيوخا جلّة، وولّي قضاء غرناطة مدّة. مشيخته: روى عن جدّه لأمه، وابن عمّ أبيه أبي عمر أحمد بن إسماعيل، وأبي علي الغسّاني، وأبي الحسن علي بن عبيد الرحمن بن سمحون، والمرساني الأديب. شعره: [الكامل] الروض مخضرّ الرّبى متجمّل ... للناظرين بأجمل الألوان وكأنما بسطت هناك سوارها ... خود زهت بقلائد العقيان وكأنّما فتقت هناك نوافح ... من مسكة عجنت بعرف البان والطّير يسجع في الغصون كأنما ... تقرأ القيان فيه على العيدان

стр. 1107

والماء مطّرد يسيل عبابه ... كسلاسل من فضّة وجمان بهجات حسن أكملت فكأنها ... حسن اليقين وبهجة الإيمان وكتب إلى الكاتب أبي نصر الفتح بن عبيد الله «١» في أثناء رسالة «٢» : [الوافر] تفتّحت الكتابة عن نسيم ... نسيم المسك في خلق الكريم «٣» أبا نصر، رسمت لها رسوما ... تخال رسومها وضح النّجوم وقد كانت عفت فأنرت «٤» منها ... سراجا لاح في اللّيل البهيم فتحت من الصّناعة كلّ باب ... فصار «٥» في طريق مستقيم فكتّاب الزمان ولست منهم ... إذا راموا مرامك في هموم فما قسّ بأبدع منك لفظا ... ولا سحبان مثلك في العلوم «٦» وفاته: في السابع والعشرين من رمضان المعظم سنة أربعين وخمسمائة، وهو ابن أربع وثمانين سنة. ومن ترجمة القضاة عبد الله بن أحمد بن محمد بن سعيد بن أيوب بن الحسن ابن منخل بن زيد الغافقي من أهل غرناظة وأعيانها، يكنى أبا محمد، وينسب إلى غافق بن الشّاهد بن عك بن عدنان، لا إلى حصن غافق. حاله: من «العائد: كان رجلا صحيح المذهب، سليم الصّدر، قليل المصانعة، كثير الحركة والهشّة والجدة، ملازم الاجتهاد والعكوف، لا يفتر عن النّسخ والتّقييد والمطالعة، على حال الكبرة، قديم التّعيّن والأصالة، ولّي القضاء عمره بمواضع كثيرة، منها بيرة ورندة ثم مالقة، مضافا إلى الخطابة بها.

стр. 1108

مشيخته: حجّ في حدود سبعة وثمانين وستمائة، وروى عن جلّة من أهل المشرق، كالإمام تقي الدين بن دقيق العيد، والحافظ أبي محمد عبد المؤمن الدّمياطي، وشمس الدين المصنّف أبي عبد الله بن عبد السلام. وأجازه من أهل المغرب شيخ الجماعة بالأندلس أبو جعفر بن الزبير، والقاضي ابن أبي الأحوص، والخطيب أبو الحسن بن فضيلة، والأستاذ أبو الحسن ابن الصّائغ الإشبيلي، وأبو جعفر الطّباع، وغيرهم. تواليفه: ألّف كتابا سماه ب «المنهاج، في ترتيب مسائل الفقيه المشاور أبي عبد الله ابن الحاج» . مولده: ولد بغرناطة في حدود ستين وستمائة. وفاته: توفي بغرناطة يوم عاشوراء من عام أحد وثلاثين وسبعمائة. عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله ابن أبي زمنين المرّي يكنى أبا خالد. حاله: كان فقيها جليلا، وولّي القضاء ببعض جهات غرناطة. مشيخته: أخذ الفقه عن أبي جعفر بن هلال، وأبي محمد بن سماك القاضي. والعربية عن الخضر بن رضوان العبدري. والحديث عن الحافظ أبي بكر بن غالب بن عبد الرحمن بن عطية، والإمام أبي الحسن علي بن أحمد، والقاضي أبي الفضل عياض بن موسى بن عياض أيام قضائه بغرناطة. مولده: ولد سنة سبع وتسعين وأربعمائة. وفاته: توفي في ذي قعدة سنة أربع وأربعين وخمسمائة. عبد الله بن يحيى بن محمد بن أحمد بن زكريا بن عيسى ابن محمد بن يحيى بن زكريا الأنصاري «١» يكنى أبا محمد، من أهل غرناطة، شرقي الأصل، مرسيّه، من بيوتاته النّبيهة، وقد مرّ ذكر أخيه.

стр. 1109

حاله: كان» على طريقة حسنة من دمائة الأخلاق، وسلامة السّجيّة، والتزام الحشمة، والاشتغال بما يعني. ولّي القضاء دون العشرين سنة، وتصرّف فيه عمره بالجهات الأندلسية، فأظهر فيه عدلا ونزاهة، ولم يختلف عليه اثنان مدة حياته من أهل المعرفة بالأحكام، والتّقدّم في عقد الشّروط، وصناعة الفرائض، علما وعملا، ثاقب الذهن، نافذا في صنعة العدد. مشيخته: قرأ «٢» على أبيه القاضي أبي بكر بن زكريا، وله رواية عالية من أعلام من أهل المشرق والمغرب. وقرأ على أبي الحسن بن فضيلة الوليّ الصالح، والقاضي أبي عبد الله بن هشام الألشي، والأستاذ أبي جعفر بن الزبير، والحاج أبي محمد بن جابر، وأبي بكر القللوسي. وقرأ العدد وما أشبهه على الأستاذ التّعاليمي أبي عبد الله الرقّام، ولازمه، وأجازه طائفة كبيرة. أخبرني ولده الفاضل أبو بكر، قال: ورد سؤال من تونس مع تاجر وصل في مركب إلى مدينة المنكّب أيام قضائه بها، في رجل فرّط في إخراج زكاة ماله سنين متعدّدة، سمّيت في السؤال مع نسبة قدر المال، وطلب في السؤال أن يكون عملها بالأربعة الأعداد المتناسبة، إذ عملها بذلك أصعب من عملها بالجبر والمقابلة، فعملها وأخرجها بالعملين، وعبّر عنها بعبارة حسنة، وكتبها في بطاقة بخطّ جميل، فذكر التاجر أنه لم يبق بتونس فقيه إلّا ونسخ منها نسخة واستحسنها. مولده: ولد يوم الخميس السابع عشر «٣» لجمادى الآخرة عام خمسة وسبعين وستمائة. وفاته: توفي قاضيا ببسطة في التاسع عشر من رمضان عام خمسة وأربعين وسبعمائة. عبد الله بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الملك ابن أبي جمرة الأزدي من أهل مرسية، نزيل غرناطة، يكنى أبا محمد، وبيته بمرسية من أعلام بيوتاتها، شهير التّعيّن والأصالة، ينكح «٤» فيه الأمراء.

