Полный текст (1 954 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
أفلم، واعتصم منهم ببرج، فقاتلوه واستنزلوه فقتلوه، فانقضى أمره على هذه الوتيرة، والبقاء لله سبحانه.
عامر بن عثمان بن إدريس بن عبد الحق «١»
شيخ الغزاة بالأندلس، وابن شيخها، يكنى أبا ثابت، أجري مجرى الأصليين لولادته بالأندلس.
أوليته: تأتي في اسم أبيه.
حاله: كان رئيسا جليلا، فذّا في الكفاية والإدراك، نسيج وحده في الدّهاء والنّكراء، مشارا إليه في سعة الصدر، ووفور العقل، وانفساح الذّرع، وبعد الغور، باسلا مقداما، صعب الشّكيمة على الهمّة، لين الكلمة، ريّش جناح العزّ، وافر أسباب الرّئاسة، مجرّبا، محتنكا، عارفا بلسان قومه وأغراضهم، جاهلا جفوات أخلاقهم دبر أذنه، مهيبا على دماثة وإلحاح سقام. تولّى الأمر بعد أبيه، فقام به أحمد قيام، مسلّما لبقية من مسني القرابة وأكابر الإخوة، اعترافا بالفضل، وإيثارا لمزيّة العتاقة على الهجنة، فحلّ أرفع المحال، وتبنّك على حال الضّنا نعيما، وغزا غزوات شهيرة، إلى أن تناسى الأمر، وكبا بهم الجدّ، وحملهم قرب مخيفهم بالثّأر المنيم ملك المغرب، لما اقتحم فرضة المجاز إلى الجهاد على المبايتة ومراسلة الطاغية، فساءت القالة، وفسد ما بينهم وبين سلطانهم، وأعمل عليهم التدبير.
نكبته: ثبتّ في الكتاب المسمى ب «طرفة العصر» : ولما اتّصلت ليدي المسلمين، وفصل أميرهم من ملك المغرب، تنمّر أضدادهم المناوءون له، المعاندون قدرة الله فيه، المتهيّئون إلى القاصمة بمشاحنته، فأظهروا النّفور والحذر، وكانوا قد داخلوا ملك قشتالة وواعدوه اللحاق به، إن راعهم رائع، ووصلتهم مخاطبته بقبولهم، فلمّا تخلّف المسلمون عن اللحاق به، نسب لهم الفشل والتكاسل، فانطلقت الألسن، وملّت القلوب، وتشوّف إلى الفتك بهم، وهم عصابة بأسها شديد، أشهروا فروسية ونجدة وأتباعا، فعظم الخطب، وأعملت الشّورى في أمرهم، وصرفت الحيل إلى كف عاديتهم، ومعالجة أمرهم، فتمّ ذلك. ولما كان يوم السبت التاسع والعشرون من ربيع الأول، قعد لهم السلطان على عادته، ووجّه عنهم في غرض الاستشارة في حال السّفر إلى إمداد ملك المغرب، وقد عبر ونازل جزيرة طريف، وفاوضهم فيما عليه الناس من إنكار التّلوّم، ثم قام السلطان من
стр. 1297
مجلسه، وثارت بهم الرجال، فأحيط بهم، ونزعت سيوفهم عن عواتقهم، وطارت الخيل في ضمّ من شذّ عنهم، فتقبّض على طائفة من أعلامهم، كانوا بين غرّ يباشر قنصا، أو مفلت لم يجد مهربا، وطارت الكتب إلى مالقة في شأن من بها منهم، فشملهم الاعتقال، ثم نقلوا إلى مدينة المنكب، فجعلوا في مطبق الأسرى بها، إبلاغا في النكال، وتناهيا في المثلة، فلم تجر عليهم مصيبة أعظم منها، لاضطرارهم إلى قضاء حاجة الإنسان برأي عين من أخيه، خطة خسف سئموها، مع العلم بنفور نفوسهم عن مثلها، وفيهم صدور البيت وأعلامه، كأبي ثابت المترجم به، وأخيه كبيره إبراهيم، وابن عمهم زين المواكب، وقريع السيوف، وعروس الخيل، حمّو بن عبد الله، وسواهم، وقانا الله شرّ الهلكات، واشرأب مخيفهم للسلطان صاحب المغرب، وولي الثّرة، إلى صرفهم إليه، وقد استوجب من ملك الأندلس الملاطفة لالتفاته لسيء البرد، واقتحامه باب القطر. وأخفق السعي، وضنّ بهم موقع النّقمة عن إسلامهم إليه، سيرة أحسنها في جنسهم من أولي الجهالف، فأجلاهم عما قريب في البحر إلى إفريقية، فاستقرّوا ببجاية، ثم استقدموا إلى تونس تحت إرصاد ورقبة، وأخفر فيهم ملكها الذّمة، وهم لديه، فوجّههم على بعد الدار، ونزوح المزار، إلى السلطان صاحب المغرب، مصحبين بشفاعة فيهم، كانت قصارى ما لديه، فاستقرّوا في الجملة تحت فلاح وكفاية، لا تلفت إليهم عين، ولا يتشبّث بذمل حظوتهم أمل. ثم نكبوا بظاهر سبتة نكبة ثقيلة البرك، مغارة البرك الحمل، وأودعوا شرّ السجون بمدينة مكناسة، فأصبحوا رهن قيود عديدة، ومسلحة مرتّبة، جرّ ذلك عليهم ذرّة من القول في باب طموحهم إلى الثورة، وعملهم على الانتزاء بسبتة، الله أعلم بحقّه من مينه. ولمّا صيّر الله ملك المغرب إلى السلطان، أمير المؤمنين أبي عنان، واضطره الحال إلى الاستظهار بمثلهم، انتشلهم من النكبة، وجبرهم بعد الصّدعة، وأعلق يد كبيرهم المترجم به بعروة العزّة، واستعان بآرائه على افتراع الهضبة، فألفى منه نقّابا قد هذّبته التجربة، وأرهفته المحنة، وأخلصته الصّنيعة، فسلّ منه سيفا على أعدائه، وزعموا أنه انقاد إلى هوى نفسه، واستفزّته قوة الثرّة، ولذّة التّشفي، وذهب إلى أن يكل للسلطان ناكبه المجاراة صاعا بصاع، فانتدب إلى ضبط ما بالأندلس من عمالة راجعة إلى ملك المغرب، فانقلب يجرّ وراءه الجيش، ويجنّب القوة، فقطع به عن أمله القاطع بالآمال، وأحانه الله ببعض مراحل طريقه مطعونا لطفا من الله به، وبمن استهدف إلى النّصب بمجادّته. وهو سبحانه مليء بالمغفرة عن المسرفين، سبحانه.
وفاته: في الأخريات من عام تسعة وأربعين وسبعمائة.
стр. 1298
علي بن بدر الدين بن موسى بن رحّو بن عبد الله ابن عبد الحق «١»
يكنى أبا الحسن.
حاله: هذا الرجل نسيج وحده في الفضل والتخلّق، والوفاء، ونصح الجيب، وسلامة الصدر، وحسن الخلق، راجح العقل، سريّ الهمّة، جميل اللقاء، رفيع البزّة، كريم الخصال، يكتب ويشعر، ويحفظ ويطالع غرائب الفنون، صادق الموقف، معروف البسالة، ملوكيّ الصّلات، غزل، كثير الفكاهة، على تيقور وحشمة، قدّمه السلطان شيخ الغزاة بمدينة وادي آش، فلما وقعت به المحنة، وركب الليل مفلتا إليها، اتّفق لقاؤه إياه صباحا على أميال منها، وجاء به، وأدخله المدينة على حين غفلة من أهلها، فاستقرّ بقصبتها وما كاد، وأخذ له صفقة أهلها، وشمّر في الذبّ عنه تشميرا نبا فيه سمعه عن المصانعة، ودهيه عن الجملة، وكفّه عن قبول الأعواض، فلم يلف فيه العدوّ مغمزا، ولا المكيدة معجما، ولا استأثر عنه بشيء ممّا لديه، إلى أن كان انتقال السلطان عنها إلى المغرب، فتبعه مشيّعا إلى مأمنه، فتركها غريبة في الوفاء، شاع خبرها وتعوطي حديثها، على حين نكر المعروف، وجحدت الحقوق، وأخوت بروق الأمل. ثم قلق المتغلّب على الدولة بمكانه، فصرفه إلى العدوة الغربية، فاستقرّت به الدار هنالك، في أوائل عام ثلاثة وستين أو أواخر العام قبله.
وخاطبته من مدينة سلا لمكان الودّ الذي بيني وبينه بما نصّه «٢» : [مخلع البسيط]
يا جملة الفضل والوفاء ... ما بمعاليك من خفاء
عندي بالودّ فيك عقد ... صحّفه «٣» الدّهر باكتفاء
ما كنت أقضي علاك «٤» حقّا ... لو جئت مدحا بكلّ فاء
فأول وجه القبول عذري ... وجنّب «٥» الشّكّ في صفاء
стр. 1299
سيدي «١» ، الذي هو فضل «٢» جنسه، ومزيّة يومه على أمسه، فإن افتخر الدين من الله «٣» ببدره افتخر منه بشمسه، رحلت عن «٤» المنشإ والقرارة «٥» ، ومحلّ الصّبوة والغرارة «٦» ، فلم تتعلّق نفسي بذخيرة، ولا عهد حيرة «٧» خيرة، كتعلّقها بتلك الذات التي لطفت لطافة الرّاح، واشتملت بالمجد الصّراح، شفقة أن تصيبها معرّة «٨» والله تعالى «٩» يقيها، ويحفظها ويبقيها، إذ الفضائل في الأزمان الرّذلة غوائل «١٠» ، والضّدّ منحرف بالطبع ومائل. فلمّا تعرّفت خلاص سيدي من ذلك الوطن، وإلقاءه «١١» وراء الفرضة بالعطن، لم تبق لي تعلّة «١٢» ، ولا أجرضتني «١٣» علّة، ولا أوتي جمعي من قلّة، فكتبت أهنىء نفسي الثانية بعد هناء نفسي الأولى، وأعترف للزمن «١٤» باليد الطولى. فالحمد لله الذي جمع الشّمل بعد شتاته، وأحيا الأنس بعد مماته، سبحانه لا مبدّل لكلماته. وإياه أسأل أن يجعل العصمة حظّ سيدي ونصيبه، فلا يستطيع حادث أن يصيبه، وأنا أحدج «١٥» عن بثّ كمين، ونصح أنابه قمين، بعد أن أسبر غوره، وأخبر طوره، وأرصد دوره، فإن كان له في التّشريق «١٦» أمل، وفي ركب الحجاز ناقة وجمل، والرأي فيه قد نجحت منه نيّة وعمل، فقد غني عن عوف «١٧» والبقرات، بأزكى الثمرات، وأطفأ هذه الجمرات، برمي الجمرات، وتأنّس بوصل السّرى ووصال السّراة، وأناله «١٨» إن رضي مرافق، ولو أغري «١٩» به خافق.
