Полный текст (1 954 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
وابتاع بالحق المصحّح حاضرا ... ما شاء للزّور المعلّل عائبا
من بعد ما قد صار أنفذ أسهما ... وأشدّ عادية وأمضى قاضبا
لا تخدعنك سوابق من سابق ... حتى ترى الإحضار منه عواقبا
فلربما اشتدّ الخيال وعاقه ... دون الصّواب هوى وأصبح غالبا
ولكم إمام قد أضرّ بفهمه ... كتب تعبّ من الضّلال كتائبا
فانحرف بأفلاطون وأرسطا ... ليس ودونهما تسلك طريقا لاحبا «١»
ودع الفلاسفة الذّميم جميعهم ... ومقالهم تأتي الأحقّ الواجبا
يا طالب البرهان في أوضاعهم ... أعزز عليّ بأن تعمّر جانبا
أعرضت عن شطّ النّجاة ملجّجا ... في بحر هلك ليس ينجي عاطبا
وصفا الدّليل فما نفعت بصفوه ... حتى جعلت له اللّجين «٢» شائبا
فانظر بعقلك هل ترى متفلسفا ... فيمن ترى إلّا دعيّا كاذبا؟
أعيته أعباء الشّريعة شدّة ... فارتدّ مسلوبا ويحسب سالبا
والله أسأل «٣» عصمة وكفاية ... من أن أكون عن المحجّة ناكبا
ومن شعره: [الطويل]
إليك مددت الكفّ في كلّ شدّة ... ومنك وجدت اللّطف في كل نائب
وأنت ملاذ والأنام بمعزل ... وهل مستحيل في الرّجا «٤» كرّآيب؟
فحقّق رجائي فيك يا ربّ واكفني ... شمات «٥» عدوّ أو إساءة صاحب
ومن أين أخشى من عدوّ إساءة ... وسترك ضاف من جميع الجوانب؟
وكم كربة نجّيتني من غمارها ... وكانت شجا بين الحشا والتّرائب
فلا قوة عندي ولا لي حيلة ... سوى حسن ظنّي بالجميل المواهب
فيا منجي المضطرّ عند دعائه ... أغثني فقد سدّت عليّ مذاهبي «٦»
رجاؤك رأس المال عندي وربحه ... وزهده «٧» في المخلوق أسنى المواهب
стр. 1192
إذا عجزوا عن نفعهم في نفوسهم ... فتأميلهم بعض الظّنون الكواذب
فيا محسنا فيما مضى أنت قادر ... على اللّطف في حالي وحسن العواقب
وإنّي لأرجو منك ما أنت أهله ... وإن كنت حطّا في كثير المعايب
فصلّ على المختار من آل هاشم ... إمام الورى عند اشتداد النوائب
وقال في مدّعي قراءة الخطّ دون نظر: [الطويل]
وأدور ميّاس العواطف أصبحت ... محاسنه في الناس كالنّوع في الجنس
يدير على القرطاس أنمل كفّه ... فيدرك أخفى الخطّ في أيسر اللّمس
فقال فريق: سحر بابل عنده ... وقال فريق: ليس هذا من الإنس
فقلت لهم لم تفهموا سرّ دركه ... على أنه للعقل أجلى من الشمس
ستكفه حبّ القلوب فأصبحت ... مداركها أجفان أنمله الخمس
وفاته: استقدمه المأمون «١» على حال وحشة، كانت بينه وبينه، فورد ورود الرّضا على مرّاكش في شعبان سنة سبع وعشرين وستمائة. وتوفي في ذي قعدة بعده «٢» ، ودفن بجبانة الشيوخ مع أخيه عبد الله وقرنائهما، رحم الله جميعهم.
انتهى السفر التاسع بحمد الله
*** ومن السفر العاشر العمال الأثرا في هذا الحرف
عبد الرحمن بن أسباط
الكاتب المنجب، كاتب أمير المسلمين، يوسف بن تاشفين.
حاله: لحق به بالعدوة، فاتّصل بخدمته، وأغراه بالأندلس، إذ ألقى إليه أمورها على صورتها، حتى كان ما فرغ الله، ، من استيلائه على ممالكها، وخلعه لرؤسائها. وكان عبد الرحمن، قبل اتصاله به، مقدورا عليه في رزقه، يتحرّف بالنّسخ، ولم يكن حسن الخطّ، ولا معرّب اللفظ، إلى أن تسيّر للكتابة في باب
стр. 1193
الدّيوان بألمريّة، ورأى خلال ذلك، في نومه، شخصا يوقظه، ويقول له: قم يا صاحب ربع الدّنيا، وقصّ رؤياه على صاحب له بمثواه، فبشّره، فطلب من ذلك الحين السّموّ بنفسه، فأجاز البحر، وتعلّق بحاشية الحرّة العليا زينب «١» ، فاستكتبته، فلمّا توفّيت الحرّة، أقرّه أمير المسلمين كاتبا، فنال ما شاء مما ترتمي إليه الهمم جاها ومالا وشهرة. وكان رجلا حصيفا، سكونا، عاقلا، مجدي الجاه، حسن الوساطة، شهير المكانة.
وفاته: توفي فجأة بمدينة سبتة، في عام سبعة وثمانين وأربعمائة. وتقلّد الكتابة بعده أبو بكر بن القصيرة. ذكره ابن الصّيرفي.
عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن مالك المعافري «٢»
وتكرر مالك في نسبه.
أوليته: قالوا: من ولد عقبة بن نعيم الداخل إلى الأندلس، من جند دمشق، نزيل قرية شكنب من إقليم تاجرة الجمل من عمل بلدنا لوشة، غرناطي، يكنى أبا محمد.
حاله: كان «٣» أبو محمد هذا أحد وزراء الأندلس، كثير الصّنائع، جزل المواهب، عظيم المكارم، على سنن عظماء الملوك، وأخلاق السادة الكرام «٤» . لم ير بعده مثله في رجال «٥» الأندلس، ذاكرا للفقه والحديث، بارعا في الأدب «٦» ، شاعرا مجيدا وكاتبا بليغا، حلو الكتابة والشعر، هشّا مع وقار، ليّنا على مضاء، عالي الهمّة، كثير الخدم والأهل «٧» .
من آثاره الماثلة إلى اليوم الحمّام، بجوفيّ الجامع الأعظم من غرناطة. بدأ بناءه «٨» أول يوم من جمادى الأولى سنة تسع وخمسمائة. وشرع في الزّيادة في سقف
стр. 1194
الجامع من صحنه سنة ست عشرة، وعوّض أرجل قسيّه أعمدة الرخام، وجلب الرّءوس والموائد من قرطبة، وفرش صحنه بكذّان الصّخيرة «١» . ومن مكارمه أنه لمّا ولّي مستخلص غرناطة وإشبيلية، وجّهه أميره علي بن يوسف بن تاشفين إلى طرطوشة برسم بنائها، وإصلاح خللها، فلمّا استوفى الغاية فيها قلّده، واستصحب جملة من ماله لمؤنته المختصّة به، فلما احتلّها سأل قاضيها، فكتب إليه جملة من أهلها ممن ضعف حاله وقلّ تصرفه من ذوي البيوتات، فاستعملهم أمناء في كل وجه جميل، ووسّع أرزاقهم، حتى كمل له ما أراد من عمله. ومن عجز أن يستعمله وصله من ماله. وصدر عنها وقد أنعش خلقا كثيرا.
شعره: من قوله في مجلس أطربه سماعه، وبسطه احتشاد الأنس فيه واجتماعه «٢» : [الخفيف]
لا تلمني إذا طربت لشجو «٣» ... يبعث الأنس فالكريم طروب
ليس شقّ الجيوب حقّا علينا ... إنما الحقّ «٤» أن تشقّ القلوب
وقال، وقد قطف غلام من غلمانه نوّارة، ومدّ بها يده إلى أبي نصر الفتح بن عبيد الله «٥» ، فقال أبو نصر «٦» : [الطويل]
وبدر بدا والطّرف مطلع حسنه ... وفي كفّه من رائق النّور كوكب
يروح لتعذيب النفوس ويغتدي ... ويطلع في أفق الجمال ويغرب
فقال أبو محمد بن مالك «٧» : [الطويل]
ويحسد «٨» منه الغصن أيّ مهفهف ... يجيء على مثل الكئيب ويذهب
стр. 1195
نثره: قال أبو نصر «١» : كتبت إليه مودّعا، فكتب «٢» إليّ مستدعيا، وأخبرني رسوله «٣» أنه لما قرأ الكتاب وضعه، وما سوّى ولا فكّر ولا روى:
يا سيدي، جرت الأيام «٤» بجمع افتراقك، وكان الله جارك في انطلاقك «٥» ، فغيرك روّع بالظّعن، وأوقد للوداع جاحم «٦» الشّجن، فأنت «٧» من أبناء هذا الزمن، خليفة الخضر لا يستقرّ «٨» على وطن، كأنّك والله يختار لك ما تأتيه وما تدعه، موكّل بفضاء الأرض تذرعه «٩» ، فحسب من نوى بعشرتك الاستمتاع، أن يعدّك «١٠» من العواري السّريعة الارتجاع «١١» ، فلا يأسف على قلّة الثّوا «١٢» ، وينشد:
[الطويل]
وفارقت حتى ما أبالي من النّوى
وفاته: اعتلّ «١٣» بإشبيلية فانتقل إلى غرناطة، فزادت علّته بها، وتوفي، ﵀، بها في غرّة شعبان سنة ثماني «١٤» عشرة وخمسمائة، ودفن إثر صلاة الظهر من يوم الجمعة المذكورة بمقبرة باب إلبيرة، وحضر جنازته الخاصة والعامة.
من رثاه: رثاه ذو الوزارتين أبو عبد الله بن أبي الخصال، ﵀، فقال:
[الكامل]
إن كنت تشفق من نزوح نواه ... فهناك مقبرة وذا مثواه
قسّم زمانك عبرة أو عبرة ... وأحل تشوّقه على ذكراه
стр. 1196
وأعدده ما امتدّت حياتك غائبا ... أو عاتبا إن لم تزر زرناه
أو نائما غلبت عليه رقدة ... لمسهد لم تغتمض عيناه
أو كوكبا سرت الرّكاب بنوره ... فمضى وبلّغنا المحلّ سناه
فمتى تبعد والنفوس تزوره ... ومتى تغيب والقلوب تراه
يا واحدا عدل الجميع وأصلحت ... دنيا الجميع ودينهم دنياه
طالت أذاتك بالحياء كرامة ... والله يكرم عبده بأذاه
لشهادة التّوحيد بين لسانه ... وجنانه نور يرى مسراه
وبوجهه «١» سيما أغرّ محجّل ... مهما بدا لم تلتبس سيماه
وكأنما هو في الحياة سكينة ... لولا اهتزاز في النّدى يغشاه
وكأنّه لحظ العفاة توجّعا ... فتلازمت فوق الفؤاد يداه
أبدى رضى الرحمن عنك ثناؤهم ... إنّ الثّناء علامة لرضاه
يا ذا الذي شغف القلوب به ... وذا لا ترتجيه وذاك لا تخشاه
ما ذاك إلّا أنه فرع زكا ... وسع الجميع بظلّه وحناه
فاليوم أودى كلّ من أحببته ... ونعى إلى النفس من ينعاه
ماذا يؤمل في دمشق مسهد ... قد كنت ناظره وكنت تراه؟
يعتاد قبرك للبكا أسفا بما ... قد كان أضحكه الذي أبكاه
يا تربة حلّ الوزير ضريحها ... سقاك بل صلّى عليك الله
وسرى إليك ومنك ذكر ساطع ... كالمسك عاطرة به الأفواه
عبد الرحمن بن عبد الملك الينشتي «٢»
يكنى أبا بكر، أصله من مدينة باغة «٣» ، ونشأ بلوشة، وهو محسوب من الغرناطيين.
