Полный текст (1 954 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
بعد الشبيبة كبرة ووراءها ... هوم «١» ومن بعد الحياة حمام
ولحكمة ما أشرقت شهب الدّجا ... وتعاقب الإصباح والإظلام
دنياك يا هذا محلّة نقلة ... ومناخ ركب ما لديه مقام
هذا أمير المسلمين ومن به ... وجد السّماح وأعدم الإعدام «٢»
سرّ الإمامة «٣» والخلافة يوسف ... غيث الملوك وليثها الضّرغام
قصدته عادية الزمان فأقصدت ... والعزّ سام والخميس لهام
فجعت به الدنيا وكدّر شربها ... وشكى العراق مصابه والشام
أسفا على الخلق الجميل كأنه «٤» ... بدر الدّجنّة قد جلاه تمام
أسفا على العمر الجديد كأنه ... غضّ «٥» الحديقة زهره بسّام
أسفا على الخلق الرّضيّ كأنها «٦» ... زهر الرّياض همى عليه غمام
أسفا على الوجه الذي مهما «٧» بدا ... طاشت لنور جماله الأفهام
يا ناصر الثّغر الغريب وأهله ... والأرض ترجف والسماء قتام
يا صاحب الصّدمات «٨» في جنح الدجا ... والناس في فرش النعيم نيام
يا حافظ الحرم الذي بظلاله ... ستر الأرامل واكتسى الأيتام
مولاي، هل لك للقصور زيارة ... بعد انتزاح الدار أو إلمام؟
مولاي، هل لك للعبيد تذكّر؟ ... حاشاك أن تنسى «٩» لديك ذمام
يا واحد الآحاد والعلم الذي ... خفقت بعزّة نصره «١٠» الأعلام
وافاك أمر الله حين تكاملت ... فيك النّهى والجود والإقدام
ورحلت عنّا الرّكب خير خليفة ... أثنى عليك الله والإسلام
نعم الطريق سلكت كان رفيقه ... والزّاد فيه تهجّد وصيام
وكسفت يا شمس المحاسن ضحوة ... فاليوم كيل «١١» والضياء ظلام
стр. 1542
وسقاك «١» عيد الفطر كأس شهادة ... فيها من الأجل الوحيّ «٢» مدام
وختمت عمرك بالصلاة فحبّذا ... عمل كريم سعيه وختام «٣»
مولاي، كم هذا الرقاد؟ إلى متى ... بين الصّفائح والتّراب تنام؟
أعد التحيّة واحتسبها قربة ... إن كان يمكنك الغداة كلام
تبكي عليك مصانع شيّدتها «٤» ... بيض كما تبكي الهديل حمام
تبكي عليك مساجد عمّرتها ... فالناس فيها سجّد وقيام
تبكي عليك خلائق أمّنتها ... بالسّلم وهي كأنها أنعام
عاملت وجه الله فيما رمته ... منها فلم يبعد عليك مرام
لو كنت تفدى أو تجار «٥» من الرّدى ... بذلت نفوس من لدنك كرام
لو كنت تمنع بالصّوارم والقنا ... ما كان ركنك بالغلاب يرام
لكنه أمر الإله وما لنا ... إلّا رضى بالحكم واستسلام
والله قد كتب الفنا على الورى ... وقضاؤه جفّت به الأقلام
نم في جوار الله مسرورا بما ... قدّمت يوم تزلزل الأقدام
واعلم بأن سليل ملك «٦» قد غدا ... في مستقرّ علاك وهو إمام
ستر «٧» تكنّف منه من خلّفته ... ظلّ ظليل فهو ليس يضام
كنت الحسام وصرت في غمد الثّرى ... ولنصر ملكك سلّ منه حسام
خلّفت أمّة أحمد لمحمد ... فقضت بسعد الأمّة الأحكام
فهو الخليفة للورى في عهده ... ترعى العهود وتوصل الأرحام
أبقى رسومك كلّها محفوظة ... لم ينتثر منها عليك نظام
العدل والشّيم الكريمة والتّقى ... والدّار والألقاب والخدّام
حسبي بأن أغشى «٨» ضريحك لائما ... وأقول والدمع السّفوح سجام
стр. 1543
يا مدفن التّقوى ويا مثوى الهدى ... منّي عليك تحية وسلام
أخفيت من حزني عليك وفي الحشا ... نار لها بين الضلوع ضرام
ولو انني أدّيت حقّك لم يكن ... لي بعد فقدك في الوجود مقام
وإذا الفتى أدّى الذي في وسعه ... وأتى بجهد ما عليه ملام
وكتبت في بعض المعاهد التي كان يأنس بها رحمة الله عليه «١»
: [السريع]
غبت فلا عين ولا مخبر ... ولا انتظار منك مرقوب
يا يوسف، أنت لنا يوسف ... وكلّنا في الحزن يعقوب
يوسف بن عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة ابن نافع الفهري «٢»
أوليته: كان عبد الرحمن أحد زعماء العرب بالأندلس، وكان ممن ثار منها من أصحاب بلج «٣»
عصبيّة لقتله، فخرج عن الأندلس إلى إفريقية، وجدّه عقبة بن نافع، هو الذي اختطّ قيروانها أيام معاوية بن أبي سفيان. قال عيسى بن أحمد: وهرب ابنه يوسف هذا من إفريقية إلى الأندلس مغاضبا له، أيام بشر بن صفوان الكلبي، فهوى الأندلس واستوطنها، فساد بها ثم تأمّر فيها.
حاله: كان شريفا جليلا، حازما عاقلا، اجتمع عليه أهل الأندلس من أجل أنه قرشي، بعد موت أميرهم ثوابة بن سلامة، ورضي به الخيار من مضر واليمن، فدانت له الأندلس تسع سنين وتسعة أشهر، وكان آخر الأمراء «٤»
بالأندلس، وعنه انتقل سلطانها إلى بني أمية. وأشرك الصّميل «٥»
بن حاتم في أمره، فتركت لذلك نسبة الأمر له، وكانت الحرب التي لم يعرف بالمشرق والمغرب أشدّ جلادا ولا أصبر رجالا منها، واعتزلها يوسف تحرّفا، وقام بأمرها الصّميل، وانهزم اليمانيون واستلحموا ملحمة عظيمة، واستوسق الأمر ليوسف. وغزا جلّيقية فعظم في عدوّها
стр. 1544
أثره. ولما تمّ له الأمر طرقه ما تقدم به الإلماع، من عبور صقر بني أمية عبد الرحمن الداخل في خبر طويل. والتقى بظاهر قرطبة سنة ثمان وثلاثين ومائة في ذي الحجة، وانهزم يوسف بن عبد الرحمن والصّميل، ولحقا بإلبيرة. وأتبعهما عبد الرحمن بن معاوية، فنازله، وقد تحصن بمعقل إلبيرة حصن غرناطة، وترددت بينهما الرّسل في طلب المهادنة والبقاء على الصلح. وتخلّى يوسف عن الدعوة، واستقرّ سكناه بقرطبة، وذلك في صفر سنة تسع وثلاثين ومائة، وأقبل معه في عسكره إلى قرطبة. وذكر أنه تمثّل عند دخوله عسكر عبد الرحمن ببيت جرور ابن ابنة النعمان «١»
: [الطويل]
فبتنا «٢» نسوس الأمر «٣»
والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة نتنصّف
فتبّا لدنيا لا يدوم نعيمها ... تقلّب ساعات بنا وتصرّف
واستقرّ بقرطبة دهرا، ثم بدا له في الخلاف. ولحق بأحواز طليطلة، وأعاد عهد الفتنة، فاغتاله مملوكان له، وقتلاه، ﵀، في سنة اثنتين وأربعين ومائة. وأخبار يوسف بن عبد الرحمن معروفة، وهو محسوب من الأمراء الأصلاء بغرناطة، إذ كانت له قبل الإمارة بها ضياع يتردّد إليها.
ومن غير الأصليين
يحيى بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن محمد ابن أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي عزفة اللخمي
الرئيس أبو زكريا وأبو عمرو ابن الرئيس أبي طالب ابن الرئيس أبي القاسم. كنّاه أبوه أبا عمرو، وغلبت عليه الكنية المعروفة.
حاله: كان قيّما على طريقة أصحاب الحديث، رواية وضبطا وتقييدا وتخريجا، مع براعة خط، وطرف ضبط، شاعرا مجيدا مطبوعا، ذا فكاهة وحسن مجالسة. رأس بسبتة، بعد إجازته البحر من الأندلس والاحتلال بفاس، نائبا عن ملك المغرب السلطان أبي سعيد بن عبد الحق، لأمر متّ به إليه قبل استقلاله، ليس هذا موضع ذكره. ثم استبدّ بها مخالفا عليه، لأمر يطول شرحه، أجرى فيه موفّى الجانب من الخلع، باسلا مقداما، سكون الطائر، مثقّفا بخلال رئاسته، ضاما لأطرافها. ونازله
стр. 1545
جيش المغرب، وبيد أميره ولده أبو القاسم مرتهنا، فأتيح له ظفر أجلى ليلة غربيات المحلّة، والأثر فيها، واستخلاص ولده.
مشيخته: أخذ عن جماعة من أهل بلده وغيرهم، قراءة وسماعا وإجازة. فممن أخذ عنه من أهل بلده سبتة، أبو إسحاق الغافقي، وأبو عبد الله بن رشيد، وأبو الظفر المنورقي، وأبو القاسم البلفيقي، وأبو علي الحسن بن طاهر الحسيني، وأبو إسحاق التّلمساني، وأبو محمد عبد الله بن أبي القاسم الأنصاري، وأبو القاسم بن الشّاط.
وبغرناطة لما قدم عليها، مغرّبا عن وطنه، عند تصيّره إلى الإيالة النّصرية من أيديهم، وسكناه بها، عن أبي محمد عبد المنعم بن سماك، وأبي جعفر بن الزبير، وأبي محمد بن المؤذن، وأبي الحسن بن مستقور، وغيرهم. ومن أهل ألمرية أبو عبد الله محمد بن الصايغ، وأبو عبد الله بن شعيب. ومن أهل مالقة الولي أبو عبد الله بن الطّنجالي، وأبو محمد الباهلي، وأبو الحسن بن منظور، وأبو الحسن بن مصامد.
ومن أهل الخضراء، أبو جعفر بن خميس. ومن أهل بلّش أبو عبد الله بن الكماد.
ومن أهل أرجبة «١»
أبو زكريا البرشاني. ومن أهل بجاية أبو علي ناصر الدين المشدالي، وأبو عبد الله بن غربوز. ومن أهل فاس أبو عبد الله المومناني. ومن أهل تيزى أبو عبد الله محمد القيسي. وكتب له بالإجازة طائفة كبيرة من أهل المشرق، منهم قطب الدين القسطلاني.
شعره: قال لي شيخنا أبو البركات: سألته، وأنا معه واقف بسور قصبة سبتة، أن يجيزني ويكتب لي من شعره، فكتب لي قطيعات منها في تهنئة السلطان أبي الجيوش يوم ولايته: [الكامل]
الآن عاد إلى الإمامة نورها ... وارتاح منبرها وهشّ سريرها
وبدا لنا من بعد طول قطوبها ... منها التهلّل واستبان سرورها
وضعت أزمّتها بكفّ خليفة ... هو أصلها الأولى بها ونصيرها
من معشر عرفت بطون أكفّهم ... بذل النّدى واللّاثمين ظهورها
خرصانهم ووجوههم في ظلمة ال ... نّقع المثار نجومها وبدورها
وسع الرعايا منه عدله ... لم يزل إليه قلوبهم ويصورها «٢»
حتى اغتدت بالحب فيه صدورها ... ملأى وأخلص في الولاء ضميرها
стр. 1546
رام العداة لمجده كيدا فلم ... تنجح مساعتها وساء مصيرها
وكذاك فعل الله فيمن كاده ... جهلا وغرّته المنى وغرورها
مولاي، إنّا عصبة معروفة ... بالحبّ فيك صغيرها وكبيرها
جئنا نقضّي من حقوقك واجبا ... نسدي المدائح «١» تارة ونبيرها
ولقد خدمت مقامكم من قبلها ... بفرائد حسنا يعزّ نظيرها
فاجذب بضبعي من حضيض مزارتي ... من «٢» عرّست وعلى يديك مسيرها
وافتكّني من أسر فرط خصاصة ... عنفت فلم يقصد سواك أسيرها
لا زلت للإسلام تحمي أمّة ... دانته مما يتّقي ويجيرها
وبقيت في عزّ وسعد شامل ... حتى يحين من الرفات نشورها
وفي الإلغاز بالأقلام والمحبرة: [الوافر]
وسرب ضمّهم دست ستير ... شباب ليس يفزعهم قتير
قد اختصروا فلم يفرش سآد ... لمجلسهم ولم ينصب سرير
لهم كأس إذا دارت عليهم ... فقد أزف التّرحّل والمسير
وأفشوا سرّ ساقيهم «٣» بلفظ ... مبين ليس يفهمه البصير
وهزّت من رؤوسهم نشاطا ... وعند الصّحو يعروهم فتور
فصاح إن تحلّلهم وإلّا ... فشأنهم التّلعثم والقصور
صلاب حين تعجمهم ولكن ... إذا طعنوا فدمعهم غزير
لهم عقل يلوم على القوافي ... لذلك «٤» نومهم أبدا كثير
طويلهم يطول العمر منه ... أخا نعب ويخترم القصير
وهم لم يشف يوما «٥» ... بغير القطع عضوهم الكبير
فقل لي: من هم، لا زلت فردا ... دياجي المشكلات به تسير
نكبته: تنظر في العبادلة في اسم أبيه «٦» .
