← Тараджим

Тараджим · id 11682

الإحاطة في أخبار غرناطة

لسان الدين بن الخطيب

Полный текст (1 954 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

قال: وكتب بذلك إليّ في جملة من شعره «١» : [الطويل] هواكم بقلبي ما «٢» لأحكامه «٣» نسخ ... ومن أجله جفني بمدمعه يسخو «٤» ومن نشأتي ما إن صحت منه نشوتي ... سواء به عصر المشيب «٥» أو الشّرخ عليه حياتي مذ تمادت وميتتي ... وبعثي إذا بالصّور يتّفق النّفخ ولي خلد «٦» أضحى قنيص غرامه ... ولا شرك يدني إليه ولا فخّ قتلت سلوّي حين أحييت لوعتي ... وما اجتيح «٧» بالإقرار في حالتي لطخ «٨» وناصح «٩» كتمي إذ زكت بيّناته ... يجول عليه من دموع الأسى نضخ وأرجو بتحقيقي «١٠» هواكم بأن أفي ... فعهد «١١» ولا نقض «١٢» وعقد ولا فسخ وما الحبّ إلّا ما استقلّ ثبوته ... لمبناه رصّ في الجوانح «١٣» أو رسخ إذا مسلك لم يستقم «١٤» بطريقه ... سلكت اعتدالا مثل ما يسلك الرّخّ بدا لضميري من سناكم تلمّح ... فبخّ لعقل لم يطر عندها بخّ على عود ذاك اللّمح ما زلت نادبا ... كما تندب الورقاء «١٥» فارقها الفرخ يدي بأياديكم وقلبي شاغل ... فمن فكرتي نسج ومن أنملي نسخ ومن شعره أيضا قوله في غرض يظهر منه «١٦» : [الطويل] إليك تحنّ النّجب والنّجباء ... فهم وهي في أشواقهم شركاء

стр. 1577

تخبّ بركّاب تحبّ وصولها ... لأرض بها باد سنى وسناء فأنفاسها ما إن تني صعداؤها ... وأنفاسهم «١» من فوقها سعداء هم عالجوا إذ عجّل السّير داءهم ... وأشباه مثلي مدنفون بطاء فعدت ودوني للحبيب ترحّلوا ... وما قاعد والراحلون سواء له وعليه حبّ قلبي وأدمعي ... وقد صحّ لي حبّ وسحّ بكاء بطيبة هل أرضى وتبدو سماؤها؟ ... وإن تك أرضا فالحبيب سماء شذا نفحها واللّمح منها كأنه ... ذكاء عبير والضّياء ذكاء «٢» فيا حاديا غنّي وللرّكب حاديا ... عنائي «٣» بعد البعد عنك عناء بسلع فسل عمّا أقاسي من الهوى ... وسل بقباء إذ يلوح قباء وفي عالج منّي بقلبي لاعج «٤» ... فهل لي علاج عنده وشفاء؟ وفي الرقمتين أرقم الشوق لاذع ... ودرياقه أن لو يباح لقاء أماكن تمكين وأرض بها الرضى ... وأرجاء فيها للمشوق رجاء ومن المقطوعات قوله «٥» : [الكامل] أدب الفتى في أن يرى متيقّظا ... لأوامر من ربّه ونواه فإذا «٦» تمسّك بالهوى يهوي به ... والحبل «٧» منه لمن تيقّن واه ومن ذلك «٨» : [المنسرح] يا من بدنياه ظلّ في لجج ... حقّق بأنّ النّجاة في الشاطي «٩» تطمع في إرثك الفلاح وقد ... أضعت ما قبله من اشراط كن حذرا في الذي طمعت به ... من حجب نقص وحجب إسقاط وقال «١٠» : [الطويل] ترى شعروا أني غبطت نسيمة ... ذكت بتلاقي الرّوض غبّ الغمائم

стр. 1578

كما قابلت زهر الرياض وقبّلت ... ثغور أقاحيه بلا لوم لائم وقال «١» : [الكامل] ورد المشيب مبيّضا بوروده ... ما كان من شعر الشّبيبة حالكا يا ليته لو كان بيّض بالتّقى ... ما سوّرته «٢» مآثم من حالكا إنّ المشيب غدا رداء للرّدى ... فإذا علاك أجدّ في ترحالكا «٣» وأنشدني صاحبنا القاضي أبو الحسن، قال: مما أنشدني الشيخ أبو الحجاج لنفسه «٤» : [الخفيف] لوعة الحبّ في فؤادي تعاصت ... أن تداوى ولو أتى ألف راق «٥» كيف يبرا «٦» من علّة وعليها ... زائد علّة النّوى والفراق؟ فانسكاب الدموع جار فجار ... والتهاب الضّلوع راق فراق نبذة من أخباره: نقلت من خط صاحبنا الفقيه القاضي المؤرخ أبي الحسن بن الحسن، قال حاكيا عنه: ومن غريب ما حدّثني به، قال: كنت «٧» جالسا بين يدي «٨» الخطيب أبي القاسم التاكرونّي صبيحة يوم بمسجد مالقة الأعظم «٩» ، فقال لنا في أثناء حديثه: رأيت البارحة في عالم النّوم كأنّ أبا عبد الله الجلياني يأتيني ببيتي شعر في يده وهما: [الخفيف] كلّ علم يكون للمرء شغلا ... بسوى الحقّ قادح في رشاده فإذا كان فيه لله «١٠» حظّ ... فهو ممّا يعدّه لمعاده قال: فلم ينفصل المجلس حتى دخل علينا الفقيه الأديب أبو عبد الله الجلياني، والبيتان عنده «١١» ، فعرضهما على الشيخ، وأخبره «١٢» أنه صنعهما البارحة، فقال له

стр. 1579

كل من في المجلس: أخبرنا بهذا «١» الشيخ قبل مجيئك، فكان هذا من العجائب. وقد وقعت الإشارة لذلك في اسم الشيخ. مشيخته: منقول من خطّه في ثبت أجاز فيه أولادي، أسعدهم الله، بعد خطابة بليغة. قال: فمن شيوخي الذين رويت عنهم، واسترفدت البركة منهم، الشيخ الخطيب الصالح المتفنن أبو محمد عبد الواحد بن أبي السداد الباهلي، والشيخ الإمام أبو جعفر بن الزّبير، والشيخ الوزير المشاور أبو عبد الله بن أبي عامر بن ربيع، والقاضي العدل أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن برطال، والشيخ الخطيب الصالح أبو عبد الله الطّنجالي، والراوية المسنّ أبو عمرو محمد بن عبد الرحمن الرندي الطنجي، والمدرس الصالح أبو الحسن علي بن أحمد الإشبيلي بن شالة، والخطيبان الأستاذان الحاجان أبو عبد الله محمد بن رشيد الفهري، وأبو عثمان سعيد بن إبراهيم بن عيسى الحميري، والشيخ الصالح أبو الحسين عبد الله بن محمد بن محمد بن يوسف بن منظور، والخطيب الصالح العلّامة المصنف أبو جعفر بن الزيات، والفقيه القاضي أبو جعفر بن عبد الوهاب، والشيخ الراوية المحدّث أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الكماد، والخطيب أبو العباس أحمد بن محمد اللورقي، والعدل أبو الحسن علي بن محمد الطائي ابن مستقور، والخطيب الصالح أبو العباس أحمد بن محمد بن خميس الجزيري، والقاضي العدل الحاج أبو محمد عبد الله بن أبي أحمد بن زيد الغرناطي، والشيخ الراوية الحاج الرّحال الصوفي أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أمين الفارسي العجمي الأقشري، والقاضي الحسيب أبو عبد الله محمد بن عياض بن محمد بن عياض، والقاضي أبو عبد الله بن عبد المهيمن الحضرمي، والأستاذ أبو إسحاق الغافقي، والإمام أبو القاسمي بن الشّاط، والخطيب القاضي أبو عبد الله القرطبي، والراوية أبو القاسم البلفيقي، والمحدّث أبو القاسم التجيبي، والخطيب أبو عبد الله الغماري، والإمام الكبير ناصر الدين المشدالي، والفقيه الصوفي أبو عبد الله محمد بن محمد الباهلي، عرف بالمسفر من أهل بجاية، وقاضي القضاة بتونس أبو إسحاق بن عبد الرفيع، والعلّامة أبو عبد الله بن راشد، والخطيب أبو عبد الله بن عزمون، والعلّامة الخطيب أبو محمد عبد الواحد بن منظور بن محمد بن المنير الجذامي. قال: وكلهم أجازني عامة ما يرويه، وكان ممن لقيته، وقرأت عليه، إلّا المدرّس أبا الحسن بن شالة، فوقع لي شك في إجازته.

стр. 1580

تواليفه: قال: وممّا يسّر الله تعالى فيه من التأليف، كتاب «ملاذ المستعيذ «١» ، وعياذ المستعين، في بعض خصائص سيد المرسلين، في الأحاديث الأربعين المروية على آيات من الذكر الحكيم والنور المبين» . وكتاب «تخصيص القرب، وتحصيل الأرب» ، و «قبول الرأي الرشيد، في تخميس الوتريات النبويات «٢» لابن رشيد» . و «انتشاق النّسمات النّجدية، واتّساق النزعات الجدّية» . و «غرر الأماني المسفرات، في نظم المكفّرات» . و «النّفحات الرّندية، واللّمحات الزّندية» ، وهو مجموع شعري. و «حقائق بركات المنام، في مرأى المصطفى خير الأنام» . و «الاستشفاء بالعدّة، والاستشفاع «٣» بالعمدة، في تخميس «٤» القصيدة النبوية المسماة بالبردة» . و «توجّع الراثي، في تنوّع المراثي» . و «اعتلاق المسائل «٥» ، بأفضل الوسائل» . و «لمح البهيج، ونفح الأريج» ، في ترجيز «٦» ما لولي الله أبي مدين شعيب بن الحسين الأنصاري، ﵁، من عبارات حكمة وإشارات صوفية. و «تجريد «٧» رؤوس مسائل البيان والتحصيل، لتيسير البلوغ لمطالعتها والتوصيل» . وفهرسة روايتي. ورجز في «٨» ذكر مشيخة «٩» شيخنا الراوية أبي عمر الطّنجي، ﵀، وإسناده. قال: وممّا كنت شرعت فيه ولم يتّفق تمامه، كتاب سميته «عواطف الأعتاب، في لطائف أسباب المتاب» . ومما بيدي الآن جمعه وهو إن شاء الله على التمام، أربعون حديثا متصلة الإسناد، أول حديث منها في الخوف، والثاني في الرجاء، بلواحق تتبعها، وسميته «أرج الأرجاء، في مزج الخوف والرجاء» . والله يصفح عنا، ويغفر زلّاتنا، وأن لا يجعل ما نتولاه من ذلك حجة علينا، وأن نكون ممن منح مقولا، ومنع معقولا، ويختم لنا بخواتم السّعداء من عباده، وممن وفّق وهدى إلى سبيل رشاده. وفاته: كان حيّا عام أحد وستين وسبعمائة.