حاله: كان شيخا يبدو على مخيّلته النّبل والدّهاء، مع قصور أدواته. ينتحل النّظم والنثر في أراجيز يتوصّل بها إلى غرضه من التصرّف في العمل.
стр. 1197
وجرى ذكره «في التّاج المحلّى» وغيره بما نصه «١» : قارض «٢» هاج، مداهن مداج، أخبث من نظر من طرف خفي، وأغدر من تلبّس بشعار وفي، إلى مكيدة مبثوتة الحبائل، وإغراء يقطع بين الشعوب والقبائل، من شيوخ طريقة العمل، المتقلّبين من أحوالها بين الصّحو والثّمل، المتعلّلين برسومها حين اختلط المرعيّ والهمل «٣» . وهو ناظم أرجاز، ومستعمل حقيقة ومجاز. نظم مختصر السّيرة، في الألفاظ اليسيرة، ونظم رجزا في الزّجر والفال، نبّه به تلك الطريقة بعد الإغفال. فمن نظمه ما خاطبني به مستدعيا إلى إعذار ولده «٤» : [البسيط]
أريد من سيدي الأعلى تكلّفه ... على «٥» الوصول إلى داري صباح غد
يزيدني شرفا منه ويبصر لي ... صناعة القاطع الحجّام في ولدي
فأجبته: [البسيط]
يا سيدي الأوحد الأسمى ومعتمدي ... وذا الوسيلة من أهل ومن بلد «٦»
دعوت في يوم الاثنين الصّحاب ضحى ... وفيه ما ليس في بيت «٧» ولا أحد
يوم السّلام على المولى وخدمته ... فاصفح وإن عثرت رجلي فخذ بيدي
والعذر أوضح من نار على علم ... فعدّ إن غبت عن لوم وعن فند «٨»
بقيت في ظلّ عيش لا نفاد له ... مصاحبا غير محصور إلى أمد
ومنه أيضا: [الكامل]
قل لابن سيّد والديه: لقد علا ... وتجاوز المقدار فيما يفخر
ما ساد والده فيحمد أمره ... إلّا صغير العنز حتى يكبر
وصدرت عنه مقطوعات في غير هذا المعنى، ممّا عذب به المجنى، منها قوله «٩» : [الكامل]
إنّ الولاية رفعة لكنها ... أبدا إذا حقّقتها تتنقّل «١٠»
стр. 1198
فانظر فضائل من مضى من أهلها ... تجد الفضائل كلّها لا تعزل
وقال: [الطويل]
هنيّا أبا إسحاق دمت موفّقا ... سعيدا قرير العين بالعرس والعرس
فأنت كمثل البدر في الحسن والتي ... تملّكتها في الحسن أسنى من الشمس
وقالوا: عجيب نور بدرين ظاهر ... فقلت: نعم إنّ ألف الجنس للجنس
وكتب إليّ: [الطويل]
إذا ضاق ذرعي بالزّمان شكوته ... لمولاي من آل الخطيب فينفرج
هو العدّة العظمى هو السيّد الذي ... بأوصافه الحسنى المكارم تبتهح
وزير علا ذاتا وقدرا ومنصبا ... فمن دونه أعلا الكواكب يندرج
وفي بابه نلت الأماني وقادني ... دليل رشادي حيث رافقني الفرج
فلا زال في سعد وعزّ ونعمة ... تصان به الأموال والأهل والمهج
وفاته: توفي في الطاعون عام خمسين وسبعمائة بغرناطة.
وفي سائر الأسماء التي بمعنى عبد الله وعبد الرحمن، وأولاد الأمراء:
عبد الأعلى بن موسى بن نصير مولى لخم «١»
أوليته: أبوه المنسوب إليه فتح الأندلس، ومحلّه من الدّين والشهرة وعظم الصّيت معروف.
حاله: كان عبد الأعلى أميرا على سنن أبيه في الفضل والدين، وهو الذي باشر فتح غرناطة ومالقة، واستحقّ الذكر لذلك. قال الرّازي «٢» : وكان موسى بن نصير قد أخرج ابنه عبد الأعلى فيمن رتّبه من الرجال إلى إلبيرة وتدمير؛ لفتحها، ومضى إلى إلبيرة ففتحها، وضمّ بها إلى غرناطة اليهود مستظهرا بهم على النّصر، ثم مضى إلى كورة ريّه، ففتحها.
стр. 1199
عبد الحليم بن عمر بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق ابن محيو
يكنى أبا محمد، أوّليته معروفة.
وفسد ما بين أبيه وبين جدّه، أمير المسلمين، بما أوجب انتباذه إلى سكنى مدينة سجلماسة، معزّزة له ألقاب السلطان بها، مدوّخا ما بأحوازها من أماكن الرئاسة، منسوبة إليه بها الآثار، كالسّدّ الكبير الشهير، وقصور الملك. فلمّا نزل عنها على حكم أخيه أمير المسلمين أبي الحسن، وأمضى قتلته بالفصاد، نشأ ولده، وهم عدّة بباب عمّهم، يسعهم رفده، ويقودهم ولده، ثم جلاهم إلى الأندلس ابنه السلطان أبو عنان، عندما تصيّر الأمر إليه، فاستقرّوا بغرناطة تحت برّ وجراية، قلقا بمكانهم من جلاهم ومن بعده، لإشارة عيون التّرشيح إليهم، مغازلة من كثب، وقعودهم بحيث تعثر فيهم المظنّة، إلى أن كان من أمرهم ما هو معروف.
حاله: هذا الرجل من أهل الخير والعفاف والصّيانة ودمث الخلق وحسن المداراة، يألف أهل الفضل، خاطب للرّتبة بكل جهد وحيلة، وسدّ عنه باب الأطماع. حذّر من كان له الأمر بالأندلس من لدن وصوله؛ كي لا تختلف أحوال هذا الوطن في صرف وجوه أهله إلى غزو عدو الملّة، ومحوّلي القبلة، وإعراضهم عن الإغماض في الفتنة المسلمة، وربما يميت عنهم الحركات والهموم، فثقّفوا من فيها عليهم، إلى أن تبرأ ساحتهم ويظن به السكون. فلمّا دالت الدولة، وكانت للأخابث الكرّة، واستقرّت بيد الرئيس الغادر الكرّة، وكان ما تقدّم الإلماع به من عمل السلطان أبي سالم، ملك المغرب، على إجازة السلطان، وليّ ملك الأندلس، المزعج عنها بعلّة البغي، ذهب الدّايل الأخرق إلى المقارضة، فعندما استقرّ السلطان أبو عبد الله بجبل الفتح، حاول إجازة الأمير عبد الحليم إلى تلمسان بعد مفاوضة، فكان ذلك في أخريات ذي قعدة، وقد قضي الأمر في السلطان أبي سالم، وانحلّت العقدة، وانتكثت المريرة، وولّى الناس الرجل المعتوه، وفد إلى تلمسان من لم يرض محلّه من الإدالة، ولا قويت نفسه على العوض، ولا صابرت غضّ المخافة، وحرّك ذلك من عزمه، وقد أنجده السلطان مستدعيه بما في طوقه. ولما اتصل خبره بالقائم بالأمر بفاس، ومعمل التدبير على سلطانه، أعمل النظر فيهم؛ زعموا بتسليم الأمر، ثم حذّر من لحق به من أضداده، فصمّم على الحصار، واستراب بالقبيل المريني، وأكثف الحجاب دونهم بما يحرّك أنفتهم، فنفروا عنه بواحدة أول عام ثلاثة وستين وسبعمائة، واتفق رأيهم على الأمير عبد الحليم، فتوجّهت إليه
стр. 1200
وجوههم اتّفاقا، وانثالوا عليه اضطرارا، ونازل البلد الجديد، دار الملك من مدينة فاس، يوم السبت السادس لشهر المحرم من العام. واضطربت المحلّات بظاهره، وخرج إليه أهل المدينة القدمى، فأخذ بيعتهم، وخاطب الجهات، فألقت إليه قواعدها باليد، ووصلت إليه مخاطباتها.
ومن ذلك ما خوطب به من مدينة سلا، وأنا يومئذ بها: [الخفيف]
يا إمام الهدى، وأيّ إمام ... أوضح الحقّ بعد إخفاء رسمه
أنت عبد الحليم حلمك نرجو ... فالمسمّى له نصيب من اسمه
وسلك مسلكا حسنا في الناس، وفسح الآمال، وأجمل اللقاء، وتحمّل الجفاء، واستفزّ الخاصة بجميل التأتّي وأخذ العفو، والتّظاهر بإقامة رسوم الدّيانة، وحارب البلد المحصور في يوم السبت الثالث عشر لشهر الله المحرم المذكور، كانت الملاقاة التي برز فيها وزير الملك ومدير رحاه بمن اشتملت عليه البلدة من الرّوم والجند الرّحل، واستكثر من آلات الظهور وعدد التّهويل، فكانت بين الفريقين حرب مرّة تولّى كبرها النّاشبة، فأرسلت على القوم حواصب النّبل، غارت لها الخيل، واقشعرّت الوجوه، وتقهقرت المواكب. وعندها برز السلطان المعتوه، مصاحبة له نسمة الإقدام، وتهوّر الشجاعة عند مفارقة الخلال الصّحيّة، وتوالت الشدات، وتكالبت الطّائفة المحصورة، فتمرّست بأختها، ووقعت الهزيمة ضحوة اليوم المذكور على قبيل بني مرين ومن لفّ لفّهم، فصرفوا الوجوه إلى مدينة تازي، واستقرّ بها سلطانهم، ودخلت مكناسة في أمرهم، وضاق ذرع فاس للملك بهم، إلى أن وصل الأمير المستدعى، طيّة الصبر، وأجدى دفع الدّين، ودخل البلد في يوم الاثنين الثاني والعشرين لصفر من العام. وكان اللقاء بين جيش السلطان، لنظر الوزير، مطعم الإمهال ومعوّد الصّنع. وبين جيش بني مرين، لنظر الأخ عبد المؤمن ابن السلطان أبي علي، فرحل القوم من مكناسة، وفرّ عنهم الكثير من الأولياء، وأخلوا العرصة، واستقرّوا أخيرا ببلد أبيهم سجلماسة، فكانت بين القوم مهادنة.