مولده: سنة سبع وسبعين وستمائة.
وفاته: عام تسعة عشر وسبعمائة، في شعبان، ﵀.
стр. 1547
يحيى بن علي بن غانية الصحراوي، الأمير أبو زكريا «١»
حاله: كان بطلا شهما حازما، كثير الدهاء والإقدام، والمعرفة بالحروب، مجمعا على تقدمه. نشأ في صحبة الأمير بقرطبة محمد ابن الحاج اللّمتوني وولّاه مدينة إستجة، فهي أول ولايته. وليها يحيى، وتزوج محمد بن الحاج أمّه غانية بعد أبيه وكفله، وأقام معه بقرطبة، إلى أن كان من محمد ابن الحاج ما كان من مداخلة أشياخ مسّوفة على خلع محمد بن يوسف بن تاشفين عن الأمر، وصرف البيعة إلى يحيى الحفيد، الوالي في ذلك العهد بمدينة فاس، ولم يتمّ له الأمر، فأجلي عن نكبته. وانفصل يحيى بن غانية عن جماعته، وأقام متصرّفا في الحروب، معروف الحق والغناء، إلى أن اشتهرت بسالته وديانته، ورغب يديّر بن ورقا، صاحب بلنسية، من السلطان في توجيهه إليه، ليستعين به على مدافعة العدوّ، فأجيب إلى ذلك.
فوصل يحيى بلنسية، وأقام بها ذابّا عن المسلمين، إلى أن توفي يدّير بن ورقا، فولّاه علي بن يوسف إياها وشرق الأندلس، فظهر غناؤه وجهاده، وهزم الله بها ابن رذمير الطّاغية منازلا إفراغة على يده، فطار ذكره، وعظم صيته، واشتهر سعده، وأسل عن البيضة دفاعه.
أخبار عزمه: حكي عنه أنه تزوج في فتوّته امرأة من قومه شريفة جميلة، وقرّ بها عينا، ثم تركها وطلّقها، فسئل عن ذلك، فقال: والله ما فارقتها عن خلّة تذمّ، ولكن خفت أن أشتغل بها عن الجهاد. ولم يزل يدافع النصارى عن المسلمين بالأندلس، فهزم ابن رذمير، وأقلع محلاتهم عن مدينة الأشبونة، واستمسك به حال الأندلس. وولّي قرطبة وما إليها من قبل تاشفين بن علي بن يوسف، عام ثمانية وثلاثين وخمسمائة، فاستقامت الأمور بحسن سيرته، وظهور سعده، إلى صفر من عام تسعة وثلاثين. وكانت ثورة ابن قسي باكورة الفتنة. ولما خرج إلى لبلة، ثار ابن حمدين بقرطبة دار ملكه في رمضان من العام، واستباح قصره، وانطلقت الأيدي على قومه، وتمّ له الأمر. وبلغ يحيى الخبر، فرجع أدراجه إلى إشبيلية، فثار به أهلها، وناصبوه الحرب وأصابوه بجراحة، فلجأ إلى حصن مرجانة، فأقام به يصابر الهول، ويرقّع القنن. ثم تحرّك إليه جيش ابن حمدين، وكانت بينهما وقيعة انهزم فيها ابن حمدين، واستولى ابن غانية على قرطبة، في شعبان من عام أربعين، وتحصّن ابن حمدين بأندوجر ممتنعا بها. ونهض يحيى إلى منازلته، فاستعان ابن حمدين بملك
стр. 1548
قشتالة، وأطمعه في قرطبة، فتحرّك إلى نصرته. ولما وصل أندوجر، أعذر يحيى في الدفاع والمصابرة، ثم انصرف بالجيش إلى قرطبة، وأخذ العدوّ في آثارهم، صحبة مستغيثه ابن حمدين. فنازل قرطبة، وامتنع ابن غانية بالقصر ومائليه من المدينة.
وأدخل ابن حمدين النصارى قرطبة في عاشر ذي الحجة من عام أربعين، فاستباحوا المسجد، وأخذوا ما كان به من النواقيس «١»
، ومزقوا مصاحفه، ومنها زعموا مصحف عثمان، وأنزلوا المنار من الصّومعة، وكان كله فضّة، وحرقت الأسواق، وأفسدت المدينة، وظهر من صبر ابن غانية، وشدّة بأسه، وصدق دفاعه، ما أيأس منه. وكان من قدر الله، أن بلغ طاغية الروم يوم دخولهم قرطبة، اجتياز الموحّدين إلى الأندلس، فأجال طاغيتهم قداح الرأي، فاقتضى أن يهادن ابن غانية، ويتركه بقرطبة في نحر عدوّه من الموحدين، سدّا بينهم وبين بلاده. فعقدت الشروط، ونزل إليه ابن غانية فعاقده، واستحضر له أهل قرطبة، وقال لهم: أنا قد فعلت معكم من الخير، ما لم يفعله من قبلي، غلبتكم في بلدكم وتركتكم رعيّة لي، وقد ولّيت عليكم يحيى بن غانية، فاسمعوا له وأطيعوا. قال المؤرخ: وفخر الطاغية في ذلك اليوم بقومه، وقال:
ولا يريبنكم أن تكونوا تحت يدي ونظري، فعندي كتاب نبيكم إلى جدّي. حدّث ابن أم العماد أبو الحسن، قال: حضرت، وأحضر حقّ من ذهب، فتح وأخرج منه كتاب من رسول الله ﷺ ، إلى قيصر ملك الروم، وهو جدّه بزعمه. والكتاب بخط علي بن أبي طالب. قال أبو الحسن: قرأته من أوله إلى آخره، كما جاء في حديث البخاري.
وانصرف إلى بلاده، وانصرف ابن حمدين، فكان هلاكه بمالقة، بعد اضطراب كثير.
واستقرّ ابن غانية بقرطبة الغادر به أهلها، فشرع في بنيان القصبة وسدّ عورتها، وسام أهلها الخسف وسوء العذاب، ووالى إغرامهم، واستعجل أمرهم، واتصل سلمه مع العدو إلى تمام أحد وأربعين وخمسمائة، وقد تملك الموحدون إشبيلية وما إليها.
وضيّق عليه النصارى في طلب الإتاوة، واشتطّوا عليه في طلب ما بيده، ونزل طاغيتهم أندوجر وبه رجل يعرف بالعربي، واستدعى ابن غانية، فلمّا تحصّل بمحلّته، طلبه بالتخلّي عن بيّاسة وأبّدة، فكان ذلك. وتشاغل الموحدون بأمر ثائر نازعهم بالمغرب، فكلب العدو على الأندلس، فنازل الأشبونة وشنترين، وألمرية وطرطوشة ولا ردة وإفراغة، وطمع في استئصال بلاد الإسلام، فداخل ابن غانية سرّا من بإشبيلية من الموحّدين، ووصله كتاب خليفتهم بما أحبّ، وتحرك الطاغية في جيوش لا ترام.
وطالب ابن غانية بالخروج عن جيّان وتسليمها إليه، وكاده، حسبما تقدم في اسم
стр. 1549
عبد الملك بن سعيد. ونهض بعد هذه الكائنة إلى غرناطة، وهي آخر ما تبقى للمرابطين من القواعد ليجمع بها أعيان لمتونة ومسّوفة، في شأن صرف الأمر إلى الموحدين.
وفاته: ولما وصل الأمير يحيى بن غانية إلى غرناطة أقام بها شهرين، وتوفي عصر يوم الجمعة الرابع عشر من شعبان عام ثلاثة وأربعين وخمسمائة، ودفن بداخل القصبة في المسجد الصغير، المتصل بقصر باديس بن حبّوس «١»
، مجاورا له في مدفنه، وعليه في لوح من الرخام تاريخ وفاته، والناس يقصدوه للتبرك به.
يوسف بن تاشفين بن إبراهيم بن توقورت بن وريابطن ابن منصور بن مصالة بن أمية بن وايامى الصنهاجي ثم اللمتوني «٢»
يكنى أبا يعقوب ويلقب بأمير المسلمين.
أوليته: ذكروا أن يحيى بن إبراهيم بن توقورت حجّ، وهو كبير قبيل الصحراويين في عشر الأربعين وأربعمائة، واجتاز على القيروان وهي موفورة بالعلماء، وتعرّف بالفقيه أبي عمران الفاسي، ورغب إليه أن ينظر له في طلب من يستصحبه، ليعلّم قومه ويفقههم، فخاطب له فقيها من فقهاء المغرب الأقصى اسمه واجاج، واختار له واجاج عبد الله بن ياسين القائم بدولتهم، البادي نظم نشرهم، وتأليف كلمتهم، فاجتمع عليه سبعون شيخا من نبهائهم ليعلمهم، فانقادوا له انقيادا كبيرا، وتناسل الناس، فضخم العدد، وغزا معهم قبائل الصحراء. ثم التأثت حاله معهم، فصرفوه، وانتهبوا كتبه، فلجأ إلى أمير لمتونة يحيى بن عمر بن تلايكان اللمتوني، فقبله، وأعاد حاله، وثابت طاعته، فأمضى القتل على من اختلف عليه.
وكان يحيى بن عمر يمتثل أمر عبد الله امتثالا عظيما. ثم خرج بهم إلى سجلماسة، فتملّكوها، وتملّكوا الجبل. ثم ظهروا على المغرب، ثم قتل الأمير يحيى بن عمر، فقدّم عبد الله أخاه أبا بكر بن عمر بدرعة، ونهد به، فتملّك
стр. 1550
جبال المصامدة، واحتلّ بأغمات وريكة واستوطنها. ولعبد الله أخبار غريبة وشذوذ في الأحكام، الله أعلم بصحتها. وقتل عبد الله بن ياسين برغواطة. ولم يزل الأمير أبو بكر بن عمر حتى أخذ ثأره، وأثخن القتل فيهم، وقدّم ابن عمه يوسف بن تاشفين بن إبراهيم على عسكر كبير، فيهم أشياخ لمتونة، وقبائل البرابرة والمصامدة، واجتاز على بلاد المغرب، فدانت له. وطرق الأمير أبا بكر خبر من قومه من الصحراء انزعج له، فولّى يوسف بن تاشفين على مملكة المغرب، وترك معه الثلث من لمتونة، إخوانه، وأوصاه، وطلّق زوجته زينب، وأمره يتزوّجها؛ لما بلاه من يمنها، فبنى يوسف مدينة مراكش وحصّنها، وتحبّب إلى الناس، واستكثر من الجنود والقوة، وجبى الأموال، واستبدّ بالأمر. ورجع الأمير أبو بكر من الصحراء سنة خمس وستين وأربعمائة، فألفى يوسف مستبدّا بأمره، فسالمه، وانخلع له عن الملك، ورجع إلى صحرائه، فكان بها تصله هدايا يوسف إلى أن قتله السّودان. واستولى يوسف على المغرب كله، ثم أجاز البحر إلى الأندلس، فهزم الطاغية الهزيمة الكبرى بالزلّاقة، وخلع أمراء الطّوائف، وتملّك البلاد إلى حين وفاته.
