← Тараджим

Тараджим · id 11682

الإحاطة في أخبار غرناطة

لسان الدين بن الخطيب

Полный текст (1 954 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

ومن ترجمة المقرئين والعلماء والطلبة النجباء من ترجمة الطارئين منهم عبد الرحمن «١» بن عبد الله بن أحمد بن أبي الحسن أصبغ بن حسن «٢» بن سعدون بن رضوان بن فتّوح الخثعمي مالقي، يكنى أبا زيد، وأبا القاسم، وأبا الحسين، وهي قليلة، شهر بالسّهيلي. حاله: كان مقرئا مجوّدا، متحققا بمعرفة التفسير، غواصا على المعاني البديعة، ظريف التّهدّي إلى المقاصد الغريبة، محدّثا، واسع الرّواية، ضابطا لما يحدّث به، حافظا متقدما، ذاكرا للأدب والتواريخ والأشعار والأنساب، مبرّزا في الفهم، ذكيّا، أديبا، كاتبا بليغا، شاعرا مجيدا، نحويا، عارفا، بارعا، يقظا، يغلب عليه علم العربية والأدب. استدعي آخرا إلى التدريس بمرّاكش، فانتقل إليها من مالقة، محلّ إقرائه، ومتبوّأ إفادته، فأخذ بها الناس عنه، إلى حين وفاته. مشيخته: تلا «٣» بالحرمين على خال أبيه الخطيب أبي الحسن بن عباس، وبالسّبع على أبي داود بن يحيى، وعلى أبي علي منصور بن علاء، وأبي العباس بن خلف بن رضي، وروى عن أبي بكر بن طاهر، وابن العربي، وابن قندلة، وأبي الحسن شريح، وابن عيسى، ويونس بن مغيث، وأبي الحسن بن الطّراوة، وأكثر عنه في علوم اللسان، وأبي عبد الله حفيد مكّي، وابن أخت غانم، وابن معمّر، وابن نجاح، وأبي العباس بن يوسف بن يمن الله، وأبوي القاسم ابن الأبرش، وابن الرّماك، وأبوي محمد بن رشد، والقاسم بن دحمان، وأبوي مروان بن بونة، وأبي عبد الله بن بحر. وناظر في «المدوّنة» على ابن هشام. وأجاز له ولم يلقه أبو العباس عبّاد بن سرحان، وأبو القاسم بن ورد.

стр. 1157

من روى عنه: روى عنه أبو إسحاق الزّوالي، وأبو إسحاق الجاني، وأبو أمية بن عفير، وأبو بكر بن دحمان، وابن قنتوال، والمحمدون ابن طلحة، وابن عبد العزيز، وابن علي جو يحمات، وأبو جعفر بن عبد المجيد، والحفّار وسهل بن مالك، وابن العفّاص، وابن أبي العافية، وأبو الحسن السّراج، وأبو سليمان بن حوط الله، والسمائي، وابن عياش الأندرشي، وابن عطية، وابن يربوع، وابن رشيد، وابن ناجح، وابن جمهور، وأبو عبد الله بن عيّاش الكاتب، وابن الجذع، وأبو علي الشّلوبين، وسالم بن صالح، وأبو القاسم بن بقي، وأبو القاسم بن الطّيلسان، وعبد الرحيم بن الفرس، وابن الملجوم، وأبو الكرم جودي، وأبو محمد بن حوط الله، إلى جملة لا يحصرها الحدّ. دخل غرناطة، وكان كثير التأميل والمدح لأبي الحسن بن أضحى، قاضيها وريّسها «١» ، وله في مدحه أشعار كثيرة، وذكر لي من أرّخ في الغرناطيين، وأخبرني بذلك صاحبنا القاضي أبو الحسن بن الحسن كتابة عمّن يثق به. تواليفه: منها كتاب «الشّريف «٢» والإعلام، بما أبهم في القرآن من أسماء الأعلام» . ومنها شرح آية الوصية، ومنها «الرّوض الآنف «٣» والمشرع الرّوا، فيما اشتمل عليه كتاب السيرة واحتوى» . وابتدأ إملاءه في محرم سنة تسع وستين وخمسمائة، وفرغ منه في جمادى منها. ومنها «حلية النّبيل، في معارضة ما في السّبيل» . إلى غير ذلك. شعره: قال أبو عبد الله بن عبد الملك: أنشدني أبو محمد القطّان، قال: أنشدني أبو علي الرّندي، قال: أنشدني أبو القاسم السّهيلي لنفسه «٤» : [الطويل] أسائل عن جيرانه من لقيته ... وأعرض عن ذكراه والحال تنطق

стр. 1158

وما لي إلى جيرانه من صبابة ... ولكنّ قلبي «١» عن صبوح يوفّق «٢» ونقلت من خطّ الفقيه القاضي أبي الحسن بن الحسن، من شعر أبي القاسم السّهيلي، مذيّلا بيت أبي العافية في قطعة لزوميّة: [الطويل] ولمّا رأيت الدّهر تسطو خطوبه ... بكل جليد في الورى أو هداني» ولم أر من حرز ألوذ بظلّه ... ولا من له بالحادثات يداني فزعت إلى من ملّك «٤» الدهر كفّه ... ومن ليس ذو ملك له بمران وأعرضت عن ذكر الورى متبرّما ... إلى الرّب من قاص هناك ودان وناديته سرّا ليرحم عبرتي ... وقلت: رجائي قادني وهداني ولم أدعه حتى تطاول مفضلا ... عليّ بإلهام الدّعاء وعان وقلت: أرجّي عطفه متمثّلا ... ببيت لعبد صائل بردان «٥» تغطّيت من دهري بظلّ جناحه ... عسى أن ترى «٦» دهري وليس يراني قلت: وما ضرّه، غفر الله له، لو سلمت أبياته من «بردان» ، ولكن أبت صناعة النحو إلّا أن تخرج أعناقها. ومن شعره قوله: [المتقارب] تواضع إذا كنت تبغي العلا ... وكن «٧» راسيا عند صفو الغضب فخفض الفتى نفسه رفعة ... له واعتبر برسوب الذّهب وشعره كثير، وكتابته كذلك، وكلاهما من نمط يقصر عن الإجادة. وقال ملغزا في محمل الكتب، وهو مما استحسن من مقاصده: [الخفيف] حامل للعلوم غير فقيه ... ليس يرجو أمرا ولا يتّقيه يحمل العلم فاتحا قدميه ... فإذا انضمّتا «٨» فلا علم فيه

стр. 1159

ومن ذلك قوله في المجبنات «١» : [الكامل] شغف الفؤاد نواعم أبكار ... بردت فؤاد الصّبّ وهي حرار أذكى من المسك الفتيق «٢» لناشق ... وألذّ من صهباء حين تدار وكأنّ «٣» من صافي اللّجين بطونها ... وكأنّما ألوانهنّ نضار صفت البواطن والظواهر كلها «٤» ... لكن حكت ألوانها الأزهار عجبا «٥» لها وهي النعيم تصوغها ... نار، وأين من النّعيم النار؟ ومن شعره وثبت في الصّلة: [المتقارب] إذا قلت يوما: سلام عليك ... ففيها شفاء وفيها سقام شفا إذ قلتها مقبلا ... وإن قلتها مدبرا فالحمام فاعجب لحال اختلافيهما ... وهذا سلام وهذا سلام مولده: عام سبعة أو ثمانية وخمسمائة «٦» . وفاته: وتوفي في مرّاكش سحر ليلة الخامس والعشرين من شعبان أحد وثمانين وخمسمائة «٧» ، ودفن لظهره بجبّانة الشيوخ خارج مراكش، وكان قد عمي سبعة عشر «٨» عاما من عمره. عبد الرحمن بن هانىء اللخمي يكنى أبا المطرف، من أهل فرقد من قرى إقليم غرناطة.

стр. 1160

حاله: كان فقيها فاضلا، وتجوّل في بلاد المشرق. قال: أنشدني إمام الجامع بالبصرة: [الوافر] بلاء ليس يشبهه بلاء ... عداوة غير ذي حسب ودين ينيلك منه عرضا لم يصنه ... ويرتع منك في عرض مصون عبد الرحمن بن أحمد بن أحمد بن محمد الأزدي «١» من أهل غرناطة، يكنى أبا جعفر، ويعرف بابن القصير «٢» . حاله: كان «٣» فقيها [مشاورا، رفيع القدر جليلا] «٤» ، بارع الأدب، عارفا بالوثيقة، نقّادا لها، صاحب رواية ودراية، تقلّب ببلاد الأندلس، وأخذ الناس عنه بمرسية وغيرها. ورحل إلى مدينة فاس، وإفريقية، وأخذ بها، وولّي القضاء بتقرش «٥» من بلاد الجريد. مشيخته: روى «٦» عن أبيه القاضي أبي الحسن بن أحمد، وعن عمّه أبي مروان، وعن أبوي الحسن بن درّي، وابن الباذش، وأبي الوليد بن رشد، وأبي إسحاق بن رشيق الطليطلي، نزيل وادي آش، وأبي بكر بن العربي، وأبي الحسن بن وهب «٧» ، وأبي محمد عبد الحق بن عطيّة، وأبي عبد الله بن أبي الخصال، وأبي الحسن يونس بن مغيث، وأبي القاسم بن ورد، وأبي بكر بن مسعود الخشني، وأبي القاسم بن بقيّ، وأبي الفضل عياض بن موسى بن عياض، وغيرهم. تواليفه «٨» : له تواليف وخطب ورسائل ومقامات، وجمع مناقب من أدركه من أهل عصره، واختصر كتاب الجمل «٩» لابن خاقان الأصبهاني، وغير ذلك، وألّف برنامجا يضم رواياته. من روى عنه: روى عنه ابن الملجوم «١٠» ، واستوفى خبره.