وعلى أثرها تعصّب للأخ عبد المؤمن معظم عرب الجهة، وقد برز إليهم في شأن استخلاص الجبابة، فرجعوا به إلى سجلماسة. وخرج لمدافعتهم الأمير عبد الحليم، بمن معه من أشياخ قبيله والعرب أولى مظاهر، فكانت بينهم حرب أجلت عن هزيمة الأمير عبد الحليم، واستلحم للسّيف جملة من المشاهير، كالشيخ الخاطب في حبله، خدن النّكر وقادح زند الفتنة، الدّاين بالحمل على الدول على التفصيل والجملة، المعتمد بالمغرب بالرأي والمشورة، يحيى بن رحّو بن مسطى وغيره.
وأذعن عبد الحليم بعدها للخلع، وخرج عن الأمر لأخيه، وأبقي عليه، وتحرّج من
стр. 1201
قتله، وتعرّف لهذا الوقت صرفه عنه إلى الأرض الحجازية على صحراء القبلة، فانتهى أمره إلى هذه الغاية.
دخوله غرناطة: قدم على الحضرة مع الجملة من إخوته وبني عمّه في ... «١» .
جلاهم السلطان أبو عنان عندما تصيّر له الأمر، فاستقرّوا بها، يناهز عبد الحليم منهم بلوغ أشدّه.
وفاته: وتوفي ... «٢» وستين وسبعمائة.
عبد المؤمن بن عمر بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق ابن محيو
أخو الأمير عبد الحليم، يكنى أبا محمد.
حاله: كان رجلا وقورا، سكونا، نحيفا، آية الله في جمود الكفّ، وإيثار المسك، قليل المداخلة للناس، مشتغلا بما يغنيه من خويصة نفسه، موصوفا ببسالة وإقدام، حسن الهيئة. دخل الأندلس مع أخيه، وعلى رسمه، وتحرّك معه وابن أخ لهما، فتولّى كثيرا من أمره، ولقي الهول دونه. ولمّا استقرّوا بسجلماسة، كان ما تقرّر من توبته على أمره، والعمل على خلعه، معتذرا، زعموا إليه، موفيا حقّه، موجبا تجلّته إلى حين انصرافه، ووصل الأندلس خطابه يعرّف بذلك بما نصّه في المدرجة.
ولم ينشب أن أحسّ بحركة جيش السلطان بفاس إليه، فخاطب عميد الهساكره «٣» ، عامر بن محمد الهنتاتي، وعرض نفسه عليه، فاستدعاه، وبذل له أمانا.
ولما تحصّل عنده، قبض عليه وثقّفه، وشدّ عليه يده، وحصل على طلبه دهيّة من التّوعّد بمكانه، واتخاذ اليد عند السلطان بكفّ عاديته إلى هذا التاريخ.
ومن الأفراد أيضا في هذا الحرف وهم طارؤون
عبد الحق بن علي بن عثمان بن أبي يوسف يعقوب ابن عبد الحق
الأمير المخاف بعد أبيه أمير المسلمين أبي الحسن بمدينة الجزائر، بعد ما توجّه إلى المغرب، وجرت عليه الهزيمة من بني زيّان.
стр. 1202
حاله: كان صبيّا ظاهر السكون والأدب، في سنّ المراهقة، لم ينشب أن نازله جيش عدوّه. ومالأه أهل البلد، وأخذ من معه لأنفسهم وله الأمان، فنزل عنها ولحق بالأندلس. قال في كتاب «طرفة العصر» : وفي ليلة العاشر من شهر ربيع الأول اثنين وخمسين وسبعمائة، اتّصل الخبر من جهة الساحل، بنزول الأمير عبد الحق ابن أمير المسلمين أبي الحسن ومن معه، بساحل شلوبانية «١» ، مفلتين من دهق الشّدة، بما كان من منازلة جيش بني زيّان مدينة الجزائر، وقيام أهلها بدعوتهم، لما سموه من المطاولة، ونهكهم من الفتنة، وامتنع الأمير ومن معه بقصبتها، وأخذوا لأنفسهم عهدا، فنزلوا وركبوا البحر، فرافقتهم السّلامة، وشملهم ستر العصمة. ولحين اتصل بالسلطان خبره، بادر إليه بمركبين ثقيلي الحلية، وما يناسب ذلك من بزّة، وعجّل من خدامه بمن يقوم ببرّه، وأصحبه إلى منزل كرامته. ولرابع يوم من وصوله كان قدومه، وبرز له السلطان بروزا فخما، ونزل له، قارضا إياه أحسن القرض؛ بما أسلفه من يد، وأسداه من طول. وأقام ضيفا في جواره، إلى أن استدعاه أخوه ملك المغرب، فانصرف عن رضى منه، ولم ينشب أن هلك مغتالا في جملة أرداهم الترشيح.
عبد الواحد بن زكريا بن أحمد اللحياني «٢»
يكنى أبا ملك «٣» . وبيته في الموحّدين الملوك بتونس. وأبوه سلطان إفريقية، المترقّي إليها من رتبة الشّياخة الموحدية.
حاله: كان رجلا طوالا نحيفا، فاضلا حسيبا، مقيما للرّسوم الحسبيّة، حسن العشرة، معتدل الطّريقة. نشأ بالبلاد المشرقية، ثم اتصل بوطنه إفريقية، وتقلّد الإمارة بها برهة يسيرة، ثم فرّ عنها ولحق بالمغرب، وجاز إلى الأندلس، وقدم على سلطانها، فرحّب به، وقابله بالبرّ، ونوّه محلّه، وأطلق جرايته، ثم ارتحل أدراجه إلى العدوة، ووقعت بيني وبينه صحبة، وأنشدته عند وداعه «٤» : [المتقارب]
أبا ملك، أنت نجل الملوك ... غيوث النّدى وليوث النزال
ومثلك يرتاح للمكرمات ... وما لك بين الورى من مثال
стр. 1203
عزيز بأنفسنا أن نرى ... ركابك مؤذنة بارتحال
وقد خبرت منك خلقا كريما ... أناف على درجات الكمال
وفازت لديك بساعات أنس ... كما زار في النّوم «١» طيف الخيال
فلولا «٢» تعلّلنا أننا ... نزورك فوق بساط الجلال
ونبلغ فيك الذي نشتهي «٣» ... وذاك على الله سهل «٤» المنال
لما فترت أنفس من أسى ... ولا برحت أدمع في انهمال
تلقّتك حيث احتللت السّعود ... وكان لك الله في «٥» كلّ حال
ومن ترجمة الأعيان والوزراء والأماثل والكبرا
عبد الحق بن عثمان بن محمد بن عبد الحق بن محيو
يكنى أبا إدريس، شيخ الغزاة بالأندلس.
حاله: كان شجاعا عفيفا تقيّا، وقورا جلدا، معروف الحقّ، بعيد الصّيت. نازع الأمر قومه بالمغرب، وانتزى بمدينة تازي، على السلطان أبي الرّبيع، وأخذ بها البيعة لنفسه. ثم ضاق ذرعه، فعبر فيمن معه إلى تلمسان. ولما هلك أبو الربيع، وولي السلطان أبو سعيد، قدّم للكتب في شأنه إلى سلطان الأندلس، وقد تعرّف عزمه على اللحاق، ولم ينشب أن لحق بألمرية من تلمسان، فثقّف بها؛ قضاء لحقّ من خاطب في شأنه. ثم بدا للسلطان في أمره، فأوعز لرقبائه في الغفلة عنه، وفرّ فلحق ببلاد النصري «٦» فأقام بها، إلى أن كانت الوقيعة بالسلطان بغرناطة، بأحواز قرية العطشا على يد طالب الملك أمير المسلمين أبي الوليد، وأسر يومئذ شيخ الغزاة حمّو بن عبد الحق، وترجّح الرأي في إطلاقه وصرفه، إعلانا للتّهديد، فنجحت الحيلة، وعزل عن الخطّة، واستدعي عبد الحق هذا إليها، فوصل غرناطة، وقدّم شيخا على الغزاة.
ولما تغلّب السلطان أبو الوليد على الأمر، واستوسق له، وكان ممن شمله أمانه، فأقرّه مرءوسا بالشيخ أبي سعيد عثمان بن أبي العلاء برهة. ثم لحق بأميره المخلوع
стр. 1204
نصر، المستقرّ موادعا بوادي آش، وأوقع بجيش المسلمين مظاهر الطاغية، الوقيعة الشّنيعة بقرمونة، وأقام لديه مدّة. ثم لحق بأرض النّصري، وأجاز البحر إلى سبتة، مظاهرا لأميرها أبي عمرو يحيى بن أبي طالب العزفي، وقد كشف القناع في منابذة طاعة السلطان، ملك المغرب، وكان أملك لما بيده، وأتيح له ظفر عظيم على الجيش المضيّق على سبتة، فبيّته وهزمه. وتخلّص له ولده، الكائن بمضرب أمير الجيش في بيت من الخشب رهينة، فصرف عليه، فما شئت من ذياع شهرة، وبعد صيت، وكرم أحدوثة. ثم بدا له في التّحول إلى تلمسان، فانتقل إليها، وأقام في إيالة ملكها عبد الرحمن بن موسى بن تاشفين إلى آخر عمره.
وفاته: توفي يوم دخول مدينة تلمسان عنوة، وهو يوم عيد الفطر من عام ثمانية وثلاثين وسبعمائة، قتل على باب منزله، يدافع عن نفسه، وعلى ذلك فلم يشهر عنه يومئذ كبير غناء، وكوّر واستلحم، وحزّ رأسه. وكان أسوة أميرها في المحيا والممات، رحم الله جميعهم، فانتقل بانتقاله وقتل بمقتله. وكان أيضا علما من أعلام الحروب، ومثلا في الأبطال، وليثا من ليوث النّزال.
عبد الملك بن علي بن هذيل الفزاري وعبد الله أخوه «١»
حالهما: قال ابن مسعدة: أبو محمد وأبو مروان تولّيا خطّة الوزارة في الدولة الحبّوسية «٢» ، ثم تولّيا القيادة بثغور الأندلس، وقهرا ما جاورهما من العدوّ، وغلباه، وسقياه كأس المنايا، وجرّعاه. ولم يزالا قائمين على ذلك، ظاهرين علمين، إلى أن استشهدا، رحمهما الله.
عبد القهار بن مفرج بن عبد القهار بن هذيل الفزاري
حاله: قال ابن مسعدة: كان بارع الأدب، شاعرا، نحويا، لغويا، كاتبا متوقّد الذهن، عنده معرفة بالطّب، ثم اعتزل الناس، وانقبض، وقصد سكنى البشارات «٣» ؛ لينفرد بها، ويخفي نفسه؛ فرارا من الخدمة، فتهيّأ له المراد.
стр. 1205
شعره: وكان شاعرا جيّد القريحة سريع الخاطر، ومن شعره: [السريع]
يا صاح، لا تعرض لزوجيّة ... كلّ البلا من أجلها يعتري
الفقر والذّلّ وطول الأسى ... لست بما أذكره مفتري
ما في فم المرأة شيء سوى ... اشتر لي واشتر لي واشتر
القضاة الفضلاء وأولا الأصليون
عبد الحق بن غالب بن عطية بن عبد الرحمن بن غالب ابن عبد الرؤوف بن تمام بن عبد الله بن تمام بن عطية بن خالد ابن عطية بن خالد بن خفاف بن أسلم بن مكتوم المحاربي «١»
أوليته: من ولد زيد بن محارب بن عطيّة، نزل جدّه عطية بن خفاف بقرية قسلة من زاوية غرناطة، فأنسل كثيرا ممن له خطر، وفيه فضل.