وإن كان على السّكون بناؤه، وانصرف إلى الإقامة اعتناؤه، فأمر له ما بعده، والله يحفظ من الغير «٢٠» سعده. والحقّ أن تحذف الأبهة وتختصر، ويحفظ «٢١» اللسان
стр. 1300
ويغضّ «١» البصر، وينخرط في الغمار، ويخلّى عن المضمار، ويجعل من المحظور مداخلة من لا خلاق له، ممّن لا يقبل الله تعالى «٢» قوله ولا عمله، فلا يكتم سرّا، ولا يتطرّق «٣» من الرّجولة زمرا «٤» ، ورفض «٥» الصّحبة زمام السلامة، وترك النّجاة علامة. وأمّا حالي فكما «٦» علمتم ملازم كنّ «٧» ، ومبهوظ «٨» تجربة وسنّ، أزجي الأيام، وأروم بعد التفرّق الالتئام، خالي اليد، مالئ «٩» القلب والخلد، بفضل الواحد الصّمد، عامل على الرّحلة الحجازية التي أختارها لكم ولنفسي، وآمل في التماس الإعانة عليها يومي بأمسي، أوجب ما قرّرته لكم ما أنتم أعلم به من ودّ قرّرته الأيام والشهور، والخلوص المشهور، وما أطلت في شيء عند قدومي على هذا الباب الكريم إطالتي فيما يختصّ بكم من موالاته، وبذل مجهود القول والعمل في مرضاته. وأما ذكركم في هذه الأوضاع، فهو ممّا يقرّ عين المجادة، والوظيفة التي تنافس «١٠» فيها أولو السيادة، والله يصل بقاءكم، وييسّر لقاءكم، والسلام.
وهذا الفاضل ممن جال فيه لاختيار الإمارة أيام مقامه بالعدوة الغربية؛ لذياع فضله، وكرم خلاله. وقفل إلى الأندلس عند رجوع الدولة، فجنى ثمرة ما أسلفه، وقدّم شيخ الغزاة بمالقة، ثم نقل إلى التي لا فوقها من تقديمه شيخ الغزاة بحضرته منّة لا على ميادين حظوته، مقطعا جانب تجلّته، فبلي الناس على عهد ولايته الفتوح الهنيّة، والنّعم السّنية. ولما قفل السلطان، أيّده الله، من فتح قاعدة جيّان، أصابه مرض، توفي منه في ثالث صفر من عام تسعة وستين وسبعمائة، فتأثّر الناس لفقده، لما بلوه من يمن طائره، وحسن موارده ومصادره. وكان قد صدر له المنشور الكريم، من إملائي، بما ينظر في اسم المؤلف، في آخر هذا الديوان.
стр. 1301
علي بن مسعود بن علي بن أحمد بن إبراهيم بن عبد الله ابن مسعود المحاربي «١»
الوزير، يكنى أبا الحسن.
حاله: كان من أعيان أهل الحضرة، وذوي الهيئات والنباهة من بيوتاتها، أيّدا، حسن الشكل، جهير الصوت، فصيح اللسان ثرثاره، جيد الخطّ، حلو الدّعابة، طيّب النفس، لبقا، ذكيّا، أديبا، فاضلا، لوذعيّا، مدركا. وزر للسلطان أبي الوليد، نزع إليه لمّا دعا إلى نفسه بمالقة من إيالة مخلوعه بعد اصطناعه، وصرف وجهته إلى جهته، فتغلّب على هواه، وأشركه في الوزارة، مع القائد الوزير أبي عبد الله بن أبي الفتح الفهري، وقد مرّ ذكره، فأبرّ عليه بمزيد المعرفة بالأمور الاشتغالية وجماح عنان اللسان والجرأة في أبواب المداخلات الوزارية، فلم يزل يضمّ أذيال الخطّة ويقلّصها عن قسيمه إلى أن لم يبق له منها إلّا الاسم إلى حين وفاته.
وفاته: واستمرّت حاله على رسمه من القيام بالوزارة إلى أن فتك بسلطانه قرابته بباب داره كما تقدّم في اسم السلطان أبي الوليد في حرف الألف، فكرّ أدراجه وهاج بالباطشين، وسلّ سيفه يدافع عنه، فمالت إليه الأيدي، وانصرفت إليه الوجوه، وأصيب بجراحات مثخنة، أتى عليه منها جرح دماغي لأيام، وعلى ذلك فلم يبرح من سدّة السلطان، حتى تعجّل ثأره، وشمل السّيف قتلته، وأخذ البيعة لولده.
وكانت وفاته في السابع والعشرين لشعبان من عام خمسة وعشرين وسبعمائة. ودفن بباب إلبيرة. وكان الحفل في جنازته عظيما، والثناء عليه كثيرا، والرحمة له مستفيضة.
ورثاه شيخنا أبو الحسن بن الجيّاب، ﵀ بقوله: [الطويل]
أيا زفرتي، زيدي ويا عبرتي جودي ... على فاضل الدّنيا على ابن «٢» مسعود
على الشامخ الأبيات في المجد والعلا ... على السّابق الغايات في البأس والجود
على غرّة العصر التي جمعت إلى ... مهابة مرغوب طلاقة مودود
على من له في الملك غير منازع ... وزارة ميمون النّقيبة محمود
على من إذا عدّ الكرام فإنه ... بواجب حقّ الفضل أوّل معدود
стр. 1302
ومن كعليّ ذي الشجاعة والرّضا ... لإصراخ مذعور وإيواء مطرود؟
ومن كعليّ ذي السّماحة والنّدى ... لإسباغ إنعام وإنجاز موعود؟
ومن كعليّ للوزارة قائما ... عليها بتصويب عليها وتصعيد؟
ومن كعليّ للإدارة سالكا ... لها نهج تليين مشوب بتشديد؟
ومن كعليّ للسياسة منفذا ... أوامر تنفيذ وأحكام توطيد
ومن كعليّ في رضا الله حاكما ... بإنجاد معدوم وإعدام موجود
ومن كعليّ واصل الرّحم التي ... تمتّ بتقريب له أو بتبعيد
ومسدي الأيادي البيض بدءا وعودة ... مردّدة تمحو دجى الثّوب للسّود «١»
أيا كافي السلطان كلّ عظيمة ... بآراء تسديد وأعمال تمهيد
ويا حامي الملك المشيد بناؤه ... بصولة محذور وغرّة مقصود
ويا كافل الأيتام يجري عليهم ... جراية نعمى بابها غير مسدود
ذكرتك في نادي الوزارة صادعا ... بأمر مطاع حكمه غير مردود
ذكرتك في صدر الكتيبة قائما ... بخدمة مولّى بعد طاعة معبود
ذكرتك في المحراب والليل دامس ... تردّد آي الذّكر أطيب ترديد
ودمعك مرفضّ وقلبك واجب ... لخشية يوم بين عينيك مشهود
عفاء «٢» على الدنيا ولا درّ درّها ... فما جمعها إلّا رهين بتبديد
فمهما حلت منها لديك مسرّة ... ففي إثرها فارقب مرارة تنكيد
ألهفا على الوجه الجميل معطّرا ... بدار البلى رهين الأساود والدّود
وعهدي به مستبشرا ومبشّرا ... بتفريج مكروب وراحة مجهود
لأظلمت الدنيا عليّ لفقده ... فها أنا أرعاها بمقلة مرصود
وقلّص من ظلّ الرّجاء «٣» فراقه ... فظلّ رجائي بعده غير ممدود
وكم سبحت فلك المنى في بحارها ... مواخر فاليوم استوت بي على الجود
وهوّن عندي كلّ خطب مصابه ... فبعد عليّ لست أبكي لمفقود
ولا أدّعي أني وفيت بعهده ... فلم أرع عهدا حين أودى ولم أود
فلا يشمت «٤» الأعداء إن حان حينه ... فما بالرّدى عار فكل امرئ مود
стр. 1303
ولا سيما إذ «١» مات ميتة عزّة ... بعيدا شهيدا ماضيا غير رعديد
وفيّا لمولاه مطيعا لربّه ... وقد بطلت ذعرا رقاب الصّناديد
فبشرى له أن فاز حيّا وميّتا ... بميتة مفقود وعيشة محسود
عليه سلام الله ما ذرّ شارق ... وما صدعت ورقاء في فرع أملود
وجادت ثرى اللّحد الزّكي سحائب ... مجدّدة الرّحمى بأحسن تجديد
علي بن لب بن محمد بن عبد الملك ابن سعيد العنسي
غرناطي، قلعي «٢» .
حاله: كان ظريفا، مليح الخطّ، حارّ التّندير، عينا من عيون القطر ووزرائه.
شعره: حدّث أبو الحسن بن سعيد، قال: تمشينا معا أيام استيلاء النهب والتهدم على معظم ديار مرّاكش بالفتنة المتصلة، قال: فانتهينا إلى قصر من قصور أحد كبرائهم، وقد سجدت حيطانه، وتداعت أركانه، وبقايا النّهب والأصبغة والمقربسات تثير الكمد، ولا تبقي جلدا لأحد، فوجدنا على بعضها مكتوبا بفحم:
[الكامل]
ولقد مررت على رسوم ديارهم ... فبكيتها والرّبع قاع صفصف
وذكرت مجرى الجور في عرصاتهم ... فعلمت أنّ الدهر منهم منصف
فتناول أبو الحسن بياضا من بقيّة جيار، وكتب تحتها ما نصّه: [الكامل]
لهفي عليهم بعدهم فمثالهم ... بالله قل لي في الورى هل يخلف؟
من ذا يجيب مناديا لوسيلة ... أم من يجير من الزمان ويعطف؟
إن جار فيهم واحد من جملة ... كم كان فيهم من كريم ينصف
وفاته: توفي بمراكش سنة سبع وعشرين وستمائة.
стр. 1304
علي بن يوسف بن محمد بن كماشة «١»
القائد والوزير بين القتادة والخرط، يكنى أبا الحسن.
أوليته: كان جدّه من المنتزين ببعض حصون الأندلس، طلياطة «٢» ، وخدم طاغية الروم ببعضها، وانخرط في جملته، يشهد بذلك مكتوبات تلقّاها بشماله ووراء ظهره، صانها حافده المترجم به في خرقة من السّرق لا يزال يعرضها في سبيل الفخر على من يصل إلى باب السلطان من رسل الرّوم. ولقد عرضها أيام سفارته إلى ملك قشتالة على وزيره شمويل اللبي اليهودي، وطلب تجديدها، فقال له: هذا يتضمن خدمة جدّك للسلطان مولاي جدّ مولاي السلطان بجملة من بلاد المسلمين، وفيها الشّكر له والرّعاية على ذلك، فاذهب أنت هذا المذهب الذي ذهبه جدّك، يتجدّد لك ذلك إن شاء الله، فلمّا هلك ووري بين مدافن الروم، بعد أن علّق زمانا من سور الحصن في وعاء، توفية لشرط لا أحقّقه الآن. ولحق ولده بباب السلطان، فتفيّأوا ظلّ كفالته، ونشأوا في عداد صبيته. ولمّا صلحوا للاستعمال، استخدم منهم عليّا كبيرهم في العمل، فاستظهر به على حفزه بحمى ألمرية وما إليها، فأثرى وراه استغنى، وطالت مدّة ولايته، واستعمل أخاه يوسف والد المترجم به، في القيادة، وكان رجلا مضعوفا، فاستمرّت حاله إلى أن فقد بصره، جنى عليه شؤم ولده الجلا شيخا زمنا.
ثم عاد إلى الأندلس فتوفي بها، حسبما يذكر في اسميهما. وكانوا يتبجّحون بنسبه إلى معن بن زائدة؛ طوّق جدّهم بتلك النسبة، بعض أولي التّنفق والكدية، فتعلّلوا منها بنسيج العناكب، وأكذبوها بالخلق الممقوت، والبخل بفتات القوت، والتعبّد لعبدة الطّاغوت إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
«٣» .
