Полный текст (1 954 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
ومن المقطوعات الموطّنات على المثال «١» : [مخلع البسيط]
لله عصر الشباب عصرا ... فتّح للخير كلّ باب
حفظت ما شئت فيه حفظا ... كنت أراه بلا ذهاب
حتى إذا ما المشيب وافى ... ندّ «٢» ولكن بلا إياب
لا تعتنوا بعدها بحفظ ... وقيّدوا العلم بالكتاب
ومن ذلك قوله «٣» : [مخلع البسيط]
يا أيها الممسك البخيل ... إلهك المنفق الكفيل
أنفق وثق بالإله تربح ... فإنّ إحسانه جزيل
وقدّم الأقربين واذكر ... ما روي ابدأ بمن تعول
ومن ذلك قوله «٤» : [المتقارب]
وقائلة لم عراك المشيب ... وما إن يعهد الصّبا من قدم
فقلت لها: لم أشب كبرة ... ولكنه الهمّ نصف الهرم
ومن ذلك قوله «٥» : [المتقارب]
هي النّفس إن أنت سامحتها ... رمت بك أقصى مهاوي الخديعه
وإن أنت جشّمتها خطّة ... تنافي رضاها تجدها مطيعه
فإن شئت فوزا فناقض هواها ... وإن واصلتك اجزها بالقطيعه
ولا تعبأنّ بميعادها ... فميعادها كسراب بقيعه
ومن المقطوعات أيضا «٦» : [الكامل]
من أنت يا مولى الورى مقصوده ... طوبى له قد ساعدته سعوده
فليشهدنك له فؤاد صادق ... وشهوده قامت عليه شهوده
وليفنين عن نفسه ورسومه ... طرّا وفي ذاك الفناء وجوده
وليخطفنه «٧» بارق يرقى به ... في أشرف المعراج ثم يعيده
حتى يظلّ وليس يدري دهشة ... تقريبه المقصود أو تبعيده
стр. 1367
لكنه ألقى السلاح مسلّما ... فمراده ما أنت منه تريده
فلقد تساوى عنده إكرامه ... وهوانه ومفيده ومبيده
ومن ذلك قوله في المعنى «١» : [الطويل]
يقيني أنّ الله ﷻ ... يقيني «٢» فراجي الله ليس يخيب
ومن مقطوعاته في الألغاز والأحاجي قوله في حجلة «٣» : [الرجز]
حاجيت «٤» كلّ فطن لبيب ... ما اسم لأنثى «٥» من بني يعقوب «٦»
ذات كرامات فزرها قربة ... فزورها أحقّ بالتقريب
تشركها في الاسم أنثى لم تزل ... حافظة لسرّها المحجوب
وقد جرى في خاتم الوحي الرضا ... لها حديث ليس بالمكذوب
وهو إذا ما الفاء «٧» منه صحّفت ... صبغ الحياء «٨» لا الحيا المسكوب
فهاكها واضحة أسرارها ... فأمرها أقرب من قريب
وفي آب الشهر «٩» : [مجزوء الرجز]
حاجيتكم ما اسم علم ... ذو نسبة إلى العجم
يخبر بالرجعة وهـ ... وراجع كما زعم
وصف الحميم «١٠» هو ... بالتصحيف او بدء قسم
دونكه أوضح من ... نار على رأس علم
ومن ذلك قوله في كانون «١١» : [الهزج]
وما اسم لسميّين «١٢» ... ولم يجمعهما جنس
стр. 1368
فهذا كلّما يأتي ... فبالآخر لي أنس
وهذا ما له شخص ... وهذا ما له حسّ
وهذا ما له سوم ... وذا قيمته فلس «١»
وهذا أصله الأرض ... وهذا أصله الشمس
وهذا واحد من سب ... عة تحيا بها النّفس
فمن محموله الجنّ ... ومن موضوعه الإنس
فقد بان الذي ألغز ... ت ما في أمره لبس
ومن ذلك قوله في نمر «٢» : [الرجز]
ما حيوان ما له من حرمة ... إن اسمه صحّف فابن العمّه «٣»
وقلبه من بعد تصحيف له ... يريك في الذكر الحكيم أمّه
ومن ذلك قوله في سلّم «٤» : [الرجز]
ما اسم مركّب مفيد الوضع ... مستعمل في الوصل لا في القطع
ينصب لكن أكثر استعمال من «٥» ... يعنى به في الخفض أو في الرفع
وهو إذا خفّفته مغيّرا «٦» ... تراه شملا لم يزل ذا صدع
فالاسم إن طلبته تجده في ... خامسة من الطوال السّبع
وهو إذا صحّفته يعرب عن ... مكسّر في غير باب الجمع «٧»
له أخ أفضل منه لم تزل ... آثاره محمودة في الشّرع «٨»
هما جميعا من بني النجار والأف ... ضل أصل في حنين الجذع
فهاكه قد سطعت أنواره ... لا سيما لكلّ زاكي «٩» الطبع
стр. 1369
ومن ذلك قوله في فنار «١» : [مجزوء الرجز]
ما اسم إذا حذفت من ... هـ فاءه المنوّعه
فإنه بنت «٢» الزّنا ... مضافة لأربعة
ومن ذلك قوله في حوت «٣» : [مجزوء الرجز]
ما حيوان في اسمه ... إن اعتبرته فنون
حروفه «٤» ثلاثة ... والكلّ منها نون «٥»
تصحيفه قطع الفلا ... أو ما جناه المذنبون «٦»
أو أبيض أو أسود ... أو صفة النفس الخؤون «٧»
وقلبه مصحّفا «٨» ... عليه دارت السنون
كانت به في ما «٩» مضى ... عبرة قوم يعقلون
أودع فيها «١٠» عنده ... سرّ من السّرّ المصون
فهاكه كالنار في ... الزّند لها فيه «١١» كمون
ومن ذلك قوله في مائدة «١٢» : [الرجز]
حاجيت كلّ فطن نظّار ... ما اسم لأنثى من بني النجار
وفي كتاب الله جاء ذكرها ... فقلّ ما يغفل عنها القاري
стр. 1370
في خبر المهديّ فاطلبها تجد ... إن كنت من مطالعي الأخبار
ما هي إلّا العيد عيد رحمة ... ونعمة ساطعة الأنوار
يشركها في الاسم وصف حسن ... من وصف قضب الروضة المعطار «١»
فهاكه كالشمس في وقت الضّحى ... قد شفّ عنها حجب الأستار
ومن ذلك قوله في زبيب «٢» : [الرجز]
ما نقي العرض طاهر الجسد ... عندما خالطه الماء فسد
خالط الماء القراح فغوى ... بعد ما كان من أهل الرّشد
عجميّ الأصل تمّ حسنه ... عندما صاد الغزالة الأسد «٣»
واسمه اسم امرأة مصحّفا «٤» ... ولقد يكون وصفا لولد
هاكه قد بهرت أنواره ... فارم بالفكر تصب قصد الرشد «٥»
جميع هذه الأغراض المنسوبة إليه بحر لا ينفد مدده، وقطر لا يبلغ عدده.
وأمّا نثره فسلطانيّات مطولات، عرضت بما تخللها من الأحوال متونها، وقلّت لمكان الاستعجال والبديهة عيونها. وقد اقتضبت منها أجزاء سميته «تافها من جم ونقطة من يم» .
مولده: ولد بغرناطة في جمادى الآخرة «٦» عام ثلاثة وسبعين وستمائة.
وفاته: ليلة يوم الأربعاء الثالث والعشرين من شوال عام تسعة وأربعين وسبعمائة. ودفن بباب إلبيرة. وكانت جنازته آخذة نهاية الاحتفال، حضرها السلطان فمن دونه.