حاله: قال أبو بكر بن محمد بن يحيى الصيرفي: كان، ﵀، خائفا لربّه، كتوما لسرّه، كثير الدعاء والاستخارة، مقبلا على الصلاة، مديما للاستغفار، أكثر عقابه لمن تجرأ أو تعرض لانتقامه الاعتقال الطويل، والقيد الثّقيل، والضرب المبرّح، إلّا من انتزى أو شقّ العصا، فالسيف أحسم لانتثار الداء. يواصل الفقهاء، ويعظّم العلماء، ويصرف الأمور إليهم، ويأخذ فيها بآرائهم، ويقضي على نفسه وغيره بفتياهم، ويحضّ على العدل، ويصدع بالحق، ويعضّد الشّرع، ويحزم في المال، ويولع بالاقتصاد في الملبس والمطعم والمسكن، إلى أن لقي الله، مجدّا في الأمور، ملقنا للصواب، مستحبّا حال الجد، مؤدّيا إلى الرعايا حقّها، من الذّب عنها، والغلظة على عدوها، وإفاضة الأمن والعدل فيها. يرى صور الأشياء على حقيقتها، تسمّى بأمير المسلمين لما احتل الأندلس وأوقع بالروم، وكان قبل يدعى الأمير يوسف، وقامت الخطبة فيها جميعا باسمه، وبالعدوة، بعد الخليفة العباسي. وكان درهمه فضّة، ودنيره تبر محض، في إحدى صفحتي الدّنير «لا إله إلا الله، محمد رسول الله» ، وتحت ذلك أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، وفي الداير: «ومن يتّبع غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين» . وفي الصفحة الأخرى:
«الإمام عبد الله أمير المسلمين» ، وفي الداير: تاريخ ضربه وموضع سكّته، وفي جهتي الدرهم ما حمله من ذلك.
стр. 1551
بعض أخباره: في سنة سبعين وأربعمائة وردت عليه كتب الأندلس، يبثّون حالهم، ويحرّكونه إلى نصرهم. وفي سنة اثنتين بعدها ورد عليه عبد الرحمن بن أسباط من ألمرية يشرح حال الأندلس. وفي سنة خمس وسبعين بعدها وجّه إلى شراء العدد فيها واستكثر منها. وفي سنة ستّ بعدها فتح مدينة سبتة ودخلها عنوة على الثّائر بها سقوت البرغواطي. وفي سنة ثمان اتصل به تملّك طاغية قشتالة مدينة طليطلة، وجاز إليه المعتمد بن عباد بنفسه، وفاوضه واستدعاه لنصرة المسلمين، وخرج إليه عن الجزيرة الخضراء. وعلم بذلك الأدفنش، فاخترق بلاد المسلمين معرضا عن رؤساء الطوائف، لا يرضى أخذ الجزية منهم، حتى انتهى إلى الخضراء، ومثل على شاطىء البحر، وأمر أن يكتب إلى الأمير يوسف بن تاشفين، والموج يضرب أرساغ فرسه، بما نسخته:
«من أمير الملتين أذفونش بن فردلند إلى الأمير يوسف بن تاشفين. أمّا بعد، فلا خفاء على ذي عينين أنك أمير الملّة المسلمة، كما أنا أمير الملّة النصرانية. ولم يخف عليكم ما عليه رؤساؤكم بالأندلس من التّخاذل، والتواكل، وإهمال الرعية، والإخلاد إلى الراحة، وأنا أسومهم سوء الخسف، وأضرب الدّيار، وأهتك الأستار، وأقتل الشبّان، وأسبي الولدان، ولا عذر لك في التّخلّف عن نصرتهم، إن أمكنتك قدرة.
هذا وأنتم تعتقدون أن الله، ﵎، فرض على كل منكم، قتال عشرة منّا، ثم خفّف عنكم فجعل على كل واحد منكم قتال اثنين منّا، فإنّ قتلاكم في الجنة، وقتلانا في النار، ونحن نعتقد أن الله أظهرنا بكم، وأعاننا عليكم، إذ لا تقدرون دفاعا، ولا تستطيعون امتناعا. وبلغنا عنك أنك في الاحتفال على نيّة الإقبال، فلا أدري إن كان الحين يبطئ بك أمام التكذيب لما أنزل عليك. فإن كنت لا تستطيع الجواز فابعث إليّ ما عندك من المراكب لأجوز إليك، وأنا جزك في أحبّ البقاع، فإن غلبتني، فتلك غنيمة جاءت إليك، ونعمة مثلت بين يديك. وإن غلبتك، كانت لي اليد العليا، واستكملت الإمارة. والله يتمّ الإرادة» .
فأمر يوسف بن تاشفين أن يكتب في ظهر كتابه: «جوابك يا أذفونش، ما تراه، لا ما تسمعه إن شاء الله» . وأردف الكتاب ببيت أبي الطيب «١»
: [الطويل]
ولا كتب إلّا المشرفيّة والقنا «٢» ... ولا رسل إلّا الخميس العرمرم
стр. 1552
وعبر البحر، وقد استجاش أهل الأندلس. وكان اللقاء يوم الجمعة منتصف «١»
رجب من عام تسعة وسبعين وأربعمائة. ووقعت حرب مرّة، اختلط فيها الفريقان، بحيث اقتحم الطاغية محلة المسلمين، وصدم يسارة جيوش الأندلس، واقتحم المرابطون محلّته للحين. ثم برز الجميع إلى مأزق، تعارفت فيه الوجوه، فأبلوا بلاء عظيما، وأجلت عن هزيمة العدو، واستئصال شأفته. وأفلت أذفونش في فلّ قليل، قد أصابته جراحة، وأعزّ الله المسلمين ونصرهم نصرا لا كفاء له، وأكثر شعراء المعتمد القول في ذلك، فمن ذلك قول عبد المجيد بن عبدون من قصيدة:
[الوافر]
فأين العجب يا أذفونش هلّا ... تجنّبت المشيخة يا غلام؟
ستشملك «٢» النساء ولا رجال ... فحدّث ما وراءك يا عصام «٣»
أقمت لدى الوغى سوقا فخذها ... مناجزة وهون لا تنام
فإن شئت اللّجين فثمّ سام ... وإن شئت النّضار فثمّ حام
رأيت الضّرب تطييبا فصلّب ... فأنت على صليبك لا تلام
أقام رجالك الأشقون كلّا ... وهل جسد بلا رأس ينام؟
رفعنا هامهم في كلّ جذع ... كما ارتفعت على الأيك الحمام
سيعبد بعدها الظّلماء لمّا ... أتيح له بجانبها اكتتام
ولا ينفكّ كالخفّاش يغضي ... إذا ما لم يباشره الظلام
نضا إذ راعه واجتاب ليلا ... يودّ لو انّ طول الليل عام
سيبقى حسرة ويبيد إن لم ... أبادتنا القناة أو الحسام
стр. 1553
وعاد إلى العدوة. ثم أجاز البحر ثانية إلى منازلة حصن ليّيط «١»
، وفسد ما بينه وبين أمراء الأندلس، وعاد إلى العدوة، ثم أجاز البحر عام ثلاثة وثمانين وأربعمائة، عاملا على خلعهم، فتملّك مدينة غرناطة في منتصف رجب من العام المذكور، ودخل القصر بالقصبة العليا منها، واستحسنه، وأمر بحفظه ومواصلة مرمّته، وطاف بكل مكان منه. ثم تملّك ألمرية وقرطبة وإشبيلية وغيرها، في أخبار يطول اقتضاؤها، والبقاء لله.
وفاته: توفي، ﵀، بمدينة مراكش يوم الاثنين مستهل محرم سنة خمسمائة. وممن رثاه أبو بكر بن سوّار من قصيدة أنشدها على قبره: [الكامل]
ملك الملوك، وما تركت لعامل ... عملا من التّقوى يشارك فيه
يا يوسف، ما أنت إلّا يوسف ... والكلّ يعقوب بما يطويه
اسمع، أمير المؤمنين، وناصر ال ... دين الذي بنفوسنا نفديه
جوزيت خيرا عن رعيتك التي ... لم ترض فيها غير ما يرضيه
أمّا مساعيك الكرام فإنها ... خرجت عن التّكييف والتّشبيه
في كل عام غزوة مبرورة ... تردي عديد الروم أو تفنيه
تصل الجهاد إلى الجهاد موفّقا ... حتم القضاء بكل ما تقضيه
ويجيء ما دبّرته كمجيئه ... فكأنّ كلّ مغيّب تدريه
متواضعا لله مظهر دينه ... في كل ما تبديه أو تخفيه
ولقد ملكت بحقّك الدنيا وكم ... ملك الملوك الأمر بالتّمويه
لو رامت الأيام أن تحصي الذي ... فعلت سيوفك لم تكد تحصيه
إنا لمفجوعون منك بواحد ... جمعت خصال الخير أجمع فيه
وإذا سمعت حمامة في أيكة ... تبكي الهديل فإنها ترثيه
ومضى «٢» قد استرعى رعيّة أمّه ... فأقام فيهم حقّ مسترعيه
إذا هزبر الغاب صرّى شبله ... في الغاب كان الشّبل شبه أبيه
وإذا عليّ كان وارث ملكه ... فالسّهم يلقى في يدي باريه
стр. 1554
يوسف بن محمد بن يوسف بن محمد بن نصر «١»
ولي عهد أبيه أمير المسلمين، الغالب بالله.
حاله: كان أميرا جليلا حصيفا فاضلا، ظاهر النبل، محبّا في العلم ... «٢»
من فنونه. مال إلى التعاليم والنجوم، أفرط في الاستغراق في ذلك، ونمى إلى أبيه، فأنكره، وقصد يوما منزله لأجل ذلك، ودخل المجلس، وبه مجلّدات كثيرة، وقال:
ما هذه يا يوسف؟ فقال، سترا لغرضه المتوقّع فيه نكير أبيه: يا مولاي، هي كتب أدب، فقال السلطان، وقد قنع منه بذلك: يا ولدي، ما أخذناها، يعني السلطنة، إلّا بقلّة الأدب، تورية حسنة، إشارة إلى الثورة على ملوك كانوا تحت إيالتهم، فغرب في حسن النادرة، وكان قد ولّاه عهده بعد أخيه، لو أمهلته المنية.
وفاته: توفي يوم الجمعة ثالث عشر صفر عام ستين وستمائة.
يوسف بن عبد المؤمن بن علي «٣»
الخليفة أبو يعقوب الوالي بعد أبيه.
حاله: كان فاضلا كاملا عدلا ورعا جزلا، حافظا للقرآن بشرحه، عالما بحديث رسول الله ﷺ ، خطئه وصحيحه، آية الموحّدين في الإعطاء والمواساة، راغبا في العمارة، مثابرا على الجهاد، مشيعا للعدل. أصلح العدوة وأمّنها، وأنس شاردها، وحصّن جزيرة الأندلس ببعوثه لها، فقمعوا عاصيها، وافترعوا بالفتح أقاصيها، وأحسن لأجنادها، وأمدّهم من الخيل بالمبين من أعدادها، ﵀.
ولده: ثمانية عشر، أكبرهم يعقوب ولي عهده، نجم بني عبد المؤمن وجوهرتهم.
حاجبه: أبو حفص شقيقه.
وزراؤه: إدريس بن جامع، ثم أبو بكر بن يوسف الكومي.
стр. 1555
قضاته: حجاج بن يوسف بن عمران، وابن مضاء.
كتّابه: أبو الحسن بن عيّاش القرطبي، وأبو العباس بن طاهر بن محشرة.
بعض أخباره: في أيامه استوصلت دولة ابن مردنيش، بعد حروب مبيرة، ودوّخ إفريقية، وردّ أهل باجة إلى وطنهم، بعد تملّك العدوّ إياه، وجبرهم جدا واستنقاذا، وفتح حصن بلج.
وفاته: في الثامن والعشرين لربيع الآخر سنة ثمانين وخمسمائة، بظاهر شنترين من سهم أصابه في خبائه، وهو محاصر لها، فقضى عليه، وكتم موته، حتى اشتهر بعد رحيله. ذكر ذلك أبو الحسن بن أبي محمد الشّريشي، فكانت خلافته اثنين وعشرين عاما، وعشرة أشهر، وعشرة أيام، وعمره سبع وأربعون سنة.
مولده: في مستهل سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، ودخل غرناطة لأول مرة، ووجب ذكره فيمن حلّ بها.
يوسف بن يعقوب بن عبد الحق بن محيو «١»
أمير المسلمين بالمغرب، يكنى أبا يعقوب.
أوّليته: معروفة مذ وقع الإلماع بذلك في اسم أمير المسلمين أبيه.
حاله: كان ملكا عالي الهمة، بعيد الصيت، مرهوب الشّبا، رابط الجأش، صعب الشّكيمة، على عهده اعتلي الملك، وناشب القبيل، واستوسق الأمر. جاز إلى الأندلس مع والده، ودوّخ بين يديه بلاد الروم، ووقف بظاهر قرطبة وإشبيلية، وحضر الوقيعة بذنونه «٢» ، وجرت بينه وبين سلطان الأندلس، على عهده، منافرات أجلت أخيرا عن لحاق السلطان به مستعتبا، واستقرّ آخرا محاصرا لتلمسان، غازيا لبني زيّان الأمراء بها، وابتنى مدينة سمّاها تلمسان الجديدة، وأقام محاصرا لها، مضيّقا على أهلها نحوا من ثمانية أعوام، وعظّمته الملوك شرقا وغربا، ووردت عليه الرّسل والهدايا من كل جهة، وهابه الأقارب والأباعد.
