← Тараджим

Тараджим · id 11682

الإحاطة في أخبار غرناطة

لسان الدين بن الخطيب

Полный текст (1 954 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

وقالوا شجاك الشيب «١» حدثان ما أتى ... ولم يعلموا أنّ الحديث شجون» وقال في الاستعانة والتوكل عليه «٣» : [الطويل] أمولى الموالي ليس غيرك لي مولى ... وما «٤» أحد يا ربّ منك بذا أولى تبارك وجه وجّهت نحوه المنى ... فأوزعها شكرا وأوسعها طولا وما هو إلّا وجهك الدائم الذي ... أقلّ حلى عليائه يخرس القولا تبرّأت من حولي إليك وقوّتي ... فكن قوتي في مطلبي وكن الحولا «٥» وهب لي الرضا مالي سوى ذاك مبتغى ... ولا لقيت نفسي على نيله «٦» الهولا وقال «٧» : [الطويل] مضت لي سبع «٨» بعد عشرين «٩» حجّة ... ولي حركات بعدها وسكون فيا ليت شعري كيف «١٠» أو أين أو متى ... يكون الذي لا بدّ أن سيكون؟ واستجاز المترجم به من يذكر بما نصه: المسؤول من السادة العلماء أئمة الدين، وهداة المسلمين، أن يجيزوا لمن ثبت اسمه في هذا الاستدعاء، وهم المولى الوزير العالم الفاضل الأشرف بهاء الدين أبو العباس أحمد ابن القاضي الأجل أبي عبد الرحمن بن علي البيساني، ولولديه أبي عبد الله، محمد، وأبي عبد الله الحسين وولده عبد الرحيم، ولأولاد ولده أبي الفتح حسن، وأبوي محمد عبد الرحمن ويوسف، ولمماليكه سنقر وأخيه الصغير وسنجر التركيون «١١» ، وأفيد وأقسر الروميان «١٢» ، ولكمال بن يوسف بن نصر بن ساري الطباخ، وللوجيه أبي الفخر بن بركات بن ظافر بن عساكر. ولأبي الحسن بن عبد الوهاب بن وردان، ولأبي البقاء

стр. 1507

خالد بن يوسف الشّاذلي ولولده محمد، ولمحمد بن يوسف بن محمد البزالي الإشبيلي ولولده، ولعبد العظيم بن عبد الله المندري ولولده أبي بكر، ولأبي الحسن بن عبد الله العطّار جميع ما يجوز لهم روايته من العلوم على اختلافها، وما لهم من نظم ونثر، وإن رأوا تعيين موالدهم ومشايخهم وإثبات أبيات يخفّ موقعها ثراه من الزلل، ومما يخالف الحق، فعلوا مأجورين. وكتب في العشر الأخر من شهر ربيع الآخر سنة ثلاثين وستمائة. فكتب مجيزا بما نصه: قال سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي، وكتب بيده تجاوز الله عنه، وأقام بالعفو من أوده: إني لمّا وقفت على هذا الاستدعاء، أجاب الله في مستدعيه المسمى فيه صالح الدعاء، اقتضى حق المسؤول له، الوزير الأجل، العالم الأشرف الأفضل بهاء الدين أبو العباس ابن القاضي الأجل، الفاضل العلم الأوحد، ندرة الزمان، ولسان الدهر، وقسّ البيان، أبو «١» علي عبد الرحيم بن علي، أعلى الله قدره ورفعه، ووسم سلفه الكريم ونفعه، تأكيد الإسعاف، بحكم الإنصاف، له ولكل من سمي معه، فأطلقت الإذن لجميعهم، على تباعد أفكارهم وتدانيها، وتباين أقدارهم وتساويها، من أب سنيّ، وذرّية عريقة في النّسب العلي، ومماليك له تميّزوا بالنسب المولوي، وسمّين بعدهم، اعتلقوا من الرغبة في نقل العلم بالحبل المتين والسبب القوي. والله بالغ بجميعهم من تدارك الآمال أبعد الشّأو القصي، ويجريهم من مساعدة الإمكان، ومسالمة الزمان، على المنهج المرضي، والسنن السّوي، أن يحدّثوا بكل ما اشتملت عليه روايتي، ونظمته عنايتي، من مشهور الدواوين، ومنثور الأجزاء المنقولة عن ثقات الرّاوين، وغير ذلك من المجموعات في أي علم كان من علوم الدين، وكل ما يتعلق بها من قرب أو بعد مما يقع عليه التّعيين، وبما يصح عندهم نسبته إليّ من مجموع جمعته، ومنظوم نظمته، أو نثر صنعته. الإباحة العامة على ذلك آتية، ومقاصد الإسعاف لرغباتهم فيه مطاوعة وموافية، فليرووا عني من ذلك موفّقين، ما شاءوا أن يرووه، وليلتزموا في تحصيله أولا وأدائه ثانيا أوفى ما التزمه العلماء واشترطوه. ومن جلّه شيوخي وصدورهم الذين سمعت منهم، وأخذت بكل وجوه الأخذ عنهم، القاضي الإمام الخطيب العلّامة أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن يوسف بن حبيش، آخر أئمة المحدثين بالمغرب، ﵃. والإمام الحافظ الصدر الكبير أبو بكر محمد بن عبد الله بن يحيى بن فرج بن الجدّ الفهري. والفقيه المشاور القاضي المسند أبو عبد الله محمد بن أبي الطيب.

стр. 1508

والفقيه الحافظ أبو محمد عبد المنعم بن محمد بن عبد الرحيم الخزرجي. والقاضي الخطيب النحوي أبو عبد الله محمد بن جعفر بن حميد. والأستاذ الحافظ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن جمهور القيسي. والشيخ الراوية الثقة أبو محمد عبد الحق بن عبد الملك بن بونه بن سعيد بن عصام العبدري. والشيخ الصالح أبو جعفر أحمد بن حكم القيسي الحصّار الخطيب بجامع غرناطة. والفقيه القاضي الأجزل أبو العباس يحيى بن عبد الرحمن بن الحاج. والقاضي الفقيه الحسيب أبو بكر بن أبي جمرة. والقاضي أبو بكر بن مغمور. والقاضي المسند أبو الحسين عبد الرحمن بن ربيع الأشعري. وسوى هؤلاء ممن سمعنا منه كثيرا، وكلهم أجازني روايته وما سمعه. وقرأت على الخطيب أبي القاسم بن حبيش غير هذا وسمعت كثيرا، وتوفي، ﵀، بمرسية في الرابع عشر لصفر لسنة أربع وثمانين وخمسمائة. ومولده سنة أربع وخمسمائة، على ما أخبرني به، ﵀ ورضي عنه. ومما أخذته عن الحافظ أبي بكر بن الجدّ بإشبيلية بلده، موطّأ مالك، رواية يحيى بن يحيى القرطبي، أخبرني به عن أبي بحر سفيان بن العاصي الأسدي الحافظ، سماعا بأسانيده المعلومة. وتوفي الحافظ أبو بكر سنة ست وثمانين. وقرأت على الفقيه أبي عبد الله بن زرقون أيضا موطّأ مالك، وحدّثني به عن أبي عبد الله الخولاني إجازة، قال: سمعته على أبي عمرو عثمان بن أحمد بن يوسف اللخمي؛ عن أبي عيسى يحيى بن عبد الله بن أبي عيسى، عن أبيه عبيد الله بن يحيى الليثي، عن أبيه عن مالك بن أنس، رضي الله عن جميعهم. ولا يوجد اليوم بأندلسنا ومغربنا بأعلى من هذه الأسانيد. وممن كتب لي بالإجازة من ثغر الإسكندرية الإمام الحافظ مفتي الديار المصرية ورئيسها أبو الطاهر بن عوف، والفقيه الحاكم أبو عبد الله بن الحضرمي، والفقيه المدرس أبو القاسم بن فيرّه، وغيرهم، نفعنا الله بهم، ووفقنا للاقتداء بصالح مذهبهم. وأما المولد الذي وقع السؤال عنه، فإني ولدت على ما أخبرني أبواي، رحمهما الله، بقاعدة مرسية، مستهل رمضان المعظم سنة خمس وستين وخمسمائة «١» . ومما يليق أن يكتب في هذا الموضع ما أنشدني شيخنا «٢» الفقيه أبو بكر عبد الرحمن بن محمد بن مغاور، ﵀، في منزله بشاطبة سنة ست وثمانين وخمسمائة، وهو بقيّة مشيخة الكتّاب بالأندلس لنفسه، مما أعدّه ليكتب على قبره: [الخفيف] أيها الواقف اعتبارا بقبري ... استمع فيه قول عظمي الرميم أودعوني بطن الضريح وخافوا ... من ذنوب كلومها بأديم

стр. 1509

قلت: لا تجزعوا عليّ فإنّي ... حسن الظّنّ بالرؤوف الرحيم ودعوني بما اكتسبت رهينا ... غلق الرّهن عند مولى كريم انتهى. وكتب هذا بخطه في مدينة بلنسية، حماها الله، سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي، في الموفي عشرين لجمادى الآخرة سنة إحدى وثلاثين وستمائة. والحمد لله رب العالمين. وفاته: كان أبدا يقول: إن منتهى عمره سبعون سنة لرؤيا رآها في صغره، فكان كذلك، واستشهد في الكائنة على المسلمين بظاهر أنيشة «١» على نحو سبعة أميال منها؛ لم يزل متقدما أمام الصفوف زحفا إلى الكفار، مقبلا على العدو، ينادي بالمنهزمين من الجند: أعن الجنّة «٢» تفرّون؟ حتى قتل صابرا محتسبا، غداة يوم الخميس لعشر بقين من ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وستمائة. ورثاه أبو عبد الله بن الأبّار، ﵀، بقوله «٣» : [الطويل] ألمّا بأشلاء العلى والمكارم ... تقدّ بأطراف القنا والصّوارم وعوجا عليها مأربا وحفاوة «٤» ... مصارع غصّت «٥» بالطّلا والجماجم نحيّي «٦» وجوها في الجنان «٧» وجيهة ... بما لقيت «٨» حمرا وجوه الملاحم

стр. 1510

وأجساد إيمان كساها نجيعها «١» ... مجاسد «٢» من نسج «٣» الظّبى واللهازم «٤» مكرّمة حتى عن الدّفن في الثرى ... وما يكرم الرحمن غير الأكارم هم القوم راحوا للشهادة فاغتدوا «٥» ... وما لهم في فوزهم من مقاوم تساقوا كؤوس الموت في حومة الوغى ... فمالت بهم ميل الغصون النّواعم مضوا في سبيل الله قدما كأنما ... يطيرون من أقدامهم بقوادم يرون جوار الله أكبر مغنم ... كذاك جوار الله أسنى المغانم عظائم نالوها «٦» فخاضوا لنيلها ... ولا روع يثنيهم صدور العظائم وهان عليهم أن تكون لحودهم ... متون الرّوابي أو بطون التّهائم ألا بأبي تلك الوجوه سواهما ... وإن كنّ عند الله غير سواهم عفا حسنها إلّا بقايا مباسم «٧» ... يعزّ علينا وطؤها بالمناسم وسؤر أسارير تنير طلاقة ... فتكسف أنوار النجوم العواتم