حاله: كان «٢» عبد الحق فقيها، عالما بالتفسير والأحكام والحديث والفقه، والنحو والأدب واللغة، مقيّدا حسن التّقييد، له نظم ونثر، ولّي القضاء بمدينة ألمريّة في المحرم سنة تسع وعشرين وخمسمائة، وكان غاية في الدّهاء والذكاء، والتّهمّم بالعلم، سريّ الهمّة في اقتناء الكتب. توخّى الحق، وعدل في الحكم، وأعزّ الخطّة.
مشيخته: روى «٣» عن الحافظ أبيه، وأبوي علي الغسّاني والصّدفي، وأبي عبد الله محمد بن فرج مولى الطلاع، وأبي المطرّف الشعبي، وأبي الحسين بن البيّان، وأبي القاسم بن الحصّار المقري، وغيرهم.
تواليفه: ألّف كتابه المسمى ب «الوجيز في التفسير» فأحسن فيه وأبدع، وطار بحسن نيّته كل مطار. وألف برنامجا ضمنه مرويّاته، وأسماء شيوخه، وجرز وأجاد.
стр. 1206
شعره: قال الملّاحي: ما حدّثني به غير واحد من أشياخه عنه، قوله «١» :
[البسيط]
وليلة جبت فيها الجزع «٢» مرتديا ... بالسّيف أسحب أذيالا من الظّلم
والنّجم حيران في بحر الدّجا غرق ... والبدر «٣» في طيلسان اللّيل كالعلم
كأنما اللّيل زنجيّ بكاهله ... جرح فيثعب «٤» أحيانا له بدم
وقال يندب عهد شبابه «٥» : [البسيط]
سقيا لعهد شباب ظلت أمرح في ... ريعانه وليالي العيش أسحار
أيام روض الصّبا لم تذو أغصنه ... ورونق العمر غضّ والهوى جار «٦»
والنّفس تركض في تضمين ثرّتها ... طرفا له في زمان اللهو إحضار «٧»
عهدا كريما لبسنا منه «٨» أردية ... كانت عيونا ومحّت «٩» فهي آثار
стр. 1207
مضى وأبقى بقلبي منه نار أسى ... كوني سلاما وبردا «١» فيه يا نار
أبعد أن نعمت نفسي وأصبح في ... ليل الشباب لصبح الشّيب إسفار «٢»
ونازعتني الليالي وانثنت كسرا «٣» ... عن ضيغم ما له ناب وأظفار
إلّا «٤» سلاح خلال أخلصت فلها ... في منهل المجد إيراد وإصدار
أصبو إلى روض عيش روضه خضل «٥» ... أو ينثني بي عن اللّقاء «٦» إقصار
إذا فعطّلت «٧» كفّي من شبا قلم ... آثاره في رياض العلم أزهار
من روى عنه: روى عنه أبو بكر بن أبي جمرة، وأبو محمد بن عبد الله، وأبو القاسم بن حبيش، وأبو جعفر بن مضاء، وأبو محمد عبد المنعم، وأبو جعفر بن حكم، وغيرهم.
مولده: ولد سنة إحدى وثمانين وأربعمائة.
وفاته: توفي في الخامس والعشرين لشهر رمضان سنة ست وأربعين وخمسمائة بمدينة لورقة «٨» . قصد مرسية «٩» يتولّى قضاءها، فصدّ عنها، وصرف منها إلى لورقة، اعتداء عليه.
стр. 1208
عبد المنعم بن محمد بن عبد الرحيم بن فرج الخزرجي «١»
من أهل غرناطة، يكنى أبا محمد، ويعرف بابن الفرس، وقد تقدم ذكر طائفة من أهل بيته.
حاله: كان حافظا جليلا، فقيها، عارفا بالنحو واللغة، كاتبا بارعا، شاعرا مطبوعا، شهير الذكر، عالي الصّيت. ولّي القضاء بمدينة شقر، ثم بمدينة وادي آش، ثم بجيّان، ثم بغرناطة، ثم عزل عنها، ثم وليها الولاية التي كان من مضمن ظهيره بها قول المنصور «٢» له: أقول لك ما قاله موسى، ﵇، لأخيه هارون:
اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ
«٣» ، وجعل إليه النظر في الحسبة، والشّرطة، وغير ذلك، فكان إليه النظر في الدّماء فما دونها، ولم يكن يقطع أمر دونه ببلده وما يرجع إليه.
وقال ابن عبد الملك: كان «٤» من بيت علم وجلالة، مستبحرا في فنون المعارف على تفاريقها، متحقّقا بها، نافذا فيها، ذكيّ القلب، حافظا للفقه. استظهر أوان طلبه الكتابين «٥» : المدوّنة، وكتاب سيبويه وغيرهما، وعني به أبوه وجدّه عناية تامة. وقال أبو الربيع بن سالم «٦» : سمعت أبا بكر بن الجدّ، وحسبك به «٧» شاهدا، يقول غير ما «٨» مرة: ما أعلم بالأندلس أحفظ لمذهب مالك من عبد المنعم بن الفرس، بعد أبي عبد الله بن زرقون.
مشيخته: روى «٩» عن أبيه الحافظ أبي عبد الله، وعن جدّه أبي القاسم، سمع عليهما وقرأ، وعن أبي بكر بن النّفيس، وأبي الحسن بن هذيل، وأبي عبد الله بن سعادة، وأبي محمد عبد الجبار بن موسى الجذامي، وأبي عامر محمد بن أحمد
стр. 1209
الشّلبي، وأبي العباس أحمد وأخيه أبي الحسن، ابني زيادة الله. هذه جملة من لقي من الشيوخ وشافهه وسمع منه، وأجاز له من غير لقاء، وبعضهم باللّقاء من غير قراءة؛ ابن ورد، وابن بقي، وأبو عبد الله بن سليمان التونسي، وأبو جعفر بن قبلال، وأبو الحسن بن الباذش، ويونس بن مغيث، وابن معمّر، وشريح، وابن الوحيدي، وأبو عبد الله بن صاف، والرّشاطي، والحميري، وابن وضّاح، وابن موهب، وأبو مروان الباجي، وأبو العباس بن خلف بن عيشون، وأبو بكر بن طاهر، وجعفر بن مكّي، وابن العربي، ومساعد بن أحمد بن مساعد، وعبد الحق بن عطية، وأبو مروان بن قزمان، وابن أبي الخصال، وعياض بن موسى، والمازري، وغيرهم.
تواليفه: ألّف عدة تواليف، منها «كتاب الأحكام» «١» ، ألّفه وهو ابن خمسة وعشرين عاما، فاستوفى ووفّى، واختصر الأحكام السلطانية، وكتاب النّسب لأبي عبيد بن سلام، وناسخ القرآن ومنسوخه لابن شاهين، وكتاب المحتسب لابن جنّي.
وألّف كتابا في المسائل التي اختلف فيها النحويون من أهل البصرة والكوفة، وكتابا في صناعة الجدل، وردّ على ابن غرسيّة في رسالته في تفضيل العجم على العرب.
وكتب بخطه من كتب العربية واللغة والأدب والطب وغير ذلك.
من روى عنه: حدّث «٢» عنه الحافظ أبو محمد القرطبي، وأبو علي الرّندي، وابنا حوط الله، وأبو الربيع بن سالم، والجمّ الغفير.
شعره: [الطويل]
أبى ما بقلبي اليوم أن يتكتّما ... وحسبك بالدمع السّفوح مترجما
وأعجب به من أخرس بات مفصحا ... يبيّن للواشين ما كان مبهما
فكم عبرة في نهر شقر بعثتها ... سباقا فأمسى النهر مختضبا دما
يرجع ترجيع الأنين اضطراره ... كشكوى الجريح للجريح تألّما
كملن بصحبي فوقه «٣» الدّمع ناثر ... شقائق نعمان على متن أرقما
ولله ليل قد لبست ظلامه ... رداء «٤» بأنوار النجوم منمنما
стр. 1210
أناوح فيه الورق فوق غصونها ... فكم أورق منهنّ قد باب معجما
وما لي إلّا الفرقدين «١» مصاحب ... ويا بعد حالي في الصّبابة منهما
أبيت شتيت الشّمل والشّمل فيهما ... جميع كما أبصرت عقدا منظّما
فيا قاصدا تدمير، عرّج مصافحا ... نسائلك «٢» رسما بالعقيق ومعلما
وأعلم بأبواب السلام صبابتي ... كما كان عرف المسك بالمسك علّما
وإن طفت في تلك الأجارع لا تضع ... بحقّ هواها إن «٣» تلمّ مسلّما
وما ضرّها لو جاذبت ظبية النّقا ... فضول رداء قد تغشّته معلما
فيثني قضيبا أثمر البدر مائسا ... بحقف مسيل لفّه السّيل مظلما
وما كنت إلّا البدر وافى غمامة ... فما لاح حتى غاب فيها مغيّما
وما ذاك من هجر ولكن لشقوة ... أبت أن يكون الوصل منها متمّما
فيا ليتني أصبحت في الشّعر لفظة ... تردّدني مهما أردت تفهّما
ولله ما أذكى نسيمك نفحة ... أأنت أعرت الرّوض «٤» طيبا تنسّما؟
ولله ما أشفى لقاءك «٥» للجوى ... كأنّك قد أصبحت عيسى ابن مريما
وما الرّاح بالماء القراح مشوبة ... بأطيب من ذكراك إن خامرت فما
فما لي وللأيام قد كان شملنا ... جميعا فأضحى في يديها مقسّما
ولمّا «٦» جنيت الطّيب من شهد وصلها ... جنيت من التّبديد للوصل علقما
وقد ذقت طعم البين حتى كأنني ... لألفة من أهواه ما ذقت مطعما
فمن لفؤاد شطره حازه الهوى ... وشطر لإحراز الثّواب مسلّما
ويا ليت أنّ الدّار حان مزارها ... فلو صحّ قرب الدار أدركت مغنما
ولو صحّ قرب الدار لي لجعلته ... إلى مرتقى السّلوان والصّبر سلّما
فقد طال ما ناديت سرّا وجهرة ... عسى وطن يدنو بهم ولعلّما؟
стр. 1211
ومن شعره: [الطويل]
سلام على من شفّني بعد داره ... وأصبحت مشغوفا بقرب مزاره
ومن هو في عيني ألذّ من الكرى ... وفي النفس أشهى من أمان المكاره
سلام عليه كلّما ذرّ شارق ... ينمّ كعرف الزّهر غبّ فطاره
لعمرك ما أخشى غداة وداعنا ... وقد سعرت في القلب شعلة ناره
وسال على الخدّين دمع كأنه ... بقيّة ظلّ الروض «١» في جلّناره
وعانقت منه غصن بان منعّما ... ولا حظت منه الصّبح عند اشتهاره
وأصبحت في أرض وقلبي بغيرها ... وما حال مسلوب الفؤاد مكاره
نأى وجه من أهوى فأظلم أفقه ... وقد غاب عن عينيه شمس نهاره
سل البرق عن شوقي يخبّرك بالذي ... ألاقيه من برح الهوى وأواره
وهل هو إلّا نار وجدي وكلّما ... تنفّست عمّ الجوّ ضوء شراره
ومن شعره أيضا رحمة الله عليه: [مخلع البسيط]
اقرأ على شنجل «٢» سلاما ... أطيب من عرفه نسيما
من مغرم القلب ليس ينسى ... منظره الرائق الوسيما
إذا رأى منظرا سواه ... عاف الجنى منه والشّميما
وإن أتى مشربا حميدا ... كان وإن راقه ذميما
وقف بنجد وقوف صبّ ... يستذكر الخدن والحميما
واندب أراكا بشعب رضوى ... قد رجعت بعدنا مشيما
واذكر شبابا مضى سريعا ... أصبحت من بعده سقيما
هيهات ولّى وجاء شيب ... وكيف للقلب أن يهيما؟
ما يصلح الشّيب غير تقوى ... تحجب عن وجهه الجحيما
في كل يوم له ارتحال ... أعجب به ظاعنا مقيما
ما العمر إلّا لديه دين ... قد آن أن يقضي الغريما
стр. 1212
فعد إلى توبة نصوح ... وارج إلها بنا رحيما
قد سبق الوعد منه حتى ... أطمع ذا الشّقوة النّعيما
مولده: في سنة أربع وعشرين وخمسمائة.
