← Тараджим

Тараджим · id 11682

الإحاطة في أخبار غرناطة

لسان الدين بن الخطيب

Полный текст (1 954 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

قعدت شريعته بيمنك ليس من ... كدر يشين على العباد زلالها يا سيّد السادات، يا ملك الملو ... ك وشمسها وصباحها وهلالها يا بدرها، يا بحرها، أو غيثها ... أو ليثها أو حسنها وجمالها خذها كما دارت بكأس سلافها ... حوراء تمزج باللّمى جريالها تثني على السّحر المبين وشاحها ... وتدير من خمر الفتور جلالها لمياء تبرز للعيون كشاطر ... والعقل يوجب حكمه إجلالها وقفت وذو إحسانها من هاشم ... من سبط خير العالمين حيالها يرجو رضاك وطالما أرضيتم ... آل النبيّ وكنتم أرسالها كم من يد بيضا لدينا منكم ... شكرا «١» له وأولياه فعالها آويتم، واسيتم، واليتم، ... أحللتمونا داركم وجلالها وهجرتم لوصالنا أعداءنا ... ووصلتم لصلاتنا أوصالها فصلوا حياءنا «٢» ما استطعتم وصله ... تعطوا من اجزاء «٣» الجزاء جزالها وله تأليف غريب عكف عليه عمره في فضل مكّة، وكأنه يروم برهانا على وجوب كونها بالموضع الذي هي به، وفضله على سواه، وتكلم على حروف اسمها، من جهة تناسب أعداد الحروف، مما الناظر فيه مخير في نسبه إلى العرفان أو الهذيان. وفاته: توفي بمالقة في أخريات صفر من عام خمسين وسبعمائة. علي بن أحمد بن محمد بن يوسف بن مروان بن عمر الغساني من أهل وادي آش، وروى وتردّد إلى غرناطة، يكنى أبا الحسن. حاله: كان فقيها حافظا، يقظا، حسن النظر، أديبا، شاعرا مجيدا، كاتبا بليغا، فاضلا. مشيخته: روى عن أبي إسحاق بن عبد الرحيم القيسي، وأبي الحسن طاهر بن يوسف، وأبي العباس الخرّوبي، وأبي القاسم بن حبيش، وأبي محمد عبد المنعم بن الفرس الغرناطي، ومحمد بن علي بن مسرّة.

стр. 1402

وروى عنه أبو بكر بن عبد النور، وأبو جعفر بن الدلال، وأبو عبد الله بن أحمد المذحجي، وأبو سعيد الطّراز، وابن يوسف، وابن طارق، وأبو علي الحسن بن سمعان، وأبو القاسم بن الطّيلسان. تواليفه: صنّف في شرح «الموطأ» مصنّفا سمّاه «نهج المسالك، للتفقه في مذهب مالك» في عشرة مجلدات. وشرح صحيح مسلم وسمّاه «اقتباس السراج، في شرح مسلم بن الحجاج» . وشرح تفريع ابن الجلاب وسمّاه «الترصيع، في شرح مسائل التفريع» . وصنّف في الآداب منظوماته ورسائله، وهي شهيرة، شاهدة بتبريزه وتقدّمه. وله نظم شمائل رسول الله ﷺ ، رسالة بديعة تشتمل على نظم ونثر، بعث بها إلى القبر الشريف. وله كتاب «الوسيلة إلى إصابة المعنى، في أسماء الله الحسنى» . شعره: من شعره في «الوسيلة» ، وقد ضمّن كل قطعة أو قصيدة اسما من أسماء الله تعالى، فمنها قوله في اسم الله سبحانه: [الطويل] قل الله نستفتح من اسمائه الحسنى ... بأعظمها لفظا وأعظمها معنى هو الله فادع الله بالله تقترب ... لأقرب قربى من وريدك أو أدنى وآمله مضطرّا وقف عند بابه ... وقوف عزيز لا يصدّ ولا يثنى بباب إله أوسع الخلق رحمة ... فلله ما أولى أبرّ وما أحنى وقدّم من الإخلاص ثم وسيلة ... تنل رتبة العلياء «١» والمقصد الأسنى أمولاي، هل للخلق غيرك مفضل ... يصرّح عن ذكراه في اللفظ أو يكنى؟ ببابك مضطر شكا منك فقره ... لأكرم من أغنى فقيرا ومن أقنى وللفضل والمعروف منك عوائد ... لها الحمد ما أدنى قطوفا وما أهنى فمنها لك الإنعام دأبا خوالدا ... تفاني بها الأيام طرّا ولا يفنى وفاته: توفي شهيدا في ربيع الآخر سنة تسع وستمائة. علي بن صالح بن أبي الليث الأسعد بن الفرج بن يوسف «٢» طرطوشي، سكن دانية، يكنى أبا الحسن، ويعرف بابن عزّ الناس «٣» .

стр. 1403

حاله: كان «١» عالما بالفقه، حافظا لمسائله، متقدّما في علم الأصول، ثاقب الذهن، ذكي الفؤاد، بارع الاستنباط، مسدّد النظر، متوقّد الخاطر، فصيح العبارة، ذا حظّ من قرض الشعر «٢» . من روى عنه: روى «٣» عنه أبو بكر أسامة بن سليمان، وسليمان بن محمد بن خلف، ويحيى بن عمر بن الفصيح. دخوله غرناطة: قالوا «٤» : واستخلصه الأمير أبو زكريا يحيى بن غانية «٥» أيام إمارته ببلنسية لمشهور معرفته ونباهته، ثم سار معه إلى قرطبة «٦» ، ولازمه إلى أن توفي أبو زكريا بن غانية بغرناطة سنة ثلاث وأربعين، فانتقل إلى شرق الأندلس، واستقرّ بدانية. تواليفه: وله «٧» مصنّفات منها «كتاب العزلة» ، ومنها «شرح معاني التحيّة» . ولد بطرطوشة سنة ثمان وخمسمائة، وتوفي بدانية؛ قتل مظلوما بإذن ابن سعد الأمير في رمضان «٨» سنة ست وستين وخمسمائة. علي بن أبي جلّا المكناسي «٩» يكنى أبا الحسن. حاله: كان «١٠» شيخا ذكيا، طيب النفس، مليح الحديث، حافظا للمسائل الفقهية، عارفا لها، قائما على كتاب المدوّنة، تفقّه بالشيخ أبي يوسف الجزولي،

стр. 1404

وعليه اجتهد في مسائل الكتاب. وكان مضطلعا بمشكلاته، حسن المذاكرة، مليح المجلس أنيسه، كثير الحكايات، إلّا أنه كان يحكي غرائب شاهدها تملّحا وأنسا، فينمّقها عليه الطلبة «١» ، وربما تعدّوا ذلك إلى الافتعال على وجه المزاح والمداعبة، حتى لجمعوا «٢» من ذلك كثيرا في جزء سموه ب «السّلك «٣» المحلّى، في أخبار ابن أبي جلّا» . فمن ذلك ما زعموا أنه حدّث بأنه كانت له هرّة، فدخل البيت يوما، فوجدها قد بلّت أحد «٤» كفّيها، وجعلته في الدقيق حتى علق به، ونصبته بإزاء كوّة فأر في الجدار، ورفعت اليد الأخرى لصيده، فناداها باسمها، فردّت «٥» رأسها، وجعلت إصبعها في «٦» فمها على هيئة المشير بالصمت. وأشباه ذلك كثير. وفاته: في حدود ستة «٧» وأربعين وسبعمائة. علي بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن علي ابن سمحون الهلالي يكنى أبا الحسن. حاله: كان شيخا جليلا، فقيها، عارفا، نبيلا، نبيها، ذا مروءة كاملة، وخلق حسن، من بيت حسب وعلم ودين. قال أبو القاسم الملّاحي: حدّثني صاحبنا الفقيه الخطيب أبو جعفر بن حسان، قال: كنت أجاوره في بعض أملاكي، وكان له ملك يلاصقني، أتمنى أن أكتسبه، فينتظم لي به ما هو مفترق، فوافقته ذات يوم في القرية، فسألته المعاوضة به، وخيّرته في مواضع في أرضي، فضحك مني، وقال لي: انظر في ذلك إن شاء الله. ثم إنه وجّه لي بعد ذلك بأيام يسيرة، بعقد يتضمن البيع وقبض الثمن مني، فخجلت منه، وراودته في أخذ الثمن، فأبى وقال لي: هذا قليل في حقّك، وكان قد لقي شيوخا أخذ عنهم، وكانت له كتب كثيرة. وفاته: توفي بالمنكّب صبح اليوم السادس من رمضان عام ستة وتسعين وخمسمائة. ولست أحقق أهو القريب أو سلفه، وعلى كلا التقديرين، فالفضل حاصل.

стр. 1405

علي بن محمد بن عبد الحق الزرويلي «١» يكنى أبا الحسن، ويعرف بالصّغير، بضم الصاد وفتح الغين والياء المشددة. حاله: من «المؤتمن» «٢» : كان هذا الرجل قيّما على التهذيب للبرادعي، حفظا وتفقها، يشارك في شيء من أصول الفقه، يطرّز بذلك مجالسه، مغربا به بين أقرانه من المدرسين في ذلك الوقت، لخلوّهم من تلك الطريقة بالجملة. حضرت «٣» مجلس إقرائه، وكان ربعة، آدم اللون، خفيف العارضين، يلبس أحسن زيّ صنعة، وأحسن ما فيه ليس بحسن. وكان يدرس بجامع الأصدع من داخل مدينة فاس، ويحضر عليه نحو مائة نفس، ويقعد على كرسي عال ليسمع البعيد والقريب، على انخفاض كان في صوته، حسن الإقراء، وقورا فيه، سكونا، مثبتا، صابرا على هجوم طلبة البربر، وسوء طريقتهم في المناظرة والبحث، وكان أحد الأقطاب الذين تدور عليهم الفتوى أيام حياته، ترد عليه السؤالات من جميع بلاد المغرب، فيحسن التوقيع على ذلك، على طريقة من الاختصار وترك فضول القول. ولّي القضاء بفاس؛ قدّمه أبو الربيع سلطان المغرب وأقام أوده، وعضده، فانطلقت يده على أهل الجاه، وأقام الحق على الكبير والصغير، وجرى من العدل على صراط مستقيم. ونقم عليه اتخاذ شمّام يستنشق على الناس الخمر، ويحقّ أن ينتقد ذلك. مشيخته: أخذ عن الفقيه راشد بن أبي راشد الوليدي، وانتفع به، وعليه كان اعتماده. وأخذ عن صهره أبي الحسن بن سليم، وأبي عمران الجورماني، وعن غيرهما «٤» . وقيّدت عنه بفاس على التهذيب وعلى رسالة أبي زيد، قيّدها عنه تلاميذه، وأبرزوها تأليفا كأبي سالم بن أبي يحيى. وفاته: وفاته يوم الثلاثاء السادس لرمضان عام تسعة عشر وسبعمائة، ودخل غرناطة لمّا وصل رسولا على عهد مستقضيه، رحمهما الله.

