Полный текст (1 954 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
ومن المحدّثين والفقهاء والطلبة النجباء
قاسم بن أحمد بن محمد بن عمران الحضرمي
من أهل سبتة.
حاله: من خطّ صاحبنا القاضي أبي الحسن بن الحسن، قال: كان شيخنا يتّقد ذكاء، رحل عن سبتة إلى الحجاز فقضى الفريضة، وتطور في البلاد المشرقية نحوا من أربعة عشر عاما، وأخذ بها عن جلّة من العلماء. وورد على غرناطة في حدود عام ثمانية عشر وسبعمائة، فأخذ عن بعض أشياخها، وعاد إلى بلده، وكان على خزانة الكتب به، وكان يقرئ القرآن به. قال: وأنشدني، لما لقيته، بيتا واحدا يحتوي على حروف المعجم، وهو: [السريع]
قد ضمّ نصر وشكا بثّه ... مذ سخطت عضّ على الإبط
مشيخته: أخذ بالمشرق عن جماعة، منهم شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أبي طالب الدمشقي الحجار، والشيخ المحدّث أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد الشيرازي ابن جميل، قرأ عليه كتاب ابن الحاجب وحدّثه به عن مؤلفه، وقرأ على الشيخين المقرئين الجليلين؛ أبي عبد الله محمد بن عبد الخالق، المعروف بابن الضائع، وأبي عبد الله بن يعقوب الجراش المقدسي، جملة من الكتب الحديثية وغيرها، وسمع عليهما كتاب «الشاطبية» وحدّثاه بها معا عن المقرئ أبي الحسن على كمال الدين بن شجاع العباسي الضرير، عن صهره، مؤلفها.
تواليفه: قال: له في القراءات تقييد حسن سماه «الشافي، في اختصار التيسير الكافي» .
وفاته: توفي أيام الطاعون «١» العام ببلده.
قاسم بن خضر بن محمد العامري
يكنى أبا القاسم، ويعرف بابن خضر، هكذا دون تعريف. يعرف سلفه ببني عمرون، من أهل ألمرية.
حاله: من خط شيخنا أبي البركات: كان هذا الشيخ من وجوه ألمرية، وممن تصرف سلفه في خطّة القضاء بها. وهو أقدم خطيب أدركته بسنّي بجامعها الأعظم.
стр. 1472
وكان شيخا عفيفا من رجال الجد، ضيق العطن، سريع الغضب، غيورا على تلك الخطة، لا يحلى بعينه أحد. لما مات رفيقه في الصلاة والخطبة، الشيخ الشهير عند العامة، ثالث اثنين، الخراسي والنطية، أبو عبد الله بن الضايع، فكلّ من عرض عليه أن يكون معه أباه، فقال أهل البلد: فما العمل؟ فقال: يكتب إلى أبي القاسم ابن الحاج إلى سبتة، ليأتي إلى أرض سلفه، ويكون رفيقي في الصلاة والخطبة، يعني عمّي، فكتب إليه بذلك، فكانت المسألة عند الآخر أهون من أن يجيب عن «١» الكتاب، ولو بالإباية، فبقي الأمر إلى أن قدّم معه الشيخ الصالح الخطيب المصقع أبو الحسن بن فرحون البلفيقي، فلم يجد فيه قادحا إلّا كونه ليس من أهل البلد، فبقي مرافقا له إلى حين وفاته.
غريبة: قال الشيخ: أخبرتني جدّتي عائشة بنت يحيى بن خليل، قالت: كان الرجل الصالح أبو جعفر بن مكنون، خال قاسم بن خضر هذا، فرآه يلعب مع الصبيان في أزقة ألمرية، فقال له: من يكون خطيب ألمرية يلعب، فبقيت في حفظه إلى أن ولّي الخطابة.
وفاته: توفي في صفر من عام ثلاثة وسبعمائة، وكانت جنازته مشهودة.
حرف السين
سوّار بن حمدون بن عبدة بن زهير بن ديسم بن قديدة ابن هنيدة «٢»
وكان علما من أعلام العرب، وصاحب لواء قيس بالأندلس، ونزل جدّه بقرية قربسانة من إقليم البلاط من قرى غرناطة، وبها أنسل ولده، ولم يزالوا أعلاما، إلى أن ظهر سوّار هذا منهم في الفتنة.
حاله وبعض آثاره وحروبه:
قال أبو القاسم: كان سوّار هذا بعيد الصيت، رفيع الذكر، شجاعا، محبّا في الظهور، حامي العرب وناصرهم. وكان له أربعة من الإخوة، مثله في الشجاعة، حضروا معه في الحروب في الفتنة، وهو الذي بنى المدينة الحمراء بالليل، والشّمع
стр. 1473
تزهر لعرب الفحص، وبنى مدينة وادي آش لبني سامي، وبنى مدينة منتيشة لبني عطاف، وبنى مدينة بسطة لبني قحطبة وبني مسيرة، وبنى كورة جيّان للعرب. ولولا أن الله منّ على العرب بسوّار ونصره لما أبقى العجم والمولدون منهم أحدا. وأنسل سوّار عبد العزيز المقتول بمنتشافر، وعبد الرؤوف وعبد الملك.
مبدأ أمره وحروبه وشعره:
قال أحمد بن عيسى، بعد اختصار، في صدر هذه السنة، يعني سنة خمس وسبعين ومائتين: ثار «١» سوّار بن حمدون بناحية البراجلة من كورة إلبيرة، وانضوت إليه العرب، قام على تفئة مهلك يحيى بن صقالة «٢» أميرهم، قتيل المسالمة والمولّدين، فطلب بثأره، وكثرت أتباعه، واعتزت العرب به، وقصد بجمعه إلى منت شاقر «٣» ، وبه من عدوّه المذكورين نحو من ستة آلاف رجل «٤» نازلهم حتى قهرهم، وطاف على حصونهم فافتتحها، وقتل وغنم، وتنادوا لقتاله في جموع عظيمة، عليها جعد بن عبد الغافر، عامل الأمير عبد الله، وبرز إليهم فيمن برز، وناشبهم الحرب، فانهزموا فقتل منهم خلق حرزوا بسبعة آلاف، وأسر جعد، ومنّ عليه وأطلقه. وكانت وقيعته الأولى هذه تعرف بوقيعة جعد. وغلظ، واستند إلى حصن غرناطة، بالقرب من مدينة إلبيرة. وكانت العرب يتألبون على المولّدين، إلى أن عزل الأمير جعدا عن الكورة إرضاء لسوّار، فأظهر عند ذلك الطاعة، وغزا الحصون الراجعة إلى ابن حفصون فأوقع بهم، فهاجمهم، واجتمعت عليه كلمتهم، فقصدوه وحصروه بغرناطة في نحو عشرين ألفا، وبرز إليهم في عدده القليل من عبيده، ورجال بيوتات العرب من أهل إلبيرة، ورجعوا من جبل الفخّار على تعبئة، يريدون الباب الشرقي من غرناطة، وكادهم لما التحمت الحرب وشبّ ضرامها، بما دبّره من انسلاله في لخمة من فرسانه، حتى استدبرهم، فحمل بشعاره، فانذعروا وانفضّوا، فتوهّم حماتهم أن مددا جاءهم من ورائهم، فولّوا منهزمين، وأعمل سوّار وأصحابه السيوف فيهم إلى باب إلبيرة، فيقال: إن قتلاهم في هذه الوقيعة الثانية كانوا اثني عشر ألفا، وهي الوقيعة المعروفة بوقعة المدينة، ولاذ المولّدون بعد هذا بعمر بن حفصون واستدعوه،
стр. 1474
فوافاهم في جيش عظيم، ودخل إلبيرة، وناهض سوّارا، وعنده رجالات عرب الكور الثلاث؛ إلبيرة وجيّان، وريّه، واشتدّ القتال، وجال جيش ابن حفصون جولة جرح فيها جراحات صعبة، وكاد سوّار يأتي عليه لولا رجال صدقوه الكرّ واستنقذوه، وتمّت عليه الهزيمة، فانقلب على عقبه، ونالت الحضرة معرّته، فأغرم أهلها الذين استجلبوه ما تشعّث من عسكره، واستعمل عليهم قائده حفص بن المرّة، وانصرف، ونجح سوّار بما تهيّأ له على أعدائه، فاعتلت همّته، وأجلّته العرب، وعلا في الناس ذكره، وقال الأشعار الجزلة فيما تهيّأ له على المولدين، وأكثر الافتخار بنفسه، فشهر، من قوله في ذلك «١» : [الكامل]
صرم الغواني، يا هنيد، مودّتي ... إذ شاب مفرق لمّتي وقذالي
وصددن عنّي، يا هنيد، وطالما ... علقت حبال وصالهنّ حبالي «٢»
وهي طويلة، أكثر فيها الفخر، وألمّ بالمعنى.
وفاته: ولما انصرف عمر بن حفصون وترك قائده بإلبيرة، جهّز معه طائفة من خيله، وأقرّه لمغاورة سوّار ودرك النيل لديه، وأعمل حفص جهده وطلب غرّته، فأمكنه الله منه، وأنه دنا إليه يوما، وقد أكمن أكثر خيله، وظهر له مستغيرا بجانب من حصنه، فخرج سوّار مبادرا من غرناطة لأول الصّيحة في نفر قليل، لم يحترس من الحيلة التي يحذرها أهل الحزم، فأصحر لعدوه، وخرجت الكمائن من حوله، فقتل وجيء بجثّته إلى إلبيرة، فذكر أن الثّكالى من نسائهم قطّعن لحمه مرقا، وأكلنه حنقا لما نالهنّ من الثّكل. وكان قتل سوّار في سنة سبع وسبعين ومائتين، وقتلت العرب بقتل سوّار، وكلّ حدّها بما نزل بها.
سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر لدين الله الخليفة بقرطبة «٣»
المكنى بأبي أيوب، الملقب من الألقاب الملوكية بالمستعين بالله.