стр. 1110

حاله: كان من أعلام وقته فضلا وعدالة وصلاحا ووقارا، طاهر النشأة، عفّ الطّعمة، كثير الحياء، مليح التّخلّق. نشأ بمرسية، ثم انتقل إلى غرناطة فتولّى القضاء ببيرة وجهاتها، ثم جاز إلى سبتة، وانعقدت بينه وبين رؤسائها المصاهرة في بعض بناته. ثم آب إلى غرناطة عند رجوع إيالة سبتة إلى أميرها، فتقدّم خطيبا بها. مشيخته: روى بالإجازة عن الخطيب الحافظ أبي الرّبيع بن سالم وأمثاله. وفاته: الغريبة المستحسنة، قال بعض شيوخنا: كنت أسمعه عند سجوده وتبتّله وضراعته إلى الله يقول: اللهم، أمتني ميتة حسنة، ويكرّر ذلك. فأجاب الله دعاءه، وتوفّاه على أتمّ وجوه التّأنيب طهارة وخشوعا وخضوعا وتأهّبا، وزمانا ومكانا، عندما صعد أوّل درج من أدراج المنبر، يوم الجمعة الثالث والعشرين لشوال من عام أحد عشر وسبعمائة، فكان يوما مشهودا لا عهد بمثله، ما رئي أكثر باكيا منه، وأكثر الناس من الثناء عليه. عبد الله بن سليمان بن داود بن عبد الرحمن بن سليمان ابن عمر بن حوط الله الأنصاري الحارثي الأزدي «١» يكنى أبا محمد. حاله: من «الصّلة» : قال «٢» : القاضي المحدّث الجليل العالم، كان فقيها جليلا أصوليا، نحويا، كاتبا، أديبا، شاعرا، متفنّنا في العلوم، ورعا، ديّنا، حافظا، ثبتا، فاضلا. وكان يدرّس كتاب سيبويه، ومستصفى أبي حامد «٣» ، ويميل إلى الاجتهاد في نظره، ويغلّب طريقة الظّاهرية «٤» ، مشهورا بالعقل والفضل، معظّما، عند الملوك، معلوم القدر لديهم، يخطب في مجالس الأمراء والمحافل الجمهورية، مقدّما في ذلك، بلاغة وفصاحة إلى أبعد مضمار. ولملوك الموحّدين به اعتناء كبير. وهو كان أستاذ الناصر «٥» وإخوته، وكان له عند المنصور والدهم، بذلك أكرم أثرة، مع ما كان مشهورا به من العلم والدّين والفضل. ولّي القضاء بإشبيلية وقرطبة

стр. 1111

ومرسية وسبتة وسلا وميورقة، فتظاهر بالعدل، وعرف بما أبطن من الدين والفضل، وكان من العلماء العاملين، سنّيّا، مجانبا لأهل البدع والأهواء، بارع الخطّ، حسن التّقييد. مشيخته: تردّد «١» في طلب العلم، فسمع ببلنسية وشاطبة ومرسية وألمرية وقرطبة وإشبيلية ومالقة، وغيرها من البلاد الأندلسية، وتحصّل له سماع جمّ لم يشاركه فيه أحد من أهل المغرب «٢» . قرأ القرآن على أبيه، وعلى أبي محمد عبد الصمد الغسّاني، وأخذ عن ابن حميد كتاب سيبويه تفقّها، وعن غيره، وسمع عن ابن بشكوال، وقرأ أكثر من ستّين تأليفا بين كبار وصغار، وكمل له على أبي محمد بن عبد الله، بين قراءة وسماع، نحو من ستة وثلاثين تأليفا، منها الصّحيحان، وأكثر عن ابن حبيش، والسّهيلي، وابن الفخّار وغيرهم. واستيفاء مشيخته يشقّ. شعره: قال الأستاذ: أنشدنيه ابنه أبو القاسم، ونقلت من خطه «٣» : [الوافر] أتدري أنّك الخطّاء حقّا ... وأنّك بالذي تدري «٤» رهين؟ وتغتاب «٥» الألى «٦» فعلوا وقالوا ... وذاك الظّنّ والإفك «٧» المبين مولده: في محرم سنة ثمان وأربعين وخمسمائة «٨» . وفاته: كان آخر عمره قد أعيد إلى مرسية، قصدها من الحضرة، فمات بغرناطة سحر يوم الخميس الثاني لربيع الأول اثنتي عشرة وستمائة، ونقل منها في تابوته الذي ألحد فيه، يوم السبت التاسع عشر لشعبان من السنة إلى مالقة، فدفن بها. عبد الله بن يحيى بن عبد الرحمن بن أحمد ابن عبد الرحمن بن ربيع الأشعري من أهل قرطبة، يكنى أبا القاسم، ويعرف بابن ربيع.