стр. 1406

علي بن محمد بن علي بن محمد بن يحيى بن عبد الله ابن يحيى بن عبد الله بن يحيى الغافقي «١» سبتي، ساري «٢» الأصل، انتقل منها أبوه سنة اثنتين وستين وخمسمائة، يكنى أبا الحسن، ويشهر أهل بيته في سارة بني يحيى. حاله: من «التكملة» «٣» : كان محدّثا راوية مكثرا، عدلا ثقة، ناقدا، ذاكرا للتواريخ وأيام الناس وأحوالهم وطبقاتهم، قديما وحديثا، شديد العناية بالعلم، والرغبة فيه، جاعلا الخوض فيه، مفيدا ومستفيدا، وظيفة عمره، جمّاعة للكتب، منافسا فيها، مغاليا في أثمانها، وربما أعمل الرحلة في التماسها حتى اقتنى منها بالابتياع والانتساخ كل علق نفيس. ثم انتقى منها جملة وافرة فحبسها في مدرسته التي أحدثها بقرب باب القصير، أحد أبواب بحر سبتة، وعيّن لها من خيار أملاكه وجيّد رباعه وقفا صالحا، سالكا في ذلك طريقة أهل المشرق، وقعد بها بعد إكمالها لتروية الحديث وإسماعه، في رجب خمس وثلاثين وستمائة، وكثر الأخذ بها عنه، واستمرّ على ذلك مدة. وكان سريّ الهمّة، نزيه النفس، كريم الطبع، سمحا، مؤثرا، معانا على ما يصدر عنه من المآثر الجليلة ونبل الأغراض السنية، بالجدة المتمكنة، واليسار الواسع. وكان سنّيّا، منافرا لأهل البدع، محبّا في العلم وطلابه، سمحا لهم بأعلاق كتبه، قوي الرجاء في ذلك. وممّا يؤثر عنه من النزاهة، أنه لم يباشر قط دنيرا ولا درهما، إنما كان يباشر ذلك وكلاؤه اللائذون به. مشيخته: روى «٤» عن أبوي الحسن أبيه والتجيبي، وأبي الحسن بن عطية بن غازي، وأبي عبد الله محمد بن عيسى، وابن عبد الكريم، وابن علي الكتّاني، وأبي إسحاق الشّقوري، وأبوي بكر بن الفصيح، ويحيى بن محمد بن خلف البوريني، وأبي الحسن بن خروف النحوي، وابن عبيدس، وابن جابر، وابن جبير، وابن زرقون، وابن الصائغ، وأبي بكر بن أبي ركب، وأبي سليمان بن حوط الله، وأبي العباس القوراني، وأبي القاسم عبد الرحيم بن الملجوم، وأبي محمد الحجري وأكثر عنه، وابن حوط الله، وابن محمد بن عيسى التّادلي، وعبد العزيز بن زيدان، ويشكر بن موسى بن الغزلقي، هؤلاء أخذ «٥» عنهم بين سماع وقراءة، وأكثرهم أجازه

стр. 1407

أو كتب إليه مجيزا. ولم يلقه أبو جعفر بن مضاء، وأبو الحسن بن القطان ونجبه، وأبو عبد الله بن حماد، وابن عبد الحق التّلمساني، وابن الفخار، وأبو القاسم السهيلي، وابن حبيش، وأبو محمد عبد المنعم بن الفرس. واستجاز بآخرة، مكثرا من الاستفادة، أبا العباس بن الرومية، فأجاز له من إشبيلية. من روى عنه: روى أبو بكر أحمد بن حميد القرطبي، وأبو عبد الله الطّنجالي، وابن عياش، وأبو العباس بن علي الماردي، وأبو القاسم عبد الكريم بن عمران، وأبو محمد عبد الحق بن حكيم. وحدّث بالإجازة عنه أبو عبد الله بن إبراهيم البكري العباسي. محنته ودخوله غرناطة: غرّبه أمير سبتة اليانشتي الملقب بالواثق بالله، غاصّا به لجلالته وأهليته، وكونه قد عرضت عليه فأباها، فدخل الأندلس في شعبان عام أحد وأربعين وستمائة، فنزل ألمرية وأقام بها إلى المحرم من سنة ثمان وأربعين، وأخذ عنه بها عالم كثير. ثم انتقل إلى مالقة في صفر من هذه السنة ودخل غرناطة، فأخذ عنه جميع طلبتها إلّا النادر. قال الأستاذ أبو جعفر الزبير: وقرأت إذ ذاك عليه، وكان يروم من مالقة الرجوع إلى بلده، ويحوم عليه، فلم يقض له ذلك، وأقام بها يؤخذ عنه العلم، إلى أن أتته منيّته. مولده: بسبته يوم الخميس لخمس خلون من رمضان إحدى وسبعين وخمسمائة. وفاته: توفي بمالقة ضحوة يوم الخميس لليلة بقيت من رمضان تسع وأربعين وستمائة، نفعه الله، بشهادة الموت غريقا. علي بن عبد الله بن محمد ابن يوسف بن أحمد الأنصاري «١» فاسي المولد، أصله منها قديما، ومن مراكش حديثا، يكنى أبا الحسن، ويعرف بابن قطرال.

стр. 1408

حاله: كان ريان من الأدب، كاتبا بليغا، دمث الأخلاق، لين الجانب، فقيها حافظا، عاقدا للشروط، مقدما في النظر فيها، كتب طويلا عن قاضي الجماعة بمراكش، أبي جعفر بن مضاء، ثم عن أبي القاسم بن بقي، وأسنّ ممتعا بحواسه. مشيخته: روى «١» عن أبوي بكر بن الجدّ، وابن أبي زمنين، وأبي جعفر بن يحيى ولازمه كثيرا، وأبي الحجاج بن الشيخ، وأبوي الحسن بن كوثر ونجبه، وأبي الحسن يحيى بن الصائغ، وأبي خالد بن رفاعة «٢» ، وأبي عبد الله بن حفص، وابن حميد، وابن زرقون، وابن سعادة الشاطبي، وابن عروس، وابن الفخار، وأبي العباس، وابن مضاء، ويحيى المجريطي، وأبي القاسم بن بقي، وابن رشد الوراق، وابن سمحون، وابن غالب، وابن جمهور، وابن حوط الله، وعبد الحق بن بونة، وعبد الصمد. وروى عنه ابناه أبو عبد الله وأبو محمد، وأبو عبد الله بن الأبار، وأبو محمد بن برطلة، وأبو محمد بن هارون الطائي، وأبو يعقوب بن عقاب. قال ابن عبد الملك: وحدّثنا عنه من شيوخنا أبو الحجاج بن حكم، وأبو الحسن الرعيني، وأبو الطيب صالح بن شريف، وأبو القاسم العزفي. محنته: وامتحن بالأسر، وهو قاض بأبّدة، حين تغلّب العدوّ الرومي عليها إثر وقيعة «العقاب» «٣» ، وذهب لأجل ذلك أصول سماعه، وافتكّ بمشاركة الوزير أبي سعيد بن جامع، ويسّر الله عليه، فثاب جاهه، واستقام أمره، وقدّم للقضاء بمواضع نبيهة «٤» . دخوله غرناطة: قال: دخل غرناطة وأقام بها، وقرأ على أبي محمد عبد المنعم بن الفرس، وأبي بكر بن أبي زمنين، وأبي عبد الله بن عروس.

стр. 1409

ولد بفاس سنة ثنتين وستين وخمسمائة «١» . وتوفي، عفا الله عنه، يوم الاثنين لإحدى عشرة خلت من جمادى الأولى «٢» عام أحد وخمسين وستمائة بمراكش. «انتهى اختصار السفر العاشر بحمد الله تعالى، يتلوه، ومن السفر الحادي عشر ترجمة الطارئين في ترجمة العمال والأثرا. والحمد لله رب العالمين» *** ومن السّفر الحادي عشر من ترجمة الطارئين في ترجمة العمال والأثرا عمر بن علي بن غفرون الكلبي «٣» من أهل منتفريد «٤» . حاله: كان شيخا مخشوشن الظاهر بدويّه، سريع الجواب، جلدا على العمل، صليبا وقاحا. له ببلده نباهة وخصل من طلب وخطّ وحساب. أمّ ببلده، وانتقل إلى الحضرة عند انتزاء ثغره، وداخل السلطان في سبيل استرجاعه، فنشأت له غمامة رزق ببابه، وأقلّته هضبة حظوة ناطت به ديوان الجيش مدة أيام السلطان، وولّي بعده خططا نبيهة، ثم التأثت حاله وأسنّ، ومات تحت خمول. وجرى ذكره في «الإكليل» بما نصّه «٥» : شيخ خدم، قام له الدهر فيها على قدم، وصاحب تعريض، ودهاء عريض، وفائز من الدولة «٦» بأياد بيض، خدم الدولة النصرية ببلده عند انتزاء أهله، وكان ممن استنزلهم من حزنه إلى سهله، وحكّم الأمر الغالبي في يافعه وكهله، فاكتسب «٧» حظوة أرضته، ووسيلة أرهفته وأمضته، حتى

стр. 1410

عظم ماله «١» ، واتسقت آماله. ثم دالت الدول، ونكرت «٢» أيامه الأول، وتقلب «٣» من يجانسه، وشقي بكل «٤» من كان ينافسه، فجفّ عوده، والتاثت سعوده، وهلك والخمول يطلبه «٥» ، والدهر يقوته من صبابة حرث كان يستغلّه. شعره: وله شعر لم يثقّفه النظر، ولا وضحت منه الغرر. كتب للسلطان أمير المسلمين منفق سوق خدمته، ومتغمده بنعمته، يطلب منه تجديد بعض عنايته: [السريع] يا ملكا، ساد ملوك الورى ... في الحال أو في الأعصر الخاليه العبد لا يطلب شيئا سوى ... تجديد خطّ يدك العالية ومن شعره يخبر عن وداده، ويعلن في جناب الملوك الغالبيين بحسن اعتقاده: [الكامل] حبّ الملوك من آل نصر ديني ... ألقى به ربّي بحسن يقيني هو عدّتي في شدّتي وذخيرتي ... وبه يتحسّبني غدا ويقيني «٦» حتى أوان «٧» الحشر لم أخدم سوى ... أبوابهم بوسيلة تكفيني «٨» أرجو نفاد العمر في أيامهم ... من تحت ستر رعاية ترضيني «٩» إن كان دهري في نفادي بعدهم ... فالله، ، لا يبقيني «١٠» وسلم في أيام خموله، وانغلق على المتغلب على الدولة أبي عبد الله بن المحروق، وقد احتقره ببابه، وأعرض عن جوابه، فكتب إليه، ولم يرهب ما لديه: [المجتث] يا من سألتك وعدا «١١» ... في كل يوم مرارا اردد عليّ سلامي ... ولا تدعه احتقارا

