Полный текст (1 954 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
طوبى لمن في الناس قبّل كفّه ... والويل منه لمن غدا متوقّفا
أعطاك ربّك وارتضاك لخلقه ... فاقتل بسيفك من أبى وتخلّفا
وامدد يمينك للوفود فكلهم ... لليوم عاد مؤمّلا متشوّفا
فاليوم لا تخشى النّعاج ذئابها ... ويعود من يسطو بها متعطّفا
صلح الزمان فلا عدوّ يتّقى ... لم يخش خلق في علاك تخوّفا
لم لا وعدلك للبريّة شامل؟ ... طبعا وغيرك لا يزال تكلّفا
يا من سررت بملكه وعلائه ... اليوم أعلم أنّ دهري أنصفا
فإذا ملكت فكن وفيّا حازما ... واعلم بأنّ الملك يصلح بالوفا
وأفض بذلك «١» للوجود وكن لهم ... كهفا وكن ببعيدهم مستعطفا
فالجود يصلح ما تعلّم في العلا ... وسواه يفسد في الخلافة ما صفا
إنّ البريّة في يديك زمامها ... فاحذر فديتك أن تكون معنّفا
يا من تسربل بالمكارم والعلا ... ما زال حاسدكم يزيد تأسّفا
خذها إليك قصيدة من شاعر ... في نظم فخرك كيف شاء «٢» تصرّفا
خضع الكلام له فصار كعبده ... ما شاء يصنع ناظما ومؤلّفا
لا زالت الأمجاد تخدم مجدكم ... ما زارت الحجّاج مروة والصّفا
ومن شعره في رثاء الأمير أبي مالك: [الكامل]
سهم المنيّة أين منه فرار ... من في البريّة من رجاه يجار
حكم الزمان على الخلائق بالفنا ... فالدار لا يبقى بها ديّار
عش ما تشاء فإنّ غايتك الرّدى ... يبلى الزمان وتذهب الأعمار
فاحذر مسالمة الزمان وأمنه ... إنّ الزمان بأهله غدّار
وانظر إلى الأمراء قد سكنوا الثرى ... وعليهم كأس المنون تدار
تركوا القصور لغيرهم وترحّلوا ... ومن اللّحود عليهم أستار
قد وسّدوا بعد الحرير جنادلا ... ومن اللحود عليهم أستار
منعوا القباب «٣» وأسكنوا بطن الثّرى ... حكمت بذاك عليهم الأقدار
стр. 1262
لم تنفع الجرد الجياد ولا القنا ... يوم الرّدى والعسكر الجرّار
في موت عبد الواحد الملك الرّضا ... لجميع أملاك الورى إنذار
أن ليس يبقى في الملوك مملّك ... إلّا أتته منيّة وبوار
ناديته والحزن خامر مهجتي ... والقلب فيه لوعة وأوار
يا من ببطن الأرض أصبح آفلا ... أتغيب في بطن الثّرى الأقمار؟
أين الذين عهدت صفو ودادهم ... هل فيهم بعد الرّدى لك جار؟
تركوك في بطن الثّرى وتشاغلوا ... بعلا سواك فهجرهم إنكار
لما وقفت بقبره مترحّما ... حان العزاء «١» وهاجني استعبار
فبكيت دمعا لو بكت بمثاله ... غرّ السّحائب «٢» لم تكن أمطار
يا زائريه استغفروا لمليككم ... ملك الملوك فإنه غفّار
وفاته: توفي خنقا بسجن فاس بسعاية سعيت به، جناها تهوّره في وسط عام سبعة وتسعين وستمائة، وقد كان جعل له النّظر في أمور الحسبة ببلاد المغرب.
ومن العمّال
عبد العزيز بن عبد الله بن عبد العزيز الأسدي العراقي
من أهل وادي آش، نزل سلفه طرّش من أحوازها، وجدّه استوطنها، وذكروا أنه كان له بها سبعون غلاما. وجدّه للأمّ أبو الحسن بن عمر، شارح الموطّأ ومسلم، ومصنّف غير ذلك. كذا نقلته عن أبي عبد الله العراقي، قريبه.
حاله: كان طبيبا، شاعرا مجيدا، حسن الخط، طريف العمل، مشاركا في معارف، تولّى أعمالا نبيهة.
شعره: نقلته من خطّه ما نصّه: [الوافر]
صرفت لخير صدر في الزمان ... عريق في أصالته عنان
كريم المنتمى من خير بيت ... سليل مجادة ورفيع شان
رحيب بان «٣» فضل غير وان ... عن الأفضال في هذا الأوان
стр. 1263
ومن هذا؟ أذاك هو ابن عيسى ... محمد المعان على المعان؟
أبو عبد الإله «١» المنتمي من ... مساوي الفضل في سرو «٢» العنان
ذراني في مجادته محبّا ... فهشّ لما به يحوي جناني «٣»
فأنس ثم بشر بالأماني ... ورفع بعد تأنيس مكاني
وسرّ الله «٤» ما أولى ليرأى «٥» ... وليس كمن رآني فازدراني
ويوجب ذو الفضائل كلّ فضل ... بما فيها ترشّحت الأواني
وكم زهر رآه وسط روض ... وكم هاذ يدي بين الدّنان
بمالقة وبالأقطار أضحت ... معاليكم مشيّدة المباني
فأبدوا للإله «٦» لسوف يأتي ... لكم منّي سوابق في الرّهان
قواف كم «٧» من الحكم قواف ... محامد للسّماع وللعيان
يفوق نظيمها من كل معنى ... سلوك الدّرّ من حلي الحسان
متى خفّ ازدحام من همومي ... ورجّيت الأماني «٨» مع أمان
شكرت الله ثم صفا فؤادي ... وأملي ما تحبّ على لساني «٩»
فهأنذا ببرّكم غذائي ... ولي منكم على بعدي تدان
محبّك حيث كنت بلا سلوّ ... وضيفك في البعاد وفي التّوان
ثنائي ثابت يبقى بقائي «١٠» ... ومن بعدي على طول الزمان
وما تهب الأكفّ قراك فان ... وما تهب الطّروس فغير فان
هنيئا بالنّزاهة في سرور ... ومع من لا له في الفضل ثان
فلا زالت مسرّته توالي ... ولا زالت تزفّ لك التّهاني
وفاته: ببلدة وادي آش عام خمسة عشر وسبعمائة.
стр. 1264
عبد القادر بن عبد الله ابن عبد الملك بن سوّار المحاربي
حاله: هذا الرجل دمث الأخلاق، سكون، وقور. خدم أبوه بغرناطة كاتبا للغزاة، منوّها به، مشهورا بكرم وظرف. وانتقل إلى العدوة، ونشأ ابنه المذكور بها، وارتسم بخدمة ولي العهد الأمير أبي زيّان، وورد على الأندلس في وسط عام سبعة وخمسين وسبعمائة في بعض خدمه، وأقام بغرناطة أياما يحاضر محاضرة يتأنّس به من أجلها الطالب، وينتظم بها مع أولي الخصوصية من أهل طريقه، وينقل حكايات مستطرفة؛ فمن ذلك أن الشيخ عبد الرحمن بن حسن القروي الفاسي كان مع أبي القاسم الزياني بجامع القرويين ليلة سبع وعشرين من رمضان، فدخل عليهم ابن عبدون المكناسي، فتلقاه الزياني وتأيّده، وتوجهوا إلى الثّريّا بالقرويين وقد أوقدت، وهي تحتوي على نحو ألف كاس من الزجاج، فأنشد الزياني: [السريع]
انظر إلى ناريّة نورها ... يصدع بالّألاء حجب الغسق
فقال ابن عبدون: [السريع]
كأنّها في شكلها زهرة ... انتظم النور بها فاتّسق
وحكيت القصة للأديب الشهير أبي الحكم مالك بن المرحّل، فقال: لو حضرت أنا لقلت: [السريع]
أعيذها من شرّ ما يتّقى ... من فجأة العين بربّ الفلق
واستنشد من شعره في الثامن والعشرين لربيع الآخر من العام بقصر نجد، فقال من حكايات: إن السلطان أمير المسلمين وجد يوما على رجل أمر بتنكيله، ثم عطف عليه في الحال وأحسن إليه، وكان حاضرا مجلسه أبو الحسن المزدغي، ﵀، فأنشده بديهة: [البسيط]
لا تونسنّك من عثمن سطوته ... وإن تطاير من أثوابه الشرر
فإنّ سطوته والله يكلأه ... كالبرق والرّعد يأتي بعده المطر
قال المترجم به: فحدّثني بذلك والدي، فتعقّبتها عليه عام تسعة وعشرين وسبعمائة، لموجب جرّ ذلك بقولي: [البسيط]
لا تيأسن من رجا كهف الملوك أبي ... سعيد المرتجى للنّفع والضّرر
الإحاطة في أخبار غرناطة/ ج ٤/م ٢
стр. 1265
وإن بدا منه سخط أو رأيت له ... من سطوة أقبلت ترميك بالشّرر
فإنما شيء مثل الرّعد يتبعه ... برق ومن بعده ينهل المطر
وأنشدني لبعض الأحداث من طلبة فاس، يخاطب صاحبنا الفقيه الكاتب أبا عبد الله بن جزي، وقد توعده على مطل باستنساخ كتاب كان يتناول له، وهو بديع:
[الطويل]
إذا ما أتت أبطال قيس وعامر ... وأقيال عبس من بغام «١» وقسور «٢»
تصادمني وسط الفلا لا تهولني ... فكيف أبالي بابن جزء مصغّر؟
مولده: بفاس في العشر الأول لذي حجة عام تسعة وسبعمائة.
ومن الزهّاد والصلحاء وأولا الأصليون
عبد الأعلى بن معلا
يكنى أبا المعلى الإلبيري، من قرى القلعة «٣» ، ونشأ بالحاضرة. وكان ينسب إلى خولان. ويذكر أنه أسلم على يدي رجل من خولان، فتولّاه وانتسب إليه، وخرج إلى إلبيرة، ونشأ بها، وشغف بكتب عبد الملك بن حبيب، ولم يكن أحد في عصره يشبهه في فضله وزهده وورعه، وتواضعه وانقباضه، وتستّره؛ أرسل إليه حسين بن عبد العزيز، أخو هاشم بن عبد العزيز، وهو بإلبيرة يرغب إليه في أن يشهد جنازة ابنة توفيت له، كان يشغف بها، فتعذّر عليه إذ خشي الشّهرة. وقال لبعض جلسائه: ما علمت أن حسينا يعرفني، وعمل على الخروج من إلبيرة، وتهيّأ للخروج للحج، فحج، فلمّا كان منصرفه ونزل في بعض السّواحل، وجد هنالك مركبين يشحنان، فرغب كل من أصحاب المركبين أن يركب عنده، وتنافسا في ذلك، حتى خشي أن تقع الفتنة بينهم، فاهتم لذلك، ثم اصطلح أرباب
стр. 1266
المركبين على أن يخرج كل واحد منهما قاربه إلى البرّ، فمن سبق قاربه إليه دخل عنده. ونزل في منصرفه ببجانة «١» وسكنها إلى أن توفي سنة ثلاث وتسعين ومائتين.