стр. 1556
وفاته: ولما أراد الله إنفاذ حكمه فيه، قيّض له عبدا خصيّا حبشيّا، أسفه بقتل أخ له أو نسيب، في باب خيانة عثر له عليها، فاقتحم عليه دار الملك على حين غفلة، فدجّاه بسكين أعدّه لذلك، وضجّ القصر، وخرج وبالسلطان رمق، ثم توفي من الغد، أو قريبا منه، في أوائل ذي قعدة من عام ستة وسبعمائة، فكانت دولته إحدى وعشرين سنة وأشهرا، وانتقل إلى مدفن سلفه بسلا، وقبره بها. وركب قاتله فرسا أزعجها ركضا، يروم النجاة واللّحاق بالبلد المحصور، وسبقه الصّياح، فسدّ بعض الأبواب التي أمل النجاة منها، وقتل وألحق به كثير من جنسه.
وجرى ذكره في الرّجز المتضمن دول الملوك «١» من تأليفنا، بما نصّه:
[الرجز]
حتى إذا الله إليه قيّضه ... قام ابنه يوسف فيها عوّضه
وهو الهمام الملك الكبير ... فابتهج المنبر والسّرير
وضخم الملك وذاع الصّيت ... بملكه وانتظم الشّتيت
وساعد السّعد وأغضى الدّهر ... وخلص السّرّ له والجهر
وأمل الجود وخيف الباس ... واستشعر الخشية منه الناس
ثم تقضّى معظم الزمان ... مواصلا حصر بني زيّان
حتى أهلّ تلمسان للفرج ... ونشقوا من جانب اللطف الفرج
لما توفي درج السعد درج ... فانفرج ضيق الحصر عنها وانفرج
ونزل بظاهر غرناطة وببعض مروجها بقرية أشقطمر، في بعض غزوات أبيه إلى قرطبة، وتقدّم السلطان إليهم من البرّ والقرى، ما كثر الإخبار به والتعجب منه، ووجّه إليهم ولده وولي عهده.
يعقوب بن عبد الحق بن محيو بن بكر بن حمامة ابن محمد بن رزين بن فقوس بن كرناطة بن مرين «٢»
من قبيلة زناتة، أمير المسلمين، المكنى بأبي يوسف، الملقّب بالمنصور، ﵀.
стр. 1557
أوليته: ظهر بالمغرب أبوه الأمير عبد الحق، وقد اضطربت دولة الموحّدين، والتأث أمرهم، ومرجت عرب رياح؛ لعجز الدولة عن كفّ عدوانهم، فخرج الأمير عبد الحق في بحبوحة قومه من الصحراء، ودعا إلى نفسه، واستخلص الملك بسيفه، عام عشرة وستمائة، وكان على ما يكون عليه مثله، ممن جعله الله جرثومة ملك وخدم دولة، من الصّدق والدّهاء والشجاعة. ورأى في نومه كأنّ شعلا أربع من نار، خرجن منه، فعلون في جوّ المغرب، ثم احتوين على جميع أقطاره، فكان تأويلها تملّك بنيه الأربعة بعده، والله يؤتي ملكه من يشاء. وكان له من الولد إدريس، وعثمان، وعبد الله، ومحمد، وأبو يحيى، وأبو يوسف، ويعقوب هذا. ولمّا هلك هو وابنه إدريس في وقيعة رياح، ولي أمره عثمان ولده، ثم ولي بعده أخوه محمد، ثم ولي بعده أبو يحيى أخوهما. وفي أيامه اتّسق الملك، وضخم الأمر، وافتتحت البلاد. ولمّا هلك حتف أنفه بفاس في رجب من عام ستة وخمسين وستمائة، قام بالملك أخوه يعقوب المترجم به، وأرّث الملك بنيه.
حاله: كان ديّنا فاضلا حييّا، جوادا سمحا، شجاعا، محبّا في الصالحين، منقادا إلى الخير، حريصا على الجهاد. أجاز ولده في أوائل عام اثنين وسبعين وستمائة إلى الأندلس، ثم عبر بنفسه في سرار صفر من العام بعده، فاحتلّ بظاهر إشبيلية، وكسر جيش الرّوم المنعقد على زعيمهم المسمّى ذنونه، بظاهر إستجة في ربيع الآخر من العام. ثم عبر ثانيا، مغتنما ما نشأ بين الروم من الفرقة، فغزا مدينة قرطبة، وصار أمر العدو في أطواق الفرنتيرة، بحيث لا يوجد في بطن القتيل منها إلّا العشب أزلا ومسغبة، لانتشار الغارات، وانتساف الأقوات، وحديث الفتنة.
وسببها ما كان من تصيّر مالقة إليه، من أيدي المنتزين عليها من بني إشقيلولة، ثم عودتها إلى سلطان الأندلس، من أيدي رجاله، شيوخ بني محلّى، ثم تدارك الله المسلمين بصلاح ذات البين، واحتلّ بظاهر غرناطة، في بعض هذه الغزوات، فنزل بقرية إسقطمر من مرجها، واحتفل السلطان، ﵀، في برّه، وأجزل نزله، وتوجيه ولده إليه. وذكر سيرته شاعرهم أبو فارس عزّوز في أرجوزته، فقال:
[الرجز]
سيرة يعقوب بن عبد الحقّ ... قد حاز فيها قصبات السّبق
بغيتان، يقرأ الكتاب ... وتذكّر العلوم والآداب
يقوم للكتاب ثلث الليل ... وما له عن ورده من سبيل
حتى إذا الصباح لاح وارتفع ... قام وصلّى للإله وركع
وضجّ بالتّسبيح والتّقديس ... حتى يتمّ الحزب في التّغليس
стр. 1558
يقرأ أولا كتاب السّير ... والقصص الآتي بكلّ خبر
ثم فتوح الشّام باجتهاد ... وبعده المشهور بالإنجاد
سؤاله تعجز عنه الطّلبه ... ومن لديه من أجلّ الكتبه
يعقد الكتب إلى وقت الضّحى ... ثم يصلّيها كفعل الصّلحا
ويأمر الكتّاب بالأوامر ... في باطن من سرّه وظاهر
ويدخل الأشياخ من مرين ... للرأي والتدبير والتّزيين
مجلسه ليس به فجور ... ولا فتى في قوله يجور
كأنهم مثل النجوم الزّهر ... وبينهم يعقوب مثل البدر
قد أسبر الوقار والسكينه ... وحلّ في مكانة مكينه
حتى إذا ما جاز وقت الظهر ... قام إلى بيت للنّدى والفخر
يبقى إلى وقت صلاة العصر ... يأتي إلى بيت العلى والأمر
وينصف المظلوم ممن ظلمه ... ولم يزل إلى صلاة العتمه
ثم يؤمّ بيتة الكريما ... ويترك الوزير والخديما
ثم ينام تارة، وتارة ... يدبّر الأمور بالإداره
ما إن ينام الليل إلّا ساهرا ... ينوي الجهاد باطنا وظاهرا
فهل سمعتم مثل هذه السّيره ... وهذه المآثر الأثيره
لملك كان من الملوك ... أو مالك في الدهر أو مملوك
كذاك كان فعله قديما ... بذاك نال الملك والتّعظيما
ومن الرّجز المسمى بقطع السّلوك «١» من تأليفنا، في ذكره، قولي: [الرجز]
تبوّا «٢» هذا الأمر عبد الحقّ ... أكرم من نال العلى بحقّ
واستخلص الملك بحدّ المرهف ... لسن مجد عظيم الشرف
وكان سلطانا عظيم الجود ... وصدقت رؤياه في الوجود
فأعلى الأيام نور سعده ... ونالها أبناؤه من بعده
عثمان ثم بعده محمد ... ثم أبو يحيى الحمام الأسعد
تمهّد الملك له لما هلك ... وسلك السّعد به حيث سلك
стр. 1559
وفتحت فاس على يديه ... والملك العليّ حلّه لديه
وكان ذا فضل وهدى وورع ... قد رسم الملك فيهم واخترع
ثم أتت وفاته المشهوره ... فولّي المنصور تلك الصّوره
وهو أبو يوسف غلّاب العدا ... وواحد الأملاك بأسا وندى
ممهّد الملك وموري الزّند ... وباسط العدل ومولي الرّفد
مدّت إلى نصرته الأكفّ ... والروم في العدوان لا تكفّ
فاقتحم البحر سريعا وعبر ... ودافع الأعداء فيها وصبر
ووقعت في عهده أمور ... وفتنة ضاقت لها الصّدور
وآلت الحال إلى التئام ... فما أضيعت حرمة الإسلام
حتى إذا الله إليه قبضه ... قام ابنه يوسف فيها عوضه
وفاته: توفي في شهر المحرم عام خمسة وثمانين وستمائة، بالجزيرة الخضراء ودفن بها. ثم احتمل بعد إلى سلا، فدفن بالجبانة المعروفة هنالك لملوك من بني مرين. ومحلّ هذا السلطان في الملوك المجاهدين المرابطين معروف، تغمّده الله برحمته.
الأعيان والوزراء والأماثل والكبراء
يحيى بن رحو بن تاشفين بن معطي بن شريفين
أقرب القبائل المرينية إلى قبيل سلطانهم من بني حمامة. خدم جدّه بتونس، ثم بالأندلس، يكنى أبا زكريا، شيخ القبيل الزّناتي، ومحراب رأيهم، وقطب رحى حماتهم.
حاله: كان هذا الشيخ وحيد دهره، وفريد وقته، وشامة أهل جلدته، في النّبل والفطانة، والإدراك والرّجاحة، شديد الهزل مع البأو، والممالقة مع التّيقور، والمهاترة مع الحشمة، عارفا بأخلاق الملوك وشروط جلسائها، حسن التوصّل إليها، والتأتّي لأغراضها، بعيد الغور، كثير النّكراء، لطيف الحيلة، عارفا بسياسة الوطن، قيوما على أخلاق أهله، عديم الرّضا بسير الملوك وإن أعلقوا بالعروة الوثقى يده ويسّروا على عبور عقبة الصّراط عونه، وأقطعوه الجنّة وحده، طنازا «١» بهم، مغريا خائنة الأعين بتصرّفاتهم، مقتحما حمى اغتيابهم، قد اتخذ ذلك سجيّة أقطعته جانب القطيعة برهة،
стр. 1560
فارتكب لها الأداهم مدّة، جمّاعة للمال، ذائدا عنه بعصا التّقتير، وربما غمس فيه إبرة للصدقة وساما بينه وبين الوزير، مكفي السماء على الأرض برأيه المستعين على الفتكة وما وراءها، بمنيع موالاتهم، وبانيه يوم مكاشفة الملإ إياه بالنّفرة، وكان قطب الرّحى للقوم في الوجهة إلى الأمير عبد الحليم، ومقيم رسمه. وانصرف إلى جهة مرّاكش عند الهزيمة عليه، فاتّصل بعميدها عامر بن محمد بن علي الهنتاتي، وجرت عليه خطوب، وعاثت في الكثير من نعمته أكفّ التّمزيق، ديدن الدهر، في الأموال المحتجنة، والنقود المكتنزة، واستقرّ أخيرا بسجلماسة، في مظاهرة الأمير عبد الحليم المذكور، وبها هلك. وكان على إزرائه ولسب لسانه، واخز تلال حيّة حدّته، ناصح الرأي لمن استنصحه، قوّاما فيه بالقسط، ولو على نفسه والوالدين والأقربين، فضيلة عرف فيها شأوه، مقيما لكثير من الرّسوم الحسبية.
دخوله غرناطة: قدم غرناطة في جمادى من عام تسعة وخمسين وسبعمائة في غرض الرّسالة، ووصل صحبته قاضي الجماعة بالمغرب أبو عبد الله المقري، وكان من امتساكه بالأندلس، ما أوجب عودة المترجم به في شأنه، فتعدد الاستمتاع بنبله.
وفاته: توفي قتيلا في الهزيمة على الأمير عبد الحليم بظاهر سجلماسة في ربيع الأول من عام أربعة وستين وسبعمائة.
يحيى بن طلحة بن محلّى البطوي، الوزير أبو زكريا
حاله: كان مجموعا رائعا، حسن شكل وجمال رواء، ونصاعة ظرف، واستجادة مركب وبزّة، قديم الجاه، مرعى الوسيلة، دربا على الخدمة، جلدا على الوقوف والملازمة، مجدي الجاه، تلمّ به نوبة تواضع، يتشبّث به الفقراء وأولي الكدية، فكه المجلس، محبّا في الأدب، ألفا للظرفاء، عاملا على حسن الذّكر وطيب الأحدوثة. تولّى الوزارة للسلطان أبي الحسن، ونشأ في حجر أبيه، ماتّا إليهم بالخؤولة القديمة، فتملّأ ما شاء من قرب ومزيّة، وباشر حصار الجبل لمّا نازله الطاغية؛ لقرب عهد بفتحه، فأبلى وحسن أثره. نشأ بالأندلس، وسكن وادي آش وغرناطة، واستحقّ الذكر لذلك.