стр. 1581

ومن المقرئين يحيى بن أحمد بن هذيل التجيبي «١» يكنى أبا زكريا، شيخنا أبو زكريا بن هذيل، ﵀، أرجدوني «٢» الأصل، ينسب إلى سلفه أملاك ومعاهد كولابج هذيل، مما يدل على أصالة. حاله: كان آخر حملة الفنون العقلية بالأندلس، وخاتمة العلماء بها، من طبّ وهندسة وهيئة وحساب وأصول وأدب، إلى إمتاع المحاضرة، وحسن المجالسة، وعموم الفائدة، وحسن العهد، وسلامة الصّدر، وحفظ الغيب، والبراءة من التصنّع والسّمت، مؤثرا للخمول، غير مبال بالناس، مشغولا بخاصّة نفسه. خدم أخيرا باب السلطان بصناعة الطّب، وقعد بالمدرسة بغرناطة يقرئ الأصول والفرائض والطب. عمن أخذ: قرأ على جملة من شيوخ وقته، كالأستاذ أبي بكر بن الفخار، أخذ عنه العربية والأدب. وقرأ الطب على أبي عبد الله الأركشي، وأبي زكريا القصري، وجملة من الإسلاميين بالعدوة. وقرأ كراسة الإمام فخر الدين الرازي، المسماة بالآيات البيّنات، على الأستاذ أبي القاسم بن جابر. ونظر الأصول على الأستاذ النظّار أبي القاسم بن الشّاط. وأخذ الحساب عن أبي الحسن بن راشد. والحساب والهندسة والأصول وكثيرا من عمليات الحساب وجبره ومقابلته والنجوم، على الأستاذ أبي عبد الله بن الرّقام، ولازمه كثيرا. تواليفه: وله تصانيف وأوضاع منها، ديوان شعره المسمى بالسليمانيات والعربيات وتنشيط الكسل. ومنها شرحه لكرّاسة الفخر، وهو غريب المأخذ، جمع فيه بين طريقتي القدماء والمتأخرين من المنطقيين. وكتابه المسمى ب «الاختيار والاعتبار في الطّب» . وكتابه المسمى ب «التذكرة في الطبّ» . شعره: وجرى ذكره في التاج المحلّى بما نصه «٣» : درّة بين الناس مغفلة، وخزانة على كل فائدة مقفلة، وهدية من الدهر الضّنين لبنيه محتفلة. أبدع من رتّب

стр. 1582

التعاليم وعلّمها، وركّض في الألواح قلمها، وأتقن من صور الهيئة ومثّلها، وأسس قواعد البراهين وأثّلها، وأعرف من زاول شكاية، ودفع عن جسم نكاية، إلى غير ذلك من المشاركة في العلوم، والوصول من المجهول إلى المعلوم، والمحاضرة المستفزّة للحلوم، والدّعابة التي ما خلع «١» العذار فيها بالملوم. فما شئت من نفس عذبة الشّيم، وأخلاق كالزهر من بعد الدّيم، ومحاضرة تتحف المجالس والمحاضر، ومذاكرة يروق النواظر «٢» زهرها الناضر. وله أدب ذهب في الإجادة كل مذهب، وارتدى من البلاغة بكل رداء مذهب، والأدب نقطة من حوضه، وزهرة من زهرات روضه، وسيمرّ له في هذا الديوان، ما يبهر العقول، ويحاسن بروائه ورائق بهائه الفرند المصقول. فمن ذلك ما خرّجته من ديوان شعره المسمّى ب «السّليمانيات والعربيات «٣» » من النّسيب «٤» : [الطويل] ألا استودع الرحمن بدرا مكمّلا ... بفاس من الدرب الطويل مطالعه وفي «٥» فلك الأزرار يطلع «٦» سعده ... وفي أفق الأكباد تلفى مواقعه يصيّر مرآه منجّم مقلتي ... فتصدق في قطع الرجاء قواطعه تجسّم من نور «٧» الملاحة خدّه ... وماء الحيا فيه ترجرج مائعه تلوّن كالحرباء في خجلاته ... فيحمرّ قانيه ويبيضّ ناصعه إذا اهتزّ غنّى حليه فوق نحره ... كغصن النّقا غنّت عليه سواجعه يذكر حتف الصّبّ عامل قدّه «٨» ... وتقطف «٩» من واو العذار توابعه أعدّ الورى «١٠» سيفا كسيف لحاظه ... فهذا هو الماضي وذاك يضارعه «١١»

стр. 1583

ومن أخرى في النّسيب، وتضمّنت التّورية الحسنة «١» : [الطويل] وصالك هذا أم تحيّة بارق؟ ... وهجرك أم ليل السّليم «٢» لتائق؟ أناديك والأشواق تركض حجرها «٣» ... بصفحة خدّي من دموع سوابق أبارق ثغر من عذيب رضابه ... قضت مهجتي بين العذيب وبارق ومنها» : فلا تتعبن ريح الصّبا في رسالة ... ولا تخجل الطّيف الذي هو «٥» طارقي متى طمعت عيني الكرى بعد بعدكم ... فإني في دعوى الهوى غير صادق قوله: «أبارق ثغر من عذيب رضابه» ينظر إلى قول ابن النبيه في مثل ذلك: [الكامل] يلوي على زرد العذار دلاله ... كم فتنة بين اللّوى وزرود ومن قصيدة ثبتت في السليمانيات «٦» : [الطويل] بدا بدر تمّ فوقه الليل عسعسا ... وجنّة أنس في صباح تنفّسا حوى النجم قرطا والدّراري مقلّدا ... وأسبل من مسك الذوائب حندسا كأنّ سنا الإصباح رام يزورنا ... وخاف العيون الرامقات فغلّسا أتى يحمل التوراة ظبيا مزنّرا ... لطيف التثنّي أشنب الثّغر ألعسا وقابل أحبار اليهود بوجهه ... فبارك ربّي «٧» عليه وقدّسا ومنها، وتماجن ما شاء، غفر الله له: رويت ولوعي من «٨» ضلوعي مسلسلا ... فأصبحت في علم الغرام مدرّسا نفى النوم عني كي أكون مسهدا ... فأصبحت في صيد الخيال مهندسا غزال من الفردوس تسقيه أدمعي ... ويأوي إلى قلبي مثيلا «٩» ومكنسا

стр. 1584

طغى ورد خدّيه بجنّات صدغه ... فأضعفه بالآس نبتا وما أسا قوله: طغى ورد خديه، البيت، محال على معنى فلاحي، إذ من أقوالهم: أنّ الآس، إذا اغترس بين شجر الورد، أضعفته بالخاصية. وقال أيضا من قصيدة مهيارية «١» : [الرمل] نام طفل النّبت في حجر النّعامى ... لاهتزاز الطّلّ «٢» في مهد الخزامى وسقى الوسميّ أغصان النّقا ... فهوت تلثم أفواه النّدامى كحّل الفجر لهم جفن الدّجى ... وغدا في وجنة الصّبح لثاما تحسب البدر محيّا ثمل ... قد سقته راحة الصبح مداما حوله الزهر «٣» كؤوس قد غدت ... مسكة الليل عليهنّ ختاما يا عليل الريح «٤» رفقا علّني ... أشف بالسّقم الذي حزت سقاما وابلغن «٥» شوقي عريبا «٦» باللّوى ... همت في أرض بها حلّوا غراما فرشوا فيها من الدّرّ حصى ... ضربوا فيها من المسك خياما كنت أشفي غلّة من صدّكم «٧» ... لو أذنتم لجفوني أن تناما واستفدت «٨» الرّوح من ريح الصّبا ... لو أتت تحمل من سلمى سلاما نشأت للصّبّ منها زفرة ... تسكب الدّمع على الرّبع سجاما طرب البرق مع القلب بها ... وبها الأنّات طارحن الحماما طلل لا تستفي «٩» الأذن به ... وهو للعينين قد ألقى كلاما ترك السّاكن لي من وصله ... ضمّة الجدران لثما والتزاما «١٠» نزعات من سليمان بها ... فهم القلب معانيها فهاما شادن يرعى حشاشات الحشا ... حسب حظّي منه أن أرعى الذّماما

стр. 1585

وقال من قصيدة أولها في غرض النسيب «١» : [الطويل] أأرجو أمانا منك واللحظ غادر ... ويثبت عقلي «٢» فيك والطّرف ساحر؟ أعدّ سليمان أليم عذابه ... لهدهد «٣» قلبي فهو للبين صائر «٤» أشاهد منه الحسن في كل نظرة ... وناظر أفكاري بمغناه «٥» ناظر دعت للهوى أنصار سحر جفونه ... فقلبي له عن طيب نفس مهاجر إذا شقّ عن بدر الدّجى أفق زرّه «٦» ... فإني بتمويه العواذل كافر وفي حرم السّلوان طافت «٧» خواطري ... وقلبي لما في وجنتيه مجاور وقد ينزع القلب المبلّى «٨» لسلوة ... كما اهتزّ من قطر الغمامة طائر يقابل أغراضي بضدّ مرادها ... ولم يدر أنّ الضّدّ للضّدّ قاهر ونار اشتياقي صعّدت مزن أدمعي ... فمضمر سرّي فوق خدّي ظاهر وقد كنت باكي العين والبين غائب ... فقل لي كيف «٩» الدمع والبين حاضر وليس النّوى بالطبع مرّا وإنما ... لكثرة ما شقّت عليه المرائر ومنها في وصف ليلة «١٠» : وزنجيّة فات الكؤوس بنحرها ... قلائد ياقوت عليها الجواهر ولا عيب فيها غير أنّ ذبالها ... يقطّب فتبدو للكؤوس «١١» سرائر تجنّبت فيها نيل كل صغيرة ... وقد غفرت فيها لديّ الكبائر ومن السّليمانيات من قصيدة «١٢» : [الكامل] يا بارقا، قاد الخيال فأومضا ... اقصد بطيفك مدنفا قد غمّضا ذاك الذي قد كنت تعهد نائما ... بالسّهد من بعد الأحبّة عوّضا