стр. 1411

وفاته: قال شيخنا الكاتب أبو بكر بن شبرين، ﵀: وفي ذي حجة من عام أربعة وأربعين وسبعمائة توفي الفقيه أبو علي بن غفرون من أهل منتفريد من حصون براجلة غرناطة. قدم قديما بالباب السلطانية في تنفيذ واجب العسكر الأندلسي وإشراف الحضرة وحفازتها. وكان ميمون النقيبة، وجها في الناس فاضلا، ﵀. علي بن يحيى الفزاري «١» من أهل مالقة، بربري النسب فزاريه. يكنى أبا الحسن، ويعرف بابن البربري. حاله: كان من أماثل طريقته عدلا، وعفافا، وفضلا، ليّن العريكة، دمث الأخلاق، حسن الخط، جيد الشعر، تغلب عليه السلامة والغفلة، تصرف في إشراف مالقة وسواها عمره، محمود الطريقة، حسن السيرة. ومدح الملوك والكبراء. شعره: ممّا خاطبني به قوله «٢» : [الطويل] لبابك أمّ الآملون ويمّموا ... وفي ساحتي رحماك حطّوا وخيّموا «٣» ومن راحتي كفّيك جدواك تنهمي «٤» ... فتروى عطاش من نداك وتنعم وأنت لما راموه كعبة حجّهم ... إذا شاهدوا مرآك لبّوا وأحرموا «٥» يطوفون سبعا حول بابك عندما ... يلوح لهم ذاك المقام المعظّم فيمناك يمن للرعايا «٦» ومنّة ... ويسراك يسر «٧» للعفاة ومغنم ولقياك بشر للنفوس وجنّة ... تزقّ «٨» بها ورق المنا وترنّم فيا واحد الأزمان علما ومنصبا ... ويا من «٩» به الدنيا تروق وتبسم ومن وجهه كالبدر يشرق نوره ... ومن «١٠» جوده كالغيث بل هو أكرم

стр. 1412

ومن ذكره كالمسك فضّ ختامه ... وكالشمس نورا بشره المتوسّم لقد حزت خصل «١» السّبق غير معاند «٢» ... فأنت على أهل السباق مقدّم حويت من العلياء كلّ كريمة ... بها الروض يندى والرّبى تتبسّم وباهيت أقلام المقام «٣» براعة ... فلا قلم إلّا يراعك يخدم إذا «٤» فاخر الأمجاد يوما فإنما ... لمجدك في حال الفخار يسلّم وإن سكتوا كنت البليغ لديهم ... يعبّر «٥» عن سرّ العلى ويترجم «٦» ومنها: فيا صاحبي نجواي عوجا برامة ... على ربعه حيث النّدى والتّكرّم وقولا له: عبد «٧» ببابك يرتجي ... قضاء لبانات لديك تتمّم وليس له إلّا علاك وسيلة ... ولا شيء أسمى من علاك وأعظم فجد بالذي يرجوه منك «٨» فما له ... كعقد ثمين من ثنائك ينظم بقيت ونجم السّعد عندك طالع ... يضيء له بدر وتشرق أنجم وقال مراجعا القاضي أبا عبد الله بن غالب، ﵀: [الطويل] وما كنت عن ذكر الأحبّة ساليا ... ولا عن هوى بيض الدّما برغيب فلمّا أتتني رقعة بلبليّة ... شغلت بها عن منزل وحبيب وقبّلتها ألفا وقلت لها انعمي ... صباحا وممسى بالقبول وطيب فيا حسن خطّ جاء من عند بارع ... ويا سحر لفظ من كلام أديب وإنّ قريضا لم يحكه ابن غالب ... لخلو من الآداب غير عجيب وفاته: بمالقة في الطاعون عام خمسين وسبعمائة.

стр. 1413

الزهاد والصلحاء والصوفية والفقراء عتيق بن معاذ بن عتيق بن معاذ بن سعيد بن مقدم بن سعيد بن يوسف بن مقدم اللخمي من أهل غرناطة، يكنى أبا بكر، الشيخ الصوفي. حاله: هذا الرجل فذّ الطريقة في الخصوصيّة والتخلّي، وإيثار الانقطاع والعزلة، طرفة في الوقار والحشمة. نشأ بغرناطة وطلب بها، وكتب بألمرية عن بعض ولاة قصبتها، وعني بمطالعة أقوال الصوفية، فآثر طريقهم، وعوّل عليه، وتجرّد وترك التسبّب، والتزم منزله، بحيث لا يريمه إلّا لصلاة الجمعة في أقرب محالّها وإليه، نظيف البزّة، حسن السّمت، مليح الترتيب والظّرف، طيب المجالسة، طلعة متعة، إخباري، يصل ماضي الزمان بمستقبله، جليس مصلّى، ومجيل سبحة، كثير الزوار، ممن يلتمس الخير وينقر عن أهله، محظوظ المجلس، حفيّ بالوارد، ذاكر، مأثرة من مآثر بلده. مشيخته: أخذ عن الخطيب الصالح ولي الله أبي عبد الله الطّنجالي، والخطيب المحدّث أبي عبد الله بن رشيد، والأستاذ النظار أبي القاسم بن الشّاط، والخطيب الصالح أبي جعفر بن الزيات، والشيخ الأستاذ أبي عبد الله بن الفخار الأركشي، نزيل مالقة، والوزير الراوية أبي عبد الله بن ربيع الأشعري، والعدل الراوية أبي الحسن بن مستقور، والأستاذ المقرئ أبي جعفر الجزيري الضرير، والخطيب أبي عبد الله بن الخشاب، والخطيب المقرئ أبي إسحاق بن أبي العاصي، والشيخ والمحدّث أبي تمام غالب بن حسن بن غالب الجهاري، والقاضي المسنّ أبي جعفر الشاطبي، والقاضي المحدّث أبي المجد يوسف بن الحسن بن أبي الأحوص، والأستاذ المحدّث أبي القاسم بن جابر، وأخيه المحدّث أبي جعفر، والقاضي أبي جعفر بن أبي جبل، والأستاذ الصوفي أبي محمد بن سلمون، والشيخ الشريف أبي الحسن علي بن جمرة بن القاسم الجهني، والأستاذ المقرئ أبي عبد الله بن بيبش العبدري، والشيخ المكتّب أبي عمرو عبد الرحمن بن يشت، والشيخ الراوية المحدّث الرحال أبي عبد الله بن جابر الوادآشي، الملقب من الألقاب المشرقية بشمس الدين، والخطيبين أبوي الحسن بن فرحون، وابن شعيب، والقاضي أبي الحسن البلوي، والأستاذ المقرئ. محنته: ناله امتحان من بعض القضاة ببلده، حملا عليه وإنكارا لما امتاز به من مثلى الطريقة، أدّاه إلى سجنه ومنع الناس عن لقائه. وهو الآن بحاله الموصوفة، قد ناهز السبعين، تمرّ الناس تلتمس بركته وتغشى لطلب الدعاء خلوته.

стр. 1414

علي بن علي بن عتيق بن أحمد بن محمد ابن عبد العزيز الهاشمي من أهل غرناطة، ويعرف بالقرشي. حاله: كان، ﵀، على طريقة مثلى، حياء ووقارا وصمتا، وانقباضا وتخلّقا وفضلا، عاكفا على الخير، كثير الملازمة لكسر البيت، مكبّا على المطالعة، مؤثرا للخلوة، كلفا بطريق الصوفية. كتب الشروط لأول أمره، فكان صدرا في الإثبات، وعلما في العدول، إلى لين الجانب، ودماثة الخلق، وطهارة الثوب، وحسن اللقاء، ورجوح المذهب، وسلامة الصدر. قيّد الكثير، ولقي في تشريقه أعلاما أخذ عنهم. وتقدّم خطيبا وإماما بالمسجد الأعظم في غرناطة، عام أحد عشر وسبعمائة، واستمرّت حاله، إلى حين وفاته، على سنن أولياء الله الصالحين. مشيخته: قرأ على الأستاذ أبي جعفر بن الزّبير، ولازمه وتأدّب به، وتلا عليه بالقراءات السبع، وسمع كثيرا من الحديث، وعلى الخطيب الولي أبي الحسن بن فضيلة، والشيخ الخطيب أبي عبد الله بن صالح الكناني، سمع عليه الكثير، قال: أنشدني الخطيب أبو محمد بن برطلة: [مخلع البسيط] أسلمني للبلا «١» وحيدا ... من هو في ملكه وحيد قضى عليّ الفناء حتما ... فلم يكن عنه لي محيد وكيف يبقى غريق نزى ... فذاته أولا صعيد يعيد أحواله إليه ... من نعته المبدىء «٢» المعيد وأخذ عن الشيخ الراوية المحدّث أبي محمد بن هارون الطائي، والشيخ الراوية المعمر أبي محمد الخلاسي، والشيخ الشريف تاج الدين أبي الحسن العرامي، والشيخ المحدّث الإمام شرف الدين أبي محمد عبد المؤمن الدمياطي، والشيخ رضيّ الدين الطبري، والمحدّث الحافظ فخر الدين التودري الميكالي؛ قال: وأنشدني من لفظه بالحرم الشريف لشيخه الإمام أبي الحسن الخزرجي: [الرمل] عن أهيل المنحنى لا أصبر ... فاعذلوني فيهم أو فاعذروا فيه «٣» أحبابي «٤» وإن هم عذّبوا ... ومنائي وصلوا أم هجروا

стр. 1415

والشيخ المحدّث المفتي بالحرم الشريف، رضي الدين محمد بن أبي بكر بن خليل؛ قال: وأنشدني لبعض شيوخه: [الطويل] أفي كل واد شاعر ومطيب ... وفي كل ناد منبر وخطيب؟ نعم كثر الأقوام قلّة ناقد ... لهم فتساوى مخطئ ومصيب والشيخ المحدّث الإمام أنس الدين ابن الإمام قطب الدين القسطلانيّ، والأديب الواعظ نفيس الدين بن إبراهيم اللمطي؛ قال: وأنشدني إجازة عن الشيخ الإمام شرف الدين أبي الفضل السلمي المرسي من قصيدة: [الطويل] إذا جئت ألقى عند بابك حاجبا ... محيّاه من فرط الجهامة حالك ومن عجب «١» مغناك جنّة قاصد ... وحاجبها من دون رضوان مالك والشيخ الإمام تقي الدين بن دقيق العيد، وأبي العباس بن الظاهري، ومحيي الدين بن عبد المنعم، ومحمد بن غالب بن سعيد الجيّاني، والخطيب الجليل أبي عبد الله بن رشيد من أهل المغرب. وكتب له الشريف أبو علي الحسن بن أبي الشرف، والعدل أبو فارس الهواري، وأبو القاسم بن الطيب، وأبو بكر بن عبيدة، وأبو إسحاق الغافقي، وأبو عبد الله الدرّاج، وأبو الحكم مالك بن المرحّل، وأبو إسحاق التّلمساني، وغيرهم. تواليفه: صنّف في التصوّف كتابا سماه «مطالع أنوار التحقيق والهداية» وكتابا في غرض «الشفا» العياضي. ومن شعره، ثبتّ بظهر الكتاب المسمّى ب «الموارد المستعذبة» من تأليف شيخنا أبي بكر بن الحكيم ما نصّه: [الطويل] كتابك ذا من هوته المفاخر ... سنا وسنا راق منه زواهر لقد جاء كالعقد المنظّم ناثرا ... فرائد قسّ عنك في ذاك «٢» قاصر بلاغته في القوم تشهد عندما ... تشكك فيه أنه عنك صادر فلله من روض أنيق غصونه ... بما تتمنّاه «٣» فزاه وزاهر فما شئته تجده فيه فإنه ... لناظره بحر بها هو زاخر فنهنيكم بابن الألى شاع مجدهم ... قيادكم مجد بذاتك آخر أتيت بما فيه تبثّ «٤» حياة من ... حوته على مرّ الدهور المقابر

