← Тараджим

Тараджим · id 11682

الإحاطة في أخبار غرناطة

لسان الدين بن الخطيب

Полный текст (1 954 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

صبورا، حليما، جميل العشرة جوادا، سمحا، كثير الصّدقة، دروبا على العمل، صلبا في الحق. رحلته وولايته ومنشأ أمره: رحل إلى الأندلس سنة سبع وخمسمائة، فأخذ بقرطبة ومرسية وغيرهما، ثم عاد إلى سبتة، فأجلسه أهلها للمناظرة عليه في «المدوّنة» ، وهو ابن ثلاثين سنة أو ينيف عليها، ثم جلس للشورى. ثم ولّي القضاء، فسار في ذلك حسن السّيرة مشكور الطريقة، وبنى الزيادة الغربية في الجامع الأعظم. وبنى بجبل الميناء الرابية الشهيرة، وعظم صيته. ثم نقل إلى غرناطة في أول صفر سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، فتقلّد خطّة القضاء بها. ثم ولّي قضاء سبتة ثانية. ولمّا ظهر أمر الموحّدين بادر بالمسابقة إلى الدخول في طاعتهم، ورحل إلى لقاء أميرهم بمدينة سلا، فأجزل صلته، وأوجب برّه، إلى أن اضطربت أمور الموحدين عام ثلاثة وأربعين وخمسمائة، وحدث على من كان بقصبتها منهم ما هو معلوم من التغلب عليهم واستئصالهم، ثم من رجوع أمورهم، فالتاثت حاله، ولحق بمراكش مشرّدا به عن وطنه، فكانت بها وفاته. مشيخته: ورتبهم ولده حسبما نقل من فهرسته على الحروف؛ فمنهم أحمد بن محمد بن بقي، وأحمد بن سعيد بن مستقر، وأحمد بن محمد بن مكحول، وأحمد بن محمد السّلفي، الشيخ أبو الطاهر، وأحمد بن محمد بن غلبون بن الحصّار، وأحمد بن محمد بن عبد العزيز المرحي، إلى غيرهم من جملة سبعة عشر رجلا، والحسن بن محمد الصّدفي بن سكّرة، والحسين بن محمد الغساني، والحسين بن عبد الأعلى السفاقسي، والحسن بن علي بن طريف، وخلف بن إبراهيم بن النحاس، وخلف بن خلف الأنصاري بن الأنقر، وخلف بن يوسف بن فرتون، ومحمد بن عيسى التجيبي القاضي، ومحمد بن علي بن حمدين القاضي، ومحمد بن أحمد التجيبي القرطبي القاضي ابن الحاج، ومحمد بن أحمد بن رشد، ومحمد بن سليمان النّفزي ابن أخت غانم. وأجازه محمد بن الوليد الطّرطوشي، ومحمد بن علي بن عمر المازري، ومحمد بن عبد الله المعافري القاضي ابن العربي، ومحمد بن عبد الرحمن بن شبرين القاضي، ومحمد بن علي الأزدي الخطيب الطّليطلي، ومحمد بن علي الشاطبي بن الصقيل، إلى غيرهم من جملة أحد وثلاثين شيخا، وعبد الله بن محمد الخشني، وعبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي، وعبد الله بن محمد بن أيوب الفهري، وعبد الرحمن بن محمد السبتي ابن العجوز، وعبد الرحمن بن محمد بن بقي، وعلي بن أحمد الأنصاري ابن الباذش، وعلي بن عبد الرحمن التجيبي ابن الأخضر، من جملة من سبعة وعشرين، وغالب بن عطية

стр. 1437

المحاربي، وسراج بن عبد الملك بن سراج أبو الحسن، وسفيان بن العاصي الأسدي، من جملة خمسة من الأشياخ في هذا الحرف، وشريح بن محمد الرعيني الإشبيلي، وهشام بن أحمد القرطبي أبو الوليد بن العواد، وهشام بن أحمد الهلالي الغرناطي، ويونس بن محمد بن مغيث بن الصفار، ويوسف بن موسى الكلبي، سمع منه أرجوزته، ويوسف بن عبد العزيز بن عتريس الطليطلي. شعره: قال: مما كتبته من خطّه «١» : [المتقارب] أعوذ بربّي من شرّ ما ... يخاف من الإنس والجنّه وأسأله رحمة تقتضي ... عوارف توصل بالجنّه فما للخلائق «٢» من ناره ... سوى فضل رحماه من جنّه ومن شعره، قال: أنشدنيه غير واحد من أصحابنا، فوا رحمة الله عليه: [الوافر] أذات الخلّ «٣» ، كم ذا تنتضيها ... عليّ سيوف عينيك انتضاء «٤» بمطلك لي مواعد أقتضيها ... من التّوريد واللّعس اقتضاء «٥» فقضّي وعد مطلك وانجزيه ... «خيار الناس أحسنهم قضاء «٦» » قال: ومما كتبته من خطه «٧» : [البسيط] يا من تحمّل عنّي غير مكترث ... لكنه للضّنى والسّقم أوصى بي «٨» تركتني مستهام القلب ذا حرق «٩» ... أخا جوى وتباريح وأوصاب أراقب النّجم في جنح الدّجى ولها «١٠» ... كأنّني «١١» راصد للنجم أو صابي «١٢» وما وجدت لذيذ النوم بعدكم ... إلّا جنى حنظل في الطعم أو صاب

стр. 1438

ومن ذلك قوله ﵀ «١» : [البسيط] الله يعلم أنّي منذ لم أركم ... كطائر خانه ريش الجناحين فلو قدرت ركبت الريح «٢» نحوكم ... فإنّ «٣» بعدكم عنّي جنى حيني «٤» قال: وكتبت من خطّه «٥» : [الكامل] يا راحلين وبالفؤاد تحمّلوا ... أترى لكم قبل الممات قفول؟ أمّا الفؤاد فعندكم أنباؤه ... ولواعج تنتابه وغليل أترى «٦» لكم علم بمنتزح الكرى ... عن جفن صبّ ليله موصول؟ أودى بعزمة «٧» صبره ولبابه ... طرف أحمّ «٨» ومبسم مصقول ما ضرّكم وأضنّكم بتحية ... يحيى بها عند الوداع قتيل إن الخليل «٩» بلحظه أو لفظه ... أو عطفه أو وقفه لبخيل ومما نسبه إليه الفتح وغيره، ومن العجب إغفال ولده إياه، قوله يصف الزّرع والشقائق فيه «١٠» : [السريع] انظر إلى الزّرع وخاماته ... تحكي وقد «١١» ماست أمام الرياح كتيبة خضراء «١٢» مهزومة ... شقائق النّعمان فيها جراح

стр. 1439

نثره: وهو كثير. فمن خطبه، وكان لا يخطب إلّا بإنشائه: الحمد لله الذي سبق كل شيء قدما، ووسع كل شيء رحمة وعلما ونعما، وهدى أولياءه طريقا نهجا أمما، وأنزل على عبده الكتاب، ولم يجعل له عوجا قيّما، لينذر بأسا شديدا من لدنه، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أنّ لهم أجرا حسنا، ماكثين فيه أبدا. أحمده على مواهبه، وهو أحقّ من حمد، وأسأله أن يجعلنا أجمع، ممن حظي برضاه وسعد، وأستعينه على طاعته، فهو أعزّ من استعين واستنجد، وأستهديه توفيقا، فإنّ من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليّا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده، لا شريك له، شهادة فاتحة لأقفال قلوبنا، راجحة بأثقال ذنوبنا، منزّهة له عن التّشبيه والتمثيل بنا، وأنه تعالى جدّ ربّنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أنزل عليه الفرقان، وبعثه بالهدى والإيمان، وأغزى بدعوته دعوة أولياء الشيطان، وأبعدهم مقاعد عن السمع، فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا. أيها السامع، قد أيقظك صرف القدر من سنة الهوى وتيّاراته، ووعظك كتاب الله بزواجره وعظاته، فتأمّل حدوده، وتدبّر محكم آياته، واتل ما أوحي إليك من كتاب ربّك لا مبدّل لكلماته، ولن تجد من دونه ملتحدا. أين الذين عتوا على الله، وتعظّموا واستطالوا على عباده وتحكّموا، وظنّوا أنه لن يقدر عليهم حتى اصطلموا. وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا. غرّهم الأمل وكواذب الظّنون، وذهلوا عن طوارق القبر وريب المنون، وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون، حتى إذا رأوا ما يوعدون، فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا. فهذّبوا، رحمكم الله، سراركم بتقوى الله واخلصوا، واشكروا نعمته، وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها، واحذروا نقمته واتقوه. ولا تعصوا، واعتبروا بوعيده. قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى (١٣٥) «١» وانهضوا لطاعته الهمم العاجزة، واركضوا في ميدان التّقوى، وحوزوا قصب خصله العابرة، وادخروا ما يخلصكم يوم المحاسبة والمناجزة، وانتظروا قوله: وَيَوْمَ «٢» نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً (٤٧) «٣» وذلك يوم تذهل فيه الألباب، وترجف القلوب رجفا، وتبدّل الأرض وتنسف الجبال نسفا، ولا يقبل الله فيه من الظالمين عدلا ولا صرفا. وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً «٤» وعرضوا على ربّك صفّا، لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة،

стр. 1440

بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا، اللهمّ انفعنا بالكتاب والحكمة، وارحمنا بالهداية والعصمة، وأوزعنا شكر ما أوليت من النّعمة. ربنا آتنا من لدنك رحمة، وهيّئ لنا من أمرنا رشدا. تواليفه: مما أكمله وقرىء عليه؛ كتاب «الشفا بتعريف حقوق المصطفى» ستة أجزاء. وكتاب «إكمال المعلم في شرح مسلم» تسعة وعشرون جزءا. وكتاب «المستنبطة على الكتب المدوّنة والمختلطة» عشرة أجزاء. وكتاب «ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك» خمسة أسفار، ولم يسمعه. وكتاب «الإعلام بحدود قواعد الإسلام» . وكتاب «الإلماع في ضبط الرواية وتقييد السماع» سفر. وكتاب «الرّائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد» . وكتاب خطبه، سفر. وكتاب المعجم في شيوخ أبي سكّرة. وكتاب الغنية في شيوخه، جزء. ومما تركه في المبيضة كتاب «مشارق الأنوار على صحيح الآثار» ستة أجزاء ضخمة، وهو كتاب جليل. وفيه يقول الشاعر: [الطويل] مشارق أنوار تبدّت بسبتة ... ومن عجب كون المشارق بالغرب وكتاب «نظم البرهان على صحّة جزم الأذان» جزء. وكتاب «مسألة الأهل المشترط بينهم التزاور» جزء. ومما لم يكمله «المقاصد الحسان فيما يلزم الإنسان» . وكتاب «الفنون الستّة في أخبار سبتة» . وكتاب «غنية الكاتب وبغية الطالب» في الصدور والتّرسيل. وكتاب «الأجوبة المحبّرة، على الأسئلة المتخيّرة» وجدت منها يسيرا فضممته إلى ما وجدته في بطائقه وعند أصحابه. يقول هذا ولده من معان شاذة في أنواع شتى سئل عنها، رحمة الله عليه، فأجاب: جمعت ذلك في جزء. وكتاب أجوبة القرطبيين وجدتها بطابق، فجمعتها مع أجوبة غيرهم. وأجوبته مما نزل في أيام قضائه، من نوازل الأحكام في سفر، وكتاب «سر السّراة في أدب القضاة» . نبذ من أخباره: وأولا في ثناء الأعلام عليه؛ قال ولده: أخبرني ابن عمي الزاهد أن القاضي أبا عبد الله بن حمدين كان يقول له وقت رحلته إليه: وحتى، يا أبا الفضل، إن كنت تركت بالمغرب مثلك. وقال: وأخبرني أن أبا الحسين بن سراج قال له، وقد أراد الرحلة إلى بعض الأشياخ: فهو أحوج إليك منك إليه. وقال: إن الفقيه أبا محمد بن أبي جعفر قال له: ما وصل إلينا من المغرب مثل عياض، وأمثال ذلك كثير، ومن دعابته، قال بعض أصحابنا: صنعت أبياتا تغزلت فيها، والتفت إلى أبيك، ﵁، ثم اجتمع بي، فاستنشدني إياها، الإحاطة في أخبار غرناطة/ ج ٤/م ١٣