стр. 1112

حاله: كان، ﵀، أديبا، كاتبا، شاعرا، نحويا، فقيها أصوليّا، مشاركا في علوم، محبّا في القراءة، وطيّا عند المناطرة، متناصفا، سنيّا، أشعري المذهب والنّسب، مصمّما على طريقة الأشعريّة، ملتزما لمذهب أهل السّنّة المالكي، من بقايا الناس وعليتهم، ومن آخر طلبة الأندلس المشاركين الجلّة، المصمّمين على مذهب أهل السّنة، المنافرين للمذاهب الفلسفية والمبتدعة، والزّيغ. ولّي قضاء مواضع من الأندلس، منها مدينة شريش ورندة ومالقة، وأمّ وخطب بجامعها. ثم ولّي قضاء الجماعة «١» بحضرة غرناطة، وعقد بها مجلسا للإقراء، فانتفع به طلبتها، واستمرّ على ذلك، وكانت ولايته غرناطة نحوا من سبعة أعوام. مشيخته: أخذ عن أبيه أبي عامر وتفقّه به، وعن الخطيب أبي جعفر بن يحيى الحميري، وتلا عليه، وتأدّب به، وعن الأستاذ أبي الحسن بن خروف، وروى مع هؤلاء عن القاضي أبي القاسم بن بقي، وأبي محمد بن حوط الله، وأبي عبد الله بن أصبغ، وغيرهم. وأجاز له الشيخ المسنّ أبو الحسن علي بن أحمد بن علي الغافقي الشّقوري، وله به علوّ، وبالأستاذ الخطيب المسنّ أبي جعفر بن يحيى المتقدم. وفاته: توفي في السابع عشر لشوال سنة ست وستين وستمائة، ولم يخلف بعده مثله، ولا من يقاربه. عبد الله بن إبراهيم بن الزبير بن الحسن ابن الحسين الثقفي العاصمي من ولد عاصم بن مسلم، الداخل في طلعة بلج الملقّب بالعريان، أخو الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، شقيقه، يكنى أبا محمد. حاله: كان طبيبا ماهرا، كاتبا شاعرا، ذاكرا للّغة، صنع «٢» اليدين، متقدّما في أقرانه نباهة وفصاحة، معدوم النظير في الشجاعة والإقدام، يحضر الغزوات، فارسا وراجلا، ولقي بفحص غرناطة «٣» ليلا نصرانيا يتجسّس، فأسره وجرّه، وأدخله البلد، ولم يلتفت إلى ثمنه استكتاما لتلك الفعلة.

стр. 1113

مشيخته: أخذ القرآن عن الأستاذ أبي عبد الله بن مستقور، وروى عن أبي يحيى بن عبد الرحيم، وأبي الوليد العطار، وأبي القاسم بن ربيع، وأبي الخطار بن خليل، وأخذ عن أبي عمر بن حوط الله بمالقة، وابن أبي ريحانة. وبسبتة على أبي بكر بن مشليون. وأجاز له أبو بكر بن محرز، وأبو الحسن الشّاري. وأخذ عن الأستاذ الناقد أبي الحسن علي بن محمد الكناني. مولده: ولد بغرناطة لسبع عشرة ليلة خلت من ذي قعدة سنة ثلاث وأربعين وستمائة. وفاته: توفي بها سحر أول يوم من ذي قعدة سنة ثلاث وثمانين وستمائة. عبد الله بن موسى بن عبد الرحمن بن حمّاد الصّنهاجي يكنى أبا يحيى. حاله: طالب نبيل فاضل، ورع زاهد، مؤثر في الدنيا بما تملّكه، تال لكتاب الله في جميع الأوقات. أخباره في الإيثار: وجّه له السيد أبو إسحاق ابن الخليفة أبي يعقوب «١» خمسمائة دنير ليصلح بها من شأنه، فصرف جميعها على أهل السّتر في أقلّ من شهر. ومرّ بفتى في إشبيلية، وأعوان القاضي يحملونه إلى السّجن، وهو يبكي، فسأله، فقال: أنا غريب، وطولبت بخمسين دنيرا، وبيدي عقود، وطولبت بضامن فلم أجده، فقال: له الله، قال: نعم، قال: فدفع له خمسين دنيرا، قال: أشهد لك بها، فضجر وقال: إن الله إذا أعطى عبده شيئا لم يشهد به عليه، وتركه وانصرف لشأنه، وكانت عنده معرفة وأدب. مولده: بغرناطة في سنة إحدى وعشرين وخمسمائة. ومن ترجمة الكتّاب والشعراء بين أصلي وطارىء عبد الله بن إبراهيم بن عبد الله الأزدي «٢» من أهل بلّش، يكنى أبا محمد، ويعرف بابن المرابع.

стр. 1114

حاله: من نبهاء أدباء البادية، خشن الظاهر، منطو على لوذعيّة متوارية في مظهر جفوة، كثير الانطباع عند الخبرة، قادر على النظم والنثر، متوسّط الطّبقة فيهما، مسترفد بالشعر، سيّال القريحة، مرهوب الهجاء، مشهور المكان ببلده، يعيش من الخدم المخزنيّة، بين خارص وشاهد، وجدّ بذلك وقته، يوسّط رقاعته، فتنجح الوسيلة، ويتمشّى له بين الرّضا والسّخط الغرض. وجرى ذكره في «التاج» بما نصّه «١» : «طويل القوادم والخوافي، كلف على كبر سنّه بعقائل القوافي، شاب في الأدب وشبّ، ونشق ريح البيان لمّا هبّ، فحاول رفيعه «٢» وجزله، وأجاد جدّه، وأحكم هزله. فإن مدح صدح، وإن وصف أنصف، وإن عصف قصف، وإن أنشأ ودوّن، وتقلّب في أفانين البلاغة وتلوّن، أفسد ما شاء الله وكوّن، فهو شيخ الطريقة الأدبيّة وفتاها، وخطيب حفلها كلّما أتاها، لا يتوقّف عليه من أغراضها غرض، ولا يضيع لديه منها مفترض. ولم تزل بروقه تتألّق، ومعانيه بأذيال الإحسان تتعلّق، حتى برّز في أبطال الكلام وفرسانه، وذعرت القلوب لسطوة «٣» لسانه، وألقت إليه الصّناعة زمامها، ووقفت عليه أحكامها. وعبر البحر منتجعا بسعره «٤» ، ومنفقا في سوق الكساد من شعره «٥» ، فأبرق وأرعد، وحذّر وتوعّد «٦» ، وبلغ جهد إمكانه، في التّعريف بمكانه، فما حرّك ولا هزّ، وذلّ في طلب الرّفد وقد عزّ، وما برح أن رجع إلى وطنه الذي اعتاده، رجوع الحديث إلى قتاده. شعره: قال في «التاج» : وقد أثبتّ من نزعاته، وبعض مخترعاته، ما يدلّ على سعة باعه، ونهضة ذراعه. فمن النسيب قوله «٧» : [البسيط] ما للمحبّ دواء يذهب الألما ... عنه سوى لمم فيه ارتشاف لمى ولا يردّ عليه نوم مقلته ... إلّا الدّنوّ إلى من شفّه سقما يا حاكما والهوى فينا يؤيّده ... هواك فيّ بما ترضاه قد حكما أشغلتني بك شغلا شاغلا فلم «٨» ... تناسى، فديتك، عنّي بعد ذاك لما؟