стр. 1475
أوّليّته: معروفة.
حاله: كان أديبا شاعرا، مجموع خلال فاضلة، أصيل الرأي، راجح العقل، ثبتا. ولي الخلافة غلابا، وقعصا، ومنازعة، وأوقع بأهل قرطبة وقائع أبادتهم.
وخلع ثم عادت دولته، وجرت له وعليه الهزائم، على قصر أمد خلافته، لقيام البربر بدعوته، وتدويخ البلاد باسمه، في أخبار فيها عبرة، دخل في بعض حركاتها وهو لاتها المبيرة، إلى أن طحنته رحى الفتنة، وشيكا عن دنيا غير هنيّة، وصبابة ليست بسنيّة.
شعره: من شعره يعارض المقطوعة الشهيرة المنسوبة للرشيد «١» : [الكامل]
عجبا يهاب اللّيث حدّ سناني ... وأهاب لحظ فواتر الأجفان
فأقارع «٢» الأهوال لا متهيّبا ... منها سوى الإعراض والهجران
وتملّكت نفسي ثلاث كالدّمى ... زهر الوجوه نواعم الأبدان
ككواكب الظّلماء لحن لناظري ... من فوق أغصان على كثبان
هذي الهلال وتلك أخت «٣» المشتري ... حسنا، وهذي أخت غصن البان
حاكمت فيهنّ السّلوّ إلى الهوى ... فقضى بسلطان على سلطاني «٤»
فأبحن من قلبي الحمى وتركنني ... في عزّ ملكي كالأسير العاني «٥»
لا تعذلوا ملكا تذلّل للهوى «٦» ... ذلّ الهوى عزّ وملك ثان
مقتله: قتله علي بن حمّود، المتقدم الذكر، متولّي الأمر بعده، صبرا بيده، بدم هشام المؤيد، وقال لما زحف إليه: لا يقتل الزّلطان إلّا الزّلطان، يعني السّلطان، إذ كان بربري اللسان، وذلك في أخريات المحرم من سنة سبع وأربعمائة.
стр. 1476
سليمان بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام ابن عبد الملك بن مروان «١»
يكنى أبا أيوب.
حاله: كان شهما جريئا، أنوفا شجاعا، ديّنا فاضلا. ولما توفي أبوه بقصر قرطبة، وهشام وأبو أيوب هذا غائبان، وكّل ابنه عبد الله المعروف بالبلنسي، وقال:
من سبق إليك من أخويك، فارم إليه بالخاتم، فإن سبق إليك هشام، فله فضل دينه وعفافه واجتماع الكلمة عليه، فإن سبق إليك سليمان، فله فضل دينه ونجدته، وحبّ الشاميين له. فقدم هشام من ماردة، وتولّى الخلافة قبل سليمان. واتصل ذلك بسليمان، فأخذ لنفسه البيعة بطليطلة، وما اتصل بها، ودعا إلى نفسه، وواضع أخاه الحرب غير ما مرة، تجري عليه في كلها الهزائم، إلى أن تبرّم بنفسه، وأجاز البحر عن عهد إلى ستين ألفا بذلت له، واستقرّ بأهله وولده ببلاد البربر. ولما صار الأمر للحكم بن هشام، عاد إلى الأندلس سنة اثنتين وثمانين ومائة، وكان اللقاء في شوال منها، فانهزم سليمان، ثم عاد للّقاء فانهزم. وفي سنة أربع وثمانين «٢» حشد واحتلّ بجيّان ثم بإلبيرة، والتقى بها معه الحكم، ودام القتال أياما حتى همّ الحكم بالهزيمة، ثم انهزم سليمان وقتل في المعركة بشر كثير، وأفلت سليمان إلى جهة ماردة. وبالتقاء الحكم وعمّه سليمان بإلبيرة وأحوازها استحقّا الذكر هنا على الشرط المعروف.
وفاته: وبعث الحكم أصبغ بن عبد الله في طلب سليمان، فأسره وأتاه به، فأمر بقتله، وبعث برأسه إلى قرطبة. قتل في سنة خمس وثمانين بعدها «٣» .
سعيد بن سليمان بن جودي السّعدي «٤»
حاله: كان سعيد بن سليمان صديق سوّار، فغصبت العرب الإمارة به بعده، وعلقت به، فقام بأمرها وضمّ نشرها، وكان شجاعا بطلا، فارسا مجرّبا، قد تصرف
стр. 1477
مع فروسيته في فنون من العلم، وتحقق بضروب من الآداب، فاغتدى أديبا نحريرا، وشاعرا محسنا، واتصل قيامه بأمر العرب إلى أن قتل.
شعره: ومن شعره في وقيعة سوّار بالمولدين قوله من قصيدة طويلة:
[الخفيف]
قد طلبنا بثأرنا فقتلنا ... منكم كلّ مارق وعنيد
قد قتلناكم بيحيى وما أن ... كان حكم الإله «١» بالمردود
هجتم يا بني العبيد ليوثا ... لم يكونوا لجارهم بقعود
فاصطلوا حرّها وحدّ سيوف ... تتلظّى «٢» عليكم بالوقود
حاكم ماجد يقود إليكم ... فئة سادة كمثل الأسود
ورئيس «٣» مهذّب من نزار ... وعميد ما مثله من عميد
يطلب الثأر بابن قوم كرام ... أخذوا بالعهود قبل المهود
فاستباح الحمى فلم «٤» يبق منها ... غير عان وفقده «٥» المصفود
قد قتلنا منكم ألوفا فما يع ... دل قتل الكريم قتل العبيد
مثّلوه لمّا أضاف إليهم ... لم يكن قتله برأي سديد
قتلته عبيد سوء لئام ... وفعال العبيد غير حميد
لم يصيبوا الرشاد فيما أتوه ... لا ولا كان جدّهم لسعود
قد غدرتم به بني اللؤم من بع ... د يمين قد أكّدت وعهود
فلئن كان قتله غدرة ما ... كان بالنّكس لا ولا الرّعديد
كان ليثا يحمي الحروب وحصنا ... وملاذا وعصمة المقصود
كان فيه التّقى مع الحلم والبأ ... س وجود ما مثله من «٦» جود
عال مجد الأمجاد بعدكم «٧» ... وقديما، وفتّ كل مجيد
فجزاك الإله جنة عدن ... حيث يجزي الثواب كلّ شهيد
стр. 1478
مقتله: قال الملّاحي: كان من الأعلام، وعدّ في الشعراء والفرسان والخطباء والبلغاء، خطب بين يدي الخليفة «١» المنذر، وهو حدث، أول ما أفضت الخلافة إليه، وعليه قباء خزّ، وقد تنكّب قوسا عربية، والكنانة بين يديه. خطب خطبة بليغة، وصلها بشعر حسن، ولم يزل اللّواء يتردد عليه في العزّ والمقام، ويخطب في أعلى المنبر في المسجد الجامع بإلبيرة. وسجل له الخليفة «٢» عبد الله على الكورة، إلى أن همّ بالقيام على بني أمية عندما اشتدّت شكيمته، وظهر على عمر بن حفصون إلى أن قتل بسبب امرأة، تمت عليه الحيلة لأجلها بدار يهودية، إذ كان منحطّا في هوى نفسه، فطاح في ذي قعدة سنة أربع وثمانين ومائتين «٣» ، وصار أمر العرب بعده إلى محمد بن أضحى، حسبما يتقرّر في مكانه.
ومن ترجمة الأعيان والوزراء والأماثل والكبراء
سهل بن محمد بن سهل بن مالك بن أحمد بن إبراهيم ابن مالك الأزدي «٤»
صدر هذا البيت، وياقوتة هذا العقد، يكنى أبا الحسن. قال أبو جعفر بن مسعدة: كان رأس الفقهاء وخطيب الخطباء البلغاء، وخاتمة رجال الأندلس.
تفنّن في ضروب من العلم، وبالجملة فحاله ووصفه في أقطار الدنيا، لا يجمله أحد، فحدّث عن البحر ولا حرج، ضنّ الزمان أن يسمح برجل حاز الكمال مثله.
стр. 1479
حاله: قال ابن عبد الملك «١» : كان من أعيان مصره، وأفضل أهل «٢» عصره، تفنّنّا في العلوم، وبراعة في المنثور والمنظوم، محدّثا ضابطا، عدلا ثقة ثبتا، حافظا للقرآن العظيم، مجوّدا له، متقنا «٣» في العربية، وافر النصيب من الفقه وأصوله، كاتبا، مجيدا «٤» للنظم في معرب الكلام وهزله «٥» ، ظريف الدعابة، مليح التّندير. له في ذلك أخبار مستظرفة «٦» متناقلة، ذا جدة ويسار، متين الدين، تام الفضل، واسع المعروف، عميم الإحسان، تصدق عند القرب من وفاته بجملة كبيرة من ماله ورباعه، وله وفادة على مراكش.
مشيخته: روى ببلده عن خاله أبي عبد الله بن عروس، وخال أمّه أبي بكر يحيى بن محمد بن عروس «٧» ، وأبي جعفر بن حكم، وأبي الحسن بن كوثر، وأبي خالد بن رفاعة، وأبي محمد عبد المنعم بن الفرس. وبمالقة عن أبي زيد السّهيلي، وأبي عبد الله بن الفخار. وبمرسية عن أبي عبد الله بن حميد، وأبي القاسم بن حبيش. وبإشبيلية عن أبي بكر بن الجدّ، وأبي عبد الله بن زرقون، وأبوي عبد الله العباس بن مضاء، والجراوي الشاعر، وأبي الوليد بن رشد. قرأ عليهم وسمع، وأجازوا له. وأجاز له من أهل الأندلس أبو محمد عبد الله نزيل سبتة، وعبد الحق بن الخراط، نزيل بجاية. ومن أهل المشرق جماعة، منهم إسماعيل بن علي بن إبراهيم الجراوي، وبركات بن إبراهيم الخشوعي أبو الطاهر، وعبد الرحمن بن سلامة بن علي القضاعي، وغيرهم ممن يطول ذكرهم.