стр. 1161

وفاته: ركب «١» البحر قاصدا الحج، فتوفي شهيدا في البحر؛ قتله الرّوم بمرسى تونس مع جماعة من المسلمين، صبح يوم الأحد، في العشر الوسط من شهر ربيع الآخر سنة ست وسبعين وخمسمائة «٢» . عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد الأنصاري يكنى أبا بكر، ويعرف بابن الفصّال. حاله: هذا الرجل فاضل عريق في العدالة، ذكيّ، نبيل، مختصر الجرم، شعلة من شعل الإدراك، مليح المحاورة، عظيم الكفاية، طالب متقن. قرأ على مشيخة بلده، واختصّ منهم بمولى النعمة على أبناء جنسه، أبي سعيد ابن لب، واستظهر من حفظه كتبا كثيرة، منها كتاب التفريع في الفروع، وارتسم في العدول، وتعاطى لهذا العهد الأدب، فبرّز في فنّه. أدبه: مما جمع فيه بين نظمه ونثره، قوله يخاطب الكتّاب، ويسحر ببراعته الألباب: [الطويل] لعلّ نسيم الريح يسري عليله ... فأهدي صحيح الودّ طيّ سقيم لتحملها عنّي وأزكى تحية ... لقيت «٣» ككهف مانع ورقيم ويذكر ما بين الجوانح من جوى ... وشوق إليهم مقعد ومقيم يا كتّاب المحلّ السامي، والإمام المتسامي، وواكف الأدب البسّامي، أناشدكم بانتظامي، في محبّتكم وارتسامي، وأقسم بحقّكم عليّ وحبّذا إقسامي، ألا ما أمددتم بأذهانكم الثاقبة، وأسعدتم بأفكاركم النّيرة الواقبة، على إخراج هذا المسمّى، وشرح ما أبهمه المعمّى، فلعمري لقد أحرق مزاجي، وفرّق امتزاجي، وأظلم به وهاجي، وغطّى على مرآة ابتهاجي، فأعينوني بقوة ما استطعتم، وأقطعوني من مددكم ما قطعتم، وآتوني بذلك كلّه إعانة وسدّا وإلّا فها هو بين يديكم ففكّوا غلقه، واسردوا خلقه، واجمعوا مضغه المتباينة وعلقه، حتى يستقيم جسدا قائما بذاته، متّصفا بصفاته المذكورة ولذّاته، قائلا بتسلّيه أسلوبا، مصحفا كان أو مقلوبا. وإن تأبّى عليكم وتمنّع، وأدركه الحياء فتستّر وتقنّع، وضرب على آذان الشّهدا، وربط على قلوبهم من الإرشاد له والاهتداء، فابعثوا أحدكم إلى

стр. 1162

المدينة، ليسأل عنه خدينه: [المتقارب] أحاجي ذوي العلم والحلم ممن ... ترى شعلة الفهم من زنده عن اسم هو الموت مهما دنا ... وإن بات يبكى على فقده لذيذ وليس بذي طعم ... ويؤمر بالغسل من بعده وأطيب ما يجتنيه الفتى ... لدى ربّة الحسن أو عبده مضجّعه عشر الثلث في ... حساب المصحّف من خدّه وإن شئت قل: مطعم ذمّه الر ... رسول وحضّ على بعده وقد جاء في الذّكر إخراجه ... لقوم نبيّ على عهده وتصحيف ضدّ له آخر ... يبارك للنّحل في شهده وتصحيف مقلوبه ربّه ... تردّد من قبل في ردّه فهاكم معانيه قد بدت ... كنار الكريم على نجده وكتب للولد، أسعده الله، يتوسّل إليه، ويروم قضاء حاجته: [الخفيف] أيها السيد العزيز، تصدّق ... في المقام العليّ لي بالوسيلة عند ربّ الوزارتين أطال ال ... له أيامه حسانا جميلة علّه أن يجيرني من زمان ... مسّني الضّرّ من خطاه الثّقيلة واستطالت عليّ بالنّهب جورا ... من يديه الخفيفة المستطيلة لم تدع لي بضاعة غير مزجا ... ة ونزر أهون به من قليله وإذا ما وفّى لي الكيل يوما ... حشفا ما يكيله سوء كيله فشفى بي غليله لا شفى بي ... دون أبنائه الجميع غليله من لهذا الزمان مذ نال منّي ... ليس لي بالزمان والله حيله غير أن يشفع الوزير ويدعو «١» ... عبده أو خديمه أو خليله دمت يا ابن الوزير في عزّك السا ... مي ودامت به الليالي كفيله سيدي الذي بعزّة جاهه أصول، وبتوسّلي بعنايته أبلغ المأمول والسّول، وأروم لما أنا أحوم عليه الوصول، ببركة المشفوع إليه والرسول، المرغوب من مجدك السّامي الصريح، والمؤمّل من ذلك الوجه السّنيّ الصبيح، أن تقوم بين يدي نجوى الشّفاعة، هذه الرّقاعة، وتعين بذاتك الفاضلة النفّاعة، من لسانك مصقاعة، حتى

стр. 1163

ينجلي حالي عن بلج، وأتنسّم من مهبّات القبول طيب الأرج، وتتطلع مستبشرات فرحتي من ثنيّات الفرج، فإنّ سيّد الجماعة الأعلى، وملاذ هذه البسيطة وفحلها الأجلى، فسح الله تعالى في ميدان هذا الوجود بوجوده، وأضفى على هذا القطر ملابس السّتر برأيه السديد وسعوده، وبلّغه في جميعكم غاية أمله ومقصوده، قلّما تضيع عنده شفاعة الأكبر من ولده، أو يخيب لديه من توسّل إليه بأزكى قطع كبده، وبحقك ألا ما أمرت هذه الرّقعة، بالمثول بين يدي ذلك الزّكي الذّات الطاهر البقعة، وقل لها قبل الحلول بين يدي هذا المولى الكريم، والموئل الرحيم، بعظيم التوقير والتّبجيل، واعلمي يا أيتها السائل، أن هذا الرجل هو المؤمّل، بعد الله تعالى في هذا الجيل، والحجّة البالغة في تبليغ راجيه أقصى ما يؤملونه بالتعجيل، وخاتمة كلام البلاغة وتمام الفصاحة الموقف عليه ذلك كله بالتّسجيل، وغرّة صفح دين الإسلام المؤيدة بالتّحجيل. وهذا هو مدبّر فلك الخلافة العالية بإيالته، وحافظ بدر سمائها السامية بهالته، فقرّي بالمثول بين يديه عينا، ولقد قضيت على الأيام بذلك دينا، وإذا قيل ما وسيلة مؤمّلك، وحاجة متوسّلك، فوسيلته تشيّعه في أهل ذلك المعنى، وحاجته يتكفّل بها مجدكم الصميم ويعنى، وليست تكون بحرمة جاهكم من العرض الأدنى، وتمنّ فإنّ للإنسان هنالك ما تمنّى، وتولّى تكليف مرسلي بحسب ما وسعكم، وأنتم الأعلون والله معكم. ثم اثن العنان، والله المستعان، وأعيدي السلام، ثم عودي بسلام. وخاطب قاضي الحضرة، وقد أنكر عليه لباس ثوب أصفر: أبقى الله المثابة العليّة ومثلها أعلى، وقدحها في المعلوّات المعلّى، ما لها أمرت لا زالت بركاتها تنثال، ولأمر ما يجب الامتثال، بتغيير ثوبي الفاقع اللون، وإحالته عن معتاده في الكون، وإلحاقه بالأسود الجون أصبغه حدادا وأيام سيدي أيام سرور، وبنو الزمان بعدله ضاحك ومسرور، ما هكذا شيمة البرور، بل لو استطعنا أن نزهو له كالميلاد، ونتزيّا في أيامه بزيّ الأعياد، ونرفل من المشروع في محبر وموروس، ونتجلّى في حلل العروس، حتى تقرّ عين سيدي بكتيبة دفاعه، وقيمة نوافله وإشفاعه، ففي علم سيدي الذي به الاهتداء، وبفضله الاقتداء، تفضيل الأصفر الفاقع، حيثما وقع من المواقع، فهو مهما حضر نزهة الحاضرين، وكفاه فاقع لونها تسرّ الناظرين. ولقد اعتمّه جبريل ﵇، وبه تطرّز المحبرات والأعلام، وإنه لزيّ الظّرفاء، وشارة أهل الرّفاء، اللهمّ إلا إن كان سيدي دام له البقاء، وساعده الارتقاء، ينهي أهل التّبريز، عن مقاربة لون الذهب الإبريز، خيفة أن تميل له منهم ضريبة، فيزنّوا بريبة، فنعم إذا ونعمى عين، وسمعا وطاعة لهذا الأمر الهيّن اللّين، أتبعك لا زيدا وعمرا،

стр. 1164

ولا أعصى لك أمرا، ثم لا ألبس بعدها إلّا طمرا، وأتجرّد لطاعتك تجريدا، وأسلك إليك فقيرا ومزيدا، ولا أتعرّض للسّخط بلبس شفيف أستنشق هباه، وألبس عباه، وأبرأ من لباس زي ينشئ عتابا، يلقى على لسان مثل هذا كتابا، وأتوب منه متابا، ولولا أني الليلة صفر اليدين، ومعتقل الدّين، لباكرت به من حانوت صبّاغ رأس خابية، وقاع مظلمة جابية، فأصيّره حالكا، ولا ألبسه حتى أستفتي فيه مالكا، ولعلي أجدّ فأرضي سيدي بالتّزييّ بشارته، والعمل بمقتضى إشارته، والله تعالى يبقيه للحسنات ينبّه عليها، ويومي بعمله وحظّه إليها، والسلام. وخاطبني وقد قدم في شهادة المواريث بحضرة غرناطة: [السريع] يا منتهى الغايات دامت لنا ... غايتك القصوى بلا فوت طلبت إحيائي بكم فانتهى ... من قبله حالي إلى الموت وحقّ ذاك «١» الجاه جاه العلا ... لا متّ إلّا أن أتى وقتي «٢» مولاي الذي أتأذّى من جور الزمان بذمام جلاله، وأتعوّذ من نقص شهادة المواريث بتمام كماله، شهادة يأباها المعسر والحيّ، ويودّ أن لا يوافيه أجله عليها الحيّ، مناقضة لما العبد بسبيله، غير مربح قطميرها من قليله، فإن ظهر لمولاي إعفاء عبده، فمن عنده، والله تعالى يمتّع الجميع بدوام سعده، والسلام الكريم يختص بالطاهر من ذاته ومجده، ورحمة الله وبركاته. من عبد إنعامكم ابن الفصّال لطف الله به: [البسيط] قد كنت أسترزق الأحياء ما رزقوا ... شيئا ولا ما «٣» وفوني بعض أقوات فكيف حالي لمّا أن شكوتهم ... رجعت أطلب قوتي عند أمواتي «٤» والسلام يعود على جناب مولاي، ورحمة الله وبركاته. وخاطب أحد أصحابه، وقد استخفى لأمر قرف به، برسالة افتتحها بأبيات على حرف الصاد، أجابه المذكور عن ذلك بما نصّه، وفيه إشارة لغلط وقع في الإعراب: [البسيط] يا شعلة من ذكاء أرسلت شررا ... إلى قريب من الأرجاء بعد قص وشبهة حملت دعوى السّفاح على ... فحل يليق به مضمونها وخص

стр. 1165

رحماك بي فلقد جرّعتني غصصا ... أثار تعريضها المكتوم من غصّ بليتني بنكاة» القرح في كبدي ... كمثل مرتجف المجذوم بالبرص أيها الأخ الذي رقى ومسح، ثم فصح، وغشّ ونصح، ومزّق ثم نصح، وتلاهب بأطراف الكلام المشقّق فما أفصح، ما لسحّاتك ذات الجيد المنصوص، توهم سمة الودّ المرصوص، ثم تعدل إلى التأويلات عن النّصوص، وتؤنس على العموم، وتوحش على الخصوص، لا درّ درّه من باب برّ ضاع مفتاحه، وتأنيس حرّ سبق بالسجن استفتاحه، ومن الذي أنهى إلى أخي خبر ثقافي، ووثيقة تحبيسي وإيقافي، وقد أبى ذلك سعد فرعه باسق، وعزّ عقده متناسق. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ «٢» ، بل المثوى والحمد لله جنّات وغرف، والمنتهى مجد وشرف، فإن كان وليّي مكترثا فيحقّ له السّرور، أو شامتا فلي الظّل وله الحرور. أنا لا أزنّ والحمد لله بها من هناه، ولما أدين بها من عزّي ومناه، ولا تمرّ لي ببال فلست بذي سيف ولست بنكال نفسي أرقّ شيمة، وأكرم مشيمة، وعيني أغزر ديمة، لو كان يسأل لسان عن إنسان، أو مجاولته بملعبه خوان، أوقفني إخوان لا بمأزق عدوان، لارتسمت منه بديوان، لا يغني في حرب عوان. عين هذا الشكل والحمد لله فراره، وعنوان هذا الحدّ غراره. وأما كوني من جملة الصّفرة، وممن أجهز سيدي الفقار على ذي الفقرة، فأقسم لو ضرب القتيل ببعض البقرة، لتعين مقدار تلك الغفرة. اللهمّ لو كنت مثل سيدي ممن تتضاءل النخلة السّحوق لقامته، ويعترف عوج لديه بقماءته ودمامته، مقبل الظّعن كالبدور في سحاب الخدور، وخليفة السّيد الذي بلغت سراويله تندوة العدوّ الأيّد، لطلت بباع مديد، وساعدني الخلق بساعد شديد، وأنا لي جسم شحت، يحف به بخت، وحسب مثلي أن يعلم في ميدان هوى تسلّ فيه سيوف اللّحاظ، على ذوي الحفاظ، وتشرع سيوف القدود، إلى شكاة الصّدود، وتسطو أولو الجفون السّود بالأسود، فكيف أخشى تبعة تزلّ عن صفاتي، وتنافي صفاتي، ولا تطمع أسبابها في التفاتي، ولا تستعمل في حربها قنا ألفاتي. والله يشكر سيدي على اهتباله، ويحلّ كريم سباله، على ما ظهر لأجلي من شغف باله، إذ رفع ما ينصب، وغيّر ما لو غيّره الحجاج لكان مع الهيبة يحصب، ونكّت بأن نفقت بالحظ سوقي، وظهر لأجله فسوقي، ويا حبّذا هو من شفيع رفيع ووسيلة لا يخالفها الرّعي، ولا