ومما رثي به: رثيته بقصيدة أنشدتها على قبره خامس يوم دفنه ثبتت في غير ما موضع وهي «٧» : [الكامل]
ما لليراع خواضع الأعناق ... طرق النّعيّ فهنّ في إطراق
وكأنما صبغ الشحوب وجوهها ... والسّقم من جزع ومن إشفاق
стр. 1371
ما للصحائف صوّحت «١» روضاتها ... أسفا وكنّ نضيرة الأوراق
ما للبيان كؤوسه مهجورة ... غفل المدير لها ونام السّاقي
ما لي عدمت تجلّدي وتصبّري ... والصبر في الأزمات من أخلاقي
خطب أصاب بني البلاغة والحجا ... شبّ الزفير به عن الأطواق «٢»
أمّا وقد أودى أبو الحسن الرضا ... فالفضل قد أودى على الإطلاق
كنز المعارف لا تبيد نقوده ... يوما ولا تفنى على الإنفاق
من للبدائع أصبحت سمر السّرى ... ما بين شام للورى وعراق
من لليراع يجيل من خطّيّها «٣» ... سمّ العدا ومفاتح الأرزاق
قضب ذوابل مثمرات بالمنى ... وأراقم ينفثن بالتّرياق
من للرقاع الحمر يجمع حسنها ... خجل الخدود وصبغة الأحداق
تغتال أحشاء العدوّ كأنها ... صفحات دامية الغرار رقاق
وتهزّ أعطاف الوليّ كأنها ... راح مشعشعة براحة ساق
من للفنون يجيل في ميدانها ... خيل البيان كريمة الأعراق
من للحقائق أبهمت أبوابها ... للناس يفتحها على استغلاق
من للمساعي الغرّ تقصد جاهه ... حرما فينصرها على الإخفاق
كم شدّ من عقد وثيق حكمه ... في الله أو أفتى بحلّ وثاق
رحب الذراع بكلّ خطب فادح ... أعيت رياضته على الحذّاق
صعب المقادة في الهوادة والهوى ... سهل على العافين «٤» والطّرّاق
ركب الطريق إلى الجنان وحورها ... يلقينه بتصافح وعناق
فاعجب لأنس في مظنّة وحشة ... ومقام وصل في مقام فراق
أمطيّبا بمحامد العمل الرضى ... ومكفّنا بمكارم الأخلاق
ما كنت أحسب قبل نعشك أن أرى ... رضوى «٥» تسير على الأعناق
ما كنت أحسب قبل دفنك في الثّرى ... أنّ اللحود خزائن الأعلاق «٦»
стр. 1372
يا كوكب الهدي الذي من بعده ... ركد الظلام بهذه الآفاق
يا واحدا مهما جرى في حلبة ... جلّى بغرّة سابق السّبّاق
يا ثاويا بطن الضريح وذكره ... أبدا رفيق ركائب ورفاق
يا غوث من وصل الضريح «١» فلم يجد ... في الأرض من وزر ولا من واق
ما كنت إلّا ديمة منشورة ... من غير إرعاد ولا إبراق
ما كنت إلّا روضة ممطورة ... ما شئت من ثمر ومن أوراق
يا مزمعا عنّا العشيّ ركابه ... هلّا لبثت «٢» ولو بقدر فواق «٣»
رفقا أبانا جلّ ما حمّلتنا ... لا تنس فينا عادة الإشفاق
واسمح ولو بمزار لقيا في الكرى ... تبقي بها منّا على الأرماق
وإذا اللقاء تصرّمت أسبابه ... كان الخيال تعلّة المشتاق
عجبا لنفس ودّعتك وأيقنت ... أن ليس بعد ثواك «٤» يوم تلاق
ما عذرها إن لم تقاسمك الردى ... في فضل كأس قد شربت دهاق
إن قصّرت أجفاننا عن أن ترى ... تبكي النجيع عليك باستحقاق
واستوقفت دهشا فإنّ قلوبنا ... نهضت بكلّ وظيفة الآماق
ثق بالوفاء على المدى من فتية ... بك تقتدي في العهد والميثاق
سجعت بما طوقتها من منّة ... حتى زرت «٥» بحمائم الأطواق
تبكي فراقك خلوة عمّرتها ... بالذكر في طفل وفي إشراق
أمّا الثناء على علاك فذائع ... قد صحّ بالإجماع والإصفاق
والله قد قرن الثناء بأرضه ... بثنائه من فوق سبع طباق
جادت ضريحك ديمة هطّالة ... تبكي عليه بواكف رقراق
وتغمّدتك من الإله سعادة ... تسمو بروحك للمحلّ الراقي
صبرا بني الجيّاب إنّ «٦» فقيدكم ... سيسرّ مقدمه بما هو لاق
وإذا الأسى لفح القلوب أواره ... فالصبر والتسليم أيّ رواق
стр. 1373
وأنشد في هذا الغرض الفقيه أبو عبد الله بن جزي ﵀ «١» : [الطويل]
ألم تر أنّ المجد أقوت معالمه ... فأطنابه قد قوّضت دعائمه
هوى من سماء المعلوات شهابها ... وخانت جواد المكرمات قوائمه
وثلّت من الفخر المشيد عروشه ... وفلّت من العزّ المنيع صوارمه
وعطّل من حلي البلاغة قسّها ... وعرّي من جود الأنامل حاتمه «٢»
أجل إنه الخطب الذي جلّ وقعه ... وثلّم غرب الدين والعلم هاجمه
وإلّا فما للنوم طار مطاره ... وما للزيم الحزن قصّت قوادمه
وما لصباح الأنس أظلم نوره ... وما لمحيّا الدهر قطّب باسمه
وما لدموع العين فضّت كأنها ... فواقع زهر والجفون كمائمه «٣»
قضى الله في قطب الرياسة أن قضى ... فشتّت ذاك الشّمل من هو ناظمه
ومن قارع الأيام سبعين حجّة ... ستنبو عراره «٤» ويندقّ قائمه
وفي مثلها أعيا النطاسيّ «٥» طبّه ... وضلّ طريق الحزم في الرأي حازمه
تساوى جواد في رداه وباخل ... فلا الجود واقيه ولا البخل عاصمه
وما نفعت ربّ الجياد كرامه ... ولا منعت منه الغنيّ كرائمه
وكلّ تلاق فالفراق أمامه ... وكلّ طلوع فالغروب ملازمه
وكيف مجال العقل في غير منفذ ... إذا كان باني مصنع هو هادمه
ليبك «٦» عليّا مستجير بعدله ... يصاخ لشكواه ويمنع ظالمه
ليبك «٧» عليّا مائح «٨» بحر علمه ... يروّى بأنواع المعارف هائمه
ليبك «٩» عليّا مظهر فضل نصحه ... يحلّأ «١٠» عن ورد المآثم حائمه
стр. 1374
ليبك «١» عليّا معتف «٢» جود كفّه ... يواسيه في أمواله ويقاسمه
ليبك «٣» عليّا ليله وهو قائم ... يكابده أو يومه وهو صائمه
ليبك «٤» عليّا فضل كلّ بلاغة ... يخلّده في صفحة الطّرس راقمه
وشخص ضئيل الجسم يرهب نفثه ... ليوث الشّرى في خيسها وضراغمه «٥»
تكفّل بالرزق المقدّر للورى ... إذا الله أعطى فهو للناس «٦» قاسمه
يسدّده سهما وينضوه صارما ... ويشرعه رمحا فكلّ يلائمه
إذا سال من شقّيه سائل حبره «٧» ... بما شاء منه سائل فهو عالمه
ليبك عليه الآن «٨» من كان باكيا ... فتلك مغانيه خلت ومعالمه
تقلّد منه الملك عضب بلاغة ... يقدّ السلوقيّ المضاعف صارمه
وقلّده مثنى الوزارة فاكتفى ... بها ألمعيّ حازم الرأي عازمه
ففي يده وهو الزعيم بحقّها ... براعته «٩» والمشرفيّ وخاتمه
سخيّ على العافين سهل قياده ... أبيّ على العادين صعب شكائمه
إذا ضلّت الآراء في ليل حادث ... رآها برأي يصدع الحقّ «١٠» ناجمه
وقام بأمر الملك «١١» للدين حاميا ... فذلّ معاديه وضلّ مراغمه
وقد كان نيط العلم والحلم والتّقى ... به وهو ما نيطت عليه تمائمه
ودوّخ أعناق الليالي بهمّة ... يبيت ونجم الأفق فيها يزاحمه
وزاد على بعد المنال تواضعا ... أبى الله إلّا أن تتمّ مكارمه
سقيت الغوادي! أيّ علم وحكمة ... ودين متين ذلك القبر كاتمه
وما زلت «١٢» يستسقى بدعوتك الحيا ... وها هو يستسقى لقبرك ساجمه
стр. 1375
بكت فقدك الكتّاب إذ كان شملهم ... يؤلّفه من روح «١» فضلك ناعمه
وطوّقتهم بالبرّ ثم سقيتهم ... نداك فكنت الروض ناحت حمائمه
ويبكيك مني ذاهب الصبر موجع ... توقّد «٢» في جنبيه للحزن جاحمه
فتى نال منه الدهر إلّا وفاءه ... فما وهنت في حفظ عهد عزائمه
عليل الذي زرّت عليه جيوبه ... قريح الذي شدّت عليه حزائمه
فقد كنت ألقى الخطب منه بجنّة ... تعارض دوني بأسه وتصادمه
سأصبر مضطرّا وإن عظم الأسى ... أحارب حزني مرّة وأسالمه
وأهديك إذ عزّ اللقاء تحيّة ... وطيب ثناء كالعبير نواسمه
وأنشد القاضي أبو بكر «٣» القرشي قوله في قصيدة في ذلك «٤» : [الوافر]
هي الآجال «٥» غايتها نفاد ... وفي الغايات تمتاز الجياد
وأنشد الفقيه الكاتب أبو بكر «٦» القاسم بن الحكيم قوله من قصيدة:
[الطويل]
لينع الحجا والحلم من كان ناعيا ... ويرع العلا والعلم من كان راعيا
وأنشد الفقيه القاضي أبو بكر «٧» بن جزي قصيدة أولها «٨» : [الطويل]
أبثّكما والصبر للعهد ناكث ... حديثا أملّته عليّ الحوادث
قصائد مطولات يخرج استقصاؤها عن الغرض، فكان هذا التأبين غريبا لم يتقدّم به عهد بالحضرة لكونها دار ملك، والتجلّة في مثل هذا مقصورة على أولي الأمر، فمضى بسبيله، ﵀.
стр. 1376
علي «١» بن موسى بن عبد الملك بن سعيد بن خلف ابن سعيد بن محمد بن عبد الله بن سعيد «٢» بن الحسن ابن عثمان «٣» بن عبد الله بن سعد بن عمار بن ياسر ابن كنانة بن قيس بن الحصين بن لوذم «٤» بن ثعلب ابن عوف بن حارثة بن عامر الأكبر بن نام بن عبس «٥» واسمه زيد بن مالك بن أدد بن زيد العنسي المذحجي «٦»
من أهل قلعة يحصب «٧» ، غرناطي، قلعي «٨» ، سكن تونس، يكنى أبا الحسن، ويعرف بابن سعيد.
أوليته: قد تقرر من كرم أوليته وذكر بيته ما ينظر في محله.
حاله: هذا الرجل وسطى عقد بيته، وعلم أهله، ودرّة قومه، المصنّف الأديب، الرحال، الطّرفة، الإخباري، العجيب الشأن في التجول في الأوطان، ومداخلة الأعيان، والتمتع بالخزائن العلمية، وتقييد الفوائد المشرقية والمغربية.
مشيخته: أخذ عن أعلام إشبيلية كأبي علي الشّلوبين، وأبي الحسن الدباج، وأبي الحسن بن عصفور وغيرهم.
стр. 1377
تواليفه: وتواليفه كثيرة، منها المرقصات والمطربات «١» ، عزيز الوجود، والمقتطف أغرب وأعجب، والطالع السعيد في تاريخ بيته وبلده، والموضوعان الغريبان المتعددا الأسفار، وهما «المغرب في حلى المغرب» ، «والمشرق في حلى المشرق» ، وغير ذلك مما لم يتصل إلينا، فلقد حدّثني الوزير أبو بكر بن الحكيم، أنه تخلف كتابا يسمى «المرزمة» ، يشتمل على وقر بعير، لا يعلم ما فيه من الفوائد الأدبية والإخبارية إلّا الله.
