Полный текст (1 954 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
وأرهقهم لهفه، ودخل قلوبهم خوفه، فابتدرت ربّة البيت، وقالت: كيت وكيت، لا خلّ ولا زيت، ولا حيّ ولا ميت، ولا موسم ولا عيد، ولا قريب ولا بعيد، سقت العفريت إلى المنزل، ورجعت بمعزل، ومن قال لك اشتره، ما لم تره، ومن قال لك سقه، حتى توثّقه، ومتى تفرح زوجتك، والعنز أضحيتك، ومتى تطبخ القدور، وولدك منه معذور، وبأيّ قلب تأكل الشّويّة، ولم تخلص لك فيه النيّة، ولقلّة سعدها، وأخلف وعدها، والله لو كان العنز، يخرج الكنز، ما عمر لي دارا، ولا قرب لي جوارا، اخرج عني يا لكع، فعل الله بك وصنع، وما حبسك عن الكباش السّمان، والضّأن الرّفيعة الأثمان، يا قليل التّحصيل، يا من لا يعرف الخياطة ولا التّفصيل، أدلّك على كبش سمين، واسع الصدر والجبين، أكحل عجيب، أقرن مثل كبش الخطيب، يعبق من أوداكه كلّ طيب، يغلب شحمه على لحمه، ويسيل الودك من عظمه، قد علف بالشّعير، ودبّر عليه أحسن تدبير، لا بالصّغير ولا بالكبير، تصلح منه الألوان، ويستطرف شواه في كل أوان، ويستحسن ثريده وقديده في سائر الأحيان، قلت: بيّني لي قولك، لأتعرّف فعلك، وأين توجد هذه الصّفة، يا قليلة المعرفة. قالت: عند مولانا، وكهفنا ومأوانا، الرئيس الأعلى، الشّهاب الأجلى، القمر الزّاهر، الملك الظّاهر، الذي أعزّ المسلمين بنعمته، وأذلّ المشركين بنقمته. واسترسل في المدح فأطال وفيما ثبت كفاية.
وفاته: في كائنة الطاعون ببلده بلّش في أواخر عام خمسين وسبعمائة، ودفن بها.
عبد الله بن إبراهيم بن وزمّر الحجاري «١» الصّنهاجي
الأديب المصنّف، يكنى أبا محمد.
حاله وأوليته: أبوه أديب مدينة الفرج بوادي الحجارة «٢» ، المصنّف للمأمون بن ذي النون «٣» كتاب «مغنيطاس الأفكار، فيما تحتوي عليه مدينة الفرج من النظم والنثر
стр. 1122
والأخبار» . وكان أبو محمد هذا ماهرا، كاتبا، شاعرا، رحّالا. سكن مدينة شلب «١» بعد استيلاء العدو على بلاده بالثّغر. وله «٢» في التّحوّل أشعار وأخبار. قدم غرناطة وقصد عبد الملك بن سعيد، صاحب القلعة «٣» من بنيّاتها، واستأذن عليه في زيّ موحش، واستخفّ به القاعدون ببابه، إلى أن لاطف بعضهم، وسأله أن يعرّف به القائد، فلما بلّغ عنه، أمر بإدخاله، فأنشده قصيدة مطلعها «٤» : [الوافر]
عليك أحالني الذّكر الجميل ... فجئت ومن ثنائك لي دليل «٥»
أتيت ولم أقدّم من رسول ... لأنّ القلب كان هو الرّسول
منها في وصف زيّه البدوي المستقل وما في طيّه:
ومثّلني بدنّ فيه خمر «٦» ... يخفّ بها «٧» ومنظره ثقيل
فأكرم نزله، وأحسن إليه، وأقام عنده سنة، حتى ألّف بالقلعة كتاب «المسهب، في غرائب «٨» المغرب» ، وفيه التّنبيه على الحلى البلادية والعبّادية. وانصرف إلى قصد ابن هود بروطة، بعد أن عذله عن التّحوّل عنه، فقال: النّفس توّاقة، وما لي بالتّغرّب طاقة، ثم أفكر وقال: [الطويل]
يقولون لي: ماذا الملال تقيم في ... محلّ فعند الأنس تذهب راحلا
فقلت لهم: مثل الحمام إذا شدا ... على غصن أمسى بآخر نازلا
نكبته: قال علي بن موسى بن سعيد «٩» : ولمّا قصد الحجاري روطة، وحلّ لدى أميرها المستنصر بن عماد الدولة بن هود «١٠» ، وتحرّك لغزو من قصده من
стр. 1123
البشكنس، فهزم جيشه، كان «١» الحجاري أحد من أسر في تلك الوقيعة، فاستقرّ ببسقاية «٢» ، وبقي بها مدّة، يحرّك ابن هود بالأشعار ويحثّه على خلاصه من الإسار، فلم يجد عنده ذمامة، ولا تحرّك له اهتمامه، فخاطب عبد الملك بن سعيد بقوله:
[السريع]
أصبحت في بسقاية مسلما ... إلى الأعادي لا أرى مسلما
مكلّفا ما ليس في طاقتي ... مصفّدا منتهرا مرغما
أطلب بالخدمة، وا حسرتي! ... وحالتي تقضي بأن أخدما
فهل كريم يرتجى للأسير ... يفكّه، أكرم به منتمى
وقوله: [الخفيف]
أرئيس الزمان أغفلت أمري ... وتلذّذت تاركا لي بأسر؟
ما كذا يعمل الكرام ولكن ... قد جرى على المعوّد دهري
فاجتهد في فدائه، ولم يمرّ شهر إلّا وقد تخلص من أسره، واستقرّ لديه، فكان طليق آل سعيد، وفيهم يقول «٣» :
وجدنا سعيدا منجبا خير عصبة ... هم في بني أعصارهم «٤» كالمواسم
مشنّفة أسماعهم بمدائح «٥» ... مسوّرة أيمانهم بالصّوارم
فكم لهم في الحرب من فضل ناثر! ... وكم لهم في السّلم من فضل ناظم
تواليفه: وتواليف الحجاري بديعة، منها «الحديقة» في البديع، وهو كتاب مشهور، ومنها «المسهب في غرائب المغرب» ، وافتتح خطبته بقوله: «الحمد لله الذي جعل العباد، من البلاد بمنزلة الأرواح من الأجساد، والأسياف من الأغماد» . وهو في ستة مجلدات.
стр. 1124
عبد الله بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن عبد الله ابن سعيد بن الخطيب السّلماني «١»
يكنى أبا محمد.
أوّليّته: تنظر في اسم جدّه.
حاله: حسن «٢» الشّكل، جيّد الفهم، يغطّي منه رماد السّكون جمرة حركة، منقبض عن الناس، قليل البشاشة، حسن الخطّ، وسط النّظم. كتب عن الأمراء بالمغرب، وأنشدهم، واقتضى «٣» خلعهم وصكوكهم بالإقطاع والإحسان. ثم لما كانت الفتنة كتب عن سلطان وطنه، معزّز الخطّة بالقيادة، وأنشدهم.
مشيخته: قرأ «٤» على قاضي الجماعة، الشيخ «٥» الأستاذ الخطيب أبي القاسم الحسني، والأستاذ «٦» الخطيب أبي سعيد فرج بن لب التّغلبي، واستظهر بعض «٧» المبادىء في العربية، واستجيز له من أدركه ميلاده من أهل المشرق والمغرب.
شعره: وشعره «٨» مترفّع عن الوسط إلى الإجادة، بما يكفله «٩» عذر الحداثة.
وقد ثبت في اسم السلطان لهذا العهد، أبي عبد الله بن نصر «١٠» ، أيّده الله، ما يدلّ على جودة قريحته، وذكاء طبعه. وممّا دوّن الذي ثبت له حيث ذكر قوله «١١» :
لمن طلل بالرّقمتين محيل ... عفت دمنتيه شمأل وقبول «١٢»
يلوح كباقي الوشم غيّره البلى ... وجادت عليه السّحب وهي همول «١٣»
стр. 1125
فيا سعد، مهلا بالرّكاب لعلّنا ... نسائل ربعا فالمحبّ سؤول
قف العيس ننظر نظرة تذهب الأسى ... ويشفى بها بين الضّلوع غليل
وعرّج على الوادي المقدّس بالحمى «١» ... فطاب لديه مربع ومقيل
فيا حبّذا تلك الديار وحبّذا ... حديث بها للعاشقين طويل
دعوت لها سقي الحمى عندما سرى «٢» ... وميض وعرف للنسيم عليل
وأرسلت دمعي للغمام مساجلا ... فسال على الخدّين منه مسيل
فأصبح ذاك الرّبع من بعد محله ... رياضا بها الغصن المروح يميل
لئن حال رسم الدار عمّا عهدته ... فعهد الهوى في القلب ليس يحول «٣»
وممّا شجاني بعد ما سكن الهوى ... بكاء حمامات لهنّ هديل
توسّدن فرع البان والنّجم مائل ... وقد آن من جيش الظلام رحيل
فيا صاحبي، دع عنك لومي فإنّه ... كلام على سمع المحبّ ثقيل
تقول اصطبارا عن معاهدك الألى ... وهيهات صبري ما إليه سبيل
فلله عينا من رآني وللأسى ... غداة استقلّت بالخليط حمول
يطاول ليل التّمّ مني مسهّد ... وقد بان عنّي منزل وخليل
فياليت شعري هل يعودنّ ما مضى؟ ... وهل يسمحنّ الدهر وهو بخيل؟
نثره: أجابني لما خاطبت الجملة من الكتّاب، والسلطان، ﵁، بالمنكّب، في رحلة أعملها بما نصّه:
«لله من فذّة المعاني، حيث مشوق الفؤاد عاني، لما أنارت بها المغاني، غنين عن مطّرب الأغاني، يا صاحب الإذعان، أجب بالله من دعاني، إذا صرت من كثرة الأماني، بالشوق والوجد مثل ماني. وردت سحّات سيدي التي أنشأت لغمام الرحمة عند اشتداد الأزمة رياحا، وملأت العيون محاسنا والصّدور انشراحا، وأصبح رحيب قرطاسها وعميم فضلها ونوالها وأيناسها لفرسان البلاغة مغدى ومراحا. فلم أدر أصحيفة نسخت مسطورة، أم روضة نفحت ممطورة، أطيب من المسك منتشقا، وأحسن من السلك متّسقا، فملّكتها مقادة خاطري، وأودعتها سواد قلبي وناظري، وطلعت عليّ طلوع الصّبح على عقب السّري، وخلصت خلوص الخيال مع سنة الكرى. فلله ما جلبت من أنس، وأذهبت لطائفة الشيطان من مسّ، وهاجت من
стр. 1126
الشوق، الذي شبّ عمره عن الطّوق، والوجد الذي أصبح واري الزّند. فأقسم بباري النّسم، وواهب الحظوظ والقسم، لو أعطيت للنّفس مقادتها، وسوّغتها إرادتها، ما قنعت بنيابة القرطاس والمداد، عن مباشرة الأرواح والأجساد، وإن أعرضت عقبة للشّعير ورأس المزاد، وشمخ بأنفه وزاد، وما بين ذلك من علم باذخ، وطود شامخ، قد أذكرت العقاب عقابه، وصافحت النجوم هضابه، قد طمح بطرفه، وشمخ بأنفه، وسال الوقار على عطفه: [الكامل]
ملكت عنان الرّيح راحته ... فجيادها من تحته تجري
وأما الحمل الهائج، والبحر المتمايج، والطّلل المائل، والذّنب الشّائل، فمساجلة مولاي في ذلك المجال، من المحال، إذ العبد قصاراه ألفاظ مركّبة، غير مرتّبة: [الخفيف]
هو جهد المقلّ وافاك منّي ... إنّ جهد المقلّ غير قليل
وأقرأ على مولاي، أبقاه الله، سلاما عميما، تنسّم روضه نسيما، ورفّ نظره وعبق شميما، والأوفر الأذكى منه عليه معادا، ما سحّ السّحاب إرعادا، وأبرق الغمام رعدا والحسام أبعادا، ورحمة الله وبركاته. من عبده الشّبق لوجهه، عبد الله بن الخطيب، في الخامس عشر لجمادى الأولى عام تسعة وستين وسبعمائة.