حاله: هذا الرجل حسن الشكل، كثير الهشّة، جيّد الرّياش، كثير التعلّق والتّوسل، لصقت بشجرات الدول صمغته، وثبت بأسبابها قراده، شديد الملاطفة لحجبة الأبواب، والمداخلة لأذيال الأمراء، متصامم على أغراضهم، مكذّب لمحسوس جفوتهم، متنفّق بالسّعاية، متبذّل في أسواق الخدمة، يسبق في الطيالس، ويلفظ الزّبير، ويصرخ بالإطراء، ويولول بالدعاء، مدلّ في الأخونة، محكم في نفسه
стр. 1305
للنّادرة التي تضحكهم، بذي مهذار، قليل التصنّع، بعيد عن التّسمت، أطمع خلق الله وأبخلهم بما لديه، وأبعدهم في مهاوي الخسّة. أما فلسه، فمخزون، وأمّا خوانه، فمحجوب، وأمّا زاده، فممنوع محجور، وأمّا رفده، فمعدوم العين والأثر. وأمّا ثوبه، فحبيس التّحت إلى يوم القيامة، قد جعل لكل فصل من فصول معاشه، ونفاضة مخاليه، وسور دوابه مؤنة ما. فالنّخالة بينة المصرف، وللسرجين معين الجهة، وفتات المنديل موقفة على فطور الغد، ودهن الاستصباح جار في التّجلة والادخار مجرى دهن البلسان.
أخباره: في هذا الباب مغربة، ولزمت كعبة المنحسة، وعلق في عنقه طائر الشّؤم، فلم تنجح له وجهة، ولا سعدت له حركة، واستقرّ عند الكائنة على الدولة، بباب السلطان بالمغرب، خاطبا في حبل الغادر، المتوثّب على الملك، ومعينا للدهر على الأحبّ الحقّ ووليّ النّعمة. ثم بدا له في المقام بالمغرب أمنا واضطرابا. ولمّا رحل السلطان أبو عبد الله بن نصر «١» المذكور إلى طلب حقه، وقد أعتبه، سدّد به رسم الوزارة في طريقه، كما اضطرّ صياد إلى صحبة كلب مخابت آماله، ولحقت به المشأمة، وتبر الجدّ، واشتهر ذلك، فعلقت به الشّفقة، إلى أن خاطب السلطان بعض من يهمّه أمره بهذه الأبيات: [الطويل]
كماشكم من أجله انكمش السّعد ... إذا ما اطّرحتم شؤمه نجز الوعد
ومن لم تكن للسّعد في بدء أمره ... مخيلة نجح، كيف ترجى له بعد؟
وتصريفه المشؤوم فلتتذكّروا ... وما قلت إلّا بالتي علمت سعد
واقتضى أمره تبرّما به أن صرف من رندة، وقد استقرّ أمره بها رسولا إلى باب ملك المغرب؛ لأمور منها استخلاص ولده وإيصاله إليه، فتعذّر القصد، وسدّت الأبواب، وأزفت بدار المغرب عهد بذّ الآزفة، وتراخى مخنّق مرسله لخلو دسته منه، فثاب الرّجاء وقرب الفتح، وساعد السّعد بما طال منه التّعجب. ولمّا بلغ خبر صنع الله، وإفاقة الأيام، وجبر الله السلطان بدخول مالقة في طاعته، لحق به، وقد قلقت به الجوانب، وتنكّرت الوجوه، وساءت لطيرته الظّنون، فتوفّر العزم على صرفه عن الأندلس في أوليات رمضان عام ثلاثة وستين وسبعمائة، فقبض عليه، وصرف إلى البلاد الشرقية، وقد شرع في إغراء سلطان قشتالة بالمسلمين، وكان آخر العهد به،
стр. 1306
وذكروا أنه حجّ وقفل والعودة تتبعه، والنفوس لمتوقّع شؤمه مكرهة. ورجي أن يكون ماء زمزم وضوء النقع، أو أنّ مشاهدته الآثار الكريمة تصلح ما فسد من حاله، فآب شرّ إياب، وربما نبض له شريان من جدّه الذي تقدم في خدمة النصارى ذكره، فأجاز البحر إلى ملك برجلونة، فجعل تقبيل كفّه لاستلام الحجر الأسود وسيلة ثانية وقربة مزلفة، والقول بفضل وطنه حجّة صادقة، ثم قلق لخيبة قصده، وخلوّ يده من الزّقوم الذي كان قد احتجنه للمهمّ من أمره، واستيلاء النّحس على بيت سعده، فصرف وجهه المشؤوم إلى المغرب، فاحتلّ به، وجعل يطوق كل من أسلف له بداء الذّام، ويشيع عنه سوء القيلة، ويجهر في المجتمعات والدّكاكين بكل شنيع من القول، بالغا في ألفاظ السّغيلة أقصى مبالغ الفحش، لطف الله بنا أجمعين.
عثمان بن إدريس بن عبد الله بن عبد الحق بن محيو «١»
من قبيل بني مرين، يكنى أبا سعيد، شيخ الغزاة بجزيرة الأندلس على عهده.
أوليتهم: جدّ هؤلاء الأقيال الكرام، الذي يشترك فيه الملوك الغرّ من بني مرين بالعدوة، مع هؤلاء القرابة، المنتبين عنهم أضرار التّراث، ودواعي المنافسات، عبد «٢» الحق بن محيو. وكان له من الولد إدريس وعثمان وعبد الله ومحمد وأبو يحيى ويعقوب، فكان الملوك بالمغرب من ولد يعقوب، وهؤلاء من ولد عبد الله وإدريس ويعقوب ورحّو. ولمّا قتل جدّهم يعقوب بيد ابن عمّه عبد الحق بن يعقوب، أجفل أخواه ومن معهم، وانتبذوا، واستقرّوا بتلمسان، بعد أمور يطول شرحها. ثم اجتاز الشيخ أبو سعيد في جملة من اجتاز منهم إلى الأندلس، فنال بها العزّة والشّهرة.
حاله: كان رجل وقته جلالة وأصالة، ودهاء وشهرة وبسالة، مرمى لاختيار عتاقة وفراهة، واحد الزّمن أبّهة ورواء، وخلقا ورجاحة، أيّدا، عظيم الكراديس، طوالا، عريض المنكب، أقنى الأنف، تقع العين منه على أسد عيص، وفحل هجمة، بعيد الصيت، ذائع الشهرة، منجب الولد، يحمي السّرح، ويزين الدّست. لحق بتلمسان مع زوج أمّه وعمّه، موسى بن رحّو، عندما فرّوا من الجبل بأحواز وزغة، شابا كما اجتمع، وأجاز البحر منها، وخدم مرتزقا بها. ثم عاد إلى العدوة برضا من
стр. 1307
عمه السلطان بها. ثم فرّ عنه ولحق بالأندلس، واستقرّ بها، وولّي خطّة الشّياخة العامة، وهي ما هي، من سموّ الهضبة، وورود الرّزق، وانفساح الإقطاع، فشارك، وتبنّك النّعيم، وأقبل ما استظهر به على ما وراء مدينة سبتة، عند انتظامها في الإيالة النّصرية، فشنّ الغارة، ودعا إلى نفسه، وخلا فطلب النّزال، فغلبت غارته أحواز وادي سبو. ثم رجع أدراجه إلى الأندلس، وذمّر السلطان أبا الوليد، منفق حظوته على طلب الملك، ففازت به قداحه، واستولى على الجمّ من ريق دنياه، وسلّ الكثير من ماله وذخيرته في أبواب من العبادة، والاسترضاء والاستهداء. ولمّا توفي، تضاعف لطف محلّه من ولده، إلى أن ساء ما بينه وبين مدبّر أمره ابن المحروق، ونفر عنه، مؤاخذا بألقيات كانت سلّما إلى تجنّيه، يحسب أن الافتقار إليه يعبّد له كل وعث، فاغتنم المذكور نفرته، واستبصر في الانتباذ عنه، مطيعا دواعي الخور والرّهبة، من شؤوب حاله. وأجلى الأمير عن رحيله وولده إلى ساحل ألمريّة، موادعا، مزمعا الرحيل عن الأندلس. وارتاد الجهات، وراسل الملوك بالعدوة، فكلّ صمّ عن ندائه، وسدّ السبيل إليه، فداخل قوما من مشيخة حصن أندرش حاضرة وطن الجباية، فاستولى عليه، وانتقل إليه بجملته، وراسل الطّاغية، فتحرّك إلى منازلة حصن وبرة من الحصون التاكرونيّة، ففازت به قداحه، واستدعي عمّ السلطان، وهو الرئيس أبو عبد الله بن فرج بن نصر، من تلمسان، فدعا إليه، وشملت الفتنة، وكانت بينه وبين جيش الحضرة وقائع تناصف فيها القوم خطّتي المساجلة إلى أن نفد صبره وماله، وسمت فتنته الدولة، واقتضت مسالمته المصلحة، فعوهد على التخلّي عن الحصن، وصرف أميره إلى متبوّئه الأقصى، وانتقاله إلى مدينة وادي آش؛ ليكون سكنه بها تحت جرايات مقدّرة، وذلك في شهر رمضان ثمانية وعشرين وسبعمائة، وعلى تفيئة ذلك، عدا على مناوءة أميره، ففتك به، واستقدم الشيخ أبا سعيد فأعاده إلى محلّه، واستمرّت على ذلك حياته إلى مدة حياته، إلى أن توفي في أخريات أيامه.
وفاته: ولمّا نزل العدوّ ثغر أطيبة، ونهض جيش المسلمين إلى مضايقته، أصابه المرض. ولمّا أشفى «١» نقل «٢» إلى مالقة، فكانت بها وفاته يوم الأحد ثاني ذي حجة من عام ثلاثين وسبعمائة عن سنّ عاليه تنيف على الثمانين سنة، ونقل إلى غرناطة، فووري بها، وبنيت عليه بنية ضخمة، وصار أمره إلى ولده. ونقش على قبره في الرخام:
стр. 1308
«هذا «١» قبر شيخ الحماة، وصدر الأبطال الكماة، واحد الجلالة، ليث الإقدام والبسالة، علم الأعلام، حامي ذمار الإسلام، صاحب الكتائب المنصورة، والأفعال المشهورة، والمغازي المسطورة، وإمام الصفوف، القائم بباب «الجنّة تحت ظلال السيوف» ، سيف الجهاد، وقاصم الأعاد، وأسد الآساد، العالي الهمم، الثابت القدم، الإمام «٢» المجاهد الأرضى، البطل الباسل الأمضى، المقدّم «٣» ، المرحوم، أبي سعيد عثمان، ابن الشيخ الجليل، الإمام «٤» الكبير، الأصيل الشهير، المقدّس، المرحوم أبي العلاء إدريس بن عبد الله بن عبد الحق. كان عمره ثمانيا وسبعين «٥» سنة، أنفقه ما بين روحة في سبيل الله، وغدوة، حتى استوفى في المشهور سبعمائة واثنتين وثلاثين غزوة، وقطع عمره جاهدا مجاهدا «٦» في طاعة الرّب، محتسبا في إدارة الحرب، ماضي العزائم في جهاد الكفار، مصادما [بين جموعهم] «٧» من تدفّق التيار، وصنع الله له فيهم من الصّنائع الكبار، ما صار «٨» ذكره في الأقطار، أشهر من المثل السّيّار، حتى توفي، ﵀، وغبار الجهاد طيّ أثوابه، وهو مراقب لطاغية الكفار وأحزابه، فمات على ما عاش عليه، وفي ملحمة الجهاد قبضه الله إليه، واستأثر به سعيدا مرتضى، وسيفه على رأس ملك الروم منتضى، مقدّمة قبول وإسعاد، ونتيجة جهاد وجلاد، ودليلا عن نيّته الصالحة، وتجارته الرابحة، فارتجّت الأندلس لفقده «٩» ، أتحفه الله رحمة من عنده، توفي يوم الأحد الثاني لذي الحجة من عام ثلاثين وسبعمائة» .
القضاة الأصليون
عتيق بن أحمد بن محمد بن يحيى الغساني «١٠»
غرناطي، يكنى أبا بكر، ويعرف بابن الفرّاء، ويعرف عقبه ببني الوادي آشي، وقد مرّ ذكر ولده أبي الفرج، وينبز بقرنيّات.
حاله: حدّثني أبي، ﵁، وكان صديقا لأبيه، أنّه كان من أهل الجلالة والفضل، حسن السّمت، عظيم الوقار، جميل الرّواء، فاضلا، حسن العشرة.