стр. 1115

ملكت روحي فأرفق قد علمت بما ... يلقى ولا حجّة تبقى لمن علما ما غبت عنّي إلّا غاب عن بصري ... بدرا إذا لاح يجلي نوره الظّلما ما لحت لي فدنا طرفي لغيرك يا ... مولى لحا فيه جفني النوم قد حرما طوعا لطيعك لا أعصيك فافض بما ... ترضاه أرضى بما ترضى ولا جرما إنّ الهوى يقتضي ذلّا لغيرك لو ... أفادني فيك قربا يبرّد الألما سلمت من كل عيب يا محمد لا ... كن قلب صبّك من عينيك ما سلما ومن مخاطباته الأدبية، ما كتب به إلى شيخ الصّوفية ببلده مع طالع من ولده: [الطويل] مماليكم قد زاد فيكم مرابع ... من الأفق الكوني باليمن طالع بأنواركم يهدى إلى سبل الهدى ... ويسمو لما تسمو إليه المطالع فواسوه منكم بالدّعاء فإنه ... مجاب بفضل الله للخلق نافع أفاض عليه الله من بركاتكم ... وأبقاكم ذو العرش ما جنّ ساجع فوقّع له الشيخ المخاطب بها، أبو جعفر بن الزيات، ﵀، بما نصّه: [الطويل] عسى الله يؤتيه من العلم حصّة ... تصوّب على الألباب منها ينابع ويجعله طرفا لكلّ سجيّة ... مطهّرة للناس فيها منافع ويلحقه في الصالحات بجدّه ... فيثني عليه الكلّ دان وشاسع وذو العرش جلّ أسما عميم نواله ... وخير الورى في نصّ ما قلت شافع فما أنت دوني يا أباه مهنّأ ... به فالسرور الكلّ بابنك جامع وله يستدعي إلى الباكور: [الوافر] بدار بدار قد آن البدار ... إلى أكواس باكور تدار تبدّت رافلات في مسوح ... له لون الدّياجي مستعار وقد رقمت بياضا في سواد ... كأنّ الليل خالطه النّهار وقد نضجت وما طبخت بنار ... وهل يحتاج للباكور نار؟ ولا تحتاج مضغا لا وليس ... عجيب لا يشقّ له غبار فقل للخلق قل للضّرس دعني ... ففي البلع اكتفاء واقتصار

стр. 1116

وممّا وقع له أثناء مقامات تشهد باقتداره، مقطوعة سهلة وهي «١» : [المتقارب] رعى الله عهدا حوى ما حوى ... لأهل الوداد وأهل الهوى أراهم أمورا حلا وردها ... وأعطاهم السؤل كيف نوى «٢» ولمّا حلا الوصل صالوا له ... وراموه مأوى وماء روى «٣» وأوردهم سر أسرارهم ... وردّ إلى كلّ داء دوا «٤» وما أمل طال إلّا وهى ... ولا آمل «٥» صال إلّا هوى وقال يرثي ديكا فقده، ويصف الوجد الذي وجده، ويبكي من عدم أذانه، إلى غير ذلك من مستطرف شانه «٦» : [البسيط] أودى به الحتف لمّا جاءه الأجل ... ديكا فلا عوض منه ولا بدل قد كان لي أمل في أن يعيش فلم ... يثبت مع الحتف في بغيا لها «٧» أمل فقدته فلعمري إنها عظة ... وبالمواعظ تذري دمعها المقل كأنّ مطرف وشي فوق ملبسه ... عليه من كلّ حسن باهر حلل كأنّ إكليل كسرى فوق مفرقه ... وتاجه فهو عالي الشّكل محتفل مؤقّت لم يكن يحزى «٨» له خطأ ... فيما يرتّب من ورد ولا خطل «٩» كأنّ زرقيل «١٠» فيما مرّ علّمه ... علم المواقيت فيما «١١» رتّب الأول