من روى عنه: روى عنه أبو جعفر بن خلف، والطّوسي، وابن سعيد القزاز، وأبو الحسن العنسي، وأبو عبد الله بن أبي بكر البري، وابن الجنّان، وأبو محمد عبد الرحمن بن طلحية، وأبو محمد بن هارون، وأبو القاسم بن نبيل، وأبو يعقوب بن إبراهيم بن عقاب، وأبو جعفر الطّباع، وأبو الحجاج بن حكم، وأبو الحسن الرّعيني، وأبو علي بن النّاظر، وغيرهم.
ثناء الأعلام عليه: والمجال في هذا فسيح، ويكفي منه قول أبي زيد الفزاري:
[مجزوء الرمل]
عجبا للناس تاهوا ... بثنيّات المسالك
стр. 1480
وصفوا بالفضل قوما ... وهم ليسوا هنالك
كثر النّقل ولكن ... صحّ عن سهل بن مالك
شعره: وشعره كثير مما ينخرط في سلك الجيد، فمن ذلك قوله: [الطويل]
نهارك في بحر السّفاهة يسبح ... وليلك عن نوم الرّفاهة يصبح
وفي لفظك الدّعوى وليس إزاءها ... من العمل الزّاكي دليل مصحّح
إذا لم توافق قولة منك فعلة ... ففي كل جزء من حديثك تفصح
تنحّ عن الغايات لست من اهلها ... طريق الهوينا في سلوكك أوضح
إذا كنت في سنّ البنا غير صالح ... ففي أيّ سنّ بعد ذلك تصلح؟
إلى كم أماشيها على الرّغم غاية ... يصيب المزكّى عندها والمجرّح
عليها «١» ألا تني وتنوي فتحسن ... في عين الشّباب «٢» وتقبح
عسى وطر موقى «٣» فألتمس الرّضا ... وأقرع أبواب الرّشاد فتفتح
فقد ساء ظنّي بالذي أنا أهله ... وفضلك يا مولاي يعفو ويصفح
وقال في تشييع بعض الفقهاء من غرض الأمداح: [البسيط]
يلقاك من كل من يلقاك ترحيب ... ومن خليفتها عزّ وتقريب
وتصطفيك إلى أحوازها رتب ... لها على مفرق الجوزاء ترتيب
تأتي إليك بلا سعي بلا سبب ... كأنّ تركك للأسباب تسبيب
من كلّ مشغوفة بالحسن دام لها ... إلى غنائك تصعيد وتصويب
يلقاك بالبشر والإقبال خاطبها ... وحظّها منك إعراض وتقطيب
ما زلت ترغب عنها وهي راغبة ... كأنّ زهدك فيها عنك ترغيب
فانهض إليها فلو تسطيع «٤» كان لها ... إلى لقائك إرجاء وتقريب
يحيى وتحيى فللباغي مواهبها ... عذب الزّلال وللباغين تعذيب
سارت على العدل والإحسان سيرتها ... حتى تلاقى عليها الشّاة والذّيب
لم تصبها لذّة الدنيا وزخرفها ... ولا سبتها المطايا والجلابيب
стр. 1481
إذا أهمّ بني الدنيا نعيمهم ... فهمّها البيض والجرد السّلاهيب
فوق الكواكب مضروب سرادقها ... منها «١» على أفق الأفلاك تطنيب
كرعت في ظلّها الصافي بسلسلها ... كأنها لك في المشروب شرّيب
في قبية من بني الآمال قد قرعت ... سهم إلى طلب العليا طبابيب
إذا حضرنا طعاما فهو «٢» مأدبة ... وإن سمعنا كلاما فهو تأديب
ومن يلذ بأبي إسحاق كان له ... أعلاق مال وأغلاق وتهذيب
يا مالك «٣» السّرّ من قلبي ويا ملكا ... إن ناب خطب فمن جدواه تأنيب
هب القرار لآمال مسافرة ... وقد أضرّ بها بعد وتغريب
ففي يمينك وهّابا ومنتظما ... بسط وقبض وترغيب وترهيب
وما يصرّ كتابا راق منظره ... إن ناله من تراب الأرض تتريب
لك السّيادة لا يلقى لسؤددها ... مثل وإن طال تنقير وتنقيب
عزم كحدّ سنان الرّمح يصحبه ... عدل كما اعتدلت فيه الأنابيب
كمال نفسك للأرواح تكملة ... وذكر فضلك للأرواح تشبيب
وعرف ذاتك كاف في تعرّفنا ... بنفحة الطّيب يدري أنّه طيب
إذا ذكرت فللأشعار مضطرب ... رحب المجال وللألحان تطريب
سر حيث شئت موفّى من مكارمها ... يهابك الدهر والشّبان والشّيب
في غرّة تخلق الأيام جدّتها ... لها على أفق الأملاك تطنيب
ومن نمط النّسيب والأوصاف قوله وهو بسبتة بعد وصوله من مراكش، وهو مما طار من شعره «٤» : [الكامل]
لمّا حططت «٥» بسبتة قتب «٦» النوى ... والقلب يرجو أن تحوّل «٧» حاله
والجوّ مصقول الأديم كأنما ... يبدي الخفيّ من الأمور صقاله
стр. 1482
عاينت «١» من بلد الجزيرة مكنسا «٢» ... والبحر يمنع أن يصاد غزاله
كالشّكل في المرآة تبصره وقد ... قربت مسافته وعزّ مناله
ومن شعره قوله، ﵀: [الطويل]
تبسّم واستأثرت منه بقبلة ... فشمت أقاحا وارتشفت عقارا
ومرّ فأيدي الريح ترسل شعره ... كما ستر الليل البهيم نهارا
فيا لك ليلا بالكثيب قطعته ... كما رعت بالزّجر الغراب فطارا
تغصّ بنا زهر الكواكب غيرة ... فتقدح في فحم الظلام شرارا
ومن ذلك قوله «٣» : [الطويل]
ولمّا رأيت الصّبح هبّ نسيمه ... دعاني داعيه إلى البين والشّتّ «٤»
وقلت «٥» : أخاف الشمس تفضح سرّنا ... فقالت: معاذ الله تفضحني أختي «٦»
ومن الحكم وأبيات الأمثال قوله، رحمة الله عليه «٧» : [البسيط]
منغّص العيش لا يأوي إلى دعة ... من كان ذا «٨» بلد أو كان ذا ولد
والسّاكن النّفس من لم ترض همّته ... سكنى مكان ولم تسكن «٩» إلى أحد
ومن شعره «١٠» :
ولا مثل يوم قد نعمنا بحسنه ... مذهّب أثناء المروج صقيل
إلى أن بدت شمس النهار تروعنا ... بسير صحيح واصفرار عليل
ولا توارت شمسه بحجابها ... وأذّن باقي نورها برحيل
стр. 1483
وغابت فكان الأفق عند مغيبها ... كقلبي مسودّا «١» لفقد خليلي «٢»
أتانا بها صفراء «٣» يسطع نورها ... فمزّق سربال الدّجى بفتيل
فردّت علينا شمسنا وأصيلنا ... بمشبّه شمس في شبيه أصيل
ومن نثره قوله يخاطب بني أبي الوليد بن رشد، تعزية في أبيهم، واستفتحه بهذه الأبيات «٤» : [الطويل]
ألا ليت شعري، هل لطالب غاية ... وصول وأحداث الزمان تعوقه؟
مضى علم العلم الذي ببيانه ... تبيّن خافيه وبان طريقه
أخلّاي «٥» ، إني من دموعي بزاخر ... بعيد عن الشّطّين منه غريقه
وما كان ظنّي قبل «٦» فقد أبيكم «٧» ... بأنّ مصابا مثل هذا أطيقه
ولم أدر من أشقى الثلاثة بعده ... أأبناؤه «٨» أم دهره أم صديقه؟
ومن شاهد الأحوال بعد «٩» مماته ... تيقّن «١٠» أنّ الموت نحن نذوقه
رجوعا إلى الصّبر الجميل فحقّه ... علينا قضى أن لا توفّى «١١» حقوقه
أعزّيكم في البعد عنه «١٢» فإنني ... أهنّيه قربا من جوار يروقه
فما كان فينا منه إلّا مكانه ... وفي العالم العلويّ كان رفيقه
إيه «١٣» عن المدامع، هلّا تلا انحدار الدّمعة انحدارها؟ والمطامع هل ثبت «١٤» على قطب مدارها؟ والفجائع أغير دار بني رشد دارها؟ فإنه حديث أتعاطاه مسكرا، وأستريح الله مفكرا، وأبثّه باعثا على الأشجان مذكرا، ولا أقول كفى، وقد ذهب الواخذ «١٥» الذي كنت تتلافى، ولا أستشعر صبرا، وقد حلّ نور العلم قبرا، بل أغرق
стр. 1484
الأجفان بمائها، وأستدعي الأحزان بالشّهير من أسمائها، وأستوهب الأشجان غمرة غمائها. ثم أتهالك تهالك المجنون، وأستجير من الحياة بريب المنون، وأنافر السّلوة «١» منافرة وسواس الظّنون، ولا عتب، فإذا خامر الواله جزعه، فإلى نصرة المدامع مفزعه»
، وإذا ضعف احتماله، فإلى غمرة الإغماء مآله، ومن قال: إنّ «٣» الصبر أولى، ولّيته من ذلك ما تولّى. أما أنا فأستعيد من هذا المقام وأستعفيه، وأنزّه نفس الوفاء عن الحلول فيه، فإنه متى بقي للصّبر مكان، ففي محلّ الحزن لقبول ما يقاومه إمكان، وقد خان الإخاء وجهل الوفاء، من رام قلبه السّلوّ، وألفت «٤» عينه الإغفاء. هو الخطب الذي نقى «٥» الهجود، وألزم أعين الثّقلين أن تجود «٦» ، وبه أعظم الدهر المصاب، وفيه أخطأ سهم المنيّة حين أصاب. فحقّنا أن نتجاوز الجيوب إلى القلوب «٧» ، وننقلب «٨» إذا غالبنا الحزن بصفقة «٩» المغلوب، وإذا كان الدهر السّالب فلا غضاضة على المستريح لأنه «١٠» المسلوب. أستغفر الله، فقد أتذكّر «١١» من مفقودنا، ﵁ حكمه، وأشاهد «١٢» بعين البصيرة شيمه «١٣» ، فأجدهما يكفّان من واكف الدمع ديمه، ويقولان: الوله عند مماسة المصاب «١٤» ، ومزاحمة الأوصاب، أمر إن وقع، فقد ضرّ فوق ما نفع، فإنه لا ألم الحزن شفاه، ولا حقّ المصيبة وفّاه، ولا الذّاهب الفائت استرجعه وتلافاه، فربما جنحت إلى الصّبر لا رغبة فيه، بل إيثارا لمقصده وتشيّعا لتصافيه، فأستروح رائحة السّلو، وأنحطّ قاب قوسين «١٥» أو أدنى عن سدرة ذلك العلو، وأقف بمقام الدّهش بين معنى الحزن
стр. 1485
المستحكم ولفظ العزاء «١» المتلوّ. فأبكي بكاء النساء، وأصبر صبر الرؤساء، وأحرز «٢» رزايا الفضلاء، بفضل «٣» رزايا الأخسّاء، موازنة بين «٤» هذا الوجود، وبخل يتعاقب على محل الجود «٥» . فالدهر يسترجع ما وهب، كان الصّفر «٦» أو الذّهب. وإذا تحقّق عدم ثباته، وعدم «٧» استرجاعه لجميع هباته، كان «٨» المتعرّض لكثيره، محلا لتأثيره.