стр. 1586

لا تحسبنّي معرضا عن طيفه ... لكن منامي عن جفوني أعرضا عجب الوشاة لمهجتي أن لم تذب ... يوم النّوى وتشكّكت فيما مضى ومنها: خفيت لهم من سرّ صبري آية ... ما فهّمت إلّا سليمان الرّضا لله درّك ناهجا سبل الهوى ... فلمثله أمر الهوى قد فوّضا أمّنت نملا فوق خدّك سارحا ... وسللت سيفا من جفونك منتضى ومن الأمداح قوله من قصيدة «١» : [الطويل] حريص على جرّ الذوائب والقنا ... إذا كعّت «٢» الأبطال والجوّ عابس وتعتنق الأبطال لولا سقوطها ... لقلت لتوديع أتته الفوارس إذا اختطفتهم كفّه فسروجهم ... مجال وهم في راحتيه فرائس وقال يمدح السلطان أمير المسلمين أبا الوليد بن «٣» نصر عند قدومه من فتح أشكر «٤» من قصيدة أولها «٥» : [الطويل] بحيث البنود الحمر والأسد الورد ... كتائب، سكّان «٦» السماء لها جند وتحت لواء النصر ملك هو الورى «٧» ... تضيق به الدنيا إذا راح أو يغدو تأمّنت الأرواح في ظلّ بنده ... كأنّ جناح الروح «٨» من فوقه بند فلو رام إدراك النجوم لنالها ... ولو همّ لانقادت له «٩» السّند والهند

стр. 1587

بعيني بحر النّقع تحت أسنّة ... تنمنمه وهنا كما نمنم البرد سماء عجاج والأسنّة «١» شهبها ... ووقع القنا رعد إذا برق الهند وفي وصف آلة النّفط: وظنّوا بأنّ الرعد والصّعق في السما ... فحاق بهم من دونها الصّعق والرعد عجائب «٢» أشكال سما هرمس بها ... مهندمة «٣» تأتي الجبال فتنهدّ ألا إنّها الدنيا تريك عجائبا ... وما في القوى منها فلا بدّ أن يبدو وكتب وهو معتقل بسبب عمل تولّاه جحدرية أولها «٤» : [الطويل] تباعد عني منزل وحبيب ... وهاج اشتياقي والمزار قريب وإني على قرب الحبيب مع النوى ... يكاد إذا اشتدّ الأنين يجيب لقد بعدت عني ديار قريبة ... عجبت لجار الجنب وهو غريب ومنها: أعاشر قوما «٥» ما تقرّ نفوسهم ... فللهمّ فيها عند ذاك ضروب إذا شعروا من جارهم بتأوّه ... أجابته منهم زفرة ونحيب فلا ذاك يشكو همّ هذا تأسّفا ... لكلّ امرئ مما دهاه نصيب كأني في غاب الليوث مسلّما «٦» ... يروّعني منها الغداة وثوب تحكّم فينا «٧» الدهر والعقل حاضر ... بكلّ قياس والأديب أريب «٨» ولو مال بالجهّال ميلته بنا ... لجاء بعذر، إنّ ذا لعجيب رفيق بمن لا ينثني عن جريمة ... بطوش بمن ما أوبقته «٩» ذنوب وتطمعنا «١٠» منه بوارق خلّب ... نقول «١١» : عساه يرعوي ويتوب «١٢» إذا ما تشبّثنا بأذيال برده ... دهتنا إذا جرّ الذيول «١٣» خطوب أدار علينا صولجانا ولم يكن ... سوى أنه بالحادثات لعوب

стр. 1588

ومنها: أيا دهر، إني قد سئمت تهدّفي ... أجرني فإنّ السّهم منك مصيب إذا خفق البرق الطروق أجابه ... فؤادي ودمع المقلتين سكوب وإن طلع الكفّ الخضيب بسحره «١» ... فدمعي بحنّاء الدماء خضيب تذكّرني الأسحار دارا ألفتها ... فيشتدّ حزني والحمام طروب إذا علقت نفسي بليت وربما ... تكاد تفيض أو تكاد تذوب دعوتك ربّي والدعاء ضراعة ... وأنت تناجى بالدعا فتجيب لئن كان عقبى الصبر فوزا وغبطة ... فإني على الصبر الجميل دروب وبعثت إليه هدية من البادية، فقال يصف منها ديكا، وكتب بذلك، رحمة الله عليه «٢» : [المنسرح] أيا صديقا جعلته سندا ... فراح فيما أحبّه وغدا طلبت منكم صريدكا «٣» خنثا ... وجّهتموني «٤» مكانه لبدا صيّر مني مؤرخا ولكم ... ظللت في علمه من البلدا قلت له: آدم أتعرفه؟ ... قال: حفيدي بعصرنا ولدا نوح وطوفانه رأيتهما؟ ... قال: علونا لفيضه «٥» أحدا فقلت: هل لي بجرهم خبر؟ ... فقال: قومي وجيرتي السّعدا فقلت: قحطان هل مررت به؟ ... قال: نفثنا ببرده العقدا فقلت: صف لي سبا وساكنها ... فعند هذا تنفّس الصّعدا وقال «٦» : كم لي بدجنهم سحرا ... من صرخة لي وللنؤوم «٧» هدا فقلت: هاروت هل سمعت به؟ ... فقال: ريشي لسحره «٨» نفدا فقلت: كسرى وآل شرعته؟ ... فقال: كنّا بجيشه وفدا ولّوا وصاروا وها أنا لبد «٩» ؟ ... فهل رأيتم من فوقهم أحدا؟

стр. 1589

ديك إذا ما انثنى لفكرته ... رأى وجودا «١» طرائقا قددا «٢» يرفل في طيلسانه ولها ... قد صيّر الدهر لونه كمدا إذا دجا الليل غاب هيكله ... كأنّ حبرا عليه قد جمدا كأنما جلّنار لحيته ... برجان حازا عن الهواء مدا كأنّ حصنا علا بهامته ... أعدّه للقتال فيه عدا يرنو بياقوتتي لواحظه ... كأنما اللحظ منه قد رمدا كأنّ منجالتي ذؤابته «٣» ... قوس سماء «٤» من أجله بعدا وعوسج مدّ من مخالبه ... طغى بها في نقاره وعدا فذاك ديك جلّت محاسنه ... له صراخ بين الدّيوك غدا «٥» يطلبني بالذي فعلت به ... فكم فللنا بلبّتيه مدى وجّهته محنة لآكله ... والله ما كان ذاك منّي «٦» سدى ولم نزل بعد نستعدي عليه بإقراره بقتله، ونطلبه بالقود عند تصرفه في «٧» العمل، فيوجه الدّيّة لنا في ذلك رسائل. ومن شعره في غرض الحسن بن هانىء «٨» : [الطويل] طرقنا ديور القوم وهنا وتغليسا ... وقد شرّفوا الناسوت إذ عبدوا عيسى وقد رفعوا الإنجيل فوق رؤوسهم ... وقد قدّسوا الروح المقدّس تقديسا فما استيقظوا إلّا لصكّة بابهم ... فأدهش رهبانا وروّع قسّيسا وقام بها البطريق يسعى ملبّيا ... وقد ليّن «٩» الناقوس رفقا «١٠» وتأنيسا

стр. 1590

فقلنا له: آمنّا «١» فإنّا عصابة ... أتينا لتثليث وإن شئت تسديسا «٢» وما قصدنا إلّا الكؤوس وإنما ... لحنّا له في القول خبثا وتدليسا «٣» ففتّحت الأبواب بالرحب منهم ... وعرّس طلاب المدامة تعريسا «٤» فلما رأى زقّي «٥» أمامي ومزهري ... دعاني: أتأنيسا «٦» لحنت وتلبيسا؟ وقام إلى دنّ يفضّ ختامه ... فكبّس أجرام الغياهب تكبيسا «٧» وطاف بها رطب البنان مزنّر ... فأبصرت عبدا صيّر الحرّ مرءوسا سلافا حواها القار لبسا فخلتها ... مثالا من الياقوت في الحبر مغموسا «٨» إلى أن سطا بالقوم سلطان نومهم ... ورأس قتيل «٩» الشمع نكّس تنكيسا وثبت إليه بالعناق فقال لي: ... بحقّ الهوى هب لي من الضّمّ تنفيسا كتبت بدمع العين صفحة خدّه ... فطلّس حبر الشعر كتبي تطليسا فبئس الذي احتلنا وكدنا عليهم ... وبئس الذي قد أضمروا قبل ذا بيسا فبتنا يرانا الله شرّ عصابة ... نطيع «١٠» بعصيان الشريعة إبليسا وقال بديهة في غزالة من النحاس على بركة في محل طلب منه ذلك فيه «١١» : [الكامل] عنّت لنا من وحش وجرة ظبية ... جاءت لورد الماء ملء عنانها وأظنّها إذا حدّدت آذانها ... ريعت بنا فتوقفت بمكانها حيّت بقرني رأسها إذ لم نجد «١٢» ... يوم اللقاء تحية «١٣» ببنانها حنّت على النّدمان من إفلاسهم ... فرمت قضيب لجينها لحنانها لله درء غزالة أبدت لنا ... درّ الحباب تصوغه بلسانها