стр. 1309
وقال القاضي ابن عبد الملك «١» : كان جامعا لفنون من المعارف، معروف الفضل «٢» في كل ما يتناول «٣» من الأمور العلمية، وقيّد كثيرا، وعني بالعلم العناية التامة، واستقضي بالمنكّب، وعرف في «٤» ذلك بالعدالة والنّزاهة.
تواليفه: صنّف «٥» «نزهة الأبصار، في نسب الأنصار» ، و «نظم الحليّ، في أرجوزة أبي عليّ» ، يعني ابن سينا «٦» .
شعره: قال: ومما نظمته ووجّهته به صحبة رسالتين: [الكامل]
يا راكبا يبغي الجناب الأشرفا ... ومناه أن يلقى الكريم المسعفا
عرّج بطيبة مرّة لترى بها ... علمي قبول رحمة وتعطّفا
وإذا حللت بها فقبّل تربها ... وارغب جلالهم عسى أن يسعفا
وأسل دموعك رغبة وتضرّعا ... وأطل بها عند التضرّع موقفا
واذكر ذنوبك واعترف بعظيمها ... فعسى الذي ترجو له أن يعطفا
واجعل شفيعك إن قصدت عناية ... قبرا تقدّس تربة وتشرّفا
قبر تضمّن نور هدي واضحا ... لم يحتجب عن مبصريه ولا اختفى
قبر حوى النّور المبين ونوره ... يهدي به سبل السّلام من اقتفى
قبر به للهاشميّ «٧» محمد ... أبهى الأنام سنا وأوفى من وفى
خير الورى علم التّقى شمس الهدى ... للمنتقى «٨» والمجتبى والمصطفى
سلّم عليه وخصّه بتحيّة ... واقرأ عليه من السلام مضاعفا
واذكر، هديت، أخا البطالة، عمره ... هيهات «٩» كم نقض العهود وأخلفا!
ولكم تيقّن بالدليل فما له ... ركب العناد لجاجة وتعسّفا؟
وعصى فأسلم للقطيعة والجوى ... حقّ على من خان أو لا يعرفا
هل للعفو تنفّح نحوه «١٠» ... يوما فيضحى بالرّضا متعرّفا؟
стр. 1310
وأعد حديث مشوق قلب عنده ... من لم يذب شوقا له ما أنصفا
أخبره عن حبّي وطول تشوّقي ... تفديك «١» نفسي مخبرا ومعرّفا
وتشكّ من جاء الإله «٢» فإنّ لي ... نفسا تسوّفني المتاب تسوّفا
مولده: بغرناطة في ذي حجة خمس وثلاثين وستمائة.
وفاته: ذكر أنه كان حيّا سنة خمس وثمانين وستمائة «٣» .
علي بن محمد بن توبة «٤»
يكنى أبا الحسن.
حاله: كان من العلماء الجلّة الفقهاء الفضلاء. ولّي قضاء غرناطة لباديس بن حبّوس، وعلى يديه كان عمل منبر جامعها، وكان عمله في شهر ربيع الأول سنة سبع وأربعين وأربعمائة. وكان من قضاة العدل، وإليه تنسب قنطرة القاضي بغرناطة والمسجد المتصل بها في قبلتها. وكان كاتبه الزاهد أبا إسحاق الإلبيري، وفيه يقول:
[الخفيف]
بعلي ابن «٥» توبة فاز قدحي ... وسمت همّتي على الجوزاء
فهنيّا لنا وللدين قاض ... مثله عالم بفضل القضاء
يحسم الأمر بالسياسة والعد ... ل كحسم الحسام للأماء
لو أنا سيّرناه قال اعترافا ... غلط الواصفون لي بالذكاء
لو رأى أحنف وأكبر منه ... حلمه ما انتموا إلى الحلماء
أو رأى المنصفون بحر نداه ... جعلوا حاتما من البحر لاء
هو أوفى من الشّمول وعهدا «٦» ... ولما زال مغرما بالوفاء
وحياء «٧» المزن وحيّا أخاه ... أهملت كفّه بوبل العطاء
стр. 1311
يشهد العالمون في كل فنّ ... أنّه «١» كالشهاب في العلماء
وقضاة الزمان أرض لديهم ... وهو من فوقهم كمثل السّماء
لتعرّضت مدحه فكأنّي ... رمت بحرا مساجلا بالدّلاء
فأنا معجم على أنّ خيلي ... لا تجارى في حلبة الشّعراء
لكساني محبّرا ثوب فخر ... طال حتى حرّرته من ورائي
ولو انصفته «٢» وذاك قليل ... كان خدّي لنعله كالحذاء
فأنا عبده وذاك فخاري ... وجمالي بين الورى وبهائي
وثنائي «٣» وقف عليه وشكري ... ودعائي له بطول البقاء
علي بن عمر بن محمد بن مشرف بن محمد بن أضحى ابن عبد اللطيف بن الغريب بن يزيد بن الشمر ابن عبد شمس بن الغريب الهمداني «٤»
والغريب بن يزيد هو أول مولود ولد للعرب اليمانيين بالأندلس، يكنى أبا الحسن.
ولي غرناطة، وكان من أهل العلم والفهم، والمشاركة في الطّب، والكفاية الجيدة، والشعر في ذروة همدان، وذوائبهما، حسن الخطّ، كريم النفس، جواد بما يمارى، عطاياه جزلة، ومواهبه سنيّة، وخلقه سهلة، كثير البشاشة، مليح الدّعابة، موطّأ الأكناف، على خلق الأشراف والسادة.
مشيخته: روى بألمرية عن القاضي أبي محمد بن سمحون وبه تفقّه، وقرأ الأدب على ابن بقنّة، وعلى الإمام الأستاذ أبي الحسن علي بن أحمد بن الباذش، وسمع الحديث على الحافظ أبي بكر بن غالب بن عبد الرحمن بن عطية وغيره.
стр. 1312
شعره: من شعره يخاطب الوزير ابن أبيّ «١» ويعتذر إليه، وكان الفقيه أبو جعفر المذكور قد خاطبه شافعا في بعض الأعيان، فتلقّى شفاعته بالقبول، ثم اعتقد أنه قد جاء مقصّرا، فكتب إليه «٢» : [الطويل]
ومستشفع عندي بخير الورى عندي ... وأولاهم بالشّكر منّي وبالحمد
وصلت فلمّا لم أقم بجزائه ... (لففت له رأسي حياء من المجد) «٣»
وكتب يخاطب أبا نصر بن عبد الله، وقد كان أبو نصر خاطبه قبل ذلك «٤» :
[الطويل]
أتتني أبا نصر نتيجة خاطر ... سريع كرجع الطّرف في الخطرات
فأعربت «٥» عن وجد كمين طويته ... بأهيف طاو فاتر اللّحظات
غزال أحمّ المقلتين عرفته ... بخيف «٦» منّى للحسن «٧» أو عرفات
رماك فأصمى «٨» والقلوب رميّة ... لكلّ كحيل الطّرف ذي فتكات
وظنّ بأنّ القلب منك محصّب ... فلبّاك من جنابه «٩» بالجمرات
تقرّب بالنّسّاك في كلّ منسك ... وضحّى غداة النّحر بالمهجات
وكانت له جيّان مثوى فأصبحت ... ضلوعك مثواه بكلّ فلاة «١٠»
يعزّ علينا أن تهيم فتنطوي ... كئيبا «١١» على الأشجان والزّفرات
فلو قبلت للناس في الحبّ فدية ... فديناك بالأموال والبشرات
стр. 1313
وخاطب أحد أوليائه شافعا في رجل طلّق امرأته، ثم علقت بها نفسه، فلم تسعفه، وكتب إليه «١» : [المتقارب]
ألا أيها السّيّد المجتبى ... ويا أيها الألمعيّ العلم
أتتني أبياتك المعجزات «٢» ... بما قد حوت من بديع الحكم
ولم أر من قبلها بابلا «٣» ... وقد نفثت سحرها في الكلم
ولكنه الدّين لا يشترى ... بنثر ولا بنظام نظم
وكيف أبيح حمى مانعا ... وكيف أحلّل ما قد حرم
ألست أخاف عقاب الإله ... ونارا مؤجّجة تضطرم؟
أأصرفها طالقة «٤» بتّة ... على أنوك «٥» قد طغى «٦» واجترم؟
ولو أنّ ذلك «٧» الغبيّ الخمول «٨» ... تثبّت في أمري «٩» ما ندم
ولكنه طاش مستعجلا ... فكان أحقّ الورى بالنّدم
ومن شعره أيضا قوله ﵀: [الخفيف]
يا عليما بمضمرات القلوب ... أنا عبد مثقّل بالذنوب
فاعف عني وتب عليّ وفرّج ... ما أنا فيه من أليم الكروب
حالما أشتكي سواك طبيب ... كيف أشجى به وأنت طبيبي «١٠» ؟
أنا ممن دعا قريب مجيب ... فأرح ما بمهجتي عن قريب
تواليفه: قال أبو القاسم بن خلف الغافقي: حدّثني عنه الفقيه أبو خالد بن يزيد بن محمد وغيره بتواليف، منها كتاب «قوت النفوس» ، «وأنس الجليس» وهو كتاب حسن، ضمن فيه كثيرا من شمائل النبيّ ﵊.
стр. 1314
وفاته: توفي بغرناطة في سنة أربعين وخمسمائة، وهو يحاصر الملثمين «١» بقصبة غرناطة حسبما ثبت في اسم ابن هود أحمد.
ومن الطارئين والغرباء
عثمان بن يحيى بن محمد بن منظور القيسي «٢»
من أهل مالقة، يكنى أبا عمرو»
، ويعرف بابن منظور، الأستاذ القاضي، من بيت بني منظور الإشبيليين، أحد بيوت الأندلس المعمور بالنباهة.
حاله: كان «٤» ، ﵀، صدرا في علماء بلده، أستاذا ممتعا، من أهل النظر والاجتهاد «٥» والتحقيق، ثاقب الذهن، أصيل البحث، مضطلعا بالمشكلات، مشاركا «٦» في فنون، من فقه وعربية، برز فيهما، إلى أصول وقراءات وطب ومنطق.
قرأ كثيرا، ثم تلاحق بالشادين «٧» ، ثم غبّر في وجوه السوابق. قرأ على الأستاذ أبي «٨» عبد الله بن الفخار، ولازم الأستاذ أبا محمد بن أبي «٩» السداد الباهلي، وتزوج ابنة «١٠» الفقيه أبي علي بن الحسن، فاستقرّت عنده كتب والدها، فاستعان بها على العلم والتبحّر في المسائل. وقيّد بخطّه الكثير، واجتهد، وصنّف، وأقرأ ببلده، متحرّفا «١١» بصناعة التوثيق، فعظم به الانتفاع. وقعد للتدريس خلفا للراوية أبي عثمان بن عيسى في شوال عام تسعة وسبعمائة. وولي القضاء ببلّش «١٢» وقمارش،
стр. 1315
وملتماس، ثم ببلده مالقة. وتوفي «١» قاضيا بها. لقيته وانتفعت بلقائه، وبلوت منه أحسن الناس خلقا، وأعذبهم فكاهة.
شعره: وكان قليلا ما يصدر عنه، كتب على ظهر الكتاب الذي ألّفه للوزير أبي بكر بن ذي الوزارتين أبي عبد الله بن الحكيم، مقتديا بغيره من الأعلام في زمانه «٢» :
[السريع]
قد جمع الحكم وفصل الخطاب ... ما ضمّه مجموع هذا الكتاب
من أدب غضّ ومن علية ... تسابقوا للخير في كلّ باب
فجاء فذّا في العلى والنّهى ... ومنتقى صفو لباب اللّباب
ألّفه الحبر الجليل الذي ... حاز العلا إرثا وكسبا فطاب
تواليفه: ألّف كتاب «اللّمع الجدلية في كيفية التحدث في علم العربية» . وله تقييد في الفرائض، حسن سمّاه، «بغية المباحث في معرفة مقدمات الموارث» ، وآخر في المسح على الأنماق الأندلسي.