شعره: قال: تعاطى نظم الشعر في حدّ زمن الشبيبة، يعجب فيه من مثله، فيذكر أنه خرج مع والده، وقد مرّ في صحبته إلى إشبيلية، وفي صحبته سهل بن مالك، فجعل سهل يباحثه عن نظمه، إلى أن أنشده في صفة النهر والنسيم يردّده، والغصون تميل عليه «٢» : [المنسرح]
كأنما النّهر صفحة كتبت ... أسطرها والنسيم ينشئها «٣»
لمّا أبانت عن حسن منظرها ... مالت عليها الغصون تقرؤها «٤»
فطرب أبو الحسن وأثنى عليه، ثم شدا. وناب عن أبيه في أعمال الجزيرة، ومازج الأدباء، ودوّن كثيرا من نظمه، وحفظ له في المدح: [الكامل]
يا أيها الملك الذي هباته ... وهباته شدّت عرى الإسلام
لمّا أسال نداه سلّ حسامه ... فأراك برقا في متون غمام
لله شيعتك التي ترك العدا ... أقداحهم بمواطئ الأقدام
طاروا بأجنحة السيوف إليهم ... مثل الحمام جلبن كل حمام
فهم سهام والجياد قسيّهم ... وعداهم هدف وسعدك رام
стр. 1378
وقال: ومما نظمته بالحضرة في فرس كان لهم لوباني أغرّ أكحل بحلية «١» :
[الطويل]
وأجرد تبري أثرت به الثّرى ... وللفجر «٢» في خصر الظلام وشاح
عجبت له وهو الأصيل بعرفه ... ظلام وبين الناظرين صباح
رحلته المشرقية، وفيها الكثير من نظمه، قال في «الطالع» : لما قدم الديار المصرية واشتهر، كان مما نظمه سلما لمعرفة الأدباء والظرفاء قوله، وقد رأى بساحلها وجوها لا يعرفها، وألسنا غير ما عهد «٣» : [الكامل]
أصبحت أعترض الوجوه ولا أرى ... من «٤» بينها وجها لمن أدريه
ويح الغريب توحّشت ألحاظه ... في عالم ليس له بشبيه
عودي على بدئي ضلالا بينهم ... حتى كأني من بقايا التّيه
ودخل القاهرة، فصنع له أدباؤها صنيعا في ظاهرها، وانتهت بهم الفرجة إلى روض نرجس، وكان فيهم أبو الحسن الجزّار «٥» ، فجعل يدوس النرجس برجله، فقال أبو الحسن «٦» : [السريع]
يا واطئ النرجس بالأرجل ... ما تستحي أن تطأ الأعين بالأرجل؟ «٧»
فتهافتوا بهذا البيت وراموا إجازته.
فقال ابن أبي الأصبغ «٨» : [السريع]
فقال «٩» : دعني لم أزل محرجا ... على لحاظ الرّشا «١٠» الأكحل
стр. 1379
وكان أمثل ما حضرهم، ثم أبوا أن يجيزه غيره، فقال «١» : [السريع]
قابل جفونا بجفون ولا ... تبتذل الأرفع بالأسفل
ثم استدعاه سيف الدين بن سابق، صاحب الأشغال السلطانية، إلى مجلس بضفة النيل، مبسوط بالورد، وقد قامت حوله شمامات نرجس، فقال في ذلك «٢» :
[السريع]
من فضّل النّرجس فهو الذي ... يرضى بحكم الورد إذ يرأس
أما ترى الورد غدا قاعدا ... وقام في خدمته النّرجس؟
ووافق ذلك مماليك الترك، وقوفا في الخدمة على عادة المشارقة، فطرب الحاضرون، من حسود ومنصف. ولقي بمصر محيي الدين بن ندا واقد التركي «٣» ، والإمام زهير الحجاري بهاء الدين، وبالقاهرة جمال الدين بن مطروح، وجمال الدين بن يغمور، وتعرف بكمال الدين بن العديم رسول سلطان حلب، فاستصحبه يتحف به الملك الناصر صاحب حلب، فلقي بحمص وبيت المقدس وحماه أعلاما جلّة، وله معهم أخبار يطول ذكرها، ودخل على السلطان «٤» بحلب، وأنشده قصيدة أولها «٥» : [الكامل]
جد لي بما ألقى الخيال من الكرى ... لا بدّ للطّيف الملمّ من الكرى «٦»
فقال كمال الدين: هذا رجل عارف «٧» مذ روى لمقصده من أول كلمة. ثم قال بعد أبيات:
الناصر الملك الذي عزماته ... أبدا تكون مع العساكر عسكرا
ما كان أنبا الفتح يلزم لامه ... والجمع من أعدائه متكسّرا
стр. 1380
فعظم استظراف السلطان لهذه المقاصد، وأثنى عليه. ثم وصل فقال:
الدين أصلحه وعمّ صلاحه الدنيا ... وأصبح ناصرا ومظفّرا
فكأن كنيته غدت موضوعه ... من ربّه والوصف منه مقرّرا
وكأنما الأسماء قد عرضت على ... علياه قبل وجوده متخيّرا
فقال السلطان: كيف ترون؟ واستعاده. فقال عون الدين العجمي عميد المجلس وكاتب الإنشاء: استنباطه ما سمع الملوك بمثله يا خوند. ثم أنشد:
من آل أيوب الذين هم هم ... ورثوا الندى والبأس أكبر أكبرا
أهل الرياسة والسياسة والعلا ... بسيوفهم حلّوا الذّرى منحوا الذّرا «١»
سمّ العداة على حياء فيهم «٢» ... لا تعجبوا فكذاك «٣» آساد الشّرى
كادوا يقيلون العداة من الرّدى ... لو لم يمدّوا كالحجاب العثيرا
جعلوا خواتم سمرهم من قلب كل ... ل معاند عدّ «٤» المثقّف خنصرا
وببيضهم قد توّجوا أعداءهم ... حتى لقد حلّوا لكيما تشكرا
لو لم يخافوا تيه سار «٥» نحوهم ... وهبوا الكواكب والصّباح المسفرا
وهي طويلة. ثم استجلسه السلطان، وسأله عن بلاده ومقصده «٦» بالرحلة، فأخبره أنه جمع كتابا في الحلى البلادية والحلى العبادية المختصّة بالمشرق، وأخبره أنه سمّاه «المشرق في حلى المشرق» . وجمع مثله فسمّاه «المغرب في حلى المغرب» . فقال: نعينك بما عندنا من الخزائن، ونوصلك إلى ما لا»
عندنا، مثل خزائن الموصل وبغداد، وتضيف «٨» لنا المغرب. فخدم على عادتهم، وقال: أمر مولاي بذلك إنعام وتأنيس، ثم قال له السلطان مداعبا: إن شعراءنا ملقّبون بأسماء الطيور، وقد اخترت لك لقبا يليق بحسن صوتك وإيرادك للشعر، فإن كنت ترضى به، وإلّا لم يعلمه «٩» غيرنا، وهو البلبل، فقال: قد رضي المملوك بذلك يا خوند.
стр. 1381
فتبسّم السلطان، وقال: اختر واحدة من ثلاث، إمّا الضيافة التي ذكرتها أول شعرك، وإمّا جائزة القصيدة، وإمّا حقّ الاسم. فقال: يا خوند، المملوك ممّن «١» لا يختنق بعشر لقم، فكيف بثلاث؟ فطرب السلطان، وقال هذا مغربي ظريف، ثم أتبعه من الدنانير والخلع الملوكية والتواقيع بالأرزاق ما لا يوصف. ولقي بحضرته عون الدين العجمي، وهو بحر لا تنزفه الدّلاء «٢» ، والشهاب التلعفري الشهير الذكر، والتاج ابن شقير، وابن نجيم الموصلي، والشرف بن سليمان الإربليّ، وطائفة من بني الصاحب.
ثم تحوّل إلى دمشق، ودخل الموصل وبغداد، ودخل مجلس السلطان المعظم ابن الملك الصالح بدمشق، وحضر بمجلس «٣» خلوته. وكان ارتحاله إلى بغداد في عقب سنة ثمان وأربعين وستمائة في رحلته الأولى إليها. ثم رحل إلى البصرة، ودخل أرّجان، وحجّ. ثم عاد إلى المغرب. وقد صنّف في رحلته الأولى إليها مجموعا سمّاه ب «النفحة المسكيّة في الرحلة المكية» . وكان نزوله بساحل مدينة إقليبية «٤» من إفريقية في إحدى جمادين من عام اثنين وخمسين وستمائة، واتصل بخدمة الأمير أبي عبد الله المستنصر «٥» فنال الدرجة الرفيعة من حظوته. وقال عند اتصاله به لحين قدومه: [المتقارب]
وما زلت أضرب في الخافقين ... أروم البلاد وأرعى الدول
إلى أن رجعت إلى تونس ... محلّ الإمام وأقصى الأمل
فقلت البلاد لهذي قرى ... وقلت الأنام لهذا خول
نكبته: وحدّثني شيخنا الوزير أبو بكر بن الحكيم، أن المستنصر جفاه في آخر عمره، وقد أسنّ لجراء خدمة مالية أسندها إليه، وقد كان بلاء منه قبل جفوة، أعقبها انتشال وعناية. فكتب إليه: [الرمل]
يا غزالا في الحشا منزله ... وبعيني دائما منهله
стр. 1382
لا ترعني «١» بالجفا ثانية ... ما بقي في الجسم ما يحمله
فرق له، وعاد إلى حسن النظر فيه، إلى أن توفي تحت برّ وعناية، ﵀.
مولده: ولد بغرناطة ليلة الفطر في سنة عشر وستمائة.
وفاته: توفي بتونس، حرسها الله، في أحواز عام خمسة وثمانين وستمائة «٢» .
علي بن عبد الرحمن بن موسى بن جودي القيسي «٣»
الأديب الكاتب، يكنى أبا الحسن.
حاله: من أهل المعرفة بالعلوم القديمة، وأصله من عمل سرقسطة. وكان صديقا للوزير أبي الحسن بن هاني.
مشيخته: قرأ على الحكيم أبي بكر بن الصايغ، المعروف بابن باجة «٤» . وكان خليع الرّسن فيما ذكر عنه.