стр. 1591

وفاته: فلج فالتزم المنزل عندي لمكان فضله، ووجوب حقّه، وقد كانت زوجه توفيت، وصحبه عليها وجد شديد، وحزن ملازم، فلمّا ثقل، وقربت وفاته، استدعاني، وقد كان لسانه لا يبين القول، وأملى عليّ فيما وصاني به من مهم أمره «١» : [الطويل] إذا متّ فادفنّي حذاء حليلتي ... يخالط عظمي في التّراب عظامها ولا تدفننّي في البقيع فإنّني ... أريد إلى يوم الحساب التزامها ورتّب ضريحي كيفما شاء الهوى ... تكون أمامي أو أكون أمامها لعل إله العرش يجبر صدعتي ... فيعلي مقامي عنده ومقامها وفاته: ومات في ليلة الخامس والعشرين من عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة، ودفنته عصره بباب إلبيرة حذاء حليلته كما عهد، رحمة الله عليه. يحيى بن عبد الكريم الشنتوفي من أهل الجزيرة الخضراء. حاله: كان كاتبا ثرثارا، أديبا لوذعيا، كثير النظم والنثر. كتب عن أمير المسلمين أبي يوسف يعقوب «٢» ، وابنه أبي يعقوب، واحتلّ معهما «٣» بظاهر غرناطة. كتابته: كتب عن المذكور عند نزوله غازيا ومجاهدا بظاهر شريش ما نصّه: أخونا الذي يسير بما يخلّده بطون أوراق الدفاتر، من مأثور حميد المآثر، ويتلقّى ما يرد عليه من قبلنا من منشور حزب البشائر، بمعاشر القبائل والعشائر، ويفوّق ما قبسته المنن لأقلام وأفواه المحابر، في مراقب مراقي المنابر، ويجمع لما وشته سحائب الخواطر، من روضات السّجلّات في النوادي والمحاضر، الأمير الكذا، أدام الله اهتزازه للأنباء السارّة وارتياحه، ونعّم بها أرواحه، ووصل بكل أرج من نسيم الجذل، ومبهج من وسيم الأمل، غدوه ورواحه، وأحبّ به أرواحه. سلام كريم عليكم، ورحمة الله وبركاته. من أخيكم الذي لا يتمّ بشره إلّا بأخذكم منه بأوفى حظّ، وأوفر نصيب، ومصافيكم الذي لا يكمل سروره، ويجمل حبوره، حتى يكون لكم فيه سهم

стр. 1592

مصيب، ومرعى خصيب، الأمير يوسف ابن أمير المسلمين وناصر الدين يوسف بن عبد الحق. أمّا بعد حمد الله، محقّ الحقّ بتصعيده فوق النّجوم ومعليه، ومبطل الباطل بتصريبه تحت النجوم ومدليه، ومطهّر الأرض من نجس دنس الكفر وأوليه، ضربا بالمرهفات صبرا وطعنا بالمشفعات دراكا، وجاعل بلاد الشّرك الأسار عبّاد الإفك، بما نظمهم من سلك الملك، وبدّدهم من هتك السّتر، بالفتك والسّفك، حبائل لا يخرجون منها وأشراكا، وخاذل من زلّت عن السّور قدمه، وخرجت من الدّور ذممه، بأن يراق دمه، ويعدم وجوده وقدمه، بلوغا لأمان أماني الإيمان وإدراكا، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، ناظم فرائد الفرائد، ومنضّد عوائد المواعد، بالظّفر المنتظر بكل جاحد معاند، قلائد لا تنتثر وأسلاكا- وسالك مسالك الغزوات، وناسك مناسك الخلوات، ومدرك مدارك قبول الدّعوات، إفناء لأعداء الله وإهلاكا، والرضا على آله وصحبه، المرتدين بمننه، المهتدين بسننه، في إباحة حرم الحرم، وإزاحة ظلم الظّلم، حنادس وأحلاكا، القارعين بأسيافهم أصلاب كلاب الصّلبان تباكا، والقارعين أبواب ثواب الرحمن نسّاكا، وموالاة الدّعاء لسيدنا ومولانا الوالد، بتخليد السّعد المساعد، وإدارة الإرادة بعضد من النّصر وساعد، مقادير كما يشاء وأفلاكا، وممالآت آياته آيات، هذه الرّايات، بإدراك نهايات الغايات، في اشتباه أشياء ذوي الشّايات، فلا تذر في الأرض كفرا ولا تدع فيها إشراكا. فكتبناه، كتب الله لإخائكم الكريم أرفع الدرجات علا وأتمّها تعظيما، وفضلكم مع القعود عن الشهود بالنّية التي لها أكرم ورود، وأصدق وفود، أجرا عظيما. من منزلنا بمخنّق شريش حيث الكتائب الهائلة هالة بدرها البادية الخسوف، والحماة الكماة أكمام زهرها الدّاني القطوف، وسوار معصمها النائي عن العصمة مجرّدات صفوف صنوف السيوف. فالشّفار بالأحداق كالأشفار بالأحداق إدارتها، الطّاقة بحيزومها نطاقا، والفتح قد لاحت مخايله، وباحت مقاوله، والكفر فلّت مناصله وعرفت مقاتله، والمترف يتمنى أن يلقاه قاتله، فلا يقاتله فرقا، لا يجدون له فراقا فواقا، فحماتها العتاة لا يرون إلّا سماء نقع الكفاح، لمعا متلاقيا وائتلافا، وكماتها لا يشربون إلّا من تحت دمهم المطهّر بنجسه وجه الأرض، المعدي به هريقه من فيح حثّهم يوم العرض، المودي بإراقته واجب الفرض، إعدادا لامتثال الأمر الإلهي واعتناقا. ومن هذا الكتاب وهو طويل: ووصلنا والخيل تمرح في أعنّتها تصلّفا، وتختال في مشيها تغطرفا، وتعضّ على لجمها تحدّقا وتحرّفا، كأنها لم ترم قصارى قصور النصارى، دون تصور عنها، أغراضا وأهدافا، ودون معاهدة العيون وصف

стр. 1593

الواصف، ولأقلّ مما احتوى عليه هذا الفتح تهتزّ المعاطف، إذ الإيمان اهتزّ إعطافا، وتوشح به عطافا. وهل الكتب وإن طال، نبذة من نبذ الفتوح، وفلذة من كبد النّصر الممنوح، وزهرة من غصن النّدى المروح، أدنينا لإخائكم الكريم منه اقتطافا، والسلام. شعره: [البسيط] ما لي وللصبر عني دونكم حجبا ... وطالما هزّني أنسي لكم طربا فحين شبّ النوى في أضلعي لهبا ... هززت سيف اصطباري بعدكم فنبا وقلت للقلب يسلو بعدكم فأبى غبتم فغاب لذيذ الأنس والوسن ... وخانني جلدي فيكم فأرّقني ذكرى ليالينا في غفلة الزمن ... فارقتموني وطيب العيش فارقني وصرت من بعدكم حيران مكتئبا من لي بقربكم في حفظ عهدكم ... فكم ظفرت به أيام ودّكم وكم جرى دمع أجفاني لفقدكم ... فلو بكيت دما من بعدكم لم أقض من حقّ ذاك القرب ما وجبا لله أيامنا ما كان أجملها ... أعزت «١» بآخرها شكرا وأولها من حسنها لم أزل أصبو بها ولها ... يا صاح، صبرا على الأيام إنّ لها على تصاريفها من أمرها عجبا صبرا على زمن يبديك شيمته ... اقبل مساءته واحمد مسرّته فما عسى يبلغ الإنسان منيته ... ومن كرهت ومن أحببت صحبته لا بدّ أن يفقد الإنسان من صحبا قلت «٢» : عجبا من الشيخ ابن الخطيب، ﵀، في ذكره هذا المترجم به في ترجمة المقرئين، مع تحليته له، ووصفه إياه بما وصفه من الكتابة والشّعر، بل وإثباته له كتابته، وشعره، فكان حقّه أن يكون في ترجمة الكتّاب والشعراء بعد هذه الترجمة.

стр. 1594

يوسف بن إبراهيم بن يوسف بن محمد بن قاسم ابن علي الفهري من أهل غرناطة، يكنى أبا الحجاج، ويعرف بالسّاحلي «١» . حاله: من «العائد» «٢» : صدر «٣» في حملة القرآن، على وتيرة الفضلاء وسنن الصالحين، من لين الجانب، والعكوف على الخير، وبذل المعروف، وحسن المشاركة، والخفوف إلى الشّفاعة. أبّ الأمراء، وحظي بتسويدهم، وناب في الخطابة بالمسجد الأعظم من حمرائهم «٤» ، وكان إماما به، ذا هدى وسكينة ووقار. وحجّ، ولقي المشايخ «٥» ، واعتنق الرواية والتّقييد، فانتفع بلقائه. مشيخته: قرأ على الأستاذ العلّامة أبي جعفر ابن الزبير ببلده، وعلى الشيخ الخطيب الصوفي أبي الحسن ابن فضيلة، وعلى الخطيب الصالح أبي جعفر بن الزيات، والمحدّث الرّحال أبي عبد الله بن رشيد. وأخذ في رحلته عن جملة، كالخطيب الراوية أبي عبد الله محمد بن محمد بن فرتون، وناصر الدين منصور بن أحمد المشدالي، والأستاذ أبي عبد الله بن جعفر اليحصبي، وقاضي الجماعة ببجاية الإمام أبي عبد الله بن يحيى الزواوي، والفقيه المحدّث أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن الحسن الشافعي. وأجازه سوى من تقدّم ذكره من أهل المشرق، عبد الغفار بن محمد الكلابي، وحسن بن عمر بن علي الكردي، وعتيق بن عبد الرحمن بن أبي الفتح العمري، ومحمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني، وعمر بن أبي بكر الوادي آشي، وصالح بن عباس بن صالح بن أبي الفوارس الأسعد الصدفي، وأحمد بن محمد بن علي الكناني، ومحمد بن أحمد، وأحمد بن إسماعيل بن علي بن محمد بن الحباب، وأمّ الخير ابنة شرف الدين ابن الطباخ الصّوفي. وقرأ ببلده غرناطة على الأستاذ أبي جعفر الطبّاع، والشيخ أبي الحسن معن بن مؤمن، وأبي محمد النبغدي، وأبي الحسن البلوطي. أنشدنا، قال: كتب إليّ شيخنا محمد بن عتيق بن رشيق في الاستدعاء الذي أجازني، ولمن سمّى فيه «٦» : [الطويل] أجزت لهم أبقاهم الله كلّما ... رويت عن الأشياخ في سالف الدّهر