شعره: وكان ينظم الشعر، فمن ذلك قوله في مزدوجة في غرض الفخر:
[الرجز]
أنا ابن طلحة ولا أبالي ... ليث السّرى في الحرب والنزال
يحيى حياة البيض والعوالي ... مبيد كلّ بطل مغتال
стр. 1561
إن سمعوا باسمي في مجال ... يلقوا بأيديهم إلى النّكال
أستنزل القرن لدى الصّيال ... وأكسر النّصل على النّصال
من أملي التفريق للأموال ... والجمع بين الأقوال والفعال
والشّعر إن تسمعه من مقال ... تعلم بأن السّحر في أقوال
أوشج الغريب فالأمثال ... وأقرن الأشباه بالأمثال
وأفضلّ المرجان باللّآل ... وأذكر الأيام واللّيال
فمن أبو أمية الهلال ... ومن وحيد عصره الميكال
هذا ولي في غير ذا معال ... بها أعالي الدّهر من أعال
كما لحسب الصّميم والمعال ... والمحتد الضّخم الحفيل الحال
وكرم الأعمام والأخوال ... والصّون والعفاف والأفضال
فمن يساجلني فذا سجال ... ومن يناضلني فذا نضال
وفاته: توفي في أواخر عام خمسة وثلاثين وسبعمائة؛ أصابه سهم نفط رمي به من سور تلمسان أيام الحصار، فقضى عليه، نفعه الله.
يحيى بن عبد الرحمن بن إبراهيم ابن الحكيم اللخمي
أخو الوزير أبي عبد الله بن الحكيم وكبيره، يكنى أبا بكر، رندي الأصل. قد مرّ شيء من ذكر أوّليته. دخل غرناطة مرات، وافدا وزائرا، وساكنا ومغرّبا.
حاله: كان وزيرا جليلا، وقورا عفيفا، سريّا فاضلا، رحب الجانب، كثير الأمل، جمّ المعروف، شهير المحل، عريض الجاه، صريح الطّعمة، من أقطاب أرباب النعم، ومنتجعي الفلاحة بالأندلس. استبدّ ببلده برهة، بإسناد ذلك إليه وإلى أخيه، من السلطان أمير المسلمين أبي يعقوب ملك المغرب، الصائر إليه أمره عند نبذها مغاضبا، ثم أصاره إلى إيالة السلطان، ثاني الملوك من بني نصر، على يدي أخيه كاتبه ووزير ولده.
محنته ووفاته: ولمّا تقلّد أخوه ذو الوزارتين أبو عبد الله بن الحكيم الأمر، سما جاهه، وعظم قدره، وتعدّد أمله، إلى أن تعدّى إليه أمر المحنة يوم الفتك بأخيه، فطاح في سبيله نشبه، وذهب في حادثه الشنيع مكسبه. واستقرّ مغرّبا بمدينة فاس، تحت ستر وجراية، وبها أدركته وفاته في أوائل شوال من عام عشرة وسبعمائة.
стр. 1562
يحيى بن عمر بن رحّو بن عبد الله بن عبد الحق
جدّ الملوك من بني مرين، يكنى أبا زكريا، شيخ الغزاة، ورئيس جميع القبائل بالأندلس.
أوليته: قد تقدمت الإشارة إلى أوّلية هذا البيت، ونحن نلمع بسبب انتباذهم عن قومهم، وهو ما كان من قتل أخي جدّهم، يعقوب بن عبد الله بن عبد الحق، ابن أخي السلطان أبي يوسف، إذ كان ثائرا مصعبا، مظنّة للملك، ومحلّا للآمال، فنافسه وليّ العهد وأوقع به، فوقع بينهم الشّتات، وفرّ شيوخ هذا البيت وأتباعهم إلى تلمسان، ثم اجتازوا إلى الأندلس، منهم من آثر الجهاد، أو نبا به ذلك الوطن، أو شرّده الخوف، أو أحطب به الاستدعاء. فمنهم موسى وعمران والعباس، أبناء رحّو بن عبد الله، وعثمان بن إدريس، وغيرهم، فبدت فيهم الشياخة، وصحبهم التّقديم، وأقامت فيهم الخطّة، وتردّدت بينهم الولاية.
حاله: هذا الشيخ مستحقّ الرّتبة، أهل لهذه الرئاسة، بأسا ونجدة، وعتقا وأصالة، ودهاء ومعرفة، طرف في الإدراك، عامل على الحظوة، مستديم للنعم، طيّب بالخدمة، كثير المزاولة والحنكة، شديد التّيقظ، عظيم الملاحظة، مستغرق الفكرة في ترتيب الأمور الدنيوية، بحّاث عن الأخبار، ملتمس للعيون، حسن الجوار، مبذول النّصفة، بقية بيته بالعدوتين وشيخ رجاله. له الإمامة والتّبريز في معرفة لسانهم، وما يتعلّق به من شعر ومثل وحكمة وخبر، لو عرضت عليه رمم من عبر مهم لأثبتها، فضلا عن غير ذلك، نسّابة بطونهم وشعابهم، وعلّامة سيرهم، وعوائدهم، ألمعيّ، ذكي، حافظ للكثير من الحكم والتواريخ، محفوظ الشّيبة من العصمة، طاهر الصون والعفّة، مشهور الشّهامة والنّجدة، معتدل السّخاء، يضع الهناء مواضع النّصب فلا يخدع عن جدته، ولا يطمع في غفلته، ولا ينازع فيما استحقّه من مزيّته، خدم الملوك، وخبر السّير، فترك الأخبار لعلمه، وعضل عقله بتجربته.
تولّى رئاسة القبيل وسط صفر من عام سبعة وعشرين وسبعمائة، معوّضا به عن شيخ الغزاة عثمان بن أبي العلاء، فتنعّم البيت، وخدن الشّهرة، عندما أظلم ما بينه وبين ابن المحروق مدبّر الدولة، ودافعه بالجيش في ملقى حرانه، من أحواز حصن أندرش مرات، تناصف الحرب فيها، وربما ندر الفلج في بعضها، واستمرّت حاله إلى سابع محرم من عام تسعة وعشرين وسبعمائة، وأعيد عثمان بن أبي العلاء إلى رتبته على تفئة مهلك ابن المحروق، وانتقل هو إلى مكانه بوادي آش في قومه،
стр. 1563
تحت حفظ ومبرّة. ثم دالت له الدولة، وعادت إلى ولده الكرة، يوم القبض على نظرائه وقرابته، مترفي حظوته، ولد الشيخ أبي سعيد عثمان بن أبي العلاء، عند إيقاع الفتكة بهم يوم السبت التاسع والعشرين لربيع الأول عام أحد وأربعين وسبعمائة. واستمرّت له الولاية، وألقت عصاها كلفة منه بالكفؤ الذي سلّم له المنازع، إلى أن قبض سلطانه، ﵀، فجرى ولده على وتيرة أبيه، ووفّى له صاع وفائه، فجدّد ولايته، وشدا حسّه، ونوّه رتبته، وصدر له يوم بيعته منشور كريم من إنشائي نصّه:
«هذا ظهير كريم منزلته في الظهائر الكريمة منزلة المعتمد في الظّهر الكرام، أطلع وجه التعظيم سافر القسام، وعقد راية العزّ السامي الأعلام، وجدّد كريم المتات وقديم الذّمام، وانتضى للدفاع عن حوزة الدين حساما يقرّ بمضائه صدر الحسام، فأعلن تجديده بشدّ أزر الملك ومناصحة الإسلام، وأعرب عن الاعتناء الذي لا تخلق جديده أيدي الليالي والأيام. أمر به الأمير عبد الله محمد ابن أمير المسلمين أبي الحجّاج، ابن أمير المسلمين أبي الوليد بن نصر، أيّد الله أمره وأعزّ نصره، لوليّه الذي هو عماد سلطانه، وواحد خلصائه، وسيف جهاده، ورأس أولي الدفاع عن بلاده، وعقد ملكه، ووسطى سلكه، الشيخ الجليل الكبير الشهير، الأعزّ الأسنى، الصدر الأسمى، الأحفل، الأسعد، الأطهر، الأظهر، الكذا، أبي زكريا ابن الشيخ الكذا، أبي علي ابن الشيخ الكذا، أبي زيد رحّو بن عبد الله بن عبد الحق، زاد الله قدره علوّا، ومجده سموّا، وجهاده ثناء متلوّا.
لمّا كان محلّه من مقامه، المحل الذي تتقاصر عنه أبصار الأطماع فترتدّ حاسرة، وكان للدولة يدا باطشة، ومقلة باصرة، فهو ملاك أمورها واردة أو صادرة، وسيف جهادها الذي أصبحت بمضائه ظافرة، وعلى أعدائها ظاهرة، وكان له الصّيت البعيد، والذكر الحميد، والرأي السديد، والحسب الذي يليق به التمجيد، والقدر الذي سما منه الجيد، وعرفه القريب والبعيد، والجهاد الذي صدق به في قواعده الاجتهاد والتّقليد، فإن أقام جيشا أبعد غارته، وإن دبّر أمرا أحكم إدارته، مستظهرا بالجلال الذي لبس شارته. فهو واحد الزمان، والعدّة الرفيعة من عدد الإيمان، ومن له بذاته وسلفه علو الشّان، وسمو المكان، والحسب الوثيق البنيان، ولبيته الكريم بيت بني رحّو السّابقة في ولاية هذه الأوطان، والمدافعة عن حوزة الملك وحمى السلطان. إن فوخروا صدعوا بالمكارم المعلومة، ومتّوا إلى ملك المغرب ببنوة العمومة، وتزيّنوا من حلى الغرب بالتيجان المنظومة. فهم سيوف الدين، وأبطال الميادين، وأسود العرين، ونجوم سماء بني مرين. وكان سلفه الكريم، رضي الله
стр. 1564
عنه، يستضيء من رأيه بالشّهاب الثاقب، ويحلّه من بساط تقريبه أعلى المراتب، ويستوضح ببركته جميع المذاهب، ويستظهر بصدق دفاعه على جهاد العدوّ الكاذب، ويرى أنه عزّ دولته، وسيف صولته، وذخيرة فخره، وسياج أمره. جدّد له هذا الرّتب تجديدا صيّر الغاية منها ابتداء، واستأنف به إعلاء، ولم يدّخر عنه حظوة ولا اعتناء.
وحين صيّر الله إليه ملك المولى أبيه بمظاهرته، وقلّده قلادة الملك بأصيل اجتهاده، وحميد سعيه، بعد أن سبق الألوف إلى الأخذ بثاره، وعاجلت البطشة الكبرى يد ابتداره، وأردى بنفسه الشّقي الذي سعى في تبديد شمل الإسلام وإطفاء أنواره، على تعدّد الملك يومئذ وتوفر أنصاره، فاستقرّ الملك في قراره، وانسحب السّتر على محلّه وامتدّ ظل الحفظ على داره، عرف وسيلة من المقام الذي قامه، والوفاء الذي رفع أعلامه، وألقى إليه في أهم الأمور بالمقاليد، وألزمه ملازمة الحضور بمجلسه السّعيد، وشديد الاغتباط على قربه مستنجحا منه بالرأي السّديد، ومستندا من ودّه إلى الركن الشّديد، وأقامه بهذه الجزيرة الأندلسية عماد قومه فهو فيهم يعسوب الكتيبة ووسطى العقد الفريد، وفذلكة الحساب وبيت القصيد، فدوّاره منهم للشريد، مأوى الطّارف والتليد، الكفيل بالحسنى والمزيد. يقف ببابه أمراؤهم، وتنعقد في مجلسه آراؤهم، ويركض خلفه كبراؤهم، مجدّدا من ذلك ما عقده سلفه من تقديمه، وأوجبه مزيّة حديثه وقديمه. فهو شيخ الغزاة على اختلاف قبائلهم، وتشعّب وسائلهم، تتفاضل درجات القبول عليهم بتعريفه، وتشرف أقدارهم لديه بتشريفه، وتثبت واجباتهم بتقديره، وينالهم المزيد بتحقيقه للغناء منهم وتقريره، فهو بعده، أيّده الله، قبلة آمالهم، وميزان أعمالهم، والأفق الذي يصوب من سحاب قطره غمام نوالهم، واليد التي تستمنح عادة أطمعتهم وأموالهم. فليتولّ ذلك عظيم القدر، منشرح الصدر، حالّا من دائرة جمعهم محلّ القلب من الصدر، متألّقا في هالتها تألّق البدر، صادعا بينهم باللّغات الزّناتية التي تدل على الأصالة العريقة والنّجار الحرّ. وهو إن شاء الله الحسام الذي لا ينبه على الضريبة، ولا يزيده حسنا جلب الحليّ العجيبة، حتى يشكر الله والمسلمون اغتباط مقامه بمثله، ويزري برّه به على من أسرّ برّه من قبله، ويجني الملك ثمرة تقريبه من محلّه. ومن وقف على الظهير الكريم من الغزاة آساد الكفاح، ومتقلدي السيوف ومعتلقي الرماح، كماة الهيجاء وحماة البطاح، حيث كانوا من موسطة أو ثغر، ومن أقيم في رسم من الجهاد أو أمر، أن يعلموا قدر هذه الغاية المشرقة، واليد المطلقة، والحظوة المتألّقه، فتكون أيديهم فيما قلّدوه ردّا ليده، وعزائمهم متوجّهة إلى مقصده، فقصده، فقدره فوق الأقدار، وأمره الذي ناب أمره مقابل الابتدار، على توالي الأيام وتعاقب الأعصار. وكتب في كذا ...