وفاته: توفي يوم الثلاثاء الخامس والعشرين لذي حجة من عام خمسة وثلاثين وسبعمائة، ولم يخلف بعده مثله.
علي بن أحمد بن الحسن المذحجي
من أهل حصن ملتماس «٣» ، وابن وزيره الفقيه الحافظ القاضي، يكنى أبا الحسن، ويعرف بجدّه.
حاله: من أولي الأصالة والصّيانة والتعفّف، والعكوف على الخير، والآوين إلى طعمة متوارثة، ونباهة قديمة، صنّاع اليد، متقن لكل ما يحاوله من تسعير ونجارة، مبذول المودّة، مطعم للطعام بدار له معدّة للضّيفان من فضلاء من تطويه الطريق، ويغشاه من أبناء السبيل. ولي قضاء بلده في نحو عشرين سنة، فحمدت سيرته، ثم ولي قضاء مالقة فظهرت دربته ومعرفته بالأحكام، فأعفي وعاد إلى ما كان بسبيله من القضاء بموضعه والخطابة.
стр. 1316
مشيخته: قرأ على الشيخين الصالحين؛ أبي جعفر بن الزيات، وأبي عبد الله بن الكماد ببلده بلّش، وأخذ عنهما.
تواليفه: له أجوبة حسنة في الفقه، وصنّف على كتاب البراذعي تصنيفا حسنا بلغ فيه إلى آخر رزمة البيوع ثلاثة عشر سفرا، واستمرّت على ذلك حاله.
وفاته: توفي ببلده بلّش في ... «١» من عام ستة وأربعين وسبعمائة.
علي بن عبد الله بن الحسن الجذامي النّباهي المالقي «٢»
صاحبنا أبو الحسن.
أوليته: تنظر فيما تقدم من أهل بيته والمذكورين فيه من سلفه «٣» .
حاله: هذا الرجل، ولّي قضاء الحضرة، وخطابة جامع السلطان، وعرض له تقزّز فيما يقف عليه من منتخب وصفه، وعدم رضا بما يجتهد فيه من تحليته، فوكلنا التعريف بخصائصه، إلى ما اشتهر من حميدها، تحرّجا مما يجرّ عتبه، أو يثير عدم رضاه.
مشيخته: ذكر أنه أخذ عن الشيخ الخطيب أبي بكر الطّنجالي، قريب أبيه، والناظر عليه بعده بوصاته. وكان من أهل الدّراية والرواية، وعن الشيخ الفقيه أبي القاسم محمد بن أحمد الغساني، شهر بابن حفيد الأمين، وقرأ عليه الفقه والقرآن، وسمع عليه، وتلا على الشيخ الأستاذ المقرئ أبي محمد بن أيوب، وسمع عليه الكثير. وهو آخر من حدّث عن أبي بن أبي الأحوص، وعلى الشيخ المقرئ أبي القاسم بن يحيى بن محمد بن درهم، وأخذ عن قريبه القاضي، نسيج وحده أبي بكر عبد الله بن بكر الأشعري. ومن أشياخه صهره القاضي الأستاذ أبو عمرو بن منظور،
стр. 1317
والأستاذ الحافظ المتكلّم أبو عبد الله القطان، والصّوفي أبو الطاهر محمد بن صفوان، والقاضي الكاتب أبو القاسم محمد البناء. وصحب الشيخ أبا بكر بن الحكيم، ولازمه وروى عنه. ولقي الخطيب المقرئ أبا القاسم بن جزيّ، وأخذ نسبته عن الشيخ أبي القاسم بن عمران. وبرندة عن القاضي المحدّث المقيد أبي الحجاج يوسف المنتشافري. ورحل فلقي بتلمسان عمران أبا موسى المشدالي، وحضر مجلسه، والأخوين الإمامين أبا زيد وأبا موسى ابني الإمام. وبباجة «١» ، أبا العباس أحمد بن الرّباعي، وأبا عبد الله بن هارون. وبتونس أعلاما، كقاضي الجماعة أبي عبد الله بن عبد السلام. قال: ومن خطّه نقلت، وأجازني من أهل المشرق والمغرب، عالم كثير.
شعره: قال: نظمت مقطوعتين، موطّئا بهما على البيتين المشهورين.
الأولى منهما قولي «٢» : [الطويل]
بنفسي «٣» من غزلان غزوى «٤» غزالة «٥» ... جمال محيّاها عن النّسك زاجر
تصيد بلحظ الطرف من رام صيدها ... ولو أنه النّسر الذي هو طائر
معطّرة الأنفاس رائقة الحلى ... هواها بقلبي في المهامه «٦» سائر
«إذا رمت عنها سلوة قال شافع ... من الحبّ: ميعاد السّلوّ المقابر»
والأخرى قولي «٧» : [الطويل]
وقائلة لمّا رأت شيب لمّتي ... لئن ملت عن سلمى فعذرك ظاهر
زمان التّصابي قد مضى لسبيله ... وهل لك بعد الشّيب في الحبّ عاذر؟
فقلت لها: كلّا وإن تلف الفتى ... فما لهواها عند مثلي آخر
«ستبقى «٨» لها في مضمر القلب والحشا ... سريرة ودّ يوم تبلى السّرائر»
стр. 1318
وكتب مع شكل يحذو على النّعل الكريم، من شأنه أن يكتب ذلك لكل مزمع سفر «١» : [الطويل]
فديتك لا يهدى إليك أجلّ من ... حديث نبيّ الله خاتم رسله
ومن ذلك الباب المثال الذي أتى ... به الأثر المأثور في شأن نعله
ومن فضله مهما يكن عند حامل ... له نال ما يهواه ساعة حمله
ولا سيما إن كان ذا سفر به ... فقد ظفرت يمناه بالأمن كلّه
فدونك منه أيها العلم الرّضا ... مثالا كريما لا نظير لمثله
ومن ذلك قوله «٢» : [البسيط]
لا تلجأنّ لمخلوق من الناس ... من يافث كان أصلا أو من الياس «٣»
وثق بربّك لا تيأس ترى «٤» عجبا ... فلا أضرّ على عبد من الياس
ومن قوله يمدح السلطان ويصف الإعذار «٥» : [البسيط]
أبدى لنا من ضروب الحسن أفنانا ... هذا الزمان «٦» لمولانا ابن مولانا
يقول فيها لطف الله بنا وبه:
ولا «٧» تحرّك لسانا يا أخا ثقة ... بريم رامة إن وفّى وإن خانا
يظلّ ينشر ميت الوجد عن جدث ... من الجفون أو الأحشاء عريانا
ثم قال فيها بعد كثير يرجى عفو الله فيه:
فما النّسيب بأولى «٨» من حديث علا ... عن الإمام ينيل المرء رضوانا
يمّمه تحظ بما أملت من أمل» ... يجنيك للسّول أفنانا فأفنانا
ومنها في المدح:
ملك يخفّ لراجيه بنائله ... على وقار يرى كالعين ثملانا
стр. 1319
ملك ينصّ له الآلاء عزته ... على السعادة في الدارين فرقانا
العاطر الذّكر ترتاح النفوس له ... تخال فيه لها روحا وريحانا
السّاحر المنطق في شتّى العلوم ... إذا سألت منه لوجه الرّشد هانا
كسا الزمان ثياب الفضل حتى ... قضا عن منكبي صرفه ظلما وعدوانا
وعظّم الشرع حتى أنّ داعيه ... لا يستطيع له المدعوّ عصيانا
ومنها في ذكر الإعذار:
لله درّك يا مولاي من ملك ... شيّدت بالحق للإسلام بنيانا
ولم تبال ببذل المال في غرض ... يعمّ بالفضل ولدانا وبلدانا
وقمت في الولد الميمون طائره ... بسنّة الدين إكمالا وإتقانا
بدا لنا قمرا «١» ترنو العيون له ... مقلّدا من نطاق المجد شهبانا
وقام يسحب أذيال الجمال على ... بساط ملكك بالإعذار جذلانا
خجلان بالقصور عن بلوغ مدا ... من العلى بل الحسن منه قد بانا
فدته أنفسنا لو كان يقبلها ... منّا وكانت على الإبلال قربانا
فيا دما سال عن تقوى فعاد له ... بين الدّماء طهورا طيّبا زانا
ولا دليل على الغفلة المعبّر عنها بالسلامة والذهول كقوله: وقمت في الولد الميمون طائره. ومن ذلك قوله يخاطب صاحب العلامة بالمغرب أبا القاسم بن رضوان «٢» : [الطويل]
لك الله قلبي في هواك رهين ... وروحي عني إن رحلت ظعين
ملكت بحكم الفضل كلّي خالصا ... وملكك للحرّ الصّريح يزين
فهب لي من نطقي بمقدار ما به ... يترجم سرّ في الفؤاد دفين
فقد شملتنا من رضاك ملابس ... وسحّ لدينا «٣» من نداك معين
أعنت على الدهر الغشوم ولم تزل ... بدنياك في الأمر المهمّ تعين
وقصّر من لم تعلم النفس أنه ... خذول إذا خان الزمان يخون
стр. 1320
وإني بحمد الله عنه لفي غنى ... وحسبي صبر عن سواك يصون
أبى لي مجد عن كرام ورثته ... وقوفا بباب للكرام «١» يهين
ونفسي «٢» سمت فوق السّماكين همّة ... وما كلّ نفس بالهوان تدين
ولمّا رأت عيني محيّاك أقسمت ... بأنّك للفعل الجميل ضمين
وعاد لها الأنس الذي كان قد مضى ... بريّة إذ شرخ الشّباب خدين «٣»
بحيث نشأنا لابسين حلى التّقى ... وكلّ بكلّ عند ذاك ضنين
أما وسنى تلك الليالي وطيبها ... ووجد غرامي والحديث شجون «٤»
وفتيان صدق كالشّموس وكالحيا ... حديثهم ما شئت عنه يكون
لئن نزحت تلك الدّيار فوجدنا ... عليها له بين الضّلوع أنين
إذا مرّ حين زاده الشوق جدّة ... وليس يعاب «٥» للرّبوع حنين «٦»
لقد عبثت أيدي الزمان بجمعنا ... وحان افتراق لم نخله يحين
وبعد التقينا في محلّ تغرّب ... وكلّ الذي دون الفراق يهون
فقابلت بالفضل الذي أنت أهله ... وما لك في حسن الصنيع قرين
وغبت وما غابت مكارمك التي ... على شكرها الرّبّ العظيم يعين
يمينا لقد أوليتنا منك نعمة ... تلذّ بها عند العيان عيون
ويقصر عنها الوصف إذ هي كلّها ... لها وجه حرّ بالحياء مصون
ولمّا قدمت الآن زاد سرورنا ... ومقدمك الأسنى بذاك قمين «٧»
لأنك أنت الرّوح منّا وكلّنا ... جسوم، فعند البعد كيف تكون
ولو كان قدر الحبّ فيك لقاؤنا ... إليك لكنّا باللّزوم ندين
ولكن قصدنا راحة المجد دوننا «٨» ... فراحته شمل الجميع تصون
стр. 1321
هنيئا هنيئا أيها العلم الرّضا ... بما لك في طيّ القلوب كمين
لك الحسن والإحسان والعلم والتّقى ... فحبّك دنيا للمحبّ ودين
وكم لك في دار «١» الخلافة من يد ... أقرّت لها بالصّدق منك مرين
وقامت عليها للملوك أدلّة ... فأنت لديها ما حيّيت مكين
فلا وجه إلّا وهو بالبشر مقبل «٢» ... ولا نطق إلّا عن علاك مبين
بقيت لربع الفضل تحمي ذماره «٣» ... صحيحا كما قد صحّ منك يقين
ودونك يا قطب المعالي بنيّة ... من الفكر عن حال المحبّ تبين
أتتك ابن رضوان تمتّ بودّها ... وما لسوى الإغضاء منك ركون
فخلّ انتقاد البحث عن هفواتها ... ومهّد لها بالسّمح حيث تكون
وخذها على علّاتها فحديثها ... حديث غريب قد عراه سكون
ومن شعره قوله في ليلة الميلاد الكريم من قصيدة «٤» : [الطويل]
خليليّ، مرّا على أرض «٥» مأرب ... ولا تعذلاني إنني غير آئب
وهي طويلة أثبتت في الرّحلة، فلينظرها هنالك من أراد استيفاء غرضها.