стр. 1416

وأبديت فيه سحر لفظك رائقا ... تلذّ به الأجفان وهي سواهر ومتّعت طرفي فيه لا زلت باقيا ... نحا «١» بك ربيّ يوم تبلى السرائر وخصّك منّي بالسلام مردّدا ... عليك مدى الدنيا وما طار طائر مولده: في حدود سنة سبع وستين وستمائة. وفاته: في صفر من عام أربعة وأربعين وسبعمائة. وكانت جنازته بالغة أقصى مبالغ الاحتفال، وتزاحم الناس على قبره بما بعد العهد به. وممن رثاه شيخنا أبو الحسن بن الجياب فقال: [الرمل] قضي الأمر، فيا «٢» نفس اصبري ... صبر تسليم لحكم القدر وعزاء يا فؤادي إنّه ... حكم ملك قاهر مقتدر حكمة قد «٣» أحكمت تدبيرها ... نحن منها في سبيل السّفر أجل مقتدر «٤» ليس بمس ... تقدم منه «٥» ولا مستأخر أحسن الله عزاء كلّ ذي ... خشية من ربّه «٦» في عمر في أمانيّ «٧» التّقيّ الخاشع ال ... طاهر الذات الزّكيّ السبر قرشيّ من سليم «٨» مستقى ... من صميم الشّرف المطّهّر يشهد الليل دليلا «٩» أنه ... دائم الذّكر طويل السّهر في صلاة بعثت وفدا لها «١٠» ... زمر للمصطفى «١١» من مضر نائما أو «١٢» راكعا أو ساجدا ... لطلوع فجره المنفجر جمع الرحمن شملينا «١٣» غدا ... بحبيب الله خير البشر وتلقّته وفود، رحمة ال ... لّه تأتي بالرّضى والبشر

стр. 1417

علي بن أحمد بن محمد بن عثمان الأشعري من أهل غرناطة، يكنى أبا الحسن، ويعرف بابن المحروق. أوّليته: قد مرّ ذلك عند ذكر عمّه وجدّه. حاله: هذا الرجل شيخ الفقراء السّفّارة والمتسببة بالرّباط المنسوب إلى جدّه، وهو مقيم الرسم، حاجّ رحّال، عارف بالبلاد، طواف على كثير من مشاهير ما عرف الاصطلاح. وزار ترب الصالحين، وصحب السّفارة، حسن الشكل، أصيل البيت، حافظ للترتيب، غيور على الطريقة، محظوظ العقد، مجانب للأغمار، منافر لأهل البدع، مكبوح عن غلو الصافنة، أنوف، مترفّع، كلف بالتجلّة، يرى لنفسه الحق ولا يفارق الحظّ، خطيب متعاط لمواقف الإطالة وسرد الكثير من كلام الخطباء عن غير اختيار، يطبق المفصل، ويكافىء الغرض المقصود، على شرود عن قانون الإعراب، حسن الحديث، طبقة للرّسم الدّنيوي من هذا الفن كثرة، وحسن بزّة، ونفاذ أمره، ونباهة بيته، وتعاطيا لنتائج الحلوة. محنته: قبض عليه المتغلب على الدولة وأزعجه بعد الثّقاف في المطبق، إلى مرسى ألمريّة، اتهاما بممالأة السلطان، فامتعض له من أهل مدينة وادي آش، وتبعهم المشيخة على المجاهرة، فاستنقذوه، وكاشفوا المتغلب، إذ كانوا على أرقاع الخلاف عليه، وعاجل الأمر تصير الملك لصاحبه، فعاد الشيخ إلى حاله، فهي معدودة عنه من أثر التصريف. مشيخته: ومن خطه نقلت. قال: ولدت في اليوم الحادي والعشرين لرجب عام تسعة وسبعمائة، ولبست الخرقة من يد الشيخ الفقيه الخطيب البليغ الولي الشهير أبي علي عمر بن محمد بن علي الهاشمي القرشي في أوائل ذي قعدة من عام خمسة وثلاثين وسبعمائة. وحدّثني بها، ﵀، عن الشيخ الزاهد أبي محمد الخلاسي، عن شرف الأئمة أبي عبد الله بن مسدي، عن الشيخ الكبير أبي العباس بن العريف، عن أبي بكر عبد الباقي بن برال، عن أبي عمرو الطّلمنكي، عن أبي عمرو بن عون الله وأبي علي الحسن بن محمود الجرجاني، عن أبي سعيد ابن الأعرابي، عن أبي محمد سالم بن محمد بن عبد الله الخراساني، عن الفضل بن عياض، عن هشام بن حسّان ويونس بن عبيد، عن أبي الحسن بن الحسن البصري، عن الحسن البصري، عن علي بن أبي طالب، كرّم الله وجهه. ثم رحلت إلى المغرب، طالبا في لقاء أهل الطريقة، راغبا، فلقيت به من أعلام الرجال جملة يطول ذكرهم، ولا يجهل قدرهم. ولما توجهت إلى المشرق، لقيت به أعلاما

стр. 1418

وأشياخا كراما، لهم طرق سنّية، وأحوال سنية، أودعت ذكرهم هذا طلبا للاختصار، وخوفا من سآمة الإكثار، وكان اعتمادي فيمن لقيت منهم في أيام تجريدي واجتهادي، بعد إيابي من قضاء أربي، من حجّ بيت الله الحرام وزيارة قبر النبيّ ﵊، على من بهديه أستنير، وأعتمد عليه فيمن لقيت وصحبت، وإليه أشير، سيدي الشيخ الكبير الجليل الشهير وحيد عصره وفريد دهره، جمال الدين أبو الحجاج الكوراني جنسا، والتميمي قبيلة، والكلوري مولدا، والسهروردي خرقة وطريقة ونسبة، وهو الذي لقّنني، وسلكت على يده، وقطعت مفاوز العزلة عنده، مع جملة ولده. وحدّثني، ﵁، أنه لقّنه الشيخ الفقيه العارف أبو علي الشمشري، هو والشيخ الإمام نجم الدين الأصبهاني، والشيخ نجم الدين، والشيخ بدر الدين الطوسي، لقّنا الفقيه محسنا المذكور، والشيخ بدر الدين، لقّنه الشيخ نور الدين عبد الصمد النصيري، والشيخ عبد الصمد، لقّنه الشيخ نجيب الدين بن مرغوش الشّيرازي، والشيخ نجيب الدين، لقّنه الشيخ شهاب الدين السّهروردي والشيخ شهاب الدين، لقّنه عمّه ضياء الدين أبو الحسن السهروردي، والشيخ ضياء الدين فرج الزّنجاني، والشيخ فرج الزنجاني، لقّنه أبو العباس النهاوندي، والشيخ أبو العباس، لقّنه أبو عبد الله بن خفيف الشيرازي، والشيخ أبو عبد الله، لقّنه أبو محمد رديم، والشيخ أبو محمد، لقّنه أبو القاسم الجنيد، والشيخ أبو القاسم، لقّنه سري السّقطي، والشيخ سري، لقّنه معروف الكرخي، والشيخ معروف، لقّنه داود الطائي، والشيخ داود، لقّنه حبيب العجمي، والشيخ حبيب، لقّنه الإمام الحسن البصري، والشيخ الحسن، لقّنه الإمام علي بن أبي طالب. ولبست الخرقة من يد الشيخ أبي الحجاج المذكور بسند التلقين المذكور إلى أبي القاسم الجنيد، ﵁، إلى جعفر الحذاء، إلى أبي عمر الإصطخري، إلى شقيق البلخي، إلى إبراهيم بن أدهم، إلى موسى بن زيد الراعي، إلى أويس القرني، إلى أميري المؤمنين عمر وعلي، ﵄، ومنها إلى سيد الأولى والآخرين ﷺ ، وذلك في أوائل عام ثلاثة وأربعين وسبعمائة. وقد ألّفت كتابا جمعت فيه بعض ما صدر من أورادي، أيام تجريدي واجتهادي، محتويا على نظم ونثر، مفرغا عن كلام الغير، إلّا مقطوعة واحدة لبعض المتصوفة، فإني سقتها على جهة لكونها غاية في الاحتفال وهي: [الرمل] قل لمن طاف بكاسات الرضا ... وسقى العشّاق مما قد نهل وسميت الكتاب ب «نكت الناجي، وإشارات الراجي» . ولعلّ ذلك يكون اسما وافق مسمّاه، ولفظا طابق معناه. وإلى ما ذكرت من النكت، أشرت بما نظمت،

стр. 1419

فقلت: [البسيط] في كل واحدة منهن أسرار ... لا تنقضي، ولها في اللفظ أسرار إن رمت حصر معانيها بما سمعت ... أذناك ليس لها بالسّمع إخصار فاصحب خبيرا بما يرضى الحجاب ... ستارها وكذاك «١» الحرّ ستّار ولعلّه يكون، إن شاء الله، كما ذكرته، وأعرّف بما أنشدته. ولي جملة قصائد وأزجال منظومة على البديهة والارتجال، نطق بها لسان المقال، معربا عمّا وجدته في الحال، قصدت بها الدخول مع ذلك الفريق، وأودعتها غوامض أسرار التحقيق. فمن بعض نكت الكتاب، ما يعجب منه ذو والألباب، نكتة سرّ الفقير، يشير إليه بجميع الكائنات، فلا حديث معجم، ولا موجود مبهم، فهو إذا يتكلم دون حدّه وبلسان وجده، والفقيه يتكلم فوق قدره وبلسان غيره، وهذا ما حضرني في الوقت، مع مزاحمة الشواغل، فتصفّحوا، واصفحوا، وتلمحوا واسمحوا. ولكم الفضل في قبول هذه العجالة واليسير من هذه المقالة. انتهى. ومن الطارئين علي بن عبد الله النميري الششتري «٢» عروس الفقراء، وأمير المتجرّدين، وبركة الأندلس، لابس العباءة الخرقة، أبو الحسن. من أهل ششتر، قرية من عمل وادي آش، معروفة، وزقاق الشّشتري معروف بها. وكان مجوّدا للقرآن، قائما عليه، عارفا بمعانيه، من أهل العلم والعمل. حاله: قال شيخنا أبو عثمان بن ليون في صدور تهذيبه لرسالته العلمية: الإمام الصّوفي المتجرّد، جال البلاد والآفاق، ولقي المشايخ، وسكن الرّبط، وحجّ حجّات، وآثر التجرّد والعبادة. وذكره القاضي أبو العباس الغبريني، قاضي بجاية، في كتابه المسمّى عنوان الدّراية فيمن عرف في المائة السابعة بمدينة بجاية، وقال: الفقيه الصوفي الصالح العابد، أبو الحسن الشّشتري من الطلبة المحصّلين، والفقراء