عبد المنعم بن علي بن عبد المنعم بن إبراهيم ابن سدراي بن طفيل
يكنى أبا العرب، ويشهر بالحاج، ويدعى بكنيته.
حاله: كان عالما فاضلا صالحا، منقطعا متبتّلا، بارع الخطّ، مجتهدا في العبادة، صاحب مكاشفات وكرامات. نبذ الدنيا وراء ظهره، ولم يتلبّس منها بشيء، ولا اكتسب مالا ولا زوجة، وورث عن أبيه مالا خرج عن جميعه، وقطع زمن فتائه في السّياحة وخدمة الصالحين، وزمان شيخوخته في العزلة والمراقبة والتزام الخلوة. ورحل إلى الحج، وقرأ بالمشرق، وخدم مشايخ من الصالحين، منهم الفخر الفارسي، وأبو عبد الله القرطبي وغيرهما، وكان كثير الإقامة بالعدوة، وفشا أمره عند ملوكها، فكانوا يزورونه، ويتبرّكون به، فيعرض عنهم، وهو أعظم الأسباب في جواز أهل المغرب لنصرة من بالأندلس في أول الدولة النّصرية، إذ كان الرّوم قد طمعوا في استخلاصها، فكان يحرّض على ذلك، حتى عزم صاحب العدوة على الجواز، وأخذ في الحركة بعد استدعاء سلطان «٢» الأندلس إياه، وعندما تعرّف يغمور بن زيّان، ملك تلمسان، ذلك كله على بلاده بما منع من الحركة، فخاطبه الحاج أبو العرب مخاطبته المشهورة التي كفّت عدوانه، واقتصرته عما ذهب إليه.
وكان حيّا في صفر عام ثلاثة وستين وستمائة، وهو تاريخ مخاطبته أبا يحيى يغمور بن زيان.
стр. 1267
ومن الطارئين وغيرهم
عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن نصر بن فتح ابن سبعين العكّي «١»
مرسي، رقوطي «٢» الأصل، سكن بآخرة مكّة، يكنى أبا محمد، ويعرف بابن سبعين.
حاله: قال ابن عبد الملك «٣» : درس العربية والأدب بالأندلس، عند جماعة من شيوخها. ثم انتقل إلى سبتة، وانتحل التصوف، بإشارة بعض أصحابه، وعكف برهة على مطالعة كتبه، وتعرّض بعد لإسماعها، والتكلّم على بعض معانيها، فمالت إليه العامة، وغشيت محلّه. ثم فصل عن سبتة، وتجوّل في بلاد المغرب منقطعا إلى طريقة التصوف، داعيا إليها، محرّضا عليها. ثم رحل إلى المشرق، وحجّ حججا، وشاع ذكره، وعظم صيته هنالك، وكثر أتباعه على مذهبه الذي يدعو إليه من التصوف نحلة، ارتسموا بها من غير تحصيل لها، وصنّف في ذلك أوضاعا كثيرة، تلقّوها منه، وتقلّدوها عنه، وبثّوها في البلاد شرقا وغربا، ولا يخلو أحد منها بطايل، وهي إلى وساوس المخبولين، وهذيان الممروضين أقرب منها إلى منازع أهل العلم، ولفظه غير ما بلد وصقع، لما كان يرمى به من بلايا الله أعلم بحقيقتها، وهو المطلع على سريرته فيها. وكان حسن الأخلاق، صبورا على الأذى، آية في الإيثار، أبدع الناس خطّا.
وقال أبو العباس الغبريني في كتاب «عنوان الدّراية» «٤» عند ذكره: وله علم وحكمة ومعرفة، ونباهة وبلاغة وفصاحة. ورحل إلى العدوة، وسكن بجاية مدة، ولقيه من أصحابنا ناس «٥» كثير، وأخذوا عنه، وانتفعوا به في فنون خاصة له، مشاركة في معقول العلوم ومنقولها، ووجاهة لسان، وطلاقة قلم، وفهم جنان «٦» ،
стр. 1268
وهو آخر «١» الفضلاء، وله أتباع كثيرة من الفقراء، ومن عامّة الناس، وله موضوعات كثيرة، موجودة بأيدي الناس «٢» ، وله فيها ألغاز وإشارات بحروف أبجد «٣» . وله تسميات مخصوصات «٤» في كتبه، هي نوع من الرّموز. وله تسميات ظاهرة كالأسامي المعهودة، وله شعر في التحقيق، وفي مراقي أهل الطريق، وكتابته مستحسنة في طريقة «٥» الأدباء. وله من الفضل والمزية ملازمته لبيت الله الحرام، والتزامه الاعتمار على الدوام، وحجّته «٦» مع الحجاج في كل عام، وهذه مزية لا يعرف قدرها ولا يرام. ولقد مشى به للمغاربة بحظّ في الحرم الشريف، لم يكن لهم في غير مدّته.
وكان أصحاب «٧» مكة، شرّفها الله، يهتدون بأفعاله، ويعتمدون على مقاله.
قلت «٨» : وأغراض الناس في هذا الرجل متباينة، بعيدة عن الاعتدال، فمنهم الموهن «٩» المكفّر، ومنهم المقلّد المعظّم، وحصل لطرفي هذين الاعتقادين من الشهرة والذّياع ما لم يقع لغيره. والذي يقرب من الحق، أنه كان من أبناء الأصالة ببلده، وولّي أبوه خطّة المدينة، وبيته نبيه، ونشأ ترفا مبجّلا، في ظل جاه، وعزّ نعمة، لم تفارق معها نفسه البلد. ثم قرأ وشدا، ونظر في العلوم العقلية، وأخذ التحقيق عن أبي إسحاق بن دهاق، وبرع في طريقة الشّوذية «١٠» ، وتجرّد واشتهر، وعظم أتباعه، وكان وسيما جميلا، ملوكي البزّة، عزيز النفس، قليل التصنع، يتولّى خدمته الكثير من الفقراء السّفارة، أولي العبا والدقاقيس، ويحفون به في السّكك، فلا يعدم ناقدا، ولا يفقد متحاملا. ولما توفرت دواعي النقد عليه من الفقهاء زيّا وانتباذا ونحلة وصحبة واصطلاحا، كثر عليه التأويل، ووجهت لألفاظه المعاريض، وفلّيت موضوعاته، وتعاورته الوحشة، ولقيه فحول من منتابي تلك النّحلة، قصر أكثرهم عن مداه في الإدراك والاضطلاع، والخوض في بحار تلك الأغراض. وساءت منه لهم في الملاطفة السيرة، فانصرفوا عنه مكظومين «١١» يندّرون في الآفاق عليه من سوء القيلة، ما لا شيء فوقه. ورحل إلى المشرق، وجرت بينه وبين الكثير من أعلامه خطوب. ثم نزل مكة، شرفها الله تعالى، واختارها قرارا، وتلمذ له أميرها، فبلغ من
стр. 1269
التعظيم الغاية. وعاقه الخوف من أمير المدينة المعظمة النبوية، عن القدوم عليها، إلى أن توفي، فعظم عليه الحمل لأجل ذلك، وقبحت الأحدوثة.
شهرته «١» ومحلّه من الإدراك:
أما اضطلاعه، فمن وقف على «البدّ» من كتبه، رأى سعة ذرعه وانفساح مدى نظره، لما اضطلع به من الآراء والأوضاع والأسماء، والوقوف على الأقوال، والتعمق في الفلسفة، والقيام على مذاهب المتكلمين، بما «٢» يقضي منه العجب «٣» .
ولما وردت على سبتة المسائل الصّقلية، وكانت جملة من المسائل الحكمية، وجهها علماء الروم تبكيتا للمسلمين، انتدب إلى الجواب عنها، على فتيّ من سنّه، وبديهة من فكرته. وحدّثني شيخنا أبو البركات «٤» ، قال «٥» : حدّثني أشياخنا من أهل المشرق، أن الأمير أبا عبد الله بن هود، سالم طاغية النصارى، فنكث عهده «٦» ، ولم يف بشرطه، فاضطرّه ذلك إلى مخاطبته «٧» إلى القومس الأعظم برومة، فوكّل أبا طالب بن سبعين، أخا أبي محمد «٨» ، المتكلم عنه، والاستظهار بالعقود بين يديه. قال: فلما «٩» بلغ باب ذلك الشخص المذكور برومة، وهو بلد لا تصل إليه المسلمون، ونظر إلى ما بيده، وسئل عن نفسه، كلّم ذلك القسّ من دنا منه محلّه من علمائهم بكلام، ترجم لأبي طالب بما معناه: اعلموا أنّ أخا هذا ليس للمسلمين اليوم أعلم بالله منه.
دعواه وإزراؤه:
وقد شهر «١٠» عنه في هذا الباب كثير، والله أعلم باستحقاقه رتبة ما ادعاه أو غير ذلك. فقد ذكروا أنه قال: وقد مرّ ذكر الشيخ أبي مدين ﵀: «شعيب عبد عمل، ونحن عبيد حضرة» «١١» . وقال لأبي الحسن الشّشتري عندما لقيه، وقد سأله عن وجهته، وأخبره بقصده الشيخ أبا أحمد، إن كنت تريد الجنة فشأنك ومن قصدت، وإن كنت تريد ربّ الجنة فهلم إلينا. وفي كتاب «البدّ» ما يتشوف إليه من
стр. 1270
هذا الغرض عند ذكره حكماء الملة. وأما ما ينسب إليه من آثار السّيمياء والتصريف فكثير.
تواليفه: وتواليفه كثيرة تشذّ عن الإحصاء، منها كتابه المسمى بالبدّ «بدّ العارف» ، وكتاب الدّرج، وكتاب الصفر، والأجوبة اليمينة، والكلّ والإحاطة. وأما رسائله في الأذكار، كالنورية في ترتيب السلوك، وفي الوصايا والعقايد فكثير، يشتمل على ما يشهد بتعظيم النبوة، وإيثار الورع، كقوله من رسالة «١» : «سلام الله عليك ورحمته. سلام الله عليك ثم سلام مناجاتك. سلام الله ورحمته الممتدّة على عوالمك كلّها، السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته، وصلّى الله عليك كصلاة إبراهيم من حيث شريعتك، وكصلاة أعزّ ملائكته من حيث حقيقتك، وكصلاته من حيث حقه ورحمانيته. السلام عليك يا حبيبه «٢» . السلام عليك يا قياس الكمال، ومقدّمة السعد «٣» ، ونتيجة الحمد، وبرهان المحمود، ومن إذا نظر الذهن إليه قد أنعم العيد «٤» ، السلام عليك يا من هو الشرط في كمال الأولياء، وأسرار مشروطات الأزكياء الأتقياء. السلام عليك يا من جاوز في السماء «٥» مقام الرّسل والأنبياء، وزاد رفعة، واستولى على ذوات الملأ الأعلى، ولم يسعه في وجهته تلك إلّا ملاحظة الرّفيق الأعلى، وذلك قوله: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)
«٦» إلى الأخرى والأولى، لا إلى الآخرة والأولى، وبلغ الغاية والمطلوب، التي عجزت عنه قوة ماهيّة النّهى، وزاد بعد ذلك حتى نظر تحته من ينظر دونه سدرة المنتهى، إلى استغراق كثير، أفضى إلى حال من مقام» .