стр. 1511

لئن وكفت فيها الدموع «١» سحائبا ... فعن بارقات لحن فيها لشائم ويا بأبي تلك الجسوم نواحلا ... بإجرائها نحو الأجور الجسائم تغلغل فيها كلّ أسمر ذابل ... فجدّل «٢» منها كلّ أبيض ناعم فلا يبعد الله الذين تقرّبوا ... إليه بإهداء النفوس الكرائم مواقف أبرار قضوا من جهادهم ... حقوقا عليهم كالفروض اللّوازم أصيبوا وكانوا في العبادة أسوة ... شبابا وشيبا بالغواشي «٣» الغواشم فعامل رمح دقّ في صدر عامل ... وقائم سيف قدّ في رأس قائم ويا ربّ صوّام الهواجر واصل ... هنالك مصروم الحياة بصارم ومنقذ عان في الأداهم راسف ... ينوء برجلي راسف في الأداهم أضاعهم يوم الخميس حفاظهم ... وكرّهم في المأزق المتلاحم سقى الله أشلاء بسفح أنيشة ... سوافح تزجيها ثقال الغمائم وصلّى عليها أنفسا طاب ذكرها ... فطيّب «٤» أنفاس الرّياح النّواسم

стр. 1512

لقد صبروا فيها كراما وصابروا ... فلا غرو أن فازوا بصفو المكارم وما بذلوا إلّا نفوسا كريمة «١» ... تحنّ إلى الأخرى حنين الرّوائم «٢» ولا فارقوا «٣» والموت يتلع جيده ... فحيث «٤» التقى الجمعان صدق العزائم بعيشك طارحني الحديث عن التي ... أراجع فيها بالدموع السّواجم «٥» وما هي إلّا غاديات فجائع ... تعبّر عنها رائحات مآتم جلائل دقّ الصّبر فيها فلم نطق «٦» ... سوى غضّ أجفان وغضّ «٧» أباهم أبيت لها تحت الظلام كأنّني ... رميّ نصال أو لديغ أراقم أغازل من برح الأسى غير بارح ... وأزجر «٨» من سأم «٩» البكا غير سائم وأعقد بالنجم المشرّق ناظري ... فيغرب عني ساهرا غير نائم وأشكو إلى الأيام سوء صنيعها ... ولكنها شكوى إلى غير راحم

стр. 1513

وهيهات هيهات العزاء ودونه ... قواصم شتّى أردفت بقواصم ولو برّد السّلوان حرّ جوانحي ... لآثرت عن طوع سلوّ البهائم ومن لي بسلوان يحلّ منفّرا ... بجاث من الأرزاء حولي جاثم وبين الثّنايا والمخارم رمّة ... سرى في الثّنايا طيبها والمخارم بكتها المعالي والمعالم جهدها ... فمن «١» للمعالي بعدها والمعالم؟ سعيد صعيد لم ترمه قرارة ... وأعظم بها وسط العظام الرّمائم كأن دما أذكى أديم ترابها ... وقد مازجته الرّيح مسك اللّطائم يشقّ على الإسلام إسلام مثلها ... إلى خامعات بالفلا وقشاعم كأن لم تبت تغشى «٢» السّراة «٣» قبابها ... ويرعى حماها الصّيد رعي السّوائم سفحت عليها الدّمع أحمر وارسا ... كما تنثر «٤» الياقوت أيدي النّواظم وسامرت فيها الباكيات نوادبا ... يؤرّقن تحت الليل ورق الحمائم وقاسمت في حمل الرّزيّة أهلها «٥» ... وليس قسيم البرّ غير المقاسم

стр. 1514

فوا أسفا «١» للدّين أعضل «٢» داؤه ... وآيس من أسّ «٣» لمسراه حاسم ويا أسفا «٤» للعلم أقوت «٥» ربوعه ... وأصبح مهدود «٦» الذّرى والدّعائم قضى حامل الآثار «٧» من آل يعرب ... وحامي هدى المختار من آل هاشم خبا الكوكب الوقّاد إذ متع الضّحى ... ليخبط «٨» في ليل من الجهل فاحم وخانت «٩» مساعي السّامعين حديثه ... كما شاء يوم الحادث المتفاقم فأيّ بهاء غار ليس بطالع ... وأيّ سناء غاب ليس بقادم سلام على الدّنيا إذا لم يلح بها ... محيّا سليمان بن موسى بن سالم وهل في حياتي متعة بعد موته ... وقد أسلمتني للدّواهي الدّواهم؟ فهأناذا في حرب «١٠» دهر محارب ... وكنت به في أمن دهر مسالم أخو العزّة القعساء كهلا ويافعا ... وأكفاؤه ما بين راض وراغم

стр. 1515

تفرّد بالعلياء علما وسؤددا ... وحسبك من عال على الشّهب عالم معرّسه فوق السّهى «١» ومقيله ... ومورده قبل النّسور الجواثم «٢» بعيد مداه لا يشقّ غباره ... إذا فاه فاض السّحر ضربة لازم يفوّض منه كلّ ناد ومنبر ... إلى ناجح مسعاه في كلّ ناجم متى صادم «٣» الخطب الملمّ بخطبة «٤» ... كفى صادما منه بأكبر صادم له منطق سهل النّواحي قريبها ... فإن رمته ألفيت صعب الشّكائم وسحر بيان فات كلّ مفوّه ... فبات عليه قارعا سنّ نادم وما الروض حلّاه بجوهره النّدى ... ولا البرد وشّته «٥» أكفّ الرّواقم بأبدع حسنا في «٦» صحائفه التي ... تسيّرها أقلامه «٧» في الأقالم يمان كلاعيّ نماه إلى العلا ... تمام حواه قبل عقد التّمائم يروق رواق الملك في كلّ مشهد ... ويحسن وسما في وجوه المواسم

стр. 1516

ويكثر أعلام البسيطة وحده ... كمال مثال «١» أو جمال مقاوم لعا لزمان عاثر من خلاله «٢» ... بواق «٣» من الجلّى أصيب بواقم مناد إلى دار السلام منادم ... بها الحور، واها للمنادي المنادم أتاه رداه مقبلا غير مدبر ... ليحظى بإقبال من الله دائم إماما لدين أو قواما لدولة ... تولّى ولم تلحقه لومة لائم فإن «٤» عابه حسّاده شرقا به ... فلن تعدم الحسناء ذاما بذائم «٥» فيا أيها المخدوم سامي «٦» محلّه ... فدى لك من ساداتنا كلّ خادم ويا أيها المختوم بالفوز سعيه ... ألا إنما الأعمال حسن الخواتم هنيئا لك الحسنى من الله إنها ... لكلّ تقيّ خيمه، غير خائم تبوّأت جنّات النعيم ولم تزل ... نزيل الثّريّا قبلها والنعائم «٧» ولم تأل عيشا راضيا أو شهادة ... ترى ما عداها في عداد المآتم

стр. 1517

لعمري «١» ما يبلى بلاؤك في العدا ... وقد جرّت «٢» الأبطال ذيل «٣» الهزائم وتالله «٤» لا ينسى مقامك في الوغى ... سوى جاحد نور الغزالة كاتم لقيت الرّدى في الرّوع جذلان باسما ... فبوركت من جذلان في الرّوع باسم وحمت على الفردوس حتى وردته ... ففزت بأشتات المنى فوز غانم أجدّك لا تثني عنانا لأوبة ... أداوي بها برح الغليل المداوم ولا أنت بعد اليوم واعد هبّة ... من النوم تحدوني إلى حال حالم لسرعان ما قوّضت رحلك ظاعنا ... وسرت على غير النواجي «٥» الرّواسم وخلّفت من يرجو دفاعك يائسا ... من النّصر أثناء الخطوب الضّوائم «٦» كأنّي للأشجان فوق هواجر ... بما عادني من عاديات هواجم عدمتك مفقودا «٧» يعزّ نظيره ... فيا عزّ معدوم ويا هون عادم

стр. 1518

ورمتك مطلوبا فأعيا مناله ... وكيف بما أعيا «١» منالا لرائم؟ وإني لمحزون الفؤاد صديعه ... خلافا لسال قلبه منك سالم وعندي إلى لقياك شوق مبرّح ... طواني من حامي الجوى فوق جاحم وفي خلدي والله ثكلك خالد ... أليّة برّ لا أليّة آثم ولو أنّ في قلبي مكانا لسلوة ... سلوت ولكن لا سلوّ لهائم ظلمتك أن لم أقض نعماك حقّها ... ومثلي في أمثالها غير ظالم يطالبني فيك الوفاء بغاية ... سموت لها حفظا لتلك المراسم فأبكي لشلو بالعراء كما بكى ... زياد لقبر بين بصرى وجاسم «٢» وأعبد أن يمتاز دوني عبدة ... بعلياء في تأبين قيس بن عاصم «٣» وهذي المراثي قد وفيت برسمها ... مسهّمة جهد الوفيّ المساهم

стр. 1519

فمدّ إليها رافعا يد قابل ... أكبّ عليها خافضا فم لاثم «١» ومن القضاة في هذا الحرف سلمون بن علي بن عبد الله بن سلمون الكناني «٢» من أهل غرناطة، يكنى أبا القاسم، ويدعى باسم جده سلمون، وقد مرّ ذكر أبيه وأخيه. حاله: من أهل العلم والهدى الحسن والوقار، قديم العدالة، متعدّد الولاية، مضطلع بالأحكام، عارف بالشروط، صدر وقته في ذلك، وسابق حلبته إلى الرواية والمشاركة والتّبجّح في بيت الخير والحشمة وفضل الأبوة والأخوة. قلّ في الأندلس مكان شذّ عن ولايته، وناب عن القضاة بالحضرة، فحمد نفاذه، وحسنت سيرته. ثم ولّي مستبدّا في الدولة الباغية، وخاض في بعض أهوائها، بما جرّ عليه عتبا، فعقبه الإعتاب عن كثب. تواليفه: ألّف في الوثائق المرتبطة بالأحكام كتابا مفيدا، نسبه بعض معاصريه إلى أنّه قيّده عن شيخه أبي جعفر بن فركون، ودوّن مشيخته. مشيخته: أجازه «٣» الراوية المعمر أبو محمد بن هارون الطائي، والشيخ المسن أبو جعفر أحمد بن عيسى بن عياش المالقي، والشيخ الأديب أبو الحكم ابن المرحّل، والعدل أبو بكر بن إسحاق التجيبي، والقاضي أبو العباس بن الغمّاز، والفرضي أبو إسحاق التّلمساني، وأبو الحسن بن عبد الباقي بن الصواف، والمحدّث أبو محمد الخلاسي، والراوية أبو سلطان جابر بن محمد بن قاسم بن حيّان القيسي، والوزير أبو محمد بن سماك، والشيخ المدرّس بالديار المصرية أبو محمد الدّمياطي، والمقرئ الرّاوية أبو عبد الله بن عيّاش، وأبو الحسن بن مضاء، والمحدّث أبو عبد الله بن النجار، وأبو زكريا بن عبد الله بن محرز، والمقرئ أبو بكر بن عبد الكريم بن صدقة السّفاقسي، والشيخ زين الدين أبو عبد الله محمد بن الحسن القرشي العوني، وأبو القاسم الأيسر الجذامي، وشهاب الدين الأبرقوسي،