стр. 1117

يرحّل الليل يحيى بالصراخ فما ... يصدّه كلل عنه ولا ملل رأيته قد وهت «١» منه القوى فهوى ... للأرض فعلا يريه الشّارب الثّمل لو يفتدى بديوك الأرض قلّ له ... ذاك الفداء «٢» ولكن فاجأ الأجل قالوا الدّواء فلم يغن الدّواء «٣» ولم ... ينفعه من ذاك ما قالوا وما فعلوا أمّلت فيه ثوابا أجر محتسب ... إن قلت «٤» ذلك «٥» صحّ القول والعمل وأمره السلطان أبو عبد الله سادس الملوك النّصريين في بعض أسفاره، وقد نظر إلى شلير «٦» ، وتردّى بالثلج وتعمّم، وكمل ما أراد من بزّته وتمّم، أن ينظم أبياتا في وصفه، فقال بديهة «٧» : [الطويل] وشيخ جليل القدر قد طال عمره ... وما عنده علم بطول ولا قصر عليه لباس أبيض باهر السّنا ... وليس بثوب أحكمته يد البشر وطورا «٨» تراه كلّه كاسيا به ... وكسوته فيها لأهل النّهى عبر وطورا تراه عاريا ليس يشتكي «٩» ... لحرّ «١٠» ولا برد من الشمس والقمر وكم مرّت الأيام وهو كما ترى ... على حاله لم يشك ضعفا ولا كبر فذاك «١١» شلير شيخ غرناطة التي ... لبهجتها في الأرض ذكر قد انتشر «١٢» بها ملك سامي المراقي أطاعه ... كبار ملوك الأرض في حالة الصّغر تولّاه ربّ العرش منه بعصمة ... تقيه مدى الأيام من كلّ ما ضرر نثره: ونثره كثير ما بين مخاطبات، وخطب، ومقطعات، ولعب، وزرديّات شأنها عجب. فمن ذلك ما خاطب به الرئيس أبا سعيد بن نصر يستجدي أضحية:

стр. 1118

يقول شاكر الأيادي: وذاكر فخر كل نادي، وناشر غرر الغرر للعاكف والبادي، والرائح والغادي، اسمعوا مني حديثا تلذّة الأسماع، ويستطرفه الاستماع، ويشهد بحسنه الإجماع، ويجب عليه الاجتماع، وهو من الأحاديث التي لم تتفق إلّا لمثلي، ولا ذكرت عن أحد قبلي، وذلك يا معشر الألبّاء، والخلصاء الأحبّاء، أني دخلت في هذه الأيام داري، في بعض أدواري، لأقضي من أخذ الغذاء أوطاري، على حسب أطواري، فقالت لي ربّة البيت: لم جئت، وبما أتيت؟ قلت: جئت لكذا وكذا، فهات الغذا، فقالت: لا غذا لك عندي اليوم، ولو أودى بك الصّوم، حتى تسل الاستخارة، وتفعل كما فعل زوج الجارة، طيّب الله نجاره، وملأ بالأرزاق وجاره. قلت: وما فعل قريني، وأرني من العلامة ما أحببت أن تريني. قالت: إنه فكّر في العيد، ونظر في أسباب التّعييد، وفعل في ذلك ما يستحسنه القريب والبعيد، وأنت قد نسيت ذكره ومحوته من بالك، ولم تنظر إليه نظرة بعين اهتبالك، وعيد الأضحى في اليد، والنّظر في شراء الأضحية اليوم أوفق من الغد. قلت: صدقت، وبالحقّ نطقت، بارك الله فيك، وشكر جميل تحفّيك، فلقد نبّهت بعلك لإقامة السّنة، ورفعت عنه من الغفلة منّة. والآن أسير لأبحث عمّا ذكرت، وأنظر في إحضار ما إليه أشرت، ويتأتّى ذلك إن شاء الله بسعدك، وتنالين فيه من بلوغ الأمر غاية قصدك، والجدّ ليس من الهزل، والأضحية للمرأة وللرجل الغزل. قالت: دعني من الخرافات، وأخبار الزّرافات، فإنّك حلو اللسان، قليل الإحسان، تخذت الغربة صحبتك إلى ساسان، فتهاونت بالنّساء، وأسأت فيمن أساء، وعوّدت أكل خبزك في غير منديل، وإيقاد الفتيل دون قنديل، وسكنى الخان، وعدم ارتفاع الدّخان، فما تقيم موسما، ولا تعرف له ميسما، وأخذت معي في ذلك بطويل وعريض، وكلانا في طرفي نقيض، إلى أن قلت لها: إزارك وردائي، فقد تفاقم بك أمر دائي، وما أظنّك إلّا بعض أعدائي، قالت: ما لك والإزار، شطّ بك المزار؟ لعلك تريد إرهانه في الأضحية والأبزار، اخرج عني يا مقيت، لا عمرت معك ولا بقيت، أو عدمت الدّين، وأخذ الورق بالعين. يلزمني صوم سنة، لا أغفيت معك سنة، إلّا إن رجعت بمثل ما رجع به زوج جارتي، وأرى لك الرّبح في تجارتي. فقمت عنها وقد لوت رأسها وولولت، وابتدرت وهرولت، وجالت في العتاب وصوّلت، وضمّت بنتها وولدها، وقامت باللّجج والانتصار بالحجج أودها، فلم يسعني إلّا أن عدوت أطوف السّكك والشوارع، وأبادر لما غدوت بسبيله وأسارع، وأجوب الآفاق، وأسأل الرّفاق، وأخترق الأسواق، وأقتحم زريبة بعد زريبة، وأختبر منها البعيدة والقريبة، فما استرخصته استنقصته، وما استغليته استعليته، وما وافق غرضي، اعترضني دونه عدم عرضي، حتى انقضى ثلثا يومي، وقد عييت بدوراني وهومي، وأنا لم أتحصل من