شعره: من شعره: [الطويل]
خليليّ من نعمان، بالله عرّجا ... على الأيك من وادي العقيق فسلّما
وقولا له ما حال لبنى لعلّه ... إذا سمع النجوى بلبنى تكلّما
فعهدي به والظلّ ينفضّ دوحه ... وقد خضلت عيدانه فتنعّما
تباكره لبنى لإتيان موعد ... عزيز عليها أن يخان ويصرما
نبثّ حديثها فنبكي بعبرة ... فترسلها ماء ونرسلها دما
стр. 1383
ومن شعره قوله «١» : [الوافر]
أدر كأس المدام فقد تغنّى ... بفرع الأيك أورقها الصّدوح
وهبّ «٢» على الرياض نسيم صبح ... يمرّ كما ونى «٣» ساد طليح
وسال النّهر يشكو من حصاه ... جراحات كما أنّ الجريح
وقال: [الطويل]
سقى الله دهرا ضمّ شمل مودّة ... وجمّع إخوان الصفاء بلا وعد
بميناء تعلوها الرياح بليلة ... وتنظر منها الشمس بالأعين الرّمد
وفاته: توفي بغرناطة في حدود الثلاثين وخمسمائة «٤» .
ومن الطارئين
عمر بن خلاف بن سليمان بن سلمة
من أهل شابش، يكنى أبا علي.
حاله: كان فقيها أديبا مكثرا، شهير المكان بجهته، مولعا بمكاتبة الأدباء وتقييد ما يصدر عنهم، مؤرّخا من أهل النباهة والعناية. ألّف كتابا سماه «نخبة الأعلاق، ونزهة الأحداق في الأدباء» ، وحلّى من ذكر فما قصّر عن السّداد. وله نظم ونثر وخطب، وبيعات ومراجعات تضمّنها الكثير من كتبه.
فمن شعره ما قاله يخاطب بعض إخوانه: [البسيط]
خذها إليك أبا إسحاق تذكرة ... من ذاكر لك في قرب وفي شحط
يرعى ذمامك، لا تنسى لوازمه ... ولا يمازجه بالسّهو والغلط
ولا يزال بحفظ العهد معتنيا ... ولا يعامل في البحران بالشطط
فأنت عندي أولى من أذمّة ر ... بحي ومن صفوتي في أرفع النّمط
قد طال شوقي للإعلام منك بما ... لديك إذ فيه لي تأنيس مغتبط
وقد تبّت بنكري في التغافل عن ... معهود ما كنت توليه لذي الشّحط
стр. 1384
وقد عفا رسم عرفان الإخاء بما ... أوليت من كثرة الإهمال والغلط
اجبر «١» أخي وهيه وارجع لصالح ما ... عوّدت في الكتب من مستحسن الخطط
وجد ببسط انبساط أنت تبذله ... فإنّ أقبح شيء قبض منبسط
وخذ «٢» سلاما كعرف المسك نفحته ... من ذي ولاء بذاك المجد مغتبط
وفي مفاتحة بعض الأدباء: [الطويل]
أبا جعفر، وافتك في صفحة الطّرس ... عقيلة ودّ لم تشنها يد اللّمس
لها حلل الإخلاص زيّا وحليها ... عطر ثنا عرف روض الربى ينبس «٣»
وموجبها ما قد فشا من محامد ... حباك بها الرحمن ذو العرش والكرسي
وغرّ علوم حزتها ومعارف ... غلوت بها فحي على البدر والشّمس
فإن رزقت منك القبول تشرّفت ... وفازت بتحصيل المسرّة والأنس
خطابك يا قاضي العدالة بغيتي ... وروحي وريحاني وقصوى منى نفسي
اقتضبتها أعلى الله قدرك، كما أسنى في سماء المعارف والأدب التالد والطارف بدرك، عن ودّ ملك زمامي، وفضل في سبيل المنافسة في خطبة ودادك غاية اهتمامي، وقد تقرّر لديّ من محاسنك وإحسانك بالسماع، ما أوجب عليّ مخاطبتك عند تعذّر المشافهة بألسنة اليراع، فانقدت بزمام ذلك الواجب، وقصدت أداءه على أصحّ المذاهب، راجيا من تجاوزك وإغضائك، ما يليق بباهر علائك، وفي جوابك هو الشفاء، ولدى خطابك يلقى الاعتناء والاحتفاء، والله يطلع منك السّار، ويصل لك المبار. وقال يخاطب السلطان: [الطويل]
إلى الحضرة العلياء «٤» يستبق العبد ... وفي القرب منها والدّنوّ هو القصد
إلى حضرة الولي الإمارية التي ... تبلّج فيها العدل وابتسم السّعد
وفيها وجود المرء «٥» للدين والدّنا ... وقد خصّها بالرحمة الصّمد الفرد
وفاته: كان حيّا في سنة خمس وستمائة.
стр. 1385
علي بن أحمد بن محمد بن يوسف بن عمر الغساني «١»
من أهل قرية أرينتيرة من قرى سند مدينة وادي آش، يكنى أبا الحسن.
حاله: كان من جلّة الطلبة ونبهائهم وأذكيائهم وصلحائهم. عنده معرفة بالفقه، ومشاركة في الحديث، ومعرفة بالنحو والأدب، وحسن نظم ونثر، من أحسن الناس نظما للوثائق، وأتقنهم لها، وأعرفهم بنقدها، وأقصدهم لمعانيها، يستعين على ذلك بأدب وكتابة، فيأتي بأشياء عجيبة.
مشيخته: روى عن الراوية أبي العباس الخروبي، والمقرئ أبي الحسن طاهر بن يوسف بن فتح الأنصاري، والقاضي أبي محمد بن عبد الرحيم الخزرجي.
تواليفه: ألّف كتابا في شرح المسند الصحيح لمسلم بن الحجاج في أسفار كثيرة، أجاد فيها كل الإجادة. وله كتاب سماه ب «الوسيلة في الأسماء الحسنى» . ونظم في شمائل النبيّ، عليه أفضل الصلاة والسلام.
شعره: له شعر في الزهد وغيره، فمنه قوله: [مجزوء الرجز]
أيا كريما لم يضع ... لديك عبد أمّلك
بالباب من أنت له ... وودّ أن لو كان لك
عبد له أسئلة ... وليستحي أن يسألك
أفواههم تسأله ... ولم تحسّن عملك
ألست «٢» أنت خنته ... أمانة قد حمّلك؟
ولم تكن تشكر ما ... من فضله قد خوّلك؟
وكلّما أهملته ... من حقّه ما أهملك
إنّا كما قالوا سوى ... أنك أعلى من ملك
تلك التي تؤنسني ... وترتجي من فضّلك «٣»
بشراي إن نال الرّضا ... بها فقد «٤» توسّلك
стр. 1386
علي بن محمد بن «١» علي بن هيضم الرّعيني
من أهل إشبيلية، يكنى أبا الحسن.
حاله: الكاتب البليغ المحدّث الراوية. قال الأستاذ: كان من أهل العلم والمشاركة، وغلبت عليه الكتابة السلطانية واعتمدها صناعة. وكتب لجلّة من ملوك الأندلس والعدوة. وكان انفصاله من الأندلس قبل سنة أربعين وستمائة.
قلت: وكتب للسلطان المتوكل على الله أبي عبد الله بن هود «٢» ، ثم للسلطان المتوكل الغالب بالله أبي عبد الله بن نصر «٣» . وسكن بغرناطة مدة مديدة. ثم رحل إلى مراكش، فكتب عن أمير سبتة، وعن ملوك الموحدين بمراكش. ونمت حاله ونبهت رتبته، واستقلّ بالإنشاء بعد شيخه أبي زيد الفازازي، وكان محدّثا عارفا بالرواية، متعدد المشيخة، فاضلا، ديّنا، مشاركا في كثير من المعارف، حسن الخط، جيد الكتابة، متوسط الشعر. قلت: هذا الرجل له مشيخة في أصل ابن الخطيب، طويلة اختصرتها.