فلا غرو أن دهمكم الرّزء، مورد «٩» الفلك الدّابر «١٠» منه الجزء، فطالما بتّم ترضعكم الحكمة أخلافها، وتهبكم الخلافة آلافها، وتؤملكم «١١» الأيام خلافها. وإذا صحيت «١٢» العقول، وضنّ بما لديه المعقول، وصارت الأذهان إلى حيث لا تتصوّر والألسنة «١٣» بحيث لا تقول، وردتم معينا، ووجدتم معينا، وافتضضتموها كمثل «١٤» اللؤلؤ المكنون صورا «١٥» عينا. أظننتم أن عين الله «١٦» تنام، أم رمتم أن يكون صرحا إلى إله موسى ذلك السّنام؟ لشدّ ما شيّدتم «١٧» البناء، وألزمتم اتّباع الأب الأبناء «١٨» ، حتى غرق الأول في الآخر، وصار السّلف على ضخامته أقلّ المفاخر. ومن علت في علاها١»
قدم ترقّيه، ولم يصب «٢٠» بكماله عينا «٢١» يحفظ من عين العلن ويقيه، فكثيرا ما يأتيه محذوره من جهة توقّيه. هذا أبوكم، ﵁، حين استكمل، فعرف «٢٢» الضّارّ والشّافي، وتعذّرت صفات كماله على الحرف النّافي، فيا «٢٣» لله لفظة أواليها، وأتبعها زفرة تليها، لقد بحثت الأيام عن حتفها بظلفها، وسعت على قدمها إلى رغم أنفها، [حين أتلفت الواحد يزن مائة ألفها] «٢٤» ، فمن لبثّ الوصل
стр. 1486
ولرعي «١» الوسائل، وإلى من يلجأ في مشكلات المسائل؟ ومن المجيب إذا لم يكن المسؤول بأعلم من السّائل؟ اللهم صبّرنا على فقد الأنس بالعلم، وأدلنا من حفوف الوله بوقار الحلم، وأخلفه في بنيه وعامة أهليه، بشبيه ما أوليته في جوارك المقدس وتولّيه. وإليكم أيها الإخوة الأولياء، والعلية الذين عليهم قصرت العلياء، أعتذر من اتخاذ «٢» الشيء من الكلام بنقصه «٣» الأشياء. فقد خان في هذا الزمان «٤» ، حتى اللسان، وفقد منه حتى الحسان «٥» ، وليس لتأبين محمد ﷺ ، إلّا حسّان، فالعذر منفسح المجال، وإلى التقصير في حقّ رزئكم الكبير نصير «٦» في الرّوية والارتجال.
ولذلك عدلت إلى الإيجاز، واعتقدت في «٧» إرسال القول في هذا الموضع ضربا من المجاز، ومبلغ النفس عذرها مع العجز كالصّائر «٨» للإعجاز. وأما حسن العزاء، على تعاقب هذه الأرزاء، فأمر لا أهبه بل أستجديه، ولا أذكركم به ونفس صبركم متوغلة فيه، فسواكم يلهم للإرشاد «٩» ، ويذكّر بطرق الرشاد، جعل الله منكم لآبائكم خلفا، وأبقى منكم لأبنائكم سلفا، ولا أراكم «١٠» الوجود بعده تلفا. والسلام «١١» .
محنته: امتحن، ﵀، بالتّغريب عن وطنه، لبغي بعض حسدته عليه، فأسكن بمرسية مدّة طويلة، إلى أن هلك بألمرية الأمير أبو عبد الله محمد بن يوسف بن هود، آخر جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين وستمائة. فسرّح أبو الحسن بن سهل إلى بلده في رمضان من هذه السنة.
ومن شعره في ذلك الحال مما يدلّ على بعد شأوه ورفعة همته، قوله «١٢» :
[الطويل]
أدافع همّي «١٣» عن جوانب همّتي ... وتأبى هموم العافين عن «١٤» الدّفع
стр. 1487
وألتمس العتبى وحيدا وعاتبي «١» ... وصرف الليالي والحوادث في جمع
وإنّي من حزمي وعزمي «٢» وهمتي ... وما رزقته النّفس من كرم الطّبع
لفي منصب تعلو السماء سماته ... فتثبت «٣» نورا في كواكبها السّبع
غلا صرف دهري إذ علا فإذا به ... تراب لنعلي أو غبار على شسعي «٤»
تدرّعت بالصبر الجميل وأجلبت ... صروف الليالي كي تمزّق لي درعي «٥»
فما ملأت قلبي ولا قبضت يدي ... ولا نحتت أصلي ولا هصرت فرعي «٦»
فإن عرضت لي لا يفوه بها فمي ... وإن زحفت لي لا يضيق بها ذرعي «٧»
وفي هذه الأبيات تأنيث السّبعة الكواكب، وحكمها التّذكير، وذلك إما لتأويل بعد أو غفلة، فلينظره. قال أبو الحسن الرعيني: ودخلت عليه بمرسية، وبين يديه شمّامة زهر، فأنشدني لنفسه «٨» : [الطويل]
وحامل طيب لم يطيّب بطيبه ... ولكنه عند الحقيقة طيب
تألّف من أغصان آس وزهرة «٩» ... فمن صفتيه زاهر ورطيب
تعانقت الأغصان فيه كما التقى ... حبيب على طول النّوى وحبيب
وإن الذي أدناه دون «١٠» فراقه ... إليّ كبير «١١» في الوجود عجيب
مناسبة للبين كان انتسابها ... وكلّ غريب للغريب نسيب
فبالأمس في إسحاره «١٢» وبداره ... وباليوم في دار الغريب غريب
стр. 1488
تواليفه: صنّف في العربية كتابا مفيدا، رتّب الكلام فيه على أبواب كتاب سيبويه. وله تعاليق جليلة على كتاب المستصفى في أصول الفقه، وديوان شعر كبير.
وكلامه الهزلي ظريف شهير.
مولده: عام تسعة وخمسين وخمسمائة.
وفاته: توفي بغرناطة منتصف ذي قعدة سنة تسع وثلاثين وستمائة. وزعم ابن الأبّار»
أن وفاته كانت سنة أربعين وستمائة، وليس بصحيح «٢» . ودفن بمقبرة شقستر. قال ابن عبد الملك «٣» : وكان كريم النفس، [فاضل الطبع، نزيه الهمّة] «٤» ، حصيف الرأي، شريف الطباع، وجيها، مبرورا، معظّما عند الخاصة والعامة.