стр. 1420

المنقطعين، له علم وعمل بالحكمة، ومعرفة بطريق الصوفية، وله تقدم في النظم والنثر، على طريقة التحقيق. وأشعاره في ذلك، وتواشيحه ومقفّياته وأزجاله، غاية في الانطباع. وكان كثيرا ما يجوّد عليه القرآن. ونظمه في التحقيق كثير. مشيخته: أخذ عن القاضي محيي الدين أبي القاسم محمد بن إبراهيم بن الحسين بن سراقة الأنصاري الشاطبي، وعن غيره من أصحاب السّهروردي صاحب العوارف والمعارف. واجتمع بالنّجم بن إسرايل الدّمشقي الفقير سنة خمس وستمائة. قال: ألفيته على قدم التجرد، وله أشعار وأذواق في طريق القوم، وكان من الأمراء وأولاد الأمراء، فصار من الفقراء وأولاد الفقراء، وخدم أبا محمد بن سبعين، وتلمذ له. وكان الشيخ أبو محمد دونه في السّن، لكن استمرّ باتّباعه، وعوّل على ما لديه، حتى صار يعبر عن نفسه في منظوماته وغيرها، بعبد الحق بن سبعين، وبه استدل أصحاب أبي محمد على فضله. ويقال: إنه لما لقيه يريد المشايخ، إن كنت تريد الجنة، فصر إلى الشيخ أبي مدين، وإن كنت تريد ربّ الجنة فهلم. ولما مات الشيخ أبو محمد، انفرد بعده بالرياسة والإمامة على الفقراء والمتجرّدين والسّفّارة، وكان يتبعه في أسفاره ما ينيف على أربعمائة فقير، فيقسّمهم الترتيب في وظايف خدمته. كراماته: قالوا: نادى يوما، وهو مع أصحابه في برّية، يا أحمد، فقال أحدهم: ومن هذا، فقال تسرّون به غدا. فلما وردوا من الغد قابس، وجدوا أحمد قد جاء من الأسر، فقال: صافحوا أخاكم المنادى بالأمس. قالوا: ودخل عليه ببجاية أبو الحسن بن علّال من أمنائها، وهو يذكر في العلم، فأعجبته طريقته، فنوى أن يؤثر الفقراء من ماله بعشرين دنيرا. ثم ساق شطرها، وحبس الباقي ليزوّدهم به، فرأى النبيّ ﷺ ، في النّوم، ومعه أبو بكر وعمر، فقال: ادع لي يا رسول الله، فقال لأبي بكر: أعطه، فأعطاه نصف رغيف كان بيده، فقال له الشيخ في الغد: لو أتيت بالكل، لأخذت الرغيف كله. تواليفه: له كتاب «العروة الوثقى في بيان السنن وإحصاء العلوم» . وما يجب على المسلم أن يعمله ويعتقده إلى وفاته. وله «المقاليد الوجودية في أسرار إشارات الصوفية» . وله الرسالة القدسية في توحيد العامة والخاصة. والمراتب الإيمانية والإسلامية والإحسانية. والرسالة العلمية، وغير ذلك. دخوله غرناطة: دخلها ونزل برابطة العقاب، وتكرّر إليها، إذ بلده من عمالتها.

стр. 1421

شعره: من ذلك قوله «١» : [الطويل] لقد تهت عجبا بالتّجرّد والفقر ... فلم أندرج تحت الزمان ولا الدّهر وجاءت لقلبي نفحة قدسيّة ... فغبت بها عن عالم الخلق والأمر طويت بساط الكون والطّيّ نشره ... وما القصد إلّا الترك للطّيّ والنّشر وغمّضت عين القلب عن غير مطلق «٢» ... فألفيتني ذاك الملقّب بالغير وصلت لمن لم تنفصل عنه لحظة ... ونزّهت من أعني من «٣» الوصل والهجر وما الوصف إلّا دونه غير أنني ... أريد به التشبيه «٤» عن بعض ما أدري «٥» وذلك مثل الصوت أيقظ نائما ... فأبصر أمرا جلّ عن ضابط الحصر نقلت «٦» له الأسماء تبغي بيانه ... فكانت له الألفاظ سترا على ستر ومن شعره أيضا قوله في الغرض المذكور «٧» : [الكامل] من لامني لو أنه قد أبصرا ... ما ذقته أضحى به متحيّرا وغدا يقول لصحبه إن أنتم ... أنكرتم ما بي أتيتم منكرا شذّت أمور القوم عن عاداتهم ... فلأجل ذاك يقال: سحر مفترى ومن شعره القصيدة الشهيرة ولها حكاية «٨» : [الطويل] أرى طالبا منّا الزيادة لا الحسنى ... بفكر رمى سهما فعدّى به عدنا وطالبنا مطلوبنا من وجودنا ... يغيب «٩» به عنّا «١٠» لدى الصّعق إن عنّا تركنا حظوظا من حضيض لحوطنا «١١» ... إلى المقصد الأقصى إلى المقصد الأسنى

стр. 1422

ولم نلف كون الكون إلّا توهّما ... وليس بشيء ثابت هاك «١» ألفينا فرفض السّوا فرض علينا لأننا ... أناس بمحو الشّرك والشرك قد دنا ولكنما «٢» كيف السبيل لرفضه ... ورافضه المرفوض نحن وما كنّا؟ فيا قابلا بالوصل والوقفة التي ... حجبت بها اسمع وارعوي مثل ما أبنا تبدّت لك الأوهام لمّا تداخلت ... عليك ونور العقل أورثك الشّجنا وسمّت بأنوار فهمنا أصولها ... ومنبعها من أين كان فما سمنا وقد تحجب الأنوار للعقل مثل ما ... تبعّد من إظلام نفس حوت ظعنا وأنّى دجال في القضيّة يدّعي ... وأكمل من في الناس من «٣» صدع الأمنا فلو كان سرّ الله يلحق هكذا ... لقال لنا الجمهور: ها نحن ما خبنا وكم دونه من فتنة وبليّة ... وكم بهمة من قبل ذلك قد جبنا وكل مقام لا تقم فيه إنه ... حجاب فجدّ السّير واستنجد العونا ولا تلتفت في السّير إذ كلّ ما «٤» به ... سوى الله غير فاتخذ ذكره حصنا ومهما ترى كل المراتب تجتلى ... عليك فحل عنها فعن مثلها حلنا

стр. 1423

وقل: ليس لي في غير ذلك مطلب ... فلا صورة تجلى ولا طرفة تجنى وسر نحو أعلام اليمين فإنها ... سبيل بها يمن فلا تترك اليمنا أمامك هول فاستمع لوصيّتي ... عقال من العقل الذي منه قد تبنا إمام «١» الورى بالمشكلات وقبلهم ... بأوهامه قد أهلك الخرّ والبنّاء محجّتنا قطع الحجا وهو حجّنا ... وحجّتنا شلوه ها بها همنا يثبّتنا عند الصعود لأنه ... يودّ لأنّا للصّعيد قد اخلدنا تلوح لنا الأطواق منه ثلاثة ... كراء وهارب «٢» ورؤية ما قلنا ويظهر باسم «٣» السّرّ والنفس مدبرا ... وعقلا وخيرا مقبلا عندما يدنى ولوح إذا لاحت سطور كتابنا ... له فيه وهو النّون فالقلم الأدنى وعرش وكرسيّ وبرج وكوكب ... وحشي لجسم الكل في وصفه حرنا تمرّ خطوط الذهن عند التفاتنا ... أحاطته للقصوى «٤» التي فيه أحضرنا

стр. 1424

مقطّعه الأزمان «١» للدهر مثل ... يكيّف للأجسام من نحلة «٢» أينا أقام دوين الدهر مدرة ذاته ... ونحن ونفس الكل في بحره عمنا وفتّق للأملاك جوهره الذي ... يشكّله سرّ الحروف فحرّفنا يفرّق مجموع القضيّة ظاهرا ... ويجمع فرقا من تداخله فزنا وعدّد شيئا لم يكن غير واحد ... بألفاظ أسمائها شتّت المعنى ويعرج والمعراج منه ذواته ... لتطويره العلويّ بالوسم أسرينا ليفلل «٣» سفليّا ويوهم أنه ... لسفليّه المجهول بالذات أسبطنا يقدّر خصلا بعد وصل لذاته ... وفرض مسافات يجدّ لها الذّهنا يحلّ لها طور المغبّة شكله ... وإن لمعت فيه فيلحقه المفنا ويلحقه بالشّرط من مثنويّة ... يلوح بها وهو الملوّح والمبنى فنحن كدود القزّ يحصرنا الذي ... صنعنا بدفع الحصر سجنا لنا منّا فكم واقف أردى وكم سائر هذا ... وكم حكمة أبدى وكم مملق أغنى!

стр. 1425

وتيّم أرباب الهرامس كلّهم ... وحسبك من سقراط أسكنه الدّنا وجرّد أمثال العوالم كلها ... وأبدى لأفلاطون في المثل الحسنا وهام أرسطو أن «١» مشى من هيامه ... وبثّ الذي ألقى إليه وما ضنّا فكان لذي القرنين عونا على الذي ... تبدّى به وهو الذي طليه «٢» العينا ويفحص عن أسباب ما قد سمعتم ... وبالبحث غطّى العين إذ ردّه عينا وذوّق للحلّاج طعم اتّحاده ... فقال لنا: من لا يحبّط به معنى فقال له ارجع عن مقالك قال: لا ... شربت مداما كلّ من ذاقها غنّى وأنطق للشّبليّ بالوحدة التي ... أشار بها لمّا محا عنده الكونا أقام لذات الصّغريين «٣» لنا حولا «٤» ... يخاطب بالتّوحيد إذ ردّه خدنا وكان خطا بابين ذاتين من يكن ... فقيرا يرى البحر فيه قد عمنا فأصمت للحسنيّ تجريد خلقه ... مع الأمر إذ «٥» صحّت فصاحته لكنا تثنّى قضيب البان من سكر خمره ... وكان كمثل العمر لكنه ثنّى

стр. 1426

وقد شذّ بالشّوذيّ عن ثوبه فلم ... يمل نحو أحواز ولا سكن الدّنا وأصبح فيه السّهرورديّ حائرا ... يصيخ لما يلقى الوجود له أذنا بعمر علي «١» بن الفارض الناظم الذي ... تجرّد للأسفار إذ سهّل الحزنا ولابن قسيّ خلع نعلي «٢» وجوب ... وليس أخا طلب من المجد قد تبنا أقام على ساق المسرّة نحله ... لمن زمن الأسرار فاستمطر المزنا ولاح سنا برق من القرب للسّنا ... لنجل ابن سينا للذي «٣» ظنّ ما ظنّا وقد قلّد الطّوسي بما قد ذكرته ... ولكنه نحو التصوف قد حنّا ولابن طفيل وابن رشد تيقّظ ... رسالة يقظان «٤» اقتضت فتحه الجفنا كسا لشعيب ثوب جمع لذاته ... فجرّ على حسّاده الذّيل والودنا وقد «٥» طوّق الطائي بسبط كنانه ... بدسكرة الخلّاع إذ ذبّنا «٦» الوهنا

стр. 1427

تسمّى برفع الروح صبرا ولم ... يبل ما يهزّ «١» في المقام ولا قرنا وباح به نجل الحرائيّ «٢» عندما ... رأى كتمه ضعفا وتلويحه غينا وللأمويّ النظم والنثر في الذي ... ذكرنا وإعراب كما عنه أعربنا وأظهر منه الغافقيّ لما خفى ... وكشّف عن أطواره الغيم والدّجنا وبيّن أسرار العبودية التي ... عن اعرابها لم ترفع اللّبس واللّحنا كشفنا غطاء من تداخل سرّها ... فأصبح ظهرا ما رأيتم له بطنا هوانا لدين «٣» الحقّ من قد تولّهت ... إلى قربة «٤» ألبابنا وله هدنا فمن كان يبغي السّير للجانب الذي ... تقدّس لازبا فلا تأخذوا «٥» عنّا وهذه القصيدة غريبة المنزع، وإن لم تخل عن شذوذ من جهة اللّسان، وضعف في الصناعة، أشار فيها إلى مراتب الأعلام من أهل هذه الطريقة، وكأنها مبنية على كلام شيخه الذي خاطبه به عند لقائه حسبما قدمنا، إذ الحسنى الجنّة، والزيادة مقام النظر، فقوله: أرى طالبا منّا الزّيادة لا الحسنى، إشارة إلى ذلك، والله أعلم. والغافقي الذي ختم به هو شيخنا أبو محمد، وهو مرسي الأصل غافقية، رحم الله جميعهم، ونفعنا بأولي الحظوة لديه.