стр. 1565
مولده: ولد بظاهر تلمسان، عند لحاق أبيه، ﵀، بسلطانها عام أحد وتسعين وستمائة، تلقّيته من لفظه.
ومن «المستدرك» : وتمادت ولايته إلى الأوائل من شهر رمضان عام اثنين وستين وسبعمائة، فلمّا تصيّرت إلى قدار ناقتها، محمد بن إسماعيل بن نصر، عزله، وهمّ به، فغرّبه إلى بلد الروم، فرارا أرّق به البسالة والصبر، وتبعه الجيش، فأصيب بجراحة، ورد من صامته، وجلى عن نفسه، فتخلصه عزمه ومضاؤه، واستقرّ عند طاغية الروم، فأولاه من الجميل ما يفوت الوصف، واجتاز العدوة، فعرف بها حقّه، وعادت رتبة هذا الرجل، بعد أن ردّ الله على سلطانها ملكه، إلى أحسن أحوالها من الجاه والحظوة، وانطلاق اليد. والسلطان مع ذلك منطو له على الضّغن لأمور؛ منها غمس اليد في أمر عمّه، وقعوده عنه، وهو أحوج ما كان لنصره، وانزحاله عنه في الشّدة، عندما جمعه المنزل الخشن، فسحب عليه أذيال النكبة لابنه عثمان، مترفى مرقب الظهور في عودته، والمستأثر بجواره، والمحكّم في أمره، فتقبّض عليهما، وعلى من لهما، مخالفا للوقت فيهما، إذ كان متوافرا على الحلم لحدثان العودة، وجدة الإيالة، صبيحة يوم الاثنين لثالث عشر لرمضان عام أربعة وستين وسبعمائة، فأحاط بهم الرجال لهذا السلطان، والتقطوا من بين قبيلهم، ودهمهم الرجال، آخذين بحجزهم وأيديهم إلى دور الثقاف. ثم أركبوا الأداهم، وانتقلوا إلى بعض الأطباق المتفرّقة بقصبة المنكّب، واقتضى نظر السلطان جلأ المترجم به وأولاده من مرسى المنكّب، ونقل ولده الأكبر إلى ألمريّة حسبما مرّ في اسمه، فلينظر هنالك. واستقرّ إلى هذا العهد، بعد قفوله من الحجّ بمدينة فاس، فلقي بها برّا وعناية، ولحق ولداه بالأندلس، وهما بها، تحت جراية وولاية.
يوسف بن هلال «١»
صهر الأمير أبي عبد الله بن سعد «٢» .
حاله: كان «٣» شجاعا حازما، أحظاه الأمير المذكور وصاهره، وجعل لنظره حصن مطرنيش «٤» ومواضع كثيرة. وفسدت طاعته إياه، فقبض عليه ونكبه وعذّبه،
стр. 1566
واستخلص ما كان لنظره وتركه. فأعمل الحيلة، ولحق بمورتلّة فثار بها، وعاقد صاحب برجلونة «١» على تصيير ما يملكه إليه. فأعانه بجيش «٢» من النصارى، ولم يزل يضرب ويوالي الضّرب على بلنسية ويشجي أهلها، وتملّك الصّخرة والصّخيرة وغيرهما. واتفق أنّ خيلا جهّزها ابن سعد للضرب عليه، عثرت بجملته متوجها إلى شنت بيطر «٣» ، فقبض عليه، وقيّد أسيرا، فنهض به للحين إلى مورتلّة وطلبه بإخلائها، فأبى، فأمر ابن مردنيش بإخراج عينه اليمنى، فأخرجت بعود. ثم قرّب من الحصن «٤» وطلبه بإخلائها، فدعا بزوجه وطلبها بإخلاء الحصن، وإلّا فتخرج عينه الأخرى، فحمل على التكذيب، ولم يجبه أحد، فأخرجت للحين عينه الأخرى، وسيق إلى شاطبة، فبقي «٥»
إلى أن مات سنة ثلاث وأربعين وستمائة. ودخل غرناطة، وباشر منازلتها مع الأمير صهره، فاستحق الذكر لذلك.
ومن القضاة الأصليين وغيرهم
يحيى بن عبد الله بن يحيى بن كثير بن وسلاسن ابن سمال بن مهايا المصمودي
أوليته وحاله: دخل أبو عيسى يحيى بن كثير «٦» الأندلس مع طارق بن زياد، وقيل له اللّيثي؛ لأنه أسلم على يد رجل اسمه يزيد بن عامر الليثي، فنسب إليه، وقيل: إنهم نزلوا بنزل اللّيث، فنسبوا إليه. يكنى يحيى هذا «٧» ، أبا عيسى، وكان جليل القدر، عالي الدرجة في القضاء، ولّي قضاء إلبيرة وبجّانة مدة، وولي قضاء جيّان وطليطلة، ثم عزل عن طليطلة، وأضيفت إليه كورة إلبيرة مع جيّان. ثم استعفى عن جيّان وبقي يلي قضاء إلبيرة، وكان لا يرى القنوت في الصلاة، ولا يقنت في مسجده البتّة.
مشيخته: روى عن أبي الحسن النحاس، وسمع الموطأ من حديث اللّيث وغيره من عمّ أبيه عبيد الله بن يحيى.
مولده: في ذي القعدة سنة سبع وثمانين ومائتين.
стр. 1567
وفاته: توفي ليلة الثلاثاء بعد صلاة العشاء، ودفن يوم الثلاثاء بعد العصر، لثمان خلت من رجب عام سبعة وستين وثلاثمائة.
يحيى بن عبد الرحمن بن أحمد بن ربيع الأشعري «١»
يكنى أبا عامر.
حاله: العالم الجليل، المحدّث الحافظ، واحد عصره، وفريد دهره، كان، ﵀، علما من أعلام الأندلس، ناصرا لأهل السنة، رادعا لأهل الأهواء، متكلّما دقيق النظر، سديد البحث، سهل المناظرة، شديد التّواضع، كثير الإنصاف، مع هيبة ووقار وسكينة. ولّي قضاء الجماعة بقرطبة ثم بغرناطة «٢» ، وأقرأ بغرناطة لأكابر علمائها ونبهائها الحديث والأصلين وغير ذلك، بالمسجد الجامع منها وبغيره.
مشيخته: حدّث «٣» عن والده العالم المحدّث أبي الحسن عبد الرحمن بن أحمد بن ربيع، وعن الشيخ الأستاذ الخطيب أبي جعفر أحمد بن يحيى الحميري، وعن الراوية المحدّث أبي القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال، وعن الحافظ المسن أبي بكر بن محمد بن عبد الله بن يحيى بن الجدّ الفهري، والقاضي أبي عبد الله محمد بن سعيد بن زرقون، والزاهد الورع أبي الحجاج يوسف بن محمد البلوي المالقي، عرف بابن الشيخ، وأبي زكريا يحيى بن عبد الرحمن بن عبد المنعم الأصبهاني الواعظ، والفقيه القاضي أبي محمد عبد المنعم بن محمد بن عبد الرحيم الخزرجي.
وفاته: بمالقة سنة سبع وثلاثين وستمائة «٤» .
يحيى بن عبد الله بن يحيى بن زكريا الأنصاري
أوليته: تقدمت في اسم عمّه أبي إسحاق، فلينظر هنالك.
حاله: من أهل العدالة والزّكاء والسّلف في الخطط الشرعية، سكون، متفنّن في العلوم الشرعية من فقه وأحكام، وله التقدم في الوقت في علم الفرائض والحساب.
حبس على الزاوية التي اتّخذتها بالحضرة موضوعات في ذلك الغرض نبيهة، لم يقصر
стр. 1568
فيها عن الإجادة. وتولّى قضاء مواضع من الأندلس، ثم استعمل في النّيابة عن قاضي الحضرة العلية، وهو الآن قاض بمدينة وادي آش، وخطيب بمسجدها الأعظم، تنتابه الطّلبة للأخذ عنه، والقراءة عليه.
مشيخته: روى مع الجملة ممن هو في نمطه، وأخذ بالإجازة عن الشيخ الأستاذ الصالح أبي إسحاق بن أبي العاصي، والخطيب أبي علي القرشي، وعن الفقيه الخطيب أبي عبد الله البيّاني، وعن الأستاذ شيخ الجماعة أبي عبد الله بن الفخّار، وأخذ عن والده وعمه أبي إسحاق. وأجازه الشيخ القاضي الخطيب أبو البركات ابن الحاج، والخطيب الصالح أبو محمد بن سلمون، والكاتب الجليل أبو بكر بن شبرين، ورئيس الكتاب أبو الحسن بن الجيّاب، وقاضي الجماعة أبو القاسم الشريف، والخطيب أبو عبد الله القرشي، وهو الآن بالحال المذكورة.
يوسف بن الحسن بن عبد العزيز بن محمد ابن أبي الأحوص القرشي الفهري
يكنى أبا المجد، ويعرف بابن الأحوص.
حاله: كان من أهل العلم والعدالة والنزاهة. ولّي كثيرا من القواعد، فظهر من قصده الحق، وتحرّيه سبيل الصواب، ما يؤثر عن الجلّة.
مشيخته: قرأ على والده وروى عنه، واستدعى له بالإجازة من أعلام زمانه، فأجازه الراوية أبو يحيى بن الفرس، وأبو عمر بن حوط الله، وأبو القاسم بن ربيع، وأبو جعفر أحمد بن عروس العقيلي، وأبو الوليد العطار، والخطيب أبو إسحاق الأوسي القرطبي، والقاضي أبو الخطاب بن خليل، وأبو جعفر الطبّاع، وغيرهم.
قال القاضي أبو المجد شيخنا، ﵀: أنشدني أبو علي الحسن قال:
أنشدني الخطيب أبو الربيع بن سالم قال: أنشدنا أبو عمرو السّفاقي قال: أنشدنا أبو نعيم الحافظ قال: أنشدنا عبد الله بن جعفر الجابري قال: أنشدنا ابن المعتز:
[الطويل]
ألم تر أنّ الدّهر يوم وليلة ... يكرّان من سبت عليك إلى سبت؟
فقل لجديد العيش: لا بدّ من بلى ... وقل لاجتماع الشّمل: لا بدّ من شتّ
وبالسند المذكور إلى أبي الربيع بن سالم قال: أنشدنا أبو محمد عبد الحق بن عبد الملك بن بونة قال: أنشدنا أبو بكر غالب بن عطية الحافظ
الإحاطة في أخبار غرناطة/ ج ٤/م ١٢
стр. 1569
لنفسه: [الطويل]
جفوت أناسا كنت إلفا لوصلهم «١» ... وما بالجفا عند الضرورة من ناس
بلوت فلم أحمد فأصبحت يائسا ... ولا شيء أشفى للنفوس من الياس
فلا تعذلوني في انقباضي فإنني ... وجدت جميع الشّرّ في خلطة الناس
وفاته: في اليوم التاسع عشر من شهر رجب الفرد عام خمسة وسبعمائة.
يوسف بن موسى بن سليمان بن فتح بن أحمد ابن أحمد الجذامي المنتشاقري «٢»
من أهل رندة، يكنى أبا الحجاج.
حاله: هذا الرجل حسن اللقاء، طرف في التخلّق والدماثة، وحسن العشرة، أديب ذاكر للأخبار، طلعة، يكتب ويشعر، سيال الطبع معينه. ولّي القضاء ببلده رندة، ثم بمربلّة. وورد غرناطة في جملة وفود من بلده وعلى انفراد منهم.