стр. 1595

وما سمعت أذناي عن كلّ عالم ... وما جاد من نطمي وما راق من نثري «١» على شرط أصحاب الحديث وضبطهم ... بريّ من «٢» التّصحيف عار من «٣» النّكر وجدّي رشيق شاع في الغرب ذكره ... وفي الشّرق أيضا فادر إن كنت لا تدري «٤» ولي مولد من بعد عشرين حجّة ... ثمان على السّتّ المئين «٥» ابتدا عمري «٦» وبالله توفيقي عليه توكّلي ... له الحمد في الحالين «٧» في العسر واليسر حدّثني شيخنا أبو بكر بن الحكيم، قال: أصابتني حمّى، فلمّا انصرفت عني، تركت في شفتي بثورا علي، فزارني الفقيه أبو الحجاج السّاحلي، فأنشدني «٨» : [السريع] حاشاك أن تمرض حاشاكا ... قد اشتكى قلبي لشكواكا إن كنت محموما ضعيف القوى ... فإنّني أحسد حمّاكا ما رضيت حمّاك إذ باشرت ... جسمك حتى قبّلت فاكا مولده: عام سبعة وستين وستمائة «٩» . وفاته: توفي، ﵀، بالحمراء العليّة، في السابع والعشرين لشهر رمضان من عام اثنين وخمسين وسبعمائة. ومن الكتّاب والشعراء بين أصلي وغيره: يحيى بن محمد بن يوسف الأنصاري «١٠» يكنى أبا بكر، ويعرف بابن الصّيرفي، من أهل غرناطة.

стр. 1596

حاله: كان نسيج وحده في البلاغة والجزالة، والتّبريز في أسلوب التاريخ، والتملؤ من الأدب، والمعرفة باللغة والخبر. قال أبو القاسم «١» : من أهل المعرفة بالأدب والعربية والفقه والتاريخ، ومن الكتاب المجيدين والشعراء المطبوعين المكثرين. كتب بغرناطة عن الأمير أبي محمد تاشفين «٢» ، وله فيه نظم حسن. مشيخته: قرأ على شيوخ بلده، وأخذ عن العالم الحافظ أبي بكر بن العربي ونمطه. تواليفه: ألّف في تاريخ الأندلس كتابا سماه «الأنوار الجلية، في أخبار الدولة المرابطيّة» ضمّنه العجاب إلى سنة ثلاثين وخمسمائة. ثم وصله إلى قرب وفاته، وكتابا آخر سمّاه «تقصّي الأنباء وسياسة الرؤساء» . شعره: قال: أنشدت الأمير تاشفين في هلاك ابن رذمير: [البسيط] أشكو الغليل بحيث المشرب الخضر ... حسبي وإلّا فورد ما له صدر تجهّمت لي وجوه الصبر منكرة ... ولا حظتني عيون حشوها حذر إني لأجزع من ذاك الوعيد وفي ... ملقى الأسنّة منّا معشر صبروا «٣» فلّت سلاحي الليالي أيّ ظالمة ... ولو أعادت شبابي كنت أنتصر مشيّعا كنت ما استصحبت من أمل ... كما يشيّع سهم النّازع الوتر فها أنا وعزيز في نامسة ... تسود في عينه الأوضاح والغرر يا حيّ عذرة، فتياكم بنازلة ... لم تنفصل يمن عنها ولا مضر ما الحكم عندكم إذ نحن في حرم ... على جناية رام سهمه النّظر أرعاني الشّهب في أحشاء ليلتها ... حمل من الصّبح أرجوه وأنتظر يفترّ عن برد من حوله لهب ... أو عن نبات أقاح أرضه سقر وبين أجفانه نهيف الأمير أبي ... محمد تاشفين أو هو القدر سيف به ثلّ عرش الروم واطّادت ... قواعد الملك واستولى به الظّفر وأدرك الدين بالثّأر المنيم على ... رغم وجاءت صروف الدهر تعتذر منى تنال وأيام مفضّضة ... مذهبات العشايا ليلها سحر

стр. 1597

وفي الذّؤابة من صنهاجة ملك ... أغرّ أبلج يستسقى به المطر مؤيد من أمير المسلمين له هوى ... ورأي ومن سير له سير أنحى على الجور يمحو رسم أحرفه ... حتى استجار بأحداق المهى الحور يا تاشفين، أما تنفكّ بادرة ... من راحتيك المنايا الحمر تبتدر؟ وكم ترنّح في روض جداوله ... بيض السيوف وملتفّ للقنا شجر هي التّرايك فوق الهام لا حبب ... والسّابغات على الأعطاف لا القدر لك الكتائب ملء البيد غازية ... إذا أتت زمر منها مضت زمر على ساكبها للنّقع أردية من ... تحتها جلّق من تحتها زبر تدبّ منها إلى الأعداء سابلة ... عقارب ما لها إلّا القنا إبر بعثتها أسدا شتّى إذا مرجت ... جنّ الوغا انقضّ منها أنجم زهر يا أيها الملك الأعلى الذي سجدت ... لسيفه الهام في الهيجاء والقصر أعر حرار ضلوعي برد ما نهلت ... خيل الزّبير ونار الحرب تستعر حيث الغبار دخان والظّبا لهب ... والأسنّة في هام العدا شرر والنّقع يطفو وبيض الهند راسية ... إن الصواعق يوم الغيم تنكدر أعطى الزبير فتى العلياء صارمه ... لكن بسعدك ما لم يعطه عمر ولّته أظهرها الأبطال خاضعة ... تكبو وتصفعها الهنديّة البتر بحر من الخلق المسرود ملتطم ... يسيل من كل سيف نحوه نصر أمّ ابن الزبير ابن رذمير بداهية ... عضّت ومسّك من أظفاره ظفر لقد نفحت من التّيجان في محم ... وأين من فتكات الضّيغم النّمر؟ لقد نجوت طليق الركض في وهن ... من الأسنّة حتى جاءك القدر خلعت درعا واعتضت الظّلام بها ... وخاض بحر الوغا مركوبك الخطر ومنها: ما بال إنجيلك المتروك ما ذمرت ... نفوس قومك منه الآي والسّور أهديتها غير مشكور مضمّرة ... ملء الأعنّة منها الزّهو والأسر وظلّ طفل من البولاد دانية ... سمراء «١» ترضعه اللبّات والثّغر

стр. 1598

وعابس للمنايا «١» وهي ضاحكة ... من خدّه بثغور زانها أشر وكل حارسة في الرّوع لابسها ... منسوجة من عيون ما لها نظر أعدت للحرب إنذارا سخوت بها ... على الرّجال التي منها لها وزر قضتك من حمير صيد غطارفة ... فضّ الرجاحة عوص الدهر ينحبر ملثّمون حياء كلّما سفرت لهم ... وجوه المنايا في الوغا سفروا جادوا بطعن كأسماع المحاص ... إلى ضرب كما فغرت أفواهها الحمر وحدت عنها محيّا مروّعة ... فضت بما مجّ في أحشائك الذّعر فرّت إلى حتفها من حتفها فمضت ... والموت يطردها والموت ينتظر قالوا: نجا بذماء «٢» النّفس منك فما ... نجا وقد بقرته الحيّة الذّكر توزّعت نفسا على حشيّتها ... من «٣» للوساوس يحدو جيشها السّهر؟ نصر عزيز وفتح ليس يعدله ... فتح ولله فيه الحمد والشكر فاهنأ به ابن أمير المسلمين ودم ... للملك ما قامت الآصال والبكر واهنأ بعيدك وافخر شانئيك به ... فإنّها نسك الأسياف لا الجزر جاورت بحرك تغشاني مواهبه ... فمن بذاك ونظمي هذه الدّرر وأنشد أيضا من شعره قوله، رحمة الله عليه: [الخفيف] ركبت خيلها جيوش الضّلال ... وسرت من رماحها بذبال ملقيات دروعها لا لوقت ... فيه تنضو الجلود رقش الصّلال حثّ في إثرها الأمير بعقبا ... ن جياد هوت بأسد رجال في صقيل البريك تحدث للشم ... س بعكس الشّعاع حمّى اشتعال لاث بالريح عمّة من غبار ... ومشى للحديد في أذيال كلّما جرّها على الصّلد أبقت ... كخطوط الصّلال فوق الرمال لبست أمرها على الرّوم حتى ... فجئتها كعادة الآجال أبدلت هامها قصار قدود ... بطوال من الرّماح الطوال والذي فرّ عن سيوفك أودى ... بقنا الرّعب في ثنايا الجبال كنت فيها وأنت في كل حرب ... مغمد النّصل في طلى الأبطال