نثره: من أمثل ما صدر عنه في غرض غريب، وهو وصف نخلة بإزاء باب الحمراء. ونثره كثير، ولكنا اخترنا له ما اختار لنفسه، وأشاد بشفوفه على أبناء جنسه:
يا أيها الأخلّاء الذين لهم الصّنائع، التي تحسدها الغمائم، والبدائع التي تودّها بدلا من أزهارها الكمائم، بقيتم وشملكم جميع، وروض أملكم مريع، والكل منكم للغريب الحسن من حديث المحبّ سميع: [الوافر]
بأرض النخل قلبي مستهام ... فكيف يطيب لي عنها المقام؟
لذاك إذا رأيت لها شبها ... أقول وما يصاحبني ملام
ألا يا نخلة من ذات عرق ... عليك ورحمة الله السلام
فسلّمت يوما تسليم المبرّة، على مدنها الحرّة البرّة، جارة حائط الدار، الواقفة للخدمة كالمنار، على سدّة الجدار، بياض النهار، وسواد الليل المتلفّعة بشعار
стр. 1322
الوقار، المكفولة الذّيل، أنيسة مشيخة الجماعة، القاطنة من الحمراء العليّة، بباب ابن سماعة، فحين عطفت عليها، وصرفت زمام راحلتي إليها، ووقفت بإزاء فنائها، ولكنها وقوف المشفق من فنائي وفنائها، وقلت لها: كيف حالك أيتها الجارة، السّاكنة بنجدة الحجارة، الواعظة للقريب والبعيد، بمقامها صامتة على الصّعيد:
[الطويل]
سقاك من الغرّ الغوادي مطيرها ... ولا زلت في خضراء غضّ نظيرها
فما أحقّك من باسقة بالتّرحيب، وأقربك من رحمات السّميع المجيب، خلتها اهتزّت عند النّداء اهتزاز السّرور، وتمايلت أكمامها تمايل الثّمل المسرور، ثم قالت لسائلها، بلسان وسائلها، عند مشاهدة مثلي تقول العرب: عينها فرارها، وابن جدّها للناظرين اصفرارها، وجملة بخيّتي، بعد إتمام تحيّتي، أنّ الدهر عجم قناتي، ومسّ الكبر كدّر سناتي، وما عسى أن أبثّ من ثكناتي، وجلّ علاتي من تركيب ذاتي.
ولكنّي أجد مع ذلك أنّ وقاري، حسّن لدى الحيّ احتقاري، وكثرة قناعتي، أثمرت إضاعتي، وكمال قدّي، أوجب قدّي، فما أنس م الأشياء، لا أنس عدوان جعسوس «١» ، من لعبوش اليهود أو المجوس، يفحص بمديته عن وريدي، ويحرص على مدّ جريدي، ويجدع كل عام بخنجره أنفي، وكلّما رمت كفّ إذايته عني، كشم كفّ، فلو رأيتم صعصعة أفناني، وسمعتم عند جدم بناني، قعقعة جناني، والدمع لمّا جفاني، يفيض من أجفاني، والجعسوس الخبيث المنحوس قد شدّ ما حدّ بأمراسه، ورفعه لبيعة كفره على راسه، بعد الأمر بوضعه على أسنمة القبور، حسبما ثبت في الحديث المشهور، لحملتكم يا بني سام وحام، على الغيرة وشائج الأرحام، فقد علمتم بنصّ الأثر أني عمّتكم القديمة، وإن لم أكن لذلك بأهل فإني لكم اليوم خديمة، أو من ذرّيّة الفريق الموجب المضروب به المثل يوم السّقيفة، لمن رام من أشراف الأندلس أن يكون إذ ذاك خليفة. وخالة أبي كانت النخلة البرشاء الكبيرة، التي حادثها الأمير عبد الرحمن بالرّصافة «٢» القريبة من كورة إلبيرة. فكيف
стр. 1323
يسهل اليوم عليكم إهمالي، ويجمل لديكم إخمالي، وترك احتمالي، والأيام والحمد لله مساعدة، والملك ملك بني ساعدة؟ فلمّا سمعت عتابها، وعلمت أنها قد شدّت للمناضلة أقتابها، قلت لها: أهلا بك وسهلا، ومهلا عليك أو بهلا، لقد دسع بعيرك، وعادت بالخيبة عيرك. فليست الحقيقة كالمجاز، ولا جلّيقية في النّيّات كالحجاز. هنا جنّات من أعناب مرسلة الذّيول، مكملة الأطناب، قد طاب استيارها، وحمد اختبارها واختيارها، وعذبت عيون أنهارها، وتفتّحت كمائم أزهارها، عن وردها ونرجسها وبهارها، وسرت بطرف محاسنها الرّفاق، حتى قلقت منها الشّام واليمن والعراق. فحين كثر خيرها، سحر بالضّرورة غيرها، وأنت لا كنت يا خشبة، قد صرت من المنال عشبة، وأصبحت نذلي خالفة، ورذلي بالهم تالفة، لا يجتنى بلحك ولا طلعك، ولا يرتجى نفعك، فالأولى قطعك أو قلعك، وإلّا فأين قنوك أو صنوك، أو تمرك أو سبرك؟ هلا أبقيت يا فسيلة على نفسك، وراعيته صلحة جنسك؟ ولقد انتهت بك المحارجة إلى ارتكاب ما لا يجوز، وفي علمك أنّ من أمثال الحكماء كل هالك عجوز. حسبك السّمح لك بالمقام، ما دمت حيّة في هذا المقام. فانقطع كلامها، وارتفع بحكم العجز ملامها. وما كان إلّا أن نقل مقالي، فقال المتكلم بلسان القالي: أنا أتطوّع بالجواب، وعلى الله جزيل الثّواب، ليعلم كلّ سائل، أنّ تفضيل النخل على العنب من المسائل التي لا يسع فيها جحد جاحد، وإن كانا أخوين سقيا بماء واحد. وقد جرى مثل هذا الخطاب بين يدي عمر بن الخطاب، فقيل: يا بني حتمة: أيهما أطيب، الرّطب أم العنب؟ فقال: ليس كالصقر، في رؤوس الرّقل، الراسخات في العقل، المطعمات في المحل، تحفة الصّائم، ونقلة الصّبي القادم، ونزل مريم بنت عمران، والنخلة هي التي مثّل بها المؤمن من الإنسان، ليس كالزّبيب الذي إن أكلته ضرست، وإن تركته غربت، وكفى بهذه الرواية حجّة، لمن أراد سلوك المحجّة. وعلى كل تقدير، فقد لزم التفضيل للنخلة على الكرمة لزوم الصّلة للموصول، والنّصب للمنادى الممطول، والعجز لكتابي المحصّل والمحصول. وكم على ترجيح ذلك من قياس صحيح، ونقل ثابت صريح. قال:
واعتذاركم بالمهرمة، عن فعل المكرمة، لأمة في تلك الطّباع كامنة، وسامة للتّلف لا للخلف ضامنة. وذكرتم الثّمرة والبسرة، والوقت ليس بوقت عسرة، فأذكرتم قول القائل، في بعض المسائل: دعنا من تمرتان وبسرتان أو تمرتين وبسرتين، على الوجهين، المتوجّهين في المسلتين، وفي ضمن ذكركم لذلك أدلّة صدق على
стр. 1324
تطلّع النفس الفقيرة، للأعراض التافهة الحقيرة، والإمامة العظمى، أجلّ عندنا وأسمى، من أن تلحظ بعينها تلك الملاحظ، ولواصل لديها مراتبها وأفكارها ببيانه وتبيانه عمرو بن بحر الجاحظ، إذ هي كافأ الله فضلها ولا قلّص ظلّها كالسّحاب، نجود بغيثها على الآكام والضّراب، ومنابت الشجر من التّراب، فضلا عن الخدمة والأتراب، فليس يضيع مع جميل نظرها ذو نسب، ولا يجهل في أيامها السّعيدة مقدار منتسب إلى حسب. وإن وقعت هفوة صغيرة، أعقبتها حسنة كبيرة، ومنن أثيرة، ونعم كثيرة. ولم لا، وروح أمرها، ومذهب نصرة جمرها، علم السادة للقادة الأكابر، المغرم بجبر كل كسير، وناهيك من به جابر الرازي، ذكر مآثره بعرف أطيب الطّيب، الوزير أبو عبد الله بن الخطيب. والمطلوب منه لهذه الشجرة الثّرما، الغريبة الشّما، التي أصلها ثابت وفرعها في السما، إنما هو يسير بنا، وظهير اعتنا، وخنجر يرما، لعل عباسة أديم دوها أن تذهب، وأكمام كباسة قنوها أن تفضّض بنعيم النضارة ثم تذهّب، ويعود إليها شرخ شبابها، وتستحكم صفرة ثيابها، وخضرة جلبابها، وذلك كله بمنّ اللطيف الخبير، من أسهل العمل على مجد الأمير، وفضل الوزير، إذ هما، دام عزّهما، على بيّنة من أن الإحسان ألقاح، والشكر نتاجه، والثناء إكليل، وهو في الحقيقة تاجه. قال المسلم: ومن يا إخوتي، لعلّي بمعارضة الحافظ أبي علي، ولو أني اشتملت شملة النّضر بن شميل، وأصبحت أفصح من عامر بن الطّفيل، وأخطب من شبيب، وأشعر من حبيب، وجزت من طرق الجدال، منازل نقدة صدور الأبدال. وعلى أنه ما قال إلّا حقّا، فبعدا للمرء وسحقا. ولكني أقسم عليكم بمقدّر الضّيا والحلك، ومسخّر نجوم الفلك، بإصابة الأعراب، وأصحاب الإغراب، وأرباب فنون الإعراب، ألا ما تأمّلتم فصول هذه المقالة، وأفتيتم بما يترجّح فيها لديكم من نسخ أو فسخ أو إجادة أو إقالة، فأنتم علماء الكلام، وزعماء كتائب الأقلام، والمراجعات بين شقاشق الرجال شنشنة معروفة، وطريقة إليها الوجوه في كثير من المخاطبات مصروفة، لا زلتم مذكورين في أهل البيان، مشكورين على بذل الفضل مدى الأحيان. والله سبحانه يجعل التّوفيق حاديكم، ونور العلم هاديكم، ومنه نسل، جلّ اسمه، التطهير من كل معابة، والسّمح فيما تخلّل هذه المقامة من دعابة، والتحية الكريمة مع السلام الطيب المعاد، يعتمد من يقف عليها من الآن إلى يوم المعاد، والرّحمات والمسرات، والبركات والخيرات، من كاتبها علي بن عبد الله بن الحسن، أرشده الله.
стр. 1325
المقرئون والعلماء
علي بن أحمد بن خلف بن محمد بن الباذش الأنصاري «١»
من أهل غرناطة، يكنى أبا الحسن، الشيخ الأستاذ، إمام الفريضة بجامع غرناطة.