стр. 1428

نثره: وكلامه حسن، ومقاصده غريبة، ﵁، ونفع به. كتب إليه الشيخ الصوفي أبو علي بن تادررت، لمّا سافر ولم يودّعه، وكان قد قال له: أغيب عنكم أياما قلائل، وأعود إن شاء الله، فأبطأ عنه: بسم الله الرحمن الرحيم، الله وحده فقط ليس إلّا وصلواته على ملائه المقرب الأعلى، وعلى سيدهم الخاتم محمد وآله الهداة، وسلامه الحقّ يخصّ العليم بسرّه، في عالم الفرق، ورحمته وبركاته. من أخيه حقيقة في العوالم الأول، لا في عالم العلم الحق، من حيث هو موضوعه بحسب الإضاءة، بمنزله من مدينة بني مدار عمرها الله وأرشدهم، وليس إلّا أني نعتبكم عرفا وعادة، لسفركم دون موادعة، بخلاف سيرتكم الأولى من المشرق الأقصى، إلى المغرب الأقصى، وأمّا بكون حقيقة الأمر الموحد، فلا عتب، بل نقرأ على الماهية سورة الإخلاص التي توحيدها المحض أحاط وأحصى. ثم وعدتم، أنكم ولا بدّ، لا تطول إقامتكم ببجاية كلأها الله، إلّا ليالي «١» قليلة العدد، تأخذون فيها كتبكم وتنفصلون قافلين في أسرع أمد. ثم ظهر غير ذلك من الإقامة إلى هذه المهلة التي نبا كما عندنا الزمان. وقد ورد من أناس بالتّواتر أنكم ولا بدّ تصومون هنالك رمضان المعظم على الأمان، فقلنا: لحظ البشريّة الحيوانية، وعلمنا أن الأمر ليس سرا لأجل القضايا الحكمية الطّلبية، والمقادير العلمية السرّية. ولا تتحرك ذرّة إلّا بإذنه، ولا يسأل عما يفعل، وهم يسألون في دهره وزمنه، يمحو الله ما يشاء ويثبت، وعنده أمّ الكتاب. ولكنّا أيضا نقرأ، والله لا يخلف الميعاد. وقد يكون غير الوفاء بالعهد في الخلف لمصالح فيها وعد الله، لا يخلف الله وعده، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. يعلمون ظاهرا من الحياة الدّنيا، والله يفعل ما يشاء. ولا تكن معترضا، فلا تلوم إلّا بحسب فرقنا الأول. وأما من حيث الكمالات الثواني والأول، فلا لوم ولا عتب، لرفع المثنوية، وإحالة الكثرة والإضافة، حتى ليس إلّا الوحدة العلمية المعنوية العليّة. وبالجملة الله معكم، ولن يتركم أعمالكم، فإن ما يرفع العمد والعماد. قال الله: ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ «٢» ، وهو معكم أينما كنتم، والله عليم بما تصنعون. والرّغبة إلى ذاتكم الكاملة الوجودية، ذات الكمالات العلمية القدسية، أن تعجلوا لي، إذ وأنتم مقيمون هنالك: [الطويل] وأين يجد في عليّين غرفة ... وإن شغلتم عن نسخها «٣»

стр. 1429

والحق لا يشغله شأن عن شأن، فوجّهوا إليّ بها بعض الفقراء والإخوان، وأنا أقسم عليك في ذلك، يا أخي وسيدي، بالسّر فقط الذي يشغله أبدا سرمدا الله فقط، وأن تعجل لي بذلك، وتحيي مواتي، وتجمع أشتاتي، مع كلام تعتنوا لي به من كلامكم، تخصّوني به في كرّاس مبارك، علّمني الله العليم الحكيم منكم سرّ علمه العظيم وحكمته المحيطة، وكفانا سرّ هذه العوالم الأرضية المركبة الحطيطة، ونقلنا من البسيطة لغة إلى العوالم الرّيسة النفيسة البسيطة، ويرقينا به عنها إلى أن نتصل الحظّ المنفصل للتدبير بنقطته الأولى، وإن كان في الحقيقة ما انفصل، ويدخلها حضرة علمنا المحيط الوجودي، الذي ليس وراءها محيط إليه يرقى ويتصل. والسلام الحقّ محض مظهره ومجلاه ومرآته، ورحمة الله وبركاته. فراجعه الشيخ أبو الحسن الشّشتري المترجم به، ﵁ بما نصّه: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلّى الله على النبيّ محمد، المرسل بالحق لإدحاض الشّك، وإيضاح الغلط، الموصل على أقرب السّبيل للحضرة الإلهية، ومن شطط المختص بجوامع الكلم، المبكت لكل من موّه وسفسط، المبعوث بكلمة الإخلاص، التي حاصلها الله فقط، ورضي الله عن مظهر الوراثة المحمدية في كل زمان، المترجم عن كنز الوجود الذي طلسمه الإنسان، وسلام الله ورحمته على المستمع بأذن أنيته لذلك التّرجمان، المتجوهر بمقام الإسلام والإيمان والإحسان، القارئ على أخباره المنبعثة في أرض فرقة كلّ من عليها فان، بالمعنى الفقير الباطن للسّيار الظاهر المشير الحائم على سلب الاسمين، الدّائر على دائرة قاب قوسين. المشهور في العالم الأول، بأبي علي الحسين من خبر ماسيه، الوارث الطالب لذاته بها للوصل له. وهو به عنه باحث، المنظور في ذات كمالاته، المنعوت بالوافي لا بالناكث، المعتصم بحبل التحقيق، القائل بالحق، عبده علي الشّشتري، ابن إفادتكم عبد الحق بن سبعين، أما قبل من حيث الأصل، ومع من حيث الوصل، وبعد من حيث الفصل، فإني أقسم بالبدر إذا أدبر، والصّبح إذا أسفر، أن النصاب واقع من حيث الصور، لا من حبّة حقيقة المظهر. فأين هنا أنت أو أنا؟ أو قبل أو بعد؟ أو هند أو دعد؟ أو خلف أو وعد؟ ولا بدّ من المراح في ميدان الخطاب، وبيان المتشابه عليكم، المودع عليكم، في هذا الكتاب، فأول عائق عنكم مرض أحد الأصحاب، ولا انفكاك عند وجود هذه القضية، عند كل طائفة سنيّة، فما ظنّك بالسّبعينية، هذا مع وجود وعد مبين، وزمان معين. ونحن لم نعيّن للموضوع وقتا، ولو عيّنّا لكبر عند الله مقتا. وإنما قلنا: أيام قلائل، ويدخل في ذلك الجمعة والشهر والعام القابل، بل برزخ العالم وإنائه عند النحرير العاقل. ثم لو عيّنّا يوما أو يومين أو جمعتين، ولم

стр. 1430

يكن فقلب المؤمن بين إصبعين. أما علمت أنّ الوعد المزعوم المراد منه الذي تتضمّنه صعقة العمود بالبعد أو بالتّواني، أو بالحواس أو بالمعاني؟ والمسكر هو الجريال لا الأواني. وأما قضية الوداع، فقد ارتفع بين الفقراء فيها النزاع، ووقع من الصّوفية في ذلك الإجماع، أنّ الاجتماع من غير ميعاد والافتراق عن غير مشورة، وقول إنه من حيث المذهب لازم بالضرورة، فإنّ المودع لا يخلق أن يكون من تربة الفرس والسبع، أو في مقام الفردانية والجمع، أو في البرزخ الذي بين المقامين، المعبّر عنه عند الصّوفية بالفناء. فإن كان في الوتريّة، فلا أنت ولا أنا، ولا مودع، ولا مودّع، وقلّة العتب لهذا أليق وأطبع. وإن كان في برزخ الفنا، فمن المودع هنا، وإن كان في الفرق هنا. وإن كان في الفرق، فترك المودع أقرب إلى الحق لألم التفرقة الموجود المحسوس، المعترض عند ذلك للنّفوس. واعلم أنّ الانفصال، كان بالطريق عند من يرى بالانفصال والاتّصال، ولا نقلة عند ذوي الاتّصال. وأما نكرة عرفة فهي عند الشيخ أبي عبد الله التّوزري لا عندي، ولو كانت ما ضننت بها بحمد الله لا بحمدي. والسلام على موضوعك ومحمولك، وسلوكك ووصولك، وجمعك وفرقك، وعبوديّتك وحقّك، بل على جملته الصالحة، ورحمة الله وبركاته. وفاته: قالوا: إنه لما وصل بالشام إلى ساحل دمياط، وهو مريض مرضه الذي توفي منه، نزل قرية هناك على ساحل البحر الرومي يصاد فيها السمك، وقال: ما اسم هذه القرية، فقيل: الطّينة، فقال: حنّت الطّينة إلى الطينة، ووصّى أن يدفن بمقبرة دمياط، إذ الطينة بالمفازة بالساحل، ودمياط أقرب المدن إليها، فحمله الفقراء على أعناقهم، فتوفي بها يوم الثلاثاء سابع عشر صفر عام ثمانية وستين «١» وستمائة، ودفن بمقبرة دمياط. وفي سائر الأسماء من حرف العين الأعيان والوزراء والأماثل والكبراء عامر بن محمد بن علي الهنتاني «٢» رئيس متبوأ قبيلة من جبل درن، ومزوار المصامدة، والمطلقة يده على جباية الوطن المراكشي، يكنّى أبا ثابت.