стр. 1520

والعدل أبو فارس الهواري، وأبو الكرم الحميري، وأبو الفدا بن المعلم، والشريف أبو الحسن القرافي، وأبو عبد الله بن رحيمة، والشيخ أبو عبد الله بن اللبيدي، وأبو الحسن بن عطية البودري، وأبو محمد بن سعيد المسرّاتي، وأبو عبد الله بن عبد الحميد، والخطيب أبو الحسن بن السفّاح الرّندي، وأبو محمد بن عطية، والوزير أبو عبد الله بن أبي عامر بن ربيع، والعدل أبو الحسن بن مستقور، والخطيب أبو عبد الله بن شعيب، والشريف أبو علي بن طاهر بن أبي الشرف، والأستاذ أبو بكر بن عبيدة. وقرأ على الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، وبرنامج رواياته نبيه. مولده «١» : عام خمسة وثمانين وستمائة «٢» . ومن المحدّثين والفقهاء وسائر الطلبة النجباء بين أصلي وغيره: سعيد بن محمد بن إبراهيم بن عاصم بن سعيد الغساني «٣» من أهل غرناطة، يكنى أبا عثمان. حاله: هذا الرجل من أهل الذكاء والمعرفة والإدراك، يقوم على الكتاب العزيز حفظا وتدريسا، ويشارك في فنون؛ من أصول وفقه وحساب وتعديل، ومعرفة بالإلمامات الشّعاعية. يكتب خطّا حسنا، وينظم الشعر، ويحفظ الكثير من النّتف والأخبار، مقتصد، منقبض عن الناس، مشتغل بشأنه، قيد الكثير، يسير إليّ لزمانة أصابت أختها، بما يدل على نشاطه وهمته. مشيخته: قرأ على الأستاذ الخطيب أبي القاسم بن جزي، ورحل إلى العدوة، فلقي بفاس وتلمسان جملة، كالأستاذ أبي إسحاق السّلاوي التلمساني، وأبي العباس أحمد بن عبد الرحمن المكناسي من أهل فاس، والحاج ابن سبيع، وغيرهم. واستدعيته لتأديب ولدي، أسعدهم الله، فبلوت منه على السنين، نضحا وسلامة ودينا وعفّة.

стр. 1521

شعره: جرى ذكره «١» في «الإكليل الزاهر» بما نصّه «٢» : ممن «٣» يتشوّق إلى المعارف «٤» والمقالات، ويتشوّف «٥» إلى الحقائق والمجالات «٦» ، ويشتمل على نفس رقيقة، ويسير من تعليم القرآن على خير طريقة، ويعاني من الشّعر ما يشهد بنبله، ويستظرف «٧» من مثله. فمن شعره قوله: [الكامل] لمّا نأوا في الظّاعنين وساروا ... أضحت قلوب العاشقين تحار تركوهم في ظلمة وتوحّش ... ما انجابت الأضواء والأنوار ذهبوا فأبقوا كلّ عقل ذاهلا ... ولكل قلب بالنّزوح مطار ظعنوا وقد فتنوا الورى بجمالهم ... عبثوا بأفئدة الأنام وحاروا «٨» ما ضرّهم قبل «٩» النّوى لو ودّعوا ... ما ضرّهم لو أعلموا إذ ساروا «١٠» فقلوبنا من بعدهم في فجعة ... ودموعنا من بعدهم أمطار يا دار، أين أحبّتي ووصالنا؟ ... أين الذي كنّا به يا دار؟ كنا نذيع به عبير حديثنا ... وكلامنا الألطاف والأشعار والطّير تتلو فوقنا نغماتها ... والدهر يسمح والمدام تدار ولطالما بتنا وبات رقيبنا ... في غفلة قضيت بها الأوطار هل نحن في «١١» زمن تقادم عهده ... نلنا به «١٢» النّعمى ونحن صغار؟ فلا تذر على الوصال وابكين «١٣» ... ما دامت الآصال والأسحار ومن المقطوعات: [الطويل] وكم عذلوني في هواه وما رأوا ... محيّاه حتى عاينوه وسلّموا وقالوا: نعم هذا الكمال حقيقة ... فحطّوا وجاءوا صاغرين وسلّموا وكتب إليّ صحبة كتاب أعرته إياه، عقب الفراغ من مطالعته: [السريع] هذا كتاب كلّه «١٤» معجم ... أفحمني معناه إفحاما

стр. 1522

أعجمه منشئه أوّلا ... وزاده النّاسخ إعجاما أسقط من إجماله جملة ... وزاد في التفصيل أقساما وغيّر الألفاظ عن وضعها ... وصيّر الإيجاد إعداما فليس في إصلاحه حيلة ... ترجى ولو قوبل أعواما نثره: كتب إليّ شافعا في الولد، وأنا واجد عليه: من حلّ محلّ السيد نادرة الزمان، وسابق حلبة البيان، في رسوخ العلم، والسّمو في درجة الحلم، وأرضعته الحكم درّتها، وقلّدته المعارف دررها، وجلت عليه بدرها، وجلبت إليه بذرها، كان بالحنوّ والرأفة خليقا، وأن يهبّ نسيمه لدنا رفيقا، وأن يتعاهد بالعطف غرسا في زاكي تربته ظلي، وإلى محتده المنجب وفضله المنجب انتمى، فيلحفه من الرحمة جناحا، ويطلع عليه في ليل الوحشة المؤلمة من نور صفحه عن حفوته مصباحا، والذنب إذا لم يكن عقوقا ولا سوء أدب، وكان في المماليك والقيم المالية مغتفر عند الأكابر مثله من ذوي الرتب، وقد بلغ في الاعتراف غاية المدى، واندمل الجرح الذي أصابته المدى، البون واضح في المقاييس، بين المرؤوس والرئيس، وشتّان بين الزيف والجوهر النفيس. ومع أن الولد كمد فهو للنفس ريحانة، وفي فصّ خاتم الإنسان جمانة، وقد نال منه هذا الإمضاء، والصارم يتخذ فيزيد منه المضاء، وهو يرتجي كل ساعة أن يفد عليه البشير برضاك فيستأنف جهورا، وينقلب إلى أهله مسرورا، والله يبقيك والوزارة ترفل منك في مظهر حلل، ويريك في نفسك وبنيك غاية الأمل. مولده: التاسع لذي الحجة عام تسعة وتسعين وستمائة، وهو الآن على حاله الموصوفة. ومن الكتاب والشعراء سهل بن طلحة من أهل غرناطة، يكنى أبا الحسن. حاله: كان ظريفا، عنده مشاركة في الطّلب. مدح ولي العهد أبا عبد الله بن الغالب بالله بشعر وسط، فمن ذلك قوله من قصيدة أولها: [الكامل] أنا للغرام وللهوى مدفوع ... فمتى السّلوّ ووصلها ممنوع؟ يقول أيضا منها بعد كثير: يا حبّذا دار لزينب باللّوى ... حيث الفؤاد على الهوى مطبوع

стр. 1523

يا حادي العيس التفت نحو اللّوى ... إني بسكان اللّوى مفجوع وعج المطيّ بلعلع وبرامة «١» ... فهناك قلب للشّجيّ مروع أطلال آرام وبيض خرّد ... هنّ الأهلّة بالجيوب طلوع في ظبية من بينهنّ تصدّني ... حسنا ولي أبدا إليه نزوع حوراء جائرة عليّ بحكمها ... ظلما وإنّي مذعن وسميع تفنى الليالي والزمان وأنقضي ... كمدا ولا نبأ لها مسموع يا «٢» ليت! هل دهر يعود بوصلها ... فيكون للعيش الخصيب رجوع؟ وتعود أيام السّرور كمثل ما ... قد عاد روح حياتها والروع؟ فقدوم مولانا الأمير محمد «٣» ... خير الملوك ومن له التّرفيع وفاته: كان حيّا سنة اثنتين وخمسين وستمائة. سالم بن صالح بن علي بن صالح بن محمد الهمداني «٤» من أهل مالقة، يكنى أبا عمرو، ويعرف بابن سالم. حاله: قال الأستاذ أبو جعفر بن الزّبير: كان أديبا مقيّدا، كتب بخطّه كثيرا، وانتسخ أجزاء عدّة، واجتهد وأكثر، وكان متبذّلا في لباسه، متواضعا، مقتصدا، مليح المجالسة، حسن العشرة، جليل الأخلاق، فاضل الطبع. مشيخته: روى «٥» عن الحافظ أبي عبد الله بن الفخّار، وأبي زيد «٦» السهيلي، وأبي الحجاج بن الشيخ، وأبي جعفر بن حكم، وأبي بكر بن الجدّ، وأبي عبد الله بن زرقون، وأبي محمد بن عبيد الله. وشارك في كثير من شيوخه أبا محمد القرطبي، وكان يناهضه. دخوله غرناطة: دخلها وأقام بها وأخذ عن شيوخها وتردّد إليها. شعره: قال في رمح: [الوافر] أنا الرّمح المعدّ إلى النوائب ... فصاحبني تجدني خير صاحب

стр. 1524

لئن فخر اليراع بكتب خطّ ... فإنّ الخطّ «١» فخر بالكتائب ومما كتب له ابن خميس قوله: [الوافر] إلهي قد عصينا منك ربّا ... تعالى «٢» أن يقابل بالمعاصي فكيف خلوصنا من هول يوم ... تشيب لهوله سود النّواصي؟ وجلب شعرا كثيرا دون شهرته، وما ذكر به. وتوفي بمالقة ليلة الاثنين لثماني «٣» عشرة ليلة خلت من رمضان المعظم سنة عشرين وستمائة «٤» . حرف الهاء من الملوك والأمراء هشام بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن الناصر لدين الله بن محمد بن عبد الله «٥» أخو المرتضى المتقدم الذّكر «٦» ، يكنى أبا بكر، ويلقّب بالمعتد بالله، الخليفة بقرطبة. صفته: أبيض أصهب، إلى الأدمة، سبط الشعر، أخنس، خفيف العارض واللّحية، حسن الجسم، إلى قصر، أمّه أم ولد تسمّى عاتبا. حاله: بويع له بالثّغر «٧» ، فقرطبة أيام استقراره بحصن ألبنت «٨» ، عند صاحبه عبد الله بن قاسم الفهري. قال ابن حيان، ثالبا إياه على عادته «٩» : قلّد الأمر في سنّ الشيخوخة، وكان معروفا بالشّطارة في شبابه، وأقلع «١٠» فرجي فلاحه. وقال: دخل