ومن وصاياه يخاطب تلاميذه وأتباعه: حفظكم الله، حافظوا على الصلوات، وجاهدوا النفس في اجتناب الشهوات، وكونوا أوّابين، توّابين، واستعينوا على الخيرات بمكارم الأخلاق، واعملوا على نيل الدّرجات السّنية، ولا تغفلوا عن الأعمال السّنيّة، وحصّلوا مخصص الأعمال الإلهية ومهملها، وذوقوا مفصّل الذات الرّوحانية ومحملها، ولازموا المودة في الله بينكم، وعليكم بالاستقامة على الطريقة، وقدموا فرض الشريعة على الحقيقة، ولا تفرقوا بينهما؛ لأنهما من الأسماء المترادفة،
стр. 1271
واكفروا بالحقيقة التي في زمانكم هذا، وقولوا عليها وعلى أهلها لعنة الله؛ لأنها حقيقة كما سمّي اللّديغ سليما، وأهلها مهملون حدّ الحلال والحرام، مستخفّون بشهر الصوم والحج وعاشوراء والإحرام، قاتلهم الله أنّى يؤفكون.
ومنها: واعلموا أن القريب إليّ منكم، من لا يخالف سنّة أهل السّنّة ويوافق طاعة رب العزّة والمنّة، ويؤمن بالحشر والنار والجنّة، ويفضل الرّؤية على كل نعمة، ويعلم أن الرّضوان بعدها، أجلّ كل رحمة، ثم يطلب الذّات بعد الأدب مع الصفات والأفعال، ويغبط نفسه بالمشاهدة في النوم والبرزخ والأحوال، وكل مخالف سخيف، متّهم منه الفساد، وإن كان من إخوانكم، فاهجروه في الله، ولا تلتفتوا إليه، ولا تسلموا له في شيء، ولا تسلّموا عليه حتى يستغفر الله العظيم بمحضر الكل منهم، ويرضى عن نفسه وحاله وعنكم، ويخرج من صفاته المذمومة، ويترك نظام دعوته المحرومة. وأنا مذ أشهدت الله العظيم، أني قد خرجت من كل مخالف متخلّف العقل واللسان، ولا نسبة بيتي وبيته في الدنيا والآخرة، فمن زلّ قدمه يستغفر الله، ولا يخدعه قدمه، وأمثال هذا كثير.
دخوله غرناطة: أخبرني غير واحد من أصحابنا المعتنين بهذا، أنه دخل غرناطة في رحلته، وأظنّه يجتاز إلى سبتة، وأنه حلّ وسطه، على اصطلاح الفقراء، برابطة العقاب «١» من خارجها، في جملة من أتباعه.
شعره: وشعره كثير، مما حضرني منه الآن قوله «٢» : [البسيط]
كم ذا تموّه بالشّعبين والعلم ... والأمر أوضح من نار على علم «٣»
وكم تعبّر على سلع وكاظمة ... وعن زرود وجيران بذي سلم
ظللت تسأل «٤» عن نجد وأنت بها ... وعن تهامة، هذا فعل متّهم
في الحيّ حيّ سوى ليلى فتسأله «٥» ... عنها! سؤالك وهم جرّ للعدم
стр. 1272
وفاته: توفي بمكة، شرّفها الله تعالى، يوم الخميس التاسع لشوال من عام تسعة وستين وستمائة «١» .
وفيما يسمى بإحدى عيون الإسلام من الأسماء العينية وهم عتيق وعمر وعثمان وعلي، وأولا الأمراء والملوك وهم ما بين طارىء وأصلي وغريب
عمر بن حفصون بن عمر بن جعفر الإسلامي «٢» ابن كسمسم بن دميان بن فرغلوش بن أذفونش «٣»
كبير الثوار، وعظيم المنتزين، ومنازع الخلفاء بالأندلس.
أوليته وحاله: قال صاحب التاريخ «٤» : أصله من رندة، من كورة تاكرنّا، وجدّه جعفر إسلامي، وانتقل إلى رندة؛ لأمر دار عليه بها في أيام الحكم بن هشام، فسكن قرية طرجيلة من كورة ريّه المجاورة لحصن أوطة، فاستوطن بها، وأنسل بها عمر، ثم أنسل بها عمر حفصا، وفخّم فقيل حفصون. ثم أنسل عمر هذا الثائر مع أخوة له، منهم أيوب وجعفر. ولمّا ترعرع عمر، ظهر له من شراسته وعتوّه ما لم يعدم معه أبواه هربا عن مواضعهما، فزالا عن وطنهما، فذكر أنه لم يمسك من حين كان عن أحد ممن ناظره، ولا سكت عن أقبح ما يمكن من السّب لمن عاتبه، وأنه قتل أحد جيرانه على سبب يسير دافعه عنه، فتغرّب لذلك عن الموضع زمانا.
وذكر ابن القوطيّة «٥» أن عامل ريّه «٦» عاقبه في جناية وفرّ إلى العدوة، وصار يتهرّب عند خياط كان من أهل ريّه، فبينا هو جالس في حانوته يوما إذ أتاه شخص
стр. 1273
بثوب يقطعه، فقام إليه الخياط، فسأل ذلك الشخص الخياط عن عمر، فقال له:
هو رجل من جيراني، فقال الشيخ: متى عهدك بريّه؟ فقال له: منذ أربعين يوما، فقال له: أتعرف جبلا يقال له ببشتر «١» ؟ فقال: أنا ساكن عند أهله «٢» ، فقال: أله حركة؟ قال: لا. قال الشيخ: قد أذن ذلك، ثم قال: تعرف فيما يجاوره رجلا يقال له عمر بن حفصون؟ ففزع من قوله، فأحدّ الشيخ النظر فيه وقال: يا منحوس، تحارب الفقر بالإبرة، ارجع إلى بلدك، فأنت صاحب بني أمية، وستملك ملكا عظيما، فقام من فوره، وأخذ خبزة «٣» في كمّه، ورجع إلى الأندلس، فداخل الرجال، حتى ضبط الجبل المذكور، وانضوى إليه كل من يتوقّع التهمة على نفسه، أو تشهره إلى الانتزاء بطبعه، وضمّ إلى القلعة كل من كان حولها من العجم والمولّدين. ثم تملّك حصن أوطة وميجش، ثم تملّك قمارش وأرجدونة. ثم اتسع نظره حتى تملّك كورة ريّه، والخضراء، وإلبيرة، إلى بسطة، وأبّدة، وبيّاسة، وقبرة، إلى حصن بلي المطل على قرطبة، وأشرق الخلافة بريقها، وقطع الزمان من استكانة إلى عهد، وكشف الوجه في ختر، وتشمير الساعد عن حرب، وحسر اللّثام عن أيد وبسطة، وشدّ الحزام على جهد وصبر، ونازله الخلائف والقواد، فلم يحل بطائل، وأصابته جراحات مثخنة في الوقائع وأصبحت فتنته سمر الرّكاب، وحديث الرّفاق، شدّة أسر، وثقل وطأة، وسعة ذرع، واتّصال حبل، وطول إملاء، استغرق بها السنين، وطوى الأعمار، وأورث ذلك ولده بعده. وعند الله جزاء وحساب، وإن امتدّ المآب، لا إله إلّا هو.
دخوله غرناطة وإلبيرة:
قال ابن الفيّاض وغيره «٤» : ودخل إلبيرة مرات، عندما ثار بدعوته قاتل، وانضوى إلى حصن منتشافر «٥» ، من إقليم برجيلة قيس، في نحو ستة آلاف، وتغلّب على يحيى بن صقالة، ثم نازله سوّار بن حمدون، أمير العرب بغرناطة، حتى غلبه وأخذه أسيرا. ثم أوقع بجعد ومن معه من أهل إلبيرة وقائع مستأصلة، وتملّك بعدها
стр. 1274
بيّاسة وأبّدة في أخبار تطول. قال أبو مروان: قصد ابن حفصون حاضرة إلبيرة وحصونها، وناصب الحرب سوّارا، وقد استمدّ سوّار رجالات العرب من كورتي جيّان وريّه وإلبيرة، فوقعت الهزيمة على ابن حفصون، وجرح جراحات مثخنة، وأصيب جماعة من فرسانه، وانقلب منهزما، فغضب عند ذلك على أهل إلبيرة فأغرمهم مغرما فدحهم، واستعمل عليهم حفص بن المرّة، فلم يزل يعمل الحيل على سوّار حتى أوقع به، وأتى بجثته إلى إلبيرة، وحمل رأسه إلى ببشتر، واستشرى داؤه، وأعيا أمره، فاتصل ملكه بالقواعد والأقطار، وغلب أكثر المدن ما بين الموسّطة والغرب، وأحدق ملكه بقرطبة، وحجر عليها الخيل من حصن بلي من حصون قبرة، فجلت الكنبانية «١» ، وامتدّ إلى بنيان المعاقل. ولمّا رأى الأمير محمد «٢» ما أحاط به منه، تأهّب إلى غزوه، ونزل حصن بلي، وناهضه، فأوقع به، وهزمه وألجأه إلى أن سلّم في حصنه. فلمّا خرج منه بمن معه، تطيّرهم ريح الفرار والسيوف تأخذهم، استولى الخليفة «٣» على الحصن. وفي ذلك يقول أحمد بن عبد ربه، شاعر دولتهم «٤» : [الرمل]
وله يوم بليّ وقعة ... لم تدع للكفر رأسا في ثبج
لم يجد إبليس في حومتها ... نفعا من رهبة حيث بلج
دفعتهم حملة السّيل إلى ... كافح الأمواج مخض للّجج «٥»
فتح الله على الدّين به ... وعلى الإسلام يا عامر تتج
وكان هذا الفتح سنة سبع وسبعين ومائتين «٦» . ثم استخلص مدينة إستجّة.
وفاته: قال: ومن هذا العهد أدبر أمر ابن حفصون، وتوقّف ظهوره، بعد تخبّط شديد، ولجاج كبير، وشرّ مبير، وكانت وفاته ببشتر، موضع انتزائه على عهد
стр. 1275
الخليفة «١» عبد الرحمن في سنة ست وثلاثمائة، بعد مرض شمل النّفخ به جسده، حتى تشقّق جلده، وانتقل أمره إلى ولده جعفر، ثم إلى ولده سليمان، ثم إلى ولده حفص. وعلى حفص انقرض أمرهم.
عمر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مسلمة التجيبي «٢»
بطليوسي، مكناسي الأصل، من مكناسة الجوف، الأمير بالثغر الغربي، الملقب من ألقاب السلطنة بالمتوكل على الله، المكنى بأبي محمد، المنبز بابن الأفطس.