стр. 1431

حاله: هذا الرجل حسن الشكل، حصيف العقل، ثابت الجأش، معروف الأمانة والصدق، عفيف الفرج، مؤثر للجدّ، ماضي الحذر بأهل الحكم، نزيه اليد، مشهور بالرّجاحة، عين من عيون الحدود الغربية، وبقيّة من بقايا الجلّة العلمية، مسدّد اللسان للإبانة عن الأغراض، مختصر البزّة والحلية، متوسط الجود، مؤثر للخصوصية، بعيد النظر، سديد الرأي. قدمت عليه بمحلّه من الجبل، زائرا متوفّى السلطان أبي الحسن، مستجيرا حماهم، فبلوت من برّه وبر الرئيس النّدي عبد العزيز أخيه ما تقصر عنه همم الملوك، وتقف دونه آمال الأشراف، تلقّيا، واحتفالا، وفرشا، وآنية، وطعاما، وصلة، وانتخابا، واحتشاما، وألطافا، حسبما يتضمن بسط ذلك كتاب «الرحلة» من تأليفي. وأنشدتهم عند رحيلي، وقد رأيت إلى ما يبقي الذكر ويخلّد الآثار شيم السادة، وديدن الرؤساء «١» : [الكامل] يا حسنها من أربع «٢» وديار ... أضحت لباغي الأمن دار قرار وجبال عزّ لا تذلّ أنوفها ... إلّا لعزّ الواحد القهّار ومقرّ توحيد وأسّ خلافة ... آثارها تنبي عن الأخبار ما كنت أحسب أنّ أنهار النّدى ... تجري بها في جملة الأنهار ما كنت أحسب أنّ أنوار الحجا ... تلتاح في قنن وفي أحجار مجّت «٣» جوانبها البرود وإن تكن ... شبّت بها الأعداء جذوة نار هدّت بناها في سبيل وفائها ... فكأنها صرعى بغير عقار لمّا توعّدها على المجد العدا ... رضيت بعيث النار لا بالعار عمرت بحلّة «٤» عامر وأعزّها ... عبد العزيز بمرهف بتّار «٥» فرسا رهان أحرزا قصب النّدى ... والبأس في طلق وفي مضمار ورثا عن النّدب الكريم «٦» أبيهما ... محض الوفاء ورفعة المقدار

стр. 1432

وكذا الفروع تطول وهي شبيهة ... بالأصل في ورق وفي أثمار أزرت وجوه الصّيد من هنتاتة ... في جوّها بمطالع الأقمار لله أيّ قبيلة تركت لها ال ... نّظراء دعوى الفخر يوم فخار نصرت أمير المسلمين وملكه ... قد أسلمته عزائم الأنصار آوت «١» عليّا عند ما ذهب الرّدى ... والروع بالأسماع والأبصار وتخاذل الجيش اللهام وأصبح ال ... أبطال بين تقاعد وفرار كفرت صنائعه فيمّم دارها ... مستظهرا منها بعزّ جوار وأقام بين ظهورها لا يتّقي ... وقع الرّدى وقد ارتمى بشرار فكأنها الأنصار لمّا آنست «٢» ... فيما تقدّم غربة المختار لمّا غدا لحظا وهم أجفانه ... نابت شفارهم عن الأشفار «٣» حتى دعاه الله بين بيوتهم ... فأجاب ممتثلا لأمر الباري لو كان يمنع من قضاء الله ما ... خلصت إليه نوافذ الأقدار قد كان يأمل أن يكافىء بعض ما ... أولوه لولا قاطع الأعمار ما كان يقنعه لو امتدّ المدى ... إلّا القيام بحقّها من دار فيعيد ذاك الماء ذائب فضّة ... ويعيد ذاك التّرب ذوب نضار حتى تفوز على النّوى أوطانها ... من ملكه بجلائل الأوطار «٤» حتى يلوح على وجوه وجوههم ... أثر الرعاية «٥» ساطع الأنوار ويسوّغ الأمل القصيّ كرامها ... من غير ما ثنيا «٦» ولا استعصار ما كان يرضي الشّمس أو بدر الدّجى ... عن درهم فيه «٧» ولا دينار أو أن يتوّج أو يقلّد هامها ... ونحورها بأهلّة «٨» ودراري حقّ على المولى ابنه إيثار ما ... بذلوه من نصر ومن إيثار فلمثلها ذخر الجزاء ومثله ... من لا يضيع صنائع الأحرار

стр. 1433

وهو الذي يقضي الديون وبرّه «١» ... يرضيه في علن وفي إسرار حتى تحجّ محلّة رفعوا بها ... علم الوفاء لأعين النّظّار فيصير منها البيت بيتا ثانيا ... للطائفين إليه أيّ بدار تغني قلوب القوم عن هدي به ... ودموعهم تكفي لرمي جمار حيّيت من دار تكفّل سعيها ال ... محمود بالزّلفى وعقبى الدار وضفت عليك من الإله عناية ... ما كرّ «٢» ليل فيك إثر نهار دخوله غرناطة: دخل الأندلس، وحلّ بغرناطة في حدود خمسين وسبعمائة، وأقام بها أياما، وقد أسند إليه السلطان أبو الحسن، لمّا رحل عن إفريقية، حفظ حرمه وأسبابه، في مراكب كان استقرارها بسواحل الأندلس، وحضر مجلس السلطان، فراق الحاضرين ملقاه وضمّ لسانه لأطراف الحديث وحسن تبويبه للأغراض. ولهذا الرجل في وطن المغرب ذكر بعيد، وقد أمسك الأمر مرات، على من استقرّ لديه من ولد السلطان، ورتّب له الألقاب والترشيح يغازله بذلك الوطن. وتنوعت الحال بهذا الرجل، من بعد وفاة السلطان أبي سالم ملك المغرب، وانحاز إليه ولده فقام بدعوته، ورتّب له الألقاب بوطن مراكش، ونظر لنفسه أثناء ذلك، فحصّن الجبل، واتّخذ به القلعة، وأكثر الطعمة والعدّة، فلمّا حاقت بأميره الدّبرة، لجأ إلى ما أعدّه، وهو الآن يزجي الوقت مهادنة تشفّ عن انتزاء، والله يهيئ له الخلاص من الورطة، ويتيح له إلى حزب السلامة الفيئة. ومن الطارئين في القضاة والغرباء عاشر بن محمد بن عاشر بن خلف بن رجا ابن حكم الأنصاري بيّاسي «٣» الأصل. حاله: كان، ﵀، فقيها حافظا للمسائل، مفتيا بالرأي، معروفا بالفهم والإتقان، بصيرا بالفتوى، شوور ببلده وببلنسية، واستقضاه أبو محمد بن سمحون

стр. 1434

على باغة أيام قضائه بغرناطة، إذ كان يكتب عنه ويلازمه، ثم استقضي بمرسية أعادها الله. وكان حافظ وقته، لم يعاصره مثله. مشيخته: روى عن أبيه، وتلا بالسبع على ابن ذروة المرادي، ولقي أبا القاسم بن النحاس، وأخذ الحديث عن أبي بحر الأسدي، وأبي بكر بن العربي، وأبي جعفر بن جحدر، وأبي الحسن بن واجب، وغيرهم. مولده: ببيّاسة سنة أربع، وقيل: ست وثمانين وأربعمائة. وفاته: توفي بشاطبة، تسع وستين وخمسمائة. تواليفه: شرح المدوّنة مسألة مسألة، بكتاب كبير سماه «الجامع البسيط، وبغية الطالب النشيط» ، حشد فيه أقوال الفقهاء، ورجّح بعضها، واحتجّ له. قالوا: وتوفي قبل إكماله. عياض بن محمد بن محمد بن عياض بن موسى اليحصبي من أهل سبتة، حفيد القاضي العالم أبي الفضل، يكنى أبا الفضل. حاله: من «الصّلة» : كان من جلّة الطلبة، وذوي المشاركة في فنون من العلوم العقلية وغيرها، فصيحا، شاعرا، لسنا، مفوّها، مقداما، موصوفا بجزالة وحدّة امتحن بسببها. وكان مع ذلك كثير التّواضع، فاضل الأخلاق، سريّا، مشاركا، معظّما عند الملوك، مشارا إليه، جليل القدر. حضر الأندلس أيام قضاء أبيه بغرناطة، وغير ذلك الوقت، وجال فيها، وأخذ بقرطبة وإشبيلية وغيرهما، واستقرّ أخيرا بمالقة، وتأثّل بها وبجهاتها أصول أملاك إلى ما كان له. مشيخته: روى عن أبيه أبي عبد الله، وعن أبي محمد بن عبد الله، وأبي بكر بن الحدّاد القاضي بسبتة، وأبي القاسم بن بشكوال، وابن حبيش، وابن حميد، وأبي بكر بن بيبش الشّلطيشي، وغيرهم. من روى عنه: قال الأستاذ: روى عنه جماعة ممن أخذت عنهم، منهم ابنه أبو عبد الله قاضي الجماعة، وأبو العباس بن فرتون، أخذ عنه كثيرا بمدينة فاس. مولده: قال صاحب «الذيل» : سألته عن مولده: فقال: ولدت في اليوم التاسع عشر من محرم عام واحد وستين وخمسمائة بمدينة سبتة. وفاته: توفي في العشر الوسط من جمادى الآخرة عام ثلاثين وستمائة بمالقة، وروضته بها في جنّة كانت له بربضها الشّرقي، ﵀.

стр. 1435

عياض بن موسى بن عياض بن عمرون بن موسى ابن عياض بن محمد بن عبد الله بن موسى ابن عياض اليحصبي «١» القاضي، الإمام المجتهد، يكنى أبا الفضل، سبتي الدّار والميلاد، أندلسي الأصل، بسطيّه «٢» . أوليته: من كتاب ولده في مآثره، وهو كنّاش نبيه، قال: استقرّ أجدادنا في القدم بالأندلس بجهة بسطة، ثم انتقلوا إلى مدينة فاس. وكان لهم استقرار في القيروان، لا أدري قبل حلولهم بالأندلس أو بعد ذلك. وكان عمرون رجلا خيارا من أهل القرآن، وحجّ إحدى عشرة حجة، وغزا مع ابن أبي عامر غزوات كثيرة. وانتقل إلى سبتة بعد سكنى فاس، وكان موسرا، فاشترى بها من جملة ما اشتراه الأرض المعروفة بالمنارة، فبنى في بعضها مسجدا، وفي بعضها ديارا حبسها عليه، وهو الآن منسوب إليه، وولد له ابنه عياض، ثم ولد لعياض ابنه موسى، ثم ولد لموسى القاضي أبو الفضل المترجم به. حاله: قال ولده في تأليفه النبيل: نشأ على عفّة وصيانة، مرضيّ الخلال، محمود الأقوال والأفعال، موصوفا بالنّبل والفهم والحذق، طالبا للعلم، حريصا عليه، إلى أن برع في زمانه، وساد جملة أقرانه، فكان من حفاظ كتاب الله، مع القراءة الحسنة، والنّغمة العذبة، والصوت الجهير، والحظ الوافر من تفسيره وجميع علومه. وكان من أئمة الحديث في وقته، أصوليا متكلّما، فقيها حافظا للمسائل، عاقدا للشروط، بصيرا بالأحكام، نحويا، ريّان من الأدب، شاعرا مجيدا، كاتبا غالبا بليغا، خطيبا، حافظا للغة والأخبار والتواريخ، حسن المجلس، نبيل النادرة، حلو الدّعابة،