стр. 1599

يطلع البدر منك حاجب شمس ... ويرى الليث في إهاب هلال يا لصنهاجة وحولك منهم ... خير جيش عليهم خير وال ملك ليس يركب الدهر إلّا ... كلّ عالي الركاب عالي القذال ما عرا الجدب أو علاه «١» الخطب ... سال غيثا ولاح بدر كمال وحفيف على أمور خفاف ... وثقيل على أمور ثقال لاعب المعطفين بالحمد زهوا ... شيمة الرّمح هزّة في اعتدال مسترقّ النفوس خوفا وحسنا ... إنما السيف هيبة في جمال شيم كالغمام ينشر في الرو ... ض بأندابه صغار اللّآل وسجايا تفتّحت زهرات ... وخلال تسدّ كل اختلال أنت يا تاشفين والله واق ... لك شخص العلا ونفس الكمال ليس آمال من على الأرض إلّا ... أن ترى وأنت غاية الآمال وهنيّا بأن نهضت وأقبل ... ت عزيز النّهوض والإقبال وعلى الكفر منك حرّ مجير ... وعلى الدّين منك برد ظلال يا فتى والزمان نعمى وبؤس ... شرّ حال أفضت إلى خير حال وبما تجزع النفوس من الأم ... ر له فرجة كحلّ العقال ربّ أشياء ليس يبلغ منها ... كنه ما في النّفوس بالأقوال غير أن الكلام إن جلّ قدرا ... وعلا كنت فوقه في الفعال ومن شعره، وقد بيّت العدوّ محلّة الأمير تاشفين، ويذكر حسن ثباته، وقد أسلمه قومه، وهي من القصائد المفيدة، المبدية في الإحسان المعيدة «٢» : [الكامل] يا أيها الملك «٣» الذي يتقنّع «٤» ... من منكم البطل الهمام الأروع «٥» ؟

стр. 1600

ومن الذي غدر العدوّ به دجى ... فانفضّ كلّ وهو لا يتزعزع؟ تمضي الفوارس والطعان يصدّها ... عنه ويزجرها «١» الوفاء فترجع والليل من وضح التّرائك والظّبا «٢» ... صبح على هام الكماة ممنّع «٣» عن أربعين ثنت أعنّتها دجى ... ألفان ألف حاسر ومقنّع لولا رجال كالجبال تعرّضت ... ما كان ذاك السيل مما يردع «٤» يتقحّمون على الرماح كأنهم ... إبل «٥» عطاش والأسنة تكرع «٦» ومن الدّجى لهم «٧» على قمم الرّبى ... وذؤابة بين الظّبا تتقطّع نصرت ظلام الكفر ظلمة ليلة ... لم يدر فيها الفجر أين المطلع «٨» لولا ثبوتك تاشفين لغادرت ... أخرى الليالي وهيبة لا ترقع فثبتّ والأقدام تزلق والرّدى «٩» ... حول السّرادق والأسنّة تقرع لا تعظمنّ «١٠» على الأمير فإنها ... خدع الحروب وكل حرب تخدع «١١» ولكل يوم حنكة وتمرّس ... وتجارب في مثل نفسك تنجع يا أشجع الشجعان «١٢» ليلة أمسه ... اليوم «١٣» أنت على التجارب أشجع أهديك من أدب الوغا حكما بها ... كانت ملوك الحرب مثلك تولع لا أنّني أدرى بها لكنها ... ذكرى تخصّ المؤمنين وتنفع اختر من الخلق المضاعفة التي ... وصّى بها صنع السّوابغ تبّع «١٤»

стр. 1601

والهند وانى للرفيق «١» فإنه ... أمضى على حلق الدلاص وأقطع ومن الرواجل ما إذا زعزعته ... أعطاك هزّة معطفيه الأشجع ومن الجياد الجرد كلّ مضمّر ... تشجى بأربعه الرياح الأربع والصّمّة البطل الذي لا يلتوي ... منه الصّليب ولا يلين الأخدع وكذاك قدر في العدو حزامة ... فالنّبع بالنّبع المثقّف يقرع خندق عليك إذا اضطربت «٢» محلّة ... سيّان تتبع ظافرا «٣» أو تتبع واجعل ببابك في الثّقات ومن له ... قلب على هول الحروب مشيّع «٤» وتوقّ من كذب الطلائع إنّه ... لا رأي للمكذوب «٥» فيما «٦» يصنع فإذا احترست بذاك لم يك للعدا ... في فرصة أو في انتهاز مطمع حارب بمن يخشى «٧» عقابك بالذي ... يخشى «٨» ومن في جود كفّك يطمع قبل التّناوش عبّ جيشك مفحصا «٩» ... حيث التمكّن والمجال الأوسع إياك تعبئة الجيوش مضيّقا ... والخيل تفحص بالرجال وتمرع «١٠» حصّن حواشيها وكن في قلبها ... واجعل أمامك منهم من يشجع والبس لبوسا لا يكون مشهّرا ... فيكون نحوك للعدوّ تطلّع واحتل لتوقع في مضايقة الوغى ... خدعا ترويها وأنت موسّع «١١» واحذر كمين الرّوم عند لقائها ... واخفض «١٢» كمينك خلفها إذ تدفع لا تبقين «١٣» النهر خلفك عندما ... تلقى العدوّ فأمره «١٤» متوقّع واجعل «١٥» مناجزة العدوّ عشيّة ... ووراءك «١٦» الصدف «١٧» الذي هو أمنع

стр. 1602

واصدمه أول وهلة لا ترتدع ... بعد التقدم فالنّكول «١» يضعضع وإذا تكاثفت «٢» الرجال بمعرك ... ضنك فأطراف الرّماح توسع حتى إذا استعصت «٣» عليك ولم يكن ... إلّا شماس دائم وتمنّع ورأيت نار الحرب تضرم بالظّبا ... ودخانها «٤» فوق الأسنّة يسطع «٥» ومضت تؤذّن بالصّميل جيادها ... والهام تسجد والصّوارم تركع «٦» والرمح يثني معطفيه كأنه ... في الرّاح لا علق الفوارس يكرع والريح تنشأ سجسجا هفّافة ... وهي السّكينة عن يمينك توضع أقص «٧» الكمين على العدوّ فإنه ... يعطيك من أكتافه ما يمنع وإذا هزمت عداك فاحذر كرّها ... واضرب وجوه كماتها إذ ترجع وهي الحروب قوى النّفوس وحزبها ... من قوّة الأبدان فيها أنفع ثم انتهض بجميع من «٨» أحمدته «٩» ... حتى يكون لك المحلّ الأرفع وبذاك «١٠» تعتب إن تولّت عصبة ... كانت ترفّه للوغى «١١» وترفّع من معشر إعراض وجهك عنهم ... فعل الجميل وسخطك المتوقّع يكبو «١٢» الجواد وكل حبر «١٣» عالم ... يهفو وتنبو المرهفات القطّع أنّى قرعتم «١٤» يا بني صنهاجة ... وإليكم في الرّوع كان المفزع؟ ما أنتم إلّا أسود خفيّة «١٥» ... كلّ بكلّ عظيمة تستطلع «١٦»

стр. 1603

ما بال سيدكم تورّط «١» ؟ لم يكن ... لكم التفات نحوه وتجمّع إنسان عين لم يصبه «٢» منكم ... جفن وقلب أسلمته الأضلع تلك التي جرّت عليكم خطّة ... شنعاء وهي على رجال أشنع أو ما ليوسف جدّه منن «٣» على ... كلّ وفضل سابق لا يدفع «٤» ؟ أو ما لوالده عليّ «٥» نعمة ... وبكل جيد ربقة لا تخلع؟ ولكم بمجلس تاشفين كرامة ... وشفيعكم فيما يشاء مشفّع ألا رعيتم ذاك وأحسابكم ... وأنفتم من قالة تستشنع أبطأتم عن تاشفين ولم يزل ... إحسانه لجميعكم «٦» يتسرّع ردّت مكارمه لكم وتوطّأت ... أكنافه إنّ الكريم سميدع خاف العدى لكن عليكم مشفقا «٧» ... فهجعتم «٨» وجفونه لا تهجع ومن العجائب أنه مع «٩» سنّه ... أدرى وأشهر «١٠» في الخطوب «١١» وأضلع ولقد «١٢» عفا والعفو منه سجيّة ... ولسطوة لو شاء فيكم موضع يا تاشفين، أقم «١٣» لجيشك عذره ... فالليل «١٤» والقدر الذي لا يدفع هجم العدوّ دجى فروّع مقبلا ... ومضى يهينم «١٥» وهو منك مروّع لا يزدهي إلّا سواك بها ولا ... إلّا لغيرك بالسّنان يقنّع «١٦» لمّا سددت له الثّنيّة لم يكن ... إلّا على ظهر المنيّة مهيع وكذاك للعيرات «١٧» إقدام على ... أسد العرين الورد ممّا يجزع

стр. 1604

ولقد تقفّاها الزبير وقد نجت ... إلّا فلولا إنّ «١» منه المصرع وغدا يعاقب والنفوس حميّة ... والسّمر هيم والصّوارم جوّع أعطش سلاحك ثم أوردها الوغا ... كيما يلذّ لها ويصفو المشرع كم وقعة لك في ديارهم انثنت ... عنها أعزّتها تذلّ وتخضع النّعمة العظمى سلامتك التي ... فيها من الظّفر الرّضى والمقنع لا ضيّع الرحمن سعيك إنه ... سعي به الإسلام ليس يضيّع نستحفظ «٢» الرحمن منك وديعة ... فهو الحفيظ لكلّ ما يستودع وفاته: بغرناطة في حدود السبعين وخمسمائة «٣» . ومن ترجمة الشعراء من السفر الأخير وهو الثاني عشر المفتتح بالترجمة بعد يحيى بن محمد بن أحمد بن عبد السلام التطيلي الهذلي «٤» أصله من تطيلة، وهو غرناطي، يكنى أبا بكر. حاله: قال أبو القاسم الملّاحي: أديب «٥» زمانه، وواحد أقرانه، سيال القريحة، بارع الأدب، رائق الشعر، علم في النحو واللغة والتاريخ والعروض وأخبار الأمم، لحق بالفحول المتقدّمين، وأعجزت براعته براعة «٦» المتأخرين، وشعره مدوّن، جرى «٧» في ذلك كلّه طلق الجموح. ثم انقبض وعكف على قراءة القرآن، وقيام الليل، وسرد الصوم، وصنع «٨» المعشّرات في شرف النبيّ ﵊.