стр. 1166

يخيب لها السّعي. ولله درّ القائل: [الكامل] لله بالإنسان في تعليمه ... بوساطة القلم الكريم عنايه فالخطّ خطّ والكتابة لم تزل ... في الدهر عن معنى الكمال كنايه وما أقرب، يا سيدي، هذه الدعوى لشهامتك، وكبر هامتك: [الكامل] لو كنت حاضرهم بخندق بلج ... ولحمل ما قد أبرموه فصال لخصصت بالدعوى التي عمّوا بها ... ولقيل: فصل جلاه الفصال وتركت فرعون بن موسى عبرة ... تتقدّ منه بسيفه الأوصال فاحمد الله الذي نجّاك من حضور وليمتها، ولم تشهد يوم حليمتها. وأما اعتذارك عما يقلّ من تفقّد الكنز، ومنتطح العنز، فورع في سيدي أتمّ من أن يتّهم بغيبة، ولسانه أعفّ من أن ينسب إلى ريبة، لما اتّصل به من فضل ضريبة، ومقاصد في الخير غريبة، إنما يستخفّ سيدي أفرط التّهم، رمي العوامل بالتّهم، فيجري أصحّ مجرى أختها، ويلبسها ثياب تحتها، بحيث لا إثم يترتّب، ولا هو ممن تعتب «١» ، وعلى الرجال فجنايته عذبة الجنا، ومقاصده مستطرفة لفصح أو كنى. أبقاه الله رب نفاضة وجرادة، ولا أخلى مبرده القاطع من برادة، وعوّده الخير عادة، ولا أعدمه بركة وسعادة، بفضل الله. والسلام عليه من وليّه المستزيد من ورش وليه، لا بل من قلائد حليه، محمد بن فركون القرشي، ورحمة الله وبركاته. فراجعه المترجم بما نصه، وقد اتّهم أن ذلك من إملائي: [البسيط] يا ملبس النّصح ثوب الغشّ متّهما ... يلوي النّصيحة عنه غير منتكص وجاهلا باتخاذ الهزل مأدبة ... أشدّ ما يتوقّى محمل الرّخص نصحته فقصاني فانقلبت إلى ... حال يغصّ بها من جملة الغصص بالأمس أنكرت آيات القصاص له ... واليوم يسمع فيه سورة القصص ممّن استعرت يا بابليّ هذا السّحر، ولم تسكن بناصية السحر، ولا أعملت إلى بابل هاروت امتطاء ظهر، ومن أين جئت بقلائد ذلك النّحر؟ أمن البحر، أو مما وراء النهر؟ ما لمثل هذه الأريحيّة الفاتقة، استنشقنا مهبّك ولا قبل هذه البارقة الفائقة، استكثرنا غيّك، يا أيها الساحر ادع لنا ربّك. أأضغاث أحلام ما تريه الأقلام، أم في لحظة تلد الأيام فرائد الأعلام؟ لقد عهدت بربعك محسن دعابة، ما فرعت شعابه، أو

стр. 1167

مصيبا في صبابة، ما قرعت بابه، ولا استرجعت قبل أن أعبر عبابه. اللهمّ إلّا أن تكون تلك الآيات البيّنات من بنات يراعتك، لا براعتك، ومغترس تلك الزّهر، الطالعة كالكواكب الزّهر، مختلس يد استطاعتك، لا زراعتك، وإلّا فنطّرح مصائد التعليم والإنشاء، وننتظر معنى قوله يؤتي الحكمة من يشاء، أو نتوسّل في مقام الإلحاح والإلحاف، أن ننقل من غائلة الحسد إلى الإنصاف، وحسبي أن أطلعت بالحديقة الأنيقة، ووقفت من مثلى تلك الطّريقة على حقيقة، فألفيت بها بيانا، قد وضح تبيانا أو أطلق عنانا، ومحاسن وجدت إحسانا، فتمثّلت إنسانا، سرّح لسانا، وأجهد بنانا، إلّا أنّ صادح أيكتها يتململ في قيظ، ويكاد يتميّز من الغيظ، فيفيض ويغيض، ويهيض وينهض ثم يهيض، ويأخذ في طويل وعريض، بتسبيب وتعريض، ويتناهض في ذلك بغير مهيض، وفاتن كمائمها تسأل عن الصّادح، ويتلقّف عصا استعجاله ما يفكّه المادح، ويحرق بناره زند القادح، ويتعاطى من نفسه بالإعجاب، ويكاد ينادي من وراء حجاب، إن هذا لشيء عجاب. إيه بغير تمويه رجع الحديث الأول، إلى ما عليه المعوّل، لا درّ درّها من نصيحة غير صحيحة، ووصيّة مودّة صريحة، تعلقت بغير ذي قريحة، فهي استعجلتني بداهية كاتب، واستطالة ظالم عاتب، قد سلّ مرهفه، واستنجد مترفه، وجهّزها نحو كتيبته تسفر عن تحجيل، بغير تبجيل، وسحابة سجلّ ترمي بسجّيل، ما كان إلّا أن استقلّت، ورمتني بدائها وانسلّت، وألقت ما فيها وتخلّت، فحسبي الله تغلّب على فهمي، ورميت بسهمي، وقتلت بسلاحي، وأسكرت براحي، برئت برئت، مما به دهيت، أنت أبقاك الله لم تدن بها مني منالا وعزّا، فكيف بها تنسب إليّ بعدك وتعزى؟ نفسي التي هي أرقّ وأجدر بالمعالي وأحقّ، وشكلي أخفّ على القلوب وأدقّ، وشمائلي أملك فلا تسترق، ولساني هو الذي يسأل فلا يفلّ، وقدري يعزّ ويجلّ، عما فخرت أنت به من ملعب مائدة، ومجال رقاب متمايدة، فحاشى سيدي أن يقع منه بذلك مفخر، إلا أن يكون يلهو ويسخر، وموج بحره بالطّيّب والخبيث تزخر، وعين شكلي هي بحمد الله عين الظّرف، المشار إليه بالبنان والطّرف. وأما تعريض سيدي بصغر القامة، وتكبيره لغير إقامة، فمطّرد قول، ومدامة غول، وفريضة نشأ فيها عول، إذ لا مبالاة تجسم كائنا ما كان، أو ما سمعت أنّ السّر في السّكان، وإنما الجسد للرّوح مكان، ولم يبق إليه فقد يروح، وقد قال ويسألونك عن الرّوح، والمرء بقلبه ولسانه، لا بمستظهر عيانه، ولله درّ القائل: [الكامل] لم يرضني أني بجسم هائل ... والرّوح ما وفّت له أغراضه ولقد رضيت بأنّ جسمي ناحل ... والروح سابغة به فضفاضه

стр. 1168

ولما وقّع سيدي بمكتوبي على المرفوع والمنصوب، وظفرت يده بالمغضوب، والباحث المعصوب، لم يقلها زلّة عالم، وإني وقد وجدتها منية حالم، فعدّد وأعاد، وشدّد وأشاد. هلّا عقل ما قال، وعلم أن المقيل سيكون مقال، وزلّة العالم لا تقال، وأن الحرب سجال، وقبضة غيره هو المتلاعب في الحجال؟ وبالجملة فلك الفضل يا سيدي ما اعتني بمعناك، وارتفع بين مغاني الكرام مغناك، فمدة ركوبك الحمران لا تجارى، ولا يشقّ أحد لك غبارا. أبقاك الله تحفظ عرى هذا الوداد، ويشمل الجميع بركة ذلك النّاد، والسلام عليك من ابن الفصّال، ورحمة الله وبركاته. وجعلا إليّ التّحكيم، وفوّضا لنظري التّفضيل فكتبت: [البسيط] بارك عليها بذكر الله من قصص ... واذكر لها «١» ما أتى في سورة القصص حيث اغتدى السّحر يلهو بالعقول وقد ... أحال بين حؤول «٢» كيده وعصي «٣» عقائل العقل والسحر الحلال قوت ... من كافل الصّون بعد الكون جحر وصي «٤» وأقبلت تتهادى كالبدور إذا ... بسحر من فلك النّذور في حصص من للبدور وربّات الخدور بها ... المثل غير مطيع والمثيل «٥» عصي «٦» ما قرصة البدر والشّمس المنيرة أن ... قيست بمن قاسها «٧» من جملة القرض تالله ما حكمها يوما بمنتقض ... كلّا ولا بدرها يوما بمنتقص إن قال حكمي فيها بالسّواد فقد ... أمنت ما يحذر القاضي من الغصص