стр. 1119

الابتياع على فائدة، ولا عادت عليّ فيه من قضاء الأرب عائدة، فأومأت الإياب، وأنا أجد من خوفها ما يجد صغار الغنم من الذّئاب، إلى أن مررت بقصّاب يقصب في مجزره، قد شدّ في وسطه مئزره، وقصّر أثوابه حتى كشف عن ساقيه، وشمّر عن ساعديه حتى أبدى مرفقيه، وبين يديه عنز قد شدّ يديه في رقبته وهو يجذبه فيبرك، ويجرّه فما يتحرّك، ويروم سيره فيرجع القهقرى، ويعود إلى ورا، والقصاب يشدّ على إزاره، خيفة من فراره، وهو يقول: اقتله من جان باغ، وشيطان طاغ، ما أشدّه، وما ألذّه وما أصدّه، وما أجدّه، وما أكثره بشحم، وما أطيبه بلحم، الطّلاق يلزمه إن كان عاين تيسا مثله، أو أضحية تشبهه قبله، أضحية حفيلة، ومنحة جليلة. هنّأ الله من رزقها، وأخلف عليها رزقها. فاقتحمت المزدحم أنظر مع من نظر، وأختبر فيمن اختبر. وأنا والله لا أعرف في التقليب والتّخمين، ولا أفرّق بين العجف والسّمين، غير أني رأيت صورة دون البغل وفوق الحمار، وهيكلا يخبرك عن صورة العمّار، فقلت للقصّاب: كم طلبك فيه، على أن تمهل الثّمن حتى أوفيه؟ فقال: ابغني فيه أجيرا، وكن له الآن من الذّبح مجيرا، وخذه بما يرضي، لأول التقضّي. قلت: استمع الصوت، ولا تخف الفوت. قال: ابتعه مني نسيّة، وخذه هديّة، قلت: نعم، فشقّ لي الضمير، وعاكسني فيه بالنّقير والقطمير، قال: تضمن لي فيه عشرين دينارا، أقبضها منك لانقضاء الحول دنيّرا دنيّرا، قلت: إنّ هذا لكثير، فاسمح منه بإحاطة اليسير. قال: والذي فلق الحبّة، وبرّأ النّسمة، لا أنقصك من هذا، وما قلت لك سمسمة، اللهمّ إن شئت السّعة في الأجل، فأقضي لك ذلك دون أجل، فجلبني للابتياع منه الإنساء في الأمد، وغلبني بذلك فلم أفتقر منه لرأي والد ولا ولد، ولا أحوجت نفسي في ذلك لمشورة أحد، وقلت: قد اشتريته منك فضع البركة، ليصحّ النّجح في الحركة. فقال: فقيه بارك الله فيه قد بعته لك، فاقبض متاعك، وثبّت ابتياعك، وها هو في قبضك فاشدد وثاقه، وهلمّ لنعقد عليك الوثاقة. فانحدرت معه لدكان التّوثيق، وابتدرت من السّعة إلى الضّيق، وأوثقني بالشادّة تحت عقد وثيق، وحملني من ركوب الدّين ولحاق الشّين في أوعر طريق. ثم قال لي: هذا تيسك فشأنك وإياه، وما أظنّك إلّا تعصياه، وأت بحمّالين أربعة فإنك لا تقدر أن ترفعه، ولا يتأتى لك أن يتبعك ولا أن تتبعه، ولم يبق لك من الكلفة إلّا أن يحصل في محلّك، فيكمل سرور أهلك. وانطلقت للحمّال وقلت: هلم إليّ، وقم الآن بين يديّ، حتى انتهينا إلى مجزرة القصّاب، والعنز يطلب فلا يصاب، فقلت: أين التّيس، يا أبا أويس؟ قال: إنه قد فرّ، ولا أعلم حيث استقرّ. قلت: أتضيع عليّ مالي، لتخيب آمالي، والله لا يحزنك بالعصا، كمن عصا، ولا رفعتك إلى الحكّام، تجري عليك منهم الأحكام. قال: ما لي علم به، ولا بمنقلبه، لعلّه فرّ لأمّه وأبيه، وصاحبته

стр. 1120

وبنيه، فعليك بالبريح. فاتجهت أنادي بالأسواق، وجيران الزّقاق، من ثقف لي تيسا فله البشارة، بعد ما أتى بالأمارة، وإذا برجل قد خرج من دهليز، وله هدير وهزيز، وهو يقول: من صاحب العنز المشوم؟ لا عدم به الشّوم، إن وقعت عليه عيني، يرتفع الكلام بينه وبيني. قلت: أنا صاحبه فما الذي دهاك منّي، أو بلغك عنّي. قال: إن عنزك حين شرد، خرج مثل الأسد، وأوقع الرّهج في البلد، وأضرّ بكل أحد، ودخل في دهليز الفخّارة فقام فيه وقعد، وكان العمل فيه مطبوخا ونيّا، فلم يترك منه شيا، ومنه كانت معيشتي، وبه استقامت عيشتي، وأنت ضامن مالي، فارتفع معي إلى الوالي، والعنز مع هذا يدور وسط الجمهور، ويكرّ كرّة العفريت المزجور، ويأتي بالكسر على ما بقي في الدّهليز من الطّواجن والقدور، والخلق قد انحسروا للضجيج، وكثر العياط والعجيج، وأنت تعرف عفرطة الباعة، وما يحوون من الوضاعة، وأنا أحاول من أخذه ما أستطيع، وأروم الإطاعة من غير مطيع، والباعة قد أكسبته من الحماقة، ما لم يكن لي به طاقة. ورجل يقول: المحتسب، واعرف ما تكتسب، وإلى من تنتسب، فقد كثر عنده بك التّشكّي، وصاحب الدهليز قبالته يبكي، وقد وجد عنده عليك وجد الشكوى، وأيقن أنك كسرت الدّعوى، وأمر بإحضارك، وهو في انتظارك، فشدّ وسطك، واحفظ إبطك، وإنك تقوم على من فتح باعه للحكم على الباعة ونصب لأرباب البراهين، على أرباب الشّواهين، ورفع على طبقة، ليملأ طبقة، ثم أمسكني باليمين، حتى أوصلني للأمين، فقال لي: أرسلت التّيس للفساد، كأنك في نعم الله من الحسّاد. قلت: إنه شرد، ولم أدر حيث ورد. قال: ولم لا أخذت ميثاقه، ولم تشدّد وثاقه، يا شرطي طرّده، واطرح يدك فيه وجرّده. قلت: أتجرّدني الساعة، ولست من الباعة؟ قال: لا بدّ من ذاك، أو تضمن ما أفسده هناك؟ قلت: الضّمان الضّمان، الأمان الأمان. قال: قد أمّنت، إن ضمنت، وعليك الثّقاف، حتى يقع الإنصاف، أو ضامن كاف، فابتدر أحد إخواني، وبعض جيراني، فأدّى عني ما ظهر بالتّقدير، وآلت الحال للتّكدير. ثم أردت الانصراف بالتّيس، لا كان كيانه، ولا كوّن مكانه، وإذا بالشّرطي قد دار حولي، وقال لي: كلف فعلي بأداء جعلي، فقد عطّلت من أجلك شغلي، فلم يك عندي بما تكسر سورته، ولا بما تطفي جمرته، فاسترهن مئزري في بيته ليأخذ مايته. وتوجّهت لداري، وقد تقدّمت أخباري، وقدمت بغباري، وتغيّر صغاري وكباري، والتّيس على كاهل الحمّال يرغو كالبعير، ويزأر كالأسد إذا فصلت العير، فلقت للحمال: أنزله على مهل، فهلال التّعييد قد استهلّ، فحين طرحه في الأسطوان، كرّ إلى العدوان، وصرخ كالشيطان، وهمّ أن يقفز الحيطان، وعلا فوق الجدار، وأقام الرّهجة في الدار، ولم تبق في الزقاق عجوز إلّا وصلت لتراه، وتسأل عمّا اعتراه، وتقول: بكم اشتراه، والأولاد قد دارت به