стр. 1441

فوجمت، فعزم عليّ فأنشدت: [الطويل] أيا مكثرا صدى ولم آت جفوة ... وما أنا عن فعل الجفاء براض سأشكو الذي توليه من سوء عشرة ... إلى حكم الدنيا وأعدل قاض ولا حكم بينك أرتضي قضاياه ... في الدنيا سوى ابن عياض قال: فلمّا فرغت حسّن، وقال: متى عرفتني قوادا يا فلان، على طريق المداعبة. وأخباره حسنة وفضائله جمة. مولده: بسبتة حسبما نقل من خطّه في النصف من شعبان عام ستة وسبعين وأربعمائة. وفاته: توفي بمراكش ليلة الجمعة نصف الليلة التاسعة من جمادى الآخرة من عام أربعة وأربعين وخمسمائة، ودفن بها في باب إيلان من داخل السّور. عقيل بن عطية بن أبي أحمد جعفر بن محمد ابن عطية القضاعي «١» من أهل طرطوشة، يكنى أبا المجد «٢» . حاله: كان فقيها متطرّفا في فنون من العلم، متقنا لما يتناوله من ذلك، حسن التهدّي، من بيت طلب. وقد تقدّم ذكر جدّه الأستاذ. ولّي عقيل قضاء غرناطة وسجلماسة. مشيخته: روى «٣» عن أبي القاسم بن بشكوال. قرأ عليه وسمع، وتناول من يده، وأجاز له. وقفت على ذلك بخطّه. شعره: أنشد له في «الذيل» «٤» قوله مما نظمه لجماعة من السّادة: [الوافر] ملوك دون بابكم وقوف ... سطت بهم الحوادث والصّروف أذلّهم الزمان وكان قدما ... لهم راع وحولهم يطوف غدوا عبرا لمعتبر فسحقا ... لدنيا أمرها أمر سخيف

стр. 1442

وطال وحقّ مجدك ما تبدّوا ... وحولهم الغواضب والسيوف أسود يقدمون أسود حرب ... وخلفهم العساكر والصفوف أتى بهم الزمان إليك قصدا ... حيارى فيه يعجزهم رغيف فعطفا أيها المولى عليهم ... وقاك السوء باريك اللطيف فرحمة سيّد قد ذلّ فرض ... يقول به النّبي الهادي الشريف وما يرعى الكرام سوى كريم ... وأنت الماجد النّدي العطوف تواليفه: قال الأستاذ: وقفت على تأليف سماه «فصل المقال، في الموازنة بين الأعمال» تكلّم فيه مع أبي عبد الله الحميدي وشيخه أبي محمد بن حزم، فأجاد فيه وأحسن وأتى بكل بديع، وشرح المقامات الحريرية. وفاته: في صفر سنة ثمان وستمائة. ومن الكتّاب والشعراء عاصم بن زيد بن يحيى بن حنظلة بن علقمة بن عدي بن محمد التميمي ثم العبادي الجاهلي «١» يكنى أبا المخشي «٢» ، من أهل إلبيرة. حاله: كان شاعرا مجيدا، شهير المكان، بعيد الصّيت على عهده. قال أبو القاسم: كان من أعلام الجند ومقدميهم. وقال الرّازي: دخل والده زيد بن يحيى من المشرق إلى الأندلس، واختطّ بكورة جند دمشق، وشهر ابنه عاصم هذا بالشّعر، إذ كان غزير القول، حسن المعاني، كثير النادر، سبط اللفظ، فاغتدى شاعر الأندلس، ومادح بني أمية، المخلّف فيهم قوافي شعر «٣» المديح الشاردة، وقد كان في لسانه بذاءة زائدة، يتسرّع به إلى من لم يوافقه من الناس، فيقذع هجوهم، ويقذف نساءهم ويهتك حرمهم. وكان أفّاكا نهابا، لا يعدم متظلّما منه، وداعيا عليه، وذاكرا له بالسوء، وهو مستهزئ بذلك، جار على غلوائه.

стр. 1443

محنته: قال «١» : وكان مع ذلك منقطعا إلى سليمان ابن الأمير عبد الرحمن بن معاوية، كثير المدح له، على أنه ما أخلى الأمير هشاما من مدحه، وهو مع ذلك لا يسأل سخيمته وحقده عليه؛ لانحطاطه في شعب سليمان أخيه، وبينهما من التنافس والمشاحة ما لا شيء فوقه. وروي «٢» أن الذي هاج غضب هشام عليه، أن قال له الساعي عليه: قد عرّض بك بقوله في مديح أخيك سليمان في شعر له فيه منه «٣» : [الوافر] وليس كمثل من إن سيل عرفا «٤» ... يقلّب مقلة فيها اعورار «٥» وكان هشام أحول، فاغتاظ لذلك. وركب فيه من المثلة وركبه، وحقد عليه، إلى أن استدعاه إلى مدينة ماردة، وهشام يومئذ واليها في حياة الأمير أبيه، فخرج إليه أبو المخشي من قرطبة، طامعا في نائله، غير مرتاب بباطنه، فلمّا دخل عليه قال له: يا أبا المخشي، إن المرأة الصالحة التي هجوت ابنها فقذفتها، فأفحشت سبّها، قد أخلصت دعاءها لله في أن ينتقم لها منك، فاستجاب لها، وسلّطني وتأذّن بالاقتصاص لها على يدي منك، ثم أمر به فقطع لسانه، وسمّلت عيناه، وعولج من جراحه، فاستقل منها، وعاش زمنا ممثّلا به. فأما لسانه، فانجبر بعيد وقت إلّا قليلا، واقتدر على الكلام إلّا تلعثما كان يعترضه، واستمرّ العمى، فعظم عليه مصابه، فكثرت في شكواه أشعاره. قال: ويذكر أن قصة أبي المخشي في نبات لسانه، لما بلغت مالك بن أنس، أشار إليها في فتواه في التأنّي بديّة اللسان طمعا في نبتها، وقال: يتأنّى بالحكم عاما، فإن نبت أو شيء منه، عمل في ديّته بحسب ذلك، فقد بلغني أن رجلا بالأندلس نبت لسانه أو أكثره بعدما قطع، فأمكنه الكلام. شعره: قالوا: وبلغ الأمير عبد الرحمن بن معاوية صنيع ابنه هشام بمادحهم أبي المخشي، فساءه وكتب إليه يعنّفه، وأوصل أبا المخشي إليه عند استيلائه بعد حين، فاعتذر إليه ورقّ له، وأنشده بعض ما أحدثه بعد، فكان لا يبين الإنشاد، فينشد له صبيّ كان قد علّمه ودرّبه، فأنشده قصيدته التي وصف فيها عماه وأولها «٦» :

стр. 1444

[الرمل] خضعت أمّ بناتي للعدى ... إذ قضى الله بأمر فمضى «١» ورأت أعمى ضريرا إنما ... مشيه في الأرض لمس بالعصا فبكت «٢» وجدا وقالت قولة ... وهي حرّى «٣» بلغت منّي المدى ففؤادي قرح «٤» من قولها: ... ما من الأدواء داء كالعمى «٥» وإذا نال العمى ذا بصر ... كان حيّا مثل ميت قد ثوى «٦» وكأنّ الناعم «٧» المسرور لم ... يك مسرورا إذا لاقى «٨» الرّدى عانى بالقرب وهنا طرب ... بيّن لجّ في الحمى ................ .... «٩» ... كيف يعتاد الصّبا من لا يرى أبصرت مستبدلا من طرفه ... قائدا «١٠» يسعى به حيث سعى بالعصا إن لم يقده قائد «١١» ... وسؤال الناس يمشي إن مشى وإذا ركب دنوا كان «١٢» لهم ... هوجلا في المهمه الخرق الصّوى «١٣» لم يزل في كلّ مخشيّ الرّدى «١٤» ... يصطلي الحرب ويجتاب الدّجى امتطيناها سمانا بدنا ... فتركناها نضاء بالفنا وذريني «١٥» قد تجاورت بها ... مهمها فقرا إلى أهل النّدى

стр. 1445

قاصدا خير مناف كلها ... ومناف خير من فوق الثّرى وهي طويلة. ومن شعره في الوقيعة بأبي الأسود الفهري «١» ، وكانت عظيمة من أعظم فتوحات الأمير عبد الرحمن «٢» : [الكامل] ماذا تسائل «٣» عن مواقع معشر ... أودى بهم «٤» طلب الذي لم يقدر رشد الخليفة إذا غووا فرماهم ... بالموبذيّ الجهم «٥» والمتأزّر فغدا «٦» سليمان السّماح عليهم ... كالليث لا يلوي على متعذّر غاداهم «٧» متقنّعا في مأزق ... بالموت مرتجس العوارض ممطر «٨» أما سليمان السماح فإنه ... جلّى الدّجى وأقام ميل الأصعر وهو الذي ورث النّدى أهل النّدى ... ومحا مغبّة «٩» يوم وادي الأحمر بعدا لقتلى بالمجانص «١٠» أصبحت ... جيفا تلوح عظامها لم تقبر فالليل فيها للذئاب فرائس «١١» ... ونهارها وقف لنهش «١٢» الأنسر أفناهم سيف مبير صارم «١٣» ... في قسطلونة بل «١٤» بوادي الأحمر فلتركبنّك «١٥» ما هربت مخافة ... منه فقع يا ابن اللّقيطة أو طر

стр. 1446

وفاته: قال ابن حيان: قرأت بخطّ عبادة الشاعر، قال: عمّر أبو المخشي بعد محنته الشنعاء حتى لحق دولة الأمير عبد الرحمن «١» ، فوالى بين مديح أربعة أمراء «٢» ، ما بينه وبين جدّه عبد الرحمن بن معاوية الأمير الداخل. وتوفي بعد ذلك قريبا من تاريخ الثمانين والمائة «٣» ، وبعد عليه لحاق دولة الأمير عبد الرحمن لهذا التاريخ. ومن الأصليين من ترجمة المحدّثين الفقهاء والطلبة النجباء عيسى بن محمد بن أبي عبد الله بن أبي زمنين المرّي يكنى أبا الأصبغ، من أهل إلبيرة. حاله: نبيه القدر، وروى عن شيوخ بلده. حاله: توفي بعد الأربعمائة. قلت: قد اعتذرت، وتقدم الاعتذار في إثبات من أثبته من هذا البيت في هذا الاختصار من هذا النمط، فلينظر هنالك إن شاء الله. عيسى بن محمد بن عيسى بن عمر بن سعادة الأموي لوشي الأصل، غرناطي الاستيطان والقراءة، يكنى أبا موسى، الشيخ الطبيب بالدار السلطانية. حاله: من «عائد الصلة» : بقية أهل العلم، ونسيج وحده في لين الجانب، وخفض الجناح، وحسن الخلق، وبذل التواضع، ممتع من معارف قديمة، بين طلب وتعليم، على حال تديّن والتزام سنّة، أقرأ الطّبّ، وخدم به الدار السلطانية، وولّي القضاء بلوشة بلده. مشيخته: قرأ على الأستاذ أبي عبد الله الرّقوطي المرسي ولازمه، وأخذ عن أبي الحجاج بن خلصون، وأدرك أمّة من صدور العلماء. تواليفه: له تأليف كبير متعدد الأسفار سماه كتاب «القفل والمفتاح، في علاج الجسوم والأرواح» ، تضمّن كثيرا من العلم الطبي وما يتعلق به، رأيت أجزاء من مسودته بيد ولده.