стр. 1169

أو كنت أرخصت في التّرجيح مجتهدا ... لم يقبل الورع الفتيا مع الرّخص يا مدلج ليل التّرجيح، قف فقد خفيت الكواكب، ويا قاضي طرف التّحسين والتّقبيح، تسامت والحمد لله المناكب، ويا مستوكف خبر الوقيعة من وراء أقتام القيعة تصالحت المواكب. حصحص الحقّ فارتفع اللّجاج، وتعارضت الأدلّة فسقط الاحتجاج، ووضعت الحرب أوزارها فسكن العجاج، وطاب نحل الأقلام بأزهار الأحلام فطاب المجاج، وقلّ لفرعون البيان وإن تألّه، وبلّد العقول وبلّه، وولّى بالغرور ودلّه. أوسع الكنائن نثلا، ودونك أيّدا شثلا، وشحرا حثلا، لا خطما ولا أثلا. إن هذان لساحران إلى قوله: ويذهبا بطريقتكم المثلى وإن أثرت أدب الحليم، مع قصّة الكليم، فقل لمجمل جياد التّعاليم، وواضع جغرافيا الأقاليم، أندلسا ما علمت بلد الأجم، لا سود العجم، ومداحض السّقوط، على شوك قتاد القوط، ولم يذر إن محل ذات العجائب والأسرار التي تضرب إليها أباط النّجاب في غير الإقليم الأول، وهذا الوطن بشهادة القلب الحوّل، إنما هو رسم دارس ليس عليه من معوّل. فهنالك يتكلم الحق فيفصح ويعجم، ويرد المدد على النفوس الجريئة من مطالع الأضواء فيحدّث ويلهم، ويجود خازن الأمداد، على المتوسّل بوسيلة الاستعداد، فيقطع ويسهم. وأما إقليمنا الرابع والخامس، بعد أن تكافأت المناظر والملامس، وتناصف الليل الدّامس واليوم الشّامس، باعتدال ربيعي، ومجرى طبيعي، وذكيّ بليد، ومعاش وتوليد، وطريف في البداوة وتليد، ليس به برباه ولا هرم، يخدم بها درب محترم، ويشبّ لقرياته حرم، فيفيد روحانيا يتصرف، ورئيسا يتعرّض ويتعرّف، كلما استنزل صاب، وأعمل الانتصاب، وجلب المآرب وأذهب الأوصاب، وعلم الجواب، وفهم الصواب. ولو فرضنا هذه المدارك ذوات أمثال، أو مسبوقة بمثال، لتلقينا منشور القضاء بامتثال، لكنّا نخاف أن نميل بعض الميل، فنجني بذلك أبخس الجري وإرضاء الذّميل، ونجرّ تنازع الفهري مع الصّميل. فمن خيّر ميّز، ومن حكم أزري به وتهكّم، وما سلّ سيوف الخوارج، في الزمن الدّارج، إلّا التّحكيم، حتى جهل الحكيم، وخلع الخطام ونزع الشّكيم، وأضرّ بالخلق نافع، وذهب الطفل لجراه واليافع، وذم الذّمام وردّ الشّافع، وقطر سيف قطري، بكل نجيع طري، وزار الشّيب الأسد الهصور، وصلّت الغزالة بمسجد الثّقفي وهو محصور، وانتهبت المقاصير والقصور، إلّا أن مستأهل الوظيفة الشّرعية عند الضرورة يجبر، والمنتدب للبرّ محيي عند الله ويجبر، واجعلني على خزائن الأرض وهو الأوضح والأشهر، فيها به يستظهر. وأنا فإن حكمت على التّعجيل،

стр. 1170

فغير مشهد على نفسي بالتّسجيل، إنما هو تلفيق يرضى وتطفيل، يعتب عليه من تصدّع بالحق ويمضى، إلّا أن يغضى، ورأيي فيها المراضاة والاستصلاح، وإلّا فالسّلاح والرّكاب الطلّاح، والصلح خير، وما استدفع بمثل التّسامح ضير. ومن وقف عليه، واعتبر ما لديه، فليعلم أني صدعت وقطعت، والحقّ أطعت، وإن أريد إلّا الإصلاح ما استطعت، والسلام. عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن ابن محمد بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن محمد ابن عبد الرحمن بن خلدون الحضرمي «١» من ذرّية «٢» عثمان أخي كريب المذكور في نبهاء ثوار الأندلس. وينتسب «٣» سلفهم إلى وائل بن حجر، وحاله عند القدوم على رسول الله ﷺ ، معروف «٤» . أوليته: قد ذكر بعض منها. وانتقل «٥» سلفه من مدينة إشبيلية عن نباهة وتعيّن وشهرة «٦» عند الحادثة بها، أو قبل ذلك، واستقرّ «٧» بتونس منهم ثالث «٨» المحمدين؛ محمد بن الحسن، وتناسلوا على سراوة «٩» وحشمة ورسوم حسنة، وتصرّف جدّ المترجم به لملوكها «١٠» في القيادة. حاله: هذا «١١» الرجل الفاضل حسن الخلق، جمّ الفضائل باهر الخصل، رفيع القدر، ظاهر الحياء، أصيل المجد، وقور المجلس، خاصّيّ الزّيّ، عالي الهمّة، عزوف عن الضّيم، صعب المقادة، قوي الجأش، طامح لقنن «١٢» الرئاسة، خاطب للحظّ، متقدّم في فنون عقلية ونقلية، متعدّد المزايا، سديد البحث، كثير الحفظ، صحيح التّصوّر، بارع الخطّ، مغرى بالتجلّة، جواد الكفّ «١٣» ، حسن العشرة، مبذول

стр. 1171

المشاركة، مقيم لرسوم التّعين، عاكف على رعي خلال الأصالة، مفخرة «١» من مفاخر التّخوم المغربية. مشيخته: قرأ «٢» القرآن ببلده على المكتّب ابن برال، والعربية على المقرئ الزواوي «٣» ، وابن العربي، وتأدّب بأبيه، وأخذ عن المحدّث أبي عبد الله بن جابر الوادي آشي. وحضر مجلس القاضي أبي عبد الله بن عبد السلام، وروى عن الحافظ عبد الله «٤» السّطي، والرئيس أبي محمد عبد المهيمن الحضرمي، ولازم العالم الشهير أبا عبد الله الآبلي، وانتفع به. توجّهه إلى المغرب: انصرف «٥» عن «٦» إفريقية منشئه، بعد أن تعلّق بالخدمة السلطانية على الحداثة وإقامته لرسم العلامة بحكم الاستنابة عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة. وعرف فضله، وخطبه السلطان منفّق سوق العلم والأدب أبو عنان فارس بن علي بن عثمان، واستقدمه «٧» ، واستحضره بمجلس المذاكرة، فعرف حقّه، وأوجب فضله، واستعمله في «٨» الكتابة أوائل عام ستة وخمسين، ثم عظم عليه حمل الخاصّة من طلبة الحضرة لبعده عن حسن التأنّي، وشفوفه بثقوب الفهم، وجودة الإدراك، فأغروا به السلطان إغراء عضّده ما جبل عليه عندئذ «٩» من إغفال التّحفّظ، ممّا يريب لديه، فأصابته شدّة تخلّصه منها أجله؛ كانت مغربة في جفاء ذلك الملك، وهناة جواره، وإحدى العواذل لأولي الهوى في القول بفضله، [واستأثر به الاعتقال باقي أيام دولته على سنن الأشراف من الصّبر] ١» وعدم الخشوع، وإهمال التوسّل، وإبادة المكسوب في سبيل النّفقة، والإرضاخ على زمن المحنة، وجار المنزل الخشن، إلى أن أفضى الأمر إلى السّعيد ولده، فأعتبه قيّم الملك لحينه، وأعاده إلى رسمه. ودالت الدولة إلى السلطان أبي سالم، وكان له به الاتصال، قبل تسوّغ المحنة، بما أكد حظوته، فقلّده ديوان الإنشاء مطلق الجرايات، محرّر السّهام، نبيه الرّتبة، إلى آخر أيامه. ولمّا ألقت الدولة مقادها بعده إلى الوزير عمر بن عبد الله، مدبّر الأمر، وله إليه قبل ذلك «١١» وسيلة، وفي حليه شركة، وعنده حقّ، رابه تقصيره عمّا ارتمى إليه أمله، فساء ما بينهما إلى أن آل إلى انفصاله عن الباب المريني.

стр. 1172

دخوله غرناطة: ورد «١» على الأندلس في أوائل «٢» شهر ربيع الأول من عام أربعة وستين وسبعمائة، واهتزّ له السلطان، وأركب خاصّته لتلقّيه، وأكرم وفادته، وخلع عليه، وأجلسه بمجلسه الخاص «٣» ، ولم يدّخر عنه برّا ومؤاكلة ومطايبة وفكاهة. وخاطبني لما حلّ بظاهر الحضرة مخاطبة لم تحضرني الآن، فأجبته عنها بقولي «٤» : [الطويل] حللت حلول الغيث في البلد المحل ... على الطائر الميمون والرّحب والسّهل يمينا بمن تعنو الوجوه لوجهه ... من الشّيخ والطفل المهدّإ «٥» والكهل لقد نشأت عندي للقياك غبطة ... تنسّي اغتباطي بالشّبيبة والأهل «٦» أقسمت «٧» بمن حجّت قريش لبيته، وقبر صرفت أزمّة الأحياء لميته، [ونور ضربت الأمثال بمشكاته «٨» وزيته، لو خيّرت أيها الحبيب] «٩» الذي زيارته الأمنية السّنيّة، والعارفة الوارفة، واللطيفة المطيفة، بين رجع الشّباب يقطر ماء، ويرفّ نماء، ويغازل عيون الكواكب، فضلا عن الكواعب، إشارة وإيماء، بحيث لا الوخط «١٠» يلمّ بسياج لمّته، أو يقدح ذبالة «١١» في ظلمته، أو يقوم حواريّه في ملّته «١٢» ، من الأحابش وأمّته، وزمانه روح وراح، ومغدى في النّعيم ومراح، وقصف صراح «١٣» ، [ورقّى «١٤» وجراح،] «١٥» وانتحاب «١٦» واقتراح، وصدور ما بها إلّا انشراح، ومسرّات تردفها أفراح. وبين قدومك خليع الرّسن، ممتّعا والحمد

стр. 1173

لله «١» باليقظة والوسن، محكما في نسك الجنيد أو فتك الحسن، ممتعا بظرف المعارف، مالئا أكفّ الصّيارف، ماحيا بأنوار البراهين شبه الزّخارف- لما اخترت الشّباب وإن شاقني «٢» زمنه، وأعياني ثمنه، وأجرت سحاب «٣» دمعي دمنه. فالحمد لله الذي رقى «٤» جنون اغترابي، وملّكني أزمة آرابي، وغبّطني بمائي وترابي، [ومألف أترابي،] «٥» وقد أغصّني بلذيذ شرابي، ووقّع على سطوره المعتبرة إضرابي، وعجّلت هذه مغبّطة بمناخ المطيّة «٦» ، ومنتهى الطّيّة، وملتقى السّعود «٧» غير البطيّة، وتهنّي الآمال الوثيرة الوطيّة، فما شئت من نفوس عاطشة إلى ريّك، متجمّلة بزيّك، عاقلة خطى مهريّك، ومولى مكارمه نشيدة أمثالك، ومظانّ «٨» مثالك، وسيصدق الخبر ما هنالك، ويسع «٩» فضل مجدك في «١٠» التخلّف عن الإصحار «١١» ، لا بل اللقاء من وراء البحار، والسّلام. ولما «١٢» استقرّ بالحضرة، جرت بيني وبينه مكاتبات أقطعها الظّرف جانبه، وأوضح الأدب فيها «١٣» مذاهبه. فمن ذلك ما خاطبته به، وقد تسرّى جارية روميّة اسمها هند صبيحة الابتناء بها: [السريع] أوصيك بالشيخ أبي بكره ... لا تأمنن في حالة مكره واجتنب الشّكّ إذا جئته ... جنّبك الرحمن ما تكره سيدي، لا زلت تتّصف بالوالج، بين الخلاخل والدّمالج «١٤» ، وتركض فوقها ركض الهمالج «١٥» أخبرني كيف كانت الحال، وهل حطّت بالقاع من خير البقاع الرّحال، وأحكم بمرود «١٦» المراودة الاكتحال، وارتفع بالسّقيا الإمحال، وصحّ