أوليته: قال ابن حيان: كان «٣» جدّهم عبد الله بن مسلمة، المعروف بابن الأفطس، أصله من فحص البلّوط «٤» ، من قوم لا يدّعون نباهة، غير أنه كان من أهل المعرفة التامة، والعقل، والدهاء، والسياسة. ثم كان بهذا الصّقع الغربي، بطليوس وأعمالها، وشنترين والأشبونة، وجميع الثغر الجوفي في أمر الجماعة، رجل من عبيد الحكم المستنصر، يسمى سابور، فلمّا وقعت الفتنة، وانشقّت العصا «٥» ، انتزى سابور على ما كان بيده. وكان عبد الله يدبّر أمره إلى أن هلك سابور، وترك ولدين لم يبلغا الحلم، فاشتمل عبد الله على الأمر، واستأثر به على ولديه، فحصل على ملك غرب الأندلس، واستقام أمره، إلى أن مضى بسبيله، وأعقبه ابنه المظفّر محمد بن عبد الله، وكان ملكا شهيرا عالما شجاعا أديبا، وهو مؤلف الكتاب الكبير المسمّى بالمظفّري، فاستقامت أموره إلى أن توفي «٦» ، فقام بأمره ولده عمر هذا المترجم به.
حاله: قال ابن عبد الملك: كان «٧» أديبا بارع الخطّ، حافظا للغة، جوادا، راعيا حقوق بلده، مواخيا «٨» لهم، محبّبا فيهم، مرّت لهم معه أيام هدنة وتفضّل إلى حين القبض عليه.
стр. 1276
وقال الفتح في قلائده «١» : ملك جنّد الكتائب والجنود، وعقد الألوية والبنود، وأمر الأيام فائتمرت، وطافت بكعبته الآمال واعتمرت، إلى لسن وفصاحة، ورحب جناب للوافدين «٢» وساحة، ونظم يزري بالدّرّ النظيم، ونثر تسري رقّته سرى النسيم، وأيام كأنها من حسنها جمع، وليال كان فيها على الأنس حضور ومجتمع، راقت إشراقا وتبلّجا، وسالت مكارمه فيها «٣» أنهارا وخلجا، إلى أن عادت الأيام عليه بمعهود العدوان، ودبّت إليه دبيبها لصاحب الإيوان، وانبرت إليه انبراءها لابن زهير وراء عمان.
شعره: بلغه أنه ذكر في مجلس المنصور يحيى أخيه بسوء، فكتب إليه بما نصّه «٤» : [الطويل]
فما بالهم لا أنعم الله بالهم ... ينيطون «٥» بي ذمّا وقد علموا فضلي
يسيئون لي «٦» في القول جهلا وضلّة ... وإنّي لأرجو أن يسوءهم «٧» فعلي
لئن كان حقّا ما أذاعوا فلا مشت «٨» ... إلى غاية العلياء من بعدها رجلي
ولم ألق أضيافي بوجه طلاقة ... ولم أمنح «٩» العافين في زمن المحل
وكيف وراحي درس كلّ غريبة «١٠» ... وورد التّقى شمّي وحرب العدا نقلي؟
ولي خلق في السّخط كالشّري «١١» طعمه ... وعند الرّضى أحلى جنى من جنى النّحل
فيا أيها السّاقي أخاه على النّوى ... كؤوس القلى مهلا «١٢» رويدك بالعلّ
لنطفئ «١٣» نارا أضرمت في صدورنا «١٤» ... فمثلي لا يقلى ومثلك لا يقلي
стр. 1277
وقد كنت تشكيني إذا جئت شاكيا ... فقل لي: لمن أشكو صنيعك بي؟ قل لي
فبادر إلى الأولى وإلّا فإنني ... سأشكوك يوم الحشر للحكم «١» العدل
وكتب جوابا لأبي محمد بن عبدون مع مركوب عن أبيات ثبتت في القلائد «٢» :
[المتقارب]
بعثت إليك جناحا فطر ... على خفية من عيون البشر
على ذلل من نتاج البروق ... وفي ظلل «٣» من نسيج الشّجر
فحسبي ممّن «٤» نأى من «٥» دنا ... فمن «٦» غاب كان كمن «٧» قد حضر
قال الفتح «٨» : أخبرني الوزير «٩» أبو أيوب بن أمية «١٠» أنه مرّ في بعض أيامه بروض مفتر المباسم، معطر الرياح النواسم، فارتاح إلى الكون به بقيّة نهاره، والتّنعّم ببنفسجه وبهاره، فلمّا حصل من أنسه في وسط المدى، عمد إلى ورقة كرنب قد بلّلها النّدى، وكتب فيها بطرف غصن، يستدعي الوزير أبا طالب بن غانم أحد ندمائه، ونجوم سمائه «١١» : [مخلع البسيط]
أقبل «١٢» أبا طالب «١٣» إلينا ... واسقط «١٤» سقوط النّدى علينا
فنحن عقد بغير «١٥» وسطى ... ما لم تكن حاضرا لدينا
نثره: وهو أشفّ من شعره، وإنّه لطبقة تتقاصر عنها أفذاذ الكتاب، ونهاية من نهاية الآداب. قال «١٦» : كان ليلة مع خواصّه للأنس معاطيا، ولمجلس كالشمس
стр. 1278
واطيا، قد تفرّغ للسّرور، وتفرغ «١» عيشا كالأمل المزرور، والمنى قد أفصحت ورقها، وأومض برقها، والسّعد تطلع مخايله، والملك يبدو زهوه وتخايله، إذ ورد عليه كتاب بدخول أشبونة في طاعته، وانتظامها في سلك جماعته، فزاد في مسرّته، وبسط من أسرّته وأقبل على «٢» خدّامه، وأسبل نداه على جلسائه وندّامه، فقال له ابن خيرة، وكان يدلّ بالشباب، وينزل منه منزلة الأحباب: لمن تولّيها، ومن يكون واليها؟ فقال «٣» له: أنت، فقال: فاكتب الآن بذلك، فاستدعى «٤» الدواة والرّق، وكتب وما جفّ له قلم، ولا توقّف له كلم: لم يسوّغ أولياء النّعم مثل الذي سوّغتموه من التزام الطاعة، والدخول في نهج الجماعة، وذلك «٥» لا آلوكم، ونفسي فيكم، نصحا فيمن أتخيّره للنيابة عني في تدبيركم، والقيام بالدّقيق والجليل من أموركم، وقد ولّيت عليكم من لم أوثر والله فيه دواعي التّقريب، على بواعث التّجريب، ولا فوات التّخصيص، على لوازم التّمحيص، وهو الوزير القائد أبو عبد الله بن خيرة، ابني «٦» دربة، وبعضي صحبة، ونشأتي سكّة «٧» وقرية، وقد رسمت له من وجوه الذّبّ والحماية، ومعالم الرّفق والرّعاية، ما التزم الاستيفاء بعهده، والوقوف بجدّه عند حدّه، والمسؤول في عونه من لا عون إلّا من عنده، ولن أعرّفكم من حميد خصاله، وسديد فعاله إلّا بما سيبدو للعيان، ويزكو «٨» مع الامتحان، ويفشو من قبلكم إن شاء الله على كل لسان. وقد حدّدت له أن يكون لناشئكم أبا ولكهلكم أخا ولذي النفوس «٩» والكبرة ابنا ما أعنتموه على هذا المراد، ولزوم الجواد، وركوب الانقياد. وأمّا من شقّ العصا، وبان عن الطاعة وعصى «١٠» ، وظهر منه المراد والهوى، فهو القصيّ منه، وإن متّ إليه بالرّحم الدّنيا، فكونوا خير رعيّة بالسمع والطاعة في جميع الأحوال، يكن لكم بالبرّ والموالاة خير وال، إن شاء الله .
وصوله إلى غرناطة: وصلها صحبة حليفه ابن عباد، لمّا قبض يوسف بن تاشفين على صاحبها ونزل بالمشيجة من خارجها في رجب من عام ثلاثة وثمانين
стр. 1279
وأربعمائة ورابهما الأمر، كما تقدّم في ذكر المعتمد بن عباد، فتعجّلا الرجوع إلى وطنهما بحيلة دبّراها.
نكبته ووفاته: ولمّا اشتدّ خوفة من أمير لمتونة، ورأى أنه أسوة ابن عباد في الخلع عن ملكه، وضيّقت الخيل على أطرافه وانتزعتها داخل طاغية الرّوم، وملّكه من مدينة الأشبونة رغبة في دفاعه عنه، فاستوحشت لذلك رعيته، وراسلت اللّمتونيين، واقتحمت عليه مدينة بطليوس، واعتصم بالقصبة، وخانه المحاربة، فدخلت عليه عنوة، وتقبّض عليه وعلى بنيه وعبيده، وتحصّلوا في ثقاف قائد الجيش اللّمتوني.
وبادر إعلام الأمير سير بن أبي بكر، فلحق بها. واستخرج ما كان عند المتوكل من المال والذّخيرة، وأزعجه إلى إشبيلية مع ابنين له، فلمّا تجاوز وبعد عن حضرته، أنزل وقيل له: تأهّب للموت، فسأل أن يقدّم ابناه يحتسبهما عند الله، فكان ذلك، وقتلا صبرا بين يديه، ثم ضرب عنقه، وذلك صدر سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وانقرضت دولة بني الأفطس.