стр. 1525

قرطبة «١» في زيّ تقتحمه العين، وهنا وقلّة، عديم «٢» رواء وبهجة، وعدد وعدّة، فوق فرس دون مراكب الملوك، بحلية مختصرة، سادلا سمل غفارة على ما تحتها من كسوة رثّة، قدّامه سبع جنائب «٣» من خيل العامريين دون علم ولا مضطرد، يسير هونا والناس ينظرون إليه، ويصيحون بالدّعاء في وجهه. فدخل القصر، وقلّد حكما المعروف بالقزاز الأعمال والأمر، وأطلق يده في المال، وهو الذي يقول فيه الشاعر «٤» : [مخلع البسيط] هبك كما تدّعي وزيرا ... وزير من أنت يا وزير؟ والله ما للأمير معنى ... فكيف من وزّر «٥» الأمير؟ وضعف «٦» أمره، وآثر الناس الوثوب على وزيره، فأوقع به طائفة من الجند، وثارت العامة بهشام فخلع في خبر طويل، ودخل غرناطة مع أخيه المرتضى، ولحق يوم هزيمته بظاهرها، بحصن ألبنت إلى أن بويع له بقرطبة يوم الأحد لخمس بقين من ربيع الآخر سنة ثماني عشرة وأربعمائة. محنته: ثارت العامة به بقرطبة كما تقدم، ملتفّة على أمية بن عبد الرحمن بن هشام بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر، يوم الثلاثاء الثاني عشر لذي حجة من سنة اثنتين وأربعمائة، بسوء تدبير وزيره، وبادر الاعتصام بعلية القصر، وأنزل منها إلى ساباط الجامع بالأمان، فيمن تألّف إليه من ولده وحريمه، فحدّث بعض سدنة الجامع أنّ أوّل ما سأل الشيوخ، إحضار كسيرة من خبز يسدّ جوع طفيلة له كان قد احتضنها، ساترا لها بكمه من قرّ ليلته تلك، كانت تشكو الجوع ذاهلة عما أحاط به، فأبكى من كلّمه اعتبارا بعادية الدهر. وأخرج إلى حصن ابن الشرف إلى أن هلك. وفاته: في صفر ثمان وعشرين وأربعمائة «٧» . وسنّه نحو أربع «٨» وستين سنة. وكان آخر ملوك «٩» بني أمية بالأندلس.

стр. 1526

ومن ترجمة الأعيان والكبرا والأماثل والوزرا هاشم بن أبي رجاء الإلبيري الوزير، يكنى أبا خالد. حاله: كان من عظماء أهل إلبيرة وحليتهم، وهو الذي عاد الفقيه الزاهد أبا إسحاق بن مسعود الإلبيري «١» في مرضه، وعذله على رداءة مسكنه، وقال له: لو سكنت دارا خيرا من هذه لكانت أولى لك، فأجابه، ﵀، بقوله «٢» : [مخلع البسيط] قالوا: ألا تستجيد بيتا ... تعجب من حسنه البيوت؟ فقلت: ما ذاكم صواب ... حفش «٣» كثير لمن يموت لولا شتاء ولفح قيظ ... وخوف لصّ وحفظ قوت ونسوة يبتغين كنّا «٤» ... بنيت بنيان عنكبوت وأيّ معنى لحسن مغنى ... ليس لسكّانه ثبوت ما وعظ «٥» القبر لو عقلنا ... موعظة الناطق «٦» الصموت يومي إلى ممتطي الحنايا ... ما لك عن مضجعي عميت؟ نسيت يومي وطول نومي ... وسوف تنسى كما نسيت وسدت يا هادمي قصورا ... نعمت فيهنّ كيف شيت معتنقا للحسان فيها ... مستنشقا مسكها الفتيت تسحب ذيل الصّبا وتلهو ... بآنسات يقلن هيت

стр. 1527

فاذكر سهادي قبل التّنادي «١» ... واسهد له قبل أن يفوت فعن قريب يكون ظعني ... سخطت يا صاح أم رضيت حرف الياء الملوك والأمراء يوسف بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل بن يوسف بن نصر الأنصاري الخزرجي «٢» أمير المسلمين بالأندلس، أبو الحجّاج. حاله وصفته: كان «٣» أبيض أزهر، أيّدا، برّاق الثنايا، أنجل، رجل الشّعر أسوده، كثّ اللحية، تقع العين منه على بدر تمام، يفضل الناس بحسن المرأى وجمال الهيئة كما يفضلهم مقاما ورتبة، عذب اللسان، وافر العقل، عظيم الهيبة، إلى ثقوب الذهن، وبعد الغور، والتفطّن للمعاريض، والتّبريز في كثير من الصنائع العملية، مائلا إلى الهدنة، مزجيا للأمور، كلفا بالمباني والأثواب، جمّاعة للحلي والذّخيرة، مستميلا لمعاصريه من الملوك. تولّى الملك بعد أخيه بوادي السّقائين من ظاهر الخضراء، ضحوة يوم الأربعاء الثالث عشر من ذي الحجة عام ثلاثة «٤» وثلاثين وسبعمائة، وسنّه إذ ذاك خمسة عشر عاما وثمانية أشهر. واستقلّ «٥» بالملك، واضطلع بالأعباء، وتملّأ الهدنة ما شاء. وعظم مرانه لمباشرة الألقاب، ومطالعة الرسم، فجاء نسيج وحده، ثم عانى شدائد العدو، فكرم يوم الوقيعة العظمى بظاهر طريف موقعه «٦» ، وحمد بعد في منازلة الطّاغية عند الجثوم على الجزيرة «٧» صبره، وأجاز البحر في شأنها، فأفلت من مكيدة العدو التي تخطّاها أجله، وأوهن حبلها «٨» سعده. ولما نفذ فيها «٩» القدر، وأشفت الأندلس، سدّد الله أمور «١٠» المسلمين بها على يده،

стр. 1528

وراخى مخنّق الشّدة بسعيه، فعرفت الملوك رجاحته، وأثنت على قصده، إلى حين وفاته «١» . أمه: أم ولد تسمى بهارا، طرف في الخير والصون والرجاحة. ولده: كان له ثلاثة من الولد، كبيرهم محمد أمير المسلمين من بعده، وتلوه أخوه إسماعيل «٢» المستقر في كنفه، محجورا عليه التصرف إلى أعمال التدبير، وثالثهم اسمه قيس، شقيق إسماعيل. وزراء دولته: تولّى وزارته لأول أمره، كبير الأكرة ونبيه الدهّاقين «٣» ، من منتجعي المدر بحضرته، أبو إسحاق بن عبد البر، لمخيّلة طمع نشأت لمقيمي الدولة فيما بيده، سدّا لحال بها على عوز طريقه إلى حضرته، إلى ثالث شهر المحرم من العام. وأنف الخاصة والنبهاء رياسته، فطلبوا من السلطان إعاضته، فعدل عنه إلى خاصة دولتهم الحاجب أبي النعيم رضوان «٤» ، مظنّة التّسديد، ومحطّ الإنفاق، فاتصل نظره مستبدا عليه، في تنفيذ الأمور، وتقديم الولاة والعمال، وجواب المخاطبات، وتدبير الرعايا، وقود الجيوش. ثم نكبه «٥» ، وأحاط به مكروها، مجهول السبب، ليلة الأحد الثاني والعشرين لرجب عام «٦» أربعين وسبعمائة. وتولّى الوزارة بعده، ابن عمة أبيه القائد «٧» أبو الحسن علي بن مول بن يحيى بن مول الأمي، ابن عم وزير أخيه، رجل جهوري حازم؛ مؤثر للغلظة على الشّفقة «٨» ، ولم ينشب أن كفّ استبداده، فانكدر نجم سعادتهم، والتأثث حاله، ولزمته شكاية سدكت فاستنقذته «٩» . وأقام لرسم «١٠» الوزارة كاتبه شيخنا نسيج وحده أبا الحسن بن الجياب إلى أخريات شوال عام «١١» تسعة وأربعين وسبعمائة. وهلك، ﵀، فأجري لي الرّسم، وعصّب لي تلك المثابة، مضاعف الجراية، معزّزة بولاية القيادة.

стр. 1529

كتّابه: تولّى كتابته كاتب أخيه وأبيه، شيخنا المذكور إلى حين وفاته. وقلّدني كتابة سرّه مثنّاة بمزيد قربه، مظفّرة برسم وزارته. قضاته: تولّى «١» أحكام القضاء، قاضي أخيه الصّدر البقيّة، شيخنا أبو عبد الله محمد بن يحيى بن بكر «٢» إلى يوم الوقيعة الكبرى بطريف، وفقد في مصافّه، وتحت لوائه «٣» . وتولى «٤» القضاء الفقيه المفتي البقيّة أبو عبد الله محمد بن عيّاش «٥» ، من أهل مالقة أياما، ثم طلب الإعفاء، فأسعف عن أيام تقارب أسبوعا، وولّي مكانه الفقيه أبو جعفر أحمد بن محمد بن برطال من أهل مالقة، فسدّد الخطّة، وأجرى الأحكام، إلى الرابع من شهر ربيع الآخر عام ثلاثة وأربعين وسبعمائة. وقدّم «٦» عوضا عنه، الفقيه الشريف الصّدر الفاضل أبو القاسم محمد بن أحمد الحسيني السّبتي المولد والمنشأ «٧» ، الطالع على أفق حضرته في أيام أخيه، النازع إلى إيالتهم النصرية، معدودا في مفاخر أيامها، مشارا إليه بالبنان عند اعتبار أعلامها؛ ثم عزله لغير جرمة تذكر، إلّا ما لا ينكر وقوعه، مما تجره تبعات الأحكام. وولّي الخطة شيخنا نسيج وحده الرّحلة البقية أبا البركات بن الحاج، شيخ الصّقع، وصدر الجلّة. واستمرّ قاضيا إلى ... «٨» وأربعين وسبعمائة. ثم أعاد إليها القاضي المفوض هونه، الشريف الفاضل، أبا القاسم، إلى يوم وفاته. رئيس الغزاة ويعسوب الجند الغربي: تولّى ذلك لأول الأمر الشيخ أبو ثابت عامر بن عثمان بن إدريس بن عبد الحق، قريع دهره في النكراء والدهاء، المسلّم له في الرتبة، عتاقة ورأيا وثباتا، إلى أن نكبه، وقبض عليه وعلى إخوته، يوم السبت التاسع والعشرين من ربيع الأول، عام أحد وأربعين وسبعمائة. وأقام شيخا ورئيسا، دائلهم وابن عمّهم، المتلقّف لكرة عزّهم يحيى بن عمر بن رحّو، ولي ذلك بنفسه ونديمه ومبرز خصاله إلى تمام مدته. من كان على عهده من الملوك: وأولا بفاس دار الملك بالمغرب، السلطان المتناهي الجلالة، أبو الحسن علي بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق. وجاز على عهده إلى الأندلس، إثر صلاة