стр. 1174

الانتحال، وحصحص الحقّ وذهب المحال، وقد طولعت بكل بشرى وبشر، وزفّت هند منك إلى بشر، فلله من عشيّة تمتّعت من الربيع بفرش موشيّة، وابتذلت «١» منها أي وساد وحشية، وقد أقبل ظبي الكناس، من الدّيماس، ومطوق الحمام، من الحمّام، وقد حسّنت الوجه الجميل التّطرية «٢» ، وأزيلت عن الفرع الأثيث الإبرية «٣» ، وصقلت الخدود فهي «٤» كأنها الأمرية «٥» ، وسلّط الدّلك على الجلود، وأغريت النّورة بالشّعر المولود، وعادت الأعضاء يزلق عنها اللّمس، ولا تنالها البنان الخمس، والسّحنة يجول في صفحتها الفضّيّة ماء النعيم، والمسواك يلبّي من ثنيّة التّنعيم والقلب يرمي من الكفّ الرّقيم «٦» بالمقعد المقيم، وينظر إلى نجوم الوشوم، فيقول: إني سقيم. وقد تفتّح ورد الخفر، وحكم لزنجي الظّفيرة بالظّفر، واتّصف أمير الحسن بالصّدود المغتفر، ورشّ بماء الطّيب، ثم أعلق بباله دخان العود الرّطيب. وأقبلت الغادة، يهديها اليمن وتزقّها السعادة، فهي تمشي على استحياء وقد ذاع طيب الريّا، وراق حسن المحيّا، حتى إذا نزع الخفّ، وقبّلت الأكفّ، وصخب «٧» المزمار وتجاوب الدّف، وذاع الأرج، وارتفع الحرج، وتجوّز اللّوا والمنعرج، ونزل على بشر بزيارة هند الفرج، اهتزّت الأرض وربت، وعوصيت الطّباع البشرية فأبت. ولله درّ القائل «٨» : [المتقارب] ومرّت فقالت «٩» : متى نلتقي؟ ... فهشّ اشتياقا إليها الخبيث وكاد يمزّق سرباله ... فقلت: إليك يساق الحديث «١٠» فلمّا انسدل جنح الظلام، وانتصفت من غريم العشاء الأخيرة فريضة الإسلام «١١» ، وخاطت خيوط المنام، عيون الأنام، تأتّى دنوّ الجلسة، ومسارقة الخلسة، ثم عضّة النهد، وقبلة الفم والخدّ، وإرسال اليد من النّجد إلى الوهد،

стр. 1175

وكانت الإمالة القليلة قبل المدّ، ثم الإفاضة فيما يغبط ويرغب، ثم الإماطة لما يشوّش ويشغب، ثم إعمال المسير، إلى السّرير «١» : [الطويل] وصرنا إلى الحسنى ورقّ كلامنا ... ورضت فذلّت صعبة أيّ إذلال هذا «٢» بعد منازعة للأطواق يسيرة، يراها الغيد من حسن السيرة، ثم شرع في حلّ «٣» التّكة، ونزع الشّكة، وتهيئة الأرض العزاز «٤» عمل السّكة، ثم كان الوحي والاستعجال، وحمي الوطيس والمجال، وعلا الجزء الخفيف، وتضافرت الخصور الهيف، وتشاطر الطّبع العفيف، وتواتر التقبيل، وكان الأخذ الوبيل، وامتاز الأنوك من النّبيل، ومنها جائر وعلى الله قصد السّبيل، فيا لها من نعم متداركة، ونفوس في سبيل القحة متهالكة، ونفس يقطّع حروف الحلق، وسبحان الذي يزيد في الخلق، وعظمت الممانعة، وكثرت باليد المصانعة، وطال التّراوغ والتّزاور، وشكي التجاور «٥» ، وهنالك تختلف الأحوال، وتعظم الأهوال، وتخسر أو تربح الأموال، فمن عصا تنقلب ثعبانا مبينا، ونونة «٦» تصير تنينا، وبطل لم يهله «٧» المعترك الهائل، والوهم الزائل، ولا حال بينه وبين قرّته «٨» الحائل، فتعدّى فتكة السّليك إلى فتكة البرّاض، وتقلّد مذهب الأزارقة «٩» من الخوارج في الاعتراض، ثم شقّ الصفّ، وقد خضّب الكفّ، بعد أن كاد يصيب البريّ «١٠» بطعنته، ويبوء بمقت الله ولعنته «١١» : [الطويل] طعنت ابن عبد الله طعنة ثائر ... لها نفذ لولا الشعاع أضاءها وهناك هدأ القتال، وسكن الخبال، ووقع المتوقّع فاستراح البال، وتشوّف إلى مذهب الثنوية من لم يكن للتّوحيد بمبال، وكثر السؤال عن البال، بما بال، وجعل الجريح يقول: وقد نظر إلى دمه، يسيل على قدمه: [البسيط] إنّي له عن دمي المسفوك معتذر ... أقول: حمّلته في سفكه تعبا

стр. 1176

ومن «١» سنان عاد عنانا، وشجاع صار هدانا «٢» جبانا، كلما شابته شائبة ريبة، أدخل يده في جيبه، فانجحرت الحيّة، وماتت الغريزة الحيّة، وهناك يزيغ البصر، ويخذل المنتصر، ويسلم الأسر، ويغلب الحصر، ويجفّ اللّباب «٣» ، ويظهر العاب «٤» ، ويخفق الفؤاد، ويكبو الجواد، ويسيل العرق، ويشتدّ الكرب والأرق، وينشأ في محلّ الأمن الفرق، ويدرك فرعون الغرق، ويقوى اللّجاج ويعظم الخرق. فلا تزيد الحال إلا شدّة، ولا تعرف تلك الجارحة «٥» المؤمنة إلّا ردّة: [الطويل] إذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأكثر «٦» ما يجني عليه اجتهاده فكم مغرى بطول اللّبث، وهو من الخبث، يؤمل الكرّة، ليزيل المعرّة، ويستنصر الخيال، ويعمل باليد الاحتيال: [الرجز] إنك لا تشكو إلى مصمّت ... فاصبر على الحمل الثّقيل أو مت ومعتذر بمرض أصابه، جرّعه أوصابه «٧» ، ووجع طرقه، جلب أرقه، وخطيب أرتج عليه أحيانا، فقال: سيحدث الله بعد عسر يسرا وبعد عيّ بيانا، اللهمّ إنّا نعوذ بك من فضائح الفروج إذا استغلقت أقفالها، ولم تسم «٨» بالنّجيع أغفالها «٩» ، ومن معرّات الأقذار «١٠» ، والنكول عن الأبكار، ومن النّزول عن البطون والسّرر، والجوارح الحسنة الغرر، قبل ثقب الدّرر، ولا تجعلنا ممن يستحي من البكر بالغداة، وتعلم منه كلال الأداة، وهو مجال فضحت فيه رجال، وفراش شكيت فيه أوجال، وأعملت رويّة وارتجال. فمن قائل: [السريع] أرفعه طورا على إصبعي ... ورأسه مضطرب «١١» أسفله كالحنش المقتول يلقى على ... عود لكي يطرح في مزبله

стр. 1177

أو قائل «١» : [السريع] عدمت من أيري قوى حسّه ... يا حسرة المرء على نفسه تراه قد مال على أصله ... كحائط خرّ على أسّه وقائل: [الطويل] أيحسدني إبليس داءين أصبحا ... برجلي ورأسي دمّلا وزكاما؟ فليتهما كانا به وأزيده ... رخاوة أير لا يريد «٢» قياما «٣» وقائل: [الطويل] أقول لأيري وهو يرقب فتكة ... به: خبت من أير وعالتك «٤» داهيه إذا لم يك للأير بخت تعذّرت ... عليه وجوه النيك «٥» من كلّ ناحيه وقائل: [الطويل] تعقّف «٦» فوق الخصيتين كأنه ... رشاء إلى جنب الركيّة ملتفّ كفرخ ابن ذي يومين يرفع رأسه ... إلى أبويه ثم يدركه الضّعف وقائل: [الطويل] تكرّش أيري بعدما كان أملسا ... وكان غنيّا من قواه فأفلسا وصار جوابي للمها أن مررن بي ... «مضى الوصل إلّا منية تبعث الأسى» وقائل: [الطويل] بنفسي من حيّيته فاستخفّ بي ... ولم يخطر الهجران منه «٧» على بالي «٨» وقابلني بالغور والنّجد «٩» بعدما ... حططت به رحلي «١٠» وجرّدت سربالي وما أرتجي من موسر فوق دكّة «١١» ... عرضت له شيئا من الحشف البالي

стр. 1178

علل «١» لا تزال تبكى، وعلل على الدهر تشكى، وأحاديث تقصّ وتحكى، فإن كنت أعزّك الله من النّمط الأول، ولم تقل: [الطويل] وهل عند رسم دارس من معوّل «٢» فقد جنيت الثّمر، واستطبت السّمر، فاستدع الأبواق من أقصى المدينة، واخرج على قومك في ثياب الزّينة «٣» ، واستبشر بالوفود، وعرّف المسمع عازفة «٤» الجود، وتبجّح بصلابة العود، وإنجاز الوعود، واجن رمّان النّهود، من أغصان القدود، واقطف ببنان اللّثم أقاح الثّغور وورد الخدود، وإن كانت الأخرى، فأخف الكمد، وارض الثمد، وانتظر الأمد، وأكذب التوسّم، واستعمل التّبسّم، واستكتم النّسوة، وأفض فيهنّ الرّشوة، وتقلّد المغالطة وارتكب، وجىء على قميصك «٥» بدم كذب، واستنجد الرحمن، واستعن على أمورك «٦» بالكتمان: [الكامل] لا تظهرنّ لعاذل أو عاذر ... حاليك في السّرّاء والضّرّاء «٧» فلرحمة المتفجّعين حرارة ... في القلب مثل شماتة الأعداء وانتشق الأرج، وارتقب الفرج، فكم غمام طبّق وما همى «٨» ، وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى «٩» ، واملك بعدها عنان نفسك حتى تمكّنك الفرصة، وترفع إليك القصّة، ولا تشتره «١٠» إلى عمل لا تفيء منه بتمام، وخذ عن إمام، ولله درّ عروة بن حزام «١١» : [الكامل] الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى رموا مهري بأشقر مزبد وعلمت أني إن أقاتل دونهم ... أقتل ولم يضرر عدوّي مشهدي ففررت منهم والأحبّة فيهم ... طمعا لهم بعقاب يوم مفسد

стр. 1179

واللّبانات تلين وتجمح، والمآرب تدنو وتنزح، وتحرن ثم تسمح «١» ، وكم من شجاع خام «٢» ، ويقظ نام، ودليل أخطأ الطريق، وأضلّ الفريق، والله يجعلها خلّة موصولة، وشملا أكنافه بالخير مشمولة، وبنية أركانها لركاب «٣» اليمن مأمولة، حتى يكثر «٤» خدم سيدي وجواريه، وأسرته وسراريه، وتضفو عليه نعمة «٥» باريه، ما طورد قنيص، واقتحم عيص «٦» ، وأدرك مرام عويص «٧» ، وأعطي زاهد وحرم حريص، والسّلام. تواليفه: شرح «٨» القصيدة المسماة بالبردة «٩» شرحا بديعا، دلّ فيه على انفساح ذرعه، وتفنّن إدراكه، وغزارة حفظه. ولخّص كثيرا من كتب ابن رشد. وعلّق للسلطان أيام نظره في العلوم «١٠» العقلية تقييدا مفيدا في المنطق، ولخّص محصّل الإمام فخر الدين ابن الخطيب «١١» الرازي. وبذلك «١٢» داعبته أول لقية لقيته «١٣» [ببعض منازل الأشراف، في سبيل المبرّة بمدينة فاس،] «١٤» فقلت له: لي عليك مطالبة، فإنك لخّصت «محصّلي» . وألّف كتابا في الحساب. وشرع في هذه الأيام في شرح الرّجز الصادر عني في أصول الفقه، بشيء لا غاية وراءه «١٥» في الكمال. وأمّا نثره وسلطانيّاته، مرسلها ومسجعها «١٦» ، فخلج بلاغة، ورياض فنون، ومعادن إبداع، يفرغ عنها يراعه الجريء، شبيهة البداءات بالخواتم، في نداوة الحروف، وقرب العهد بجرية المداد، ونفوذ أمر القريحة، واسترسال الطبع. وأما نظمه، فنهض لهذا العهد قدما في ميدان الشّعر، وأغري «١٧» نقده باعتبار أساليبه؛ فانثال عليه جوّه، وهان عليه صعبه، فأتى منه بكل غريبة. من «١٨» ذلك قوله يخاطب السلطان ملك المغرب ليلة الميلاد الكريم عام اثنين وستين وسبعمائة