وفاته: عصر يوم الأحد الرابع من جمادى الآخرة سنة سبع وتسعين وخمسمائة «١» . وشهد دفنه بباب إلبيرة الجمّ الغفير، وازدحم الناس على نعشه حتى حملوه على أكفّهم ومزّقوه. وأمر أن يكتب على قبره: [الطويل]
عليك سلام الله يا من يسلّم ... ورحمته ما زرتني تترحّم
أتحسبني وحدي نقلت إلى هنا؟ ... ستلحق بي عمّا قريب فتعلم
ألا قل «٢» لمن يمسي لدنياه مؤثرا ... ويهمل أخراه ستشقى وتندم
فلا تفرحن إلّا بتقديم طاعة ... فذاك الذي ينجي غدا ويسلّم
ومن غير الأصلبين
عبد الحكيم بن الحسين بن عبد الملك بن يحيى ابن باسيو بن تادررت التّنمالي اليدرازتيني ثم الواغديني
أصله من تينملّل «٣» ، من نظر مرّاكش، وانتقل جدّه عبد الملك مع الخليفة عبد المؤمن بن علي إلى إقليم بجاية. ونشأ عبد الملك ببجاية، وانتقل إلى تونس في حدود خمسة وثمانين. وورد أبو محمد الأندلس في حدود سبعمائة.
حاله: من تعريف شيخنا أبي البركات: كان من أهل المعرفة بالفقه وأصوله على طريقة المتأخرين. وكان مع ذلك، رجلا كريم النفس، صادق اللهجة، سليم الصدر، منصفا في المذاكرة. قلت: يجمع هذا الرجل إلى ما وصفه به، الأصالة ببلده إفريقية. وثبتّ اسمه في «عائد الصلة» بما نصّه: الشيخ الأستاذ القاضي، يكنى أبا محمد. كان، ﵀، من أهل العلم بالفقه، والقيام على الأصلين، صحيح
стр. 1213
الباطن، سليم الصدر، من أهل الدين والعدالة والأصالة. بثّ في الأندلس علم أصول الفقه، وانتفع به. وتصرّف في القضاء في جهات.
مشيخته: منقولا من خطّ ولده الفقيه أبي عبد الله صاحبنا، الكاتب بالدار السلطانية: قرأ ببلده على الفقيه الصّدر أبي علي بن عنوان، والشيخ أبي الطاهر بن سرور، والإمام أبي علي ناصر الدين المشدالي، والشيخ أبي الشّمل جماعة الحلبي، والشيخ أبي الحجاج بن قسوم وغيرهم. ومن خط المحدّث أبي بكر بن الزيات:
يحمل عن أبي الطاهر بن سرور، وعن أبي إسحاق بن عبد الرفيع.
تواليفه: من تواليفه: «المعاني المبتكرة الفكرية، في ترتيب المعالم الفقهية» ، «والإيجاز، في دلالة المجاز» ، ونصرة الحق، وردّ الباغي في مسألة الصّدقة ببعض الأضحية، والكرّاس الموسوم «١» ب «المباحث البديعة، في مقتضى الأمر من الشريعة» .
مولده: ببجاية في أحد لجمادى الأولى من عام ثلاثة وستين وستمائة.
وفاته: وتوفي قاضيا بشالش يوم الجمعة، وهو الرابع عشر لجمادى الأولى من عام ثلاثة وعشرين وسبعمائة. ودفن بجبانة باب إلبيرة بمقربة من قبر ولي الله أبي عبد الله التونسي. وكانت جنازته مشهورة.
ومن المقرئين والعلماء
عبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون بن جلهمة ابن العباس بن مرداس السلمي «٢»
أصله من قرية قورت، وقيل: حصن واط من خارج غرناطة، وبها نشأ وقرأ.
حاله: قال ابن عبد البر: كان جمّاعا للعلم، كثير الكتب، طويل اللسان، فقيها، نحويا، عروضيا، شاعرا، نسّابة، أخباريا. وكان أكثر من يختلف إليه الملوك
стр. 1214
وأبناؤهم. قال ابن مخلوف: كان يأتي إلى معالي الأمور. وقال غيره: رأيته يخرج من الجامع، وخلفه نحو من ثلاثمائة، بين طالب حديث، وفرائض، وفقه، وإعراب. وقد رتّب الدّول عليه، كل يوم ثلاثين دولة، لا يقرأ عليه فيها شيء إلّا تواليفه وموطّأ مالك. وكان يلبس الخزّ والسّعيد. قال ابن نمير: وإنما كان يفعله إجلالا للعلم، وتوقيرا له. وكان يلبس إلى جسمه ثوب شعر، وكان صوّاما قوّاما. وقال المغامي «١» : لو رأيت ما كان على باب ابن حبيب، لازدريت غيره. وزعم الزّبيدي أنه نعي إلى سحنون «٢» فاسترجع، وقال: مات عالم الأندلس. قال ابن الفرضي:
جمع «٣» إلى إمامته في الفقه التبحبح في الأدب، والتفنّن في ضروب العلوم، وكان فقيها مفتيا. قال ابن خلف أبو القاسم الغافقي: كان له أرض وزيتون بقرية بيرة من طوق غرناطة، حبس جميع ذلك على مسجد قرطبة. وله ببيرة مسجد ينسب إليه.
وكان يهبط من قرية قورت يوم الاثنين والخميس إلى مسجده ببيرة، فيقرأ عليه، وينصرف إلى قريته.
مشيخته: روى عن صعصعة بن سلّام، والغازي «٤» بن قيس، وزياد بن عبد الرحمن. ورحل إلى المشرق سنة ثمان ومائتين، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وكانت رحلته من قريته بفحص غرناطة «٥» ، وسمع فيها من عبد الملك بن الماجشون، ومطرّف بن عبد الله، وأصبغ بن الفرج، وابنه موسى، وجماعة سواهم. وأقام في رحلته ثلاثة أعوام وشهورا. وعاد إلى إلبيرة، إلى أن رحّله عبد الرحمن بن الحكم إلى قرطبة، في رمضان سنة ثماني «٦» عشرة ومائتين.
من روى عنه: سمع منه ابناه محمد وعبد الله، وسعيد بن نمر، وأحمد بن راشد، وإبراهيم بن خالد، وإبراهيم بن شعيب، ومحمد بن فطيس. وروى عنه من
стр. 1215
عظماء القرطبيين، مطرّف بن عيسى، وبقي بن مخلد، ومحمد بن وضّاح، والمقامي في جماعة.
تواليفه: قال أبو الفضل عياض بن موسى، في كتابه في أصحاب مالك «١» :
قال بعضهم: قلت لعبد الملك بن حبيب: كم كتبك التي ألفت؟ قال: ألف كتاب وخمسون كتابا. قال عبد الأعلى: منها كتب المواعظ سبعة، وكتب الفضائل سبعة، وكتب أجواد قريش وأخبارها وأنسابها خمسة عشر كتابا، وكتب السلطان وسيرة الإمام ثمانية كتب، وكتب الباه والنساء ثمانية، وغير ذلك. ومن كتب سماعاته في الحديث والفقه، وتواليفه في الطب، وتفسير القرآن، ستّون كتابا. وكتاب المغازي، والنّاسخ والمنسوخ، ورغائب القرآن، وكتاب الرّهون والحدثان، خمسة وتسعون كتابا. وكتاب مقام رسول الله ﷺ ، اثنان وعشرون كتابا، وكتاب في النّسب، وفي النجوم، وكتاب الجامع، وهي كتب فيها مناسك النّبي، وكتاب الرّغائب، وكتاب الورع في المال، وكتاب الرّبا، وكتاب الحكم والعدل بالجوارح. ومن المشهورات الكتاب المسمّى بالواضحة. ومن تواليفه كتاب إعراب القرآن، وكتاب الحسبة في الأمراض، وكتاب الفرائض، وكتاب السّخاء واصطناع المعروف، وكتاب كراهية الغناء.
شعره: أنشد ابن الفرضي ممّا كتب بها إلى أهله من المشرق سنة عشر ومائتين «٢» : [الطويل]
أحبّ بلاد الغرب والغرب موطني ... ألا كلّ غربيّ إليّ حبيب
فيا جسدا أضناه شوق كأنّه ... إذا انتضيت عنه الثّياب قضيب
ويا كبدا عادت زمانا كأنما ... يلذّغها بالكاويات طبيب
بليت وأبلاني اغترابي ونأيه ... وطول مقامي بالحجاز أجوب
وأهلي بأقصى مغرب الشمس دارهم ... ومن دونهم بحر أجشّ مهيب
وهول كريه ليله كنهاره ... وسير حثيث للرّكاب دؤوب
فما الداء إلّا أن تكون بغربة ... وحسبك داء أن يقال غريب
فيا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... بأكناف نهر الثّلج حين يصوب
وحولي أصحابي وبنتي وأمّها ... ومعشر أهلي والرؤوف مجيب
стр. 1216
وكتب إلى الأمير عبد الرحمن في ليلة عاشوراء «١» : [البسيط]
لا تنس لا ينسك الرحمن عاشورا «٢» ... واذكره لا زلت في الأحياء «٣» مذكورا
قال الرسول «٤» ، صلاة الله تشمله، ... قولا وجدنا عليه الحقّ والنّورا
من بات في ليل عاشوراء ذا سعة ... يكن بعيشه في الحول محبورا
فارغب، فديتك، فيما فيه رغبتنا «٥» ... خير الورى كلّهم حيّا ومقبورا
وفاته: توفي في ذي الحجة سنة ثمان وثلاثين، وقيل: تسع وثلاثين ومائتين «٦» . قال ابن خلف: كان يقول في دعائه: إن كنت يا ربّ راضيا عني، فاقبضني إليك قبل انقضاء سنة ثمان وثلاثين، فقبضه الله في أحبّ الشهور إليه، رمضان من عام ثمانية وثلاثين، وهو ابن أربع وستين سنة «٧» ، وصلّى عليه ولده محمد، ودفن بمقبرة أم سلمة بقبلي محراب مسجد الضّيافة من قرطبة. قالوا: والخبر متصل، إنه وجد جسده وكفنه وافرين لم يتغيّرا بعد وفاته، بتسع وأربعين سنة، وقطعت من كفنه قطعة رفعت إلى الأمير عبد الله، وذلك عندما دفن محمد بن وضّاح إلى جنبه، ﵏. ورثاه أبو عبد الله الرشّاش وغيره، فقال: [الطويل]
لئن أخذت منّا المنايا مهذّبا ... وقد قلّ فيها من يقال المهذّب
لقد طاب فيه الموت والموت غبطة ... لمن هو مغموم الفؤاد معذّب
ولأحمد بن ساهي فيه: [البسيط]
ماذا تضمّن قبر أنت ساكنه ... من التّقى والنّدى يا خير مفقود
عجبت للأرض في أن غيّبتك وقد ... ملأتها حكما في البيض والسّود
قلت: فلو لم يكن من المفاخر الغرناطية إلا هذا الحبر لكفى.