وممن رثاهم، فبلغ الأمد وفاء وشهرة وإجادة، أبو محمد عبد المجيد بن عبدون بقصيدته الفريدة «١» : [البسيط]
الدّهر يفجع بعد العين بالأثر ... فما البكاء على الأشباح والصّور؟
أنهاك أنهاك لا آلوك موعظة «٢» ... عن نومة بين ناب اللّيث والظّفر
فالدّهر «٣» حرب وإن أبدى مسالمة ... والبيض والسّمر «٤» مثل البيض والسّمر «٥»
ولا هوادة بين الرأس تأخذه ... يد الضّراب وبين الصّارم الذّكر
стр. 1280
فلا تغرّنك «١» من دنياك نومتها ... فما صناعة «٢» عينيها سوى السّهر
ما للّيالي، أقال الله عثرتنا ... من اللّيالي وخانتها «٣» يد الغير
في كلّ حين لها في كل جارحة ... منّا جراح وإن زاغت عن البصر «٤»
تسرّ بالشيء لكن كي تغرّ به «٥» ... كالأيم «٦» ثار إلى الجاني من الزّهر
كم دولة وليت بالنّصر خدمتها ... لم تبق منها وسل ذكراك من خبر
هوت بدارا وفلّت غرب قاتله ... وكان «٧» عضبا على الأملاك ذا أثر «٨»
واسترجعت من بني ساسان «٩» ما وهبت ... ولم تدع لبني يونان من أثر
وأتبعت «١٠» أختها طسما وعاد على ... عاد وجرهم منها ناقض «١١» المرر «١٢»
وما أقالت ذوي الهيئات من يمن ... ولا أجارت ذوي الغايات من مضر
стр. 1281
ومزّقت سبأ في كلّ قاصية ... فما التقى رائح منهم بمبتكر
وأنفذت في كليب حكمها «١» ورمت ... مهلهلا بين سمع الأرض والبصر «٢»
ولم تردّ «٣» على الضّلّيل صحّته ... ولا ثنت أسدا عن ربّها حجر
ودوّخت آل ذبيان وإخواتهم «٤» ... عبسا «٥» وعضّت «٦» بني بدر على النهر «٧»
وألحقت بعديّ بالعراق «٨» على ... يد ابنه أحمر «٩» العينين والشّعر «١٠»
وأهلكت أبرويزا بابنه ورمت ... بيزد جرد إلى مرو فلم يحر
وأشرفت بخبيب فوق فارعة «١١» ... وألصقت «١٢» طلحة الفيّاض بالعفر
ومزّقت «١٣» جعفرا بالبيض واختلست ... من غيله حمزة الظّلام للجزر
стр. 1282
وبلّغت يزدجرد الصّين واختزلت ... عنه سوى الفرس جمع التّرك والخزر
ولم تردّ «١» مواضي رستم وقنا ... ذي حاجب عنه سعدا «٢» في ابنة الغير
وخضّبت «٣» شيب عثمان دما وخطت ... إلى الزبير ولم تستحي من عمر
وما «٤» رعت لأبي اليقظان صحبته ... ولم تزوّده إلّا الضّيح في الغمر
وأجزرت سيف أشقاها أبا حسن ... وأمكنت من حسين راحتي شمر
وليتها إذ فدت عمرا بخارجة ... فدت عليّا بمن شاءت من البشر
وفي ابن «٥» هند وفي ابن المصطفى حسن ... أتت بمعضلة «٦» الألباب والفكر
فبعضنا قائل: ما اغتاله أحد ... وبعضنا ساكت لم يؤت من حصر
وعمّمت «٧» بالرّدى «٨» فودي أبي أنس ... ولم تردّ الرّدى عنه قنا زفر «٩»
وأردت ابن زياد بالحسين فلم ... يبؤ بشسع له قد طاح أو ظفر
стр. 1283
وأنزلت مصعبا من رأس شاهقة ... كانت بها مهجة المختار في وزر
ولم تراقب مكان ابن الزّبير ولا ... راعت «١» عياذته بالبيت «٢» والحجر
ولم تدع لأبي الذّبّان «٣» قاضبه «٤» ... ليس اللّطيم «٥» لها عمرو بمنتصر
وأظفرت بالوليد بن اليزيد ولم ... تبق الخلافة بين الكأس والوتر
حبابة حبّ رمّان ألمّ بها «٦» ... وأحمر قطّرته نفحة القطر
ولم تعد قضب السّفّاح نابية ... على رأس مروان أو أشياعه الفجر
وأسبلت دمعة الروح الأمين على ... دم يثجّ «٧» لآل المصطفى هدر
وأشرقت جعفرا والفضل ينظره ... والشيخ يحيي بريق الصّارم الذّكر «٨»
وأخفرت في الأمين العهد وانتدبت ... لجعفر بابنه والأعبد «٩» الغدر
стр. 1284
وروّعت كلّ مأمون ومؤتمن ... وأسلمت «١» كلّ منصور ومنتصر
وأعثرت آل عبّاس لعا لهم ... بذيل زبّاء «٢» من بيض ومن سمر
ولا «٣» وفت بعهود المستعين ولا ... بما تأكّد للمعتزّ من مرر
وأوثقت في عراها كلّ معتمد ... وأشرقت بقذاها كلّ مقتدر
بني المظفر والأيام ما برحت «٤» ... مراحلا «٥» والورى منها على سفر
سحقا ليومكم يوما وما «٦» حملت ... بمثله ليلة في سالف «٧» العمر
من للأسرّة أو من للأعنّة أو ... من للأسنّة يهديها إلى الثّغر
من لليراعة أو من للبراعة أو ... من للسّماحة أو للنّفع والضّرر
من للظّبا وعوالي الخطّ قد عقدت ... أطراف ألسنها بالعيّ والحصر
وطوّقت «٨» بالمنايا السّود بيضهم ... أعجب بذاك وما منها سوى ذكر «٩»
стр. 1285
أو رفع كارثة أو دفع حادثة ... أو قمع آزفة تعيي على القدر «١»
ويح السّماح وويح الجود «٢» لو سلما ... وحسرة الدّين والدّنيا على عمر
سقت ثرى الفضل والعباس هامية ... تعزى إليهم سماحا لا إلى المطر
ثلاثة ما ارتقى «٣» النّسران حيث رقوا ... وكلّ ما طار من نسر ولم يطر
ثلاثة كذوات الدهر منذ نأوا ... عني مضى الدهر لم يربع ولم يحر
ومرّ من كلّ شيء فيه أطيبه ... حتى التمتّع بالآصال والبكر
من للجلال «٤» الذي عمّت مهابته ... قلوبنا وعيون الأنجم الزّهر
أين الإباء الذي أرسوا قواعده ... على دعائم من عزّ ومن ظفر
أين الوفاء «٥» الذي أصفو شرائعه ... فلم يرد أحد منهم «٦» على كدر
كانوا رواسي أرض الله مذ نأوا «٧» ... عنها استطارت بمن فيها ولم تقر
стр. 1286
كانوا مصابيحها دهرا فمذ خبوا ... هذي الخليقة تالله في سدر «١»
كانوا شجى الدهر فاستهوتهم خدع ... منه بأحلام عاد في خطا الخضر «٢»
من لي «٣» ولا من بهم إن أظلمت نوب ... ولم يكن ليلها يفضي إلى سحر
من لي ولا من بهم إن طبّقت «٤» محن ... ولم يكن وردها «٥» يفضي «٦» إلى صدر
من لي «٧» ولا من بهم إن عطّلت سنن ... وأخفيت ألسن الآثار «٨» والسّير
ويلمّه من طلوب الثأر مدركه ... لو كان دينا على الأيام ذي عسر «٩»
على الفضائل إلّا الصّبر بعدهم ... تسليم «١٠» مرتقب للأجر منتظر
يرجو عسى وله في أختها طمع «١١» ... والدّهر ذو عقب شتّى وذو غير
стр. 1287
قرّطت آذان من فيها بفاضحة ... على الحسان حصا الياقوت والدّرر
سيّارة في أقاصي الأرض قاطعة ... شقاشقا هدرت «١» في البدو والحضر
مطاعة الأمر في الألباب «٢» قاضية ... من المسامع ما لم يقض من وطر
ومن الغرباء
عثمان بن عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن «٣»
الدّائل بتلمسان، يكنى أبا سعيد.
حاله: كان شيخا مخيلا بسمة الخير، متظاهرا بالنّسف، بقية آل زيّان، متقدّما في باب الدهاء والذّكر، بالغا أقصى المبالغ في ذلك. سكن غرناطة ووادي آش، وولد بغرناطة. وكان أبوه ممن هلك في وقعة فرتونة، فارتزق مع الجند الغربي بديوانها في حجر أبيه وبعده، ثم ثنى عنانه إلى وطنه، وتخطّته المتالف عند تغلّب السلطان صاحب المغرب على بلده تلمسان، وغاص في عرض من تهنّأ الإبقاء من قبيله. وكان ممن شمله حصار الجزيرة، ووصل قبله ممدّا مع الجيش الغربي بجيش غرناطة عند منازلة القلعة. ولمّا جرت على واترهم السلطان أبي الحسن الهزيمة بظاهر القيروان، وبعد الطمع في انتشاله وجبره، ولحق كل بوطنه، حوم الفلّ من بني زيّان على ضعفهم، ومذ رحل عنه السلطان القائم بملك المغرب أبو عنان، إلى محل الأمر ودار الملك، وسدّ تلمسان بشيخ من قبيلهم يعرف بابن حرار له شهرة وانتفاخ لتنسيق رياح الاختلاف، فذ في إدارة الحيلة، وإحالة قداح السياسة، رأس الرّكب الحجازي غير ما مرة، وحلّ من الملوك ألطف محلّة. ولمّا نهد القوم إلى تلمسان، ناهضهم ابن الحرار بمن استركب من جنده، وانضمّ إليه من قومه، فدارت عليهم الهزيمة، وأحيط به، فتملّك البلد، وتحصّل في الثّقاف، إلى أن هلك به مغتالا، واستولى عثمان بن يحيى على المدينة، وانقاد إليه ما يرجع إليها من البلاد والقبائل، فثاب لهم ملك لم
стр. 1288
تكد شعلته تقد حتى خبت، وعلى ذلك فبلغوا في الزمان القريب من وفور العدّة، واستجادة الآلة، وحسن السّيرة، ما يقضي منه العجب. وانفرد عثمان بالأمر، وعيّن أخاه أبا ثابت الزعيم إلى إمارة الجيش، فاستقام الصفّ، وانضمّ النّشر، وترتّبت الألقاب، واستأنفوا الدولة، وتلقّفوا الكرة، وقلّ ما أدبر شيء فأقبل. وبادر السلطان بالأندلس مفاتحته مهنّئا، وللحلف مجدّدا، بكتاب من إنشائي من فصوله:
«بعد الصّدر والتحميد، ولا زائد بفضل الله المرجو في الشّدائد، لجميل العوائد، إلّا ما شرح الصدور، وأكّد السرور، وبسط النفوس، وأضحك الرّسن العبوس، من اتّساق أمور ذلك الملك لديكم، واجتماع كلمته عليكم، وما تعرّفنا أن الدولة الزّيانيّة، وصل الله لبدورها استئناف الكمال، وأعلى أعلامها في هضاب اليمن والإقبال، تذكّرت الرسائل القديمة والأذمّة، وألقت إلى قومها بالأزمّة، وحنّت إلى عهدهم على طول النّوى، وأنشد لسان حالها: «نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى» ، فأصبح شتيتك بأهلها مجموعا، وعلم عليائها بأيدي أوليائها مرفوعا، وملابس اعتزازها بعد ابتزازها جديدة، وظلال سعودها على أغوارها ونجودها مديدة، وقبيلها قد أنجح الله في ائتلافه أمل الآمل، ومبتداها مرفوعا مع وجود العوامل، والكثير من أوطانها قد سلكت مسلكها في الطاعة، وتبادرت إلى استباق فضيلة الوفاق بحسب الاستطاعة، فعظم الاستبشار بأن كان لكم مالها، وفي إيالتكم انتيالها، من غير أن يعلق بأسبابها من ليس من أربابها، ويطمع في اكتسابها من لم يكن في حسابها. وقلنا موارث وجب، وعاصب حجب، وركب علج من بعد القفول، وشمس طلعت من بعد الأفول، وجيد حلّي بعد ما اشتكى العطل، وغريم قضى بعد ما مطل، وطرف تنبّه بعد ما سجع، ودرّيّ استقام سيره عقب ما رجع، وقضية انصرف دليلها عن حدود القواطع، وطرحت عليه أشعة السّعود السّواطع، لا بل عبد أبق، لقدر سبق، حتى إذا راجع نهاه، وعذله العقل ونهاه، جنح بعد هجره، إلى كنف من نشأ في حجره.