مولده: بحضرة غرناطة، يوم السبت سابع عشر صفر عام ثلاثة وأربعين وسبعمائة.
عبد الله بن محمد بن سارة البكري «١»
شنتريني «٢» ، سكن ألمرية وغرناطة، وتردّد مادحا ومنتجعا شرقا ومغربا، ويضرب في كثير من البلاد.
стр. 1127
حاله: كان ذا حظّ صالح من النحو واللغة، وحفظ الأشعار، أديبا ماهرا، شاعرا مجيدا، مطبوع الاختراع والتّوليد. تجوّل في شرق الأندلس وغربها معلّما للنحو، ومادحا ولاتها، وكتب عن بعضهم، وتعيّش بالوراقة زمانا، وكان حسن الخطّ، جيّد النقل والضّبط.
مشيخته: روى عن أبي الحسن بن الأخضر.
من روى عنه: روى عنه أبو بكر بن مسعود، وأبو جعفر بن الباذش، وأبو عثمان بن هارون، وأبو الطاهر التّميمي، وأبو العباس بن علي اللص، وأبو العلاء بن الجنّان، وأبو محمد بن يوسف القضاعي، وإبراهيم بن محمد السّبتي.
شعره: وشعره كثير جيد شهير. منه في حرفة الوراقة قوله «١» : [الكامل]
أمّا الوراقة فهي أيكة «٢» حرفة ... أغصانها «٣» وثمارها الحرمان
شبّهت صاحبها بإبرة «٤» خائط ... يكسو «٥» العراة وظهره عريان
وقال في نجم الرّحيم، وهو من التّشبيه العقيم «٦» : [البسيط]
وكوكب أبصر العفريت مسترقا ... فانقضّ «٧» يذكي «٨» سريعا خلفه لهبه
كفارس حلّ إحصار «٩» عمامته ... فجرّها «١٠» كلّها من خلفه عذبه
وقال منه في المواعظ «١١» : [البسيط]
يا من يصيخ إلى داعي السّفاه «١٢» وقد ... نادى به النّاعيان: الشّيب والكبر
إن كنت لا تسمع الذّكرى ففيم ثوى «١٣» ... في رأسك الواعيان: السّمع والبصر؟
стр. 1128
ليس الأصمّ ولا الأعمى سوى رجل ... لم يهده الهاديان: العين والأثر
لا الدهر يبقى على حال «١» ولا الفلك ال ... أعلى ولا النّيّران: الشمس والقمر
لأرحلنّ «٢» عن الدنيا ولو كرها «٣» ... فراقها الثاويان: البدو والحضر
وقال في موت ابنة له «٤» : [الوافر]
ألا يا موت، كنت بنا رؤوفا ... فجدّدت السّرور «٥» لنا بزوره
حمدنا «٦» سعيك المشكور لمّا ... كفيت «٧» مؤنة وسترت عوره
فأنكحنا الضّريح بلا صداق ... وجهّزنا العروس «٨» بغير شوره
وفاته: توفي عبد الله بن سارة سنة تسع عشرة وخمسمائة «٩» .
عبد الله بن محمد الشرّاط «١٠»
يكنى أبا محمد، من أهل مالقة.
حاله: طالب جليل، ذكي، مدرك، ظريف، كثير الصّلف والختروانة «١١» والإزراء بمن دونه، حادّ النّادرة، مرسل عنان الدّعابة، شاعر مكثر، يقوم على الأدب والعربية، وله تقدّم في الحساب، والبرهان على مسائله. استدعي إلى الكتابة بالباب السلطاني، واختصّ بولي العهد، ونيط به من العمل، وظيف نبيه، وكاد ينمو عشبه ويتأشّب «١٢» جاهه، لو أن الليالي أمهلته، فاعتبط لأمد قريب من ظهوره، وكانت بينه وبين الوزير أبي عبد الله بن الحكيم، إحنة، تخلّصه الحمام لأجلها، من كفّ انتقامه.
стр. 1129
شعره: وشعره كثير، لكني لم أظفر منه إلّا باليسير. نقلت من خطّ صاحبنا القاضي المؤرخ أبي الحسن بن الحسن، من نظم أبي محمد الشراط، في معنى كان أدباء عصره قد كلفوا بالنظم فيه، يظهر من هذه الأبيات في شمعة:
[الوافر]
وكنت ألفت قبل اليوم إلفا ... أنادي مرة فيجيب ألفا
وكنّا مثل وصل العهد وصلا ... وكنّا مثل وصف الشّهد وصفا
ففرّق بيننا صرف الليالي ... وسوّغنا كؤوس البين صرفا
فصرت غداة يوم البين شمعا ... وسار فصار كالعسل المصفّا
فدمعي لا يتم أسى وجسمي ... يغص بنار وجدي ليس يطفا
ثم في المعنى أيضا «١» : [البسيط]
حالي وحالك أضحت آية عجبا ... إن كنت مغتربا «٢» أو كنت مقتربا «٣»
إذا دنوت فإني مشعر طربا ... وإن نأيت فإني مشعل لهبا
كذاك الشّمع لا تنفكّ «٤» حالته ... إلّا إلى الناس مهما فارق الضّربا
ومن ذلك أيضا: [الطويل]
رحلتم وخلّفتم مشوفكم نسيا ... رهين هيام لا يموت ولا يحيا
فضاقت عليّ الأرض واعتاص مذهبي ... وما زلت في قومي ولا ضاقت الدنيا
وما باختيار شتّت الدهر بيننا ... وهل يملك الإنسان من أمره شيّا؟
فذا أضلعي لم تخب من أجلكم جوى ... وذا أدمعي لم تأل من بعدكم جريا
كأنّني شمع في فؤاد وأدمع ... وقد فارقت من وصلكم ريّا
وذكر لي أن هذا صدر عنه في مجلس أنس مع الوزير أبي عبد الله بن عيسى بمالقة، بحضرة طائفة من ظرفاء الأدباء.
وفاته: كان حيّا سنة سبعمائة، وتوفي بغرناطة، وهو على حاله من الكتابة، ﵀.
стр. 1130
عبد الله بن يوسف بن رضوان بن يوسف ابن رضوان النّجاري «١»
يكنى أبا القاسم، ويعرف باسم جدّه، من أهل مالقة، وصاحب القلم الأعلى لهذا العهد بالمغرب.
حاله: هذا الفاضل نسيج وحده، فهما وانطباعا، ولوذعيّة، مع الدّين والصّون، معمّ، مخول في الخير، مستول على خصال حميدة، من خطّ وأدب وحفظ، مشارك في معارف جملة. كتب ببلده عدلا رضى، وأنشد السلطان عند حلوله ببلده. ورحل عن بلده إلى المغرب، فارتسم في كتابة الإنشاء بالباب السلطاني، ثم بان فضله، ونبه قدره، ولطف محلّه، وعاد إلى الأندلس، لما جرت على سلطانه الهزيمة بالقيروان، ولم ينتشله الدهر بعدها مع جملة من خواصّه. فلمّا استأثر الله بالسلطان المذكور، موسوم التّمحيص، وصيّر أمره إلى ولده بعده، جنح إليه، ولحق ببابه، مقترن الوفادة، بيمن الطّائر، وسعادة النّصبة، مظنّة الاصطناع، فحصل على الحظوة، وأصبح في الأمد القريب، محلا للبثّ وجليسا في الخلوة، ومؤتمنا على خطّة العلامة «٢» ، من رجل ناهض بالكلّ، جلد على العمل، حذر من الذّكر، متقلّص ذيل الجاه، متهيّب، غزير المشاركة، مطفّف في حقوق الدّول عند انخفاض الأسعار، جالب لسوق الملك ما ينفق فيها، حارّ النّادرة، مليح التّندير، حلو الفكاهة، غزل مع العفة، حافظ للعيون، مقدّم في باب التّحسين والتنقيح، لم ينشب الملك أن أنس منه بهذه الحال، فشدّ عليه يد الغبطة، وأنشب فيه براثن الأثرة، ورمى إليه بمقاليد الخدمة، فسما مكانه، وعلا كعبه، ونما عشّه. وهو الآن بحاله الموصوفة، من مفاخر قطره، ومناقب وطنه، كثّر الله مثله.
مشيخته: قرأ ببلده على المقرئ أبي محمد بن أيوب، والمقرئ الصالح أبي عبد الله المهندس، والأستاذ أبي عبد الله بن أبي الجيش، والقاضي أبي جعفر بن عبد الحق. وروى عن الخطيب المحدّث أبي جعفر الطّنجالي، والقاضي أبي
стр. 1131
بكر بن منظور. وبغرناطة عن جلّة؛ منهم شيخنا رئيس الكتاب أبو الحسن ابن الجيّاب، وقاضي الجماعة أبو القاسم بن أحمد الحسني، ولازم بالمغرب الرئيس أبا محمد عبد المهيمن الحضرمي، والقاضي أبا إسحاق إبراهيم بن أبي يحيى، وأبا العباس بن يربوع السّبتي. وبتلمسان عن أبي عبد الله الآبلي، وأبي عبد الله بن النّجار، وغيرهما. وبتونس عن قاضي الجماعة أبي عبد الله بن عبد السلام، وعن جماعة غيرهم.
شعره: ونظمه ونثره متجاريان لهذا العهد في ميدان الإجادة. أما شعره، فمتناسب الوضع، سهل المأخذ، ظاهر الرّواء، محكم الإمرة للتّنقيح. وأما نثره، فطريف السّجع، كثير الدّالة، مطيع لدعوة البديهة، وربما استعمل الكلام المرسل، فجرى يراعه في ميدانه ملء عنانه.