حاله: من الملّاحي: أوحد زمانه إتقانا ومعرفة ومشاركة في العلوم وانفرادا بعلم العربية. وكان حسن الخطّ، كثير الكتب، ترك منها بخطه كثيرا جدا، مشاركا في الحديث، عالما بأسماء رجاله ونقلته، مع الدّين، والفضل، والزهد، والانقباض عن أهل الدنيا، وترك الملابسة لهم.
مشيخته: قرأ على المقرئ بغرناطة أبي القاسم نعم الخلف بن محمد بن يحيى الأنصاري، وأبي علي الصّدفي، وغيرهم ممن يطول ذكرهم. وحدث عنه القاضي أبو الفضل عياض بن موسى، والقاضي أبو محمد بن عطية، والقاضي أبو عبد الله بن عبد الرحيم، والقاضي أبو بكر جابر بن يحيى التّغلبي، والقاضي أبو خالد عبد الله بن أبي زمنين، والقاضي أبو الحسن بن أضحى.
تواليفه: ألّف في النحو كتبا كثيرة، منها على كتاب سيبويه، وعلى كتاب المقتضب، وعلى الأصول لابن السّراج، وشرح كتاب الإيضاح، وكلامه على كتاب الجمل لأبي القاسم، وكلامه على الكافي لابن النحاس، مع التنبيه على وهمه في نحو مائة موضع، إلى غير ذلك.
شعره: قال أبو القاسم: وله نظم ليس بالكثير. فمن ذلك: [الكامل]
أصبحت تقعد بالهوى وتقوم ... وبه تقرّظ معشرا وتديم
تعنيك نفسك فاشتغل بصلاحها ... إنني بغير السّقام سقيم «٢»
وفاته: توفي بغرناطة سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، وصلّى عليه إثر صلاة العصر ابنه الأستاذ أبو جعفر، ودفن بمقبرة باب إلبيرة، وازدحم الناس على نعشه، وكانت جنازته حافلة، وتفجّع الناس على قبره. وقبره مشهور، يتبرّك به الناس.
стр. 1326
علي بن محمد بن دري
المقرئ الفقيه، الخطيب أبو الحسن، الإمام بجامع غرناطة، أصله من طليطلة.
حاله: كان من خيار الناس وفضلائهم، وأهل المعرفة منهم، عارفا بإقراء كتاب الله، ، والرواية للحديث. أخذ الناس عنه، وكانت عنده مشاركة ومسارعة لقضاء الحوائج، والمشي للإصلاح بين الناس، والإشفاق على المساكين، كثير الصدقة، والسّعي في فداء الأسرى، والوسائط الجميلة في مهمّات الأمور ومشكلاتها.
دخل رجل تاجر غريب الميضأة للوضوء، فنسي بها وعاء فيه جملة مال، فتذكّر له، فرجع ولم يجده، فسقط مغشيا عليه، فاجتمع عليه الناس، وهو يقول: مالي، ووافق خروج الأستاذ أبي الحسن المذكور من الجامع، فسأل عنه، فجالس أذنه، فقال:
مالك عندي وديعة تركته أنت عندي، وإذا كان بعد صلاة العصر تأخذه. فقام الرجل، فكأنما نشط من عقال، ومشى الخطيب في حينه إلى مشرف غرناطة ابن مالك، فقال له: إني اشتريت لك قصرا في الجنة، بخمسمائة دنير، وأنا الضّامن لذلك، فشكره، وأخبره الخطيب بالقصة، فدفع إليه المال، فدفعه إلى الرجل. وكان الناس لا يتوقّفون له في أمر.
مشيخته: روى بطليطلة عن أبي عبد الله المقامي، وعن أبي مسلم الضرير المقرئ، والقاضي أبي الوليد الوقّشي، وأخذ عن أبوي علي الصّدفي والغساني، وعن أبي مروان بن سراج، وابنه سراج.
وفاته: توفي بغرناطة في رمضان سنة عشرين وخمسمائة، وصلّى عليه القاضي أبو القاسم بن ورد، ودفن في مقبرة باب إلبيرة، وكانت جنازته حافلة، وتفجّع الناس عليه، وأخلصوا الدعاء له.
وممن رثاه أبو عبد الله بن أبي الخصال بقوله: [الطويل]
عتاب وما يغني العتاب على الزمن ... وشكوى كما تشكو الرّياح إلى السفن
وما رضيت بعد الغضارة أيكة ... نبحت ولكن عالم الكون ممتحن
وماذا عليه والسّلامة حظّه ... بأن تتخطاه النّوائب والمحن
فليت كريما ينعش الناس «١» خيره ... يعمّر فيها عمره «٢» الآن أو حضن
стр. 1327
ولكنه يمضي كظلّ غمامة ... ويبقى لسمّ سرّه غير مؤتمن
يودّ الفتى طول البقاء وطوله ... يورّثه ثكل الأحبّة والبدن
وأيّ اغتباط في حياة مرزّءا ... يروح على بثّ ويغدو على شجن
زيادته نغص «١» وجدّته بلى ... وراحته كرب وهدنته دخن
إذا فوّق السّهم المصيب فقلبه ... ومن صار فيه من أحبّته فنن
فيا عجبا للمرء يلتذّ عيشه ... معايش «٢» قد لزّت مع الموت في قرن
أرى كلّ حيّ للمنيّة حاملا ... فيا ويحه ممّا تحمّل واحتضن
إذا زادت الأيام فينا إساءة ... نزيد على علم بما ساء حسن ظنّ
ولم أر مثل الموت حقّا كباطل ... وكلّ قباء «٣» ليس بالموت مرتهن
أإخواننا، لم تبق إلّا تحيّة ... أرقّي «٤» بها تلك المعاهد والدّمن
أإخواننا، هل تسمعون تحيّتي ... وذو كلم ما تحجب السّرّ والعلن؟
أبا الحسن، خلّد في الجنان منعّما ... جزاء بما أسلفت من سعيك الحسن
يطير فؤادي روعة فإذا رأى ... محيّاك في دار الغنا والرّضا سكن
وقد كنت ترتاد المواطن إذ نبت ... فبوّأك الرحمن فردوسه وطن
وبتّ معنّى بالجلاء فنلته ... وقد كان حاديه يغرّد بالظّعن
ولم ترض إلّا الأرض هجرتك التي ... تخيّرها الأولياء على القنن
وفي مثلها أنّ الرسول مهاجر «٥» ... لسعد وقد واراه أكرم مدفن
على أنك المدعوّ من كل بلدة ... هلمّ فإنّا دونك الحجب الجنن «٦»
سيرضيك من أرضيته في عباده ... وجاهدت فيه بالفروض وبالسّنن
ويبقى كما بقيت بعدك أنه ... لهم فلما استهوتهم روعة سكن
ويحفظهم حفظ اليتيمين أيّدا ... بوقع جدار قد تداعى وقد وهن
أبا الحسن، إنّ المدى، بعد ما بدا، ... طويل، ولا يعتدّ في جنب ما بطن
وأسير وجد في فراقك أنه ... سيبقى عليك الوجد ما بقي الزمن
стр. 1328
سقى الله والسّقيا بكفّيه تربة ... مباركة ضمّتك أسرع ما هتن
ولا برحتها ديمة مستهلة ... إذا ركضتها الرّيح قام بها جرن
فلا زلت في روض وروح ورحمة ... ومقبرة تترى على ذلك الجنن
علي بن عمر بن إبراهيم ابن عبد الله الكناني القيجاطي «١»
يكنى أبا الحسن، أصله من بسطة، واستوطن غرناطة، حتى عدّ من أهلها قراءة وإقراء ولزوما.
حاله: من «العائد» «٢» : أوحد زمانه علما وتخلّقا وتواضعا وتفنّنا. ورد على غرناطة مستدعى عام اثني عشر وسبعمائة، وقعد بمسجدها الأعظم يقرئ فنونا من العلم، من قراءات وفقه وعربية وأدب. وولّي الخطابة، وناب عن بعض القضاة بالحضرة، مشكور المأخذ، حسن السّيرة، عظيم النفع. وقصده الناس، وأخذ عنه البعيد والقريب «٣» . وكان أديبا لو ذعيّا، فكها، حلوا، وهو أول أستاذ قرأت عليه القرآن والعربية والأدب، إثر قراءة المكتب.
مشيخته: قرأ على أبيه ببلده بسطة القرآن، بالرّوايات السبع، وجمعها في ختمة، وعلى الأستاذ أبي عبد الله بن مساعد الغسّاني. وقرأ بغرناطة القرآن على الأستاذ أبي عبد الله بن مستقور، والأستاذ أبي جعفر الطبّاع، والأستاذ الشهير أبي الحسن بن الضايع، والأستاذ النحوي أبي الحسن الأبّدي، وعلى القاضي أبي عمرو بن الرّندي، والفقيه القاضي أبي علي بن الأحوص، وعلى الفقيه النّسابة أبي جعفر بن مسعدة، والأستاذ العلامة أبي جعفر بن الزبير. ولقي الشيخ الصالح وليّ الله أبا إسحاق بن عبيدس، وحضر مجالسه العامة. وذكر أنه كان يفتتح مجلسه الذي يتكلم فيه بقوله: لا حول ولا قوة إلّا بالله، كنز من كنوز الجنة، رزقنا الله الأدب مع الله، واستعملنا فيما يرضيه، ويرضي رسوله، وجعل حظّنا في الدار الآخرة. ولقي الإمام بجامع بسطة الخطيب الراوية أبا الحسن بن نافع، وغيرهم، وله تواليف في
стр. 1329
فنون، وشعر، ونثر. فمن شعره قوله «١» : [الكامل]
روض المشيب تفتّحت أزهاره ... حتى استبان ثغامه «٢» وبهاره
ودجى الشباب قد استبان صباحه ... وظلامه قد لاح فيه نهاره
فأتى حمام لا يعاف وقوعه ... ومضى غراب «٣» لا يخاف مطاره
والعمر مثل البدر يرمق «٤» حسنه ... حينا ويعقب بعد ذاك سراره
ما للإخاء تقلّصت أفياؤه ... ما للصّفاء تكدّرت آثاره
والحرّ يصفح إن أخلّ خليله ... والبرّ يسمح إن تجرّأ جاره «٥»
فتراه يدفع إن تمكن جاهه ... وتراه يرفع «٦» إن علا مقداره
ولأنت تعلم أنني زمن الصّبا ... ما زلت زندا والحياء سواره
والهجر ما بين الأحبّة لم يزل ... ترك الكلام أو السّلام مثاره
ولكم تجافى عن جفاء «٧» خليله ... فطن وقد ظفرت به أظفاره
ولكم أصرّ على التّدابر مدبر ... أفضى إلى ندم به إصراره
فأقام كالكسعيّ بان نهاره ... أو كالفرزدق فارقته نواره «٨»
أنكرتم من حقّ معترف لكم ... بالحقّ ما لا ينبغي إنكاره
والشّرع قد منع التقاطع نصّه ... قطعا وقد وردت به «٩» أخباره
والسّنّ سنّ تورّع وتبرّع ... وتسرّع لتشرّع «١٠» تختاره
стр. 1330
ما يومنا من أمسنا قدك «١» اتّئد ... ذهب الشّباب فكيف يبقى عاره؟
هلّا حظرتم أو حذرتم منه ما ... حقّ «٢» عليكم حظره وحذاره
عجبا لمن يجري هواه لغاية ... محدودة إضماره مضماره
يأتي ضحى ما كان يأتيه دجى ... فكأنّه ما شاب منه عذاره
فيعدّ ما تفنى «٣» به حسناته ... ويعيد ما تبقى به أوزاره
فالنفس قد أجرته ملء عنانه «٤» ... يشتدّ في مضمارها «٥» إحضاره «٦»
والمرء من إخوانه في جنّة «٧» ... بل جنّة تجري بها أنهاره
فاليمن «٨» قد مدّت إليه يمينه ... واليسر قد شدّت عليه يساره
شعر به أشعرت بالنصح الذي ... يهديه «٩» من أشعاره إشعاره
ولو اختبرتم نقده بمحكّه «١٠» ... لامتاز بهرجه ولاح «١١» نضاره
هذا هدى فيه «١٢» اقتده تنل المنى «١٣» ... أو أنت في هذا وما تختاره
وعليكم مني سلام مثل ما ... أرجت بروض يانع أزهاره
ومن شعره في الرّثاء قوله من قصيدة «١٤» : [الطويل]
حمام حمام فوق أيك الأسى تشدو ... تهيج من الأشجان ما أوجد الوجد
وذلك شجو في حناجرنا شجى ... وذلك لهو «١٥» في ضمائرنا جدّ
أرى أرجل الأرزاء تشتدّ نحونا ... وأيديها تسعى إلينا فتمتدّ
ونحن أولو سهو عن الأمر ما لنا ... سوى أمل إيجابنا عنده جحد
стр. 1331
فإن خطرت للمرء ذكرى بخاطر ... فتسبيحة «١» السّاهي إذا سمع الرّعد
مصاب به قدّت قلوب وأنفس ... لدينا إذا في غيره قطعت برد
تلين له الصّمّ الصّلاب وتنهمي ... عيون ويبكي عنده الحجر الصّلد
فلا مقلة ترنو ولا أذن تعي ... ولا راحة تعطو ولا قدم تعدو
وقد كان يبدو الصّبر منّا تجلّدا ... وهذا مصاب صبرنا فيه لا «٢» يبدو
مولده: عام خمسين وستمائة.