وعلمنا أن الدولة التي عرفنا مكارمها قد دالت، والغمامة التي شكرنا مواقعها قد انثالت، فجرينا في المسرّة ملء الأعنّة، وشاركنا في شكر هذه المنّة، وأصدرنا إليكم هذا الخطاب مهنّئا، وعن الود الكريم والولاء الصّميم منبيا، وفي تعزيز ما بين الأسلاف جدّد الله عليهم ملابس الرّضوان معيدا مبديا، وإن تأخّر منه الغرض، وقضى بهذا العهد واجبه المفترض، والأعذار واضحة، وأدلّتها راجحة، وللضّرار أحكام تمضى، والفروض للفوات تقضى، فكيف والاعتقاد الجميل مسيّر مسكّن، والوقت والحمد لله متمكن؟ وما برحنا في مناط اجتهاد، وترجيح استشهاد، والأخبار يضطرد مفهومها، والألفاظ لا يتخصّص عمومها، والأحاديث يجول في متعارضها النّظر، ولا
стр. 1289
يلزم العمل ما لم يصحّ الخبر. فلمّا تحققنا الأمر من قصّه، وتعاضد قياسه بنصّه، لم نقدّم على المبادرة عملا، وبيّنا لكم من حسن اعتقادنا ما كان مجملا، فليهن تلك الإيالة ما استأنفته من شبابها، وتسربلته من جديد أثوابها، وليستقبل العيش خضرا، والدهر معتذرا، والسّعد مسفرا» .
وتمادى ملكه من الثامن والعشرين لجمادى الآخرة من عام تسعة وأربعين وسبعمائة إلى أن استوسق ملك المغرب للسلطان أبي عنان، واستأثر إليه أبيّه، وتحرك إلى منازلة تلمسان في جمادى الآخرة عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة، وكسر جمعهم، واستولى على ملكهم حسبما يأتي، وبرز إليه سلطانها المذكور مؤثرا الإصحار على الاجتحار، واللقاء على الانحصار، وكانت بين الفريقين حرب ضروس، ناشب الزّيّانيون محلّات المغرب القتال، بموضع يعرف بإنكاد، على حين غفلة، وبين يدي شروع في تنقّل وسكون، وتفرّق من الحامية في ارتياد الخلا، وابتغاء الماء، فلم يرع إلّا إطلال الرّايات، وطلوع نواصي الخيل، فوقع الصراخ، وعلا النّداء، وارتفع القتام، وبادر السلطان بمن معه من الخالصة، وروّم الركاب الصّدمة، ومضى قدما، وقد طاش الخبر بهزيمته، فعاثت العربان في محلّته، وكانوا على الأموال أعدى من عدوّه، وفرّ الكثير إلى جهة المغرب بسوء الأحدوثة.
ولمّا تقاربت الوجوه، وصدق المصاع، قذف الله في قلوب الزيّانيين الرّعب، واستولى عليهم الإدبار، فانهزموا أقبح هزيمة، وتفرّقوا شذر مذر، واختفى سلطانهم عثمان المترجم به، وذهب متنكرا وقد ترجّل، فعثر عليه من الغد، وأوتي به فشدّ وثاقه، وأسرع السلطان اللّحاق بتلمسان، وقد تلقّاه أهلها معلنين بطاعته ولائذين بجناب عفوه، وتنكّبها الجيش المفلول لنظر الأمير أبي ثابت، فاستقرّ بأحواز جزائر بني مزغناي. ودخل السلطان تلمسان في يوم الأحد الحادي عشر من ربيع الأول عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة، وتدامر بنومرين، واستدركوا دحض الوصمة في اتّباع أضدادهم المحروبين، فكان اللقاء بينهم وبين الجيش المفلول، وحكم الله باستئصالهم، فمضى عليهم السيف، وأوتي بزعيمهم الزعيم، فاحتمل مع أخيه في لمّة من أوليائهم، ونفذ الأمر لأقتالهم من بني حرار بأخذ حقهم، فقتل عثمان والزّعيم، رحمهما الله، بخارج تلمسان ذبحا، وألحق بهما عميد الدّولة يحيى بن داود بعد أن استحضر عثمان بين يدي السلطان، وأسمع تأنيبا، حسن عنه جوابه بما دلّ على ثبات وصبر. وانقضى أمر كرّتهم الثانية، وخلت منهم الأوطان، وخلصت لبني مرين الجهة، وصفت العمالة. والله يعطي ملكه من شاء سبحانه لا إله إلّا هو، وكان مقتل عثمان وأخيه في أوائل شهر ربيع الآخر عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة.
стр. 1290
علي بن حمود بن ميمون بن حمود بن علي بن عبيد الله ابن إدريس بن إدريس بن عبد الله بن حسن بن علي ابن أبي طالب «١»
أوّل ملوك «٢» بني هاشم بالأندلس، يكنّى أبا الحسن، ويلقّب من الألقاب السلطانية، بالناصر لدين الله.
حاله: كان شهما لبيبا، جريء اللقاء، باطش السّيف، شديد السّطوة، أسمر، أعين، نحيف الجسم، طويل القامة، حادّ الذهن، من أولي الحزم والعزم.
خلافته: ذكروا «٣» أن هشام بن الحكم «٤» ، لمّا ضيّق به الحجر، كتب إليه في السّرّ بعهد ولايته، وأهّله للأخذ بثأره، فكان كذلك، وأجاز البحر من سبتة، مظهرا القيام بنصر هشام عندما خلع، فانحاش إليه كثير من الناس، وقصد قرطبة، وبرز إليه الخليفة سليمان خالع هشام ومغتاله، فظهر عليه علي بن حمّود وهزمه، ودخل قرطبة، فقتل سليمان، وبحث عن هشام، وقد فات فيه الأمر، وتسمّى بأمير المؤمنين. وأنس به أهل قرطبة؛ لقهره من كان لنظره من البرابرة، وإمضاء الأحكام عليهم. قال المؤرخ: فبرقت للعدل يومئذ بارقة، لم تكد تقد حتى خبت. وكان الأغلب عليه السّخاء والشجاعة.
ومدحه الكثير من الشعراء، منهم أبو عمر بن درّاج، وفيه يقول «٥» :
[المتقارب]
لعلّك يا شمس عند الأصيل ... شجيت «٦» بشجو «٧» الغريب الذّليل
стр. 1291
فكوني شفيعي إلى ابن الشّفيع ... وكوني رسولي إلى ابن الرسول
فإمّا شهدت فأزكى شهيد ... وإمّا دللت فأهدى دليل
إلى الهاشميّ إلى الطّالبيّ ... إلى الفاطميّ العطوف الوصول
وصوله إلى إلبيرة: قال: ولمّا استوسق الأمر، واضطرب عليه خيران صاحب ألمرية، أغراه وأذن لحربه، فخرج من قرطبة يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من جمادى الآخرة من سنة ثمان وأربعمائة، وساء إلى أن بلغ وادي آش، وترادفت عليه الأمطار والسّيول، وانصرف إلى إلبيرة ثم إلى قرطبة.
وفاته: قال المؤرخ: وفي «١» سنة ثمان وأربعمائة كان مقتل علي بن حمّود، وذلك أن صقالبته قتلوه بموضع أمنه، في حمام قصره، وكانوا ثلاثة من أغمار صبيان قصره، منهم نجح»
وصاحباه، وسدّوا باب الحمّام عليه، وتسلّلوا، ولم يحسّ أحد بهم، واستطال نساؤه بقاءه، فدخلوا عليه، ودمه يسيل، فصحّ خبر مقتله، وبعثت زناتة إلى أخيه «٣» بإشبيلية، فخاف «٤» أن تكون «٥» حيلة، حتى كشف عن الأمر، ولحق بقرطبة، فأخرج جسده، وصلّى عليه، وأنفذه إلى سبتة، فدفن بها، وبني عليه مسجد هو الآن بسوق الكتان، وقبض من قاتليه على صبيّين عذّبا بأنواع العذاب، ثم قتلا وصلبا «٦» .
علي بن يوسف بن تاشفين بن ترجوت «٧»
وينظر اتصال نسبه في اسم أبيه.
هو أمير المسلمين بالعدوة والأندلس بعد أبيه، يكنى أبا الحسن، تصيّر إليه الملك بالعهد من أبيه عام سبعة وتسعين وأربعمائة، ثم ولّي أمره يوم وفاته وهو يوم الاثنين مستهل محرم عام خمسمائة «٨» .
стр. 1292
حاله: وكان ملكا عظيما، عالي الهمة، رفيع القدر، فسيح المعرفة، شهير الحلم، عظيم السياسة، أنفذ الحق، واستظهر بالأزكياء، ووالى الغزو، وسدّ الثغور، إلى أن دهمه من أمر الدولة الموحدية ما دهمه، وكل شيء إلى مدى، فأمهل السّرح، وحالف الإدبار، وجاز إلى الأندلس، وغزا فيها بنفسه، ودخل غرناطة وباشرها.
قال ابن عذاري: تقدم الأمير أبو الحسن لذلك فاستعان بالله واستنجده وسأله حسن الكفاية فيما قلّده، فوجده ملكا مؤسّسا، وجندا مجنّدا، وسلطانا قاهرا، ومالا وافرا، فاقتفى إثر أبيه، وسلك سبيله في عضد الحق، وإنصاف المظلوم، وأمن الخائف، وقمع المظالم، وسدّ الثغور، ونكاية العدو، فلم يعدم التوفيق في أعماله، والتسديد في حسن أفعاله.
دخوله غرناطة: وفي سنة خمس وخمسمائة، جاز البحر إلى الجهاد. قال المؤرخ: قدم علي بن يوسف غرناطة مرات مع أبيه. وفي سنة خمس وخمسمائة تلوّم بها ريثما تلاحقت حشوده، وتأهبت مطوّعته وجنوده، فافتتح مدينة طلبيرة عنوة «١» . ثم عبر البحر عام أحد عشر وخمسمائة، فغزا قلمرية «٢» .
ظهور الموحدين في أيامه:
قال ابن عذاري: في «٣» سنة أربع عشرة وخمسمائة، كان ابتداء أمر الثائر على الدولة، الجالب للفتن الجمة، الجارّ لها منذ ثلاثين سنة، حتى أقفر المعمور، وأصار الضياء كالديجور، محمد بن تومرت السوسي الملقّب بالمهدي. قلت: وأخباره عجيبة، وما زال أمره في ظهور، وأمر هذه الدولة في ثبار وإدبار، إلى أن محا رسومها، وقطع دابرها، والملك لله، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، سبحانه.
وفاته: قال: وفي «٤» سنة سبع وثلاثين وخمسمائة «٥» توفي أمير المسلمين علي بن يوسف، لسبع خلون من رجب، ولم يشهر موته إلّا لخمس خلون من
стр. 1293
شوال، فكانت مدته من حين قدّمه أبوه، تسعا وثلاثين سنة وأشهرا «١» ، وعمره إحدى وستون سنة. قال ابن حماد: ولمّا يئس من نفسه، عهد أن يدفن بين قبور المسلمين، ودفن بها في جملتهم، ﵀.