стр. 1605

وأشعاره كثيرة، من الزهد والتذكير للآخرة، والتّجريد من الدنيا، حتى جمع له من ذلك ديوان كبير. شعره: من ذلك قوله من قصيدة: [الطويل] أذوب حياء إن تذكّرت زلّتي ... وحلمك حتى ما أقلّ نواظري وأسكت مغلوبا وأطرق خجلة ... على مثل أطراف القنا والتّواتر تعود بصفح إثر صفح تكرّما ... على الذنب بعد الذنب يا خير غافر وتلحظني بالعفو أثناء زلّتي ... وتنظر مني في خلال جرائر وحقّ هواك المستكنّ بأضلعي ... وما لك عندي من خفيّ ضمائر لما قمت بالمعشار من عشر عشرة ... ولو جئت فيه بالنجوم الزّواهر فيا أيها المولى الصّفوح ومن به ... تنوء احتمالاتي بأعباء شاكر أنلني من برد اليقين صبابة ... ألفّ بها حدّ الهوى والهواجر وخلت الدّجى عذرا أهاب «١» سرى العدا ... إليّ تغطّيني بسود الغدائر وخافت على عيني من السّهد والبكا ... فذرّت بقايا الكحل من جفن ساهر وقال رادّا على ابن رشد حين ردّ على أبي حامد في كتابه المسمى «تهافت التهافت» : [الطويل] كلام ابن رشد لا يبين رشاده ... هو اللّيل يعشى الناظرين سواده ولا سيما نقض التهافت إنه ... تضمّن برساما يعزّ اعتقاده كما اطّرد «٢» المحموم في هذيانه ... يفوه بما يملي عليه احتداده أتى فيه بالبهت الصّريح مغالطا ... فما غيّر البحر الخضمّ ثماده وحاول إخفاء الغزالة بالسّها ... فأخفق مسعاه وردّ اعتقاده دلائل تعطيك النّقيضين بالسّوى ... وأكثر ما لا يستحيل عناده إذا أوضح المطلوب منها وضدّه ... يبين على قرب وبان انفراده وأنت بعيد الفكر عن ترّهاته ... فمعظمها رأي يقلّ سداده

стр. 1606

ومن شعره «١» : إليك بسطت الكفّ في فحمة الدجى ... نداء «٢» غريق في الذنوب عريق رجاك ضميري كي تخلّص جملتي ... فكم من فريق شافع لفريق مشيخته: أخذ عن أبيه أبي عبد الله، وحدّث عن الأستاذ أبي الحسن جابر بن محمد التميمي، وعن الأستاذ المقرئ ببلنسية أبي محمد عبد الله بن سعدون التميمي الضرير، عن أبي داود المقرئ. وقرأ أيضا على الخطيب أبي عبد الله محمد بن عروس، وعلى القاضي العالم أبي الوليد بن رشد. مولده: فجر يوم الثلاثاء الخامس والعشرين لمحرم تسعة وخمسين وخمسمائة. وفاته: بغرناظة عام تسعة وعشرين وستمائة. يحيى بن بقي «٣» من أهل وادي آش «٤» . حاله: بارع الأدب، سيّال القريحة، كثير الشعر جيّده في جميع أنواعه. وكان مع ذلك موصوفا بغفلة. شعره «٥» : [الكامل] بأبي غزال غازلته مقلتي ... بين العذيب وبين شطّي بارق

стр. 1607

وسألت منه قبلة «١» تشفي الجوى ... فأجابني «٢» عنها «٣» بوعد صادق وأتيت منزله وقد هجع العدا ... أسري إليه كالخيال الطّارق بتنا ونحن من الدّجى في لجّة «٤» ... ومن النجوم الزّهر تحت سرادق عاطيته والليل يسحب ذيله ... صهباء «٥» كالمسك العتيق «٦» لناشق حتى إذا مالت «٧» به سنة الكرى ... باعدته «٨» شيئا «٩» وكان معانقي أبعدته «١٠» من أضلع تشتاقه ... كي لا ينام على وساد خافق وضممته ضمّ الكميّ لسيفه ... وذؤابتاه حمائل في عاتقي لمّا رأيت الليل ولّى «١١» عمره ... قد شاب في لمم له ومفارق ودّعت من أهوى وقلت تأسّفا «١٢» : ... أعزز عليّ بأن أراك مفارقي وفاته: توفي بمدينة وادي آش سنة أربعين وخمسمائة «١٣» . يحيى بن عبد الجليل بن عبد الرحمن بن مجبر «١٤» الفهري فرتشي «١٥» ، وقال صفوان: إنه بلّشي «١٦» ، يكنى أبا بكر.

стр. 1608

حاله: قال ابن عبد الملك: كان «١» في وقته شاعر المغرب، لم يكن يجري أحد مجراه من فحول الشعراء. يعترف له بذلك أكابر الأدباء، وتشهد له بقوة عارضته وسلامة طبعه قصائده التي صارت مثالا، وبعدت على قربها منالا. وشعره كثير مدوّن، ويشتمل على أكثر من سبعة «٢» آلاف بيت وأربعمائة بيت. امتدح الأمراء والرؤساء، وكتب عن بعضهم، وحظي عندهم حظوة تامة، واتصل بالأمير أبي عبد الله بن سعد «٣» ، وله فيه أمداح كثيرة. وبعد موته انتقل إلى إشبيلية، وبملازمته للأمير المذكور، وكونه في جملته، استحقّ الذكر فيمن حلّ بغرناطة. ومن أثرته لدى ملوك مراكش، أنه أنشد يوسف بن عبد المؤمن «٤» يهنّئه بفتح من قصيدة «٥» : [الخفيف] إنّ خير الفتوح ما جاء «٦» عفوا ... مثل ما يخطب البليغ «٧» ارتجالا قالوا: وكان أبو العباس الجراوي الأعمى الشاعر حاضرا، فقطع عليه؛ لحسادة وجدها، فقال: يا سيدنا، اهتدم فيه بيت ابن «٨» وضّاح: [الرجز] خير شراب ما جاء «٩» عفوا ... كأنه خطبة ارتجالا «١٠» فبدر المنصور، وهو حينئذ وزير أبيه، وسنّه في حدود العشرين من عمره، فقال: إن كان قد اهتدمه، فقد استحقّه لنقله إياه من معنى خسيس إلى معنى شريف، فسرّ أبوه لجوابه، وعجب منه الحاضرون. ومرّ المنصور أيام إمرته بأونبة «١١» من أرض شلب، ووقف على قبر أبي محمد بن حزم، وقال: عجبا لهذا الموضع، يخرج منه مثل هذا العالم. ثم قال: كلّ

стр. 1609

العلماء عيال على ابن حزم. ثم رفع رأسه، وقال: كما أنّ الشعراء عيال عليك يا أبا بكر، يخاطب ابن مجير. شعره: من شعره يصف الخيل العتاق من قصيدة في مدح المنصور» : [الطويل] له خطّت «٢» الخيل العتاق كأنها ... نشاوى تهادت «٣» تطلب العزف «٤» والقصفا عرائس أغنتها الحجول عن الحلى ... فلم تبغ خلخالا ولا التمست وقفا فمن يقق «٥» كالطّرس تحسب أنه ... وإن جرّدوه في ملاءته التفّا وأبلق أعطى الليل نصف إهابه ... وغار عليه الصبح فاحتبس النّصفا وورد تغشّى جلده شفق الدّجى ... فإذا حازه حلّى «٦» له الذّيل والعرفا وأشقر مجّ الراح صرفا أديمه ... وأصفر لم يسمح بها جلده صرفا وأشهب فضّيّ الأديم مدنّر ... عليه خطوط غير مفهمة حرفا كما خطر «٧» الزاهي بمهرق كاتب ... يجرّ «٨» عليه ذيله وهو ما جفّا «٩» تهبّ على الأعداء منها عواصف ... ستنسف «١٠» أرض المشركين بها نسفا ترى كلّ طرف «١١» كالغزال فتمتري ... أظبيا «١٢» ترى تحت العجاجة أم طرفا؟ وقد كان في البيداء يألف سربه ... فربّته مهرا وهي تحسبه خشفا تناوله لفظ الجواد لأنه ... متى «١٣» ما أردت الجري أعطاكه ضعفا

стр. 1610

ولمّا «١» اتخذ المنصور ستارة المقصورة بجامعه «٢» ، وكانت مدبرة على انتصابها إذا استقرّ المنصور ووزراؤه بمصلّاه، واختفائها إذا انفصلوا عنها، أنشد في ذلك الشعراء، فقال ابن مجبر «٣» من قصيدة أولها: [الكامل] أعلمتني ألقي عصا التّسيار ... في بلدة ليست بدار قرار ومنها في وصف المقصورة «٤» : طورا تكون بمن حوته محيطة ... فكأنها سور من الأسوار وتكون حينا «٥» عنهم مخبوّة «٦» ... فكأنها سرّ من الأسرار وكأنما «٧» علمت مقادير الورى ... فتصرّفت لهم على مقدار فإذا أحسّت بالإمام «٨» يزورها ... في قومه قامت إلى الزّوّار ويكفي من شعر ابن مجبر هذا القدر العجيب، ﵀. من روى عنه: حدّث عنه أبو بكر محمد بن محمد بن جمهور، وأبو الحسن بن الفضل، وأبو عبد الله بن عيّاش، وأبو علي الشّلوبين، وأبو القاسم بن أحمد بن حسان، وأبو المتوكل الهيثم، وجماعة. وفاته: توفي بمراكش سنة ثمان وثمانين وخمسمائة «٩» ، وسنّه ثلاث وخمسون سنة. يوسف بن محمد بن محمد اليحصبي اللوشي، أبو عمر «١٠» حاله: من كتاب ابن مسعدة «١١» : خطيب الإمامة السّعيدة النّصرية الغالبية، وصاحب قلمها الأعلى. كان شيخا جليلا، فقيها، بارع الكتابة، ماهر الخطّة، خطيبا