стр. 1530

يوم الجمعة تاسع عشر «١» صفر، من عام أحد وأربعين وسبعمائة، بعد أن أوقع بأسطول الروم، المستدعى من أقطارهم، وقيعة كبيرة شهيرة، استولى فيها من المتاع والسلاح والأجفان، على ما قدم «٢» به العهد، واستقر بالخضراء في جيوش «٣» وافرة، وكان جوازه، في مائة وأربعين جفنا غزويا. وبادر إلى لقائه، واجتمع به في وجوه الأندلسيين وأعيان طبقاتهم بظاهر الجزيرة الخضراء، في اليوم الموفي عشرين من الشهر المذكور «٤» . ونازل إثر انقضاء المولد النّبوي، مدينة طريف، ونصب عليها المجانيق، وأخذ بمخنّقها، واستحثّ من بها من المحصورين طاغية الروم «٥» ، فبادر يقتاد «٦» جيشا يجرّ «٧» الشّجر والمدر. وكانت المناجزة يوم الاثنين السابع لجمادى الأولى من العام. ومحّص «٨» المسلمون بوقيعة هائلة، أتت «٩» على النفوس والأموال والكراع، وهلك فيها بمضرب الملك جملة من العقائل الكرام، فعظمت الأحدوثة، وجلّت المصيبة، وأسرع اللّحاق بالمغرب مفلولا في سبيل الله، محتسبا يروم الكرّة. وكان ما هو معلوم من إمعانه في حدود الشّرق، عند إحكام المهادنة بالأندلس، وتوغّله في بلاد إفريقية، وجريان حكم الله عليه بالهزيمة، ظاهر القيروان التي لم ينتشله الدهر بعدها، وعلقت آمال الخلق بولده، مستحق الملك، من بين سائر إخوته، وهلك على تفئة لحاقه «١٠» بأحواز مراكش، ليلة الأربعاء السادس والعشرين لربيع الأول عام اثنين وخمسين وسبعمائة، فاختار الله له ما عنده «١١» ، بعد أن بلغ من بعد الصيت، وتعظيم الملوك له، وشهرة الذكر، ما لم يبلغه سواه. ونحن نجلب دليلا على فضله، والإشادة بفخره، نسخة العقد الذي تضمن هديته إلى صاحب الديار المصرية، صحبة الرّبعة الكريمة بخطه، وذلك قبّة من مائة بنيقة، وفيها أربعة أبواب، وقبّة أخرى من ستة وثلاثين بنيقة؛ داخلها حلة محلوقة ووجهها حرير أبيض، وركيزها أبنوس وعاج مرصع، والأهار فضة مذهبة، والشرائط حرير. وضربت القبّتان بالصفصيف، وحلّ فيها جميع الهدية. وصفّفت جميع الدواب

стр. 1531

بجهازاتها أمام القبة، من الخيل ثلاثمائة، وخمسة وثلاثون من البغل بين ذكور وأناث، ومن الجمال سبعمائة، إلا أنها لم تصفّف، بل أعدّت لحمل الهدية، ومن البزاة الأحرار أربعة وثلاثون، ومن أحجار الياقوت مائتان وخمسة وعشرون، ومن قطب الزمرد مائة وثمانية وعشرون، ومن حبوب الجوهر الفاخر أكثره، ثلاثة آلاف وأربعة وستون. ومن أحجار الزبرجد ثمانية وعشرون، ومن المهنّدات بحلية الذهب عشرة، ومن أزواج مهاميز الذهب عشرة، ومن أزواج الأركب عشرة؛ واحد كله ذهب، وثلاثة كلها فضة، وستة من حبحبة مذهبة على الحديد، واثنان من اللضمات من ذهب، وشاشية مذهبة، وحلل: ثلاث عشرة، وعشر كلل ومخاد حلة. وتوق ذهب: مائتان، واشتراق ذهب: عشرون. وقدود: ستة وأربعون. وفرش جلّة. وعشر علامات معشّشة. وعشر وقايات مذهّبة. وثلاثون من وجوه اللّحف حرير وذهب. ومائتان من المحررات الملونة الرفيعة المختمة. وحيطيان أحدهما حلة والآخر طوق. وثلاثة وعشرون شّقة من الرهاز. واثنان من هنابل الحلة. وعشرة براقع للخيل، منها ثمانية من الحلة. ومن أسلة الخيل ثلاثون، وثلاثة طنافس من الحرير. وهنابل حرير: اثنان. وعشرة هنابل من الحرير والصوف. وهنابل وانشريشية وزمورية: مائة وسبعة. وأربعة آلاف من الجلد التركي والأغماتي. ومن درق اللّمط المثمنة مائتان. ومن الأكسية المحررة أربعة وعشرون. ومن البرانس المحررة ثمانية. ومن الأحارم ما بين محررة وصوف عشرون. ومن أزواج المحفف خمسون. وعشر لزمات من الفضة. وست عشرة شقة من الملف. وأما أزودة الحجاج فأعطى للحرة المكرمة أخته، أعزّها الله، ثلاثة آلاف دنير من الذهب، ومائتي كسوة برسم العرب. ولمن سافر معها ستمائة وسبعين. ولأبي إسحاق بن أبي يحيى ثلاثمائة من الذهب وكسوة رفيعة. ولعريفه يحيى السويدي ألف دنير من الذهب. إلى العدد الكثير من الذهب العين برسم الوصفان والخدام، ولرسوم التحبيس على قراء الرابعة الكريمة، ستة عشر ألفا وخمسمائة دنير. انتهى. وكان هذا السلطان، ﵀، ممّن دوّخ الأقطار، وجاهد الكفار، ووطئ بالأساطيل خدود البحار، والتمس ما عند الله من الثواب، وأعلق يده من نسخ كتابه بأوثق الأسباب، إلى أن «١» استوسق الأمر لولده، أمير المؤمنين بالمغرب وما إليه، فارس المكني بأبي عنان، الملقب «٢» بالمتوكل على الله. فقام بالأمر أحمد قيام.

стр. 1532

وجرت بين هذا السلطان وبينه المخاطبات والمراسلات. وسفّرني «١» إليه لأول الأمر، معزّيا «٢» بأبيه، ومهنّئا بما صار إليه من ملكه، واستصحبت إليه كتابا من إنشائي، نجليه بحول الله، تجميما لمن يقف على هذه الأخبار، وإن اقتحمتها ثبج الإكثار، وهو: المقام الذي رسخت منه في مقامي الصّبر والشكر قدم، فلا يغيره وجود لا يروعه عدم، وصدقت منه في كتاب المجد عزمة لم يختلجها وهن ولا ندم، حتى تصرفت بحكم معاليه، أيام دهره ولياليه، هو ولدان وهذه خدم. مقام محل أخينا الذي إن جاشت النوائب، وسعها صدره، أو عظمت المواهب، ترفع عنها قدره، أو أظلمت الكروب جلاها بدره. أو تألبت الخطوب هزمها صبره، أو أظلّت سحائب النعم أسدرها حمد الله وشكره، أو عرضت عقود الحمد في أسواق المجد أغلاها فجره، أو راقت حلل الصنائع طرّزها ذكره، أو طبّقت سيوف الناس أغمدها صفحه، وسلّها قهره. السلطان الكذا أبقاه الله ضاحك السعد كلما بكت عين، مجموع الشّمل كلما أزف بين، واري الزّند إذا اقتضى دين، محمي الذّمار بانفساح الأعمار كلما أغار على الأحياء حين. ولا زال يقيد منه شكر الله نعما ما في وعدها ليّ ولا في قولها مين، ويلبس منها حللا تقواه في عواتقها زين. مساهمة في كل خطب غمّ، أو فضل من الله عمّ، ومقاسمة في كل ما ألمّ. وتهنئة بالملك الذي خلص وتمّ، فلان. أما بعد حمد الله الذي جعل الصّبر في الحوادث حصنا منيعا، والشكر يستدعي المزيد من النعم سريعا، فمتى أعملت للصبر دعوة كان بها الأجر سميعا، ومتى رفعت من الشكر رقعة كان المزيد عليها توقيعا، والصلاة على سيدنا ومولانا محمد رسوله الذي بوّأنا من السعادة جنابا مريعا، وبين له حدود أوامره ونواهيه فطوبى لمن كان مطيعا، وكان لنا في الدنيا هاديا ونجده في الآخرة شفيعا، والرضا عن آله وصحبه الذين كانوا على العداة قيظا وللعفاة ربيعا، فحلّوا من الاقتداء به فيما ساء وسرّ وأحلى وأمرّ مقاما رفيعا. وخفض عليهم مضاضة فقده، مثابرتهم على ضمّ شمل المسلمين من بعده، اقتداء بقوله سبحانه: واعتصموا بحبل الله جميعا. والدّعاء لمقامكم الأسمى بالنصر الذي يشكر منه الجياد والبيض الحداد صنيعا، وتشرح منه ألسن الأقلام تهذيبا وتقريعا، والصبر الذي زرافات الأجر قطيعا فقطيعا. فإنا كتبناه