الأعيان والوزراء والأماثل والكبراء
عتيق بن زكريا بن مول التجيبي «٢»
قرطبي الأصل، يمتّ إلى الإمارة النّصرية بقربى صهر، يكنى أبا بكر.
حاله: كان شهما جريّا مقداما، جهوريا، ذا أنفه وشارة، مليح التجنّد، ظاهر الرّجولية، معروف الحق، نبيه الولاية، فصيح اللسان، مطبوعا، ذكيّا، مؤثرا للفكاهة، ولّي القيادة بمدينة وادي آش عقب الرئيس المنتزي بها، ثم عزل عنها بسعاية رفعت فيه إلى ذي الوزارتين أبي عبد الله ابن الحكيم، فساء ما بينهما لذلك، وأعمل عليه التدبير بمداخلة الأمير نصر، وإغرائه بالأمر، فتمّ له التّوثّب على ملك أخيه، وخلعه يوم عيد الفطر من عام ثمانية وسبعمائة. وقتل الوزير ابن الحكيم بين يديه، وانتهبت منازله، واستقلّ بعد بالتدبير والوزارة، وحصل من صنائع الحائن، ومتوقّعي الضغط، على مال عريض، وقام بوظيف الوزارة محذور الشبا، مرهوب المدية، مسنوّ الفتكة، فلم ينشب أن عيّن للرسالة إلى باب السلطان ملك المغرب، وسدّ باب الإياب لوجهته، وأقام بالعدوة تحت الحظوة، مشارا إليه في وجوه الدولة، وزير المداخلة والرّتبة. وقد كان في ريان حداثته لحق بطاغية الرّوم، وركب في جملته، وعلقته جارية من بنات زعماء الروم، لفضل جماله، وزين شبيبته، ففرّ بها تحت حماية سيفه، ولحق ببلاد المسلمين، وكانت من أهل الأصالة والجمال، فاتصل بمحلة أمير المسلمين أبي يوسف بن عبد الحق، وقد جاز إلى الأندلس غازيا، فاستخلصت منه لمزية الحسن، واستقرّت بقصر السلطان حظيّة لطيفة المحل، وجدّ أثر رفدها وانتفع، هو وبنوه بعائد جاهها، وقد هلك السلطان.
وقامت لمن خلفه مقام الأمومة، فنالوا بها دنيا عريضة، وباشر بالمغرب أهوالا، وخاض في فتن إلى أن أسنّ، وقيّدته الكبرة، واستولت على بصره الزمانة. ولما
стр. 1294
ولّي الوزارة ولده على عهد سادس الأمراء من بني نصر «١» ؛ استقدمه في ربيع الثاني من عام تسعة وعشرين وسبعمائة، فقدم شيخا قد استثنى أديمه واحقوقب، ومسحة الظّرف واللوذعية تتعلق منه بطلل بائد. ثم اقتضى تقلّص ظل الولاية عن ولده انصراف جميعهم إلى العدوة، فكان ذلك في رجب أو أول شعبان من العام، وبها هلك.
وفاته: توفي بمدينة فاس رابع محرم عام ثلاثين وسبعمائة. وكان كثيرا ما يتمثل بقول الشاعر: [الطويل]
نصحت فلم أفلح وخانوا فأفلحوا ... فأنزلني نصحي بدار هوان
فإن عشت لم أنصح وإن متّ فالعنوا ... دون النصح من بعدي بكل لسان
أخبرني بذلك شيخنا أبو الحسن بن الجياب وغيره.
عمر بن يحيى بن محلّى البطّوي
يكنى أبا علي.
حاله: كان يمتّ إلى السلطان ملك المغرب، ﵀، بالخؤولة، وله جرأة وجرم واضطلاع بالمهمة، إلى نكراء وخفوف إلى الفتنة واستسهال العظيمة. ولمّا تصيرت مالقة «٢» إلى إيالة السلطان أمير المسلمين أبي يوسف بن عبد الحق من قبل رؤسائها من بني إشقيلولة، استظهر عليها من عمر هذا بحجاج رجاله، وقدّمه بقصبتها، وجعل لنظره جيشا أخشن يقوده رجل من كبار وصفائه. وداخل السلطان ثاني «٣» الملوك من آل نصر عمر بن محلّى هذا بوساطة أخيه طلحة السابق إلى إيالته، فأحكم بينهما صرف مالقة إليه، وانتقال عمر إلى خدمته، معوّضا عن ذلك بمال له بال، مسلّما إليه حصن شلوبانية، ولأخيه طلحة مدينة المنكب، على أرزاق مقررة، وأحوال مرتبة مقدرة، فتمّ ذلك، وتحمل ثقات السلطان بقصبة مالقة ليلا مع عمر، واستدعي للغداة قائد الجيش ومثله من الوجوه، موريا بمعارضتهم، فسقط الغشاء بهم
стр. 1295
على سرحان، وأخذهم اعتقاله رهينة استخلص بها من كان من عياله بالعدوة، وجاء بها جلواة عارية أعربت عن لؤمه وخبث أمانته، وانتقل له موفى له بعهده، فحل بحصن شلوبانية منتصف عام سبعة وستين وسبعمائة، حسبما كتب لي بعض الشّيوخ من مسنّي بقية أهله، واحتلّ أخوه طلحة بمدينة المنكب، ولم يلبث أن خرج عنها للسلطان معوضا بالمال، وأعمل الانصراف إلى الحج. وأقام عمر بشلوبانية وما يليها من العمالة، مظهرا للطاعة تمام العام المذكور، وفسد ما بينه وبين السلطان المذكور، وظهر الخلاف وأخيفت الطرق، وتحرك السلطان إلى منازلته لأشهر ثلاثة من خلافه، وحاصره أياما شدّ فيها مخنقه، فلمّا رأى عزمه، خاطب سلطانه الذي نزع عنه أمير المسلمين أبا يوسف، وعرض الحصن عليه، فبادر إليه بالأسطول، فلمّا احتل بمرسى حصنه واتصلت به يده ونشرت عنده بنوده، أفرج عنه السلطان، وانبت طمعه فيه، وصرف وجهه إلى حضرته، وبدا لعمر في أمره، فصرف الأسطول متعلّلا ببعض الأعذار، وأقام على سبيله، واتصل ذلك بالسلطان، فرتب عليه الحصن، وضيق السّبل، وتحرك في صائفة العام إلى منازلته في عدّة عظيمة، وحاصره ورماه بالمجانيق، وتتبع بها مجاثمه، فأعياه الصبر، وأعمل الحيلة بإظهار الإنابة، وعرض على السلطان التخلّي عن الحصن، وطلب منه أن يوجه لقبضه وزيره، وأحظى الرؤساء لديه، وصاحب بنده، فوجههم السلطان في طائفة من حاشيتهم، وقد أكمن لهم عمر بمعرجات الطريق، بين يدي باب القلعة، فلمّا توسطوا الكمناء، وبرز عمر ليسلم عليهم، ثار بهم رجاله الأساودة وغيرهم، وقبضوا عليهم بمرأى من السلطان، وأدخلوهم الحصن، وعاد السلطان إلى قتاله، فتوعد بقتلهم، وجعلهم بأعلى السور، ورمى عليه بحجر، فطرح أحدهم الحين، وعلا صراخهم يسترحمون السلطان، فكفّ عنه، وانصرف مكظوما. ولأيام وقعت المهادنة على تخلّيه عن شلوبانية في جملة شروط صعبة، منها العقد له على بنت السلطان المسماة بشمس، وانتقاله إلى مدينة المنكب، فتمّ ذلك في وسط ثمانية وستين بعده، وتمادت المهادنة شهورا أربعة، ثم ثاب خلافه، وضيقت عليه الحصص المرتّبة، وخرج للسلطان عن منكّب على مال وعهد، وصرف بعد وجهه إلى سلطانه، وتطارح عليه، وهو بجزيرة طريف، بعد أن أخذ أمانه، زعموا، وقد كان أخوه طلحة سبق إليه، فاعتقل يسيرا. ثم حلّ اعتقاله إيثارا للعفّة، ورعيا للمتات. ولمّا توفي السلطان أبو يوسف، اضطره حاله، وآل أمره إلى العود إلى الأندلس، وبها الأشياخ من بني عبد الله بن عبد الحق، مطالبو أبيه بدم عمّهم، سبقوا مقدمه على السلطان بإيعاز منه، وقد نزل بقرية أرملة «١» على وادي
стр. 1296
أفلم، واعتصم منهم ببرج، فقاتلوه واستنزلوه فقتلوه، فانقضى أمره على هذه الوتيرة، والبقاء لله سبحانه.
عامر بن عثمان بن إدريس بن عبد الحق «١»
شيخ الغزاة بالأندلس، وابن شيخها، يكنى أبا ثابت، أجري مجرى الأصليين لولادته بالأندلس.
أوليته: تأتي في اسم أبيه.
حاله: كان رئيسا جليلا، فذّا في الكفاية والإدراك، نسيج وحده في الدّهاء والنّكراء، مشارا إليه في سعة الصدر، ووفور العقل، وانفساح الذّرع، وبعد الغور، باسلا مقداما، صعب الشّكيمة على الهمّة، لين الكلمة، ريّش جناح العزّ، وافر أسباب الرّئاسة، مجرّبا، محتنكا، عارفا بلسان قومه وأغراضهم، جاهلا جفوات أخلاقهم دبر أذنه، مهيبا على دماثة وإلحاح سقام. تولّى الأمر بعد أبيه، فقام به أحمد قيام، مسلّما لبقية من مسني القرابة وأكابر الإخوة، اعترافا بالفضل، وإيثارا لمزيّة العتاقة على الهجنة، فحلّ أرفع المحال، وتبنّك على حال الضّنا نعيما، وغزا غزوات شهيرة، إلى أن تناسى الأمر، وكبا بهم الجدّ، وحملهم قرب مخيفهم بالثّأر المنيم ملك المغرب، لما اقتحم فرضة المجاز إلى الجهاد على المبايتة ومراسلة الطاغية، فساءت القالة، وفسد ما بينهم وبين سلطانهم، وأعمل عليهم التدبير.