شعره ونثره: من ذلك ما جمع فيه بين النظم والنثر: [الكامل]
وافى الكتاب وقد تقلّد جيده ... ما أنت تحسن نظمه وتجيده
من كلّ معنى ضمن لفظه في حلى ... خطّ يزيل طلى الطرّوس فريده
أبا المطرّف، دعوة من خالص ... لعلاك غابت ودّه وشهيده
أنت الوحيد بلاغة وبراعة ... ولك البيان طريفه وتليده
فانثر فأنت «٤» بديعه وعماده ... وانظم فأنت «٥» حبيبه ووليده
إيه، أيها السيد الذي جلّت سيادته، وحلّت صميم الفؤاد سعادته، ودامت بها ينفع الناس عادته. ألقى إلى كتاب كريم خطّته تلك اليمنى التي اليمن فيها تخطّه، ونسّقت جواهر بيانه التي راق بها سمطه، فلا تسلوا عن ابتهاجي بأعاجيبه، وانتهاجي لأساليبه، وشدّة كلفي بالتماح وسيمه، وجدّة شغفي باسترواح نسيمه. فإنه قدم وأنس
стр. 1387
النّفس راحل، واستعاده وروض الفكر ماحل، فجاده لا جرم أنه بما حوى من حدق النّوى، وروى من طرق الهوى، وبكى الربيع المحيل، وشكى من صابح الرّحيل، هيّج لواعج الأشواق وأثارها، وحرّك للنفس حوارها، فحنّت، واستوهبت العين مدارها فما ضنّت. فجاشت لوعة أسكنت، وتلاشت سلوة عنت، وكفّ دمع كفّ، وثقل عذل حفّ، واشتدّ الحنين، وامتدّ الأنين، وعلا النحيب، وعرا الوجيب، والتقى الصّبّ والحين، وهدى المحب قدر ما جناه البين، وطالما أعمل في احتمال المشاق عزيمه، وشدّ لاجتياب الآفاق حيازيمه: [المنسرح]
وادع مثوى المقام معتزما ... فلا «١» يرى للغرام ملتزما
وأزمع البين «٢» عن أحبّته ... والبين عن داره التي رئما
وما درى أنه بعزمته ... قد «٣» أشعل البين في الحشا ضرما
وهل جرى ذاك في تصوّره؟ ... فربما أحدث الهوى لمما
إلهي، ألا نوى مشيئته «٤» ... شملا من العيش كان منتظما؟
وعاذل قال لي يعنّتني ... لا تبد فيما فعلته ندما
ما حيلة في يدي فأعملها ... عدل من الله كلّ ما حكما
أما أنّ القلب لو فهم حقيقة البين قبل وقوعه، وعلم قدر ما يشبّ من الرّوع في روعه، لبالغ في اجتنابه، واعتقد المعفي عنه من قبيل المعتنى به، ولحا الله الأطماع، فإنها تستدرج المرء وتغرّه، وتغريه بما يسرّه، ما زالت تقتل في الغارب والذّروة، وتخيل بالترغيب والثّروة، حتى أنأت عن الأحباب والحبايب، ورمت بالغريب أقصى المغارب. فيا لوحشة ألوت بإيناسه، وبالغربة أحلّت في غير وطنه وناسه، ويا عجبا للأيام وإساءتها، وقرب مسرّتها عن مساءتها، كأنها لم تتحف بوصال، ولم تسعف باتصال، ولم تمتّع بشباب، ولم تفتح لقضاء أوطار النفس كل باب: [الخفيف]
عجبا للزمان عقّ وعاقا ... وعدمنا مسرّة ووفاقا
أين أيامه وأين ليال ... كلآل تلألؤأ واتّساقا؟
كم نعمنا بظلّها فكأنّا ... مرقها للصّبا علينا رماقا
стр. 1388
كم بغرناطة وحمص وصلنا ... باصطباح من السرور اغتباقا
في «١» ربى نجد تلك أو نهر هدي ... والأماني تجري إلينا استباقا
في رياض راقت وراق ولكن ... حين ندّ الحيا لها فأراقا
رقّ فيها النسيم فهو نسيب ... قد سبا رقّة نفوسا رفاقا
وثنا للغصون منها قدودا ... تتلاقى تصافحا واعتناقا
كلّما هبّ من صباه عليل ... وتداوى بها العليل أفاقا
حكم السّعد للأحبة فيه ... بكؤوس الوصال أن تنساقا
ثم كرّت للدهر عادة سوء ... شقّ فيها خطب النوى حين شاقا
شتّت الشمل بعد طول اجتماع ... وسقى للفراق «٢» كأسا دهاقا
وأعاد الأوطان قفرا ولكن ... قد أعاد القطان فيها الرفاقا
ليت شعري والعيش تطويه بالفي ... فى «٣» ، أشاما تبوءوا أم عراقا؟
يا حداة القلوب، رفقا بصبّ ... بلغت نفسه السياق اشتياقا
آه «٤» من شجوة وآه لبين ... ألزم النّفس لوعة واحتراقا
هذه، يا سيدي، استراحة من فؤاد وقدته الفرقة والقطيعة، واستباحته لحمى الوقار بما لم تحظره الشريعة، فقديما تشوكيت الأحزان، وتبوكيت الأوطان، وحنّ المشتاق، وكنّ له من الوجد ما لا يطاق، فاستوقف الركب يشكو البلابل، واستوكف السحب لسقيا المنازل، وفدى الرّبع وإن زاده كربا، ومن له إن يلم لائما له تربا.
حسبه دموع تفيض مجاريها، ونجوم يسامرها ويسايرها: [الكامل]
ألف السهاد فشأنه إدمانه ... واستغرقت أحيانه أشجانه
وشكا جفاء «٥» الطّيف إذ لم يأته ... هل ممكن من لم ينم إتيانه؟
واستعبدته صبابة وكذا الهوى ... في حكمه «٦» أحراره عبدانه
كم رام كتمان المحبة جهده ... ودموعه يبدو بها كتمانه
стр. 1389
وإذا المحبّ طوى حديث غرامه ... كبا الضلوع وشت به أجفانه
وهي طويلة.
وفاته: بمراكش سحر ليلة الأربعاء الرابعة والعشرين من رمضان سنة ست «١» وستين وستمائة. ودفن عقب ظهره بجبانة الشيوخ مقاربا باب السادة أحد أبواب قصر مراكش. وكان الحفل في جنازته عظيما، لم يتخلّف كبير أحد.
علي بن محمد بن علي بن البنا «٢»
من أهل وادي آش، يكنى أبا الحسن.
حاله: من «الإكليل الزاهر» ، قال فيه «٣» : فاضل يروقك وقاره، وصقر بعد مطاره. قدم من بلده وادي آش «٤» يروم اللحاق بكتّاب الإنشاء، وتوسل بنظم أنيق، وأدب «٥» في نسب الإجادة عريق، تعرب براعته عن لسان ذليق، وطبع طليق، وذكاء بالأثرة خليق، وبيننا هو يلحم في ذلك الغرض ويسدي، ويعيد ويبدي، وقد كادت وسائله أن تنجح، وليلة «٦» رجائه أن تصبح، اغتاله الحمام، وخانته الأيام، والبقاء لله والدّوام.
شعره: من شعره يخاطبني لما تقلدت الكتابة العليا «٧» : [البسيط]
هو العلاء «٨» جرى باليمن طائره ... فكان منك على الآمال ناصره
ولو جرى بك ممتدّا إلى أمل «٩» ... لأعجز الشمس ما أمّت «١٠» عساكره
لقد حباه منيع العزّ خالقه ... بفاضل منك لا تحصى مآثره
فليزه فخرا فما خلق يعارضه ... ولا علاء «١١» مدى الدنيا يفاخره
لله أوصافك الحسنى لقد عجزت ... من كلّ ذي لسن عنها خواطره
هيهات ليس عجيبا عجز ذي لسن ... عن وصف بحر رمى بالدّرّ زاخره
стр. 1390
هل أنت إلّا الخطيب ابن الخطيب ومن ... زانت حلى الدين والدنيا مفاخره
فإن يقصّر عن الأوصاف ذو أدب ... فما بدا منك في التقصير عاذره
يا ابن الكرام الألى ما شبّ طفلهم ... إلّا وللمجد قد شدّت مآزره
مهلا عليك فما العلياء قافية ... ولا العلاء «١» بسجع أنت ناثره
ولا المكارم طرسا أنت راقمه ... ولا المناقب طبّا أنت ماهره
ماذا على سابق يسري على سنن ... إن كان من نفعه «٢» خلّ يسايره
سر حيث شئت من العلياء متّئدا «٣» ... فما أمامك سابق «٤» تحاذره
أنت الإمام لأهل الفخر إن فخروا ... أنت الجواد الذي عزّت مفاخره «٥»
ما بعد ما حزته من عزّة وعلا ... شأو يطارد فيه المجد كابره
نادت بك الدولة النّصريّ «٦» محتدها ... نداء مستنجد «٧» أزرا يوازره
حلّيتها برداء البرّ مرتديا ... وصبح يمنك فجر السّعد سافره «٨»
فالملك يرفل في أبراده مرحا ... قد عمّت الأرض إشراقا بشائره
فاهنأ «٩» بها نعمة ما أن يقوم لها «١٠» ... من اللسان ببعض الحقّ شاكره
وليهننا أنه «١١» ألقت مقالدها ... إلى سريّ «١٢» زكت منه عناصره
فإنه بدر تمّ في مطالعها ... قد طبّق الأرض بالأنوار نائره
ومن أطبع ما هزّ به إلى إقامة سوقه، ورعي حقوقه، قوله «١٣» : [البسيط]
يا معدن الفضل موروثا ومكتسبا ... فكل «١٤» مجد إلى عليائها «١٥» انتسبا
стр. 1391
بباب مجدكم الأسمى أخو أدب ... مستصرخ بكم يستنجد الأدبا
ذلّ الزمان له طورا فبلّغه ... من بعض آماله بعض «١» الذي طلبا
والآن أركبه من كلّ نائبة «٢» ... صعب الأعنّة لا يألو به نصبا
فحمّلته دواعي حبّكم وكفى ... بذاك شافع صدق يبلّغ الأربا
فهل سرى نسمة من جاهكم فيها «٣» ... خليفة الله فينا يمطر الذّهبا
وأهدى إليّ قباقب خشب برسمي ومعها من جنسها صغار للأولاد من مدينة وادي آش من خشب الجوز، وكتب لي معها «٤» : [الخفيف]
هاكها ضمّرا مطايا حسانا ... نشأت في الرياض قضبا لدانا
وثوت بين روضة وغدير ... مرضعات من النّمير لبانا «٥»
ثم لمّا أراد إكرامها الله ... وسنّى لها المنى والأمانا
قصدت بابك العليّ ابتدارا ... ورجت في قبولك الإحسانا «٦»
قد قبلنا جيادك الدّهم لمّا ... أن بلونا منها العتاق الحسانا
أقبلت خلف كلّ حجر ببيع «٧» ... خلعت وصفها عليه عيانا
فقبلنا «٨» برعيها وفسحنا ... في ديار «٩» العلى لها ميدانا
وأردنا امتطاءها «١٠» فاتّخذنا «١١» ... من شراك الأديم فيها عنانا
قدمت قبلها كتيبة سحر ... من كتاب سبت به الأذهانا
مثلما تجنب الجيوش المذاكي «١٢» ... عدّة للقاء مهما كانا
стр. 1392
لم ترق مقلتي ولا رقّ قلبي ... كحلاها براعة وبيانا «١»
من يكن مهديا فمثلك يهدي ... لم أجد للثّنا عليك لسانا
وفاته: توفي في الرابع لشعبان من عام «٢» خمسين وسبعمائة معتبطا في الطاعون، لم يبلغ الثلاثين.
علي بن محمد بن علي العبدري
سكن غرناطة، يكنى أبا الحسن ويعرف بالورّاد، ويشهر أبوه باليربوني.