стр. 1533

إليكم، كتب الله لكم من حظوظ الخير أوفرها عددا، وأقطعكم من خطط السّعد أبعدها مدا. وأتبعكم من كتائب العز أطولها يدا، وخوّلكم من بسطة الملك ما لا يبيد أبدا، وألهمكم من الصبر لما تقدّمونه فتجدونه غدا. من حمراء غرناطة، حرسها الله، وعندنا من الاعتداد في الله أسباب وثيقة، وأنساب صدق في بحبوحة الخلوص عريقة، ومن الثناء عليكم حدائق روض لا تحاكيها حديقة، ومن المساهمة لكم في شتّى الأحوال مقاصد لا تلتبس منها طريقة، ومن السّرور بما سناه الله لكم نعم بشكر الله خليقة. وإلى هذا، أيّدكم الله بنصره، وحكم لمقامكم بشدّ أزره، وإعلاء أمره، فإنّنا ورد علينا الخبر الذي قبض وبسط، وجار وأقسط، وبخس ووفى، وأمرض وشفى، وأضحى وظلّل، وتجهّم وتهلّل، وأمرّ وأحلى وأساء ثم أحسن، وبشّر بعد ما أحزن، خبر وفاة والدكم، محلّ أبينا، السلطان العظيم القدر، الكبير الخطر، قدّس الله طاهر تربته، وكرّم لحده، كما أحيا بكم معالم مجده. فيا له من سهم رمى أغراض القلوب فأثبتها، وطرق مجتمعات الآمال فشتّتها. ونعى إلى المجد إنسان عينه وعين إنسانه، وإلى الملك هيولى أركانه، وإلى الدين ترجمة ديوانه، وإلى الفضل عميد إيوانه. حادث نبّه العيون من سنة غرورها، وذكّر النفوس بهم أمورها. وأشرق المحاجر بماء دموعها، وأضرم الجوانح بنار ولوعها. وبيّن أن سراب الآمال سراب، وأنّ الذي فوق التّراب تراب. فمن تأمل الدنيا وطباعها، والأيام وإسراعها، والحوادث وقراعها، بدا له الحقّ من المين، واستغنى عن الأثر بالعين. فشأنها أن لا تفترّ عن سهم تسدّده إلى غرض، وصحّة تعقبها بمرض، وجوهر ترميه بعرض. وداء للموت قديم، وقربه لا يبقي عليه أديم، وكأسه يشربها موسر وعديم. دبّت إلى كسرى الفرس عقاربه، فلم تمنعه أساورته ولا مرازبه. وقصر قيصر على حكمه فكدّرت مشاربه، وأتبر سيف بن ذي يزن عمدانه فلم ترعه مضاربه، وأردى تبّعا فلم يكن في أتباعه من يحاربه. لم تدافع عنهم الجنود المجنّدة، ولا الصّفاح المهنّدة، ولا الدّروع المحكمة، ولا النّياب المعلمة. ولا الجياد الجرد المسوّمة، ولا الرّماح المثقّفة المقومة. كلّ قدّم على ما قدّم. وجّد إلى ما أعدّ. جعلنا الله ممن يسّر لسفره زادا، وقدّم بين يديه رباطا شافعا لديه وجهادا. ووثّر لنفسه بمناصحة الله والمؤمنين في أعلى عليين مهادا، وطوّق المسلمين عدلا وفضلا وإمدادا. غير أن هذا الفاجىء الذي فجع، ومنع القلوب أن تقرّ والعين أن تهجع، غمرته البشرى، وغلبته المسرّة الكبرى، وعارضته من بقائكم الآية المحكمة الأخرى، فاضمحلّ من بعد الرّسوخ، وصار ليله في حكم المنسوخ. ما كان من استخلاصكم الملك الذي أنتم أهله، واحتيازكم المجد الذي أشرق بكم

стр. 1534

محلّه. وكيف بسهم أخطأ ذاتكم الشريفة، أن يقال فيه: أصمى وأجهز، والأمل بعد بقائكم أن يقال فيه: تعذّر أو أعوز. إنما الآمال ببقائكم للملإ منوطة، وسعادة الإسلام بحياتكم المتّصلة مشروطة. ومنها: فأي ترح يبقى بعد هذا الفرح، وأي كسل ينشأ بعد هذا المرح. إن أفل البدر، فقد تبلّج الفجر، أو غاض النّيل فقد فاض البحر. وإن مال فلك الملك فقد عاد إلى مداره، وإن أذنب الدّهر فقد أحسن ما شاء في اعتذاره. إنما هذا الخطب وهنّ أعقبه ضوء النهار، وسطعت بعده أشعة الأنوار، وصمصامة أغمدت وسلّ من بعدها ذو الفقار. ومنها: وإنّنا لما ... «١» عن حقّه ورصدنا طالعه في أفقه قابلنا الواقع بالتّسليم، والمنحة الرّادفة بالشكر العظيم، وأنسنا في غمام الهدنة ربّ هذا الإقليم. وقلنا استقرّ الحق ووضحت الطرق، وهوى الرّائد وصدق البرق، وتقرّرت القاعدة وارتفع الفرق، واستبشر بإبلال المغرب أخوه الشّرق. وثابت آمال أولي الجهاد إلى اقتحام فرضة المجاز، وأولي الحج إلى مرافقه ركب الحجاز، وآن للدنيا أن تلبس الحلى العجيبة بعد الابتزاز. والحمد لله الذي زيّن بكم أفق الملك، وكيّف بسعدكم نظم ذلك السّلك. وهنّأ الله إيالتكم العباد والبلاد، والحجّ والجهاد. وصدّق الظنون الذي في مقامكم الذي جاز في المكارم الآماد. بادرنا، أيّدكم الله، من برّكم إلى غرضين، وقمنا من حقّ عزائكم وهنائكم بواجبين مفترضين وشرعنا ومن لدينا أن نباشر بالنفوس هذين القصدين. إلّا أننا عاقنا عن ذلك ما اتصل بنا من العدوّ الذي بلينا بجواره، ورمينا بمصابرة تيّاره، وإلّا فهذا الغرض قد كنّا لا نرى فيه بإجراء الاستنابة، ولا نحظى غيرنا بزيارة تلك المثابة. فليصل الفضل جلالكم، ويقبل العذر كمالكم. وإذا كان الاستخلاف مما تحتمله العبادة، ولا ينكره عند الضرورة العرف والعادة، فأحرى الأخوة والودادة، والفضل والمجادة. فتخيرنا جهدنا، واصطفينا لباب اللّباب فيمن عنادنا، فعينّا فلانا. واتصلت أيامه إلى آخر مدته. وبمدينة «٢» تلمسان: عبد الرحمن بن موسى بن عثمان بن يغمراسن بن زيّان، يكنى أبا تاشفين. وقد تقدم «٣» ذكره، وهو الذي انقضى ملك بني زيّان على يده «٤» .

стр. 1535

تولّى الملك عام ثمانية عشر كما تقدم، وتهنّأه إلى أن تأكّدت الوحشة بينه وبين السلطان ملك المغرب، فتحرّك لمنازلته، وأخذ بكظمه «١» ، وحصره سنين ثلاثا، واقتحم عليه ملعب البلدة ليلة سبع وعشرين من رمضان عام سبعة «٢» وثلاثين وسبعمائة. وفي غرّة شوال منها، دخل «٣» البلد من أقطاره عنوة، ووقف هو وكبير ولده برحبة قصره، قد نزعا لام الحرب المانعة من عمل السلاح استعجالا للمنيّة ورغبة في الإجهاز، وقاما مقام الثّبات والصبر والاستجماع، إلى أن كوثرا وأثخنا، وعاجلتهما «٤» منيّة العزّ قبل شدّ الوثاق، وإمكان الشّمات، واستولى على الملك «٥» ملك المغرب. وفي ذلك قلت من الرّجز المسمى بقطع السلوك في الدول الإسلامية، مما يخص «٦» ملوك تلمسان، ثم أميرها عبد الرحمن هذا «٧» : [الرجز] وحلّ فيها عابد الرحمن ... فاغترّ بالدنيا وبالزمان وسار فيها مطلق العنان ... من مظهر سام إلى جنان كم زخرفت «٨» علياه من بنيان ... آثاره تنبي عن العيان وصرف العزم إلى بجايه ... فعظمت في قومها النّكايه حتى ما إذا مدّة الملك انقضت ... وأوجه الأيام عنهم أعرضت وحقّ حقّ الدهر فيها ووجب ... وكتب الله عليها ما كتب حثّ إليها السير ملك المغرب ... يا لك من ممارس مجرّب فغلب القوم بغير عهد ... بعد حصار دائم وجهد فأقفرت من ملكهم أوطانه ... سبحان من لا ينقضي سلطانه ثم نشأت لهم بارقة، لم تكد تقد حتى خبت «٩» ، عندما جرت على السلطان أبي الحسن الهزيمة بالقيروان؛ وانبتّ عن أرضه، وصرفت البيعة في الأقطار إلى ولده، وارتحل إلى طلب منصور ابن أخيه، المنتزي «١٠» بمدينة فاس، فدخلوا تلمسان، وقبضوا على القائم بأمرها، وقدّموا على أنفسهم عثمان بن يحيى بن عبد الرحمن بن يغمراسن، المتقدم الذكر في رسم عثمان، وذلك في الثامن والعشرين لجمادى الآخرة

стр. 1536

من عام تسعة وأربعين وسبعمائة. واستمرت أيامه أثناء الفتنة وارتاش، وأقام رسم الإمرة، وجدّد ملك قومه. واستمرت حاله إلى أن أوقع بهم ملك «١» المغرب، أمير المسلمين أبو عنان الوقيعة المصطلمة «٢» التي خضدت الشوكة، واستأصلت الشّأفة. وتحصّل عثمان في قبضته. ثم ألحقت النكبة به أخاه «٣» ، فكانت سبيلهما في القتل صبرا عبرة، وذلك في وسط ربيع الأول من عام التاريخ. وبتونس: الأمير أبو يحيى أبو بكر ابن الأمير أبي زكريا ابن الأمير أبي إسحاق ابن الأمير أبي زكريا «٤» ، إلى أن هلك. وولي الأمر «٥» ولده عمر، ثم ولده أحمد، ثم عاد الأمر إلى عمر. ثم استولى ملك المغرب السلطان أبو الحسن على ملكهم. ثم ضمّ نشرهم بعد نكبته وخروجه عن وطنهم على أبي إسحاق بن أبي بكر. ومن ملوك النصارى بقشتالة: ألفنش «٦» بن هرنده بن دون جانجه بن ألفنش المستولي على قرطبة، ابن هرنده المستولي على إشبيلية، إلى عدد جمّ. وكان «٧» طاغية مرهوبا، وملكا مجدودا. هبّت له الريح، وعظمت به إلى المسلمين النكاية. وتملّك الخضراء بعد أن أوقع بالمسلمين الوقيعة الكبرى «٨» العظمى بطريف. ثم نازل جبل الفتح، وكاد يستولي «٩» على هذه الجزيرة، لولا أن الله تداركها بجميل صنعه وخفيّ لطفه، لا إله إلّا هو. فهلك بظاهره في محلّته حتف أنفه ليلة عاشوراء من عام أحد وخمسين وسبعمائة، فتنفس المخنّق، وانجلت الغمّة، وانسدل السّتر. كنت منفردا بالسلطان، ﵀، وقد غلب اليأس، وتوقّعت الفضيحة، أؤنسه بعجائب الفرج بعد الشدة، وأقوي بصيرته في التماس لطف الله، وهو يرى الفرج بعيدا، ويتوقع من الأمر عظيما. وورد الخبر بمهلكه، فاستحالت الحال إلى ضدها من السّرور والاستبشار، والحمد لله على نعمه. وفي ذلك قلت «١٠» : [الطويل] ألا حدّثاني «١١» فهي أم الغرائب ... وما حاضر في وصفها مثل غائب