стр. 1217
ومن الطارئين عليها
عبد الواحد بن محمد بن علي بن أبي السّداد الأموي المالقي، الشهير بالباهلي «١»
حاله: كان، ﵀، بعيد المدى، منقطع القرين في الدّين المتين والصلاح، وسكون النفس، ولين الجانب، والتواضع، وحسن الخلق، إلى وسامة الصّورة، وملاحة الشّيبة، وطيب القراءة، مولى النّعمة على الطّلبة من أهل بلده، أستاذا حافلا، متفنّنا، مضطلعا، إماما في القراءات، حائزا خصل السباق إتقانا، وأداء، ومعرفة، ورواية، وتحقيقا، ماهرا في صناعة النحو، فقيها، أصوليّا، حسن التعليم، مستمرّ القراءة، فسيح التّحليق، نافعا، متحبّبا، مقسوم الأزمنة على العلم وأهله، كثير الخضوع والخشوع، قريب الدّمعة. أقرأ عمره، وخطب بالمسجد الأعظم من مالقة، وأخذ عنه الكثير من أهل الأندلس.
مشيخته: قرأ على الأستاذ الإمام أبي جعفر بن الزبير، وكان من مفاخره، وعلى القاضي أبي علي بن أبي الأحوص، وعلى المقرئ الضّرير أبي عبد الله محمد بن علي بن الحسن بن سالم بن خلف السّهيلي، والرّاوية أبي الحجاج ابن أبي ريحانة المربليّ. وكتب له بالإجازة العامة الرّاوية أبو الوليد العطار، والإمام أبو عبد الله بن سمعون الطائي. وسمع على الراوية أبي عمر عبد الرحمن بن حوط الله الأنصاري. وقرأ على القاضي أبي القاسم، قاسم بن أحمد بن حسن الحجري، الشهير بالسّكوت المالقي، وأخذ عن الشيخ الصالح أبي جعفر أحمد بن يوسف الهاشمي الطّنجالي، وغيرهم ممن يطول ذكرهم. ويحمل عن خاله ولي الله أبي محمد عبد العظيم ابن ولي الله محمد بن أبي الحجاج ابن الشيخ، ﵀.
تواليفه: شرح التّيسير في القراءات. وله تواليف غيره في القرآن والفقه.
شعره: حدّث الشيخ الفقيه القاضي أبو الحجاج المنتشافري، قال: رأيت في النّوم أبا محمد الباهلي أيام قراءتي عليه بمالقة في المسجد الجامع بها، وهو قائم يذكّر الناس ويعظهم، فعقلت من قوله: أتحسبونني غنيّا فقيرا، أنا فقير، أنا.
стр. 1218
فاستيقظت وقصصتها عليه، فاستغفر الله، وقال: يا بنيّ، حقا ما رأيت. ثم رفع إلى ثاني يوم تعريفه رقعة فيها مكتوب: [المتقارب]
لئن ظنّ قوم من أهل الدّنا ... بأنّ لهم قوّة أو غنا
لقد غلطوا جمع «١» مالهم ... فتاهوا عقولا، عموا «٢» أعينا
فلا تحسبوني أرى رأيهم ... فإنّي ضعيف فقير أنا
وليس افتقاري وفقري معا ... إلى الخلق ما «٣» عند خلق غنى
ولكن إلى خالقي وحده ... وفي ذاك عزّ ونيل المنى
فمن ذلّ للحقّ يرقى العلا ... ومن ذلّ للخلق يلق العنا
وفاته: ببلده مالقة، ﵁، ونفع به، في خامس ذي القعدة من عام خمسة وسبعمائة. وكان الحفل في جنازته عظيما، وحفّ الناس بنعشه، وحمله الطّلبة وأهل العلم على رؤوسهم. سكن غرناطة وأقرأ بها.
ومن الكتّاب والشعراء في هذا الحرف
عبد الحق بن محمد بن عطية بن يحيى بن عبد الله بن طلحة ابن أحمد بن عبد الرحمن بن غالب بن عطية المحاربي «٤»
صاحبنا الكاتب للدولة الغادرة.
حاله: كان «٥» هذا الرجل في حال الدّعة التي استصحبها، وقبل أن تبعته أيدي الفضول، بعفاف وطهارة، إلى خصل خطّ، نشط البنان، جلد على العمل. ونظمه وسط، ونثره جمهوري عامي، مبين عن الأغراض. وولّي ببلده الخطابة والقضاء ... «٦» في الحداثة. ثم انتقل إلى غرناطة، فجأجأت «٧» به الكتابة السلطانية
стр. 1219
باختياري، مستظهرة منه ببطل كفاية، وباذل حمل كلفة، فانتقل «١» رئيسا في غرض إعانتي وانتشالي من الكلفة «٢» ، على الضّعف وإلمام المرض، والتّرفّع عن الابتذال، والأنفة من الاستخدام، فرفع الكلّ، ولطف من الدولة محلّه. ثم لمّا حال الأمر، وحتم التّمحيص، وتسوّرت القلعة، وانتثر النّظم، واستأثر به الاصطناع، كشفت الخبرة منه عن سوءة لا توارى، وعورة لا يرتاب في أشنوعتها ولا يتمارى، فسبحان من علّم النفس فجورها وتقواها، إذ لصق بالدّائل «٣» الفاسق، فكان آلة انتقامه، وجارحة صيده، وأحبولة كيده، فسفك الدّماء، وهتك الأستار، ومزّق الأسباب، وبدّل الأرض غير الأرض، وهو يزقّه في أذنه، فيؤمّ «٤» النّصيحة، وينحله «٥» لقب الهداية، ويبلغ في شدّ أزره إلى الغاية: «عنوان عقل الفتى اختياره، يجري في جميل «٦» دعوته» ، طوالا، أخرق، يسيء السمع، وينسى «٧» الإجابة، بدويّا، قحّا، جهوريّا، ذاهلا عن عواقب الدنيا والآخرة، طرفا في سوء العهد، وقلّة الوفاء، مردودا في الحافزة «٨» ، منسلخا من آية السّعادة، تشهد عليه بالجهل «٩» يده، ويقيم عليه الحجج شرهه، وتبوّئه «١٠» هفوات الندم جهالته. ثم أسلم المحروم مصطنعه، أحوج ما كان إليه، وتبرّأ منه، ولحقته بعده مطالبة ماليّة، لقي لأجلها ضغطا. وهو الآن بحال خزي، واحتقاب تبعات، خلّصنا الله من ورطات الدّنيا والآخرة.
أوليته وشيوخه: وبسط كثير من مجمل حاله حسبما نقلت من خطه.
قال يخاطبني بما نصّه «١١» : [البسيط]
يا سيّدا، فاق في مجد وفي شرف ... وفات سبقا بفضل الذات والسّلف
وفاضلا عن سبيل الذّمّ منحرفا ... وعن سبيل المعالي غير منحرف
стр. 1220
وتحفة الزمن الآتي به «١» فلقد ... أربى «٢» بما حازه منها على التّحف
ومعدنا لنفيس الدّرّ فهو لما ... حواه منه لدى التّشبيه كالصّدف
وبحر علم «٣» جميع الناس مغترف ... منه، ونيل المعالي حظّ مغترف «٤»
وسابقا بذّ أهل العصر قاطبة ... فالكلّ في ذاك منهم غير مختلف
من ذا يخالف في نار على علم ... أو يجحد الشمس نورا وهو غير خفي؟
ما أنت إلّا وحيد العصر في شيم ... وفي ذكاء وفي علم وفي ظرف
لله من منتم للمجد منتسب ... بالفضل متّسم، بالعلم متّصف
لله من حسب عد ومن كرم ... قد شاده السّلف الأخيار للخلف
إيه أيا من به تبأى «٥» الوزارة إذ ... كنت الأحقّ بها في الذّات والشرف
يا صاحب القلم الأعلى الذي جمعت ... فيه المعالي ببعض «٦» البعض لم أصف
يا من يقصّر وصفي في علاه ولو ... أنسى مديح حبيب «٧» في أبي دلف
стр. 1221
شرّفتني عندما استدعيت من قبلي «١» ... نظما تدوّنه في أبدع الصّحف
وربما راق ثغر في مباسمه «٢» ... حتى إذا ناله إلمام مرتشف
أجلّ قدرك أن ترضى لمنتجع ... بسوء كيلته حظّا مع الحشف
هذا، ولو أنني فيما أتيت به ... نافحت في الطّيب زهر الرّوضة الأنف «٣»
لكنت أفضي إلى التّقصير من خجل ... أخليت «٤» بالبعض ممّا تستحقّ أفي
فحسبي العجز عمّا قد أشرت به ... والعجز «٥» حتما قصارى كلّ معترف
لكن أجبت إلى المطلوب ممتثلا ... وإن غدوت بمرمى «٦» القوم كالهدف
فانظر إليها بعين الصّفح عن زلل ... واجعل تصفّحها من جملة الكلف
بقيت للدهر تطويه وتنشره ... تسمو من العزّ باسم غير منصرف
جئتك «٧» ، أعزّك الله، ببضاعة مزجاة، وأعلقت رجائي من قبولك بأمنية مرتجاة، وما مثلك يعامل بسقط المتاع، ولا يرضى له بالحشف مع بخس المدّ والصّاع. لكن فضلك يغضي عن التّقصير ويسمح، ويتجاوز عن الخطإ ويصفح، وأنت في كل حال إلى الأدنى من الله أجنح. ولولا أنّ إشارتك واجبة الامتثال، والمسارعة إليها مقدّمة على سائر الأعمال، لما أتيت بها تمشي على استحياء، ولا عرّضت نفسي أن أقف
стр. 1222
موقف حشمة وحياء، فما مثلي فيما أعرضه عليك، أو أقدّمه من هذا الهذر بين يديك، إلّا مثل من أهدى الخرز لجالب الدّرّ، أو عارض للوشل موج البحر، أو كاثر بالحصى عدد الأنجم الزّهر، على أني لو نظمت الشّعرى شعرا، وجئتك بالسّحر الحلال نظما ونثرا، ونافحتك بمثل تلك الرّوضة الأدبية التي تعبق أزاهرها نثرا، لما وصفتك ببعض البعض من نفائس حلاك، ولا وفّيت ما يجب من نشر مآثر علاك.