стр. 1447

وفاته: توفي بغرناطة ليلة السبت الخامس عشر لجمادى الآخرة عام ثمانية وعشرين وسبعمائة. حرف الغين من الأعيان غالب بن أبي بكر الحضرمي من أهل غرناطة، يكنى أبا تمام، ويعرف بابن الأشقر. حاله: كان قائدا جزلا مهيبا، مليح التجنّد، معروف الدّربة والثقافة، مشهور الفروسية، ظريف الشكل، رائق الرّكبة، حسن الشّيبة، صليب العود، مرهوب السطوة، ولّي قيادة العسكر زمانا طويلا، فوقع الإجماع على أهليته لذلك؛ تمييزا للطبقات، وانتهاضا بالخدمة، وإنفاذا للعزمة، ومعرفة بالعوائد، واقتدارا على السهر في تفقّد المسالح، واختبار المراصد، واختيار الحرس، وتنظيم المصاف، وإمساك السّيقة ممن يرجع إلى حصيف رأيه، ويركن إلى يمن حنكته، ويعترف بحقه. لقي الجند منه ضغطا لاضطلاعه باستخدامهم، وجعل العقاب من وراء تقصيرهم؛ فقد كان بعض نقبائه يحمل معه مقصّا لإيقاع المثلة بذقون مضيّعي المسلحة أو متهيّبي الملحمة. ولمّا أوقع بالسلطان أمير المسلمين أبي الوليد قرابته بباب داره بما هو مشهور، نمي عنه أنه اخترط سيفه. وكان ممن أثخن الوزير يومئذ جراحة لا يعلم؛ أحيرة وغلطا، أم تواطأ وقصدا، فقد كان من مرج الناس يومئذ، وإعمال بعضهم السلاح في بعض ما هو معلوم، فعزل عن الخطّة، وسئم خطة الخمول، ففقد مكانه من العناء، واضطر إليه. وفاته: توفي بغرناطة عشية يوم الخميس الثاني والعشرين لشوال عام سبعة وعشرين وسبعمائة، ودفن قرب باب إلبيرة. ومن المقربين غالب بن عبد الرحمن بن غالب بن عبد الرؤوف بن تمام ابن عبد الله بن تمام بن عطية بن خالد بن خفاف ابن أسلم بن مكتوم المحاربي، أبو بكر حاله: كان من أهل العلم والعمل، مقرئا فاضلا، راوية، حجّ وروى، وكفّ بصره في آخر عمره.

стр. 1448

مشيخته: قرأ القرآن بالسّبع على أبي الحسن بن عبد الله الحضرمي، ودرس الفقه وناظر فيه على سعيد بن خلف بن جعفر الكناني. وروى عن أبي علي الغساني، وعن أبيه عبد الرحمن بن غالب، وأبي عمر بن عبد البر، الإمام الحافظ. من روى عنه: حدّث عنه ذو الوزارتين أبو عبد الله بن أبي الخصال، وأبو عبد الله بن عبد الرحيم القاضي، وعبد الله بن طلحة بن أحمد بن عطية. شعره: قال يحذر من أبناء الزمن: [الرمل] كن بذيّا صائد مستأنسا ... وإذا أبصرت إنسانا ففر إنما الإنسيّ بحر ما له ... ساحل فاحذره إياك الغرر واجعل الناس كشخص واحد ... ثم كن من ذاك الشخص حذر وله ﵀: [الكامل] كيف السّلوّ ولي حبيب هاجر ... قاسي الفؤاد يسومني تعذيبا لمّا درى أن الخيال مواصلي ... جعل السّهاد على الجفون رقيبا مولده: ولد سنة إحدى وأربعين وأربعمائة. وفاته: توفي ليلة الجمعة لستّ بقين من جمادى الآخرة سنة ثماني عشرة «١» وخمسمائة. غالب بن حسن بن غالب بن حسن بن أحمد بن يحيى ابن سيد بونه الخزاعي «٢» يكنى أبا تمام. أوليته وحاله: أصل «٣» سلفه من بونة «٤» من بلد إفريقية، واستوطن جدّه بالأندلس قرية زنيتة من وادي «٥» لستة شرقي الأندلس من عمل قسنطانية، وملك فيها

стр. 1449

أموالا عريضة. ولمّا ظهر سبطه وليّ الله أبو أحمد «١» شيخ المريدين بذلك الصقع، وظهرت عليه البركات، وشهدت بولايته الكرامات، غمرتهم بركته، ونوّهت بهم شهرته، إلى أن استولى العدو على تلك الجهات، بعد وفاة الشيخ، ﵁، فهاجرت ذريته إلى غرناطة، بعد استيطانهم مدينة ألش، وبنوا بالرّبض المعروف بربض البيّازين، واقتطعوا وامتطوا، واتخذوا دار إقامة، وانتشرت به نحلتهم الإرادية «٢» ، وانضمّ إليهم من تبعهم من جالية أهل الشرق، وتقدّم هذا الشيخ بعد، شيخا ويعسوبا وقاضيا وخطيبا به، بعد خاله، ﵀، فقام بالأعباء، سالكا سنن الصالحين من أهل الجلد والجدّة والقوة والرجولة، من الإيثار والمثابرة على الرباط، والحفوف «٣» إلى الجهاد، كان مليح الشّيبة، كثير التّخلق، جمّ التواضع، مألفا للغرباء، مبذول البشر، حسن المشاركة، رافضا للتصنّع، مختصر المطعم والملبس، بقية من بقايا الجلّة، معتمدا في مجالس الملوك بالتّجلّة. مشيخته: يحمل عن والده أبي علي، وعن خاله، وعن الخطيب أبي الحسن ابن فضيلة، وغيرهم. تواليفه: له تأليف في تحريم «٤» سماع اليراعة المسماة بالشّبّابة، وعلى ذلك درج جمهورهم. مولده: في ذي القعدة من عام ثلاثة وخمسين وستمائة. وفاته: توفي في عاشر شوال من عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة، وكان الحفل في جنازته يشذّ عن الوصف، ودفن بمقبرتهم. غالب بن علي بن محمد اللخمي الشقوري من أهل غرناطة، يكنى أبا تمام. حاله: كان من أهل الفضل والدّماثة، حسن الخلق، وسيم الخلق، مليح الانطباع، مستطرف الأغراض، من بيت كسب وخيريّة. رحل في شبيبته إلى المشرق، فحجّ، وقرأ الطب بالمارستان من القاهرة المعزّية، وحذق العلاج على طريقة المشارقة، وأطرف بكثير من أخبارهم، وانتصب للمداواة ببجاية بعد مناظرة لها

стр. 1450

حكاية. وقدم على بلده، فنبه به قدره، واستدعي إلى باب السلطان فخدم به، ثم تحول إلى العدوة، فاتصل بخدمة ملكها السلطان أمير المسلمين أبي سعيد، مسوّغا ما شاء من قبول، ولطف محلّه عنده؛ لانطباعه ولين عريكته وتأنيه لما يوافق غرضه من سبيل الفكاهة، وولّي الحسبة بمدينة فاس، وأثرى وحسنت حاله. وكان مثالا لأهل بلده، موصوفا بالجود وبذل المشاركة لمتغرّبيهم. وله تواليف طيّبة، كان لا يفتر عن الاشتغال بها، بحسب ما فتح له من الإدراك، فمنها نبيل ووبيل. ولمّا انتقل الأمر إلى أمير المسلمين أبي الحسن، وصل حبل رعيه، طاويا بساط الهزل في شأنه، واتصلت خدمته إياه إلى حين وفاته. وفاته: توفي في أوائل عام أحد وأربعين وسبعمائة بسبتة، عند حركة أميره المذكور إلى الجواز للأندلس برسم الجهاد، الذي محصه الله فيه بالهزيمة الكبرى. مولده: ... «١» . حرف الفاء الأعيان والكبراء فرج بن إسماعيل بن يوسف بن نصر «٢» الرئيس الجليل، أبو سعيد، وكان حقّه أن يفرد له باب في الأمراء، لكنه الأبواب المتعددة الأسماء، نؤثر فيها الجمع والاختصار كما شرطنا. أوليته: معروفة؛ وكان والده، ﵀، صنو أمير المسلمين الغالب بالله «٣» أبي عبد الله، وآثره بمدينة مالقة وما يرجع إليها، عند تصير الملك إليه أو بعده. وكان دونه في السّنّ، فاستمرّت أيامه بها إلى أن توفي، ﵀، وتصيّر أمره إلى الرئيس أبي محمد بن إشقيلولة، وتخللت ذلك الفتن، حسبما وقع الإلماع به، وتصيّر أمرها إلى ملوك المغرب. ثم لما انجلت الحال عن عودتها إلى الملك النّصري، ولّى عليها الرئيس أبا سعيد، ومكّنه من ميراث سلفه بها، وهو كما استجمع شبابه، وعقد له