стр. 1537

ولا تخليا منها على خطر «١» السّرى ... سروج المذاكي أو ظهور النّجائب «٢» أيوسف، إنّ الدهر أصبح واقفا ... على بابك المأمول موقف تائب دعاؤك أمضى من مهنّدة الظّبا ... وسعدك أقضى من سعود الكواكب سيوفك في أغمادها مطمئنة ... ولكنّ سيف الله دامي «٣» المضارب فثق بالذي أرعاك أمر عباده ... وسل فضله فالله أكرم واهب لقد طوّق الأذفنش سعدك خزية ... تجدّ على مرّ العصور الذواهب وفّيت وخان العهد في غير طائل ... وصدّق أطماع الظنون الكواذب هوى في مجال العجب غير مقصّر ... وهل نهض العجب المخل براكب؟ وغالب أمر الله ﷻ ... ولم يدر أنّ الله أغلب غالب ولله في طيّ الوجود كتائب ... تدقّ وتخفى عن عيون الكتائب تغير على الأنفاس في كل ساعة ... وتكمن حتى في مياه المشارب فمن قارع في قومه سنّ نادم ... ومن لاطم في ربعه خدّ نادب مصائب أشجى وقعها مهج العدا ... وكم نعم في طيّ تلك المصائب شواظّ أراد الله إطفاء ناره ... وقد نفج الإسلام من كل جانب وإن لم يصب منه السلاح فإنّما ... أصيب بسهم من دعائك صائب ولله من ألطافه في عباده ... خزائن ما ضاقت لمطلب طالب فمنهما غرست الصّبر في تربة الرضا ... بأحكامه فلتجن حسن العواقب ولا تعدّ الأمر البعيد وقوعه ... فإن الليالي أمّهات العجائب وهي «٤» طويلة سهلة؛ على ضعف كان ارتكابه مقصودا في أمداحه. وببرجلونة «٥» : السلطان بطره المتقدم ذكره في اسم أخيه. ومن الأحداث «٦» في أيامه الوقيعة الكبرى بظاهر طريف، يوم الاثنين السابع من جمادى الأولى، من عام أحد وأربعين وسبعمائة، وما اتصل بذلك من منازل الطاغية

стр. 1538

ألهنشه قلعة يحصب الماسة الجوار من حضرته، واستيلائه عليها، وعلى باغة. ثم منازلة الجزيرة الخضراء عشرين شهرا، أوجف خلالها بجيوش المسلمين من أهل العدوتين إلى أرضه. ثم استقرّ منازلا إياها إلى أن فاز بها قداحه، والأمر لله العلي الكبير، في قصص يطول ذكره، تضمن ذلك «طرفة العصر» من تأليفنا. ثم تهنأ السلم، والتحف جناح العافية والأمنة برهة، ﵀. وفاته «١» : وما استكمل أيام حياته، وبلغ مداه، أتمّ ما كان شبابا واعتدالا وحسنا وفخامة وعزّا، حتى أتاه أمر الله من حيث لا يحتسب، وهجم «٢» عليه يوم عيد الفطر، من عام خمسة وخمسين وسبعمائة، في الركعة الأخيرة، رجل من عداد الممرورين «٣» ، رمى بنفسه عليه، وطعنه بخنجر كان قد أعدّه «٤» ، وأغرى بعلاجه، وصاح، وقطعت الصلاة، وقبض عليه، واستفهم، فتكلم بكلام مخلّط، واحتمل إلى منزله، على فوت لم يستقر به، إلّا وقد قضى، ﵀ ورضي عنه، وأخرج ذلك الخبيث «٥» للناس، وقتل وأحرق بالنار، مبالغة في التشفي، ودفن السلطان عشية اليوم في مقبرة قصره لصق والده «٦» ، وولي أمره ابنه أبو عبد الله محمد، وبولغ في احتفال قبره، بما أشف على من تقدمه، وكتب عليه ما نصه: «هذا قبر السلطان الشهيد، الذي كرمت أحسابه وأعراقه، وحاز الكمال خلقه وأخلاقه، وتحدّث بفضله وحلمه شام المعمور وعراقه، صاحب الآثار السّنيّة، والأيام الهنيّة، والأخلاق الرضيّة، والسير المرضيّة. الإمام الأعلى، والشّهاب الأجلى، حسام الملة، علم الملوك الجلّة، الذي ظهرت عليه عناية ربّه، وصنع الله له في سلمه وحربه. قطب الرّجاحة والوقار، وسلالة سيّد الأنصار، حامي حمى الإسلام برأيه ورايته، المستولي في «٧» ميدان الفخر على غايته، الذي صحبته عناية الله في بداية أمره وغايته، أمير المسلمين أبي الحجاج يوسف ابن السلطان الكبير، الإمام الشهير، أسد دين الله، الذي أذعنت الأعداء لقهره، ووقفت الليالي «٨» والأيام عند نهيه وأمره. رافع ظلال العدل في الآفاق، حامي حمى السّنة بالسمر الطوال والبيض الرّقاق، مخلّد صحف الذّكر الخالد والعزّ الباقي، الشّهيد السعيد المقدس أبي الوليد، ابن الهمام الأعلى الطاهر النسب والذات، ذي العز البعيد الغايات، والفخر الواضح الآيات، كبير الخلافة النصرية، وعماد الدولة الغالبيّة، المقدس

стр. 1539

المرحوم أبي سعيد فرج بن إسماعيل بن نصر، تغمّده الله برحمة من عنده، وجعله في الجنّة جارا لسعد بن عبادة جدّه، وجازى عن الإسلام والمسلمين حميد سعيه، وكريم قصده. قام بأمر المسلمين أحمد القيام، ومهّد لهم الأمن من «١» ظهور الأيام، وجلّى لهم وجه العناية مشرق القسام، وبذل فيهم من تواضعه وفضله كل واضح الأحكام، إلى أن قضى الله بحضور أجله، على خير عمله، وختم له بالسعادة، وساق إليه على حين إكمال شهر الصوم هديّة الشهادة. وقبضه ساجدا خاشعا، منيبا إلى الله ضارعا، مستغفرا لذنبه، مطمئنا في الحالة التي أقرب ما يكون العبد فيها من ربّه. على يد «٢» شقيّ قيضه الله لسعادته، وجعله سببا لنفوذ سابق مشيئته وإرادته، خفي مكانه لخمول قدره، وتمّ بسببه أمر الله لحقارة أمره، وتمكّن له عند الاشتغال بعبادة الله، ما أضمره من غدره، وذلك في السجدة الأخيرة من صلاة العيد، غرة شوال، من عام خمسة وخمسين وسبعمائة، نفعه الله بالشهادة التي كرم منها الزمان والمكان، ووضح منها على قبول رضوان الله البيان، وحشره مع سلفه الأنصار الذين عزّ بهم الإيمان، وحصل لهم من النار الأمان. وكانت ولايته الملك في غرة اليوم الرابع عشر لذي الحجة من عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة. ومولده في الثامن والعشرين لربيع الآخر عام ثمانية عشر وسبعمائة. فسبحان من انفرد بالبقاء المحض، وحتّم الفناء على أهل الأرض، ثم يجمعهم إلى يوم الجزاء والعرض، لا إله إلا هو. وفي الجهة الأخرى من «٣» النظم، وكلاهما من إملائي، ما نصه: [الطويل] يحيّيك بالريحان والروح من قبر ... رضى الله عمّن حلّ فيك مدى الدّهر إلى أن يقوم الناس تعنو وجوههم ... إلى باعث الأموات في موقف الحشر ولست بقبر إنما أنت روضة ... منعّمة الريحان عاطرة النّشر ولو أنني أنصفتك الحقّ لم أقل ... سوى يا كمام الزّهر أو صدف الدّرّ ويا ملحد التقوى ويا مدفن الهدى ... ويا مسقط العليا ويا مغرب البدر لقد حطّ فيك الرحل أيّ خليفة ... أصيل «٤» المعالي غرّة في بني نصر لقد حلّ فيك العزّ والمجد والعلى ... وبدر الدّجا والمستجار لدى «٥» الدهر

стр. 1540

ومن كأبي الحجاج حامي حمى الهدى؟ ... ومن كأبي الحجاج ماحي دجا الكفر؟ إمام الهدى غيث النّدى دافع العدا ... بعيد المدى في حومة المجد والفخر سلالة سعد الخزرج بن عبادة ... وحسبك من بيت رفيع ومن قدر إذا ذكر الإغضاء والحلم والتّقى ... وحدّثت عن علياه حدّث عن البحر تخوّنه طرف الزمان وهل ترى ... بقاء لحيّ أو دواما على أمر؟ هو الدهر ذو وجهين يوم وليلة ... ومن كان ذا وجهين يعتب في غدر تولّى شهيدا ساجدا في صلاته ... أصيل التقى رطب اللسان من الذكر وقد عرف الشّهر المبارك حقّ ما ... أفاض من النّعمى ووفّى من البرّ وباكر عيد الفطر والحكم مبرم ... وليس سوى كأس الشهادة من فطر أتيح له وهو العظيم مهابة ... وقدرا حقير الذّات والخلق والقدر شقيّ أتته «١» من لدنه سعادة ... ومنكر قوم جاء بالحادث النّكر وكم من عظيم قد أصيب بخامل ... وأسباب حكم الله جلّت عن الحصر فهذا عليّ قد قضى بابن ملجم ... وأوقع وحشي بحمزة ذي الفخر نعدّ الرّماح المشرفيّة والقنا ... ويطرق أمر الله من حيث لا تدري ومن كان بالدّنيا الدّنية واثقا ... على حالة يوما فقد باء بالخسر فيا مالك الملك الذي ليس ينقضي ... ويا من إليه الحكم في النهي والأمر تغمّد بستر العفو منك ذنوبنا ... فلسنا نرجّي غير سترك من ستر فما عندك اللهمّ خير ثوابه ... وأبقى ودنيا المرء خدعة مغترّ ومما رثي به قولي في غرض ناء عن الجزالة، متحرّيا اختيار ولده «٢» : [الكامل] العمر يوم «٣» والمنى أحلام ... ماذا عسى أن يستمرّ منام «٤» وإذا تحقّقنا لشيء «٥» بدأة ... فله بما تقضي العقول تمام والنفس تجمع في مدى آمالها ... ركضا، وتأبي ذلك الأيام من لم يصب في نفسه فمصابه ... بحبيبه نفذت بذا الأحكام