وجرى ذكره في «التاج» أيام لم يفهق «١» حوضه، ولا أزهر روضه، ولا تباينت سماؤه ولا أرضه، بما نصه «٢» : أديب أحسن ما شاء، وفتح قليبه «٣» فملأ الدّلو وبلّ الرّشاء «٤» ، وعانى على حداثته الشعر والإنشاء، وله ببلده بيت معمور بفضل وأمانة، ومجد وديانة. ونشأ هذا الفاضل على أتمّ العفاف والصّون، فما مال إلى فساد بعد الكون. وله خطّ بارع، وفهم إلى الغوامض مسارع. وقد أثبتّ من كلامه، ونفثات أقلامه، كلّ محكم العقود، زاريا «٥» بنت العنقود. فمن ذلك قصيدة «٦» أنشدها للسلطان أمير المسلمين «٧» ، مهنّئا بهلاك الأسطول الحربي بالزّقاق الغربي «٨» ، أجاد أغراضها، وسبك المعاني وراضها، وهي قوله «٩» : [الطويل]
لعلّكما أن ترعيا لي وسائلا ... فبالله عوجا بالرّكاب وسائلا
بأوطان أوطار قفا ومآربي ... وبالحبّ خصّا بالسّلام المنازلا
ألا فانشدا بين القباب من الحمى ... فؤاد شج أضحى عن الجسم راحلا
стр. 1132
وبثّا صبّا بات هنالك واشرحا ... لهم من أحاديثي عريضا وطائلا
رعى الله مثواكم على القرب والنّوى ... ولا زال هامي السّحب في الرّبع هاملا
وهل لزمان باللّوى قد «١» سقى اللّوى ... مآرب فما ألقى مدى الدّهر حائلا؟
فحظّي بعيد الدّار منه بقربه ... ويورد فيه من مناه مناهلا
لقد جار دهري أن «٢» نأى بمطالبي ... وظلّ بما أبقى «٣» من القرب ماطلا
وحمّلني من صرفه ما يؤدني ... ومكّن منّي الخطوب شواغلا
عتبت عليه فاغتدى لي عاتبا ... وقال: أصخ لي لا تكن لي «٤» عاذلا
أتعتبني إذ «٥» قد أفدتك موقفا ... لدى أعظم الأملاك حلما ونائلا؟
مليك حباه الله بالخلق الرّضا ... وأعلى له في المكرمات المنازلا
مليك علا فوق السّماك فطرفه ... غدا كهلال الأفق يبصرنا علا
إذا ما دجا ليل الخطوب فبشره ... صباح وبدر لا يرى الدهر آفلا
نماه من الأنصار غرّ أكابر ... لهم شيم ملء الفضاء فضائلا
تلوا سور النّعماء في حزبهم كما ... جلوا صور الأيام غرّا جلائلا
تسامت لهم في المعلوات مراتب ... يرى زحل دون المراتب زاحلا
عصابة نصر الله طابت أواخرا ... كما قد زكت أصلا وطابت أوائلا
لقد كان ربع المجد من قبل خاليا ... ومن آل نصر عاد يبصر آهلا
إذا يوسف منهم تلوح يمينه ... تقول سحاب الجود والبأس هاطلا
كتائبه في الفتح تكتب أسطرا ... تبين من الأنفال فيها المسائلا
عوامله بالحذف تحكم في العدا ... كما حكموا في حذف جزم عواملا
يبدّد جمع الكفر رعبا وهيبة ... كما بدّدت منه اليمين النّوافلا
ومنها في وصفه الأسطول واللقاء:
ولمّا استقامت بالزّقاق أساطي ... ل ثم «٦» استقلّت للسّعود محافلا
رآها عدوّ الله فانفضّ جمعه ... وأبصر أمواج البحار أساطلا
ومن دهش ظنّ السّواحل أبحرا ... ومن رعب خال البحار سواحلا
стр. 1133
ومن جندكم هبّت عليه عواصف ... تدمّر أدناها الصّلاب الجنادلا
تفرّقهم أيدي سبا وتبيدهم ... فقد خلّفت فيهم حساما وذابلا
وعهدي بمرّ الريح للنار موقدا ... فقد أطفأت تلك الحروب المشاعلا
وكان لهم برد العذاب ولم يكن ... سلاما وما كادوه قد عاد باطلا
حداهم هواهم للإسار وللفنا ... فما أفلتوا من ذا وذاك حبائلا
فهم بين عان في القيود مصفّد ... وفان عليه السّيف أصبح صائلا
ستهلك ما بالبرّ منهم جنودكم ... كما أهلكت من كان بالبحر عاجلا
وقال أيضا يمدحه: [الطويل]
نشرت لواء النّصر واليمن والسّعد ... وأطلعت وجه اليسر والأمن والرّفد
أعدت لنا الدّنيا نعيما ولذّة ... ألا للمعالي ما تعيد وما تبدي
بنوركم والله يكلأ نوركم ... تبدّت لنا سبل السعادة والرّشد
تحلّى لكم بالملك نحر ولبّة ... فراق كذاك الجيد يزدان بالعقد
مآثركم قد سطّرتها يد العلا ... على صفحات الفخر أو مفرق الحمد
بمدحكم القرآن «١» أثنى منزّلا ... وقد حزتم مجدا بجدّكم سعد
كفاكم فخارا أنه لكم أب ... ومن فخره إن أنت تدعوه بالجدّ
ثناؤكم هذا أم المسك نافح؟ ... وذكركم أم عاطر العنبر الورد؟
أجل ذكركم أزكى وأذكى لناشق ... كما أنكم أجلى وأعلى لمشهد
طلعت على الآفاق نورا وبهجة ... فما أنت إلّا البدر في طالع السّعد
وفي جملة الأملاك عزّ ورفعة ... ودم في خلود الملك والنصر والسعد
ولو أنني فقت سحبان وائل ... وأربيت في شعري على الشاعر الكندي
لما قمت بالمعشار من بعض ما لكم ... من الجود والأفضال والبذل والرّفد
وقال في شيخه أبي بكر بن منظور، ﵀: [الطويل]
جلالك أولى بالعلا للمخلّد «٢» ... وذكرك أعلى الذّكر في كلّ مشهد
لمجدك كان العزّ يذخر والعلى ... وأنّك للأولى بأرفع سؤدد
أبى الله إلّا أن تكون مشرّفا ... بمقعد خير العالمين محمد
стр. 1134
فهنّئت بالفخر السّنيّ محلّه ... وهنّئت بالمجد الرّفيع المجدّد
شهدت بما أوليتني من عوارف ... وخوّلت من نعمى وأسديت من يد
وما حزت من مجد كريم نجاره ... وما لك من مجد ورفعة محتد
لقد نبّأتني بالرّواح لعزّكم ... مخايل إسعاد تروح وتغتدي «١»
تحدّثني نفسي وإنّي لصادق ... بأن سوف تلقى كاملا كلّ مقصد
دليلي بهذا أنّك الماجد الذي ... تسامى علوّا فوق كلّ ممجّد
ليفخر أولو الفخر المنيف بأنّكم ... لهم علم أعلى، به الكلّ مقتدي
إمام علوم معتلي القدر لم يزل ... رداء المعالي والعوارف يرتدي «٢»
وقاض إذا الأحكام أشكل أمرها ... جلا لي «٣» برأي الحقيقة مرشدي «٤»
إذا الحقّ أبدى نوره عند حكمه ... رأيت له حدّ الحسام المهنّد
وإنّ جميع الخلق في الحقّ عنده ... سواسية ما بين دان وسيّد
هنيّا لنا بل للقضاء وفضله ... بقاض حليم في القضاء مسدّد
أمات به الرحمن كلّ ضلالة ... وأحيا بما أولاه شرعة أحمد
وكائن تراه لا يزال ملازما ... لأمر بعرف أو لزام بمسجد
وما زال قدما للحقيقة حاميا ... وللشّرعة البيضاء يهدى ويهتدي
ويمنح أفضالا ويولي أياديا ... وإحسانه للمعتفين بمرصد
يقيّد أحرارا بمنطق جوده ... فما إن يني عن مطلق أو مقيّد
نعم إن يكن للفضل شخص فإنما ... بشيمته الغرّاء في الفضل يبتدي
أيا ناثرا أسنى المعارف والغنا ... ويا طارقا يطوي السّرى كلّ فدفد
ألا الق عصا التّسيار واعش لناره ... تجد خير نار عندها خير موقد
ومن مقطوعاته قوله «٥» : [الطويل]
تبرّأت من حولي إليك وأيقنت ... برحماك آمالي فصحّ «٦» يقيني
فلا أرهب الأيام إذ كنت ملجأي «٧» ... وحسبي يقيني باليقين «٨» يقيني
стр. 1135
ومن شعره لهذا العهد منقولا من خطّه، قال مما نظمه فلان، يعني نفسه في كتاب الشّفا، نفع الله به: [الكامل]
سل بالعلى وسنى المعارف يبهر ... هل زانها إلّا الأئمّة معشر؟
وهل المفاخر «١» غير ما شهدت به ... آي الكتاب وخارتها الأعصر؟
هم ما هم شرفا ونيل مراتب ... يوم القيام إذا يهول المحشر
ورثوا الهدى عن خير مبعوث به ... فخرا هديّهم النعيم «٢» الأكبر
وعياض «٣» الأعلى قداحا في العلى ... منهم وحوّله الفخار الأظهر
بشفائه «٤» تشفى الصدور وإنه ... لرشاد نار بالشّهاب «٥» النّيّر
هو للتّوالف روح صورتها وقل ... هو تاج مفرقها البهيّ الأنور
أفنت محاسنه المدائح مثل ما ... لمعيده بعد الثناء الأعطر
وله اليد البيضاء في تأليفه ... عند الجميع ففضلها لا ينكر
هو مورد الهيم العطاش هفت ... بهم أشواقهم فاعتاض منه المصدر
فبه ننال من الرضى ما نبتغي ... وبكونه فينا نغاث ونمطر
انظر إليه تميمة من كل ما ... تخشى من الخطب المهول وتحذر
لكأنّني بك يا عياض مهنأ ... بالفوز والملأ العليّ مبشّر
لكأنّني بك يا عياض منعّما ... بجوار أحمد يعتلي بك مظهر
لكأنّني بك يا عياض متوّجا ... تاج الكرامة عند ربّك تخبر
لكأنّني بك راويا من حوضه ... إذ لا صدى ترويه إلّا الكوثر
فعلى محبّته طويت ضمائرا ... وضحت شواهدها بكتبك تؤثر
ها إنّهن لشرعة الهادي الرّضا ... صدف يصان بهن منها جوهر
فجزاك ربّ العالمين تحية ... يهب النعيم سريرها والمنبر
وسقى هزيم الودق مضجعك الذي ... ما زال بالرّحمى يؤمّ ويعمر
стр. 1136
وقال في محمل الكتب: [الطويل]
أنا الحبر في حمل العلوم وإن تقل ... بأني حليّ عن حلاهنّ تعدل
أقيّد ضروب العلم ما دمت قائما ... وإن لم أقم فالعلم عنّي بمعزل
خدمت بتقوى الله خير خليفة ... فبوّأني من قربه خير منزل
أبا سالم لا زال في الدهر سالما ... يسوّغ من شرب المنى كلّ منهل
وكان قد رأى ليلة الاثنين الثانية لجمادى الأولى عام ستين وسبعمائة في النوم، كأنّ الوزير أبا علي بن عمر بن يخلف بن عمران الفدودي، يأمره أن يجيب عن كلام من كتب إليه، فأجاب عنه بأبيات نظمها في النوم، ولم يحفظ منها غير هذين البيتين:
[المتقارب]
وإني لأجزي بما قد أتاه ... صديقي احتمالا لفعل الحفاء «١»
بتمكين ودّ وإثبات عهد ... وإجزال حمد وبذل حياء
ومن نظمه في التورية «٢» : [الخفيف]
وبخيل لمّا دعوه لسكنى ... منزل بالجنان ضنّ بذلك
قال لي مخزن بداري فيه ... جلّ «٣» مالي فلست للدار تارك «٤»
لا تعرّج على الجنان بسكنى ... ولتكن ساكنا بمخزن مالك «٥»
ومن ذلك أيضا «٦» : [الكامل]
يا ربّ منشأة عجبت لشأنها ... وقد احتوت في البحر أعجب شان
سكنت بجنبيها «٧» عصابة شدّة ... حلّت محلّ الروح في الجثمان
فتحرّكت بإرادة مع أنها ... في جنسها «٨» ليست من الحيوان
стр. 1137
وجرت كما قد شاءه «١» سكّانها ... فعلمت أنّ السّر في السّكان «٢»
ومن ذلك أيضا قوله «٣» : [الوافر]
وذي خدع دعوه لاشتغال ... وما عرفوه غثّا من سمين
فأظهر «٤» زهده وغنى بمال ... وجيش الحرص منه في كمين
وأقسم لا فعلت «٥» يمين «٦» خبّ ... فيا عجبا لحلاف «٧» مهين
يقدّ بسيره ويمين حلف «٨» ... ليأكل باليسار وباليمين
شيء من نثره خاطبته من مدينة سلا بما نصه، حسبما يظهر من غرضه: [الطويل]
مرضت فأيّامي لذاك مريضة ... وبرؤك مقرون ببرئي اعتلالها
فما راع ذاك الذّات للضّرّ رائع ... ولا وسمت بالسّقم غرّ خلالها
وينظر باقي الرسالة في خبر التّعريف بمؤلّف الكتاب.