стр. 1451

على ابنته الحرة لباب الملك، فقام بأمرها خير قيام، وثبت لزلزال الفتنة، حسبما هو مذكور في موضعه. حاله: كان هذا الرئيس نسيج وحده في الحزم والجزالة وفخامة الأحوال، مما يرجع إلى الفتية. ناغى السلطان ابن عمّه في اقتناء العقار، وتخليد الآثار، فيما يرجع إلى الفلاحة والاعتمار والازدياد والاستكثار، وأربى عليه بإنشاء المراكب الكبار، فعظمت غلّاته، وضاقت المسارح عن سائمته، وغصّت الأهراء بحبوبه، وسالم الخرج دخل ماله، فبذّ الملوك جدة ويسارا، تقتحم العين منه ظاهرا ساذجا، غفلا من الزينة والتصنّع، في طيّه ظرف وذكاء وحنكة وحلاوة، جهوريا، مرسل عنان النّادرة، باذلا النصفة، مهيب السّطا، خصيب المائدة، شهير الجلالة، بعيد الصيت. ولّي مالقة عام سبعة وسبعين وستمائة، فعانى بها الشّدة واللّيان، حتى رسخت بها قدمه، وطالت لأهلها صحبته، وعظم بها قراره وعساكره، وأينعت غرسانه، ونمت متاجره، وتبنّكت النّعيم حاشيته، وأضيفت إليه الجزيرة الخضراء، فاتسعت العمالة، وانفسحت الخطّة، إلى أن كان من تغلّبه على مدينة سبتة، واستيلائه عليها، مما وقع الإلماع به في موضعه من هذا الكتاب، في شهر شوال عام خمسة وسبعمائة، فساس رعيتها، وتملّك جبالها، وشنّ الغارة على ما وراءها، وتملّك القصر المضاف لها، ولم يزل نظره عليها، إلى أواخر ذي قعدة من عام ثمانية وسبعمائة، فصرف عنها، وجهل قدره، وأوغر صدره، وأوعز للولاة بالتضييق على حاشيته، فدعا بمالقة إلى نفسه في شهر شعبان من عام أحد عشر وسبعمائة، وقدّم لطلب الملك ولده إسماعيل، وسمّاه السلطان، ورتّب له الألقاب، ودوّن الدواوين، فنزع إليه الجند، وانضافت إلى عمالته الحصون. ثم وقعت المهادنة، وأعقبتها المفاتنة، وكان من أمره ما وقع التّنبيه على عيون منه في ذكر ولده. نكبته: ولمّا استأصلت القطيعة محتجنه الراكد في مغابن الخزائن من لدن عام سبعة وسبعين وستمائة، واستنفدت عتاده المطاولة، نظر لنفسه فوجّه كاتبه الوزير أبا عبد الله بن عيسى، وعاقده على الخروج له عن مالقة، متعوّضا عنها بمدينة سلا من عمل ملك المغرب، وتمّ ذلك في شهر رمضان من عام ثلاثة عشر وسبعمائة، وذاع خبره، وضاقت بأولياء انتزائه السّبل، إذ تحققوا بإخفاق المسعى، وسقوط العشيّ بهم على سرحان من سلطانهم الراغبين عنه، فداخلوا ولده المقدّم الأمر، أبا الوليد، واتفق أمرهم على خلعه، ومعاجلة الأمر قبل تمامه، في ... «١» من شهر رمضان، ركب

стр. 1452

الرئيس، ﵀، في نفر من مماليكه المروقة إلى بعض بساتينه، فلمّا قضى وطره، وهمّ بالخروج عنه، اعترضه القوم عند بابه، فالتفّوا به، وأشعروه غرضهم فيه، وجاءوا به إلى بعض القصور بظاهر البلد، فجعلوه به تحت رقبة، وقد بادر ولده القصبة، فاستولى عليها من غير ممانعة؛ لعدم استرابة ثقاته به، إلّا ما كان من خائن يتولّى القيام ببعض أبوابها همّ بسدّه، فطاح لحينه، وتمّ لولده الاستبداد بالأمر، واستولى على النّصب والذخيرة وباقي المال، ونقل الرئيس إلى معقل قرطبة، فلمّا خلص الأمر لولده، انتقل إلى معقل شلوبانية، فلم يزل به لا يبرح عن باب قصره، مرفّها عليه إلى أن قضى نحبه. وفاته: في الرابع عشر لشهر ربيع الأول من عام عشرين وسبعمائة، توفي، ﵀، بشلوبانية، وجيء بجنازته محمولا على رؤوس صدور الدولة ووجوه رجالها، متناغين في لباس شعار الحزن بما لم يتقدّم به عهد، ودفن بمقبرة السّبيكة، وولده أمير المسلمين واقف بإزاء لحده، مظهر الاكتراث لفقده، وعلى قبره الآن مكتوب نقشا في الرخام البديع ما نصّه: «هذا قبر علم الأعلام، وعماد دين الإسلام، جواد الأجواد، أسد الآساد، حامي الثغور وممهّد البلاد، المجاهد في ذات الله حقّ الجهاد، شمس الملك وبدره، وعين الزمان وصدره، الكريم الأخلاق، الطاهر الذات والأعراق، الذي سار ذكره في الآفاق، وخلّد من فضائله ما تتحلّى به ظهور المنابر وبطون الأوراق، كبير الإمامة النّصرية، وعظيم الدولة الغالبية، فرع الملك وأصله، ومن وسع الأنام عدله وفضله، مخلّد الفخر الباقي على الأعصار، والعمل الصالح الذي ينال به الحسنى وعقبى الدار، بسلالته الطاهرة الكريمة المآثر والآثار، الإمام الرضي ناصر دين المختار، المنتخب من آل نصر ونعم النسب الكريم في الأنصار، الهمام، الأكبر، الأشهر، المقدم، المرحوم، الأطهر، أبو سعيد بن الإمام الأعلى، ناصر دين الإيمان، وقاهر عبدة الصلبان، صنو الإمام الغالب بالله، ومجهز الجيوش في سبيل الله، سهام العدا، وغمام النّدى، وضرغام الحروب، ذي البأس المرهوب، والجود المسكوب، بطل الأبطال، ومناخ الآمال، المجاهد، الظاهر، المقدّس، المرحوم، أبي الوليد بن نصر، قدّس الله مضجعه، ورقاه إلى الرفيق الأعلى ورفعه. كان، ﵁، وحيد عصره، وفريد دهره، علت في سماء المعالي رتبه، وكرم من أمير المسلمين صهره ونسبه، فلا يزاحم مكانه، ولا يدانى منصبه، نفذت أحكامه في الشرق والغرب، ومضت أوامره في العجم والعرب، إلى أن استأثر الله به، فكانت وفاته ليلة الخميس الرابع عشر لشهر ربيع الأول من عام عشرين وسبعمائة، وكان مولده يوم الجمعة

стр. 1453

الثامن لشهر رمضان المعظم من عام ستة «١» وأربعين وستمائة، فسبحان الله الملك الحق، الباقي بعد فناء الخلق: [الطويل] سلام على قبر المكارم والمجد ... مقام الرضى والفوز والبشر والسّعد مثابة إحسان ومعهد رحمة ... ومستودع العلياء «٢» والسّرّ والعدّ فيا أيها القبر الذي هو روضة ... تفوح شذى أذكى من المسك والنّدّ لك الفضل إذ حملت أرضى أمانة ... تؤدّى بإكرام إلى جنة الخلد ففيك من الأنصار من آل نصرهم ... همام كريم الذات والأب والجدّ وقسم «٣» أمير المسلمين ابن عمّه ... ونخبة بيت الملك واسطة العقد وحامي ذمار الدين ناصره أبو ... سعيد عماد الملك في الحلّ والعقد ليبكي «٤» أمير العدوتين بواجب ... من الحق أبناء الوغى وبنو الرّفد وتبكي بلاد كان مالك أمرها ... أفاض بها النّعماء سابغة الورد أقام بها العدل والفضل سنّة ... بإنصاف مستعد وإسعاف مستجد وتبكي أسى ملء العيون لفقده ... وبالحق لو فاضت نفوس من الوجد فيا أيها المولى الذي لمصابه ... بدا الحزن حتى في المطهّمة الجرد لك الله ما أعلى مكارمك التي ... تسير بها الركبان في الغور والنّجد وحسبك أن أورثت خير خليفة ... وأبديت منه للورى علم الرّشد إمام هدى أعماله لهي «٥» رحمة ... تنال بها الزّلفى من الصّمد الفرد عليك من الرحمن أزكى تحية ... توفّيك من إحسانه غاية القصد فرج بن محمد بن محمد بن يوسف بن نصر «٦» الأمير أبو سعيد، ولد أمير المسلمين ثاني «٧» الملوك النصريين، ابن الغالب بالله.

стр. 1454

حاله: كان أميرا جليلا جميلا، بلغ الغاية في حسن الصورة، وفضل الفروسية على صغر سنّه، وكان زناتي الشكل والركض والآلة، عروس الميدان، وحلس الخيل، يؤثر من شجاعته وثبات موقفه على الغرارة، وعدم الحنكة، أنه أنشب في اتباع خنزير ضخم الكراديس، عظيم الناب، عريض الغبطة، طرح نفسه عليه في ضحضاح؛ لفضل شجاعته، فكبا به الطرف، واستقبله ذلك الخنزير الفحل صامدا، فاستقلّ، زعموا، من السّقطة، وقد اخترط سيفا عضبا كان يتقلّده، وسبقه بضربة تحت عينيه، أبانت فكّيه، وأطارت محل سلاحه، وخالطه مع ذلك أعزل، فلم يغن، وتلاحق به فرسانه، وقد يئسوا من خلاصه، فرأوا ما بهتوا له، وبشّر بذلك أبوه، فملأ عينه قرّة، وكان يولع منه بفرع ملك، وصقر بيت، وسيف دولة. أسف بذلك وليّ العهد كبيره، فاعتبط لأيام من تصيّر الأمر إليه. وفاته: توفي مغتالا في الأول من عام اثنين وسبعمائة. مولده: عام ستة وثمانين وستمائة. فرج بن محمد بن يوسف بن محمد بن نصر «١» الأمير أبو سعيد، ولي عهد السلطان الغالب بالله. حاله: كان هذا الأمير فاضلا ذكيا، من أهل الأدب والنّبل، قام الأدب في مدته على ساق، ولّاه أبوه الغالب بالله عنده، وأمّله لمكانه لو أنّ الليالي أمهلته. شعره: وأدبه مما ينسب إليه بالأندلس، وهو عندي ما يبعد قوله: [الطويل] أيا ربة الحسن التي سلبت منك ... على أي حال كنت لا بدّ لي منك فإمّا بذلّ وهو أليق بالهوى ... وإمّا بغرّ وهو أليق بالملك وكان ذو الوزارتين أبو عبد الله بن الحكيم، ﵀، يقول: أخبرني كاتب هذا الأمير، وهو الوزير أبو عبد الله بن القصيرة الإشبيلي بتونس قال: نظم الأمير بيتا وطلبني بإجازته، وأن يكون المنظوم مشوب النسيب بالفخر. والبيت: [الطويل] أرقت لبرق بالسّبيكة لا الخيف ... وإن كان فيه ما أحاذر من حتف فقلت مجيزا: [الطويل] تجور على قلبي لواحظ غادة ... بأنفذ من عزمي وأقطع من سيف

стр. 1455

ولي هزّة نحو الوصال أو اللّقا ... كهزة آبائي الكرام إلى الضيف أفيض وفيض في الجفون وبالحشا ... فأشكو بحالي في الشتاء وفي الصيف لعمري لقد وفّى العلا حقّ مفخري ... لو اني في الدنيا مرادي أستوفي قال: واستحسن ذلك ووقع عليه كاتبه، يعني بذلك نفسه. وفاته: عصر يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وخمسين وستمائة، ابن خمس وعشرين سنة. ومن الكتاب والشعراء الفتح بن علي بن أحمد بن عبيد الله الكاتب المشهور «١» من قرية تعرف بصخرة «٢» الواد من قرى قلعة يحصب، يكنى أبا نصر، ويعرف بابن خاقان. حاله: كان «٣» آية من آيات البلاغة، لا يشقّ غباره، ولا يدرك شأوه، عذب الألفاظ ناصعها، أصيل المعاني وثيقها، لعوبا بأطراف الكلام، معجزا في باب الحلى والصفات، إلّا أنه كان مجازفا، مقدورا عليه، لا يملّ من المعاقرة والقصف «٤» ، حتى هان قدره، وابتذلت نفسه، وساء ذكره، ولم يدع بلدا من بلاد الأندلس إلّا دخله، مسترفدا أميره، وواغلا على عليته «٥» . قال الأستاذ في «الصلة» «٦» : وكان معاصرا للكاتب أبي عبد الله بن أبي الخصال، إلا أنّ بطالته أخلدت «٧» به عن