стр. 1541

بعد الشبيبة كبرة ووراءها ... هوم «١» ومن بعد الحياة حمام ولحكمة ما أشرقت شهب الدّجا ... وتعاقب الإصباح والإظلام دنياك يا هذا محلّة نقلة ... ومناخ ركب ما لديه مقام هذا أمير المسلمين ومن به ... وجد السّماح وأعدم الإعدام «٢» سرّ الإمامة «٣» والخلافة يوسف ... غيث الملوك وليثها الضّرغام قصدته عادية الزمان فأقصدت ... والعزّ سام والخميس لهام فجعت به الدنيا وكدّر شربها ... وشكى العراق مصابه والشام أسفا على الخلق الجميل كأنه «٤» ... بدر الدّجنّة قد جلاه تمام أسفا على العمر الجديد كأنه ... غضّ «٥» الحديقة زهره بسّام أسفا على الخلق الرّضيّ كأنها «٦» ... زهر الرّياض همى عليه غمام أسفا على الوجه الذي مهما «٧» بدا ... طاشت لنور جماله الأفهام يا ناصر الثّغر الغريب وأهله ... والأرض ترجف والسماء قتام يا صاحب الصّدمات «٨» في جنح الدجا ... والناس في فرش النعيم نيام يا حافظ الحرم الذي بظلاله ... ستر الأرامل واكتسى الأيتام مولاي، هل لك للقصور زيارة ... بعد انتزاح الدار أو إلمام؟ مولاي، هل لك للعبيد تذكّر؟ ... حاشاك أن تنسى «٩» لديك ذمام يا واحد الآحاد والعلم الذي ... خفقت بعزّة نصره «١٠» الأعلام وافاك أمر الله حين تكاملت ... فيك النّهى والجود والإقدام ورحلت عنّا الرّكب خير خليفة ... أثنى عليك الله والإسلام نعم الطريق سلكت كان رفيقه ... والزّاد فيه تهجّد وصيام وكسفت يا شمس المحاسن ضحوة ... فاليوم كيل «١١» والضياء ظلام

стр. 1542

وسقاك «١» عيد الفطر كأس شهادة ... فيها من الأجل الوحيّ «٢» مدام وختمت عمرك بالصلاة فحبّذا ... عمل كريم سعيه وختام «٣» مولاي، كم هذا الرقاد؟ إلى متى ... بين الصّفائح والتّراب تنام؟ أعد التحيّة واحتسبها قربة ... إن كان يمكنك الغداة كلام تبكي عليك مصانع شيّدتها «٤» ... بيض كما تبكي الهديل حمام تبكي عليك مساجد عمّرتها ... فالناس فيها سجّد وقيام تبكي عليك خلائق أمّنتها ... بالسّلم وهي كأنها أنعام عاملت وجه الله فيما رمته ... منها فلم يبعد عليك مرام لو كنت تفدى أو تجار «٥» من الرّدى ... بذلت نفوس من لدنك كرام لو كنت تمنع بالصّوارم والقنا ... ما كان ركنك بالغلاب يرام لكنه أمر الإله وما لنا ... إلّا رضى بالحكم واستسلام والله قد كتب الفنا على الورى ... وقضاؤه جفّت به الأقلام نم في جوار الله مسرورا بما ... قدّمت يوم تزلزل الأقدام واعلم بأن سليل ملك «٦» قد غدا ... في مستقرّ علاك وهو إمام ستر «٧» تكنّف منه من خلّفته ... ظلّ ظليل فهو ليس يضام كنت الحسام وصرت في غمد الثّرى ... ولنصر ملكك سلّ منه حسام خلّفت أمّة أحمد لمحمد ... فقضت بسعد الأمّة الأحكام فهو الخليفة للورى في عهده ... ترعى العهود وتوصل الأرحام أبقى رسومك كلّها محفوظة ... لم ينتثر منها عليك نظام العدل والشّيم الكريمة والتّقى ... والدّار والألقاب والخدّام حسبي بأن أغشى «٨» ضريحك لائما ... وأقول والدمع السّفوح سجام

стр. 1543

يا مدفن التّقوى ويا مثوى الهدى ... منّي عليك تحية وسلام أخفيت من حزني عليك وفي الحشا ... نار لها بين الضلوع ضرام ولو انني أدّيت حقّك لم يكن ... لي بعد فقدك في الوجود مقام وإذا الفتى أدّى الذي في وسعه ... وأتى بجهد ما عليه ملام وكتبت في بعض المعاهد التي كان يأنس بها رحمة الله عليه «١» : [السريع] غبت فلا عين ولا مخبر ... ولا انتظار منك مرقوب يا يوسف، أنت لنا يوسف ... وكلّنا في الحزن يعقوب يوسف بن عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة ابن نافع الفهري «٢» أوليته: كان عبد الرحمن أحد زعماء العرب بالأندلس، وكان ممن ثار منها من أصحاب بلج «٣» عصبيّة لقتله، فخرج عن الأندلس إلى إفريقية، وجدّه عقبة بن نافع، هو الذي اختطّ قيروانها أيام معاوية بن أبي سفيان. قال عيسى بن أحمد: وهرب ابنه يوسف هذا من إفريقية إلى الأندلس مغاضبا له، أيام بشر بن صفوان الكلبي، فهوى الأندلس واستوطنها، فساد بها ثم تأمّر فيها. حاله: كان شريفا جليلا، حازما عاقلا، اجتمع عليه أهل الأندلس من أجل أنه قرشي، بعد موت أميرهم ثوابة بن سلامة، ورضي به الخيار من مضر واليمن، فدانت له الأندلس تسع سنين وتسعة أشهر، وكان آخر الأمراء «٤» بالأندلس، وعنه انتقل سلطانها إلى بني أمية. وأشرك الصّميل «٥» بن حاتم في أمره، فتركت لذلك نسبة الأمر له، وكانت الحرب التي لم يعرف بالمشرق والمغرب أشدّ جلادا ولا أصبر رجالا منها، واعتزلها يوسف تحرّفا، وقام بأمرها الصّميل، وانهزم اليمانيون واستلحموا ملحمة عظيمة، واستوسق الأمر ليوسف. وغزا جلّيقية فعظم في عدوّها

стр. 1544

أثره. ولما تمّ له الأمر طرقه ما تقدم به الإلماع، من عبور صقر بني أمية عبد الرحمن الداخل في خبر طويل. والتقى بظاهر قرطبة سنة ثمان وثلاثين ومائة في ذي الحجة، وانهزم يوسف بن عبد الرحمن والصّميل، ولحقا بإلبيرة. وأتبعهما عبد الرحمن بن معاوية، فنازله، وقد تحصن بمعقل إلبيرة حصن غرناطة، وترددت بينهما الرّسل في طلب المهادنة والبقاء على الصلح. وتخلّى يوسف عن الدعوة، واستقرّ سكناه بقرطبة، وذلك في صفر سنة تسع وثلاثين ومائة، وأقبل معه في عسكره إلى قرطبة. وذكر أنه تمثّل عند دخوله عسكر عبد الرحمن ببيت جرور ابن ابنة النعمان «١» : [الطويل] فبتنا «٢» نسوس الأمر «٣» والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة نتنصّف فتبّا لدنيا لا يدوم نعيمها ... تقلّب ساعات بنا وتصرّف واستقرّ بقرطبة دهرا، ثم بدا له في الخلاف. ولحق بأحواز طليطلة، وأعاد عهد الفتنة، فاغتاله مملوكان له، وقتلاه، ﵀، في سنة اثنتين وأربعين ومائة. وأخبار يوسف بن عبد الرحمن معروفة، وهو محسوب من الأمراء الأصلاء بغرناطة، إذ كانت له قبل الإمارة بها ضياع يتردّد إليها. ومن غير الأصليين يحيى بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن محمد ابن أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي عزفة اللخمي الرئيس أبو زكريا وأبو عمرو ابن الرئيس أبي طالب ابن الرئيس أبي القاسم. كنّاه أبوه أبا عمرو، وغلبت عليه الكنية المعروفة. حاله: كان قيّما على طريقة أصحاب الحديث، رواية وضبطا وتقييدا وتخريجا، مع براعة خط، وطرف ضبط، شاعرا مجيدا مطبوعا، ذا فكاهة وحسن مجالسة. رأس بسبتة، بعد إجازته البحر من الأندلس والاحتلال بفاس، نائبا عن ملك المغرب السلطان أبي سعيد بن عبد الحق، لأمر متّ به إليه قبل استقلاله، ليس هذا موضع ذكره. ثم استبدّ بها مخالفا عليه، لأمر يطول شرحه، أجرى فيه موفّى الجانب من الخلع، باسلا مقداما، سكون الطائر، مثقّفا بخلال رئاسته، ضاما لأطرافها. ونازله

стр. 1545

جيش المغرب، وبيد أميره ولده أبو القاسم مرتهنا، فأتيح له ظفر أجلى ليلة غربيات المحلّة، والأثر فيها، واستخلاص ولده. مشيخته: أخذ عن جماعة من أهل بلده وغيرهم، قراءة وسماعا وإجازة. فممن أخذ عنه من أهل بلده سبتة، أبو إسحاق الغافقي، وأبو عبد الله بن رشيد، وأبو الظفر المنورقي، وأبو القاسم البلفيقي، وأبو علي الحسن بن طاهر الحسيني، وأبو إسحاق التّلمساني، وأبو محمد عبد الله بن أبي القاسم الأنصاري، وأبو القاسم بن الشّاط. وبغرناطة لما قدم عليها، مغرّبا عن وطنه، عند تصيّره إلى الإيالة النّصرية من أيديهم، وسكناه بها، عن أبي محمد عبد المنعم بن سماك، وأبي جعفر بن الزبير، وأبي محمد بن المؤذن، وأبي الحسن بن مستقور، وغيرهم. ومن أهل ألمرية أبو عبد الله محمد بن الصايغ، وأبو عبد الله بن شعيب. ومن أهل مالقة الولي أبو عبد الله بن الطّنجالي، وأبو محمد الباهلي، وأبو الحسن بن منظور، وأبو الحسن بن مصامد. ومن أهل الخضراء، أبو جعفر بن خميس. ومن أهل بلّش أبو عبد الله بن الكماد. ومن أهل أرجبة «١» أبو زكريا البرشاني. ومن أهل بجاية أبو علي ناصر الدين المشدالي، وأبو عبد الله بن غربوز. ومن أهل فاس أبو عبد الله المومناني. ومن أهل تيزى أبو عبد الله محمد القيسي. وكتب له بالإجازة طائفة كبيرة من أهل المشرق، منهم قطب الدين القسطلاني. شعره: قال لي شيخنا أبو البركات: سألته، وأنا معه واقف بسور قصبة سبتة، أن يجيزني ويكتب لي من شعره، فكتب لي قطيعات منها في تهنئة السلطان أبي الجيوش يوم ولايته: [الكامل] الآن عاد إلى الإمامة نورها ... وارتاح منبرها وهشّ سريرها وبدا لنا من بعد طول قطوبها ... منها التهلّل واستبان سرورها وضعت أزمّتها بكفّ خليفة ... هو أصلها الأولى بها ونصيرها من معشر عرفت بطون أكفّهم ... بذل النّدى واللّاثمين ظهورها خرصانهم ووجوههم في ظلمة ال ... نّقع المثار نجومها وبدورها وسع الرعايا منه عدله ... لم يزل إليه قلوبهم ويصورها «٢» حتى اغتدت بالحب فيه صدورها ... ملأى وأخلص في الولاء ضميرها
следующие страницы →