فراجعني عن ذلك بما نصّه: [الطويل]
متى شئت ألقى من علائك كل ما ... ينيل من الآمال خير منالها
كبر اعتلال من دعائك زارني ... وعادات برّ لم ترم عن وصالها
أبقى الله ذلك الجلال الأعلى متطوّلا بتأكيد البرّ، متفضّلا بموجبات الحمد والشكر. وردتني سمات سيدي المشتملة على معهود تشريفه، وفضله الغنيّ عن تعريفه، متحفّيا في السؤال عن شرح الحال، ومعلنا ما تحلّى به من كرم الخلال، والشّرف العال، والمعظّم على ما يسرّ ذلك الجلال، الوزاري، الرئاسي، أجراه الله على أفضل ما عوّده، كما أعلى في كل مكرمة يده، ذلك ببركة دعائه الصالح، وحبّه
стр. 1138
المخيّم بين الجوانح. والله سبحانه المحمود على نعمه، ومواهب لطفه وكرمه، وهو سبحانه المسؤول أن يسنى لسيدي قرار الخاطر، على ما يسرّه في الباطن والظاهر، بمنّ الله وفضله، والسلام على جلاله الأعلى ورحمة الله وبركاته. كتبه المعظّم الشاكر، الداعي المحبّ، ابن رضوان وفّقه الله.
ومما خاطبني به، وقد جرت بيني وبين المتغلب على دولتهم، رقاع، فيها سلم وإيقاع، ما نصه:
يا سيدي الذي علا مجده قدرا وخطرا، وسما ذكره في الأندية الحافلة ثناء وشكرا، وسما فخره في المراتب الدينيّة والدنيوية حمدا وأجرا، أبقاك الله جميل السّعي، أصيل الرأي، سديد الرمي، رشيد الأمر والنّهي، ممدوحا من بلغاء زمانك، بما يقصر بالنّوابغ والعشي، مفتوحا لك باب القبول، عند الواحد الحقّ. وصلني كتابك الذي هو للإعجاز آية، وللإحسان غاية، ولشاهد الحسن تبريز، ولثوب الأدب تطريز، وفي النّقد إبريز، وقفت منه على ما لا تفي العبارة بعجائبه، ولا يحيد الفضل كله عن مذاهبه، من كل أسلوب طار في الجو إعرابا وإغرابا، وملك من سحر البيان خطابا، وحمد ثناه مطالا وحديثا مطابا، شأن من قصر عن شأو البلغاء، بعد الإغياء، ووقف دون سباق البديع بعد الإعياء، فلم يشقّ غباره، ولا اقتفيت إلّا بالوهم آثاره، فلله من سيدي إتحاف سرّ ما شاء، وأحكم الإنشاء، وبرّ الأكابر والإنشاء، فما شئت من إفصاح وكتابة، وبرّ ورعاية، وفهم وإفهام، وتخصيص وإبهام، وكبح لطرف النّفس وقمع، وحفض في الجواب ورفع، وتحرّج وتورّع، وترقّص وتوسّع، وجماع وأصحاب، وعتب وإعتاب، وإدلال على أحباب، إلى غير ذلك من أنواع الأغراض، والمقاصد السّالمة جواهرها من الأعراض، جملة جمعت المحاسن، وأمتعت السامع والمعاين، وحلّت من امتناعها مع السهولة الحرم، إلّا من زاد الله تلك المعارف ظهورا، وجعلها في شرع المكارم هدى ونورا. وأما شكر الجناب الوزاري، أسماه الله، بحكم النّيابة عن جلالكم، فقد أبلغت فيه حمدي، وبذلت ما عندي، وودّي لكم ودي، ووردي لكم من المخالصة لكم وردي، وكل حالات ذلك الكمال، مجمع على تفضيله، معتمد من الثناء العاطر بإجماله وتفصيله. وأما مؤدّيه إليكم أخي وسيدي الفقيه المعظم، قاضي الحضرة وخطيبها، أبو الحسن، أدام الله عزّته، وحفظ أخوّته، فقد قرّر من أوصاف كمالاتكم، ما لا تفي بتقريره الأمثلة من أولي العلم بتلك السّجايا الغرّ، والشّيم الزّهر، وما تحلّيتم به من التقوى والبرّ، والعدل والفضل، والصبر والشكر، ولحمل المتاعب في أمور الجهاد، وترك الملاذ والدّعة في مرضاة
стр. 1139
ربّ العباد، والإعراض عن الفانية، والإقبال على الباقية، فيا لها من صفات خلعت السعادة عليكم مطارفها، وأجزلت عوارفها، وجمعت لكم تالدها وطارفها، زكّى الله ثوابها وجدّد أثوابها، ووصل بالقبول أسبابها. وذكر لي أيضا من حسناتكم، المنقبة الكبيرة، والقربة الأثيرة، في إقامة المارستان «١» بالحضرة، والتّسبّب في إنشاء تلك المكرمة المبتكرة، التي هي من مهمّات المسلمين بالمحلّ الأعلى، ومن ضروريات الدين بالمزيّة الفضلى، وما ذخره القدر لكم من الأجر في ذلك السعي المشكور، والعمل المبرور، فسرّني لتلك المجادة إحراز ذلك الفضل العظيم، والفوز بثوابه الكريم، وفخره العميم. ومعلوم، أبقاكم الله، ما تقدّم من ضياع الغرباء والضعفاء من المضي فيما سلف هنالك، وقبل ما قدّر لهم من المرتفق العظيم وبذلك، حتى أن من حفظ قول عمر، ﵁، والله لو ضاعت نخلة بشاطئ الفرات لخفت أن يسأل الله عنها عمر. لا شك في أن من تقدّم من أهل الأمر هنالكم، لا بدّ من سؤاله عمّن ضاع لعدم القيام بهذا الواجب المغفل. والحمد لله على ما خصّكم به من مزية قوله ﷺ : إذا أراد الله بخليفة خيرا، جعل له وزيرا صالحا، إن نسي ذكّره، وإن ذكر أعانه.
وأما «كتاب المحبة» «٢» ، فقد وقف المعظّم على ما وجّهتهم منه، وقوفا ظهر بمزية التّأمل، وعلم منه ما ترك للآخر الأول، ولم يشكّ في أنّ الفضل للحاكي، وشتّان بين الباكي والمتباكي. حقّا لقد فاق التأليف جمعا وترتيبا، وذهب في الطّرق الصوفية مذهبا عجيبا. ولقد بهرت معانيه كالعرائس المجلوّة حسنا ونضارة، وبرعت بدائعه وروائعه سنى وإنارة، وألفاظا مختارة، وكؤوسا مدارة، وغيوثا من البركات مدرارة، أحسن بما أدّته تلك الغرر السّافرة، والأمثال السائرة، والخمائل النّاظرة، واللآلئ المفاخرة، والنجوم الزّاهرة. أما إنه لكتاب تضمّن زبدة العلوم، وثمرة الفهوم، وإن موضوعه للباب اللّباب، وخلاصة الألباب، وفذلكة الحساب، وفتح الملك الوهّاب، سنى الله لكم ولنا كماله، وبلّغ الجميع منّا آماله، وجعل السّعي فيه
стр. 1140
خالصا لوجهه، وكفيلا بمعرفته بمنّه وكرمه، وهو سبحانه يبقي بركتكم، ويكلأ ذاتكم الكريمة وحوزتكم، بفضله وطوله وقوته، والسلام الكريم يخصّكم به كثيرا أثيرا، معظّم مقداركم، وملتزم إجلالكم وإكباركم، ابن رضوان، وفّقه الله، وكتب في الثامن والعشرين لرجب من عام سبعة وستين وسبعمائة.
وهو الآن بحاله الموصوفة، أعانه الله. وله تردّد إلى حضرة غرناطة، واجتياز وإلمام.
عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الملك بن سعيد ابن خلف بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن الحسن ابن عثمان بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن عمار بن ياسر
غرناطي، قلعي «١» الأصل، سكن مالقة.