стр. 1456

مرتبته. وقال ابن عبد الملك «١» : دخل «٢» يوما إلى مجلس قضاء أبي الفضل عياض «٣» مخمرا، فتنسّم بعض حاضري «٤» المجلس رائحة الخمر، فأعلم القاضي بذلك، فاستثبت «٥» ، وحدّه حدّا تاما، وبعث إليه بعد أن أقام عليه الحدّ، بثمانية دنانير وعمامة. فقال الفتح حينئذ لبعض أصحابه: عزمت على إسقاط اسم القاضي أبي الفضل من كتابي الموسوم «٦» ب «قلائد العقيان» قال: فقلت: لا تفعل، وهي نصيحة، فقال «٧» : وكيف ذلك؟ فقلت «٨» له: قصّتك معه من الجائز أن تنسى، وأنت تريد أن تتركها «٩» مؤرخة، إذ كلّ من ينظر في كتابك يجدك قد ذكرت فيه من هو مثله ودونه في العلم والصيت، فيسأل عن ذلك، فيقال له، [اتّفق معك كيت وكيت] «١٠» فيتوارث العلم «١١» عن الأكابر الأصاغر، قال: فتبين له ذلك، وعلم صحته وأقرّ اسمه «١٢» . وحدّثني بعض الشيوخ أنّ سبب حقده على ابن باجة أبي بكر «١٣» ، آخر فلاسفة الإسلام بجزيرة الأندلس، ما كان من إزرائه به، وتكذيبه إياه في مجلس إقرائه، إذ جعل يكثر ذكر ما وصله به أمراء الأندلس، [ويذكر الفخر بذلك] «١٤» ، ووصف حليا، وكانت «١٥» تبدو من أنفه فضلة خضراء اللون. زعموا «١٦» ، فقال له: فمن تلك

стр. 1457

الجواهر إذن الزمردة التي على شاربك؟ فثلبه في كتابه بما هو معروف في الكتاب «١» . وعلى ذلك فأبو نصر نسيج وحده، غفر الله تعالى «٢» له. مشيخته: روى «٣» عن أبوي بكر: ابن سليمان بن القصيرة، وابن عيسى ابن اللبّانة، وأبي جعفر بن سعدون الكاتب، وأبي الحسن بن سراج، وأبي خالد بن مستقور «٤» ، وأبي الطيّب بن زرقون، وأبي عبد الله بن خلصة الكاتب، وأبي عبد الرحمن بن طاهر، وأبي عامر بن سرور، وأبي محمد بن عبدون، وأبي الوليد بن حجاج، وابن دريد الكاتب. تواليفه: ومصنفاته «٥» شهيرة: منها «قلائد العقيان» ، و «مطمح الأنفس» ، و «المطمح» أيضا «٦» . وترسيله مدوّن، وشعره وسط، وكتابته فائقة. شعره: من شعره قوله، وثبت في قلائده، يخاطب أبا يحيى ابن الحجاج» : [الطويل] أكعبة علياء وهضبة سؤدد ... وروضة مجد بالمفاخر تمطر هنيئا لملك «٨» زان نورك أفقه ... وفي صفحتيه من مضائك أسطر وإني لخفّاق الجناحين كلّما ... سرى لك ذكر أو نسيم معطّر وقد كان واش هاجنا لتهاجر «٩» ... فبتّ وأحشائي جوى تتفطّر فهل لك في ودّ ذوى لك ظاهرا ... وباطنه يندى صفاء ويقطر ولست بعلق بيع بخسا وإنني ... لأرفع أعلاق الزمان وأخطر «١٠» فروجع عنه بما ثبت أيضا في قلائده ممّا أوله «١١» : [الطويل] ثنيت، أبا نصر، عناني، وربّما ... ثنت عزمة السّهم المصمّم أسطر

стр. 1458

نثره: ونثره «١» شهير، وثبتّ «٢» له من غير المتعارف من السّلطانيات ظهيرا كتبه عن بعض الأمراء لصاحب الشرطة، ولا خفاء بإدلاله وبراعته: كتاب تأكيد اعتناء، وتقليد ذي منّة وغناء، أمر بإنفاذه فلان، أيّده الله تعالى «٣» ، لفلان ابن فلان صانه الله تعالى «٤» ، ليتقدّم لولاية المدينة بفلانة «٥» وجهاتها، ويصرخ «٦» ما تكاثف من العدوان في جنباتها، تنويها أحظاه بعلائه، وكساه رائق ملائه، لما علمه من سنائه، وتوسّمه من غنائه، ورجاه من حسن منابه، وتحققّه من طهارة ساحته وجنابه، وتيقّن- أيّده الله تعالى «٧» ! أنه مستحق لما ولّاه، مستقل «٨» بما تولّاه، لا يعتريه الكسل، ولا يثنيه «٩» عن إمضاء الصوارم والأسل، ولم يكل الأمر منه إلى وكل «١٠» ، ولا ناطه مناط «١١» عجز ولا فشل، وأمره أن يراقب الله تعالى في أوامره ونواهيه، وليعلم أنه زاجره عن الجور وناهيه، وسائله عمّا حكم به وقضاه، وأنفذه وأمضاه، يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩) «١٢» فليتقدم لذلك «١٣» بحزم لا يحمد توقدّه، وعزم لا ينفد تفقّده، ونفس مع الخير ذاهبة، وعلى سنن «١٤» البرّ والتقوى راكبة، ويقدّم للاحتراس من عرف اجتهاده، وعلم أرقه في البحث وسهاده، وحمدت أعماله، وأمن تفريطه وإهماله، ويضمّ إليهم من يحذو حذوهم، ويقفو شأوهم، ممّن لا يستراب بمناحيه، ولا يصاب خلل في ناحية من نواحيه، وأن يذكي العيون على الجناة، وينفي عنها لذيذ السّنات «١٥» ، ويفحص عن مكامنهم، حتى يغصّ بالروع «١٦» نفس آمنهم، فلا يستقرّ بهم موضع، ولا يقرّ «١٧» منهم مخبّ ولا موضع، فإذا ظفر منهم بمن ظفر بحث عن باطنه، وبثّ السؤال في مواضع تصرفه ومواطنه، فإن لاحت شبهة أبداها الكشف والاستبراء، وتعدّاها البغي «١٨» والافتراء، نكّله بالعقوبة أشدّ نكال، وأوضح له منها ما كان ذا إشكال، بعد أن يبلغ أناه، ويقف على طرف «١٩» مداه، وحدّ له ألّا يكشف بشرة إلّا في حدّ يتعيّن، وإن جاءه فاسق أن يتبيّن، وأن لا يطمع في صاحب

стр. 1459

مال موفور، وأن لا يسمع من مكشوف في مستور، وأن يسلك السّنن المحمود، وينزّه عقوبته من الإفراط وعفوه من تعطيل الحدود. وإذا انتهت إليه قصّة مشكلة أخّرها إلى غده، فهو على العقاب أقدر منه على ردّه، فقد يتبيّن في وقت ما لا يتبيّن في وقت، والمعاجلة بالعقوبة من المقت، وأن يتغمّد هفوات ذوي الهيئات، وأن يستشعر الإشفاق، ويخلغ التّكبّر فإنه من ملابس أهل النفاق، وليحسن لعباد الله اعتقاده، ولا يرفض زمام العدل ولا مقاده، وأن يعاقب المجرم قدر زلّته، ولا يعتزّ عند ذلّته، وليعلم أنّ الشيطان أغواه، وزيّن له مثواه، فيشفق من عثاره، وسوء آثاره، وليشكر الله على ما وهبه من العافية، وأكسبه من ملابسها الضّافية، ويذكره جلّ وتعالى «١» في جميع أحواله، ويفكّر في الحشر وأهواله، ويتذكّر وعدا ينجز فيه ووعيدا يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً «٢» . والأمير أيّده الله، وليّ له ما عدل وأقسط، وبرىء منه إن جار وقسط. فمن قرأه فليقف عند حدّه ورسمه، وليعرف له حقّ قطع الشّرّ وحسمه، ومن وافقه من شريف أو مشروف، وخالفه في شيء «٣» منكر أو أمر بمعروف، فقد تعرّض من العقاب لما يذيقه وبال خبله، وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ «٤» . وكتب في كذا. وفاته: بمرّاكش ليلة الأحد لثمان بقين من محرم من عام تسعة «٥» وعشرين وخمسمائة، ألفي قتيلا ببيت من بيوت فندق لبيب «٦» أحد فنادقها، وقد ذبح وعبث به، وما شعر به إلّا بعد ثلاث «٧» ليال من مقتله. ومن المقرئين والعلماء فرج بن قاسم بن أحمد بن لب التغلبي «٨» من أهل غرناطة، يكنى أبا سعيد.

стр. 1460

حاله: هذا» الرجل من أهل الخير والطهارة، والزّكا «٢» والديانة، وحسن الخلق. رأس بنفسه، وحلّي بفضل ذاته، وبرّز بمزية إدراكه وحفظه، فأصبح حامل لواء التحصيل عليه «٣» بدار الشّورى، وإليه مرجع الفتوى ببلده، لغزارة حفظه، وقيامه على الفقه، واضطلاعه بالمسائل، إلى المعرفة بالعربية واللغة، والمران «٤» في التوثيق، والقيام على القراءات، والتّبريز في التفسير، والمشاركة في الأصلين والفرائض والأدب. جيد الخط، ينظم وينثر. قعد ببلده للتدريس على وفور المسجد. ثم استقلّ بعد، وولّي الخطابة بالمسجد الأعظم، وأقرأ بالمدرسة النّصرية، في ثامن وعشرين من رجب عام أربعة وخمسين وسبعمائة، معظّما عند الخاصة والعامة، مقرونا اسمه بالتسويد. وهو الآن بالحالة الموصوفة. مشيخته: قرأ على الخطيب المقرئ «٥» ، شيخنا أبي الحسن القيجاطي، والخطيب الصالح الفاضل أبي إسحاق بن أبي العاصي، والقاضي العدل المحدث العالم أبي عبد الله بن بكر، ولازم الشيخ الفقيه أبا عبد الله البيّاني، وأخذ العربية عن شيخ العصر أبي عبد الله بن الفخار، وروى عن الشيخ الرحال الراوية أبي عبد الله محمد بن جابر بن محمد القيسي الوادي آشي، وغيرهم. شعره: من شعره في غرض النسيب قوله «٦» : [الطويل] خذوا للهوى من قلبي اليوم ما أبقى ... فما زال قلبي «٧» للهوى كلّه رقّا «٨» دعوا القلب يصلى في لظى الوجد ناره ... فنار الهوى الكبرى وقلبي هو الأشقى «٩» سلوا اليوم أهل الوجد ماذا به لقوا ... فكلّ الذي يلقون بعض الذي ألقى