وفاته: توفي بغرناطة ضحى يوم السبت التاسع «٣» والعشرين من شهر ذي حجة من عام ثلاثين وسبعمائة، ودفن في عصر اليوم بعد بجبانة باب إلبيرة. وكان الحفل في جنازته عظيما، حضرها السلطان، واحتمل الطلبة نعشه.
ومن الطارئين
عمر بن عبد المجيد بن عمر الأزدي «٤»
المعروف بالرّندي، من أهل رندة، يكنى أبا علي «٥» .
حاله: كان من جملة المقرئين، وجهابذة الأستاذين، مشاركا في فنون، نقّادا، فاضلا.
مشيخته: روى «٦» عن أبي زيد السّهيلي»
، وعنه أخذ العربية والأدب، وبه تفقّه، وإياه اعتمد. وعن أبي محمد القاسم بن دحمان، وأبي عبد الله بن أبان، وتلا على هؤلاء القراءات بقراءات السّبعة. وعن أبي إسحاق بن قرقول، وأبي عبد الله بن الفخار، وأبي الحسن صالح بن عبد الملك الأوسي، وأبي محمد عبد الحق بن بونه، وأبي عبد الله الحميري الإستجّي، وأبي العباس بن اليتيم، وأبي عبد الله بن مدرك، وأبي القاسم بن حبيش، وأبي عبد الله بن حميد. أخذ عن هؤلاء بمالقة، من أهلها، ومن الواردين عليها. ورحل إلى غرناطة، فأخذ بها عن يزيد بن رفاعة، وابن كوثر،
стр. 1332
وابن عروس «١» ، وأبي محمد عبد المنعم بن عبد الرحيم بن الفرس، وأبي جعفر بن حكم. وإلى قرطبة، فأخذ بها عن ابن بشكوال، وأبي القاسم المشراط. وإلى إشبيلية، فأخذ بها عن أبي بكر بن الجدّ، وأبي عبد الله بن رزق، وابن خير، وابن صاف. وأخذ بسبتة عن ابن عبيد الله. وبالجزيرة الخضراء عن القاضي أبي جعفر بن عزرة «٢» . هؤلاء جملة من أخذ عنهم باللقاء والمشافهة. وأجازه جماعة من أهل المشرق كبيرة، ذكرهم في برنامجه، كالخشوعي، والأرحي، والحرشاني «٣» ، وحدّث عن السلفي الحافظ بإجازته العامة.
تواليفه: شرح جمل أبي القاسم الزّجاجي، وردّ على ابن خروف، منتصرا بشيخه أبي زيد السهيلي في مسألة نحوية ردّ فيها ابن خروف على السّهيلي، وقيّد فيما جرى بينه وبين الأستاذ أبي محمد القرطبي، جزءا سماه ب «الحقبي، في أغاليط القرطبي» ، لم يخل فيه عن حمل وتعسّف. وألّف برنامجا جامعا. روى عنه أبو عبد الله بن عسكر القاضي، والشيخ أبو عبد الله بن عبيد الأوسي، وأبو عبد الله الطّنجالي، والخطيب ابن أبي ريحانة.
مولده: سنة سبع وأربعين وخمسمائة.
وفاته: توفي سحر يوم الجمعة الموفي عشرين لشهر ربيع الثاني سنة عشر وستمائة «٤» .
عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد الأموي «٥»
المقرئ، الحافظ المعروف بابن الصّيرفي، قرطبي الأصل، يكنى أبا عمرو، ويشتهر بالدّاني؛ لاستيطانه دانية. ودخل إلبيرة، وقرأ على أبي عبد الله بن أبي زمنين، فوجب ذكره لذلك.
стр. 1333
حاله: كان أحد الأئمة الأعلام في علم القرآن، وآياته، وتفسيره، ومعانيه وإعرابه، وجمع في ذلك كله التواليف العجيبة التي يكثر تعدادها، ويطول إيرادها، وله معرفة بالحديث وطرقه، وأسماء رجاله ونقلته. وكان حسن الخطّ، جيد الضبط، آية في الحفظ والعلم، والذكاء والفهم، ديّنا عارفا، ورعا سنيّا. قال المغامي «١» :
وكان أبو عمرو مجاب الدعوة. وذكره الحميدي فقال «٢» : محدّث مكثر، مقرئ متقدّم.
مشيخته: روى «٣» عن أبي المطرف عبد الرحمن بن عثمان القشيري بقرطبة، وعن أبي بكر حاتم بن عبد الله البزاز «٤» ، وأبي عبد الله محمد بن خليفة، وأحمد بن فتح بن الرّهان «٥» ، وأبي بكر بن خليل، ويونس بن عبد الله القاضي، وخلف بن يحيى، وغيرهم. وبإلبيرة عن محمد بن أبي زمنين كثيرا من رواياته وتواليفه.
وسمع بأستجّة وبجّانة وسرقسطة «٦» من بلاد الثغر. ورحل إلى المشرق «٧» ، فلقي «٨» أبا الحسن بن أحمد بن مراس العنقي. وسمع بمصر من أبي محمد بن النحاس، وأبي القاسم بن ميسّر، وخلف بن إبراهيم بن خاقان، وفارس بن أحمد، وطاهر بن عبد المنعم، وبالقيروان من أبي الحسن القابسي «٩» . وقدم الأندلس فاستوطن دانية.
شعره: قال أبو القاسم بن بشكوال: ومما يذكر من شعره قوله «١٠» :
[البسيط]
قد قلت إذ ذكروا حال الزمان وما ... يجري «١١» على كل من يعزى إلى الأدب
стр. 1334
لا شيء أبلغ من ذلّ يجرّعه «١» ... أهل الخساسة أهل الدّين والحسب
القائمين «٢» بما جاء الرسول به ... والمبغضين لأهل الزّيغ والرّيب
مولده: قال أبو عمرو «٣» : سمعت والدي يقول: إني ولدت سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة، وابتدأت طلب العلم بعد خمس وثمانين.
وفاته: من خط أبي الحسن المقرئ «٤» : يوم الاثنين منتصف شوال سنة أربع وأربعين وأربعمائة بدانية، ودفن عصر اليوم المذكور ببقيعها. ومشى السلطان «٥» راجلا أمام نعشه.
علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح ابن خلف بن معدان بن سفيان بن يزيد «٦»
الإمام أبو محمد بن حزم.
أوليته: أصله من الفرس، وجدّه الأقصى في الإسلام اسمه يزيد، مولى ليزيد بن أبي سفيان. قال أبو مروان بن حيان: وقد كان من عجائبه، انتماؤه في فارس وأتباع أهل بيته، له في ذلك بعد حقبة من الدهر تولّى فيها الوزير، المفضّل في زمانه، الراجح في ميزانه، أحمد بن سعيد بن حزم، لبني أمية أولياء نعمته، لا عن صحة ولاية لهم عليه، فقد عهده الناس مولّد الأرومة من عجم لبلة، جدّه الأدنى حديث عهد بالإسلام، لم يتقدّم لسلفه نباهة. فأبوه أحمد، على الحقيقة، هو الذي بنى بيت نفسه في آخر الدهر برأس رايته، وعمره بالخلال الفاضلة، من الرّجاحة والدّهاء والمعرفة والرجولة والرأي، فأسدى جرثومة شرف لمن نماهم، أغنتهم عن الرسوخ في أولى السابقة، فما من شرف إلّا مسبوق عن خارجته، ولم
стр. 1335
يكن إلّا كلّا ولا، حتى تخطّى على هذا أوليته لبلة، فارتقى قلعة إصطخر من أرض فارس. فالله أعلم كيف ترقّاها، إذ لم يكن يؤتى من خطل ولا جهالة، بل وصله بها وسع علم، ووشجة رحم معقومة، فلها يستأخر الصلة، فتناهت حاله مع فقهاء عصره إلى ما وصف، وحسابه وحسابهم على الله الذي لا يظلم الناس مثقال ذرّة، عزّت قدرته.
حاله: قال الحميدي «١» : كان حافظا، عالما بعلوم الحديث وفقهه، مستنبطا للأحكام من الكتاب والسنّة، متفنّنا في علوم جمّة، عاملا بعلمه، زاهدا في الدنيا بعد الرّئاسة التي كانت له ولأبيه من قبله، في الإدارة «٢» وتدبير الممالك، متواضعا، ذا فضائل جمّة. قال: وما «٣» رأينا مثله فيما اجتمع له، مع الذكاء وسرعة الحفظ، وكرم النفس والتّديّن. قال أبو مروان بن حيان: كان أبو محمد حامل فنون، من حديث وفقه ونسب، مع المشاركة في كثير من أنواع التعاليم القديمة. وله في ذلك عدة تواليف.
وقد مال أولا به النّظر في الفقه إلى رأي أبي عبد الله الشافعي، وناضل عن مذاهبه، وانحرف عن مذهب غيره، حتى وسم به، واستهدف بذلك إلى كثير من الفقهاء، وعيب بالشّذوذ. ثم عدل في الآخر إلى قول أصحاب الظّاهر، مذهب داود بن علي، ومن تبعه من فقهاء الأمصار، فنقحه ونهجه، وجادل عنه، ووضع الكتب في بسطه، وثبت عليه إلى أن مضى بسبيله. وكان يحمل علمه، ويجادل عنه لمن خالفه فيه، على استرسال في طباعه، واستناد إلى العهد الذي أخذه الله على العلماء من عباده، ليبيّنه للناس، ولا يكتمونه، فآل أمره إلى ما عرف.
مشيخته: قال «٤» : سمع سماعا جمّا، وأول سماعه من أبي عمر أحمد بن محمد بن الجسور قبل الأربعمائة.
تواليفه: قال «٥» : بلغت تواليفه أربعمائة مجلد. وقال: حمل بعير، فمنها في علم الحديث كتاب كبير سمّاه «الإيصال إلى فهم كتاب «٦» الخصال، الجامعة لجمل شرائع الإسلام، في الواجب والحلال والحرام، وسائر الأحكام، على ما أوجبه القرآن والسّنة والإجماع» ؛ أورد فيه أقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين،
следующие страницы →