حاله: قال صاحب «الطالع» «٢» : هو المشهور باليربطول «٣» ، زاد على أخيه بخفّة الروح، وطيب النوادر، واختار سكنى مالقة، فما زال بها يمشي على كواهل ما تعاقب فيها من الدول، ويقلّب طرفه مما نال من ولاياتها بين الخيل والخول، حتى أنّ ابن عسكر، قاضي مالقة وعالمها، كان من جملة من مدحه، وتوسّل بها إلى بلوغ أغراضه عند القوم، وصنّف له شجرة الأنساب السّعيدية. وكان قبيح المنظر، مع كونه من رياحين الفضل والأدب. فمن الحكايات المتعلقة بذلك، أنه دخل يوما على الوالي بغرناطة، السّيد أبي إبراهيم «٤» ، وجعل يساره، وكان مختصّا به، واقتضى ذلك أن ردّ ظهره للشيخ الفقيه الجليل، عميد البلدة، أبي الحسن سهل بن مالك، ثم التفت فردّ وجهه إليه، وقال: أعتذر لكم بأمر ضروري، فقال أبو الحسن: إنما تعتذر لسيّدنا، فانقلب المجلس ضحكا. ومنها أنه خرج إلى سوق الدواب مع ابن يحيى الحضرمي
стр. 1141
المشهور أيضا بخفّة الروح، وكان مسلّطا على بني سعيد، فبينما هو واقف، إذ النخّاس ينادي على فرس: فم يشرب من القادوس، وعين تحصد بالمنجل، فقال له:
يا قائد، أبا محمد، سر بنا من هنا لئلّا تؤخذ من يدي، ولا أقدر لك بحيلة، فعلم مقصده، ولم يخف عليه أنّ تلك صورته، فقال: سل جارتك عنها، فمضى لأمّه، وأوقع بينها وبينه، فحلف أن لا يدخل عليها الدار. قال أبو عمران بن سعيد: واتفق أن جزت بدار أمّ الحضرمي، فرأيته إلى ناحية، وهو كئيب منكسر، فقلت له: ما خبرك يا أبا يحيى؟ فقال لي عن أمّه وعن نفسه: النساء يرمين أبناء الزّنا صغارا، وهذه العجوز الفاعلة الصّانعة، ترميني ابن خمسين سنة، فقلت له: وما سبب ذلك؟
فقال: ابن عمّك يوسف الجمال، لا أخذ الله له بيد، فما زلت حتى أصلحت بينها وبينه.
ومن نوادر أجوبته المسكتة، أنّه كان كثير الخلطة بمرّاكش لأحد السّادة، لا يفارقه، إلى أن ولي ذلك السّيد، وتموّل، واشتغل بدنياه عنه، فقيل له: نرى السيد فلانا أضرب عن صحبتك ومنادمتك، فقال: كان يحتاج إليّ وقتا كان يتبخّر بي، وأمّا اليوم، فإنه يتبخّر بالعود والنّدّ والعنبر. وقال له شخص كان يلقّب ب «فسيوات» في مجلس خاص: أي فائدة في «اليربطول» ؟ وفيم ذا يحتاج إليه؟ فقال له: لا تقل هذا، فإنه يقطع رائحة الفسا، فودّ أنه لم ينطق. وتكلّم شخص من المترفين فقال: أمس بعنا الباذنجان التي بدار خالتي، بعشرين مثقالا، فقال: لو بعتم الكريز التي فيها لساوى أكثر من مائة.
وأخباره شهيرة؛ قال أبو الحسن علي بن موسى: وقعت في رسائل الكاتب الجليل، شيخ الكتاب أبي زيد الفازازي، على رسائل في حق أبي محمد اليربطول، ومنه إليه، فمنها في رسالة عن السّيد أبي العلاء، صاحب قرطبة، إلى أخيه أبي موسى صاحب مالقة، ويصلكم به إن شاء الله، القائد الأجلّ الأكرم، الحسيب الأمجد الأنجد، أبو محمد أدام الله كرامته، وكتب سلامته، وهو الأكيد الحرمة، القديم الخدمة، المرعي الماتّة والذّمّة، المستحق البرّ في وجوه كثيرة، ولمعان أثيرة، منها أنه من عقب عمّار بن ياسر، رضوان الله عليه، وحسبكم هذا مجدا مؤثّلا، وشرفا موصلا، ومنها تعيّن بيته وسلفه، واختصاصهم من النّجابة والظهور، بأنوه الاسم وأشرفه، وكونهم بين معتكف على مضجعه، أو مجاهد بمرهفه ومثقّفه، ومنها سبقهم إلى هذا الأمر العزيز، وتميّزهم بأثرة الشّفوف والتّمييز، ومنها الانقطاع إلى أخيكم، ممدّ مورده ومصدره، وكرم مغيبه ومحضره، وهذه وسائل شتى، وأذمّة قلّ ما تتأتّى لغيره.
стр. 1142
وفاته: كانت وفاته بمالقة بعد عشرين وستمائة؛ قال الرئيس أبو عمر بن حكم:
شاهدته قد وصل إلى السيد أبي محمد البيّاسي «١» أيام ثورته، وهو بشنتلية «٢» مع وفد مالقة بالبيعة سنة ثنتين وعشرين وستمائة.
ومن الصوفية والفقراء
عبد الله بن عبد البر بن سليمان بن محمد بن محمد ابن أشعث الرّعيني «٣»
من «٤» أهل أرجدونة «٥» من كورة ريّه، يكنى أبا محمد، ويعرف بابن أبي المجد.
حاله: كان «٦» من أعلام الكور «٧» سلفا، وترتّبا، وصلاحا، وإنابة، ونيّة في الصالحين، متّسع الذّرع للوارد، كثير الإيثار بما تيسّر، مليح التخلّق، حسن السّمت، طيّب النفس، حسن الظنّ، له حظّ من الطّلب، من فقه وقراءات وفريضة، وخوض في طريقة الصوفية، وأدب لا بأس به، قطع عمره خطيبا وقاضيا ببلده، ووزيرا، وكتب بالدار السلطانية، في كل ذلك لم يفارق السّداد.
مشيخته: قرأ «٨» على الأستاذ الجليل أبي جعفر بن الزّبير؛ رحل إليه من وطنه عام اثنين وتسعين وستمائة، ولازمه وانتفع به، أخذ عنه الكتاب العزيز والعربية، وسمع عليه الكثير من الحديث، وعلى الخطيب الصوفي المحقّق أبي الحسن فضل بن محمد بن فضيلة المعافري، وعلى الخطيب المحدّث أبي عبد الله محمد بن عمر بن رشيد، وسمع على الشيخ القاضي الرّاوية أبي محمد النّبعدي، والوزير المعمر
стр. 1143
المحدّث الحسيب أبي محمد عبد المنعم بن سماك العاملي، والعدل الرّاوية أبي الحسن بن مستقور. وقرأ بمالقة على الأستاذ أبي بكر بن الفخّار، وأجازه من أهل المشرق طائفة.
شعره: ممّا حدّثني ابن أخته صاحبنا أبو عثمان بن سعيد، قال: نظم الفقيه القاضي الكاتب أبو بكر بن شبرين ببيت الكتّاب مألف الجملة، ﵏، هذين البيتين «١» : [الطويل]
ألا يا محبّ المصطفى، زد صبابة ... وضمّخ لسان الذّكر منه بطيبه
ولا تعبأن بالمبطلين فإنما ... علامة حبّ الله حبّ حبيبه
فأخذ الأصحاب في تذييل ذلك. فقال الشيخ أبو الحسن بن الجيّاب، ﵀ «٢» : [الطويل]
فمن يعمر الأوقات طرّا بذكره ... فليس نصيب في الهدى كنصيبه
ومن كان عنه معرضا طول دهره «٣» ... فكيف يرجّيه شفيع ذنوبه؟
وقال أبو القاسم بن أبي القاسم بن أبي العافية «٤» : [الطويل]
أليس الذي جلّى دجى الجهل هديه ... بنور أقمنا بعده نهتدي به؟
ومن لم يكن من دأبه «٥» شكر منعم ... فمشهده «٦» في الناس مثل مغيبه
وقال أبو بكر بن أرقم «٧» : [الطويل]
نبيّ هدانا من ضلال وحيرة ... إلى مرتقى سامي المحلّ خصيبه
فهل يذكر «٨» الملهوف فضل مجيره ... ويغمط شاكي الداء شكر طبيبه؟
وانتهى القول إلى الخطيب أبي محمد بن أبي المجد، فقال، ﵀، مذيّلا كذلك «٩» : [الطويل]
ومن قال مغرورا: حجابك ذكره ... فذلك مغمور طريد عيوبه
وذكر رسول الله فرض مؤكّد ... وكلّ محقّ قائل بوجوبه
стр. 1144
وقال يوما شيخنا أبو الحسن بن الجيّاب هذين البيتين على عادة الأدباء في اختبار الأذهان «١» : [الخفيف]
جاهد النّفس جاهدا فإذا ما ... فنيت عنك فهي عين الوجود
وليكن حكمك «٢» المسدّد فيها ... حكم سعد «٣» في قتله لليهود
قال: فأجابه أبو محمد بن أبي المجد «٤» : [الخفيف]
أيها العارف المعبّر ذوقا ... عن معان غزيرة في الوجود
إنّ حال الفناء «٥» عن كلّ غير ... كمقام «٦» المراد غير المريد
كيف لي بالجهاد غير معان ... وعدويّ «٧» مظاهر بجنود؟
ولو أنّي حكمت فيمن ذكرتم ... حكم سعد لكنت جدّ سعيد
فأراها صبابة «٨» بي فتونا ... وأراني في حبّها كيزيد
سوف أسلو بحبكم «٩» عن سواها ... ولو أبدت فعل المحبّ الودود
ليس شيء سوى إلهك يبقى ... واعتبر صدق ذا بقول لبيد «١٠»
وفاته: توفي، ﵀، ليلة النصف من شعبان المكرم عام تسعة وثلاثين وسبعمائة. وكان يجمع الفقراء ويحضر طائفتهم، وتظهر عليه حال لا يتمالك معها، وربما أوحشت من لا يعرفه بها.
عبد الله بن فارس بن زيان
من بني عبد الوادي، تلمساني، يكنى أبا محمد، وينتمي إلى بني زيّان من بيت أمرائهم.
стр. 1145
كذا نقلت من خط صاحبنا الفقيه القاضي أبي الطاهر ... «١» قاضي الجماعة أبي جعفر بن فركون، وله بأحواله عناية، وله إليه تردّد كثير وزيارة. قال: ورد الأندلس مع أبيه، وهو طفل صغير، واستقرّ بقتّورية في ديوان غزانها. ولما توفي أبوه سلك مسلكه برهة، ورفض ذلك، وجعل يتردّد بين الولد، وانقطع لشأنه.
حاله: هذا الرجل غريب النّزعة في الانقطاع عن الخلق، ينقطع ببعض جبال بني مشرف، واتخذ فيها كهوفا وبيوتا من الشّعر أزيد من أربعين عاما، وهلمّ جرّا، منفردا، لا يداخل أحدا، ولا يلابسه من العرب، ويجعل الحلفاء في عنقه ... «٢»
اختلف فيه، فمن ناسب ذلك إلى التّلبيس وإلى لوثة تأتيه، وربما أثاب بشيء، ويطلبون دعاءه ومكالمته، فربما أفهم، وربما أبهم.
محنته: ذكروا أنه ورث عن أخ له مالا غنيّا، وقدم مالقة، وقد سرق تاجر بها ذهبا عينا، فاتّهم بها، فجرت عليه محنة كبيرة من الضّرب الوجيع، ثم ظهرت براءته، وطلب الحاكم الجائر منه العفو، فعفا عنه، وقال: لله عندي حقوق وذنوب، لعلّ بهذا أكفّرها، وصرف عليه المال فأباه، وقال: لا حاجة لي به فهو مال سوء، وتركه وانصرف، وكان من أمر انقطاعه ما ذكر.