стр. 1461

فإن كان عبد يسأل «١» العتق مالكا «٢» ... فلا أبتغي من مالكي في الهوى عتقا بدعوى الهوى يدعو أناس وكلهم ... إذا سئلوا طرق الهوى جهلوا الطّرقا فطرق الهوى شتى ولكنّ أهله ... يحوزون «٣» في يوم الرّهان بها سبقا «٤» فكم «٥» جمعت طرق الهوى بين أهله «٦» ... وكم أظهرت عند السّرى «٧» بينهم فرقا بسيما «٨» الهوى تسمو معارف أهله ... فحيث ترى سيما الهوى فاعرف الصدقا فمن زفرة تزجي سحائب زفرة «٩» ... إذا زفرة ترقى فلا عبرة ترقا «١٠» إذا سكتوا عن وجدهم أعربت «١١» بهم «١٢» ... بواطن أحوال وما عرفت نطقا ومن منظومه في وداع شهر رمضان المعظم قوله «١٣» : [الطويل] أأزمعت يا شهر الصيام رحيلا ... وقاربت يا بدر التمام «١٤» أفولا؟ أجدّك قد جدّت بك الآن رحلة ... رويدك أمسك للوداع قليلا نزلت فأزمعت الرحيل كلما «١٥» ... نويت رحيلا إذ نويت نزولا

стр. 1462

وما ذاك إلّا أنّ أهلك قد مضوا ... تفانوا فأبصرت الديار طلولا وقفت بها من بعدهم فعل ناد «١» ... لربع خلا يبكي عليه خليلا لقد كنت «٢» في الأوقات ناشئة التّقى «٣» ... أشدّ به وطأ «٤» وأقوم قيلا ولما انجلى وجه الهدى فيك مسفرا ... سدلت على وجه الضّلال سدولا متى ارتاد مرتاد مقيلا لعثرة ... أتاك فألفى للعثار مقيلا وناديت فينا صحبة الخير أقبلوا ... بإقبالكم حزتم لديّ قبولا لقد كنت لما واصلوك ببرّهم ... حفيّا بهم برّا لهم ووصولا أقاموا لدين الله فيك شعائرا ... هدتهم إلى دار السلام سبيلا فكم أطلقوا فيها أعنّة جدّهم ... وكم أرسلوا فيها الدموع همولا دموعا أثارت سحّها ريح زفرة ... فسالت وخدّت في الخدود مسيلا لديك أيا شهر الهدى قصّروا المدى ... فكم لك في شأو الفضائل طولا دلائل تشريف لديك كثيرة ... كفى بكتاب الله فيك دليلا ومن الصوفية والصلحاء فضل بن محمد بن علي بن فضيلة المعافري يكنى أبا الحسن، من أهل الشرق الأندلسي، أبو الحسن الولي الصالح الصوفي. حاله: كان وليّا فاضلا، زاهدا، على سنن الفضلاء، وأخلاق الأولياء، غزير العلم، كثير العمل، دائم الاعتبار، مشهور الكرامة، مستجاب الدعوة، صوفيّا محققا، انتهت إليه الرئاسة في ذلك على عهده. يدلّ على ذلك كلامه على أغراض القوم، وكشفه عن رموزهم وإشاراتهم، أديبا بليغا، كاتبا مرسلا، لا يشقّ غباره في ذلك. قائما على تجويد كتاب الله، عالي الرواية، أسنّ وتناهى وازدلف إلى التّسعين، ممتّعا بجوارحه، وولّي الخطابة والإمامة بالمسجد الأعظم، أقرأ به مدة كبيرة. قال ابن الزبير في «صلته» : كان جليلا في ذاته وخلقه ودينه، معدوم النظير في ذلك، مشاركا في فنون من العلم، أديبا بارعا، كاتبا بليغا، فصيح القلم، متقدما في ذلك، متصوّفا، سنيّا، ورعا، معدوم القرين في ذلك، متواضعا، مقتصدا في شؤونه

стр. 1463

كلها، جاريا في خلقه وأفعاله وأحواله على سنن السلف، أحفظ الناس للسانه وجوارحه وأصدقائه، وأسلمهم عينا ومشهدا، وأشدّهم تمسكا بهدي السلف الصالح، مؤثرا للخمول، سريع العبرة، شديد الخوف لله سبحانه، تاليا لكتاب الله، كثير الصوم، خفيف القدم في حوائج أصحابه، مشاركا لهم بأقصى ما يمكنه. له تقاييد جوابية عما كان يسأل عنه في الفن الذي كان يؤثره، محررا ما يلزم التقييد به من كتاب الله تعالى وسنّة نبيّه ﷺ ، غير منافر لمذهب الأشعرية، مالكي المذهب، له اختيارات يسيرة لا يفتى بها، ولا تتعدّى علمه. مشيخته: روى عن أبي تمام غالب بن حسن بن أحمد بن سيد بونة «١» ، وعن أبي العباس أحمد بن محمد بن شهيد، وأخذ أيضا عن أبي بكر بن محرم، وأجاز له أبو بكر بن المرابط، وقرأ على القاضي أبي القاسم بن يحيى بن ربيع، والقاضي أبي عيسى بن أبي السّداد المرسي، وغيرهم. من أخباره: وكراماته شهيرة، فمنها أن رجلا استفتاه، فأفتاه بجواب لم يحصل له به الإقناع، فرأى في عالم النوم وإثر سؤاله إياه رسول الله ﷺ ، يقول له: الحق ما قال لك فلان في المسألة. قال الحاكي: فبكّر إليه الرجل من الغد، فلمّا أقبل عليه بموضع إقرائه، قال له: ألم ترد أن تستفتي يا أبا فلان إلّا من رأس العين؟ فبهت الرجل. وأحواله شهيرة. مولده: ولد عام سبعة وستمائة. وفاته: في الثامن عشر من محرم عام تسعة وتسعين وستمائة. ودفن بمقبرة ربض البيّازين مع قومه من صلحاء الشّرق، وكانت جنازته مشهودة. ومن العمال الأثرا فلّوج العلج مولى يحيى بن غانية «٢» . حاله: كان فلّوج شهما شجاعا، مهيبا حازما، نال من مولاه حظوة، واستعان به على أموره المهمة. وجرى على يده إغرام أهل قرطبة، وانطلقت على أموالهم يده، وأثرى وجمع مالا دبرا من الصامت والذخيرة عظيما.

стр. 1464

نكبته: وكان يحيى بن غانية قد ولّاه حصن بني بشير، فثقّفه وحصّنه، ونقل إليه أمواله ومتاعه وذخيرته. ولمّا توفي مولاه لحق به وملك أمره واستعان بجماعة من النصارى، ثم بدا له لضعف رأيه وسوء تدبيره، أن ألقى بيده إلى ابن أخي مولاه إسحاق بن محمد بن غانية، فأناب ولحق به، معتذرا عن توقفه، فقبض عليه وصفّده، وعرض عليه العذاب، وأسكنه في تابوت، باطنه مسامير، لا يمكنه معها التصرف، وأجاعه بمرأى من الطعام بمطبخه، إلى أن مات جوعا وألما. وهو مع ذلك لا يطمعه في شيء من المال. وتخلّف بالحصن رجلا من جهة سرقسطة، يعرف بابن مالك، ويكنى أبا مروان، فلمّا ذاع خبر القبض عليه، بادر الموحدون الذين بلوشة، فتغلّبوا عليه، واستولوا على ما كان به من مال وذخيرة، ووجدوا فيه من أنواع الثياب والحلي والذّخيرة، كل خطير عظيم، وشدّوا على ابن مالك في طلب المال، فلم يجدوا عنده شيئا، إلى أن فدى نفسه منهم، بمال كبير، فمضى فلّوج على هذا السبيل. ومن المقرئين والعلماء قاسم بن عبد الله بن محمد الشّاط الأنصاري «١» نزيل سبتة، وأصله من بلنسية، يكنى أبا القاسم. قال: والشّاط اسم لجدّي، وكان طوالا فجرى عليه الاسم. حاله: نسيج وحده في إدراك النظر، ونفوذ الفكر، وجودة القريحة، وتسديد الفهم، إلى حسن الشمائل، وعلو الهمة، وفضل الخلق، والعكوف على العلم، والاقتصار على الآداب السّنية، والتحلي بالوقار والسكينة. أقرأ عمره بمدرسة سبتة الأصول والفرائض، متقدما، موصوفا بالأمانة. وكان موفور الحظ من الفقه، حسن المشاركة في العربية، كاتبا، مرسّلا، ريّان من الأدب، ذا مماسّة في الفنون، ونظر في العقليات، ضرورة لم يتزوج، ممن يتحلى بطهارة وعفاف. وقال في «المؤتمن» : كان مع معارفه، عالي الهمة، نزيه النفس، ذا وقار وتؤدة في مشيه ومجلسه، يشاب وقاره بفكاهة نظيفة، لا تنهض إلى التأثير في وقاره، ظريف الملبس، يخضب رأسه بالحنّاء على كبره. مشيخته: قرأ بسبتة على الأستاذ الكبير أبي الحسن بن أبي الربيع وبه تأدب، وعلى أبي بكر بن مشليون، وعلى الحافظ أبي يعقوب المحاسبي، وعلى الطبيب أبي

стр. 1465

عبد الله محمد بن علي بن أبي خالد العبدري الأبّدي، وعلى أبي الحسن البصري، وعلى خاليه أبي عبد الله محمد وأبي الحسن ابني الطرطاني. وأجازه أبو القاسم بن البرّاء، وأبو محمد بن أبي الدنيا، وأبو العباس بن علي الغماز، وأبو جعفر الطباع، وأبو بكر بن فارس، وأبو محمد الأنباري، وغيرهم. وأخذ عنه الجملة من أهل الأندلس من شيوخنا كالحكيم الأستاذ أبي زكريا بن هذيل، وشيخنا أبي الحسن بن الجياب، وشيخنا أبي البركات، والقاضي أبي بكر بن شبرين، وقاضي الجماعة أبي القاسم الحسني الشريف، والوزير أبي بكر بن ذي الوزارتين أبي عبد الله بن الحكيم، والقاضي أبي القاسم بن سلمون، وغيرهم. شعره: وكان يقرض أبياتا حسنة من الشعر، فمن ذلك قوله يذيّل أبياتا لأبي المطرّف بن عميرة وهي «١» : [الكامل] فضل الجمال على الكمال بخدّه» ... والحقّ «٣» لا يخفى على من وسّطه عجبا له برهانه بشروطه ... معه فما مطلوبه «٤» بالسّفسطه علم التّباين في النفوس وإنها ... منها مفرّطة وغير مفرّطه «٥» فئة «٦» رأت وجه الدّليل وفرقة ... أصغت إلى الشّبهات فهي مورّطه فأراد جمعها معا في حكمة «٧» ... هذي بمنتجة وذي بمغلّطه ومن شعره قوله: [الكامل] إني «٨» سلكت من انقباضي مسلكا ... وجريت من صمتي على منهاج وتركت أقوال البريّة جانبا ... كي لا أميّز مادحا من هاج دخوله غرناطة: ورد على غرناطة عند تصيّر سبتة إلى الإيالة النّصرية مع الوفد من أهلها ببيعة بلدهم، فأخذ عنه بها الجملة، ثم انصرف إلى بلده. قال شيخنا أبو