نكبته: ثبتّ في الكتاب المسمى ب «طرفة العصر» : ولما اتّصلت ليدي المسلمين، وفصل أميرهم من ملك المغرب، تنمّر أضدادهم المناوءون له، المعاندون قدرة الله فيه، المتهيّئون إلى القاصمة بمشاحنته، فأظهروا النّفور والحذر، وكانوا قد داخلوا ملك قشتالة وواعدوه اللحاق به، إن راعهم رائع، ووصلتهم مخاطبته بقبولهم، فلمّا تخلّف المسلمون عن اللحاق به، نسب لهم الفشل والتكاسل، فانطلقت الألسن، وملّت القلوب، وتشوّف إلى الفتك بهم، وهم عصابة بأسها شديد، أشهروا فروسية ونجدة وأتباعا، فعظم الخطب، وأعملت الشّورى في أمرهم، وصرفت الحيل إلى كف عاديتهم، ومعالجة أمرهم، فتمّ ذلك. ولما كان يوم السبت التاسع والعشرون من ربيع الأول، قعد لهم السلطان على عادته، ووجّه عنهم في غرض الاستشارة في حال السّفر إلى إمداد ملك المغرب، وقد عبر ونازل جزيرة طريف، وفاوضهم فيما عليه الناس من إنكار التّلوّم، ثم قام السلطان من
стр. 1297
مجلسه، وثارت بهم الرجال، فأحيط بهم، ونزعت سيوفهم عن عواتقهم، وطارت الخيل في ضمّ من شذّ عنهم، فتقبّض على طائفة من أعلامهم، كانوا بين غرّ يباشر قنصا، أو مفلت لم يجد مهربا، وطارت الكتب إلى مالقة في شأن من بها منهم، فشملهم الاعتقال، ثم نقلوا إلى مدينة المنكب، فجعلوا في مطبق الأسرى بها، إبلاغا في النكال، وتناهيا في المثلة، فلم تجر عليهم مصيبة أعظم منها، لاضطرارهم إلى قضاء حاجة الإنسان برأي عين من أخيه، خطة خسف سئموها، مع العلم بنفور نفوسهم عن مثلها، وفيهم صدور البيت وأعلامه، كأبي ثابت المترجم به، وأخيه كبيره إبراهيم، وابن عمهم زين المواكب، وقريع السيوف، وعروس الخيل، حمّو بن عبد الله، وسواهم، وقانا الله شرّ الهلكات، واشرأب مخيفهم للسلطان صاحب المغرب، وولي الثّرة، إلى صرفهم إليه، وقد استوجب من ملك الأندلس الملاطفة لالتفاته لسيء البرد، واقتحامه باب القطر. وأخفق السعي، وضنّ بهم موقع النّقمة عن إسلامهم إليه، سيرة أحسنها في جنسهم من أولي الجهالف، فأجلاهم عما قريب في البحر إلى إفريقية، فاستقرّوا ببجاية، ثم استقدموا إلى تونس تحت إرصاد ورقبة، وأخفر فيهم ملكها الذّمة، وهم لديه، فوجّههم على بعد الدار، ونزوح المزار، إلى السلطان صاحب المغرب، مصحبين بشفاعة فيهم، كانت قصارى ما لديه، فاستقرّوا في الجملة تحت فلاح وكفاية، لا تلفت إليهم عين، ولا يتشبّث بذمل حظوتهم أمل. ثم نكبوا بظاهر سبتة نكبة ثقيلة البرك، مغارة البرك الحمل، وأودعوا شرّ السجون بمدينة مكناسة، فأصبحوا رهن قيود عديدة، ومسلحة مرتّبة، جرّ ذلك عليهم ذرّة من القول في باب طموحهم إلى الثورة، وعملهم على الانتزاء بسبتة، الله أعلم بحقّه من مينه. ولمّا صيّر الله ملك المغرب إلى السلطان، أمير المؤمنين أبي عنان، واضطره الحال إلى الاستظهار بمثلهم، انتشلهم من النكبة، وجبرهم بعد الصّدعة، وأعلق يد كبيرهم المترجم به بعروة العزّة، واستعان بآرائه على افتراع الهضبة، فألفى منه نقّابا قد هذّبته التجربة، وأرهفته المحنة، وأخلصته الصّنيعة، فسلّ منه سيفا على أعدائه، وزعموا أنه انقاد إلى هوى نفسه، واستفزّته قوة الثرّة، ولذّة التّشفي، وذهب إلى أن يكل للسلطان ناكبه المجاراة صاعا بصاع، فانتدب إلى ضبط ما بالأندلس من عمالة راجعة إلى ملك المغرب، فانقلب يجرّ وراءه الجيش، ويجنّب القوة، فقطع به عن أمله القاطع بالآمال، وأحانه الله ببعض مراحل طريقه مطعونا لطفا من الله به، وبمن استهدف إلى النّصب بمجادّته. وهو سبحانه مليء بالمغفرة عن المسرفين، سبحانه.
وفاته: في الأخريات من عام تسعة وأربعين وسبعمائة.
стр. 1298
علي بن بدر الدين بن موسى بن رحّو بن عبد الله ابن عبد الحق «١»
يكنى أبا الحسن.
حاله: هذا الرجل نسيج وحده في الفضل والتخلّق، والوفاء، ونصح الجيب، وسلامة الصدر، وحسن الخلق، راجح العقل، سريّ الهمّة، جميل اللقاء، رفيع البزّة، كريم الخصال، يكتب ويشعر، ويحفظ ويطالع غرائب الفنون، صادق الموقف، معروف البسالة، ملوكيّ الصّلات، غزل، كثير الفكاهة، على تيقور وحشمة، قدّمه السلطان شيخ الغزاة بمدينة وادي آش، فلما وقعت به المحنة، وركب الليل مفلتا إليها، اتّفق لقاؤه إياه صباحا على أميال منها، وجاء به، وأدخله المدينة على حين غفلة من أهلها، فاستقرّ بقصبتها وما كاد، وأخذ له صفقة أهلها، وشمّر في الذبّ عنه تشميرا نبا فيه سمعه عن المصانعة، ودهيه عن الجملة، وكفّه عن قبول الأعواض، فلم يلف فيه العدوّ مغمزا، ولا المكيدة معجما، ولا استأثر عنه بشيء ممّا لديه، إلى أن كان انتقال السلطان عنها إلى المغرب، فتبعه مشيّعا إلى مأمنه، فتركها غريبة في الوفاء، شاع خبرها وتعوطي حديثها، على حين نكر المعروف، وجحدت الحقوق، وأخوت بروق الأمل. ثم قلق المتغلّب على الدولة بمكانه، فصرفه إلى العدوة الغربية، فاستقرّت به الدار هنالك، في أوائل عام ثلاثة وستين أو أواخر العام قبله.
وخاطبته من مدينة سلا لمكان الودّ الذي بيني وبينه بما نصّه «٢» : [مخلع البسيط]
يا جملة الفضل والوفاء ... ما بمعاليك من خفاء
عندي بالودّ فيك عقد ... صحّفه «٣» الدّهر باكتفاء
ما كنت أقضي علاك «٤» حقّا ... لو جئت مدحا بكلّ فاء
فأول وجه القبول عذري ... وجنّب «٥» الشّكّ في صفاء
стр. 1299
سيدي «١» ، الذي هو فضل «٢» جنسه، ومزيّة يومه على أمسه، فإن افتخر الدين من الله «٣» ببدره افتخر منه بشمسه، رحلت عن «٤» المنشإ والقرارة «٥» ، ومحلّ الصّبوة والغرارة «٦» ، فلم تتعلّق نفسي بذخيرة، ولا عهد حيرة «٧» خيرة، كتعلّقها بتلك الذات التي لطفت لطافة الرّاح، واشتملت بالمجد الصّراح، شفقة أن تصيبها معرّة «٨» والله تعالى «٩» يقيها، ويحفظها ويبقيها، إذ الفضائل في الأزمان الرّذلة غوائل «١٠» ، والضّدّ منحرف بالطبع ومائل. فلمّا تعرّفت خلاص سيدي من ذلك الوطن، وإلقاءه «١١» وراء الفرضة بالعطن، لم تبق لي تعلّة «١٢» ، ولا أجرضتني «١٣» علّة، ولا أوتي جمعي من قلّة، فكتبت أهنىء نفسي الثانية بعد هناء نفسي الأولى، وأعترف للزمن «١٤» باليد الطولى. فالحمد لله الذي جمع الشّمل بعد شتاته، وأحيا الأنس بعد مماته، سبحانه لا مبدّل لكلماته. وإياه أسأل أن يجعل العصمة حظّ سيدي ونصيبه، فلا يستطيع حادث أن يصيبه، وأنا أحدج «١٥» عن بثّ كمين، ونصح أنابه قمين، بعد أن أسبر غوره، وأخبر طوره، وأرصد دوره، فإن كان له في التّشريق «١٦» أمل، وفي ركب الحجاز ناقة وجمل، والرأي فيه قد نجحت منه نيّة وعمل، فقد غني عن عوف «١٧» والبقرات، بأزكى الثمرات، وأطفأ هذه الجمرات، برمي الجمرات، وتأنّس بوصل السّرى ووصال السّراة، وأناله «١٨» إن رضي مرافق، ولو أغري «١٩» به خافق.
وإن كان على السّكون بناؤه، وانصرف إلى الإقامة اعتناؤه، فأمر له ما بعده، والله يحفظ من الغير «٢٠» سعده. والحقّ أن تحذف الأبهة وتختصر، ويحفظ «٢١» اللسان
стр. 1300
ويغضّ «١» البصر، وينخرط في الغمار، ويخلّى عن المضمار، ويجعل من المحظور مداخلة من لا خلاق له، ممّن لا يقبل الله تعالى «٢» قوله ولا عمله، فلا يكتم سرّا، ولا يتطرّق «٣» من الرّجولة زمرا «٤» ، ورفض «٥» الصّحبة زمام السلامة، وترك النّجاة علامة. وأمّا حالي فكما «٦» علمتم ملازم كنّ «٧» ، ومبهوظ «٨» تجربة وسنّ، أزجي الأيام، وأروم بعد التفرّق الالتئام، خالي اليد، مالئ «٩» القلب والخلد، بفضل الواحد الصّمد، عامل على الرّحلة الحجازية التي أختارها لكم ولنفسي، وآمل في التماس الإعانة عليها يومي بأمسي، أوجب ما قرّرته لكم ما أنتم أعلم به من ودّ قرّرته الأيام والشهور، والخلوص المشهور، وما أطلت في شيء عند قدومي على هذا الباب الكريم إطالتي فيما يختصّ بكم من موالاته، وبذل مجهود القول والعمل في مرضاته. وأما ذكركم في هذه الأوضاع، فهو ممّا يقرّ عين المجادة، والوظيفة التي تنافس «١٠» فيها أولو السيادة، والله يصل بقاءكم، وييسّر لقاءكم، والسلام.
وهذا الفاضل ممن جال فيه لاختيار الإمارة أيام مقامه بالعدوة الغربية؛ لذياع فضله، وكرم خلاله. وقفل إلى الأندلس عند رجوع الدولة، فجنى ثمرة ما أسلفه، وقدّم شيخ الغزاة بمالقة، ثم نقل إلى التي لا فوقها من تقديمه شيخ الغزاة بحضرته منّة لا على ميادين حظوته، مقطعا جانب تجلّته، فبلي الناس على عهد ولايته الفتوح الهنيّة، والنّعم السّنية. ولما قفل السلطان، أيّده الله، من فتح قاعدة جيّان، أصابه مرض، توفي منه في ثالث صفر من عام تسعة وستين وسبعمائة، فتأثّر الناس لفقده، لما بلوه من يمن طائره، وحسن موارده ومصادره. وكان قد صدر له المنشور الكريم، من إملائي، بما ينظر في اسم المؤلف، في آخر هذا الديوان.
следующие страницы →