شيء من أخباره: استفاض عنه بالجهة المذكورة شفاء المرضى، وتفريج الكربات ... «٣» ، إلى غير ذلك من أخبار لا تحصى كثيرة. وهو إلى هذا العهد بحاله الموصوفة، وهو عام سبعين وسبعمائة.
مولده: بتلمسان عام تسعين وستمائة. ودخل غرناطة غير ما مرة.
عبد الله بن فرج بن غزلون اليحصبي «٤»
يعرف بابن العسّال، ويكنى أبا محمد، طليطلي الأصل. سكن غرناطة واستوطنها، الصالح المقصود التّربة، المبرور البقعة، المفزع لأهل المدينة عند الشّدة.
стр. 1146
حاله: قال ابن الصّيرفي: كان، ﵀، فذّا في وقته، غريب الجود، طرفا في الخير والزهد والورع، له في كل جو متنفّس، يضرب في كل علم بسهم، وله في الوعظ تواليف كبيرة، وأشعاره في الزهد مشهورة، جارية على ألسنة الناس، أكثرها كالأمثال جيّدة الرّصعة، صحيحة المباني والمعاني. وكان يحلّق في الفقه، ويجلس للوعظ. وقال الغافقي «١» : كان فقيها جليلا، زاهدا، متفنّنا، فصيحا لسنا، الأغلب عليه حفظ الحديث والآداب والنحو، حافظا، عارفا بالتفسير، شاعرا مطبوعا. كان له مجلس، يقرأ عليه فيه الحفظ والتفسير، ويتكلّم عليه، ويقصّ «٢» من حفظه أحاديث.
وألّف في أنواع من العلوم، وكان يعظ الناس بجامع غرناطة، غريبا في قوته، فذّا في دهره، عزيز الوجود.
مشيخته: روى «٣» عن أبي محمد مكّي بن أبي طالب، وأبي عمرو المقرئ الدّاني، وأبي عمر بن عبد البرّ، وأبي إسحاق إبراهيم بن مسعود الإلبيري الزاهد، وعن أبيه فرج، وعن أبي زيد الحشاء القاضي، وعن القاضي أبي الوليد الباجي.
شعره: وشعره كثير، ومن أمثل ما روي منه قوله: [مخلع البسيط]
لست وجيها لدى إلهي ... في مبدإ الأمر والمعاد
لو كنت وجها «٤» لما براني ... في عالم الكون والفساد
وفاته: توفي، ﵀، يوم الاثنين لعشر خلون من رمضان عام سبعة وثمانين وأربعمائة، وألحد ضحى يوم الثلاثاء بعده بمقبرة باب إلبيرة بين الجبانتين. ويعرف المكان إلى الآن بمقبرة العسّال. وكان له يوم مشهود، وقد نيّف على الثمانين، ﵀، ونفع به.
ومن الملوك والأمراء والأعيان والوزراء
عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله [بن محمد] «٥» ابن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن ابن معاوية، أمير المؤمنين، الناصر لدين الله «٦»
الخليفة الممتّع، المجدود، المظفّر، البعيد الذكر، الشهير الصيت.
стр. 1147
حاله: كان أبيض، أشهل، حسن الوجه، عظيم الجسم، قصير الساقين. أول من تسمّى أمير المؤمنين، ولي الخلافة فعلا جدّه، وبعد صيته، وتوطّأ ملكه، وكأن خلافته كانت شمسا نافية للظلمات، فبايعه أجداده وأعمامه وأهل بيته، على حداثة السّن، وجدة العمر، فجدّد الخلافة، وأحيا الدعوة، وزيّن الملك، ووطّد الدولة، وأجرى الله له من السّعد ما يعظم عنه الوصف ويجلّ عن الذكر، وهيّأ له استنزال الثوار والمنافقين واجتثاث جراثيمهم.
بنوه: أحد عشر «١» ، منهم الحكم الخليفة بعده، والمنذر، وعبد الله، وعبد الجبار.
حجّابه: بدر مولاه، وموسى بن حدير.
قضاته «٢» : جملة، منهم: أسلم بن عبد العزيز، وأحمد بن بقيّ، ومنذر بن سعيد البلوطي.
نقش خاتمه: «عبد الرحمن بقضاء الله راض» .
أمّه: أمّ ولد تسمى مزنة. وبويع له في ربيع الأول من سنة تسع وتسعين ومائتين «٣» .
دخوله إلبيرة: قال المؤرخ «٤» : أول غزوة غزاها بعد أن استحجب بدرا مولاه، وخرج إليها يوم الخميس رابع «٥» عشرة ليلة خلت من شعبان سنة ثلاثمائة، مفوّضا إليه، ومستدعيا نصره، واستئلاف الشّاردين، وتأمين الخائفين، إلى ناحية كورة جيّان، وحصن المنتلون، فاستنزل منه سعيد بن هذيل، وأناب إليه من كان نافرا عن الطاعة، مثل ابن اللّبّانة، وابن مسرّة، ودحون الأعمى. وانصرف إلى قرطبة، وقد تجوّل، وأنزل كلّ من بحصن من حصون كورة جيان، وبسطة، وناجرة، وإلبيرة، وبجّانة،
стр. 1148
والبشرّة، وغيرها، بعد أن عرض نفسه عليها. وعلى عهده توفي ابن حفصون «١» .
وجرت عليه هزيمة الخندق في سنة سبع وعشرين وثلاثمائة «٢» ، وطال عمره، فملك نيفا وخمسين سنة، ووجد بخطّه: أيام السّرور التي صفت لي دون كدر يوم كذا ويوم كذا، فعدّت، فوجدت أربعة عشر يوما.
وفاته: في أول رمضان من سنة خمسين وثلاثمائة «٣» .
عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن الناصر لدين الله بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن معاوية «٤»
يكنى أبا المطرّف، ويلقب بالمرتضى.
حاله وصفته: كان أبيض أشقر أقنى، مخفّف البدن، مدوّر اللحية، خيّرا، فاضلا، من أهل الصلاح والتّقى، قام بدولته خيران العامري، بعد أن كثر السؤال عن بني أمية، فلم يجد فيهم أسدى للخلافة منه، بورعه وعفافه ووقاره، وخاطب في شأنه ملوك الطوائف على عهده، فاستجاب الكلّ إلى الطاعة بعد أن أجمع الفقهاء والشيوخ وجعلوها شورى، وانصرفوا يريدون قرطبة، وبدأوا بصنهاجة بالقتال، فكان نزوله بجبل شقشتر على محجة واط.
وفاته: «٥»
يوم لثلاث خلون من جمادى الأولى سنة تسع وأربعمائة. وكانت الهزيمة على عساكر المرتضى، فتركوا المحلات وهربوا، وفشى فيهم القتل، وظفرت صنهاجة من المتاع والأموال بما يأخذه الوصف، وقتل المرتضى في تلك الهزيمة، فلم يوقع له على أثر، وقد بلغ سنّه نحو أربعين.
стр. 1149
عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان ابن الحكم بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس «١»
يكنى أبا المطرّف، وقيل: أبا زيد، وقيل: أبا سليمان، وهو الداخل إلى الأندلس، والمجدّد الخلافة بها لذريته، والملقّب بصقر بني أمية «٢» .
حاله: قال ابن مفرّج: كان الأمير عبد الرحمن بن معاوية راجح العقل، راسخ العلم، ثابت الفهم، كثير الحزم، فذّ العزم، بريئا من العجز، مستخفّا للثّقل، سريع النهضة، متّصل الحركة، لا يخلد إلى راحة، ولا يسكن إلى دعة، ولا يكل الأمور إلى غيره، ثم لا ينفرد بإبرامها برأيه. وعلى ذلك فكان شجاعا، مقداما، بعيد الغور، شديد الحذر، قليل الطّمأنينة، بليغا، مفوّها، شاعرا محسنا، سمحا، سخيا، طلق اللسان، فاضل البنان، يلبس البياض، ويعتمّ به ويؤثره. وكان أعطي هيبة من وليّه وعدوّه لم يعطها واحد من الملوك في زمانه. وقال غيره: وألفى الأمير عبد الرحمن الأندلس ثغرا من أنأى الثغور القاصية، غفلا من سمة الملك، عاطلا من حلية الإمامة، فأرهب أهله بالطاعة السلطانية، وحرّكهم بالسّيرة الملوكية، ورفعهم بالآداب الوسطية، فألبسهم عمّا قريب المودّة، وأقامهم على الطريقة. وبدأ يدوّن الدواوين، وأقام القوانين، ورفع الأواوين، وفرض الأعطية، وأنفذ الأقضية، وعقد الألوية، وجنّد الأجناد، ورفع العماد، وأوثق الأوتاد، فأقام للملك آلته، وأخذ للسلطان عدّته.
نبذة من أوليّته: لمّا ظهر بنو العباس بالمشرق، ونجا فيمن نجا من بني أمية، معروفا بصفته عندهم، خرج يؤمّ المغرب لأمر كان في نفسه، من ملك الأندلس، اقتضاه حدثان، فسار حتى نزل القيروان، ومعه بدر مولاه، ثم سار حتى لحق بأخواله من نفزة، ثم سار بساحل العدوة في كنف قوم من زناتة، وبعث إلى الأندلس بدرا، فداخل له بها من يوثق به، وأجاز البحر إلى المنكّب، وسأل عنها، فقال: نكبوا عنها، ونزل بشاط من أحوازها، وقدم إليه أولو دعوته، وعقد اللّوا،
стр. 1150
وقصد قرطبة في خبر يطول، وحروب مبيرة، وهزم يوسف الفهري، واستولى على قرطبة، فبويع له بها يوم عيد الأضحى من سنة ثمان وثلاثين ومائة، وهو ابن خمس وعشرين سنة.
دخوله إلبيرة: قالوا: ولمّا انهزم الأمير يوسف بن عبد الرحمن الفهري، لحق بإلبيرة، فامتنع بحصن غرناطة، وحاصره الأمير عبد الرحمن بن معاوية، وأحاط به، فنزل على صلح، وانعقد بينهما عقد، ورهنه يوسف ابنيه؛ أبا زيد وأبا الأسود، وشهد في الأمان وجوه العسكر، منهم أمية بن حمزة الفهري، وحبيب بن عبد الملك المرواني، ومالك بن عبد الله القرشي، ويحيى بن يحيى اليحصبي، ورزق بن النّعمان الغسّالي، وجدار بن سلامة المذحجي، وعمر بن عبد الحميد العبدري، وثعلبة بن عبيد الجذامي، والحريش بن حوار السلمي، وعتّاب بن علقمة اللخمي، وطالوت بن عمر اليحصبي، والجرّاح بن حبيب الأسدي، وموسى بن خالد، والحصين بن العقيلي، وعبد الرحمن بن منعم الكلبي، إلى آخرين سواهم، بتاريخ يوم الأربعاء لليلتين خلتا من ربيع الأول سنة تسع وثلاثين ومائة. نقلت أسماء من شهد، لكونهم ممن دخل البلدة، ووجب ذكره، فاجتزأت بذلك، فرارا من الإطالة، إذ هذا الأمر بعيد الأمد، والإحاطة لله.