من رثاه: ممن كتب إلى بنيه يعزّيهم في مصابهم بفقده، ويحضّهم على الصبر من بعده، تلميذه الكاتب الرئيس أبو عبد الله بن الجنّان «٥» : [الطويل]
دعوني وتسكاب الدموع السّوافك «٦» ... فدعوى «٧» جميل الصّبر دعوة آفك
أصبر جميل في قبيح حوادث ... خلعن على الأنوار ثوب الحوالك
تنكّرت الدنيا على الدّين ضلّة ... ومن شيمة الدنيا تنكّر فارك
فصبّحنا «٨» حكم الردى بردائه ... فتلك وهذا «٩» هالك في المهالك «١٠»
стр. 1489
عفا طلل منها ومنه فأصبحا «١» ... شريكي عنان في بلا متدارك «٢»
فلا بهجة تبدي «٣» مسرّة ناظر ... ولا حجّة تهدي محجّة «٤» سالك
وما انتظم الأمران إلّا ليؤذنا ... بأمر دها سير النجوم السّوابك «٥»
وإنّ لمنشور الوجود انتظاره «٦» ... بكفّي فناء للفناء مواشك «٧»
أما قد علمنا والعقول شواهد ... بأنّ انقراض العلم أصل المهالك
إذا أهلك «٨» الله العلوم وأهلها ... فما الله للدهر الجهول ببارك «٩»
هل العلم إلّا الرّوح والخلق جثّة ... وما الجسم بعد الروح بالمتماسك
وما راعني في عالم الكون حادث ... سوى حادث في عالم ذي مدارك
لذلك ما أبكي كأني متمّم «١٠» ... أتمّم ما أبقى الأسى «١١» بعد مالك
стр. 1490
وسهّل عندي أن أرى الحزن مالكي ... مصابي بالفيّاض سهل بن مالك
إمام هدى كنّا نقلّد رأيه ... كتقليد رأي الشّافعي ومالك
غمام ندى «١» كنّا عهدنا سماحه ... بساحل دارات العماد الحوائك «٢»
أحقّا قضى ذاك «٣» الجلال وقوّضت ... مباني معال في السماء سوامك؟
وأقفر في نجد من المجد ربعه ... وعمّر قبر مفرد بالدّكادك؟
وغيّب «٤» طود في صعيد بملحد «٥» ... وغيّض بحر في ثرى متلاحك «٦»
ووارى شمس المعارف غيهب ... من الخطب يردي «٧» بالشّموس الدّوالك «٨»
ألا أيها النّاعي لك الثّكل لا تفه ... بها إنها أمّ الدّواهي الدّواهك «٩»
لعلّك في نعي العلا متكذّب ... فكم ماحل من قبل فيه وماحك
стр. 1491
فكذّبهم «١» يا ليت أنك مثلهم ... تواتر أخبار وصدق مآلك
فيا حسن ذاك القول إذ بان كذبه ... ويا قبحه والصّدق بادي المسالك
لقد أرجفوا «٢» فيه وقلبي راجف ... مخافة تصديق الظّنون الأوافك
كأنّ كمال الفضل كان يسوءهم «٣» ... فأبدوا على نقص «٤» هوى متهالك
كأنهم مستبطئون ليومه «٥» ... كما استبطأ المصبور «٦» هبّة باتك «٧»
كأنهم مستمطرون لعارض ... كعارض عاد للتجلّد عارك
بلى إنهم قد أرهصوا لرزيّة ... تضعضع ركن الصّابر المتمالك
فقد كان ما قد أنذروا بوقوعه ... فهل بعده للصبر «٨» صولة فاتك؟
مصاب مصيب للقلوب بسهمه «٩» ... رمى عن قسيّ لليالي عواتك
стр. 1492
بكت حسنها «١» الغبراء فيه فأسعدت ... بأدمعها الخضراء ذات الحبائك «٢»
على علم الإسلام قامت نوادب ... بهتن مباك أو بهتم مضاحك
فمن سنّة سنّت على الرأس تربها ... ومكرمة ناحت لأكرم هالك
ومن آية تبكي منوّر «٣» صبحها ... إذا قام في جنح من الليل حالك
ومن حكمة تبكي «٤» لفقد مفجّر ... لينبوعها السّلسال في الأرض سالك
فيا أسفي من للهوى ورسومه ... ومن لمنيخ عند تلك المبارك؟
ومن للواء الشّرع يرفع خفضه ... ويمنع من تمزيقه كفّ هاتك؟
ومن لكتاب الله يدرس وحيه ... ويقبس منه النور غير متارك؟
ومن لحديث المصطفى ومآخذ «٥» ... يبيّنها «٦» في فهمه ومتارك؟
ومن ذا يزيل اللّبس في متشابه ... ومن ذا يزيح الشّكّ عن متشابك؟
стр. 1493
ومن لليراع الصّفر «١» طالت «٢» بكفّه ... فصارت طوال السمر «٣» مثل النيازك؟
ومن للرّقاع البيض طابت بطيبه «٤» ... فجابت إلى الأملاك سبل المسالك؟
ومن لمقام الحفل يصدع بالتي ... تقصّ «٥» لقسّ من جناح المدارك؟
ومن لمقال كالنّضار يخلّص «٦» ... لإبريزه التبريز لا للسّبائك؟
ومن لفعال إن ذكرت بناءه ... فعال وإن تنشر فمسكة فارك؟
ومن لخلال كرّمت وضرائر «٧» ... ضربن بقدح في عتاب «٨» الضّرائك «٩» ؟
ومن لشعار الزهد أخفي بالغنى «١٠» ... ففي طيّه فضل الفضيل ومالك «١١» ؟
ومن لشعاب المجد أو لشعوبه ... إذا اختلطت ساداته بالصّعالك؟
ألا ليس من: فاكفف عويلك أو فرد ... فما بعد سهل في العلى من مشارك
أصبنا فيالله فيه وإنما ... أصبنا لعمري في الذّرى والحوارك
стр. 1494
فناد بأفلاك المحامد: أقصري ... فلا دوران، زال «١» قطب المدارك
وصح بالسناء «٢» اليوم أقويت منزلا ... بوطء المنايا لا بوطء السّنابك
على هذه حام الحمام محلّقا ... ثمانين حولا كالعدوّ المضاحك
فسالمه في معرك الموت خادعا ... وحاربه إذ جاز ضنك المعارك
طواك الرّدى مهما يساكن فإنّه ... محرّك جيش ناهب العيش ناهك
سبى سبأ قدما وحيّ «٣» السّكاسك ... ولم يأل عن خون لخان «٤» ومالك
وأفنى من ابناء «٥» البرايا جموعها ... وألقى البرى «٦» بالرغم فوق البرامك
سواء لديه أن يصول بفاتك «٧» ... من الناس «٨» ناس للتقى أو بناسك
ولو أنه أرعى على ذي كرامة ... لأرعى «٩» على المختار نجل العواتك «١٠»
стр. 1495
ولو راعه عمر تكامل ألفه ... لما راع نوحا في السّنين الدّكادك «١»
وما من سبيل للدوام وإنما ... خلقنا لأرحاء المنون الدواهك «٢»
فيا آل سهل أو بنيه مخصصا ... نداء عموم في غموم موالك
أعندكم أني لما قد عراكم ... أمانع صبري لن يلين عرائكي «٣» ؟
فكيف أعزّي والتعزّي محرّم ... عليّ ولكن عادة آل مالك «٤»
فإن فرح «٥» يبدو فذاك «٦» تكرّه ... لتجريع صاب من مصاب مواعك
وإن كان صبر «٧» إنها لحلومكم ... ثوابت «٨» في مرّ الرياح السواهك
ورثتم سنا ذاك المقدّس «٩» فارتقوا ... بأعلى سنام من ذرى العزّ تامك «١٠»
فلم يمض من أبقى من المجد إرثه ... ولم يلق ملكا «١١» تارك مثل مالك
стр. 1496
أتدرون لم جدّت ركاب أبيكم ... كما جدّ سير بالقلاص الرواتك «١» ؟
تذكّر في أفق السماء قديمه ... فحنّ إلى عيص «٢» هنالك شابك
وكان «٣» سما في حضرة القدس حظّه ... فلم يله «٤» عنه بالحظوظ الركائك
فيا عجبا منّا نبكّي مهنّأ ... تبوّأ دارا في جوار الملائك
يلاقيه في تلك المغاني رفيقه ... بوجه منير بالتّباشير ضاحك
فلا تحسبوا أنّ النّوى غال روحه ... لجسم ثوى تحت الدّكادك سادك «٥»
فلو أنكم كوشفتم «٦» بمكانه ... رأيتم مقيما في أعالي الأرائك
ينعّم في روض الرّضا وتجوده ... سحائب في كثبان مسك عوانك «٧»
كذلك وعد الله في ذي مناسب ... من البرّ صحّت بالتّقى «٨» ومناسك
فيا رحمة الرحمن وافي جنابه ... ويا روحه سلّم عليه وبارك
стр. 1497
ويا لوعتي سيري إليه برقعتي ... وقصّي شجونا من حديثي هنالك
حديث «١» الأشجان شجون، ووجوه القراطيس به كوجوه الأيام جون، فارعني «٢» سمعك أبثّك بثّي واكتئابي، وأعرني «٣» نظرة في كتابي؛ لتعلم ما بي، فعندي ضرب الأسى جناية «٤» ، وعلى وردي أطال باغي الأسى حماية «٥» ، وعبرتي أبكت من القطر سجامه، وزفرتي أذكت من الجمر ضرامه، ومني تعلّمت ذات الهديل كيف تنوح، وعنّي أخذت ذات الحسن «٦» كيف تغدو والهة وتروح، فما مذعورة راعها القنّاص، وعلق بواحدها حبل الجهالة «٧» فأعوزه الخلاص، فهي تتلفّت إليه والمخافة خلفها وأمامها، وتتلهف عليه فتكاد تواقع فيه حمامها، بأخفق ضلوعا، وأشفق روعا، وأضيق مجالا، وأوسع أوجالا، وأشغل بالا، وأشعل بلبالا، بل ما طلاها، وقد رآها، ترمي «٨» طلاها، فوقف «٩» حتى كاد يشركها في الحين، ويحصل من الشّرك تحت جناحين. ثم أفلت وهو يشكّ في الإفلات، ويشكو وحدته في الفلوات «١٠» ، بأرهب نفسا، وأجنب أنسا، وألهب حشا، وأغلب توحّشا، وأضيع بالمومات، وأضرع لغير الأمّات، منّي وقد وافى النبأ العظيم، ونثر الهدى بكفّ الرّدى شمله ١»
النظيم، وأصبح يعقوب الأحزان وهو كظيم. وقيل: أصيبت الدنيا بحبشتها «١٢» وحسنها، والدّيانة بمحسّنها وأبي حسنها، فحقّ على القلوب انفطارها، وعلى العيون أن تهمي قطارها، وعلى الصّبر أن يمزّق جلبابه، وعلى الصّدر أن يغلق في وجه السّلوّ بابه.