стр. 1180

بقصيدة طويلة «١» : [الكامل] أسرفن في هجري وفي تعذيبي ... وأطلن موقف عبرتي وتحيبي وأبين يوم البين موقف «٢» ساعة ... لوداع مشغوف الفؤاد كئيب لله عهد الظّاعنين وغادروا ... قلبي رهين صبابة ووجيب «٣» غربت ركائبهم ودمعي سافح ... فشرقت بعدهم بماء غروبي «٤» يا ناقعا بالعتب غلّة شوقهم ... رحماك في عذلي وفي تأنيبي يستعذب الصّبّ الملام وإنني ... ماء الملام لديّ غير شريب «٥» ما هاجني طرب ولا اعتاد الجوى ... لولا تذكّر منزل وحبيب أهفو إلى الأطلال كانت مطلعا ... للبدر منهم أو كناس ربيب عبثت بها أيدي البلى وتردّدت ... في عطفها للدهر آي خطوب تبلى معاهدها وإنّ عهودها ... ليجدّها وصفي وحسن نسيبي وإذا الديار تعرّضت لمتيّم ... هزّته ذكراها إلى التّشبيب إيه على الصّبر الجميل فإنه ... ألوى «٦» بدين فؤادي المنهوب لم أنسها والدهر يثني صرفه ... ويغضّ طرفي حاسد ورقيب والدار مونقة محاسنها بما ... لبست من الأيام كلّ قشيب «٧» يا سائق الأظعان تعتسف الفلا ... وتواصل الإسآد «٨» بالتّأويب «٩» متهافتا عن رحل كلّ مذلّل ... نشوان من أين ومسّ لغوب تتجاذب النّفحات فضل ردائه ... في ملتقاها من صبا وجنوب

стр. 1181

إن هام من ظمإ الصّبابة صحبه ... نهلوا بمورد دمعه المسكوب «١» في كلّ شعب منية من دونها ... هجر الأماني أو لقاء شعوب هلّا عطفت صدورهنّ إلى التي ... فيها لبانة أعين وقلوب فتؤمّ من أكناف يثرب مأمنا ... يكفيك ما تخشاه من تثريب حيث النبوّة آيها مجلوّة ... تتلو من الآثار كلّ غريب سرّ غريب لم تحجّبه «٢» الثّرى ... ما كان سرّ الله بالمحجوب يا سيّد الرّسل الكرام ضراعة ... تقضي منى «٣» نفسي وتذهب حوبي «٤» عاقت ذنوبي عن جنابك والمنى ... فيها تعلّلني بكل كذوب لا كالألى «٥» صرفوا العزائم للتّقى ... فاستأثروا منها بخير نصيب لم يخلصوا لله حتى فرّقوا ... في الله بين مضاجع وجنوب هب لي شفاعتك التي أرجو بها ... صفحا جميلا عن قبيح ذنوبي إنّ النجاة وإن أتيحت لامرىء ... فبفضل جاهك ليس بالتّسبيب إني دعوتك واثقا بإجابتي ... يا خير مدعوّ وخير مجيب قصّرت في مدحي فإن يك طيّبا ... فبما لذكرك من أريج الطّيب ماذا عسى يبغي المطيل وقد حوى ... في مدحك القرآن كلّ مطيب يا هل تبلّغني الليالي زورة ... تدني إليّ الفوز بالمرغوب؟ أمحو خطيئاتي بإخلاصي بها ... وأحطّ أوزاري وإصر ذنوبي «٦» في فتية هجروا المنى وتعوّدوا ... إنضاء كلّ نجيبة ونجيب «٧» يطوي صحائف ليلهم فوق الفلا ... ما شئت من خبب ومن تقريب «٨»

стр. 1182

إن رنّم الحادي بذكرك ردّدوا ... أنفاس مشتاق إليك طروب أو غرّد الرّكب الخليّ بطيبة ... حنّوا لمغناها حنين النّيب ورثوا اعتساف البيد عن آبائهم ... إرث الخلافة في بني يعقوب الطاعنون الخيل وهي عوابس ... يغشى مثار النّقع كلّ سبيب «١» والواهبون المقربات هواتنا ... من كلّ خوّار العنان لعوب «٢» والمانعون الجار حتى عرضهم ... في منتدى الأعداء غير معيب تخشى بوادرهم ويرجى حلمهم ... والعزّ شيمة مرتجى ومهيب ومنها بعد كثير «٣» : سائل به طامي العباب وقد سرى ... تزجى بريح» العزم ذات هبوب تهديه شهب أسنّة وعزائم ... يصدعن ليل الحادث المرهوب حتى انجلت ظلم الضّلال بسعيه ... وسطا الهدى بفريقها المغلوب يا ابن الألى شادوا الخلافة بالتقى ... واستأثروك بتاجها المعصوب جمعوا بحفظ الدين آي مناقب ... كرموا بها في مشهد ومغيب لله مجدك طارفا أو تالدا ... فلقد شهدنا منه كلّ عجيب كم رهبة أو رغبة لك والعلا ... تقتاد بالتّرغيب والتّرهيب لا زلت مسرورا بأشرف دولة ... يبدو الهدى من أفقها المرقوب تحيي المعالي غاديا أو رائحا ... وجديد سعدك ضامن المطلوب وقال من قصيدة خاطبه بها عند وصول هديّة ملك السودان «٥» ، وفيها الحيوان الغريب المسمى بالزّرافة «٦» : [الكامل] قدحت يد الأشواق من زندي ... وهفت بقلبي زفرة الوجد ونبذت سلواني على ثقة ... بالقرب فاستبدلت بالبعد ولربّ وصل كنت آمله ... فاعتضت منه مؤلم الصّدّ لا عهد عند الصبر أطلبه ... إنّ الغرام أضاع من عهدي

стр. 1183

يلحى العذول فما أعنّفه ... وأقول: ضلّ فأبتغي رشدي وأعارض النّفحات أسألها ... برد الجوى فتزيد في الوقد يهدي الغرام إلى مسالكها ... لتعلّلي بضعيف ما تهدي يا سائق الوجناء «١» معتسفا ... طيّ الفلاة لطيّة الوجد أرح الرّكاب ففي الصّبا نبأ ... يغني عن المستنّة الجرد «٢» وسل الرّبوع برامة خبرا ... عن ساكني نجد وعن نجد ما لي تلام على الهوى خلقي ... وهي التي تأبى سوى الحمد لأبيت إلّا الرّشد مذ وضحت ... بالمستعين معالم الرّشد نعم الخليفة «٣» في هدى وتقى ... وبناء عزّ شامخ الطّود نجل السّراة الغرّ شأنهم ... كسب العلا بمواهب الوجد ومنها في ذكر خلوصه إليه، وما ارتكبه فيه «٤» : لله منّي إذ تأوّبني ... ذكراه وهو بشاهق فرد شهم يفلّ بواترا «٥» قضبا ... وجموع أقيال أولي أيد «٦» أوريت زند العزم في طلبي ... وقضيت حقّ المجد من قصدي ووردت عن ظمإ مناهلة ... فرويت من عزّ ومن رفد «٧» هي جنّة المأوى لمن كلفت ... آماله بمطالب المجد لو لم أعلّ بورد كوثرها ... ما قلت: هذي جنّة الخلد من مبلغ قومي ودونهم ... قذف النّوى وتنوفة «٨» البعد أني أنفت على رجائهم ... وملكت عزّ جميعهم وحدي

стр. 1184

ومنها: ورقيمة الأعطاف حالية ... موشيّة بوشائح «١» البرد وحشيّة الأنساب ما أنست ... في موحش البيداء بالقود «٢» تسمو بجيد بالغ صعدا ... شرف الصّروح بغير ما جهد طالت رؤوس الشامخات به ... ولربما قصرت عن الوهد قطعت إليك تنائفا وصلت ... آسادها «٣» بالنّصّ والوخد «٤» تخدي «٥» على استصعابها ذللا ... وتبيت طوع القنّ والقدّ «٦» بسعودك اللائي ضمنّ لنا ... طول الحياة بعيشة رغد جاءتك في وفد الأحابش لا ... يرجون غيرك مكرم الوفد وافوك أنضاء تقلّبهم ... أيدي السّرى بالغور والنّجد كالطّيف يستقري مضاجعه ... أو كالحسام يسلّ من غمد يثنون بالحسنى التي سبقت ... من غير إنكار ولا جحد ويرون لحظك من وفادتهم ... فخرا على الأتراك والهند يا مستعينا جلّ في شرف ... عن رتبة المنصور والمهدي جازاك ربّك عن خليقته ... خير الجزاء فنعم ما يسدي «٧» وبقيت للدنيا وساكنها ... في عزّة أبدا وفي سعد وقال يخاطب «٨» صدر الدولة فيما يظهر من غرض المنظوم «٩» : [الكامل] يا سيّد الفضلاء دعوة مشفق ... نادى لشكوى البثّ خير سميع ما لي وللإقصاء بعد تعلّة ... بالقرب كنت لها أجلّ شفيع

стр. 1185

وأرى الليالي رنّقت لي صافيا ... منها فأصبح في الأجاج شروعي «١» ولقد خلصت إليك بالقرب التي ... ليس الزمان لشملها بصدوع ووثقت منك بأيّ وعد صادق ... إني المصون وأنت غير مضيع وسما بنفسي للخليفة طاعة ... دون الأنام هواك قبل نزوع حتى انتحاني الكاشحون بسعيهم ... فصددتهم عني وكنت منيعي رغمت نفوسهم «٢» بنجح وسائلي ... وتقطّعت أنفاسهم بصنيعي وبغوا بما نقموا عليّ خلائقي ... حسدا فراموني بكلّ شنيع لا تطمعنّهم ببذل في التي ... قد صنتها عنهم بفضل قنوعي أنّى أضام وفي يدي القلم الذي ... ما كان طيّعه لهم بمطيع ولي الخصائص ليس تأبى رتبة ... حسبي بعلمك «٣» ذاك من تفريعي قسما بمجدك وهو خير أليّة «٤» ... أعتدّها لفؤادي المصدوع إني لتصطحب الهموم بمضجعي ... فتحول ما بيني وبين هجوعي عطفا عليّ بوحدتي عن معشر ... نفث الإباء صدودهم في روعي أغدو إذا باكرتهم متجلّدا ... وأروح أعثر في فضول دموعي حيران أوجس عند نفسي خيفة ... فتسرّ في الأوهام كلّ مروع أطوي على الزّفرات قلبا إدّه «٥» ... حمل الهموم تجول بين ضلوعي ولقد أقول لصرف دهر رابني ... بحوادث جاءت على تنويع مهلا عليك فليس خطبك ضائري ... فلقد لبست له أجنّ دروع «٦» إني ظفرت بعصمة من أوحد ... بذّ الجميع بفضله المجموع وأنشد السلطان أمير المسلمين أبا عبد الله ابن أمير المسلمين أبا الحجاج، لأول قدومه ليلة الميلاد الكريم، من عام أربعة وستين وسبعمائة «٧» : [البسيط] حيّ المعاهد كانت قبل تحييني ... بواكف الدمع يرويها ويظميني إنّ الألى نزحت داري ودارهم ... تحمّلوا القلب في آثارهم دوني