حاله: بقية مسنّي أدباء الأندلس في فن الهزل والمعرب، والهزل متولي شهرته، وله القدح المعلّى فيه، والطريقة المثلى، ظريف المأخذ، نبيل الأغراض، حافظ للعيون، مال بآخرة إلى النّسك وصحبة الصالحين. ولم يزل بحاله الموصوفة إلى أن استولت عليه الكبرة، وظرفه يتألّق خلال النسك. وجرى ذكره في «الإكليل الزاهر» بما نصّه: أديب، نار ذكائه كأنه يتوقّد، وأريب لا يعترض كلامه ولا ينقد. أمّا الهزل فطريقته المثلى، التي ركض في ميدانها وجلى، وطلع في أفقها وتجلّى، فأصبح علم أعلامها، وعابر أحلامها. إن أخذ بها في وصف الكاس، وذكر الورد والآس، وألمّ بالربيع وفصله، والحبيب ووصله، والروض وطيبه، والغمام وتقطيبه، شقّ الجيوب طربا، وعلّ النفوس إربا وضربا. وإن أشفق لاعتلال العشية، في فرش الربيع الموشية، ثم تعدّاها إلى وصف الصّبوح، وأجهز على الرق المجروح، وأشار إلى نغمات الورق، يرفلن في الحلل الزّرق، وقد اشتعلت الليل نار البرق، وطلعت بنور الصباح في شرفات الشرق، سلب الحليم وقاره، وذكر الخليع كأسه وعقاره، بلسان يتزاحم على مورده الخيال، ويتدفّق من حافاته الأدب السيال، وبيان يقيم أود المعاني، ويشيده صانع اللفظ محكمة المباني، ويكسو حلل الإحسان جسوم المثالث والمثاني، إلى نادرة لمثلها يشار، ومحاضرة يجنى بها الشهد ويسار.
وقد أثبتّ من شعره المعرب، وإن كان لا يتعاطاه إلّا قليلا، ولا يجاوره إلّا تعليلا، أبياتا لا تخلو من مسحة جمال على صفحاتها، وهبّة طيب ينمّ في نفحاتها.
فمن ذلك قوله: [الطويل]
يذكّرني حسن الكواعب روضة ... لها خطر قيد النّواظر مونق
стр. 1393
خدود من الورد النضير وأعين ... من النّرجس السامي إليها تحدّق
وخامات زرع يانع كذؤاب ... وما شقّها من جدول الماء مفرّق
ومن شعره قوله: [الوافر]
أسافرة النقاب، سحرت لمّا ... أمطت الخزّ عن بدر التمام
وتيّمت الفؤاد بغنج طرف ... كحيل ما يفيق من المنام
لعمر أبيك ما بالنوم بعد ... عن الجفن المكحّل بالظلام
ومن معانيه المخترعة وأغراضه المبتدعة، وكلها كذلك: [البسيط]
ما لي إذا غبتم تهمي لفرقتكم ... عيني بمنهمر كالغيث هتّان
أشبهت نيلوفرا والشمس بهجتكم ... إن غبتم غبت في أمواه أجفان
السّقم يشهد لي والدّمع برّح بي ... متى استوى عندكم سرّ وإعلان؟
وقال من المستحسن الذي رمى فأصاب، واستمطر طبعه فصاب: [الطويل]
يقولون: لاح الشيب فاله عن الصّبا ... وعن قهوة تصبو لها وتنيب
فقلت: دعوني نصطحبها سلافة ... على صبح شيبي فالصّبح عجيب
وقال كذلك: [الكامل]
لا تعجبنّ من البليد مخولا ... ومن اللبيب يعدّ في الفقراء
الماء أصل الخصب غير مدافع ... وأخو البلادة طبعه كالماء
والنار مؤثرة الجدوب وإنها ... لشبيهة بطبائع الفطناء
ومن قصائده الغريبة: [الكامل]
ومعذّر لحظ المشيب بعارضي ... فتصرّمت دوني حبال وصاله
هلّا ثنته نسبة لمحبّه؟ ... إنّ العذار لشيبة لجماله
وقال أيضا: [الوافر]
تحرّ الصّدق إن حدّثت يوما ... وإن حدّثت لا تنقل حديثا
وكن للسّرّ صوّانا كتوما ... وربما كان سرّك أو حديثا
وقال مما يكتب في غمد سيف: [الطويل]
لئن راق منّي منظر بان حسنه ... لقد سامني بالمهنّد باطن
كأنّ أديمي رقعة من حديقة ... تلقّفها صلّ لدى الروض كامن
стр. 1394
وقال مما يكتب على قوس: [البسيط]
إن كان من وتر الألحان منبعثا ... سرور قوم مدى الآصال والبكر
فإنّ حزن العدا ما نال منبعثا ... منّي وحينهم في النّقر في وتر
وقال في غير هذا الغرض: [السريع]
الخير كلّ الخير في ستّة ... لم تلف إلّا في كرام الرجال
الحزم والحلم وحمل الأذى ... والصبر والصّمت وصدق المقال
ومما نختتم به محاسنه قوله: [الطويل]
ألا إنّ باب الله ليس بمغلق ... ولا دونه من مانع لموفّق
ولكن بلينا في سلوك طريقه ... بكلب من الشيطان ليس بمطرق
فمن يرم بالدنيا إليه كلقمة ... فذاك الذي من شرّه ليس يتّقي
فخلّ عن الدنيا ودع عنك حبّها ... يدعك إلى أوج السعادة ترتقي
وقوله: [البسيط]
أيقنت أنّ جميع الخلق ليس له ... شيء من الأمر في شيء فيصنعه
فلا أخاف ولا أرجو مدى عمري ... إلّا الذي في يديه الخلق أجمعه
مولده: بمدينة مالقة في اليوم الثالث والعشرين لذي حجة من عام أحد وثمانين وستمائة.
وفاته: في أحواز أحد وستين وسبعمائة.
علي بن عبد العزيز ابن الإمام الأنصاري
يكنى أبا الحسن، سرقسطي الأصل، غرناطي الاستيطان والاستعمال.
حاله: كان وزيرا جليلا، معظّم القدر، مبجلا أثيرا، ذا معارف جمة، أحد كتاب الزمن، وأهل البلاغة والفصاحة والكرم. وزر للأمير أبي الطاهر تميم بن يوسف بن تاشفين، صاحب غرناطة، فحمدت وزارته، وكتب للأمير علي بن يوسف.
وروى عن شيوخ غرناطة.
أخباره في الجود والجلالة:
قال أبو القاسم: شكى إليه بعض إخوانه من حادث طرقه، وأن النّفاق أخرجه من بلده، وحال بينه وبين بلده، فأنزله أكرم منزل، وخرج إلى المسجد الجامع،
стр. 1395
وأشهد على نفسه أنه وهبه الربع من أملاكه، وكتب بذلك عقدا ودفعه إليه، وقال: يا أخي، إن ذلك سيصلح من حالك، وحالي لا يتسع لأكثر من هذا، فاعذر أخاك.
وكان الذي وهبه يساوي فوق الألف دنير مرابطية، فرحم الله الوزير أبا الحسن؛ فلقد كان نادرة الزمن.
شعره: من ذلك قوله: [الكامل]
يا ليت شعري والأماني كلّها ... زور يغرّك أو سراب يلمع
في كل يوم منزل لأحبّة ... كالظلّ يلبس للمقيل «١» ويخلع
ومن ذلك قوله: [الوافر]
تسمّوا بالمعارف والمعالي ... فليس المجد بالرحم البوال
وإن فاتا فبالبيض المواضي ... وبالسّمر المثقّفة العوالي
وإنّ المرء تنهضه هذه «٢» ... فليس بناهض أخرى الليالي
ومن أسمته أسباب سواها ... فرفعتها تؤول إلى سفال
ومن المحدّثين والفقهاء والطلبة النجباء
علي بن إبراهيم بن علي بن إبراهيم الجذامي «٣»
القاضي المتفنن الحافظ، من أهل غرناطة، يكنى أبا الحسن.
حاله: من الصّلة: كان عدلا فاضلا جليلا، ضابطا لما رواه، فقيها حافظا، حسن التقييد.
تواليفه: قال: اختصر كتاب «الاستذكار» لأبي عمر بن عبد البر، وغير ذلك.
مشيخته: روى «٤» عن أبي محمد عبد الحق بن بونة، والقاضي أبي عبد الله بن زرقون، وأبي القاسم بن حبيش، وأبي خالد بن رفاعة، وأبي محمد بن عبيد الله، وأبي زيد السّهيلي، وأبي عبد الله بن الفخار، وأبي الوليد بن رشد.
стр. 1396
مولده: ضحوة يوم الأضحى من عام خمسة وخمسين وخمسمائة «١» .
وفاته: وتوفي قريب الظهر من يوم الأربعاء التاسع عشر لذي حجة من عام اثنين وثلاثين وستمائة.
من روى عنه: روى عنه القاضي أبو علي بن أبي الأحوص «٢» .
علي بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن الضحاك الفزاري
من أهل غرناطة، يكنى أبا الحسن، ويعرف بابن النّفزي.
حاله: قال أبو القاسم الغافقي: فقيه مشاور بغرناطة، محدّث متكلّم.
مشيخته: أخذ عن أبي الحسن شريح، وعن الإمام أبي الحسن علي بن أحمد بن الباذش، وعن أبي القاسم بن ورد، وعن القاضي أبي الفضل عياض بن موسى، وعن الإمام أبي عبد الله المازري، وعن أبي الطاهر السّلفي، وعن أبي مروان بن مسرّة، وأبي محمد بن سماك القاضي، وعلي بن عبد الرحمن بن سمحون القاضي، والقاضي أبي محمد بن عطية، والمشاور أبي القاسم عبد الرحيم بن محمد، والقاضي أبي القاسم بن أبي جمرة، وجماعة يطول ذكرهم.
تواليفه: وله تواليف في أنواع من العلم، منها كتاب «نزهة الأصفياء، وسلوة الأولياء، في فضل الصلاة على خاتم الرسل وصفوة الأنبياء» اثنا عشر جزءا، وكتاب «زواهر الأنوار، وبواهر ذوي البصائر والاستبصار، في شمائل النبيّ المختار» سفران كبيران، وكتاب «منهج السداد، في شرح الإرشاد» ثلاثون جزءا، وكتاب «مدارك الحقائق في أصول الفقه» خمسة عشر جزءا، وكتاب «تحقيق القصد السّني، في معرفة الصمد العلي» سفر، وكتاب «نتائج الأفكار، في إيضاح ما يتعلق بمسألة الأقوال من الغوامض والأسرار» سفر، وكتاب «تنبيه المتعلمين على المقدمات والفصول، وشرح المهمات منها والأصول» سفر، وكتاب «السّباعيات» ، وكتاب «تبيين مسالك العلماء، في مدارك الأسماء» ، وكتاب «رسائل الأبرار، وذخائر أهل الحظوة والإيثار، في انتخاب الأدعية المستخرجة من الأخبار والآثار» سفران اثنان، وكتاب «الإعلام، في استيعاب الرواية عن الأئمة الأعلام» سفران.