فما عسى أن أقول في تلك المآثر العلمية، والذّات الموسومة باسم التعريف والعلميّة، أو أعبّر عنه في وصف تلك المحاسن الأدبية، والمفاخر الحسبيّة. إن وصفت ما لك من شرف الذات، ملت إلى الاختصار وقلت: آية من الآيات، وإن ذهبت إلى ذكر مفاخرك الباهرة الآيات، بلغت في مدى الفخر والحسب إلى أبعد الغايات، وإن حلّيتك ببعض الحلى والصّفات، سلبت محاسن الرّوض الأريج النّفحات. فكم لك من التّصانيف الرائقة، والبدائع الفائقة، والآداب البارعة، والمحاسن الجامعة. فما شئت من حدائق ذات بهجة كأنما جادتها سحب نيسان، وجنّات ثمراتها صنوان وغير صنوان، تزري ببدائع بديع الزّمان، وتخجل الروض كما يخجل الورد ابتسام الأقحوان. نظم كما انتثر الدّرّ، ونثر تتمنّى الجوزاء أن تتقلّده والأنجم الزّهر، ومعان أرقّ منّ نسيم الأسحار، تهبّ على صفحات الأزهار. فأهلا بك يا روضة الآداب، وربّ البلاغة التي شمس آياتها لا تتوارى بالحجاب، فما أنت إلّا حسنة الزّمان، ومالك أزمّة البيان، وسبّاق غايات الحسن والإحسان. وقد وجدت مكان القول ذا سعة في أوصافك، وما في تحلّيك بالفضائل واتّصافك. لكنّي رأيت أني لو مددت في ذلك باع الإطناب، وأتيت فيه بالعجب العجاب، فليس لي إلّا تقصير عن المطاولة وإمساك، والعجز عن درك الإدراك إدراك. إيه أيها السّيّد الأعلى، والفاضل الذي له في قداح الفخر القدح المعلّى، فإنك أمرت أن أعرض عليك لتعريف بنفسي ومولدي، وذكر أشياخي الذين بأنوارهم أقتدي، فعلمت أن هذا إنما هو تهمّم منك بشاني، وجري على معتاد الفضل الذي يقصر عنه لساني، وفضل جميل لا أزال أجري في الثناء عليه ملء عناني. وإلّا فمن أنا في الناس حتى أنسب، أو من يذهب إلّا أنت هذا المذهب؟
أما التّعريف بنفسي، فأبدأ فيه باسم أبي: هو أبو القاسم محمد بن عطية بن يحيى بن عبد الله بن طلحة بن أحمد بن عبد الرحمن بن غالب بن عطية المحاربي. وجدّي عطية هو الدّاخل إلى الأندلس عام الفتح، نزل بإلبيرة، وبها تفرّع من تفرّع من عقبه، إلى أن انتقلوا إلى غرناطة، فتأثّل بها حالهم، واستمرّ بها
стр. 1223
استيطانهم، إلى حدود المائة السابعة، فتسبّب في الانتقال من بقي منهم، وهو جدّي الأقرب الأنساب، وقضى ارتحاله إلى مدينة وادي آش، ولكل أجل كتاب، وذلك أنه استقضي بنظر ما في دولة أمير المسلمين الغالب بالله «١» ، أول ملوك هذه الدولة النصرية، نصر الله خلفها، ورحم سلفها، فاتخذ فيها صهرا ونسبا، وكان ذلك لاستيطانه بها سببا، واستمرّ مقامه بها إلى أن ارتحل إلى المشرق لأداء الفريضة فكان إلى أشرف الحالات مرتحله، وقضى في إيابه من الحج أمله. واستمرّت به الاستيطان، وتعذّرت بعوده إلى غرناطة بعدما نبت فيها الأوطان. على أنه لم يعدم من الله السّتر الجميل، ولا حظّ من عنايته بإيصال النّعمة كفيل، فإنه سبحانه حفظ من سلف فيمن خلف، وجعلهم في حال الاغتراب فيمن اشتهر بنباهة الحال واتّصف، وقيّض لمصاهرتهم من خيار المجد والشرف، وبذلك حفظ الله بيتهم، وشمل باتصال النّعمة حيّهم وميتهم. فالحمد لله، بجميع محامده، على جميل عوائده. وتخلّف بوادي آش أبي وأعمامي، تغمّدهم الله وإياي برحمته، وجمع شملنا في جنّته.
وأمّا التعريف بهم، فأنت أبقاك الله، بمن سلف قديما منهم أعلم، وسبيلك في معرفتهم أجدى وأقوم، بما وهبكم الله من عوارف المعارف، وجعل لكم من الإحاطة بالتالد منها والطّارف. وأمّا من لم يقع به تعريف، ممن بعدهم، فمن اقتفى رسمهم في الطريقة العلمية، ولم يتجاوز جدّهم، وهو جدّي أبو بكر عبد الله بن طلحة ورابع أجدادي. كان، ﵀، ممن جرى على سنن آبائه، وقام بالعلم أحسن قيام ونهض بأعبائه. ألّف كتابا في «الرقائق» ، ففات في شأوه سبق السابق، وتصدّر ببلده للفتيا، وانتفع به الناس، وكان شيخهم المقدّم. ولم أقف على تاريخ مولده ولا وفاته، غير أنه توفي في حدود المائة الخامسة، ﵀. وأمّا من بيني وبينه من الآباء، كجدّي الأقرب وأبيه ومن خلفه من بنيه، فما منهم من بلغ رتبة السّابق، ولا قصر أيضا عن درجة اللّاحق، وإنما أخذ في الطلب بنصيب، ورمى فيه بسهم مصيب.
وأما مولدي «٢» ، فبوادي آش، في أواخر عام تسعة وسبعمائة. وفي عام ثلاثة وعشرين، ابتدأت القراءة على الأستاذ أبي عبد الله الطّرسوني وغيره ممن يأتي ذكره.
ثم كتبت بعد ستة أعوام على من وليها من القضاة، أولي العدالة والسّير المرتضاة،
стр. 1224
ولم يطل العهد حتى تقدّمت في جامعها الأعظم خطيبا وإماما، وارتسمت في هذه الخطّة التي ما زالت على من أحسن تماما، وذلك في أواخر عام ثمانية وثلاثين. ثم ولّيت القضاء بها، وبما يرجع إليها من النّظر، في شهر ربيع الأول من عام ثلاثة وأربعين، واستمرّت الولاية إلى حين انتقالي للحضرة، آخر رجب من عام ستة وخمسين، أسأل الله الإقالة والصّفح عما اقترفت من خطإ أو زلل، أو ارتكبته من عمد وسهو، في قول أو عمل، بمنّه.
وأمّا أشياخي، فإني قرأت بالحضرة على الأستاذ الخطيب أبي الحسن القيجاطي، والأستاذ الخطيب أبي القاسم بن جزي. وبمالقة على الأستاذ القاضي أبي عمرو بن منظور. وبألمريّة على الأستاذ القاضي أبي الحسن بن أبي العيش، وسيّدي القاضي أبي البركات ابن الحاج، والأستاذ أبي عثمان بن ليون، وبوادي آش على الأستاذ القاضي أبي عبد الله بن غالب، والأستاذ أبي عامر بن عبد العظيم. على كل هؤلاء قرأت قراءة تفقّه، وعرضت على أكثرهم جملة كتب في النحو والفقه والأدب، أكبرها كتاب المقامات للحريري، وأمّا من لقيته من المشايخ واستفدت، منهم أبو الحسن بن الجيّاب بالحضرة، وبمالقة القاضي أبو عبد الله بن بكر، والقاضي أبو عبد الله بن عيّاش، والأستاذ أبو عبد الله بن حفيد الأمين. ومن لقيته لقاء بترك، سيدي أبو جعفر بن الزيات ببلّش. وبمالقة الخطيب أبو عبد الله السّاحلي، والصّوفي أبو الطاهر بن صفوان، والمقرئ أبو القاسم بن درهم. وبألمرية الخطيب أبو القاسم بن شعيب، والخطيب ابن فرحون. ولقيت أيضا القاضي أبا جعفر بن فركون القرشي، والقاضي الخطيب أبا محمد بن الصايغ. وممن رأيته بوادي آش، وأنا إذ ذاك في المكتب، وأخذت بحظّ من التبرّك به، سيدي أبو عبد الله الطّنجالي نفع الله به. والحمد لله ربّ العالمين.
شعره: من مطولاته قوله: ومن خطّه نقلت «١» : [الطويل]
ألا أيّها اللّيل البطيء الكواكب ... متى ينجلي صبح بنيل المآرب؟
وحتى متى أرعى النجوم مراقبا ... فمن طالع منها على إثر غارب «٢»
أحدّث نفسي أن أرى الرّكب سائرا ... وذنبي يقصيني بأقصى المغارب
стр. 1225
فلا فزت من نيل الأماني بطائل ... ولا قمت في «١» حقّ الحبيب بواجب
وكم «٢» حدّثتني النفس أن أبلغ المنى ... وكم علّلتني بالأماني الكواذب
وما قصّرت بي عن زيارة قبره ... معاهد أنس من وصال الكواعب
ولا حبّ أوطان نبت بي ربوعها ... ولا ذكر خلّ حلّ «٣» فيها وصاحب
ولكن ذنوب أثقلتني فها أنا ... من الوجد قد ضاقت عليّ مذاهبي
إليك، رسول الله، شوقي مجدّدا» ... فيا ليتني يمّمت صدر الركائب
وأعملت «٥» في تلك الأباطح والرّبى ... سراي مجدّا بين تلك السباسب «٦»
وقضيت من لثم البقيع لبانتي ... وجبت الفلا ما بين ماش وراكب
وروّيت من ماء زمزم «٧» غلّتي ... فلله ما أشهاه يوما لشارب!