стр. 1611

مصقعا، منقطع القرين في عصره، منفردا عن النّظير في مصره، عزيزا، أنوفا، فاضلا، صالحا، خيّرا، شريف النفس، منقبضا، وقورا، صموتا، حسن المعاشرة، طيب المحادثة. مشيخته: حدّث عن والده الشيخ الراوية أبي عبد الله، وعن الأستاذ ابن يربوع. ولقي بإشبيلية الأستاذ أبا الحسن الدبّاج، ورئيس النحاة أبا علي الشّلوبين، وغيرهما. شعره: ومن شعره، وإن كان غير كثير، قوله: [الخفيف] شرّد النوم عن جفونك وانظر ... كلمة توقظ النفوس النّياما فحرام على امرئ يشاهد ... حكمة الله أن يلذّ المناما وقوله: [الرمل] ليس للمرء اختيار في الذي ... يتمنّى من حراك وسكون إنّما الأمر لربّ واحد ... إن يشا «١» قال له: كن فيكون وفاته: توفي في المحرم من عام ستين وستمائة، ودفن بمقبرة باب إلبيرة. وحضر جنازته الخاصة والعامة، السلطان فمن دونه، وكلّ ترحّم عليه، وتفجّع له. حدّثني حافده شيخنا، قال: أخرج الغالب بالله، يوم وفاته، جبّة له، لبسته مرفوعة، من ملفّ أبيض اللون، مخشوشنة، زعم أنها من قديم مكسبه من ثمن مغنم ناله، قبل تصيّر الملك إليه، أمر ببيعها، وتجهيزه من ثمنها، ففعل، وفي هذا ما لا ما مزيد عليه من الصّحة والسلامة، وجميل العهد، رحم الله جميعهم. يوسف بن علي الطرطوشي، يكنى أبا الحجاج «٢» حاله: من «العائد» : كان، ﵀، من أهل الفضل والتواضع، وحسن العشرة، مليح الدّعابة، عذب الفكاهة، مدلّا على الأدب جدّه وهزله، حسن الخط، سلس الكتابة، جيّد الشعر، له مشاركة في الفقه وقيام على الفرائض. كتب بالدار السلطانية، وامتدح الملوك بها، ثم توجّه إلى العدوة، فصحب خطة القضاء عمره، مشكور السيرة، محفوفا بالمبرّة.

стр. 1612

وجرى ذكره في «الإكليل» بما نصّه «١» : روض أدب لا تعرف الذّواء «٢» أزهاره، ومجموع فضل لا تخفى آثاره، كان في فنون الأدب مطلق الأعنّة، وفي معاركه ماضي الظّبا والأسنّة. فإن هزل، وإلى تلك الطريقة اعتزل، أبرم من الغزل «٣» ما غزل، وبذل من دنان راحته ما بذل «٤» . وإن صرف إلى المعرب «٥» غرب «٦» لسانه، وأعاره لمحة من إحسانه، أطاعه عاصيه، واستجمعت لديه أقاصيه. ورد على الحضرة الأندلسية والدنيا شابّة، وريح القبول هابّة، فاجتلى محاسن أوطانها، وكتب عن سلطانها. ثم كرّ إلى وطنه» وعطف، وأسرع اللحاق كالبارق إذا خطف. وتوفي عن سنّ عالية، وبرود من العمر بالية «٨» . ومن شعره أيام حلوله بهذه البلاد، قوله يمدح الوزير ابن الحكيم، ويلمّ بذكر السّلم في أيامه: [البسيط] رضاكم إن مننتم خير مرهوب ... وما سوى هجركم عندي بموهوب لكم كما شئتم العتبى وعتبكم ... مقابل الرضى من غير تثريب منوا بلحظ رضى لي ساعة فعسى ... أنال منه لدهري طبّ مطبوب فكم أثارت لي الأيام وابتسمت ... ثغور سعدي بتقريب فتقريب قد كنّ بيضا رعابيبا بقربكم ... والآن يوصفن بالسّود الغرابيب آها لدهر تقضّى لي بباكم ... مرتّب للأماني أيّ ترتيب ما كان إلّا كأحلام سررت بها ... فواصلت حال تقويض بتطنيب يا ليت شعري هل تقضى بعودته ... فأقدر الحسن منه بعد تجريب؟ ومنها: يا أيها السيد الأعلى الذي يده ... حازت ندى السّحب مسكوبا بمسكوب فلو سألنا بلاد الله عن كرم ... فيها لكفّيه والأنواء منسوب لقلن: إن كان جود لا يضاف لذي ال ... وزارتين فجود غير محسوب

стр. 1613

فالعود جنس ولكن في إضافته ... للهند يختصّ عود الهند بالطّيب من سيّد لا يوفّي الحمد واجبه ... ولو تواصل مكتوبا بمكتوب له المحامد لا تحصى ولا عجب ... فرمل عالج «١» شيّ غير محسوب تناول الشّرف الأقصى بعزمة ذي ... ظنّ نبيل الأماني غير مكذوب وواصل المجد من آياته شرفا ... بمجده وصل أنبوب بأنبوب وجاء مكتسبا أعلى ذخائره ... والمجد ما بين موروث ومكسوب ردء الخليفة لا يرتاح من نصب ... في بذل نصح لحفظ قائم «٢» منصوب موفّق الرأي مأمون النّقيبة في ... تدبير ذي حنكة صحّت وتدريب تهابه النفس إذ ترجوه من شرف ... فشأنه بين مرهوب ومرغوب ومنها: يا أوحد العصر في فضل وفي كرم ... خصال قاطع دهر «٣» في التّجاريب أعد فديت لأمري منعما نظرا ... ينل به همّ حالي بعض تشبيب لولا ارتكاب حسود الأمر «٤» في ضرري ... ما كان ظهر النّوى عندي بمركوب هذا زماني ومنك الأمن حاربني ... حتى أراني في حالات محروب فامنن بتفريج كربي بالرضا فإذا ... رضيت لم أك من شيء بمكروب إن لم أذق من رضاكم ما ألذّ به ... فلا حياة بمأكول ومشروب ومن شعره: [المتقارب] بذكرك تشرح آي العلا ... وتسند أخباره في الصحيح بأفقك يشرق بدر السّنا ... وباسمك يحسن نظم المديح وما يحسن العقد إلّا إذا ... تحلّت به ذات وجه مليح وفاته: كان حيّا عام أحد وأربعين وسبعمائة.

стр. 1614

ومن ترجمة المحدّثين والفقهاء وسائر الطلبة النجباء: يحيى بن محمد بن عبد العزيز بن علي الأنصاري يكنى أبا بكر، ويعرف بالعشّاب، ويعرف بالبرشاني «١» . حاله: كان هذا الشيخ من أهل الخير، كثير التؤدة والصمت، معرضا عمّا لا يعنيه. رحل إلى الحج، وأقام هنالك سنين، وقفل منها فخطب بأرجبة «٢» . وأخذ ببلاد المشرق عن قطب الدين القسطلانيّ، وأبي الفضل ابن خطيب المري، وزين الدين أبي بكر محمد بن إسماعيل الأنماطي. ولقي أبا علي بن الأحوص بالأندلس ولم يأخذ عنه. أنشدني شيخنا أبو البركات، قال: أنشدني الشيخ أبو بكر البرشاني، وقد لقيته بأرجبة، قال: أنشدنا الإمام أبو عبد الله بن النعمان عن قطب الدين: [الطويل] إذا كان أنسي في لزومي وحدتي ... وقلبي من كلّ البريّة خال فما ضرّني من كان للدّهر «٣» قاليا ... وما سرّني من كان فيّ موال ومن العمال يوسف بن رضوان بن يوسف بن رضوان بن يوسف ابن رضوان بن يوسف بن رضوان بن محمد بن خير بن أسامة الأنصاري النّجاري قال القاضي المؤرخ أبو الحسن بن الحسن ممليه: والذي رفع إليّ هذا النسب للركانة هو صاحبنا الفقيه أبو القاسم ولده، ورفع هذا النسب بحاله من التكرار دليل على أصالته. حاله: من أهل الخير والخصوصية، وحسن الرّواء والوقار والحياء والمودّة. نبيه القدر، معروف الأمانة، صدر في أهل العقد والحل ببلده، بيته بيت صون وخير واستعمال، ولو لم يكن من بركات هذا الرجل وآثار فضله إلّا ابنه صدر الفضلاء وبقية

стр. 1615

الخواص أبو القاسم لكفاه. تولّى قيادة الديوان بمالقة بلده، أرفع الخطط الشرعية العملية، فحمدت سيرته. وفاته: وفاته بمالقة في ... «١» وعلى قبره مكتوب من نظم ولده: [الطويل] إلاهي، خدّي في التراب تذلّلا ... بسطت، عسى رحماك يحيا بها الروح وجاوزت أجداث الممالك خاضعا ... وقلبي مصدوع ودمعي مسفوح ووجّهت وجهي نحو جودك ضارعا ... لعلّ الرضى من جنب حلمك ممنوح أتيت فقيرا والذنوب تؤدني ... وفي القلب من خوف الجرائم تبريح ولم أعتمد إلّا الرّجاء «٢» وسيلة ... وإخلاص إيمان به الصّدر مشروح وأنت غنيّ عن عذابي وعالم ... بفقري وباب العفو عندك مفتوح فهب لي عفوا من لدنك ورحمة ... يكون بها من ربقة الذنب تسريح وصلّ على المختار ما همع الحيا ... وما طلعت شمس وما هبّت الريح ومن ترجمة الزهاد والصلحاء يحيى بن إبراهيم بن يحيى البرغواطي «٣» من أهل أنفا، من بيت عمال يعرفون ببني التّرجمان، أولي شهرة وشدّة على الناس وضغط. وكان من الحظوة وضدّها بباب سلطانهم ديدن الجباة. غرّب «٤» عنهم وانقطع إلى لقاء الصالحين وصحبة الفقراء المتجرّدين، وقدم على الأندلس عابدا، كثير العمل، على حداثة سنّه، ونزل برباط السّودان، من خارج مالقة، واشتهر، وانثال عليه الناس. ثم راض طول ذلك الاجتهاد، وأنس بمداخلة الناس. حاله: هذا «٥» الرجل نسيج وحده في الكفاية، وطلاقة اللسان، مدل على أغراض الصوفية، حافظ لكل غريبة من غرائب طريقتهم، متكلّم «٦» في مشكلات أقوالهم، قائم على كثير من أخبارهم، يستظهر حفظ جزءي إسماعيل الهروي المسمى ب «منازل السائرين إلى الحق» ، والقصيدة الكبيرة لابن الفارض. عديم النظير في ذلك
следующие страницы →