وجرى ذكره في «التاج المحلّى» بما نصّه «٣» : حسنة الدهر الكثير العيوب، وتوبة الزمان الجمّ الذنوب، ما شئت من بشر «٤» يتألّق، وأدب تتعطّر به النّسمات وتتخلّق، ونفس كريمة الشمائل والضرائب، وقريحة يقطف بحرها بدرر «٥» الغرائب، إلى خشية لله تحول بين القلوب وقرارها، وتثني النفوس عن اغترارها، ولسان يبوح بأشواقه، وجفن يسخو بدرر آماقه، وحرص على لقاء كل ذي علم وأدب، وممن «٦» يمتّ إلى أهل الدّيانة والعبادة بسبب، سبق بقطرة الحلبة، وفرع «٧» من الأدب الهضبة، ورفع الراية، وبلغ في الإحسان الغاية، فطارت قصائده كل المطار، وتغنّى بها راكب الفلك وحادي القطار. وتقلّد خطّة القضاء ببلده، وانتهت إليه رياسة الأحكام بين أهله وولده، فوضحت المذاهب بفضل مذهبه، وحسن مقصده. وله شيمة في الوفاء تعلّم
стр. 1570
منها الآس «١» ، ومؤانسة عذبة لا تستطيعها الأكواس «٢» . وقد أثبتّ من كلامه ما تتحلّى به ترائب «٣» المهارق، ويجعل طيبه فوق المفارق. وكنت أتشوّق إلى لقائه، فلقيته بالمحلّة من ظاهر «٤» جبل الفتح لقيا لم تبلّ صدا، ولا شفت كمدا، وتعذّر بعد ذلك لقاؤه فخاطبته بقولي «٥» : [الطويل]
حمدت «٦» على فرط المشقّة رحلة ... أتاحت لعينيّ اجتلاء محيّاكا
وقد كنت في التّذكار بالبعد «٧» قانعا ... وبالريح أن هبّت بعاطر ريّاكا
فجلّت «٨» لي النّعمى بما أنعمت به ... عليّ فحيّاها الإله وحيّاكا
أيها «٩» الصّدر الذي بمخاطبته يبأى «١٠» ويتشرّف، والعلم الذي بالإضافة إليه يتعرّف، والروض الذي لم يزل على البعد بأزهاره الغضّة يتحف. دمت تتزاحم على موارد ثنائك الألسن، وتروي «١١» للرواة ما يصحّ من أنبائك ويحسن، طالما مالت إليك النفوس منّا وجنحت، وزجرت الطائر الميمون من رقاعك كلّما سنحت. فالآن اتّضح البيان، وصدّق الأثر العيان. ولقد كنّا للمقام بهذه الرّحال نرتمض «١٢» ، ويجنّ الظّلام فلا نغتمض، هذا يقلقه إصفار كيسه، وذا يتوجّع لبعد أنيسه، وهذا تروّعه الأهوال، وتضجره بتقلّباتها الأحوال. فمن أنّة لا تنفع، وشكوى إلى الله تعالى ترفع.
فلمّا ورد بقدومك البشير، وأشار إلى ثنيّة «١٣» طلوعك المشير، تشوّفت النفوس الصّديّة «١٤» إلى جلائها وصقالها، والعقول إلى حلّ عقالها «١٥» ، والألسن المعجمة «١٦» إلى فصل مقالها. ثم إنّ الدهر راجع التفاته، واستدرك ما فاته، فلم يسمح من لقائك
стр. 1571
إلّا بلمحة، ولا بعث من نسيم روضك بغير نفحة، فما زاد أن هيّج الأشواق فالتهبت، وشنّ غاراتها على الجوانح فانتهبت، وأعلّ القلوب وأمرضها، ورمى ثغرة الصّبر فأصاب غرضها. فإن رأيت أن تنفّس عن نفس شدّ الشوق مخنّقها، وكدّر مشارب أنسها وأذهب رونقها، وتتحف من آدابك بدرر تقتنى، وروضة طيّبة الجنى، فليست ببدع في شيمك، ولا شاذّة في باب كرمك. ولولا شاغل لا يبرح، وعوائق أكثرها لا يشرح، لنافست هذه السّحاءة «١» في القدوم عليك، والمثول بين يديك، فتشوّفي «٢» إلى اجتلاء أنوارك شديد، وتشيّعي فيك «٣» على إبلاء الزمان جديد. فراجعني بقوله «٤» : [الطويل]
حباك فؤادي نيل بشرى وأحياكا «٥» ... وحيد بآداب نفائس حيّاكا
بدائع أبداها بديع زمانه ... فطاب بها يا عاطر الرّوض ريّاكا
أمهديها أودعت قلبي علاقة ... وإن لم يزل «٦» مغرى قديما بعلياكا
إذا ما أشار العصر نحو فرنده «٧» ... فإيّاك أعني «٨» بالإشارة إيّاكا
لأتحفني لقياك أسمى «٩» مؤمّلي ... وهل تحفة في الدهر إلّا بلقياكا؟
وأعقبت إتحافي فرائدك التي ... وجوب ثناها يا لساني أعياكا
خصصتني «١٠» أيها الحبر «١١» المخصوص بمآثر أعيا عدّها وحصرها، ومكارم طيّب أرواح الأزاهر عطرها، وسارت الركبان بثنائها، وشملت الخواطر محبة علائها، بفرائدك الأنيقة، وفوائدك المزرية جمالا على أزهار الحديقة، ومعارفك التي زكت حقّا وحقيقة، وهدت الضالّ عن سبيل الأدب مهيعه «١٢» وطريقه، وسبق تحفتك عندي أعلى التحف «١٣» ، وهو مأمول لقائك، والتمتّع بالتماح سناك الباهر وسنائك، على حين امتدت لذلك «١٤» اللقاء أشواقي، وعظم من فوت استنارتي بنور محيّاك إشفاقي،
стр. 1572
وتردّد لهجي بما يبلغني من معاليك ومعانيك، وما شاده فكرك الوقّاد من مبانيك، وما أهلّت به بلاغتك من دارسه، وما أضفت «١» على الزمان من رائق ملابسه، وما جمعت من أشتاته، وأحيت من أمواته، وأيقظت من سناته «٢» ، وما جاد به الزمان من حسناته.
فلترداد هذه المحاسن من أنبائك، وتصرّف الألسنة بثنائك، علقت النفس من هواها بأشدّ علاقة، وجنحت إلى لقائك جنوح والهة مشتاقة، والحوادث الجارية تصرفها، والعوائق الحادثة كلما عطفت بأملها «٣» إليه لا تتحفها به ولا تعطفها، إلى أن ساعد الوقت، وأسعد البخت، بلقياكم «٤» هذه السفرة الجهادية، وجاد إسعاف الإسعاد من أمنيتي بأسنى هديّة، فلقيتكم لقيا خجل، ولمحت أنواركم لمحة على وجل، ومهجتي «٥» في محاسنكم الرائقة، ومعاليكم الفائقة، على ما يعلمه ربّنا .
وتذكرت عند لقائكم المأمول، إنشاء قائل يقول: [البسيط]
كانت محادثة «٦» الركبان تخبر عن ... محمد بن خطيب «٧» بأطيب الخبر
حتى التقينا فلا والله ما سمعت ... أذني بأحسن ممّا قد رأى بصري
قسما «٨» لعمري أقوله وأعتقده، وأعتدّه وأعتمده، فلقد بهرت منك المحاسن، وفقت من يحاسن، وقصر عن شأوك كلّ بليغ لسن، وسبقت فطنتك النّارية النّوريّة بلاغة كلّ فطن، وشهد لك الزمن «٩» أنك وحيده، ورئيس عصبته الأدبية وفريده. فبورك لك فيما أنلت من الفضائل، وأوتيت من آيات المعارف التي بها نور الغزالة هائل «١٠» ، ولا زلت مرقّى «١١» في مراتب المعالي، موقّى صروف الأيام والليالي.
ومن شعره يمدح الجهة النّبوية، مصدّرا بالنسيب لبسط الخواطر النّفسانية «١٢» :
[الكامل]
لما تناهى الصّبّ في تشويقه ... درر الدموع اعتاضها بعقيقه
стр. 1573
متلهّف وفؤاده متلهّب ... كيف البقاء «١» مع احتدام حريقه؟
متموّج بحر الدموع بخدّه «٢» ... أنّى خلاص يرتجى لغريقه
متجرّع صاب «٣» النّوى من هاجر ... ما إن يحنّ للاعجات مشوقه
يسبي الخواطر حسنه ببديعه ... يصبي النّفوس جماله بأنيقه
قيد النواظر إذ يلوح لرامق ... لا تنثني «٤» الأحداق عن تحديقه
للبدر لمحته كبشر ضيائه ... للمسك نفحته كنشر فتيقه «٥»
سكرت خواطر لا محيه كأنّهم ... شربوا من الصّهباء «٦» كأس رحيقه
عطشوا لثغر لا سبيل لريقه ... إلّا كلمحهم للمع بريقه
ما ضرّ مولى عاشقوه عبيده ... لو رقّ إشفاقا لحال رقيقه
عنه اصطباري ما أنا بمطيعه ... مثل السّلوّ ولا أنا بمطيقه
سجع الحمام يشوق ترجيع الهوى ... فأثار شجو مشوقه بمشوقه
وبكت هديلا راعها تفريقه ... ويحقّ أن يبكي أخو تفريقه
وبكاء أمثالي أحقّ «٧» لأنني ... لم أقض للمولى أكيد حقوقه
وغفلت في زمن الشباب المنقضي ... أقبح بنسخ بروره بعقوقه
وبدا المشيب وفيه زجر ذوي النّهى ... لو كنت مزدجرا لشيم «٨» بروقه
حسبي ندامة آسف ممّا جنى ... يصل النّشيج «٩» لوزره بشهيقه
ويرمّ «١٠» ما خرم الهوى زمن الصّبا ... ويروم من مولاه رتق فتوقه
ويردّد الشكوى لديه تذلّلا ... علّ الرّضا يحييه «١١» درك لحوقه
فيصحّ من سكر التّصابي صحوه «١٢» ... نسخا لحكم صبوحه بغبوقه «١٣»
стр. 1574
لو كنت يمّمت التّقى وصحبته ... وسلكت إيثارا سواء طريقه «١»
لأفدت منه فوائدا وفرائدا ... عرضت تسام لرابح في سوقه
لله أرباب القلوب فإنهم ... من حزب من نال الرّضا وفريقه
قاموا وقد نام الأنام فنورهم ... هتك الدّجا بضيائه وشروقه
وتأنّسوا بحبيبهم فلهم به ... بشر لصدق الفضل في تحقيقه
قصّرت عنهم عندما سبقوا المدى ... ولسابق فضل على مسبوقه
لولا رجاء تلمّحي «٢» من نورهم ... يحيي الفؤاد بسيره وطروقه
وتأرّج يستاف من أرواحهم ... سبب انتعاش الرّوح طيب خلوقه «٣»
لفتنت «٤» من جرّا «٥» جرائري «٦» التي ... من خوفها قلبي حليف خفوقه
ومعي رجاء توسّل أعددته ... ذخرا لصدمات الزمان وضيقه
حبّي ومدحي أحمد الهادي الذي ... فوز الأنام يصحّ في تصديقه
أسمى الورى في منصب وبمنسب ... من هاشم زاكي النّجار عريقه
الحقّ أظهره عقيب خفائه ... والدّين نظّمه لدى تفريقه
ونفى هداه ضلالة من جائر ... مستوثق بنعوته ولعوقه «٧»
سبحان مرسله إلينا رحمة ... يهدي ويهدى الفضل من توفيقه
والمعجزات بدت بصدق رسوله ... وحقيقه بالمأثرات خليقه
كالظّبي في تكليمه والجذع في ... تحنينه والبدر في تشقيقه
والنّار إذ خمدت بنور ولادة «٨» ... وأجاج ماء قد حلا من ريقه
والزّاد قلّ فزاد من بركاته ... فكفى الجيوش بتمره وسويقه
ونبوع ماء الكفّ من آياته ... وسلام أحجار غدت بطريقه
والنخل لمّا أن دعاه مشى له ... ذا سرعة بعروقه وعذوقه «٩»
والأرض عاينها وقد زويت له ... فقريب ما فيها رأى كسحيقه «١٠»
стр. 1575
وكذا ذراع الشّاة قد نطقت له ... نطق اللسان فصيحه وذليقه
ورمى عداه بكفّ حصبا «١» فانثنت ... هربا كمذعور الجنان فروقه «٢»
وعليه آيات الكتاب تنزّلت ... تتلى بعلو جلاله وبسوقه
فأذيق «٣» من كأس المحبّة صرفها ... سبحان ساقيه بها ومذيقه
حاز السّناء وناله بعروجه ... جاز السماء طباقها بخروقه
ولكم له من آية من ربّه ... ورعاية «٤» وعناية بحقوقه
يا خيرة الأرسال عند إلهه ... يا محرز العليا على مخلوقه
علّقت آمالي بجاهك عدّة ... والقصد ليس يخيب في تعليقه