أنعي «١٣» الجليل السّعي، ورزيّة الجميل السّجية، ووفاة الكريم الصفات، وفقد الصّميم المجد، وذهاب السّمح الوهّاب، وقبض روحاني الأرض، وانعدام معنى الناس، وانهدام مغشى «١٤» الإيناس، وانكساف «١٥» شمس العلم، وانتساف قدس الحلم. يا له حادثا، جمع قديما من الكروب وحادثا، ومصابا جرّع أوصابا، وأضحى
стр. 1498
كلّ به مصابا. لا جرم أني شربت من كأسه مستفظعها «١» ، وشرقت بها وبماء «٢» دمعي الذي ارفضّ معها، فغالت خلدي، وغالبت جلدي، حتى غبت عنّي، ولم أدر بآلامي التي تعنّي. ثم أفقت من سكري، ونفقت «٣» مبدّد فكري، فراجعني التّذكار والتّهمام، وطاوعني شجونا «٤» يتعاطاه الحمام، فبكيت حتى خشيت أن يعشيني، وغشيت إذ غشيني من ذلك أليم «٥» ما غشيني، وظلت ألقى «٦» انبجاسا للتّرح يلقيني، فتارة يعنيني، وتارة يبقيني، فلو أن احتدامي، والتّدامي، وجفني الدّامي، اطّلعت على بعضه الخنساء، لقالت: هذه عزمة حزن لا يستطيعها النّساء. ذلك بأن قسمة المراثي كقسمة الميراث، وللذّكران المزيّة، كان للسّرور أو للرّزيّة، على الإناث، هذا لو وازن مبكيّ مبكيا، ووارى ترابيّ فلكيّا، إنا «٧» لنبكي نور علم وهي تبكي ظلمة جهل، وندبتي بجبل يدعى بسهل، كان «٨» يتفجّر منه الأنهار، وينهال جانبه من خشية الله أو ينهار، في مثله ولا أريد بالمثل سواه، فما كان في أبناء الجنس من ساواه. يحسن الجزع من كل مؤمن تقي، ويقال للمتجلد: لا تنزع الرّحمة إلّا من شقي، فكل جفن بعده جاف، فصاحبه جلف أوصاف «٩» ، وكل فؤاد لم تصدع «١٠» له صفاته، ولم تتغيّر لفقده صفاته، فمتحقّق عند العلماء «١١» معلوم، أنه معدود في الحجارة أو معدوم. فيا ليت شعري يوم ودّع للتّرحال، ودعا حاديه بشدّ «١٢» الرّحال، كيف كان حاضروه في تلك الحال، هل استطاعوا معه صبرا، وأطاعوا لتلبيته «١٣» أمرا؟ أو ضعف احتمالهم، وقوي في مفارقة النفوس اعتمالهم؟ ويا ليت شعري إذ أفادوا الماء طهارة زائدة بغسل جلاله! هل حنّطوه في غير ثنائه أو كفّنوه في غير خلاله؟ ويا ليت شعري إذا استقلّ به نعشه لأشرف، ترفرف عليه الملائكة ويظلّله الرّفرف! هل رأوا قبله حمل «١٤» الأطواد، على الأعواد؟ وسير الكواكب، في مثل تلك المواكب؟ فيأنسوا بالإلف، ويرفعوا منكم الطّرف، ويدعوا لفيض من أثر ذلك الظّرف؟ ويا ليت شعري إذ ودّعوا «١٥» درّة الوجود، صدفة اللّحد المجود، لم آثروا الثّرى على نفوسهم، ورضوا الأرض مغربا
стр. 1499
لأنوار شموسهم؟ فهلا حفروا له بين أحناء الضلوع، وجعلوا الصفيح صريح الحبّ والولوع، فيكونوا قد فازوا بقربه، وجازوا فخرا خيّر لتربه؟ ويا ليت شعري إذا لم يفعلوا ذلك، ولم يهتدوا هذه المسالك! هل قضوا حقّ الحزن، وسقوا جوانب الضّريح من عبراتهم بأمثال المزن؟ وهل اتصفوا بصفة الأسف، أو قنعوا منها بأن وصفوها؟ وهل تلافوا بقايا الأنفس، بعد المفقود الأنفس، وأتلفوها «١» ؟: [الطويل]
فكلّ أسى لا تذهب النفس عنده ... فما هو إلّا من قبيل التصنّع
يا قدّس الله مثوى ذلك المتوفّى، وما أظنّ الجزع تمّم «٢» حقّه ووفّى. ولو درى الزمن «٣» وبنوه، قدر من فقدوه، لوجدوا المفاجئ «٤» الفاجع أضعاف ما وجدوه، فقد فقدوا واحدا جامعا للعوالم، وماجدا رافعا لأعلام المعالي والمعالم، ومفدّى ثقل له في الفدا، ونفوس الأودّاء والأعدا، ومبكى ما قامت على مثله النّوائح، ولا حسنت إلّا فيه المراثي كما حسنت من قبل فيه المدائح. رحمة الله عليه ورضوانه، وريحان الجنان يحيّيه به رضوانه. من لي بلسان يقضي حقّ ندبته، وجنان يقضي بما فيه إلى جثّته «٥» وتربته، وقد نبّهني «٦» حزني عليه وبلّدني، وتملّكني حصر الحسرة عليه وتعبّدني. وأين يقع مهلهل البديه، مما يخفيه مهلهل الثّكل ويبديه؟ يمينا لو لبثت في كهف الرويّة ثلاثمائة سنين، واستمددت سواد ألسنة الفصحاء اللسنين، ما كنت في تأبين ذلك الفصل المبين من المحسنين، إلّا أني أتيت بالطريف «٧» من بيانه [المعلم المطارف] «٨» والتّليد، ورثيت رشد كماله برثائه كمال ابن رشد أبي الوليد، فأنشدت بنيه قوله فيه «٩» : [الطويل]
أخلّاي، إني من دموعي بزاخر ... بعيد عن الشّطين منه غريقه
وما كان ظنّي قبل فقد أبيكم ... بأنّ مصابا مثل هذا أطيقه
ولم أدر من أشقى الثلاثة بعده ... أأبناؤه أم دهره أم صديقه؟
ثم استوفيت تلك الأبيات والرسالة، وأجريت بترجيعها من دم الكبد ونجيعها عبراتي المسالة، فحينئذ كنت أوفّي المصاب واجبه، وأشفي صدورا صديّة شجيّة
стр. 1500
وقلوبا واجفة واجبة. ولو أن ما رثى به نفسه الكريمة من ثرّ إساءته «١» ، حين رأى الحين مغتصبا «٢» حشاشة مكرماته، أثار كامن وجدي بألفاظه المبكية، ومعانيه التي تحلّ من مزاد العيون الأوكية، لا هبّ لي رندا «٣» ، وأعقبني صفاة تندى، وأطمعني في أن يعود بكائي زبدا. فقد بلغني أنه لمّا»
وقف على ثنيّة المنيّة، وعرف قرب انتقال السّاكن من البنيّة، جمع بنات فكره، كما جمع شيبة الحمد بنات خدره، وقال: يا بنياتي، قد آن ليومي أن يأتي، فهل لكن أن ترينني «٥» ؟ فوضعن أكبادهن على الوشيج «٦» ، ورفعن أصواتهن بالنّشيج، وأقبلن «٧» يرجّعن الأناشيد، ويفجعن القريب والبعيد، حتى أومأ إليهنّ، بأن قضين ما عليهنّ، فيا إخوتاه «٨» ، ومثلي بهذا النداء نخي وتاه: أسهموا أخاكم في ميراث تلكم الكلم، واحموا «٩» فؤادا بالملمّ المؤلم قد كلم، ولا تقولوا يكفيه ميراث الأحزان، فتبخسوا وحاشاكم في الميزان، فإني وإن تناولتها باليدين، وغلبت عليها فإني صاحب الفريضة «١٠» والدّين، فإني لحظّي من ميراث الحكمة سائل، ومع أنّ لي حقّا فلي ذمم ووسائل، فابعثوا إليّ ما يطارحني في أشجاني، وأقف على رسمه فأقول شجاني، ولا أطلب من كلام ذلكم الإمام، العزيز فقده على الإسلام، قوله في التصبير، على الرزء الكبير، ووصاته، لئلّا يلزمني ولست بالمستطيع إصغاء للمطيع لأمره «١١» وإنصاته، فإن امتثلت، أصبت قتلي بما نثلت، وإن عصيت، أبعدت نفسي من رضاه وأقصيت، ولي في استصحاب حالي أمل، وما لم يرد خطاب لم يلزم عمل. على أني وإن صاب وابل دمعي وصب، وأصبحت بذكر المصاب الكلف الصّبّ، فلا أقول إلّا ما يرضي الربّ، فإني «١٢» أبكي عالما كبيرا، وعلما شهيرا، تسعدني في بكائه الملّة، وتنجدني بوجده «١٣» فأنا الكاتب وهي المملّة.
وأما أنتم أيها الإخوة الفضلاء، والصفوة الكرماء، فقد تلقيتم وصلته «١٤» المباركة شفاها، وداوى صدوركم بكلامه النافع وشفاها، فلا يسعكم إلّا الامتثال، والصبر الذي تضرب به الأمثال، فعزاء عزاء، وانتماء إلى التأسّي واعتزاء، وإن فضل رزء
стр. 1501
أرزاء، وكان جزء منه يعدل «١» أجزاء، فعلى قدرها تصاب العلياء، وأشدّ الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء. ذلك لتبيّن «٢» فضيلة الرّضا والتسليم، وتتعيّن صفات «٣» من يأتي الله بالقلب السّليم، ويعلم كيف يخلف «٤» الكريم للكريم، وكيف يحلّ الأجر العظيم، وهب الله لكم في مصابكم صبرا على قدره، وسكب ديم مغفرته على مثوى فقيدكم وقبره، وطيّب بعرف روضات الجنّات جنبات قصره، ونفعه بما كان أودعه من أسرار العلوم في صدره، وخلّفه منكم بكل سريّ بحلّة المجد من كل نديّ «٥» بصدره.