стр. 1186

وقفت أنشد صبرا ضاع بعدهم ... فيهم وأسأل رسما لا يناجيني أمثّل الرّبع من شوق وألثمه ... وكيف والفكر يدنيه ويقصيني وينهب الوجد منّي كلّ لؤلؤة ... ما زال جفني «١» عليها غير مأمون سقت جفوني مغاني الرّبع بعدهم ... فالدمع وقف على أطلاله الجون قد كان للقلب عن داعي الهوى شغل ... لو أنّ قلبي إلى السّلوان يدعوني أحبابنا، هل لعهد الوصل مدّكر ... منكم وهل نسمة منكم تحيّيني؟ ما لي وللطّيف لا يعتاد زائره ... وللنسيم عليلا لا يداويني يا أهل نجد، وما نجد وساكنها ... حسنا سوى جنّة الفردوس والعين «٢» أعندكم أنّني ما مرّ ذكركم ... إلّا انثنيت كأنّ الرّاح تثنيني أصبو إلى البرق من أنحاء أرضكم ... شوقا، ولولاكم ما كان يصبيني «٣» يا نازحا والمنى تدنيه من خلدي ... حتى لأحسبه قربا يناجيني أسلى هواك فؤادي عن سواك وما ... سواك يوما بحال عنك يسليني ترى الليالي أنستك ادّكاري يا ... من لم يكن ذكره الأيام تنسيني ومنها في ذكر التفريط: أبعد مرّ الثلاثين التي ذهبت ... أولي الشّباب بإحساني وتحسيني أضعت فيها نفيسا ما وردت به ... إلّا سراب غرور ليس يروّيني وا حسرتا «٤» من أمان «٥» كلّها خدع ... تريش غيّي ومرّ الدّهر يبريني ومنها في وصف المشور «٦» المبتنى «٧» لهذا العهد: يا مصنعا شيّدت منه السّعود حمى ... لا يطرق الدهر مبناه بتوهين صرح يحار لديه الطّرف مفتتنا ... فما يروقك من شكل وتلوين «٨»

стр. 1187

بعدا لإيوان كسرى إنّ مشورك السّ ... امي لأعظم من تلك الأواوين ودع دمشق ومغناها فقصرك ذا ... «أشهى إلى القلب من أبواب جيرون» ومنها في التعريض بالوزير الذي كان انصرافه من المغرب لأجله «١» : من مبلغ عنّي الصّحب الألى جهلوا ... ودّي وضاع حماهم إذ أضاعوني أني أويت من العليا إلى حرم ... كادت مغانيه بالبشرى تحيّيني وإنني ظاعن لم ألق بعدهم ... دهرا أشاكي ولا خصما يشاكيني لا كالتي أخفرت عهدي ليالي إذ ... أقلّب الطّرف بين الخوف والهون سقيا ورعيا لأيامي التي ظفرت ... يداي منها بحظّ غير مغبون أرتاد منها مليّا لا يماطلني ... وعدا وأرجو كريما لا يعنّيني «٢» وهاك منها قواف طيّها حكم ... مثل الأزاهر في طيّ الرياحين تلوح إن جليت درّا، وإن تليت ... تثني عليك بأنفاس البساتين عانيت منها بجهدي كلّ شاردة ... لولا سعودك ما كانت تواتيني «٣» يمانع الفكر عنها ما تقسّمه ... من كلّ «٤» حزن بطيّ الصّدر مكنون لكن بسعدك ذلّت لي شواردها ... فرضت منها بتحبير وتزيين «٥» بقيت دهرك في أمن وفي دعة ... ودام ملكك في نصر وتمكين وهو «٦» الآن قد بدا له في التّحول طوع أمل ثاب له في الأمير أبي عبد الله ابن الأمير أبي زكريا بن أبي حفص، لما عاد إليه ملك بجاية، وطار إليه بجناح شراع تفيّأ ظلّه، وصكّ من لدنه رآه مستقرّا عنده، يدعّم ذلك بدعوى تقصير خفيّ أحسّ به، وجعله علّة منقلبة، وتجنّ سار منه في مذهبه وذلك في ... «٧» من عام ثمانية وستين وسبعمائة. ولما بلغ بجاية صدق رأيه، ونجحت مخيّلته، فاشتمل عليه أميرها، وولّاه

стр. 1188

الحجابة بها. ولم ينشب أن ظهر عليه ابن عمّه الأمير أبو العباس صاحب قسنطينة، وتملّك البلدة بعد مهلكه، وأجرى المترجم به على رسمه بما طرق إليه الظّنّة بمداخلته في الواقع. ثم ساء ما بينه وبين الأمير أبي العباس، وانصرف عنه، واستوطن بسكرة، متحوّلا إلى جوار رئيسها أبي العباس بن مزنى، متعلّلا برفده إلى هذا العهد. وخاطبته برسالة في هذه الأيام، تنظر في اسم المؤلّف في آخر الديوان. مولده: بمدينة تونس بلده، حرسها الله، في شهر رمضان من عام اثنين وثلاثين وسبعمائة «١» . عبد الرحمن بن الحاج بن القميي الإلبيري حاله: كان شاعرا مجيدا، هجا القاضي أبا الحسن بن توبة، قاضي غرناطة، ومن نصره من الفقهاء، فضربه القاضي ضربا وجيعا، وطيف به على الأسواق بغرناطة، فقال فيه الكاتب أبو إسحاق الإلبيري الزاهد، وكان يومئذ كاتبا للقاضي المذكور، الأبيات الشهيرة: [البسيط] السّوط أبلغ من قول ومن قيل ... ومن نباح سفيه بالأباطيل من الدّار كحرّ النار أبراه ... يعقل التقاضي أي تعقيل عبد الرحمن بن يخلفتن بن أحمد بن تفليت الفازازي «٢» يكنى أبا زيد. حاله: كان حافظا، نظّارا، ذكيا، ذا حظّ وافر من معرفة أصول الفقه وعلم الكلام، وعناية بشأن الرّواية، متبذّلا في هيئته ولباسه، قلّما يرى راكبا في حضر إلّا لضررة، فاضلا، سنيّا، شديد الإنكار والإنحاء على أهل البدع، مبالغا في التحذير منهم، عامر الإتاء، يطلب العلم شغفا به وانطباعا إليه وحبّا فيه وحرصا عليه، آية من آيات الله في سرعة البديهة، وارتجال النّظم والنّثر، وفور مادّة، وموالاة استعمال، لا يكاد يقيد، ولا يصرفه عنه إلّا نسخ أو مطالعة علم، أو مذاكرة فيه، حتى صار له

стр. 1189

ملكة. لا يتكلف معها الإنشاء، مع الإجادة وتمكّن البراعة. وكان متلبّسا بالكتابة عن الولاة والأمراء، ملتزما بذلك، كارها له، حريصا على الانقطاع عنه، واختصّ بالسيد أبي إسحاق بن المنصور، وبأخيه أبي العلاء، وبملازمتهما استحقّ الذّكر فيمن دخل غرناطة، إذ عدّ ممّن دخلها من الأمراء. مشيخته: روى عن أبيه أبي سعيد، وأبي الحسن جابر بن أحمد، وابن عتيق بن مون، وأبي الحسن بن الصائغ، وأبي زيد السّهيلي «١» ، وأبي عبد الله التّجيبي، وأبي عبد الله بن الفخّار، وأبي محمد بن عبيد الله، وأبي المعالي محمود الخراساني، وأبي الوليد بن يزيد بن بقي «٢» وغيرهم. وروى عنه ابنه أبو عبد الله، وأبو بكر بن سيّد الناس، وابن مهدي، وأبو جعفر بن علي بن غالب، وأبو العباس بن علي بن مروان، وأبو عمرو بن سالم، وأبو القاسم عبد الرحيم بن سالم، وابنه عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن سالم، وأبو القاسم عبد الكريم بن عمران، وأبو يحيى بن سليمان بن حوط الله، وأبو محمد بن قاسم الحرار، وأبو الحسن الرّعيني، وأبو علي الماقري. تواليفه ومنظوماته: له المعشّرات الزّهدية التي ترجمها بقوله: «المعشرات الزهدية، والمذكرات الحقيقية الجدّية، ناطقة بألسنة الوجلين المشفقين، شائقة إلى مناهج السّالكين المستبقين، نظمها متبرّكا بعبادتهم، متيمنا بأغراضهم وإشاراتهم، قابضا عنان الدّعوى عن مداناتهم ومجاراتهم، مهتديا إهداء السّنن الخمس بالأشعّة الواضحة من إشاراتهم، مخلّدا دون أفقهم العالي إلى حضيضه، جامعا لحسن أقواله وقبح أفعاله بين الشّيء ونقيضيه عبد الرحمن» . وله «المعشّرات الحبّية، وترجمتها النّفحات القلبيّة، واللّفحات الشّوقية، منظومة على ألسنة الذاهبين وجدا، الذّائبين كمدا وجهدا، الذين غربوا وبقيت أنوارهم، واحتجبوا وظهرت آثارهم، ونطقوا وصمتت أخبارهم، ووفّوا العبودية حقّها، ومحضوا المحبّة مستحقّها، نظم من نسج على منوالهم، ولم يشاركهم إلّا في أقوالهم فلان» . والقصائد، في مدح النبيّ ﷺ ، التي كل قصيدة منها عشرون بيتا، وترجمتها الوسائل المتقبّلة، والآثار المسلمة المقبلة، مودعة في العشرنية النبوية، والحقائق اللّفظية والمعنوية، نظم من اعتقدها من أزكى الأعمال، وأعدّها لما يستقبله من مدهش الأهوال، وفرع خاطره لها على توالي القواطع وتتابع الأشغال، ورجال بركة خاتم الرّسالة، وغاية السّؤدد والجلالة، محو ما