стр. 1397
وفاته: توفي في الكائنة بغرناطة سنة سبع وخمسين وخمسمائة. خرج منها يريد وادي آش، فلم يصل إليها، وفقد فلم يوقع له على خبر.
علي بن عبد الله بن يحيى بن زكريا الأنصاري
يكنى أبا القاسم، ويعرف بابن زكريا.
أوّليّته: قد مرّ في ذكر أبيه وعمّه.
حاله: هذا الرجل فاضل، سكون، من أهل السذاجة والسلامة والعفاف والصيانة، معمّ مخول في الخير، طاهر النشأة، جانح للعدالة. قعد للعلاج، وبرز في صناعة الطب على فتا من سنّه، واستيم إليه بمهم من نبيه العمل وخطّته، متصف بالإجادة والبيان.
مشيخته: قرأ العربية والفقه وغيرهما من المبادىء على مشيخة وقته، والطب على الوزير أبي يزيد خالد بن خالد من أهل غرناطة، وقعد معه.
شعره: ينتحل من الشعر ما عينه في الشّرود أو غير ذلك فراره، كقوله:
[الرمل]
صعّدت نار فؤادي أدمعي ... فلذا ما جفّ قلبي فانفطر
لو أباح الله لي وصل إلى «١» ... صدع للقلب مني وانجبر
أصل دائي منك لحظ فاتر ... وأشدّ اللّحظ منه «٢» ما فتر
كيف أرجو منه برءا وغدت ... قهوة للحسن «٣» تسقيه درر؟
فانظر قوله الأنبل من شعره: [الطويل]
ولي همّة من دونها كلّ همّة ... أموت بها عطشان أو يخلص الشّرب
يعزّ على الكريم ورود ماء ... يكدّره شوب ويطرقه نهب
وإني وإن أضحى لودّك موضع ... من القلب أضحى دون موضعه الخلب
فتمنعني نفسي لأيمان أروا ... حهم لا «٤» على شرب يؤنّقه قشب
стр. 1398
غفر الله له على قشب، وتجاوز عنه، فلقد دفع منه فضحها.
وهو بحاله الموصوفة.
ومن الطارئين والغرباء
علي بن أحمد بن محمد بن أحمد بن علي بن أحمد الخشني
من أهل مالقة، من قرية يعشيش من عمل ملتماس، من شرقيها، يكنى أبا الحسن. ودخل غرناطة ومدح أمراءها، وتردّد إليها.
حاله: من «عائد الصلة» : من صدور أهل الدين والفضل، والخير والصلاح والنزاهة، والاقتصاد والانقباض، تحرّف بصناعة التّوثيق بمالقة، جاريا على شاكلة مثله من الاقتصاد، والتبلّغ باليسير، ومصابرة الحاجة، مكبّا على المطالعة والنظر، مجانبا للناس، بعيدا عن الرّيب، مؤثرا للزهد في الدنيا. ولّي الخطابة بالمسجد الأعظم من قصبة مالقة في عام وفاته.
مشيخته: قرأ على الأستاذ الصالح الخطيب أبي جعفر بن الزيات، والأستاذ المقرئ رحلة الوقت أبي عبد الله بن الكمّاد.
شعره: وشعره آخذ بطرف من الإجادة في بعض المقاصد، فمن ذلك قوله:
[الوافر]
أرى لك في الهوى نظرا مريبا ... كأنّ عليك عذلا «١» أو رقيبا
ولست بخائف في الحب شيئا ... على نفسي مخافتي المشيبا
يريني كل ما تهواه نفسي ... قبيحا مالئا عيني عنيبا
أنا منه ابن قيس لا يراح ... فذق مرّ التأسف مستطيبا
إذا ما كنت تبكي فقد حبّ ... فما مثل الشباب به حبيبا
وقال في مذهب المدح من المطولات: [الكامل]
الآن تطلب ودّها ووصالها ... من بعد ما شغلت بهجرك بالها
وقد استحالت فيك سيماء «٢» الصّبا ... حالا يروع مثلها أمثالها
وأتيتها متلبسا بروائع ... نكر بفودك أصبحت عذّالها
стр. 1399
بيض تخيّل للنفوس نصولها ... سمرا تخوّل للنحور نصالها
مثل الأفاعي الرّقط تنفث في الحشا ... وأرى بفودك جثما أطالها
نار تضرّم في الفؤاد حريقها ... لكن تنير بمفرقيك ذبالها
جزعت لهذا الشّيب نفسي وهي ما ... زالت تهوّن كل صعب نالها
ولكم صدعت بنافذ من عزمتي ... همّا فلا «١» يهدي العليم ضلالها
صادمت من كرب الدّنا أشتاتها ... ما خفت غربتها ولا إقلالها
ولئن تقلّص عسرتي فيء الغنا ... عنّي فلي نفس تمدّ ظلالها
ما مزّقت ديباجتي غير امرئ ... عرضت عليه النفس قط سؤالها
ألقى الليالي غير هبّ صرفها ... والأسد غير مجنّب أغيالها
أمشي الهوينا والعداة تمرّ بي ... مرّا يطير عن الجياد نسالها
علمت لي الخلق الجميل محقّقا ... وتسيء فيّ على عم «٢» أقوالها
تبغي انثناء، هل «٣» سمعت بنسمة ... مرّت على نجد تهزّ جبالها؟
ولربما عرضت لعيني نظرة ... يرضى الحكيم غرامها وخبالها
من غادة سرق الصباح بهاءها ... والبدر في ليل التمام كمالها
تهوي المجرّة أن تكون نجومها ... من حليها وهلالها خلخالها
عرضت كما مرّت بعينك مطفل ... ترعى بناظرك الكحيل غرامها
ما نهنهت نفسي وإن ضمنت لها ... عبراتها يوم الوداع وصالها
من كان يأمل أن يقوم بمجلس ... حطّت به شهب السما أثقالها
محا أحاديث السّرى «٤» أولي النّها ... نصّا ويضري في العلى أمثالها
ألقى هواه جانبا وسرى به ... وجنا تدوّي في الدجى إعمالها
ومنها في المدح:
ألبست دين الله حلّة أمن ... أضفت على إسرائه زلزالها «٥»
أنتم بني نصر نصرتم ملّة ال ... إسلام حين شكت لكم عذّالها
كنتم لها أهلا ورحّبتم بها ... في الغربتين ومنتم إنزالها
стр. 1400
نزلت على سعد ليسعد جدّها ... وأوت إلى نصر لينصر آلها
أحرزتم يوم السّقيفة عودها ... دون الأنام وقودها وسكالها
لكن حبوتم من أجرتم منّة ... بخلافة الله التي يعنى لها
إذ تؤثرون سواكم قالت بذا ... آي الكتاب، فمن يردّ مقالها؟
حتى إذا عثرت ولم ينهض بها ... إلّاكم بادرتم إنشالها
آويتم خير البريّة كلّها ... ومغيثها ونجاتها وثمالها
من ألبس الشّرف الرفيع وضيعها ... وكسا معصفرة الحجا جهّالها
من أمّ في السّبع العلى أملاكها ... جبريلها في الغرب أو ميكالها
من أنقذ الغرقى وقد شمل الرّدى ... هذا الأنام خيارها وحثالها
من فاضت الخيرات من تلقائه ... كالصّبح فاض على الدّجى فأزالها
من فجّر العين الفرات بكفّه ... يرو الورى ورد القطا سلسالها
من لا يقاسي «١» بالرياح إذا سرت ... نشرا تقلّ من السحاب ثقالها
معنى وجود الكون علّة كونه ... نفس الحياة منفّسا أهوالها
دامت صلاة الله ديمة عارض ... يهمي عليه ندى الدّنا هطّالها
لمّا تحقّقت النبوّة أنها ... قد زلزلت منها الورى زلزالها
وتقاعست عن منعها أعمامها ... أمّت أئمّة نصرها أحوالها
فوثبتم مثل الليوث لنصرها ... والحرب تجنب خلفها أشبالها
وأدرتم منها زبونا أصبحت ... ترمي رؤوس الملحدين ثقالها
بدر وما بدر وردّم قلبها ... بجنادل الطاغوت تملأ جالها
ولكم بأوطاس وقد حمي الوطي ... س على العدا يوم أطاح بحالها
فنزعتم أزواجها وسبيتم ... أولادها وسلبتم أموالها
وذهبتم بالمصطفى لدياركم ... وحيا سواكم ساقها وجمالها
فزتم به فوز المعلّى منحة ... أحرزتم دون الأنام منالها
يا أيها الملك الذي من ملكه ... جنت الملوك جمالها وجلالها
ما زال حزبك منهم يعلو على ... مرّ الدهور ويعتلي أجبالها
حتى حللت من المجادة ذروة ... ما حلّ غيرك في المجادة حالها
تحمي الهدى تهمي النّدى تولي الجدا ... وتقي الردى وتري العدا أوجالها
стр. 1401
قعدت شريعته بيمنك ليس من ... كدر يشين على العباد زلالها
يا سيّد السادات، يا ملك الملو ... ك وشمسها وصباحها وهلالها
يا بدرها، يا بحرها، أو غيثها ... أو ليثها أو حسنها وجمالها
خذها كما دارت بكأس سلافها ... حوراء تمزج باللّمى جريالها
تثني على السّحر المبين وشاحها ... وتدير من خمر الفتور جلالها
لمياء تبرز للعيون كشاطر ... والعقل يوجب حكمه إجلالها
وقفت وذو إحسانها من هاشم ... من سبط خير العالمين حيالها
يرجو رضاك وطالما أرضيتم ... آل النبيّ وكنتم أرسالها
كم من يد بيضا لدينا منكم ... شكرا «١» له وأولياه فعالها
آويتم، واسيتم، واليتم، ... أحللتمونا داركم وجلالها
وهجرتم لوصالنا أعداءنا ... ووصلتم لصلاتنا أوصالها
فصلوا حياءنا «٢» ما استطعتم وصله ... تعطوا من اجزاء «٣» الجزاء جزالها
وله تأليف غريب عكف عليه عمره في فضل مكّة، وكأنه يروم برهانا على وجوب كونها بالموضع الذي هي به، وفضله على سواه، وتكلم على حروف اسمها، من جهة تناسب أعداد الحروف، مما الناظر فيه مخير في نسبه إلى العرفان أو الهذيان.