قلت: ذكر الشيخ ابن الخطيب في الأصل في هذه الترجمة «الأعيان والوزراء» ، ستة من أهل هذا البيت، كلّهم يسمون بهذا الاسم، عدا واحدا، فإنه سمي بسعيد، وذاك مما يدلّ على كثرة النباهة والأصالة والوجاهة، ﵏.
سليمان بن موسى بن سالم بن حسان بن أحمد ابن عبد السلام الحميري الكلاعي «٦»
بلنسي الأصل، يكنى أبا الربيع، ويعرف بابن سالم.
حاله: كان «٧» بقيّة الأكابر من أهل العلم بصقع الأندلس الشّرقي، حافظا للحديث، مبرّزا في نقده، تامّ المعرفة بطرقه، ضابطا لأحكام أسانيده، ذاكرا لرجاله «٨» ، ريّان من الأدب، كاتبا بليغا. خطب «٩» بجامع بلنسية واستقضي، وعرف بالعدل والجلالة، وكان مع ذلك من أولي الحزم والبسالة، والإقدام والجزالة
стр. 1502
والشهامة، يحضر الغزوات، ويباشر بنفسه القتال، ويبلى البلاء الحسن، آخرها الغزاة التي استشهد فيها.
مشيخته: روى «١» عن أبي القاسم بن حبيش وأكثر عنه، وأبي محمد بن عبيد الله، وأبي عبد الله بن زرقون، وأبي عبد الله بن حميد، وأبي بكر بن الجدّ، وأبي محمد بن سيد بونة، وأبي بكر بن مغاور، وأبي محمد عبد المنعم بن عبد الرحيم بن الفرس، وأبي بكر بن أبي جمرة، وأبي الحسن بن كوثر، وأبي خالد بن رفاعة، وأبي جعفر بن حكم، وأبي عبد الله بن الفخار، وأبي الحجاج بن الشيخ، وأبي عبد الله بن نوح، وأبي الحجاج بن أبي محمد بن أيوب، وأبي بكر عتيق بن علي العبدري، وأبي محمد عبد الوهاب بن عبد الصمد بن عتّاب الصّدفي، وأبي العباس بن مضاء، وأبي القاسم بن سمحون، وأبي الحسن عبد الرحمن بن أحمد بن ربيع الأشعري، وأبي زكريا الأصبهاني، وأبي بكر أسامة بن سليم، وأبي محمد عبد الحق الأزدي، وأبي محمد الشاذلي، وأبي الطاهر بن عوف، وأبي عبد الله الحضرمي، وجماعة غير هؤلاء من أهل المشرق والمغرب.
من روى عنه: روى «٢» عنه أبو بكر بن أبي جعفر بن عمر «٣» ، وعبد الله بن حزب الله، وأبو جعفر بن علي، وابن غالب «٤» ، وأبو زكريا بن العباس، وأبو الحسن طاهر بن علي، وأبو الحسين عبد الملك بن مفوز، وابن الأبّار، وابن الجنّان، وابن الموّاق، وأبو العباس بن هرقد، وابن الغمّاز، وأبو عمرو بن سالم، وأبو محمد بن برطلة، وأبو الحسن الرعيني، وأبو جعفر الطّنجالي، وأبو الحجاج بن حكم، وأبو علي بن الناظر.
تصانيفه: منها «٥» «مصباح الظّلم» في الحديث، و «الأربعون حديثا «٦» عن أربعين شيخا لأربعين من الصحابة «٧» » ، و «الأربعون السباعية «٨» » ، و «السباعيات من حديث الصدفي «٩» » ، و «حلية الأمالي، في المراقبات «١٠» العوالي» ، و «تحفة الوداد، ونجعة
стр. 1503
الرّوّاد «١» » ، و «المسلسلات والإنشادات «٢» » ، و «كتاب الاكتفاء في»
مغازي رسول الله، ومغازي الثلاثة الخلفاء» ، و «ميدان السابقين، وحلية «٤» الصّادقين المصدّقين» في غرض كتاب الاستيعاب، ولم يكمله، و «المعجم ممن «٥» وافقت كنيته زوجه من الصحابة» ، و «الإعلام بأخبار البخاري الإمام» ، و «المعجم في مشيخة أبي القاسم بن حبيش» ، و «برنامج رواياته» «٦» . و «جني الرطب في سني الخطب» ، و «نكتة الأمثال ونفثة السّحر الحلال» ، و «جهد النصيح، في معارضة المعرّي في خطبة الفصيح» ، و «الامتثال لمثال المنبهج «٧» في ابتداع الحكم واختراع الأمثال» ، و «مفاوضة القلب العليل ومنابذة الأمل الطويل بطريقة أبي العلاء المعري في ملقى السبيل» ، و «مجاز فتيا اللّحن للّاحن الممتحن» ، يشتمل على مائة مسألة ملغّزة، و «نتيجة الحب الصميم وزكاة المنثور والمنظوم» ، و «الصحف المنشرة، في القطع المعشّرة» ، و «ديوان رسائله» ، سفر متوسط، و «ديوان شعره» ، سفر «٨» .
شعره: من شعره ما كتب به إلى أبي بحر صفوان بن إدريس، عقب انفصاله من بلنسية عام سبعة وثمانين وخمسمائة «٩» : [الطويل]
أحنّ إلى نجد ومن حلّ في نجد ... وماذا الذي يغني حنيني أو يجدي؟
وقد أوطنوها وادعين وخلّفوا ... محبّهم رهن الصّبابة والوجد
تبيّن بالبين اشتياقي إليهم ... ووجدي فساوى ما أجنّ «١٠» الذي يبدي «١١»
وضاقت على الأرض حتى كأنها ... وشاح بخصر أو سوار على زند
стр. 1504
إلى الله أشكو ما ألاقي من الجوى ... وبعض الذي لاقيته من جوى يردي «١»
فراق أخلّاء وصدّ أحبّة ... كأنّ صروف الدهر كانت على وعد
فيا سرحتي نجد، نداء متيّم ... له أبدا شوق إلى سرحتي نجد
ظمئت، فهل طلّ يبرّد لوعتي؟ ... ضحّيت «٢» ، فهل ظلّ يسكّن من وجد؟
ويا زمنا قد مرّ «٣» غير مذمّم ... لعلّ الأنس قد تصرّم من ردّ
ليالي نجني الأنس من شجر المنى ... ونقطف زهر الوصل من شجر الصّدّ
وسقيا لإخوان بأكناف حائل «٤» ... كرام السّجايا لا يحولون عن عهد
وكم لي بنجد من سريّ ممجّد ... ولا كابن إدريس، أخي البشر والجدّ «٥»
أخو همّة كالزّهر في بعد نيلها ... وذو خلق كالزّهر غبّ الحيا العدّ «٦»
تجمّعت الأضداد فيه حميدة ... فمن خلق سبط ومن حسب جعد
أيا راحلا أودى بصبري رحيله ... وفلّل من عزمي وثلّم من حدّي «٧»
стр. 1505
أتعلم ما يلقى الفؤاد لبعدكم؟ ... ألا مذ نأيتم لا يعيد ولا يبدي «١»
فيا ليت شعري! هل تعود لنا المنى؟ ... وعيش كما نمنمت حاشيتي برد؟
عسى الله أن يدني السرور بقربكم ... فيبدو بنا الشّمل «٢» منتظم العقد
ومن شعره في النسيب وفقد الشباب «٣» : [الطويل]
توالت «٤» ليال للغواية جون ... ووافى صباح للرّشاد مبين
ركاب شباب أزمعت عنك رحلة ... وجيش مشيب «٥» جهّزته منون
ولا أكذب الرحمن فيما أجنّه «٦» ... وكيف وما «٧» يخفى عليه جنين «٨» ؟
ومن لم يخل أنّ الرّياء يشينه ... فمن مذهبي أن الرّياء يشين
لقد ريع قلبي للشّباب وفقده ... كما ريع بالعقد «٩» الفقيد ضنين «١٠»
وآلمني وخط المشيب بلمّتي ... فخطّت بقلبي للشجون فنون
وليل «١١» شبابي كان أنضر منظرا ... وآنق مهما لاحظته عيون
فآها «١٢» على عيش تكدّر صفوه ... وأنس خلا منه صفا وحجون
ويا ويح فودي أو فؤادي كلّما ... تزيّد شيبي كيف بعد يكون؟
حرام على قلبي سكون بغرّة «١٣» ... وكيف مع الشّيب الممضّ «١٤» سكون؟
وقالوا: شباب المرء شعبة جنّة ... فما لي عراني للمشيب «١٥» جنون؟
стр. 1506
وقالوا شجاك الشيب «١» حدثان ما أتى ... ولم يعلموا أنّ الحديث شجون»
وقال في الاستعانة والتوكل عليه «٣» : [الطويل]
أمولى الموالي ليس غيرك لي مولى ... وما «٤» أحد يا ربّ منك بذا أولى
تبارك وجه وجّهت نحوه المنى ... فأوزعها شكرا وأوسعها طولا
وما هو إلّا وجهك الدائم الذي ... أقلّ حلى عليائه يخرس القولا
تبرّأت من حولي إليك وقوّتي ... فكن قوتي في مطلبي وكن الحولا «٥»
وهب لي الرضا مالي سوى ذاك مبتغى ... ولا لقيت نفسي على نيله «٦» الهولا
وقال «٧» : [الطويل]
مضت لي سبع «٨» بعد عشرين «٩» حجّة ... ولي حركات بعدها وسكون
فيا ليت شعري كيف «١٠» أو أين أو متى ... يكون الذي لا بدّ أن سيكون؟
واستجاز المترجم به من يذكر بما نصه: المسؤول من السادة العلماء أئمة الدين، وهداة المسلمين، أن يجيزوا لمن ثبت اسمه في هذا الاستدعاء، وهم المولى الوزير العالم الفاضل الأشرف بهاء الدين أبو العباس أحمد ابن القاضي الأجل أبي عبد الرحمن بن علي البيساني، ولولديه أبي عبد الله، محمد، وأبي عبد الله الحسين وولده عبد الرحيم، ولأولاد ولده أبي الفتح حسن، وأبوي محمد عبد الرحمن ويوسف، ولمماليكه سنقر وأخيه الصغير وسنجر التركيون «١١» ، وأفيد وأقسر الروميان «١٢» ، ولكمال بن يوسف بن نصر بن ساري الطباخ، وللوجيه أبي الفخر بن بركات بن ظافر بن عساكر. ولأبي الحسن بن عبد الوهاب بن وردان، ولأبي البقاء
стр. 1507
خالد بن يوسف الشّاذلي ولولده محمد، ولمحمد بن يوسف بن محمد البزالي الإشبيلي ولولده، ولعبد العظيم بن عبد الله المندري ولولده أبي بكر، ولأبي الحسن بن عبد الله العطّار جميع ما يجوز لهم روايته من العلوم على اختلافها، وما لهم من نظم ونثر، وإن رأوا تعيين موالدهم ومشايخهم وإثبات أبيات يخفّ موقعها ثراه من الزلل، ومما يخالف الحق، فعلوا مأجورين. وكتب في العشر الأخر من شهر ربيع الآخر سنة ثلاثين وستمائة.