стр. 1121

وأرهقهم لهفه، ودخل قلوبهم خوفه، فابتدرت ربّة البيت، وقالت: كيت وكيت، لا خلّ ولا زيت، ولا حيّ ولا ميت، ولا موسم ولا عيد، ولا قريب ولا بعيد، سقت العفريت إلى المنزل، ورجعت بمعزل، ومن قال لك اشتره، ما لم تره، ومن قال لك سقه، حتى توثّقه، ومتى تفرح زوجتك، والعنز أضحيتك، ومتى تطبخ القدور، وولدك منه معذور، وبأيّ قلب تأكل الشّويّة، ولم تخلص لك فيه النيّة، ولقلّة سعدها، وأخلف وعدها، والله لو كان العنز، يخرج الكنز، ما عمر لي دارا، ولا قرب لي جوارا، اخرج عني يا لكع، فعل الله بك وصنع، وما حبسك عن الكباش السّمان، والضّأن الرّفيعة الأثمان، يا قليل التّحصيل، يا من لا يعرف الخياطة ولا التّفصيل، أدلّك على كبش سمين، واسع الصدر والجبين، أكحل عجيب، أقرن مثل كبش الخطيب، يعبق من أوداكه كلّ طيب، يغلب شحمه على لحمه، ويسيل الودك من عظمه، قد علف بالشّعير، ودبّر عليه أحسن تدبير، لا بالصّغير ولا بالكبير، تصلح منه الألوان، ويستطرف شواه في كل أوان، ويستحسن ثريده وقديده في سائر الأحيان، قلت: بيّني لي قولك، لأتعرّف فعلك، وأين توجد هذه الصّفة، يا قليلة المعرفة. قالت: عند مولانا، وكهفنا ومأوانا، الرئيس الأعلى، الشّهاب الأجلى، القمر الزّاهر، الملك الظّاهر، الذي أعزّ المسلمين بنعمته، وأذلّ المشركين بنقمته. واسترسل في المدح فأطال وفيما ثبت كفاية. وفاته: في كائنة الطاعون ببلده بلّش في أواخر عام خمسين وسبعمائة، ودفن بها. عبد الله بن إبراهيم بن وزمّر الحجاري «١» الصّنهاجي الأديب المصنّف، يكنى أبا محمد. حاله وأوليته: أبوه أديب مدينة الفرج بوادي الحجارة «٢» ، المصنّف للمأمون بن ذي النون «٣» كتاب «مغنيطاس الأفكار، فيما تحتوي عليه مدينة الفرج من النظم والنثر

стр. 1122

والأخبار» . وكان أبو محمد هذا ماهرا، كاتبا، شاعرا، رحّالا. سكن مدينة شلب «١» بعد استيلاء العدو على بلاده بالثّغر. وله «٢» في التّحوّل أشعار وأخبار. قدم غرناطة وقصد عبد الملك بن سعيد، صاحب القلعة «٣» من بنيّاتها، واستأذن عليه في زيّ موحش، واستخفّ به القاعدون ببابه، إلى أن لاطف بعضهم، وسأله أن يعرّف به القائد، فلما بلّغ عنه، أمر بإدخاله، فأنشده قصيدة مطلعها «٤» : [الوافر] عليك أحالني الذّكر الجميل ... فجئت ومن ثنائك لي دليل «٥» أتيت ولم أقدّم من رسول ... لأنّ القلب كان هو الرّسول منها في وصف زيّه البدوي المستقل وما في طيّه: ومثّلني بدنّ فيه خمر «٦» ... يخفّ بها «٧» ومنظره ثقيل فأكرم نزله، وأحسن إليه، وأقام عنده سنة، حتى ألّف بالقلعة كتاب «المسهب، في غرائب «٨» المغرب» ، وفيه التّنبيه على الحلى البلادية والعبّادية. وانصرف إلى قصد ابن هود بروطة، بعد أن عذله عن التّحوّل عنه، فقال: النّفس توّاقة، وما لي بالتّغرّب طاقة، ثم أفكر وقال: [الطويل] يقولون لي: ماذا الملال تقيم في ... محلّ فعند الأنس تذهب راحلا فقلت لهم: مثل الحمام إذا شدا ... على غصن أمسى بآخر نازلا نكبته: قال علي بن موسى بن سعيد «٩» : ولمّا قصد الحجاري روطة، وحلّ لدى أميرها المستنصر بن عماد الدولة بن هود «١٠» ، وتحرّك لغزو من قصده من