стр. 1190

لسلفه من خطأ في الفعل، وزلل في المقال، والله سبحانه وليّ القبول للتّوبة، والمنّان بتسويغ هذه المنّة المطلوبة، فذلك يسير في جنب قدرته، ومعهود رحمته الواسعة ومغفرته. شعره: وشعره كثير جدا، ونثره مشهور وموجود. فمن شعره في غرض الشكر لله ، على غيث جاء بعد قحط: [الكامل] نعم الإله بشكره تتقيّد ... فالله يشكر في النّوال ويحمد مدّت إليه أكفّنا محتاجة ... فأنالها من جوده ما نعهد وأغاثنا بغمائم وكّافة ... بالبشر تشرق والبشائر ترعد حملت إلى ظمإ البسيطة ريّة ... فلها عليه منّة لا تجحد فالجوّ برّاق والشّعاع مفضّض ... والماء فيّاض الأثير معسجد والأرض في حلي الأتيّ كأنما ... نطف الغمام ولؤلؤ «١» وزبرجد والرّوض مطلول الخمائل باسم ... والقضب ليّنة الحمائل ميّد تاهت عقول الناس في حركاتها ... ألشكرها أم سكرها تتأوّد؟ فيقول أرباب البطالة تنثني ... ويقول أرباب الحقيقة تسجد وإذا اهتديت إلى الصواب فإنها ... في شكر خالقها تقوم وتقعد هذا هو الفضل الذي لا ينقضي ... هذا هو الجود الذي لا ينفد احضر فؤادك للقيام بشكره ... إن كنت تعلم قدر ما تتقلّد وانفض يديك من العباد فكلّهم ... عجز الحلّ وأنت جهلا تعقد وإذا افتقرت إلى سواه فإنما ال ... لذي بخاطرك المجال الأبعد نعم الإله كما تشاهد حجّة ... والغائبات أجلّ مما يشهد فانظر إلى آثار رحمته التي ... لا يمترى فيها ولا يتردّد يا ليت شعري والدليل مبلّغ ... من أيّ وجه يستريب الملحد من ذا الذي يرتاب أنّ إلهه ... أحد وألسنة الجماد توحّد كلّ يصرّح حاله ومقاله ... أن ليس إلّا الله ربّ يعبد ومن شعره أيضا قوله: [الكامل] عجبا لمن ترك الحقيقة جانبا ... وغدا لأرباب الصواب مجانبا

стр. 1191

وابتاع بالحق المصحّح حاضرا ... ما شاء للزّور المعلّل عائبا من بعد ما قد صار أنفذ أسهما ... وأشدّ عادية وأمضى قاضبا لا تخدعنك سوابق من سابق ... حتى ترى الإحضار منه عواقبا فلربما اشتدّ الخيال وعاقه ... دون الصّواب هوى وأصبح غالبا ولكم إمام قد أضرّ بفهمه ... كتب تعبّ من الضّلال كتائبا فانحرف بأفلاطون وأرسطا ... ليس ودونهما تسلك طريقا لاحبا «١» ودع الفلاسفة الذّميم جميعهم ... ومقالهم تأتي الأحقّ الواجبا يا طالب البرهان في أوضاعهم ... أعزز عليّ بأن تعمّر جانبا أعرضت عن شطّ النّجاة ملجّجا ... في بحر هلك ليس ينجي عاطبا وصفا الدّليل فما نفعت بصفوه ... حتى جعلت له اللّجين «٢» شائبا فانظر بعقلك هل ترى متفلسفا ... فيمن ترى إلّا دعيّا كاذبا؟ أعيته أعباء الشّريعة شدّة ... فارتدّ مسلوبا ويحسب سالبا والله أسأل «٣» عصمة وكفاية ... من أن أكون عن المحجّة ناكبا ومن شعره: [الطويل] إليك مددت الكفّ في كلّ شدّة ... ومنك وجدت اللّطف في كل نائب وأنت ملاذ والأنام بمعزل ... وهل مستحيل في الرّجا «٤» كرّآيب؟ فحقّق رجائي فيك يا ربّ واكفني ... شمات «٥» عدوّ أو إساءة صاحب ومن أين أخشى من عدوّ إساءة ... وسترك ضاف من جميع الجوانب؟ وكم كربة نجّيتني من غمارها ... وكانت شجا بين الحشا والتّرائب فلا قوة عندي ولا لي حيلة ... سوى حسن ظنّي بالجميل المواهب فيا منجي المضطرّ عند دعائه ... أغثني فقد سدّت عليّ مذاهبي «٦» رجاؤك رأس المال عندي وربحه ... وزهده «٧» في المخلوق أسنى المواهب

стр. 1192

إذا عجزوا عن نفعهم في نفوسهم ... فتأميلهم بعض الظّنون الكواذب فيا محسنا فيما مضى أنت قادر ... على اللّطف في حالي وحسن العواقب وإنّي لأرجو منك ما أنت أهله ... وإن كنت حطّا في كثير المعايب فصلّ على المختار من آل هاشم ... إمام الورى عند اشتداد النوائب وقال في مدّعي قراءة الخطّ دون نظر: [الطويل] وأدور ميّاس العواطف أصبحت ... محاسنه في الناس كالنّوع في الجنس يدير على القرطاس أنمل كفّه ... فيدرك أخفى الخطّ في أيسر اللّمس فقال فريق: سحر بابل عنده ... وقال فريق: ليس هذا من الإنس فقلت لهم لم تفهموا سرّ دركه ... على أنه للعقل أجلى من الشمس ستكفه حبّ القلوب فأصبحت ... مداركها أجفان أنمله الخمس وفاته: استقدمه المأمون «١» على حال وحشة، كانت بينه وبينه، فورد ورود الرّضا على مرّاكش في شعبان سنة سبع وعشرين وستمائة. وتوفي في ذي قعدة بعده «٢» ، ودفن بجبانة الشيوخ مع أخيه عبد الله وقرنائهما، رحم الله جميعهم. انتهى السفر التاسع بحمد الله *** ومن السفر العاشر العمال الأثرا في هذا الحرف عبد الرحمن بن أسباط الكاتب المنجب، كاتب أمير المسلمين، يوسف بن تاشفين. حاله: لحق به بالعدوة، فاتّصل بخدمته، وأغراه بالأندلس، إذ ألقى إليه أمورها على صورتها، حتى كان ما فرغ الله، ، من استيلائه على ممالكها، وخلعه لرؤسائها. وكان عبد الرحمن، قبل اتصاله به، مقدورا عليه في رزقه، يتحرّف بالنّسخ، ولم يكن حسن الخطّ، ولا معرّب اللفظ، إلى أن تسيّر للكتابة في باب

стр. 1193

الدّيوان بألمريّة، ورأى خلال ذلك، في نومه، شخصا يوقظه، ويقول له: قم يا صاحب ربع الدّنيا، وقصّ رؤياه على صاحب له بمثواه، فبشّره، فطلب من ذلك الحين السّموّ بنفسه، فأجاز البحر، وتعلّق بحاشية الحرّة العليا زينب «١» ، فاستكتبته، فلمّا توفّيت الحرّة، أقرّه أمير المسلمين كاتبا، فنال ما شاء مما ترتمي إليه الهمم جاها ومالا وشهرة. وكان رجلا حصيفا، سكونا، عاقلا، مجدي الجاه، حسن الوساطة، شهير المكانة. وفاته: توفي فجأة بمدينة سبتة، في عام سبعة وثمانين وأربعمائة. وتقلّد الكتابة بعده أبو بكر بن القصيرة. ذكره ابن الصّيرفي. عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن مالك المعافري «٢» وتكرر مالك في نسبه. أوليته: قالوا: من ولد عقبة بن نعيم الداخل إلى الأندلس، من جند دمشق، نزيل قرية شكنب من إقليم تاجرة الجمل من عمل بلدنا لوشة، غرناطي، يكنى أبا محمد. حاله: كان «٣» أبو محمد هذا أحد وزراء الأندلس، كثير الصّنائع، جزل المواهب، عظيم المكارم، على سنن عظماء الملوك، وأخلاق السادة الكرام «٤» . لم ير بعده مثله في رجال «٥» الأندلس، ذاكرا للفقه والحديث، بارعا في الأدب «٦» ، شاعرا مجيدا وكاتبا بليغا، حلو الكتابة والشعر، هشّا مع وقار، ليّنا على مضاء، عالي الهمّة، كثير الخدم والأهل «٧» . من آثاره الماثلة إلى اليوم الحمّام، بجوفيّ الجامع الأعظم من غرناطة. بدأ بناءه «٨» أول يوم من جمادى الأولى سنة تسع وخمسمائة. وشرع في الزّيادة في سقف

стр. 1194

الجامع من صحنه سنة ست عشرة، وعوّض أرجل قسيّه أعمدة الرخام، وجلب الرّءوس والموائد من قرطبة، وفرش صحنه بكذّان الصّخيرة «١» . ومن مكارمه أنه لمّا ولّي مستخلص غرناطة وإشبيلية، وجّهه أميره علي بن يوسف بن تاشفين إلى طرطوشة برسم بنائها، وإصلاح خللها، فلمّا استوفى الغاية فيها قلّده، واستصحب جملة من ماله لمؤنته المختصّة به، فلما احتلّها سأل قاضيها، فكتب إليه جملة من أهلها ممن ضعف حاله وقلّ تصرفه من ذوي البيوتات، فاستعملهم أمناء في كل وجه جميل، ووسّع أرزاقهم، حتى كمل له ما أراد من عمله. ومن عجز أن يستعمله وصله من ماله. وصدر عنها وقد أنعش خلقا كثيرا. شعره: من قوله في مجلس أطربه سماعه، وبسطه احتشاد الأنس فيه واجتماعه «٢» : [الخفيف] لا تلمني إذا طربت لشجو «٣» ... يبعث الأنس فالكريم طروب ليس شقّ الجيوب حقّا علينا ... إنما الحقّ «٤» أن تشقّ القلوب وقال، وقد قطف غلام من غلمانه نوّارة، ومدّ بها يده إلى أبي نصر الفتح بن عبيد الله «٥» ، فقال أبو نصر «٦» : [الطويل] وبدر بدا والطّرف مطلع حسنه ... وفي كفّه من رائق النّور كوكب يروح لتعذيب النفوس ويغتدي ... ويطلع في أفق الجمال ويغرب فقال أبو محمد بن مالك «٧» : [الطويل] ويحسد «٨» منه الغصن أيّ مهفهف ... يجيء على مثل الكئيب ويذهب

стр. 1195

نثره: قال أبو نصر «١» : كتبت إليه مودّعا، فكتب «٢» إليّ مستدعيا، وأخبرني رسوله «٣» أنه لما قرأ الكتاب وضعه، وما سوّى ولا فكّر ولا روى: يا سيدي، جرت الأيام «٤» بجمع افتراقك، وكان الله جارك في انطلاقك «٥» ، فغيرك روّع بالظّعن، وأوقد للوداع جاحم «٦» الشّجن، فأنت «٧» من أبناء هذا الزمن، خليفة الخضر لا يستقرّ «٨» على وطن، كأنّك والله يختار لك ما تأتيه وما تدعه، موكّل بفضاء الأرض تذرعه «٩» ، فحسب من نوى بعشرتك الاستمتاع، أن يعدّك «١٠» من العواري السّريعة الارتجاع «١١» ، فلا يأسف على قلّة الثّوا «١٢» ، وينشد: [الطويل] وفارقت حتى ما أبالي من النّوى وفاته: اعتلّ «١٣» بإشبيلية فانتقل إلى غرناطة، فزادت علّته بها، وتوفي، ﵀، بها في غرّة شعبان سنة ثماني «١٤» عشرة وخمسمائة، ودفن إثر صلاة الظهر من يوم الجمعة المذكورة بمقبرة باب إلبيرة، وحضر جنازته الخاصة والعامة. من رثاه: رثاه ذو الوزارتين أبو عبد الله بن أبي الخصال، ﵀، فقال: [الكامل] إن كنت تشفق من نزوح نواه ... فهناك مقبرة وذا مثواه قسّم زمانك عبرة أو عبرة ... وأحل تشوّقه على ذكراه
следующие страницы →