بلاغته ونثره وشعره: قال الرّازي: قام بين يديه رجل من جند قنّسرين، يستنجد به، وقال له: يا ابن الخلائف الراشدين والسّادات الأكرمين، إليك فررنا، وبك عذت من زمن ظلوم، ودهر غشوم قلّل المال، وذهب الحال، وصيّر إليّ بذاك المنال، فأنت وليّ الحمد، وربى المجد، والمرجو للرّفد. فقال له ابن معاوية مسرعا: قد سمعنا مقالتك، فلا تعودنّ ولا سواك لمثله، من إراقة وجهك، بتصريح المسألة، والإلحاف في الطّلبة، وإذا ألمّ بك خطب أو دهاك أمر، أو أحرقتك حاجة فارفعه إلينا في رقعة لا تعدو ذكيا، تستر عليك خلّتك، وتكفّ شماتة العدوّ بك، بعد رفعها إلى مالكنا ومالكها عن وجهه، بإخلاص الدّعاء، وحسن النية. وأمر له بجائزة حسنة. وخرج الناس يعجبون من حسن منطقه، وبراعة أدبه.
ومن شعره: قوله، وقد نظر إلى نخلة بمنية الرّصافة، مفردة، هاجت شجنه إلى تذكر بلاد المشرق «١» : [الطويل]
تبدّت لنا وسط الرّصافة نخلة ... تناءت بأرض الغرب عن بلد النّخل
стр. 1151
فقلت: شبيهي في التغرّب والنّوى ... وطول التّنائي عن بنيّ وعن أهلي
نشأت بأرض أنت فيها غريبة ... فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي
سقتك «١» غوادي المزن من صوبها «٢» الذي ... يسحّ ويستمري «٣» السّماكين بالويل
وفاته: توفي بقرطبة يوم الثلاثاء الرابع والعشرين لربيع الآخر «٤» سنة اثنتين وسبعين ومائة، وهو ابن تسعة وخمسين عاما، وأربعة أشهر، وكانت مدّة ملكه ثلاثا وثلاثين سنة وأربعة أشهر «٥» ، وأخباره شهيرة.
وجرى ذكره في الرّجز المسمى بقطع السلوك، في ذكر هذين من بني أمية، قولي في ذكر الداخل: [الرجز]
وغمر الهول كقطع الليل ... بفتنة الفهريّ والصّميل
وجلّت الفتنة في أندلس ... فأصبحت فريسة المفترس
فأسرع السّير إليها وابتدر ... وكلّ شيء بقضاء وقدر
صقر قريش عابد الرحمن ... باني المعالي لبني مروان
جدّد عهد الخلفاء فيها ... وأسّس الملك لمترفيها
ثم أجاب داعي الحمام ... وخلّف الأمر إلى هشام
وقام بالأمر الحفيد الناصر ... والناس محصور بها وحاصر
فأقبل السّعد وجاء النّصر ... وأشرق الأمن وضاء القصر
وعادت الأيام في شباب ... وأصبح العدو في تباب
سطا وأعطى وتغاضى ووفا ... وكلّما أقدره الله عفا
فعاد من خالف فيها وانتزى ... وحارب الكفّار دأبا وغزا
وأوقع الرّوم به في الخندق ... فانقلب الملك بسعي مخفق
واتصلت من بعد ذا فتوح ... تغدو على مثواه أو تروح
فاغتنموا السّلم لهذا الحين ... ووصّلت إرسال قسطنطين
стр. 1152
وساعد السّعد فنال واقتنى ... ثم بنى الزّهرا فيما قد بنى
حتى إذا ما كملت أيامه ... سبحان من لا ينقضي دوامه
عبد الرحمن بن إبراهيم بن يحيى بن سعيد ابن محمد اللخمي
من أهل رندة وأعيانها، يكنى أبا القاسم، ويعرف بابن الحكيم، وجدّه يحيى، هو المعروف بابن الحكيم، وقد تقدم ذكر جملة من هذا البيت.
حاله: كان، ﵀، عين بلده المشار إليه، كثير الانقباض والعزلة، مجانبا لأهل الدنيا، نشأ على طهارة وعفّة، مرضي الحال، معدودا في أهل النّزاهة والعدالة، وأفرط في باب الصّدقة بما انقطع عنه أهل الإثراء من المتصدّقين، ووقفوا دون شأوه.
ومن شهير ما يروى من مناقبه في هذا الباب، أنه أعتق بكل عضو من أعضائه رقبة، وفي ذلك يقول بعض أدباء عصره:
أعتق بكل عضو منه رقبه ... واعتدّ ذلك ذخرا ليوم العقبه
لا أجد منقبة مثل هذه المنقبه
مشيخته: روى عن القاضي الجليل أبي الحسن بن قطرال، وعن أبي محمد بن عبد الله بن عبد العظيم الزهري، وأبي البركات بن مودود الفارسي، وأبي الحسن الدّباج، سمع من هؤلاء وأجازوا له. وأجاز له أبو أمية بن سعد السّعود بن عفير، وأبو العباس بن مكنون الزاهد. قال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: وكان شيخنا القاضي العالم الجليل أبو الخطّاب بن خليل، يطنب في الثناء عليه، ووقفت على ما خاطبه به معربا عن ذلك.
شعره: منقولا من «طرفة العصر» من قصيدة يردّدها المؤذنون منها:
[البسيط]
كم ذا أعلل بالتّسويف والأمل ... قلبا تغلّب بين الوجد والوجل
وكم أجرّد أذيال الصّبا مرحا ... في مسرح اللهو وفي ملعب الغزل
وكم أماطل نفسي بالمتاب ولا ... عزم فيوضح لي عن واضح السّبل
ضللت والحقّ لا تخفى معالمه ... شتّان بين طريق الجدّ والهزل
وفاته: يوم الاثنين التاسع والعشرين لجمادى الأولى عام ثلاثة وسبعين وستمائة.
стр. 1153
عبد الرحيم بن إبراهيم بن عبد الرحيم الخزرجي «١»
يكنى أبا القاسم، ويعرف بابن الفرس، ويلقّب بالمهر، من أعيان غرناطة.
حاله: كان «٢» فقيها جليل القدر، رفيع الذّكر، عارفا بالنحو واللغة والأدب، ماهر «٣» الكتابة، رائق الشعر، بديع التّوشيح، سريع البديهة، جاريا على أخلاق الملوك في مركبه وملبسه وزيّه. قال ابن مسعدة «٤» : وطىء من درجات العزّ والمجد أعلاها، وفرع من الأصالة منتماها. ثم علت همّته إلى طلب الرّئاسة والملك، فارتحل إلى بلاد العدوة، ودعا إلى نفسه، فأجابه إلى ذلك الخلق الكثير، والجمّ الغفير، ودعوه باسم الخليفة، وحيّوه بتحيّة الملك. ثم خانته الأقدار، والدهر بالإنسان غدّار، فأحاطت به جيوش الناصر «٥» بن المنصور، وهو في جيش عظيم من البربر، فقطع رأسه، وهزم جيشه، وسيق إلى باب الخليفة، فعلّق على باب مرّاكش، في شبكة حديد، وبقي به مدة من عشرين سنة «٦» .
قال أبو جعفر بن الزبير: كان أحد نبهاء وقته لولا حدّة كانت فيه أدّت به إلى ما حدّثني به بعض شيوخي من صحبه. قال: خرجنا معه يوما على باب من أبواب مراكش برسم الفرجة، فلمّا كان عند الرجوع نظرنا إلى رؤوس معلّقة، وتعوّذنا بالله من الشّرّ وأهله، وسألناه سبحانه العافية. قال: فأخذ يتعجب منّا، وقال: هذا خور طريقة وخساسة همّة، والله ما الشرف والهمّة إلّا في تلك، يعني في طلب الملك، وإن أدّى الاجتهاد فيه إلى الموت دونه على تلك الصّفة. قال: فما برحت الليالي والأيام، حتى شرع في ذلك، ورام الثورة، وسيق رأسه إلى مراكش، فعلق في جملة تلك الرءوس، وكتب عليه، أو قيل
стр. 1154
فيه: [الطويل]
لقد طمّح المهر الجموح لغاية ... فقطّع أعناق الجياد السّوابق
جرى وجرت رجلاه لكنّ رأسه ... أتى سابقا والجسم ليس بسابق
وكانت ثورته ببعض جهات درعة من بلاد السّوس.
مشيخته: أخذ عن صهره القاضي أبي محمد عبد المنعم بن عبد الرحيم، وعن غيره من أهل بلده، وتفقّه بهم، وبهر في العقليّات والعلوم القديمة، وقرأ على القاضي المحدّث أبي بكر بن أبي زمنين، وتلا على الأستاذ الخطيب أبي عبد الله بن عروس، والأدب والنحو على الأستاذ الوزير أبي يحيى بن مسعدة. وأجازه الأستاذ الخطيب أبو جعفر العطّار. ومن شعره في الثورة «١» : [البسيط]
قولوا لأولاد «٢» عبد المؤمن بن علي ... تأهّبوا لوقوع الحادث الجلل
قد جاء «٣» فارس «٤» قحطان وسيّدها «٥» ... ووارث الملك «٦» والغلّاب للدول
ومن شعره القصيدة الشهيرة وهي: [الكامل]
الله حسبي لا أريد سواه ... هل في الوجود الحق إلّا الله؟
ذات الإله بها تقوم دولتنا «٧» ... هل كان يوجد غيره لولاه؟
يا من يلوذ بذاته أنت الذي ... لا تطمع الأبصار في مرآه
لا غرو أنّا قد رأيناه بها ... فالحقّ يظهر ذاته وتراه
يا من له وجب الكمال بذاته ... فالكل غاية فوزهم لقياه
أنت الذي لمّا تعالى جدّه ... قصرت خطا الألباب دون حماه
أنت الذي امتلأ الوجود بحمده ... لمّا غدا ملآن من نعماه
أنت الذي اخترع الوجود بأسره ... ما بين أعلاه إلى أدناه
стр. 1155
أنت الذي خصّصتنا بوجودنا ... أنت الذي عرّفتنا معناه
أنت الذي لو لم تلخ أنواره ... لم تعرف الأضداد والأشباه
لم أفش ما أودعتنيه إنّه ... ما صان سرّ الحقّ من أفشاه
عجز الأنام عن امتداحك إنه ... تتضاءل الأفكار دون مداه
من كان يعلم أنك الحقّ الذي ... بهر العقول فحسبه وكفاه
لم ينقطع أحد إليك محبّة ... إلّا وأصبح حامدا عقباه
وهي طويلة................ ................ .................
................ ................ ................ ................ ... «١»
من أهل غرناطة، يكنى أبا ورد، ويعرف بابن القصجة.
عديم رواء الحسّ، قريب العهد بالنجعة، فارق وطنه وعيصه، واستقبل المغرب ... الوفادة، وقدم على الأندلس في أخريات دولة الثاني «٢» من الملوك النصريين، فمهد جانب البر له، وقرب مجلسه، ورعى وسيلته، وكان على عمل بر من صوم واعتكاف وجهاد.