стр. 1123

البشكنس، فهزم جيشه، كان «١» الحجاري أحد من أسر في تلك الوقيعة، فاستقرّ ببسقاية «٢» ، وبقي بها مدّة، يحرّك ابن هود بالأشعار ويحثّه على خلاصه من الإسار، فلم يجد عنده ذمامة، ولا تحرّك له اهتمامه، فخاطب عبد الملك بن سعيد بقوله: [السريع] أصبحت في بسقاية مسلما ... إلى الأعادي لا أرى مسلما مكلّفا ما ليس في طاقتي ... مصفّدا منتهرا مرغما أطلب بالخدمة، وا حسرتي! ... وحالتي تقضي بأن أخدما فهل كريم يرتجى للأسير ... يفكّه، أكرم به منتمى وقوله: [الخفيف] أرئيس الزمان أغفلت أمري ... وتلذّذت تاركا لي بأسر؟ ما كذا يعمل الكرام ولكن ... قد جرى على المعوّد دهري فاجتهد في فدائه، ولم يمرّ شهر إلّا وقد تخلص من أسره، واستقرّ لديه، فكان طليق آل سعيد، وفيهم يقول «٣» : وجدنا سعيدا منجبا خير عصبة ... هم في بني أعصارهم «٤» كالمواسم مشنّفة أسماعهم بمدائح «٥» ... مسوّرة أيمانهم بالصّوارم فكم لهم في الحرب من فضل ناثر! ... وكم لهم في السّلم من فضل ناظم تواليفه: وتواليف الحجاري بديعة، منها «الحديقة» في البديع، وهو كتاب مشهور، ومنها «المسهب في غرائب المغرب» ، وافتتح خطبته بقوله: «الحمد لله الذي جعل العباد، من البلاد بمنزلة الأرواح من الأجساد، والأسياف من الأغماد» . وهو في ستة مجلدات.

стр. 1124

عبد الله بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن عبد الله ابن سعيد بن الخطيب السّلماني «١» يكنى أبا محمد. أوّليّته: تنظر في اسم جدّه. حاله: حسن «٢» الشّكل، جيّد الفهم، يغطّي منه رماد السّكون جمرة حركة، منقبض عن الناس، قليل البشاشة، حسن الخطّ، وسط النّظم. كتب عن الأمراء بالمغرب، وأنشدهم، واقتضى «٣» خلعهم وصكوكهم بالإقطاع والإحسان. ثم لما كانت الفتنة كتب عن سلطان وطنه، معزّز الخطّة بالقيادة، وأنشدهم. مشيخته: قرأ «٤» على قاضي الجماعة، الشيخ «٥» الأستاذ الخطيب أبي القاسم الحسني، والأستاذ «٦» الخطيب أبي سعيد فرج بن لب التّغلبي، واستظهر بعض «٧» المبادىء في العربية، واستجيز له من أدركه ميلاده من أهل المشرق والمغرب. شعره: وشعره «٨» مترفّع عن الوسط إلى الإجادة، بما يكفله «٩» عذر الحداثة. وقد ثبت في اسم السلطان لهذا العهد، أبي عبد الله بن نصر «١٠» ، أيّده الله، ما يدلّ على جودة قريحته، وذكاء طبعه. وممّا دوّن الذي ثبت له حيث ذكر قوله «١١» : لمن طلل بالرّقمتين محيل ... عفت دمنتيه شمأل وقبول «١٢» يلوح كباقي الوشم غيّره البلى ... وجادت عليه السّحب وهي همول «١٣»

стр. 1125

فيا سعد، مهلا بالرّكاب لعلّنا ... نسائل ربعا فالمحبّ سؤول قف العيس ننظر نظرة تذهب الأسى ... ويشفى بها بين الضّلوع غليل وعرّج على الوادي المقدّس بالحمى «١» ... فطاب لديه مربع ومقيل فيا حبّذا تلك الديار وحبّذا ... حديث بها للعاشقين طويل دعوت لها سقي الحمى عندما سرى «٢» ... وميض وعرف للنسيم عليل وأرسلت دمعي للغمام مساجلا ... فسال على الخدّين منه مسيل فأصبح ذاك الرّبع من بعد محله ... رياضا بها الغصن المروح يميل لئن حال رسم الدار عمّا عهدته ... فعهد الهوى في القلب ليس يحول «٣» وممّا شجاني بعد ما سكن الهوى ... بكاء حمامات لهنّ هديل توسّدن فرع البان والنّجم مائل ... وقد آن من جيش الظلام رحيل فيا صاحبي، دع عنك لومي فإنّه ... كلام على سمع المحبّ ثقيل تقول اصطبارا عن معاهدك الألى ... وهيهات صبري ما إليه سبيل فلله عينا من رآني وللأسى ... غداة استقلّت بالخليط حمول يطاول ليل التّمّ مني مسهّد ... وقد بان عنّي منزل وخليل فياليت شعري هل يعودنّ ما مضى؟ ... وهل يسمحنّ الدهر وهو بخيل؟ نثره: أجابني لما خاطبت الجملة من الكتّاب، والسلطان، ﵁، بالمنكّب، في رحلة أعملها بما نصّه: «لله من فذّة المعاني، حيث مشوق الفؤاد عاني، لما أنارت بها المغاني، غنين عن مطّرب الأغاني، يا صاحب الإذعان، أجب بالله من دعاني، إذا صرت من كثرة الأماني، بالشوق والوجد مثل ماني. وردت سحّات سيدي التي أنشأت لغمام الرحمة عند اشتداد الأزمة رياحا، وملأت العيون محاسنا والصّدور انشراحا، وأصبح رحيب قرطاسها وعميم فضلها ونوالها وأيناسها لفرسان البلاغة مغدى ومراحا. فلم أدر أصحيفة نسخت مسطورة، أم روضة نفحت ممطورة، أطيب من المسك منتشقا، وأحسن من السلك متّسقا، فملّكتها مقادة خاطري، وأودعتها سواد قلبي وناظري، وطلعت عليّ طلوع الصّبح على عقب السّري، وخلصت خلوص الخيال مع سنة الكرى. فلله ما جلبت من أنس، وأذهبت لطائفة الشيطان من مسّ، وهاجت من
следующие страницы →