ووثقت «٥» من حبل اعتمادي عمدة ... لتمسّكي بقويّه ووثيقه
ولئن غدوت أخيذ ذنبي إنني ... أرجو بقصدك أن أرى كطليقه
وكساد سوقي مذ لجأت لبابكم «٦» ... يقضي حصول نفوذه ونفوقه
ويحنّ قلبي وهو في تغريبه ... لمزاره لرباك «٧» في تشريقه
وتزيد لوعته متى حثّ السّرى ... حاد حدا بجماله وبنوقه
وأرى قشيب العمر أمسى باليا ... ومرور دهري جدّ في تمزيقه
وأخاف أن أقضي ولم أقض المنى ... بنفوذ سهم منيّتي ومروقه
فمتى أحطّ على اللّوى رحلي وقد ... بلغت ركابي للحمى وعقيقه
وأمرّغ الخدّين في ترب غدا ... كالمسك في أرج شذا منشوقه
وأعيد إنشادي وإنشائي «٨» الثّنا ... ببديع نظم قريحتي ورقيقه
حتى أميل العاشقين تطرّبا ... كالغصن مرّ صبا على ممشوقه
وتحيّة التسليم أبلغ شافعي «٩» ... وثنا المديح حديثه وعتيقه
ولذي الفخار وذي العلى «١٠» ووزيره ... صدّيقه وأخي الهدى فاروقه
مني السلام عليهم كالزّهر في ... تأليفها والزّهر في تأليفه «١١»
стр. 1576
قال: وكتب بذلك إليّ في جملة من شعره «١» : [الطويل]
هواكم بقلبي ما «٢» لأحكامه «٣» نسخ ... ومن أجله جفني بمدمعه يسخو «٤»
ومن نشأتي ما إن صحت منه نشوتي ... سواء به عصر المشيب «٥» أو الشّرخ
عليه حياتي مذ تمادت وميتتي ... وبعثي إذا بالصّور يتّفق النّفخ
ولي خلد «٦» أضحى قنيص غرامه ... ولا شرك يدني إليه ولا فخّ
قتلت سلوّي حين أحييت لوعتي ... وما اجتيح «٧» بالإقرار في حالتي لطخ «٨»
وناصح «٩» كتمي إذ زكت بيّناته ... يجول عليه من دموع الأسى نضخ
وأرجو بتحقيقي «١٠» هواكم بأن أفي ... فعهد «١١» ولا نقض «١٢» وعقد ولا فسخ
وما الحبّ إلّا ما استقلّ ثبوته ... لمبناه رصّ في الجوانح «١٣» أو رسخ
إذا مسلك لم يستقم «١٤» بطريقه ... سلكت اعتدالا مثل ما يسلك الرّخّ
بدا لضميري من سناكم تلمّح ... فبخّ لعقل لم يطر عندها بخّ
على عود ذاك اللّمح ما زلت نادبا ... كما تندب الورقاء «١٥» فارقها الفرخ
يدي بأياديكم وقلبي شاغل ... فمن فكرتي نسج ومن أنملي نسخ
ومن شعره أيضا قوله في غرض يظهر منه «١٦» : [الطويل]
إليك تحنّ النّجب والنّجباء ... فهم وهي في أشواقهم شركاء
стр. 1577
تخبّ بركّاب تحبّ وصولها ... لأرض بها باد سنى وسناء
فأنفاسها ما إن تني صعداؤها ... وأنفاسهم «١» من فوقها سعداء
هم عالجوا إذ عجّل السّير داءهم ... وأشباه مثلي مدنفون بطاء
فعدت ودوني للحبيب ترحّلوا ... وما قاعد والراحلون سواء
له وعليه حبّ قلبي وأدمعي ... وقد صحّ لي حبّ وسحّ بكاء
بطيبة هل أرضى وتبدو سماؤها؟ ... وإن تك أرضا فالحبيب سماء
شذا نفحها واللّمح منها كأنه ... ذكاء عبير والضّياء ذكاء «٢»
فيا حاديا غنّي وللرّكب حاديا ... عنائي «٣» بعد البعد عنك عناء
بسلع فسل عمّا أقاسي من الهوى ... وسل بقباء إذ يلوح قباء
وفي عالج منّي بقلبي لاعج «٤» ... فهل لي علاج عنده وشفاء؟
وفي الرقمتين أرقم الشوق لاذع ... ودرياقه أن لو يباح لقاء
أماكن تمكين وأرض بها الرضى ... وأرجاء فيها للمشوق رجاء
ومن المقطوعات قوله «٥» : [الكامل]
أدب الفتى في أن يرى متيقّظا ... لأوامر من ربّه ونواه
فإذا «٦» تمسّك بالهوى يهوي به ... والحبل «٧» منه لمن تيقّن واه
ومن ذلك «٨» : [المنسرح]
يا من بدنياه ظلّ في لجج ... حقّق بأنّ النّجاة في الشاطي «٩»
تطمع في إرثك الفلاح وقد ... أضعت ما قبله من اشراط
كن حذرا في الذي طمعت به ... من حجب نقص وحجب إسقاط
وقال «١٠» : [الطويل]
ترى شعروا أني غبطت نسيمة ... ذكت بتلاقي الرّوض غبّ الغمائم
стр. 1578
كما قابلت زهر الرياض وقبّلت ... ثغور أقاحيه بلا لوم لائم
وقال «١» : [الكامل]
ورد المشيب مبيّضا بوروده ... ما كان من شعر الشّبيبة حالكا
يا ليته لو كان بيّض بالتّقى ... ما سوّرته «٢» مآثم من حالكا
إنّ المشيب غدا رداء للرّدى ... فإذا علاك أجدّ في ترحالكا «٣»
وأنشدني صاحبنا القاضي أبو الحسن، قال: مما أنشدني الشيخ أبو الحجاج لنفسه «٤» : [الخفيف]
لوعة الحبّ في فؤادي تعاصت ... أن تداوى ولو أتى ألف راق «٥»
كيف يبرا «٦» من علّة وعليها ... زائد علّة النّوى والفراق؟
فانسكاب الدموع جار فجار ... والتهاب الضّلوع راق فراق
نبذة من أخباره: نقلت من خط صاحبنا الفقيه القاضي المؤرخ أبي الحسن بن الحسن، قال حاكيا عنه: ومن غريب ما حدّثني به، قال: كنت «٧» جالسا بين يدي «٨» الخطيب أبي القاسم التاكرونّي صبيحة يوم بمسجد مالقة الأعظم «٩» ، فقال لنا في أثناء حديثه: رأيت البارحة في عالم النّوم كأنّ أبا عبد الله الجلياني يأتيني ببيتي شعر في يده وهما: [الخفيف]
كلّ علم يكون للمرء شغلا ... بسوى الحقّ قادح في رشاده
فإذا كان فيه لله «١٠» حظّ ... فهو ممّا يعدّه لمعاده
قال: فلم ينفصل المجلس حتى دخل علينا الفقيه الأديب أبو عبد الله الجلياني، والبيتان عنده «١١» ، فعرضهما على الشيخ، وأخبره «١٢» أنه صنعهما البارحة، فقال له
стр. 1579
كل من في المجلس: أخبرنا بهذا «١» الشيخ قبل مجيئك، فكان هذا من العجائب.
وقد وقعت الإشارة لذلك في اسم الشيخ.
مشيخته: منقول من خطّه في ثبت أجاز فيه أولادي، أسعدهم الله، بعد خطابة بليغة. قال: فمن شيوخي الذين رويت عنهم، واسترفدت البركة منهم، الشيخ الخطيب الصالح المتفنن أبو محمد عبد الواحد بن أبي السداد الباهلي، والشيخ الإمام أبو جعفر بن الزّبير، والشيخ الوزير المشاور أبو عبد الله بن أبي عامر بن ربيع، والقاضي العدل أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن برطال، والشيخ الخطيب الصالح أبو عبد الله الطّنجالي، والراوية المسنّ أبو عمرو محمد بن عبد الرحمن الرندي الطنجي، والمدرس الصالح أبو الحسن علي بن أحمد الإشبيلي بن شالة، والخطيبان الأستاذان الحاجان أبو عبد الله محمد بن رشيد الفهري، وأبو عثمان سعيد بن إبراهيم بن عيسى الحميري، والشيخ الصالح أبو الحسين عبد الله بن محمد بن محمد بن يوسف بن منظور، والخطيب الصالح العلّامة المصنف أبو جعفر بن الزيات، والفقيه القاضي أبو جعفر بن عبد الوهاب، والشيخ الراوية المحدّث أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الكماد، والخطيب أبو العباس أحمد بن محمد اللورقي، والعدل أبو الحسن علي بن محمد الطائي ابن مستقور، والخطيب الصالح أبو العباس أحمد بن محمد بن خميس الجزيري، والقاضي العدل الحاج أبو محمد عبد الله بن أبي أحمد بن زيد الغرناطي، والشيخ الراوية الحاج الرّحال الصوفي أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أمين الفارسي العجمي الأقشري، والقاضي الحسيب أبو عبد الله محمد بن عياض بن محمد بن عياض، والقاضي أبو عبد الله بن عبد المهيمن الحضرمي، والأستاذ أبو إسحاق الغافقي، والإمام أبو القاسمي بن الشّاط، والخطيب القاضي أبو عبد الله القرطبي، والراوية أبو القاسم البلفيقي، والمحدّث أبو القاسم التجيبي، والخطيب أبو عبد الله الغماري، والإمام الكبير ناصر الدين المشدالي، والفقيه الصوفي أبو عبد الله محمد بن محمد الباهلي، عرف بالمسفر من أهل بجاية، وقاضي القضاة بتونس أبو إسحاق بن عبد الرفيع، والعلّامة أبو عبد الله بن راشد، والخطيب أبو عبد الله بن عزمون، والعلّامة الخطيب أبو محمد عبد الواحد بن منظور بن محمد بن المنير الجذامي. قال: وكلهم أجازني عامة ما يرويه، وكان ممن لقيته، وقرأت عليه، إلّا المدرّس أبا الحسن بن شالة، فوقع لي شك في إجازته.
стр. 1580
تواليفه: قال: وممّا يسّر الله تعالى فيه من التأليف، كتاب «ملاذ المستعيذ «١» ، وعياذ المستعين، في بعض خصائص سيد المرسلين، في الأحاديث الأربعين المروية على آيات من الذكر الحكيم والنور المبين» . وكتاب «تخصيص القرب، وتحصيل الأرب» ، و «قبول الرأي الرشيد، في تخميس الوتريات النبويات «٢» لابن رشيد» . و «انتشاق النّسمات النّجدية، واتّساق النزعات الجدّية» .
و «غرر الأماني المسفرات، في نظم المكفّرات» . و «النّفحات الرّندية، واللّمحات الزّندية» ، وهو مجموع شعري. و «حقائق بركات المنام، في مرأى المصطفى خير الأنام» . و «الاستشفاء بالعدّة، والاستشفاع «٣» بالعمدة، في تخميس «٤» القصيدة النبوية المسماة بالبردة» . و «توجّع الراثي، في تنوّع المراثي» . و «اعتلاق المسائل «٥» ، بأفضل الوسائل» . و «لمح البهيج، ونفح الأريج» ، في ترجيز «٦» ما لولي الله أبي مدين شعيب بن الحسين الأنصاري، ﵁، من عبارات حكمة وإشارات صوفية.
و «تجريد «٧» رؤوس مسائل البيان والتحصيل، لتيسير البلوغ لمطالعتها والتوصيل» .
وفهرسة روايتي. ورجز في «٨» ذكر مشيخة «٩» شيخنا الراوية أبي عمر الطّنجي، ﵀، وإسناده. قال: وممّا كنت شرعت فيه ولم يتّفق تمامه، كتاب سميته «عواطف الأعتاب، في لطائف أسباب المتاب» . ومما بيدي الآن جمعه وهو إن شاء الله على التمام، أربعون حديثا متصلة الإسناد، أول حديث منها في الخوف، والثاني في الرجاء، بلواحق تتبعها، وسميته «أرج الأرجاء، في مزج الخوف والرجاء» . والله يصفح عنا، ويغفر زلّاتنا، وأن لا يجعل ما نتولاه من ذلك حجة علينا، وأن نكون ممن منح مقولا، ومنع معقولا، ويختم لنا بخواتم السّعداء من عباده، وممن وفّق وهدى إلى سبيل رشاده.
وفاته: كان حيّا عام أحد وستين وسبعمائة.
следующие страницы →