стр. 1466

البركات: وأنشدنا لنفسه: [الخفيف] قلت يوما لمن تخذت هواه ... ملّة قد تبعتها وشريعه لم تأبى «١» الوصال وهو مباح ... وتسوم المحبّ سوء القطيعه؟ قال: إني خشيت منك ملالا ... فتركت الوصال مدّ ذريعه وأنشدنا: [الكامل] وغزال أنس سلّ من ألحاظه ... سيفا أراق دم الفؤاد بسلّه وبخدّه من ذاك «٢» أعدل شاهد ... يقضي بأنّ الفتك بي «٣» من فعله ما لي أطالبه فيدحض حجّتي ... ودمي يطلّ وشاهدي من أهله؟ وأنشدنا الفقيه أبو القاسم الزقّاق، قال: أنشدنا الأستاذ أبو القاسم الشاط، وقد خرجنا معه مشيعين إياه في انصرافه عن غرناطة آئبا إلى بلده: [البسيط] يا أهل غرناطة، إنّي أودّعكم ... ودمع عيني من جراكم جار تركت قلبي غريبا في دياركم ... عساه يلقى لديكم حرمة الجار تواليفه: منها «أنوار البروق، في تعقب مسائل القواعد والفروق» . و «غنية الرابض، في علم الفرائض» . و «تحرير الجواب، في توفير الثّواب» . و «فهرسة حافلة» . وكان مجلسه مألفا للصّدور من الطلبة، والنبلاء من العامة؛ حدّثني شيخنا القاضي الشريف أبو القاسم، قال: كان يجلس عند رجل خياط من أهل سبتة، يعرف بالأجعد من العامة، فأخذ يوما يتكلم عن مسألة، فقال متمثلا: كما تقول: الأجعد الخياط فعل كذا، ثم التفت معتذرا يتبسم وقال: أتمثل بك، فقال الأجعد بديهة: إذا يا سيدي، أعتق عليكم، إشارة إلى قول الفقهاء: العبد يعتق على سيّده إذا مثّل به، فاستظرف قوله. مولده: في ذي قعدة من عام ثلاثة وأربعين وستمائة بمدينة سبتة. وفاته: توفي بها في آخر عام ثلاثة وعشرين وسبعمائة، وقد استكمل الثمانين.

стр. 1467

قاسم بن عبد الكريم بن جابر الأنصاري من أهل غرناطة، يكنى أبا محمد، ويعرف بابن جابر. حاله: كان، ﵀، من جلّة أهل العلم والفضل، حسن الأخلاق، مليح الحديث، عذب الفكاهة، لطيف الحاشية، على دين والتزام سنّة. رحل إلى المشرق، فلقي العلماء، وأخذ عنهم، وكلف بعلم الجدل، فقرأه كثيرا، وبهر فيه. وورد على غرناطة من رحلته، فأقرأ بها الأصول وغيرها من جدل ومنطق وفقه. مشيخته: قرأ بغرناطة على الخطيب وليّ الله أبي الحسن بن فضيلة، والأستاذ خاتمة المقرئين أبي جعفر بن الزّبير، وولّي القضاء ببسطة، ثم كلف بالإقراء وعكف عليه، فلم ينتقل عنه. من أخذ عنه: أخذ عنه كراسة الفخر المسماة ب «الآيات البينات» ، وكان قائما عليها جملة من شيوخنا، كالأستاذ التعاليمي أبي زكريا بن هذيل، والأستاذ المقرئ أبي عبد الله بن البيّاني. شعره: وله شعر؛ أنشدنا الشيخ أبو القاسم بن سلمون، قال: أنشدنا في شيخنا ابن جميل قوله: [مخلع البسيط] إن أطلع الشّرق شمس دنيا ... قد أطلع الغرب شمس دين وبين شمس وبين شمس ... ما بين دنيا وبين دين مولده: ولد بغرناطة عام تسعة وستين وستمائة. وفاته: توفي بها في جمادى الآخرة أو رجب من عام أربعة عشر وسبعمائة. قاسم بن يحيى بن محمد الزّروالي «١» يكنى أبا القاسم، ويعرف بابن درهم، مالقي، أصله من جبال تاغسى، ودخل غرناطة وقرأ بها. حاله: من تذييل صاحبنا القاضي أبي الحسن، قال فيه: كان، ﵀، واحد زمانه، ينبوع الحكمة يتفجر من لسانه، وعنوان الولاية على طيلسانه. ومن «عائد الصلة» : كان، ﵀، علما من أعلام الزهد والورع والديانة، والتقلّل من الدنيا،

стр. 1468

والعكوف على تجويد كتاب الله وإقرائه، منقطع القرين فيه، كثير المناقشة والتحقيق، يرى أن ليس في الأرض من يحكم ذلك حق إحكامه، ما لم يأخذه. مشيخته: قرأ على جملة من حملة كتاب الله بالمشرق والمغرب والأندلس، وعني بذلك. ثم لم يعتمد منهم إلّا على الأستاذ أبي إسحاق الغافقي بسبتة، والخطيب أبي جعفر بن الزيات ببلّش من الأندلس، واستمرت حاله على سبيلها من الزهد والانقباض والتنطّع، والإغراق في الصلاح، والشّذوذ في بعض السجايا إلى أن توفي. بعض من نوادره مع اخشيشانه: حدّثني القاضي أبو الحسن بن الحسن أن بعض الطلبة المتنسّكين قال له: أتيتك أقرأ عليك، فأستخير الله، ثم أتاه فقال: قد استخرت، وهمّ بالقراءة، فقال له الشيخ: أمسك حتى أستخير أنا الله في قراءتك عليّ، فقال الطالب: وهذا عمل برّ، فقال له: الحجة عليك، فانفصل عنه. ثم عاد إليه يسأل منه القراءة، فقال: يا بني، ظهر لي أن لا تقرأ عليّ، فانصرف. ومن أخباره في الكرامة، قال لي المذكور: وقد أزمعت السفر إلى ظاهر طريف مع جمع المسلمين، أنك إن سافرت يا ولدي، تقاسي مشقّة عظمي إن سبق القدر بحياتك، والله يرشدك، وقد كنت شرعت في ذلك مع رفقائي. وفي سحر ليلة اليوم الذي انهزم فيه المسلمون، رأيته في النوم يقول لي منكرا عليّ: قلت لك لا تسافر، يكرّرها، فاستيقظت، وأوقع الله بقلبي الرجوع إلى الجزيرة، لآراب أقضيها، فما بلغ زوال الشمس من اليوم إلّا ومقدّمة الفلّ على أطواق البلد في أسوإ حال. وفاته: توفي ببلدة مالقة خامس صفر، من عام خمسين وسبعمائة في وقيعة الطّاعون، توفي وآخر كلامه: رزقنا الله عملا صالحا يقربنا إليه زلفى، وجعلنا ممن يمرّ عقبتي الدنيا والآخرة مرور أهل التقوى. ومن الكتّاب والشعراء قرشي بن حارث بن أسد بن بشر بن هندي بن المهلب ابن القاسم بن معاوية بن عبد الرحمن الهمداني حاله: هو أعرق الناس في الشعر؛ لأنّ جدّه المهلّب كان شاعرا، وولده هندي كذلك، وأسد وحارث وقرشي، فهم شعراء سنة على نسق، ويدلّ شعرهم على شرف نفوسهم وبعد هممهم.

стр. 1469

شعره: قال أبو القاسم الغافقي: من شعره قوله في هاشم بن كعب التميمي، من أنجد الفرسان، قتل في يوم خمسة من أنجاد المولّدين: [الطويل] هجرت القوافي والظّباء «١» الأوانسا ... وودّعت لذّاتي نعم واللواعسا ورعت فؤادي بالمشيب عن الصّبا ... وأصبحت عن عهد الغواية يائسا أبا خالد، ما زلت مذ كنت يافعا ... لكل سنات للمكارم «٢» لابسا فما حملت أنثى كمثلك سيّدا ... ولا حملت خيل كمثلك فارسا قاسم بن محمد بن الجد العمري يكنى أبا القاسم، ويعرف بالورسيدي، من أهل ألمريّة، وتكرر وروده على غرناطة. حاله: قال شيخنا أبو البركات: كان حسن الأخلاق، سليم الصدر، بعيدا عن إذاية الناس بيده أو لسانه بالجملة، له خطّ لا بأس به، ومعرفة بالعدد، وسلك الطريقة الزّمامية، وله حظ من قرض الشعر. وجرى ذكره في الإكليل بما نصه: من أئمة أهل الزمان، خليق برعي الذّمام، ذو حظ كما تفتّح زهر الكمام، وأخلاق أعذب من ماء الغمام. كان ببلده محاسبا، في لجة الأعمال راسبا، صحيح العمل، يلبس الطّروس من براعته أسنى الحلل. شعره: قال يمدح المقام السلطاني «٣» : [الطويل] أرى أوجه الأيام قد أشرقت بشرا ... فقل لي، رعاك الله، ما هذه البشرى؟ وما بال أنفاس الخزامى تعطّرت ... فأرّجت الأرجاء من نفحها عطرا؟ ونقّبت الشمس المنيرة وجهها ... قصورا عن الوجه الذي أخجل البدرا وما زالت الأغصان «٤» في أريحيّة ... كما عطفت أعطافها تنثني شكرا فما ذاك إلّا أن بدا وجه يوسف «٥» ... فأربت على الآيات آياته الكبرى خليفة ربّ العالمين الذي به ... تمهّدت الأرجاء وامتلأت بشرا وجرّت على أعلى المجرّة ساحبا ... ذيول العلى فاستكمل النّهي والأمرا

стр. 1470

وقام بأمر الله يقضي ويقتضي ال ... فتوح التي تبقي له في العلى ذكرا وأربى على كل الملوك وفاتهم ... بسيرته الحسنى التي قد علت قدرا وهي طويلة. ومن شعره أيضا قوله: [مخلع البسيط] من أين أقبلت يا نسيم ... جادت بساحاتك الغيوم ولا عدمناه سروا «١» ... حلّ به عندنا النعيم بلّغ سلامي أهيل ودّي ... بلّغك الله ما تروم قل لهم صبّكم مشوق ... أنحله وجده القديم لطالما يسهر الليالي ... وطيّ أضلاعه جحيم هبوا رضاكم لذي غرام ... ما زال قدما بكم يهيم إن غبتم عن سواد عيني ... فحبّكم في الحشا مقيم لو «٢» ساعد السّعد أن أراكم ... لما اشتكى قلبي السّقيم يا حادي العيس نحو أرض ... بنيقة قدرها عظيم إذا أتيت اللّوى وسلفا ... وبان للناظر الحطيم ولاح بالأبرقين بدر ... بسيره تهتدي النجوم فقل: غريب ثوى بقرب ... في بحر أوزاره يعوم قد أثقلت ظهره الخطايا ... وشجبت ذكره الرسوم إن أعمل الحزم لارتحال ... أقعده ذنبه العظيم لهفي هذا الشباب ولّى ... والقلب في غيّه مقيم يا ربّ، عفوا لذي اجترام ... لا تهتك السّتر يا حليم ما لي شفيع سوى رجائي ... وحسن ظني أيا كريم فلا تكلني إلى ذنوبي ... وارحمني الله «٣» يا رحيم وفاته: توفي في وقيعة الطاعون عام خمسين وسبعمائة.