نباهته: ووقف بي ولده الشريف أبو زيد عبد الرحيم، على رسالة كتب بها أمير مكة على عهده إلى سلطان الأندلس ثاني الملوك النصريين، ﵏، وعبّر فيها عن نفسه: من عبد الله، المؤيّد بالله، محمد بن سعد الحرسني، في غرض المواصلة والمودة والمراجعة عن بر صدر عن السلطان، ﵀، من فصولها: «ثم أنكم، رضي الله عنكم، بالغنم في الإحسان للسيد الشريف أبي القاسم الذي انتسب إلينا، وأويتموه من أجلنا، وأكرمتموه، ورفعتموه احتراما لبيته الشريف، جعل الله عملكم معه وسيلة بين يدي جدّنا ﵇» . وهي طويلة وتحميدها ظريف، من شنشنة أحوال تلك البال بمكة المباركة.
وفاته: توفي شهيدا في الوقيعة بين المسلمين والنصارى بظاهر ألمرية عندما وقع الصريخ لإنجادها، ورفع العدو البرجلوني عنها في السادس والعشرين من شهر ربيع الأول عام عشرة وسبعمائة.
стр. 1156
ومن ترجمة المقرئين والعلماء والطلبة النجباء من ترجمة الطارئين منهم
عبد الرحمن «١» بن عبد الله بن أحمد بن أبي الحسن أصبغ بن حسن «٢» بن سعدون بن رضوان بن فتّوح الخثعمي
مالقي، يكنى أبا زيد، وأبا القاسم، وأبا الحسين، وهي قليلة، شهر بالسّهيلي.
حاله: كان مقرئا مجوّدا، متحققا بمعرفة التفسير، غواصا على المعاني البديعة، ظريف التّهدّي إلى المقاصد الغريبة، محدّثا، واسع الرّواية، ضابطا لما يحدّث به، حافظا متقدما، ذاكرا للأدب والتواريخ والأشعار والأنساب، مبرّزا في الفهم، ذكيّا، أديبا، كاتبا بليغا، شاعرا مجيدا، نحويا، عارفا، بارعا، يقظا، يغلب عليه علم العربية والأدب. استدعي آخرا إلى التدريس بمرّاكش، فانتقل إليها من مالقة، محلّ إقرائه، ومتبوّأ إفادته، فأخذ بها الناس عنه، إلى حين وفاته.
مشيخته: تلا «٣» بالحرمين على خال أبيه الخطيب أبي الحسن بن عباس، وبالسّبع على أبي داود بن يحيى، وعلى أبي علي منصور بن علاء، وأبي العباس بن خلف بن رضي، وروى عن أبي بكر بن طاهر، وابن العربي، وابن قندلة، وأبي الحسن شريح، وابن عيسى، ويونس بن مغيث، وأبي الحسن بن الطّراوة، وأكثر عنه في علوم اللسان، وأبي عبد الله حفيد مكّي، وابن أخت غانم، وابن معمّر، وابن نجاح، وأبي العباس بن يوسف بن يمن الله، وأبوي القاسم ابن الأبرش، وابن الرّماك، وأبوي محمد بن رشد، والقاسم بن دحمان، وأبوي مروان بن بونة، وأبي عبد الله بن بحر. وناظر في «المدوّنة» على ابن هشام. وأجاز له ولم يلقه أبو العباس عبّاد بن سرحان، وأبو القاسم بن ورد.
стр. 1157
من روى عنه: روى عنه أبو إسحاق الزّوالي، وأبو إسحاق الجاني، وأبو أمية بن عفير، وأبو بكر بن دحمان، وابن قنتوال، والمحمدون ابن طلحة، وابن عبد العزيز، وابن علي جو يحمات، وأبو جعفر بن عبد المجيد، والحفّار وسهل بن مالك، وابن العفّاص، وابن أبي العافية، وأبو الحسن السّراج، وأبو سليمان بن حوط الله، والسمائي، وابن عياش الأندرشي، وابن عطية، وابن يربوع، وابن رشيد، وابن ناجح، وابن جمهور، وأبو عبد الله بن عيّاش الكاتب، وابن الجذع، وأبو علي الشّلوبين، وسالم بن صالح، وأبو القاسم بن بقي، وأبو القاسم بن الطّيلسان، وعبد الرحيم بن الفرس، وابن الملجوم، وأبو الكرم جودي، وأبو محمد بن حوط الله، إلى جملة لا يحصرها الحدّ.
دخل غرناطة، وكان كثير التأميل والمدح لأبي الحسن بن أضحى، قاضيها وريّسها «١» ، وله في مدحه أشعار كثيرة، وذكر لي من أرّخ في الغرناطيين، وأخبرني بذلك صاحبنا القاضي أبو الحسن بن الحسن كتابة عمّن يثق به.
تواليفه: منها كتاب «الشّريف «٢» والإعلام، بما أبهم في القرآن من أسماء الأعلام» . ومنها شرح آية الوصية، ومنها «الرّوض الآنف «٣» والمشرع الرّوا، فيما اشتمل عليه كتاب السيرة واحتوى» . وابتدأ إملاءه في محرم سنة تسع وستين وخمسمائة، وفرغ منه في جمادى منها. ومنها «حلية النّبيل، في معارضة ما في السّبيل» . إلى غير ذلك.
شعره: قال أبو عبد الله بن عبد الملك: أنشدني أبو محمد القطّان، قال:
أنشدني أبو علي الرّندي، قال: أنشدني أبو القاسم السّهيلي لنفسه «٤» : [الطويل]
أسائل عن جيرانه من لقيته ... وأعرض عن ذكراه والحال تنطق
стр. 1158
وما لي إلى جيرانه من صبابة ... ولكنّ قلبي «١» عن صبوح يوفّق «٢»
ونقلت من خطّ الفقيه القاضي أبي الحسن بن الحسن، من شعر أبي القاسم السّهيلي، مذيّلا بيت أبي العافية في قطعة لزوميّة: [الطويل]
ولمّا رأيت الدّهر تسطو خطوبه ... بكل جليد في الورى أو هداني»
ولم أر من حرز ألوذ بظلّه ... ولا من له بالحادثات يداني
فزعت إلى من ملّك «٤» الدهر كفّه ... ومن ليس ذو ملك له بمران
وأعرضت عن ذكر الورى متبرّما ... إلى الرّب من قاص هناك ودان
وناديته سرّا ليرحم عبرتي ... وقلت: رجائي قادني وهداني
ولم أدعه حتى تطاول مفضلا ... عليّ بإلهام الدّعاء وعان
وقلت: أرجّي عطفه متمثّلا ... ببيت لعبد صائل بردان «٥»
تغطّيت من دهري بظلّ جناحه ... عسى أن ترى «٦» دهري وليس يراني
قلت: وما ضرّه، غفر الله له، لو سلمت أبياته من «بردان» ، ولكن أبت صناعة النحو إلّا أن تخرج أعناقها.
ومن شعره قوله: [المتقارب]
تواضع إذا كنت تبغي العلا ... وكن «٧» راسيا عند صفو الغضب
فخفض الفتى نفسه رفعة ... له واعتبر برسوب الذّهب
وشعره كثير، وكتابته كذلك، وكلاهما من نمط يقصر عن الإجادة.
وقال ملغزا في محمل الكتب، وهو مما استحسن من مقاصده: [الخفيف]
حامل للعلوم غير فقيه ... ليس يرجو أمرا ولا يتّقيه
يحمل العلم فاتحا قدميه ... فإذا انضمّتا «٨» فلا علم فيه
стр. 1159
ومن ذلك قوله في المجبنات «١» : [الكامل]
شغف الفؤاد نواعم أبكار ... بردت فؤاد الصّبّ وهي حرار
أذكى من المسك الفتيق «٢» لناشق ... وألذّ من صهباء حين تدار
وكأنّ «٣» من صافي اللّجين بطونها ... وكأنّما ألوانهنّ نضار
صفت البواطن والظواهر كلها «٤» ... لكن حكت ألوانها الأزهار
عجبا «٥» لها وهي النعيم تصوغها ... نار، وأين من النّعيم النار؟
ومن شعره وثبت في الصّلة: [المتقارب]
إذا قلت يوما: سلام عليك ... ففيها شفاء وفيها سقام
شفا إذ قلتها مقبلا ... وإن قلتها مدبرا فالحمام
فاعجب لحال اختلافيهما ... وهذا سلام وهذا سلام
مولده: عام سبعة أو ثمانية وخمسمائة «٦» .
وفاته: وتوفي في مرّاكش سحر ليلة الخامس والعشرين من شعبان أحد وثمانين وخمسمائة «٧» ، ودفن لظهره بجبّانة الشيوخ خارج مراكش، وكان قد عمي سبعة عشر «٨» عاما من عمره.
عبد الرحمن بن هانىء اللخمي
يكنى أبا المطرف، من أهل فرقد من قرى إقليم غرناطة.
стр. 1160
حاله: كان فقيها فاضلا، وتجوّل في بلاد المشرق. قال: أنشدني إمام الجامع بالبصرة: [الوافر]
بلاء ليس يشبهه بلاء ... عداوة غير ذي حسب ودين
ينيلك منه عرضا لم يصنه ... ويرتع منك في عرض مصون
عبد الرحمن بن أحمد بن أحمد بن محمد الأزدي «١»
من أهل غرناطة، يكنى أبا جعفر، ويعرف بابن القصير «٢» .
حاله: كان «٣» فقيها [مشاورا، رفيع القدر جليلا] «٤» ، بارع الأدب، عارفا بالوثيقة، نقّادا لها، صاحب رواية ودراية، تقلّب ببلاد الأندلس، وأخذ الناس عنه بمرسية وغيرها. ورحل إلى مدينة فاس، وإفريقية، وأخذ بها، وولّي القضاء بتقرش «٥» من بلاد الجريد.
مشيخته: روى «٦» عن أبيه القاضي أبي الحسن بن أحمد، وعن عمّه أبي مروان، وعن أبوي الحسن بن درّي، وابن الباذش، وأبي الوليد بن رشد، وأبي إسحاق بن رشيق الطليطلي، نزيل وادي آش، وأبي بكر بن العربي، وأبي الحسن بن وهب «٧» ، وأبي محمد عبد الحق بن عطيّة، وأبي عبد الله بن أبي الخصال، وأبي الحسن يونس بن مغيث، وأبي القاسم بن ورد، وأبي بكر بن مسعود الخشني، وأبي القاسم بن بقيّ، وأبي الفضل عياض بن موسى بن عياض، وغيرهم.
تواليفه «٨» : له تواليف وخطب ورسائل ومقامات، وجمع مناقب من أدركه من أهل عصره، واختصر كتاب الجمل «٩» لابن خاقان الأصبهاني، وغير ذلك، وألّف برنامجا يضم رواياته.
من روى عنه: روى عنه ابن الملجوم «١٠» ، واستوفى خبره.
следующие страницы →