فكتب مجيزا بما نصه: قال سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي، وكتب بيده تجاوز الله عنه، وأقام بالعفو من أوده: إني لمّا وقفت على هذا الاستدعاء، أجاب الله في مستدعيه المسمى فيه صالح الدعاء، اقتضى حق المسؤول له، الوزير الأجل، العالم الأشرف الأفضل بهاء الدين أبو العباس ابن القاضي الأجل، الفاضل العلم الأوحد، ندرة الزمان، ولسان الدهر، وقسّ البيان، أبو «١» علي عبد الرحيم بن علي، أعلى الله قدره ورفعه، ووسم سلفه الكريم ونفعه، تأكيد الإسعاف، بحكم الإنصاف، له ولكل من سمي معه، فأطلقت الإذن لجميعهم، على تباعد أفكارهم وتدانيها، وتباين أقدارهم وتساويها، من أب سنيّ، وذرّية عريقة في النّسب العلي، ومماليك له تميّزوا بالنسب المولوي، وسمّين بعدهم، اعتلقوا من الرغبة في نقل العلم بالحبل المتين والسبب القوي. والله بالغ بجميعهم من تدارك الآمال أبعد الشّأو القصي، ويجريهم من مساعدة الإمكان، ومسالمة الزمان، على المنهج المرضي، والسنن السّوي، أن يحدّثوا بكل ما اشتملت عليه روايتي، ونظمته عنايتي، من مشهور الدواوين، ومنثور الأجزاء المنقولة عن ثقات الرّاوين، وغير ذلك من المجموعات في أي علم كان من علوم الدين، وكل ما يتعلق بها من قرب أو بعد مما يقع عليه التّعيين، وبما يصح عندهم نسبته إليّ من مجموع جمعته، ومنظوم نظمته، أو نثر صنعته. الإباحة العامة على ذلك آتية، ومقاصد الإسعاف لرغباتهم فيه مطاوعة وموافية، فليرووا عني من ذلك موفّقين، ما شاءوا أن يرووه، وليلتزموا في تحصيله أولا وأدائه ثانيا أوفى ما التزمه العلماء واشترطوه. ومن جلّه شيوخي وصدورهم الذين سمعت منهم، وأخذت بكل وجوه الأخذ عنهم، القاضي الإمام الخطيب العلّامة أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن يوسف بن حبيش، آخر أئمة المحدثين بالمغرب، ﵃. والإمام الحافظ الصدر الكبير أبو بكر محمد بن عبد الله بن يحيى بن فرج بن الجدّ الفهري. والفقيه المشاور القاضي المسند أبو عبد الله محمد بن أبي الطيب.
стр. 1508
والفقيه الحافظ أبو محمد عبد المنعم بن محمد بن عبد الرحيم الخزرجي. والقاضي الخطيب النحوي أبو عبد الله محمد بن جعفر بن حميد. والأستاذ الحافظ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن جمهور القيسي. والشيخ الراوية الثقة أبو محمد عبد الحق بن عبد الملك بن بونه بن سعيد بن عصام العبدري. والشيخ الصالح أبو جعفر أحمد بن حكم القيسي الحصّار الخطيب بجامع غرناطة. والفقيه القاضي الأجزل أبو العباس يحيى بن عبد الرحمن بن الحاج. والقاضي الفقيه الحسيب أبو بكر بن أبي جمرة.
والقاضي أبو بكر بن مغمور. والقاضي المسند أبو الحسين عبد الرحمن بن ربيع الأشعري. وسوى هؤلاء ممن سمعنا منه كثيرا، وكلهم أجازني روايته وما سمعه.
وقرأت على الخطيب أبي القاسم بن حبيش غير هذا وسمعت كثيرا، وتوفي، ﵀، بمرسية في الرابع عشر لصفر لسنة أربع وثمانين وخمسمائة. ومولده سنة أربع وخمسمائة، على ما أخبرني به، ﵀ ورضي عنه. ومما أخذته عن الحافظ أبي بكر بن الجدّ بإشبيلية بلده، موطّأ مالك، رواية يحيى بن يحيى القرطبي، أخبرني به عن أبي بحر سفيان بن العاصي الأسدي الحافظ، سماعا بأسانيده المعلومة. وتوفي الحافظ أبو بكر سنة ست وثمانين. وقرأت على الفقيه أبي عبد الله بن زرقون أيضا موطّأ مالك، وحدّثني به عن أبي عبد الله الخولاني إجازة، قال: سمعته على أبي عمرو عثمان بن أحمد بن يوسف اللخمي؛ عن أبي عيسى يحيى بن عبد الله بن أبي عيسى، عن أبيه عبيد الله بن يحيى الليثي، عن أبيه عن مالك بن أنس، رضي الله عن جميعهم. ولا يوجد اليوم بأندلسنا ومغربنا بأعلى من هذه الأسانيد. وممن كتب لي بالإجازة من ثغر الإسكندرية الإمام الحافظ مفتي الديار المصرية ورئيسها أبو الطاهر بن عوف، والفقيه الحاكم أبو عبد الله بن الحضرمي، والفقيه المدرس أبو القاسم بن فيرّه، وغيرهم، نفعنا الله بهم، ووفقنا للاقتداء بصالح مذهبهم. وأما المولد الذي وقع السؤال عنه، فإني ولدت على ما أخبرني أبواي، رحمهما الله، بقاعدة مرسية، مستهل رمضان المعظم سنة خمس وستين وخمسمائة «١» . ومما يليق أن يكتب في هذا الموضع ما أنشدني شيخنا «٢» الفقيه أبو بكر عبد الرحمن بن محمد بن مغاور، ﵀، في منزله بشاطبة سنة ست وثمانين وخمسمائة، وهو بقيّة مشيخة الكتّاب بالأندلس لنفسه، مما أعدّه ليكتب على قبره: [الخفيف]
أيها الواقف اعتبارا بقبري ... استمع فيه قول عظمي الرميم
أودعوني بطن الضريح وخافوا ... من ذنوب كلومها بأديم
стр. 1509
قلت: لا تجزعوا عليّ فإنّي ... حسن الظّنّ بالرؤوف الرحيم
ودعوني بما اكتسبت رهينا ... غلق الرّهن عند مولى كريم
انتهى. وكتب هذا بخطه في مدينة بلنسية، حماها الله، سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي، في الموفي عشرين لجمادى الآخرة سنة إحدى وثلاثين وستمائة.
والحمد لله رب العالمين.
وفاته: كان أبدا يقول: إن منتهى عمره سبعون سنة لرؤيا رآها في صغره، فكان كذلك، واستشهد في الكائنة على المسلمين بظاهر أنيشة «١» على نحو سبعة أميال منها؛ لم يزل متقدما أمام الصفوف زحفا إلى الكفار، مقبلا على العدو، ينادي بالمنهزمين من الجند: أعن الجنّة «٢» تفرّون؟ حتى قتل صابرا محتسبا، غداة يوم الخميس لعشر بقين من ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وستمائة.
ورثاه أبو عبد الله بن الأبّار، ﵀، بقوله «٣» : [الطويل]
ألمّا بأشلاء العلى والمكارم ... تقدّ بأطراف القنا والصّوارم
وعوجا عليها مأربا وحفاوة «٤» ... مصارع غصّت «٥» بالطّلا والجماجم
نحيّي «٦» وجوها في الجنان «٧» وجيهة ... بما لقيت «٨» حمرا وجوه الملاحم
стр. 1510
وأجساد إيمان كساها نجيعها «١» ... مجاسد «٢» من نسج «٣» الظّبى واللهازم «٤»
مكرّمة حتى عن الدّفن في الثرى ... وما يكرم الرحمن غير الأكارم
هم القوم راحوا للشهادة فاغتدوا «٥» ... وما لهم في فوزهم من مقاوم
تساقوا كؤوس الموت في حومة الوغى ... فمالت بهم ميل الغصون النّواعم
مضوا في سبيل الله قدما كأنما ... يطيرون من أقدامهم بقوادم
يرون جوار الله أكبر مغنم ... كذاك جوار الله أسنى المغانم
عظائم نالوها «٦» فخاضوا لنيلها ... ولا روع يثنيهم صدور العظائم
وهان عليهم أن تكون لحودهم ... متون الرّوابي أو بطون التّهائم
ألا بأبي تلك الوجوه سواهما ... وإن كنّ عند الله غير سواهم
عفا حسنها إلّا بقايا مباسم «٧» ... يعزّ علينا وطؤها بالمناسم
وسؤر أسارير تنير طلاقة ... فتكسف أنوار النجوم العواتم
следующие страницы →