حبيبي شفيعي منتهى غايتي التي ... أرجّي ومن يرجوه ليس بخائب
محمد المختار والحاشر الذي ... بأحمد حاز الحمد «٨» من كل جانب
رؤوف رحيم خصّه «٩» الله باسمه ... وأعظم لاج «١٠» في الثّناء وعاقب
رسول كريم رفّع الله قدره ... وأعلى له قدرا رفيع الجوانب
وشرّفه أصلا وفرعا ومحتدا ... يزاحم آفاق السّهى بالمناكب «١١»
سراج الهدى ذو الجاه والمجد والعلا ... وخير الورى الهادي الكريم المناسب
هو المصطفى المختار من آل هاشم ... وذو الحسب العدل «١٢» الرفيع المناصب
هو الأمد الأقصى هو الملجأ الذي ... ينال به مرغوبه كلّ راغب
إمام النّبيّين الكرام، وإنه ... لكالبدر فيهم بين تلك المواكب
بشير «١٣» نذير مفضل متطوّل ... سراج منير بذّ نور الكواكب
стр. 1226
شريف منيف باهر الفضل كامل ... نفيس المعالي والحلى والمناقب
عظيم المزايا ما له من تماثل «١» ... كريم السّجايا ما له من مناسب
ملاذ منيع ملجأ عاصم لمن ... يلوذ به من بين آت وذاهب
حليم «٢» جميل الخلق والخلق ما له ... نظير، ووصف الله حجّة غالب
وناهيك من فرع نمته أصوله ... إلى خير مجد من لؤيّ بن غالب
أولي الحسب العدّ الرفيع جنابه ... بدور الدّياجي أو بدور «٣» الركائب
له معجزات ما لها من معارض ... وآيات صدق ما لها من مغالب
تحدّى «٤» بهنّ الخلق شرقا ومغربا ... وما ذاك عمّن حاد عنها بغائب «٥»
فدونكها كالأنجم الزّهر «٦» عدّة ... ونور سنا لا يختفي «٧» للمراقب
فإحصارها «٨» مهما تتبّعت معوز ... وهل بعد نور الشمس نور لطالب؟
لقد شرّف الله الوجود بمرسل ... له في مقام الرّسل أعلى المراتب
وشرّف شهرا فيه مولده الذي ... جلا نوره الأسنى دياجي الغياهب
فشهر ربيع في الشهور مقدّم ... فلا غرو أنّ الفخر «٩» ضربة لازب «١٠»
فلله منه ليلة قد تلألأت ... بنور شهاب نيّر «١١» الأفق ثاقب «١٢»
ليهن أمير المسلمين بها المنى ... وأن نال من مولاه أسنى الرّغائب
على حين أحياها بذكر حبيبه ... وذكر الكرام الطاهرين الأطايب
وألّف شملا للمحبّين فيهم ... فسار على نهج من الرشد لاحب «١٣»
فسوف يجازى عن كريم صنيعه ... بتخليد سلطان وحسن عواقب
وسوف يريه الله في لهم «١٤» دينه ... غرائب صنع فوق كلّ الغرائب
فيحمي حمى الإسلام عمّن يرومه ... بسمر العوالي أو ببيض القواضب «١٥»
стр. 1227
ويعتزّ دين الله شرقا ومغربا ... بما سوف يبقى ذكره في العجائب
إلهي، ما لي بعد رحماك مطلب ... أراه بعين الرّشد أسنى المطالب
سوى زورة القبر الشريف وإنها «١» ... لموهبة فاتت «٢» جميع المواهب
عليه سلام الله ما لاح كوكب ... وما فارق «٣» الأظعان حادي الرّكائب
وقال في غرض المدح والتّهنئة بعرض الجيش، وتضمّن ذلك وصف حاله في انتقاله إلى الحضرة: [البسيط]
يا قاطع البيد يطوي السّهل والجبلا ... ومنضيا في الفيافي الخيل والإبلا
يبكي بآفاق «٤» أرض لا يؤانسه «٥» ... إلّا تذكّر عهد للحبيب خلا
أو ظبية أذكرت عهد التواصل تح ... كي للّحاظ «٦» التي عاهدت والمقلا
أستغفر الله في تلك اللّحاظ فقد ... أربى بها الحسن عن ضرب المها مثلا
أو هادل فوق غصن البان تحسبه ... صبا لفقد حبيب بان قد ثكلا
أو لامع البرق إذ تحكي إنارته ... كفّا خضيبا مشيرا بالذي عذلا
ماذا عسى أن تقضّي من زمانك في ... قطع المهامه ترجو أن تنال علا؟
وكم معالم أرض أو مجاهلها ... قطعتها لا تملّ الرّيث والعجلا
إن كنت تأمل عزّا لا نظير له ... وتبتغي السّؤل فيما شئت والأملا
فالعزّ مرسى بعيد لا ينال سوى ... بعزم من شدّ عزم البين وارتحلا
والدّرّ في صدف قلّت نفاسته ... ولم يبن فخره إلّا إذا انتقلا
فاربأ بنفسك عن أهل وعن وطن ... ................ ... «٧»
وانس الدّيار التي منها نأى وطني ... وعهد أنس به قلب المحبّ سلا
وعدّ عن ذكر محبوب شغفت به ... ولا تلمّ» به مدحا ولا غزلا
واقصد إلى الحضرة العليا وحطّ بها ... رحلا ولا تبغ عن أرجائها حولا
غرناطة لا عفا رسم بها أبدا ... ولا سلا قلب من يبغي بها بدلا
стр. 1228
فهي التي شرّف الله الأنام بمن ... في مقعد الملك من حمرائها نزلا
خليفة الله مولانا وموئلنا ... وخير من أمّن الأرجاء والسّبلا
محمد بن أبي الحجاج أفضل من ... قد قام فينا بحقّ الله إذ عدلا
من آل نصر أولى الملك الذي بهرت ... علاه كالشمس لمّا حلّت الحملا
هو الذي شرّف الله البلاد ومن ... فيها بدولته إذ فاقت الدّولا
أقام عدلا ورفقا في رعيّته ... وكان أرحم من آوى ومن كفلا
فهو المجار به من لا مجير له ... لم يخش إحن الليالي فادحا جللا
إنّ المدائح طرّا لا تفي أبدا ... ببعض ما قد تحلّا من نفيس علا
بالحزم والفهم والإقدام شيمته ... والجود ممّا على أوصافه اشتملا
إن قال أجمل في قول وأبدعه ... والفعل أجمل منه كلّما فعلا
يولي الجميل ويعطي عزّ نائله ... من قد رجاه ولا استجدى ولا سألا
من سائلي عن بني نصر فما أحد ... منهم بأبلغ منهم كلّما سئلا
هم الذين إذا ما استمنحوا منحوا ... أسنى العطاء «١» وأبدوا بعده الخجلا
هم الألى مهّدوا أرجاء أندلس ... إذ حكّموا في الأعادي البيض والأملا
فإن تسل عنهم يوم الرّهان فلم ... يعدل بأحدثهم في سنّه بطلا
من ذا يجاريهم في كل مكرمة ... أيشبه البحر في تمثيله الوشلا؟
مولاي، يا خير من للنّصر قد رفعت ... راياته ولواء الفخر قد حملا
لله عيني لمّا أبصرتك وقد ... أعددت بين يديك الخيل والخولا
وأنت في قبّة يسمو بها عمد ... أقام منّا لأمر «٢» الدّين فاعتدلا
والجيش يعشى عيون الخلق منظره ... لما اكتسى منك نور الحقّ مكتملا
لا غرو أنّ شعاع الشمس يشمل ما ... أضحى عليه إذا ما لاح منسدلا
وراية النصر والتأييد خافقة ... قد أسبل الله منها النّصر فانسدلا
والخيل قد كسيت أثواب زينتها ... فمن براقعها قد ألبست حللا
ترى الحماة عليها يوم عرضهم ... يمشون من فرط زهو مشية الخيلا
فمن رماة قسيّ العرب عدّتها ... تحكي الأهلّة مهما نورها اكتملا
стр. 1229
ومن كماة شداد البأس شأنهم ... أن يعملوا البيض والخطّيّة الذّبلا
بسعدك انتظمت تلك الجيوش لأن ... أسهمت في نظمها أسلافك الأولا
وخلّد الله ملكا أنت ناصره ... ما عاقبت بكر من دهرنا الأصلا
لا زلت تزداد بي «١» نعمى مضاعفة ... لتملأ الأرض منها السّهل والجبلا
ومن ذلك قوله: [البسيط]
يا عاذلي في الهوى، أقصر عن العذل ... وعن حديثي مع المحبوب لا تسل
فكيف أصغي إلى عذل العذول وقد ... تقلّص القلب مني صائد المقل؟
تملّكته كما شاءت بنظرتها ... فتّانة الطّرف والألحاظ تنهدل
معبرة عن نفيس الدّرّ فاضحة ... بقدّها الغضّ الميّاس «٢» في الميل
من نور غرّتها شمس تروق سنى ... تحتلّ منها محلّ الشمس في الحمل
يا حبّذا عهدنا والشّمل منتظم ... بجانب الغور في أيّامنا الأول
أيام أعين هذا الدهر نائمة ... عنّا وأحداثه منّا على وجل
وحبّذا أربع قد طال ما نظمت ... عقد التّواصل في عيش بها خضل
قضيت منها أماني النّفس في دعة ... من الزمان موفّى الأنس والجذل
سطا الغمام رباها كلّ منهمر ... وكم سطتها دموعي كلّ منهمل
وجادها من سماء الجود صوب حيا ... بالعارض الهطل ابن العارض الهطل
خليفة الله والماحي بسيرته ... رسم الضّلال ومحيي واضح السّبل
محمد بن أبي الحجاج أفضل من ... سارت أحاديث علياه سرى المثل
والباعث الجيش في سهل وفي جبل ... حتى تغصّ نواحي السّهل والجبل
من آل نصر أولي الفخر الذين لهم ... مزيّة أورثت من خاتم الرسل
مهما أردت غناء في الأمور به ... شاهدت منه جميع الخلق في رجل
لن يستظلّ بعلياه أخو أمل ... إلّا غدا تحت ظلّ منه منسدل
ولا استجار به من لا مجير له ... إلّا كفاه انتياب الحادث الجلل
ينمى إلى معشر شاد الإله لهم ... ملكا على سالف الأعصار لم يزل
بملكهم قد تحلّى الدهر فهو به ... والله واليه لا يخشى من العطل
стр. 1230
هم الألى نصروا أرجاء أندلس ... بالمشرفيّات والخطيّة الذّبل
هم الألى مهّدوا دين الهدى فسمت ... في الخلق ملّته العليا على الملل
من أمّهم صادي الآمال نال بهم ... جودا كفيلا له بالمعل والنّهل
أو أمّهم ضاحيا أضحى يجرّر من ... فضل النّوال ذيول الوشي والحلل
إنّ الفضائل أضحت لاسمه تبعا ... كالنّعت والعطف «١» والتأكيد والبدل
مولاي، خذها تروق السّامعين لها ... بما أجادته من مدح ومن غزل
لكنني باعتبار عظم ملكك لم ... أجد لعمري في مدحي ولم أطل
فإن خبرت كذاك الخلق أجمعهم ... سيّان محتفل أو غير محتفل
لا زلت فخر ملوك الأرض كلّهم ... تسمو بك الدولة العلياء «٢» على الدول
ودمت للدهر تطويه وتنشره ... مبلّغا كلّما تبغي من الأمل
ومن ذلك ما نظمه لينقش في بعض المباني التي أنشأتها «٣» : [الطويل]
أنا مصنع قد فاق كل المصانع ... فما منزل يزهى «٤» بمثل بدائعي
فرسمي، إذا حقّقته واعتبرته «٥» ... لكل المعاني، جامع أيّ جامع
فقد جمع الله المحاسن كلّها ... لديّ، فيا لله إبداع صانع «٦» !
كما «٧» جمعت كلّ الفضائل في الذي ... بسكناي قد وافاه أيمن طالع
وزير أمير المسلمين وحسبه ... مزيّة فخر ما لها من مدافع
وذو القلم الأعلى الذي فعله لمن ... يؤمّله مثل السّيوف القواطع
ومطلع آيات البيان لمبصر ... كشمس الضّحى حلّت بأسنى المطالع
وإنسان عين الدهر قرّت لنا به ... عيون وطابت منه ذكرى المسامع
هو ابن الخطيب السّيّد المنتمي إلى ... كرام سموا ما بين كهل ويافع
لقد كنت لولا عطفة من حنانه «٨» ... أعدّ زمانا في الرّسوم البلاقع
следующие страницы →