стр. 1436

صبورا، حليما، جميل العشرة جوادا، سمحا، كثير الصّدقة، دروبا على العمل، صلبا في الحق. رحلته وولايته ومنشأ أمره: رحل إلى الأندلس سنة سبع وخمسمائة، فأخذ بقرطبة ومرسية وغيرهما، ثم عاد إلى سبتة، فأجلسه أهلها للمناظرة عليه في «المدوّنة» ، وهو ابن ثلاثين سنة أو ينيف عليها، ثم جلس للشورى. ثم ولّي القضاء، فسار في ذلك حسن السّيرة مشكور الطريقة، وبنى الزيادة الغربية في الجامع الأعظم. وبنى بجبل الميناء الرابية الشهيرة، وعظم صيته. ثم نقل إلى غرناطة في أول صفر سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، فتقلّد خطّة القضاء بها. ثم ولّي قضاء سبتة ثانية. ولمّا ظهر أمر الموحّدين بادر بالمسابقة إلى الدخول في طاعتهم، ورحل إلى لقاء أميرهم بمدينة سلا، فأجزل صلته، وأوجب برّه، إلى أن اضطربت أمور الموحدين عام ثلاثة وأربعين وخمسمائة، وحدث على من كان بقصبتها منهم ما هو معلوم من التغلب عليهم واستئصالهم، ثم من رجوع أمورهم، فالتاثت حاله، ولحق بمراكش مشرّدا به عن وطنه، فكانت بها وفاته. مشيخته: ورتبهم ولده حسبما نقل من فهرسته على الحروف؛ فمنهم أحمد بن محمد بن بقي، وأحمد بن سعيد بن مستقر، وأحمد بن محمد بن مكحول، وأحمد بن محمد السّلفي، الشيخ أبو الطاهر، وأحمد بن محمد بن غلبون بن الحصّار، وأحمد بن محمد بن عبد العزيز المرحي، إلى غيرهم من جملة سبعة عشر رجلا، والحسن بن محمد الصّدفي بن سكّرة، والحسين بن محمد الغساني، والحسين بن عبد الأعلى السفاقسي، والحسن بن علي بن طريف، وخلف بن إبراهيم بن النحاس، وخلف بن خلف الأنصاري بن الأنقر، وخلف بن يوسف بن فرتون، ومحمد بن عيسى التجيبي القاضي، ومحمد بن علي بن حمدين القاضي، ومحمد بن أحمد التجيبي القرطبي القاضي ابن الحاج، ومحمد بن أحمد بن رشد، ومحمد بن سليمان النّفزي ابن أخت غانم. وأجازه محمد بن الوليد الطّرطوشي، ومحمد بن علي بن عمر المازري، ومحمد بن عبد الله المعافري القاضي ابن العربي، ومحمد بن عبد الرحمن بن شبرين القاضي، ومحمد بن علي الأزدي الخطيب الطّليطلي، ومحمد بن علي الشاطبي بن الصقيل، إلى غيرهم من جملة أحد وثلاثين شيخا، وعبد الله بن محمد الخشني، وعبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي، وعبد الله بن محمد بن أيوب الفهري، وعبد الرحمن بن محمد السبتي ابن العجوز، وعبد الرحمن بن محمد بن بقي، وعلي بن أحمد الأنصاري ابن الباذش، وعلي بن عبد الرحمن التجيبي ابن الأخضر، من جملة من سبعة وعشرين، وغالب بن عطية

стр. 1437

المحاربي، وسراج بن عبد الملك بن سراج أبو الحسن، وسفيان بن العاصي الأسدي، من جملة خمسة من الأشياخ في هذا الحرف، وشريح بن محمد الرعيني الإشبيلي، وهشام بن أحمد القرطبي أبو الوليد بن العواد، وهشام بن أحمد الهلالي الغرناطي، ويونس بن محمد بن مغيث بن الصفار، ويوسف بن موسى الكلبي، سمع منه أرجوزته، ويوسف بن عبد العزيز بن عتريس الطليطلي. شعره: قال: مما كتبته من خطّه «١» : [المتقارب] أعوذ بربّي من شرّ ما ... يخاف من الإنس والجنّه وأسأله رحمة تقتضي ... عوارف توصل بالجنّه فما للخلائق «٢» من ناره ... سوى فضل رحماه من جنّه ومن شعره، قال: أنشدنيه غير واحد من أصحابنا، فوا رحمة الله عليه: [الوافر] أذات الخلّ «٣» ، كم ذا تنتضيها ... عليّ سيوف عينيك انتضاء «٤» بمطلك لي مواعد أقتضيها ... من التّوريد واللّعس اقتضاء «٥» فقضّي وعد مطلك وانجزيه ... «خيار الناس أحسنهم قضاء «٦» » قال: ومما كتبته من خطه «٧» : [البسيط] يا من تحمّل عنّي غير مكترث ... لكنه للضّنى والسّقم أوصى بي «٨» تركتني مستهام القلب ذا حرق «٩» ... أخا جوى وتباريح وأوصاب أراقب النّجم في جنح الدّجى ولها «١٠» ... كأنّني «١١» راصد للنجم أو صابي «١٢» وما وجدت لذيذ النوم بعدكم ... إلّا جنى حنظل في الطعم أو صاب

стр. 1438

ومن ذلك قوله ﵀ «١» : [البسيط] الله يعلم أنّي منذ لم أركم ... كطائر خانه ريش الجناحين فلو قدرت ركبت الريح «٢» نحوكم ... فإنّ «٣» بعدكم عنّي جنى حيني «٤» قال: وكتبت من خطّه «٥» : [الكامل] يا راحلين وبالفؤاد تحمّلوا ... أترى لكم قبل الممات قفول؟ أمّا الفؤاد فعندكم أنباؤه ... ولواعج تنتابه وغليل أترى «٦» لكم علم بمنتزح الكرى ... عن جفن صبّ ليله موصول؟ أودى بعزمة «٧» صبره ولبابه ... طرف أحمّ «٨» ومبسم مصقول ما ضرّكم وأضنّكم بتحية ... يحيى بها عند الوداع قتيل إن الخليل «٩» بلحظه أو لفظه ... أو عطفه أو وقفه لبخيل ومما نسبه إليه الفتح وغيره، ومن العجب إغفال ولده إياه، قوله يصف الزّرع والشقائق فيه «١٠» : [السريع] انظر إلى الزّرع وخاماته ... تحكي وقد «١١» ماست أمام الرياح كتيبة خضراء «١٢» مهزومة ... شقائق النّعمان فيها جراح

стр. 1439

نثره: وهو كثير. فمن خطبه، وكان لا يخطب إلّا بإنشائه: الحمد لله الذي سبق كل شيء قدما، ووسع كل شيء رحمة وعلما ونعما، وهدى أولياءه طريقا نهجا أمما، وأنزل على عبده الكتاب، ولم يجعل له عوجا قيّما، لينذر بأسا شديدا من لدنه، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أنّ لهم أجرا حسنا، ماكثين فيه أبدا. أحمده على مواهبه، وهو أحقّ من حمد، وأسأله أن يجعلنا أجمع، ممن حظي برضاه وسعد، وأستعينه على طاعته، فهو أعزّ من استعين واستنجد، وأستهديه توفيقا، فإنّ من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليّا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده، لا شريك له، شهادة فاتحة لأقفال قلوبنا، راجحة بأثقال ذنوبنا، منزّهة له عن التّشبيه والتمثيل بنا، وأنه تعالى جدّ ربّنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أنزل عليه الفرقان، وبعثه بالهدى والإيمان، وأغزى بدعوته دعوة أولياء الشيطان، وأبعدهم مقاعد عن السمع، فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا. أيها السامع، قد أيقظك صرف القدر من سنة الهوى وتيّاراته، ووعظك كتاب الله بزواجره وعظاته، فتأمّل حدوده، وتدبّر محكم آياته، واتل ما أوحي إليك من كتاب ربّك لا مبدّل لكلماته، ولن تجد من دونه ملتحدا. أين الذين عتوا على الله، وتعظّموا واستطالوا على عباده وتحكّموا، وظنّوا أنه لن يقدر عليهم حتى اصطلموا. وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا. غرّهم الأمل وكواذب الظّنون، وذهلوا عن طوارق القبر وريب المنون، وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون، حتى إذا رأوا ما يوعدون، فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا. فهذّبوا، رحمكم الله، سراركم بتقوى الله واخلصوا، واشكروا نعمته، وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها، واحذروا نقمته واتقوه. ولا تعصوا، واعتبروا بوعيده. قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى (١٣٥) «١» وانهضوا لطاعته الهمم العاجزة، واركضوا في ميدان التّقوى، وحوزوا قصب خصله العابرة، وادخروا ما يخلصكم يوم المحاسبة والمناجزة، وانتظروا قوله: وَيَوْمَ «٢» نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً (٤٧) «٣» وذلك يوم تذهل فيه الألباب، وترجف القلوب رجفا، وتبدّل الأرض وتنسف الجبال نسفا، ولا يقبل الله فيه من الظالمين عدلا ولا صرفا. وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً «٤» وعرضوا على ربّك صفّا، لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة،

стр. 1440

بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا، اللهمّ انفعنا بالكتاب والحكمة، وارحمنا بالهداية والعصمة، وأوزعنا شكر ما أوليت من النّعمة. ربنا آتنا من لدنك رحمة، وهيّئ لنا من أمرنا رشدا. تواليفه: مما أكمله وقرىء عليه؛ كتاب «الشفا بتعريف حقوق المصطفى» ستة أجزاء. وكتاب «إكمال المعلم في شرح مسلم» تسعة وعشرون جزءا. وكتاب «المستنبطة على الكتب المدوّنة والمختلطة» عشرة أجزاء. وكتاب «ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك» خمسة أسفار، ولم يسمعه. وكتاب «الإعلام بحدود قواعد الإسلام» . وكتاب «الإلماع في ضبط الرواية وتقييد السماع» سفر. وكتاب «الرّائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد» . وكتاب خطبه، سفر. وكتاب المعجم في شيوخ أبي سكّرة. وكتاب الغنية في شيوخه، جزء. ومما تركه في المبيضة كتاب «مشارق الأنوار على صحيح الآثار» ستة أجزاء ضخمة، وهو كتاب جليل. وفيه يقول الشاعر: [الطويل] مشارق أنوار تبدّت بسبتة ... ومن عجب كون المشارق بالغرب وكتاب «نظم البرهان على صحّة جزم الأذان» جزء. وكتاب «مسألة الأهل المشترط بينهم التزاور» جزء. ومما لم يكمله «المقاصد الحسان فيما يلزم الإنسان» . وكتاب «الفنون الستّة في أخبار سبتة» . وكتاب «غنية الكاتب وبغية الطالب» في الصدور والتّرسيل. وكتاب «الأجوبة المحبّرة، على الأسئلة المتخيّرة» وجدت منها يسيرا فضممته إلى ما وجدته في بطائقه وعند أصحابه. يقول هذا ولده من معان شاذة في أنواع شتى سئل عنها، رحمة الله عليه، فأجاب: جمعت ذلك في جزء. وكتاب أجوبة القرطبيين وجدتها بطابق، فجمعتها مع أجوبة غيرهم. وأجوبته مما نزل في أيام قضائه، من نوازل الأحكام في سفر، وكتاب «سر السّراة في أدب القضاة» . نبذ من أخباره: وأولا في ثناء الأعلام عليه؛ قال ولده: أخبرني ابن عمي الزاهد أن القاضي أبا عبد الله بن حمدين كان يقول له وقت رحلته إليه: وحتى، يا أبا الفضل، إن كنت تركت بالمغرب مثلك. وقال: وأخبرني أن أبا الحسين بن سراج قال له، وقد أراد الرحلة إلى بعض الأشياخ: فهو أحوج إليك منك إليه. وقال: إن الفقيه أبا محمد بن أبي جعفر قال له: ما وصل إلينا من المغرب مثل عياض، وأمثال ذلك كثير، ومن دعابته، قال بعض أصحابنا: صنعت أبياتا تغزلت فيها، والتفت إلى أبيك، ﵁، ثم اجتمع بي، فاستنشدني إياها، الإحاطة في أخبار غرناطة/ ج ٤/م ١٣
следующие страницы →