وفاته: توفي بمالقة في أخريات صفر من عام خمسين وسبعمائة.
علي بن أحمد بن محمد بن يوسف بن مروان بن عمر الغساني
من أهل وادي آش، وروى وتردّد إلى غرناطة، يكنى أبا الحسن.
حاله: كان فقيها حافظا، يقظا، حسن النظر، أديبا، شاعرا مجيدا، كاتبا بليغا، فاضلا.
مشيخته: روى عن أبي إسحاق بن عبد الرحيم القيسي، وأبي الحسن طاهر بن يوسف، وأبي العباس الخرّوبي، وأبي القاسم بن حبيش، وأبي محمد عبد المنعم بن الفرس الغرناطي، ومحمد بن علي بن مسرّة.
стр. 1402
وروى عنه أبو بكر بن عبد النور، وأبو جعفر بن الدلال، وأبو عبد الله بن أحمد المذحجي، وأبو سعيد الطّراز، وابن يوسف، وابن طارق، وأبو علي الحسن بن سمعان، وأبو القاسم بن الطّيلسان.
تواليفه: صنّف في شرح «الموطأ» مصنّفا سمّاه «نهج المسالك، للتفقه في مذهب مالك» في عشرة مجلدات. وشرح صحيح مسلم وسمّاه «اقتباس السراج، في شرح مسلم بن الحجاج» . وشرح تفريع ابن الجلاب وسمّاه «الترصيع، في شرح مسائل التفريع» . وصنّف في الآداب منظوماته ورسائله، وهي شهيرة، شاهدة بتبريزه وتقدّمه. وله نظم شمائل رسول الله ﷺ ، رسالة بديعة تشتمل على نظم ونثر، بعث بها إلى القبر الشريف. وله كتاب «الوسيلة إلى إصابة المعنى، في أسماء الله الحسنى» .
شعره: من شعره في «الوسيلة» ، وقد ضمّن كل قطعة أو قصيدة اسما من أسماء الله تعالى، فمنها قوله في اسم الله سبحانه: [الطويل]
قل الله نستفتح من اسمائه الحسنى ... بأعظمها لفظا وأعظمها معنى
هو الله فادع الله بالله تقترب ... لأقرب قربى من وريدك أو أدنى
وآمله مضطرّا وقف عند بابه ... وقوف عزيز لا يصدّ ولا يثنى
بباب إله أوسع الخلق رحمة ... فلله ما أولى أبرّ وما أحنى
وقدّم من الإخلاص ثم وسيلة ... تنل رتبة العلياء «١» والمقصد الأسنى
أمولاي، هل للخلق غيرك مفضل ... يصرّح عن ذكراه في اللفظ أو يكنى؟
ببابك مضطر شكا منك فقره ... لأكرم من أغنى فقيرا ومن أقنى
وللفضل والمعروف منك عوائد ... لها الحمد ما أدنى قطوفا وما أهنى
فمنها لك الإنعام دأبا خوالدا ... تفاني بها الأيام طرّا ولا يفنى
وفاته: توفي شهيدا في ربيع الآخر سنة تسع وستمائة.
علي بن صالح بن أبي الليث الأسعد بن الفرج بن يوسف «٢»
طرطوشي، سكن دانية، يكنى أبا الحسن، ويعرف بابن عزّ الناس «٣» .
стр. 1403
حاله: كان «١» عالما بالفقه، حافظا لمسائله، متقدّما في علم الأصول، ثاقب الذهن، ذكي الفؤاد، بارع الاستنباط، مسدّد النظر، متوقّد الخاطر، فصيح العبارة، ذا حظّ من قرض الشعر «٢» .
من روى عنه: روى «٣» عنه أبو بكر أسامة بن سليمان، وسليمان بن محمد بن خلف، ويحيى بن عمر بن الفصيح.
دخوله غرناطة: قالوا «٤» : واستخلصه الأمير أبو زكريا يحيى بن غانية «٥» أيام إمارته ببلنسية لمشهور معرفته ونباهته، ثم سار معه إلى قرطبة «٦» ، ولازمه إلى أن توفي أبو زكريا بن غانية بغرناطة سنة ثلاث وأربعين، فانتقل إلى شرق الأندلس، واستقرّ بدانية.
تواليفه: وله «٧» مصنّفات منها «كتاب العزلة» ، ومنها «شرح معاني التحيّة» .
ولد بطرطوشة سنة ثمان وخمسمائة، وتوفي بدانية؛ قتل مظلوما بإذن ابن سعد الأمير في رمضان «٨» سنة ست وستين وخمسمائة.
علي بن أبي جلّا المكناسي «٩»
يكنى أبا الحسن.
حاله: كان «١٠» شيخا ذكيا، طيب النفس، مليح الحديث، حافظا للمسائل الفقهية، عارفا لها، قائما على كتاب المدوّنة، تفقّه بالشيخ أبي يوسف الجزولي،
стр. 1404
وعليه اجتهد في مسائل الكتاب. وكان مضطلعا بمشكلاته، حسن المذاكرة، مليح المجلس أنيسه، كثير الحكايات، إلّا أنه كان يحكي غرائب شاهدها تملّحا وأنسا، فينمّقها عليه الطلبة «١» ، وربما تعدّوا ذلك إلى الافتعال على وجه المزاح والمداعبة، حتى لجمعوا «٢» من ذلك كثيرا في جزء سموه ب «السّلك «٣» المحلّى، في أخبار ابن أبي جلّا» . فمن ذلك ما زعموا أنه حدّث بأنه كانت له هرّة، فدخل البيت يوما، فوجدها قد بلّت أحد «٤» كفّيها، وجعلته في الدقيق حتى علق به، ونصبته بإزاء كوّة فأر في الجدار، ورفعت اليد الأخرى لصيده، فناداها باسمها، فردّت «٥» رأسها، وجعلت إصبعها في «٦» فمها على هيئة المشير بالصمت. وأشباه ذلك كثير.
وفاته: في حدود ستة «٧» وأربعين وسبعمائة.
علي بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن علي ابن سمحون الهلالي
يكنى أبا الحسن.
حاله: كان شيخا جليلا، فقيها، عارفا، نبيلا، نبيها، ذا مروءة كاملة، وخلق حسن، من بيت حسب وعلم ودين. قال أبو القاسم الملّاحي: حدّثني صاحبنا الفقيه الخطيب أبو جعفر بن حسان، قال: كنت أجاوره في بعض أملاكي، وكان له ملك يلاصقني، أتمنى أن أكتسبه، فينتظم لي به ما هو مفترق، فوافقته ذات يوم في القرية، فسألته المعاوضة به، وخيّرته في مواضع في أرضي، فضحك مني، وقال لي: انظر في ذلك إن شاء الله. ثم إنه وجّه لي بعد ذلك بأيام يسيرة، بعقد يتضمن البيع وقبض الثمن مني، فخجلت منه، وراودته في أخذ الثمن، فأبى وقال لي: هذا قليل في حقّك، وكان قد لقي شيوخا أخذ عنهم، وكانت له كتب كثيرة.
وفاته: توفي بالمنكّب صبح اليوم السادس من رمضان عام ستة وتسعين وخمسمائة. ولست أحقق أهو القريب أو سلفه، وعلى كلا التقديرين، فالفضل حاصل.
стр. 1405
علي بن محمد بن عبد الحق الزرويلي «١»
يكنى أبا الحسن، ويعرف بالصّغير، بضم الصاد وفتح الغين والياء المشددة.
حاله: من «المؤتمن» «٢» : كان هذا الرجل قيّما على التهذيب للبرادعي، حفظا وتفقها، يشارك في شيء من أصول الفقه، يطرّز بذلك مجالسه، مغربا به بين أقرانه من المدرسين في ذلك الوقت، لخلوّهم من تلك الطريقة بالجملة.
حضرت «٣» مجلس إقرائه، وكان ربعة، آدم اللون، خفيف العارضين، يلبس أحسن زيّ صنعة، وأحسن ما فيه ليس بحسن. وكان يدرس بجامع الأصدع من داخل مدينة فاس، ويحضر عليه نحو مائة نفس، ويقعد على كرسي عال ليسمع البعيد والقريب، على انخفاض كان في صوته، حسن الإقراء، وقورا فيه، سكونا، مثبتا، صابرا على هجوم طلبة البربر، وسوء طريقتهم في المناظرة والبحث، وكان أحد الأقطاب الذين تدور عليهم الفتوى أيام حياته، ترد عليه السؤالات من جميع بلاد المغرب، فيحسن التوقيع على ذلك، على طريقة من الاختصار وترك فضول القول. ولّي القضاء بفاس؛ قدّمه أبو الربيع سلطان المغرب وأقام أوده، وعضده، فانطلقت يده على أهل الجاه، وأقام الحق على الكبير والصغير، وجرى من العدل على صراط مستقيم. ونقم عليه اتخاذ شمّام يستنشق على الناس الخمر، ويحقّ أن ينتقد ذلك.
مشيخته: أخذ عن الفقيه راشد بن أبي راشد الوليدي، وانتفع به، وعليه كان اعتماده. وأخذ عن صهره أبي الحسن بن سليم، وأبي عمران الجورماني، وعن غيرهما «٤» . وقيّدت عنه بفاس على التهذيب وعلى رسالة أبي زيد، قيّدها عنه تلاميذه، وأبرزوها تأليفا كأبي سالم بن أبي يحيى.
وفاته: وفاته يوم الثلاثاء السادس لرمضان عام تسعة عشر وسبعمائة، ودخل غرناطة لمّا وصل رسولا على عهد مستقضيه، رحمهما الله.
следующие страницы →