стр. 1471

ومن المحدّثين والفقهاء والطلبة النجباء قاسم بن أحمد بن محمد بن عمران الحضرمي من أهل سبتة. حاله: من خطّ صاحبنا القاضي أبي الحسن بن الحسن، قال: كان شيخنا يتّقد ذكاء، رحل عن سبتة إلى الحجاز فقضى الفريضة، وتطور في البلاد المشرقية نحوا من أربعة عشر عاما، وأخذ بها عن جلّة من العلماء. وورد على غرناطة في حدود عام ثمانية عشر وسبعمائة، فأخذ عن بعض أشياخها، وعاد إلى بلده، وكان على خزانة الكتب به، وكان يقرئ القرآن به. قال: وأنشدني، لما لقيته، بيتا واحدا يحتوي على حروف المعجم، وهو: [السريع] قد ضمّ نصر وشكا بثّه ... مذ سخطت عضّ على الإبط مشيخته: أخذ بالمشرق عن جماعة، منهم شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أبي طالب الدمشقي الحجار، والشيخ المحدّث أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد الشيرازي ابن جميل، قرأ عليه كتاب ابن الحاجب وحدّثه به عن مؤلفه، وقرأ على الشيخين المقرئين الجليلين؛ أبي عبد الله محمد بن عبد الخالق، المعروف بابن الضائع، وأبي عبد الله بن يعقوب الجراش المقدسي، جملة من الكتب الحديثية وغيرها، وسمع عليهما كتاب «الشاطبية» وحدّثاه بها معا عن المقرئ أبي الحسن على كمال الدين بن شجاع العباسي الضرير، عن صهره، مؤلفها. تواليفه: قال: له في القراءات تقييد حسن سماه «الشافي، في اختصار التيسير الكافي» . وفاته: توفي أيام الطاعون «١» العام ببلده. قاسم بن خضر بن محمد العامري يكنى أبا القاسم، ويعرف بابن خضر، هكذا دون تعريف. يعرف سلفه ببني عمرون، من أهل ألمرية. حاله: من خط شيخنا أبي البركات: كان هذا الشيخ من وجوه ألمرية، وممن تصرف سلفه في خطّة القضاء بها. وهو أقدم خطيب أدركته بسنّي بجامعها الأعظم.

стр. 1472

وكان شيخا عفيفا من رجال الجد، ضيق العطن، سريع الغضب، غيورا على تلك الخطة، لا يحلى بعينه أحد. لما مات رفيقه في الصلاة والخطبة، الشيخ الشهير عند العامة، ثالث اثنين، الخراسي والنطية، أبو عبد الله بن الضايع، فكلّ من عرض عليه أن يكون معه أباه، فقال أهل البلد: فما العمل؟ فقال: يكتب إلى أبي القاسم ابن الحاج إلى سبتة، ليأتي إلى أرض سلفه، ويكون رفيقي في الصلاة والخطبة، يعني عمّي، فكتب إليه بذلك، فكانت المسألة عند الآخر أهون من أن يجيب عن «١» الكتاب، ولو بالإباية، فبقي الأمر إلى أن قدّم معه الشيخ الصالح الخطيب المصقع أبو الحسن بن فرحون البلفيقي، فلم يجد فيه قادحا إلّا كونه ليس من أهل البلد، فبقي مرافقا له إلى حين وفاته. غريبة: قال الشيخ: أخبرتني جدّتي عائشة بنت يحيى بن خليل، قالت: كان الرجل الصالح أبو جعفر بن مكنون، خال قاسم بن خضر هذا، فرآه يلعب مع الصبيان في أزقة ألمرية، فقال له: من يكون خطيب ألمرية يلعب، فبقيت في حفظه إلى أن ولّي الخطابة. وفاته: توفي في صفر من عام ثلاثة وسبعمائة، وكانت جنازته مشهودة. حرف السين سوّار بن حمدون بن عبدة بن زهير بن ديسم بن قديدة ابن هنيدة «٢» وكان علما من أعلام العرب، وصاحب لواء قيس بالأندلس، ونزل جدّه بقرية قربسانة من إقليم البلاط من قرى غرناطة، وبها أنسل ولده، ولم يزالوا أعلاما، إلى أن ظهر سوّار هذا منهم في الفتنة. حاله وبعض آثاره وحروبه: قال أبو القاسم: كان سوّار هذا بعيد الصيت، رفيع الذكر، شجاعا، محبّا في الظهور، حامي العرب وناصرهم. وكان له أربعة من الإخوة، مثله في الشجاعة، حضروا معه في الحروب في الفتنة، وهو الذي بنى المدينة الحمراء بالليل، والشّمع

стр. 1473

تزهر لعرب الفحص، وبنى مدينة وادي آش لبني سامي، وبنى مدينة منتيشة لبني عطاف، وبنى مدينة بسطة لبني قحطبة وبني مسيرة، وبنى كورة جيّان للعرب. ولولا أن الله منّ على العرب بسوّار ونصره لما أبقى العجم والمولدون منهم أحدا. وأنسل سوّار عبد العزيز المقتول بمنتشافر، وعبد الرؤوف وعبد الملك. مبدأ أمره وحروبه وشعره: قال أحمد بن عيسى، بعد اختصار، في صدر هذه السنة، يعني سنة خمس وسبعين ومائتين: ثار «١» سوّار بن حمدون بناحية البراجلة من كورة إلبيرة، وانضوت إليه العرب، قام على تفئة مهلك يحيى بن صقالة «٢» أميرهم، قتيل المسالمة والمولّدين، فطلب بثأره، وكثرت أتباعه، واعتزت العرب به، وقصد بجمعه إلى منت شاقر «٣» ، وبه من عدوّه المذكورين نحو من ستة آلاف رجل «٤» نازلهم حتى قهرهم، وطاف على حصونهم فافتتحها، وقتل وغنم، وتنادوا لقتاله في جموع عظيمة، عليها جعد بن عبد الغافر، عامل الأمير عبد الله، وبرز إليهم فيمن برز، وناشبهم الحرب، فانهزموا فقتل منهم خلق حرزوا بسبعة آلاف، وأسر جعد، ومنّ عليه وأطلقه. وكانت وقيعته الأولى هذه تعرف بوقيعة جعد. وغلظ، واستند إلى حصن غرناطة، بالقرب من مدينة إلبيرة. وكانت العرب يتألبون على المولّدين، إلى أن عزل الأمير جعدا عن الكورة إرضاء لسوّار، فأظهر عند ذلك الطاعة، وغزا الحصون الراجعة إلى ابن حفصون فأوقع بهم، فهاجمهم، واجتمعت عليه كلمتهم، فقصدوه وحصروه بغرناطة في نحو عشرين ألفا، وبرز إليهم في عدده القليل من عبيده، ورجال بيوتات العرب من أهل إلبيرة، ورجعوا من جبل الفخّار على تعبئة، يريدون الباب الشرقي من غرناطة، وكادهم لما التحمت الحرب وشبّ ضرامها، بما دبّره من انسلاله في لخمة من فرسانه، حتى استدبرهم، فحمل بشعاره، فانذعروا وانفضّوا، فتوهّم حماتهم أن مددا جاءهم من ورائهم، فولّوا منهزمين، وأعمل سوّار وأصحابه السيوف فيهم إلى باب إلبيرة، فيقال: إن قتلاهم في هذه الوقيعة الثانية كانوا اثني عشر ألفا، وهي الوقيعة المعروفة بوقعة المدينة، ولاذ المولّدون بعد هذا بعمر بن حفصون واستدعوه،

стр. 1474

فوافاهم في جيش عظيم، ودخل إلبيرة، وناهض سوّارا، وعنده رجالات عرب الكور الثلاث؛ إلبيرة وجيّان، وريّه، واشتدّ القتال، وجال جيش ابن حفصون جولة جرح فيها جراحات صعبة، وكاد سوّار يأتي عليه لولا رجال صدقوه الكرّ واستنقذوه، وتمّت عليه الهزيمة، فانقلب على عقبه، ونالت الحضرة معرّته، فأغرم أهلها الذين استجلبوه ما تشعّث من عسكره، واستعمل عليهم قائده حفص بن المرّة، وانصرف، ونجح سوّار بما تهيّأ له على أعدائه، فاعتلت همّته، وأجلّته العرب، وعلا في الناس ذكره، وقال الأشعار الجزلة فيما تهيّأ له على المولدين، وأكثر الافتخار بنفسه، فشهر، من قوله في ذلك «١» : [الكامل] صرم الغواني، يا هنيد، مودّتي ... إذ شاب مفرق لمّتي وقذالي وصددن عنّي، يا هنيد، وطالما ... علقت حبال وصالهنّ حبالي «٢» وهي طويلة، أكثر فيها الفخر، وألمّ بالمعنى. وفاته: ولما انصرف عمر بن حفصون وترك قائده بإلبيرة، جهّز معه طائفة من خيله، وأقرّه لمغاورة سوّار ودرك النيل لديه، وأعمل حفص جهده وطلب غرّته، فأمكنه الله منه، وأنه دنا إليه يوما، وقد أكمن أكثر خيله، وظهر له مستغيرا بجانب من حصنه، فخرج سوّار مبادرا من غرناطة لأول الصّيحة في نفر قليل، لم يحترس من الحيلة التي يحذرها أهل الحزم، فأصحر لعدوه، وخرجت الكمائن من حوله، فقتل وجيء بجثّته إلى إلبيرة، فذكر أن الثّكالى من نسائهم قطّعن لحمه مرقا، وأكلنه حنقا لما نالهنّ من الثّكل. وكان قتل سوّار في سنة سبع وسبعين ومائتين، وقتلت العرب بقتل سوّار، وكلّ حدّها بما نزل بها. سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر لدين الله الخليفة بقرطبة «٣» المكنى بأبي أيوب، الملقب من الألقاب الملوكية بالمستعين بالله.

стр. 1475

أوّليّته: معروفة. حاله: كان أديبا شاعرا، مجموع خلال فاضلة، أصيل الرأي، راجح العقل، ثبتا. ولي الخلافة غلابا، وقعصا، ومنازعة، وأوقع بأهل قرطبة وقائع أبادتهم. وخلع ثم عادت دولته، وجرت له وعليه الهزائم، على قصر أمد خلافته، لقيام البربر بدعوته، وتدويخ البلاد باسمه، في أخبار فيها عبرة، دخل في بعض حركاتها وهو لاتها المبيرة، إلى أن طحنته رحى الفتنة، وشيكا عن دنيا غير هنيّة، وصبابة ليست بسنيّة. شعره: من شعره يعارض المقطوعة الشهيرة المنسوبة للرشيد «١» : [الكامل] عجبا يهاب اللّيث حدّ سناني ... وأهاب لحظ فواتر الأجفان فأقارع «٢» الأهوال لا متهيّبا ... منها سوى الإعراض والهجران وتملّكت نفسي ثلاث كالدّمى ... زهر الوجوه نواعم الأبدان ككواكب الظّلماء لحن لناظري ... من فوق أغصان على كثبان هذي الهلال وتلك أخت «٣» المشتري ... حسنا، وهذي أخت غصن البان حاكمت فيهنّ السّلوّ إلى الهوى ... فقضى بسلطان على سلطاني «٤» فأبحن من قلبي الحمى وتركنني ... في عزّ ملكي كالأسير العاني «٥» لا تعذلوا ملكا تذلّل للهوى «٦» ... ذلّ الهوى عزّ وملك ثان مقتله: قتله علي بن حمّود، المتقدم الذكر، متولّي الأمر بعده، صبرا بيده، بدم هشام المؤيد، وقال لما زحف إليه: لا يقتل الزّلطان إلّا الزّلطان، يعني السّلطان، إذ كان بربري اللسان، وذلك في أخريات المحرم من سنة سبع وأربعمائة.
следующие страницы →