← Тараджим

Тараджим · id 11682

الإحاطة في أخبار غرناطة

لسان الدين بن الخطيب

Полный текст (1 954 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

مصقعا، منقطع القرين في عصره، منفردا عن النّظير في مصره، عزيزا، أنوفا، فاضلا، صالحا، خيّرا، شريف النفس، منقبضا، وقورا، صموتا، حسن المعاشرة، طيب المحادثة. مشيخته: حدّث عن والده الشيخ الراوية أبي عبد الله، وعن الأستاذ ابن يربوع. ولقي بإشبيلية الأستاذ أبا الحسن الدبّاج، ورئيس النحاة أبا علي الشّلوبين، وغيرهما. شعره: ومن شعره، وإن كان غير كثير، قوله: [الخفيف] شرّد النوم عن جفونك وانظر ... كلمة توقظ النفوس النّياما فحرام على امرئ يشاهد ... حكمة الله أن يلذّ المناما وقوله: [الرمل] ليس للمرء اختيار في الذي ... يتمنّى من حراك وسكون إنّما الأمر لربّ واحد ... إن يشا «١» قال له: كن فيكون وفاته: توفي في المحرم من عام ستين وستمائة، ودفن بمقبرة باب إلبيرة. وحضر جنازته الخاصة والعامة، السلطان فمن دونه، وكلّ ترحّم عليه، وتفجّع له. حدّثني حافده شيخنا، قال: أخرج الغالب بالله، يوم وفاته، جبّة له، لبسته مرفوعة، من ملفّ أبيض اللون، مخشوشنة، زعم أنها من قديم مكسبه من ثمن مغنم ناله، قبل تصيّر الملك إليه، أمر ببيعها، وتجهيزه من ثمنها، ففعل، وفي هذا ما لا ما مزيد عليه من الصّحة والسلامة، وجميل العهد، رحم الله جميعهم. يوسف بن علي الطرطوشي، يكنى أبا الحجاج «٢» حاله: من «العائد» : كان، ﵀، من أهل الفضل والتواضع، وحسن العشرة، مليح الدّعابة، عذب الفكاهة، مدلّا على الأدب جدّه وهزله، حسن الخط، سلس الكتابة، جيّد الشعر، له مشاركة في الفقه وقيام على الفرائض. كتب بالدار السلطانية، وامتدح الملوك بها، ثم توجّه إلى العدوة، فصحب خطة القضاء عمره، مشكور السيرة، محفوفا بالمبرّة.

стр. 1612

وجرى ذكره في «الإكليل» بما نصّه «١» : روض أدب لا تعرف الذّواء «٢» أزهاره، ومجموع فضل لا تخفى آثاره، كان في فنون الأدب مطلق الأعنّة، وفي معاركه ماضي الظّبا والأسنّة. فإن هزل، وإلى تلك الطريقة اعتزل، أبرم من الغزل «٣» ما غزل، وبذل من دنان راحته ما بذل «٤» . وإن صرف إلى المعرب «٥» غرب «٦» لسانه، وأعاره لمحة من إحسانه، أطاعه عاصيه، واستجمعت لديه أقاصيه. ورد على الحضرة الأندلسية والدنيا شابّة، وريح القبول هابّة، فاجتلى محاسن أوطانها، وكتب عن سلطانها. ثم كرّ إلى وطنه» وعطف، وأسرع اللحاق كالبارق إذا خطف. وتوفي عن سنّ عالية، وبرود من العمر بالية «٨» . ومن شعره أيام حلوله بهذه البلاد، قوله يمدح الوزير ابن الحكيم، ويلمّ بذكر السّلم في أيامه: [البسيط] رضاكم إن مننتم خير مرهوب ... وما سوى هجركم عندي بموهوب لكم كما شئتم العتبى وعتبكم ... مقابل الرضى من غير تثريب منوا بلحظ رضى لي ساعة فعسى ... أنال منه لدهري طبّ مطبوب فكم أثارت لي الأيام وابتسمت ... ثغور سعدي بتقريب فتقريب قد كنّ بيضا رعابيبا بقربكم ... والآن يوصفن بالسّود الغرابيب آها لدهر تقضّى لي بباكم ... مرتّب للأماني أيّ ترتيب ما كان إلّا كأحلام سررت بها ... فواصلت حال تقويض بتطنيب يا ليت شعري هل تقضى بعودته ... فأقدر الحسن منه بعد تجريب؟ ومنها: يا أيها السيد الأعلى الذي يده ... حازت ندى السّحب مسكوبا بمسكوب فلو سألنا بلاد الله عن كرم ... فيها لكفّيه والأنواء منسوب لقلن: إن كان جود لا يضاف لذي ال ... وزارتين فجود غير محسوب

стр. 1613

فالعود جنس ولكن في إضافته ... للهند يختصّ عود الهند بالطّيب من سيّد لا يوفّي الحمد واجبه ... ولو تواصل مكتوبا بمكتوب له المحامد لا تحصى ولا عجب ... فرمل عالج «١» شيّ غير محسوب تناول الشّرف الأقصى بعزمة ذي ... ظنّ نبيل الأماني غير مكذوب وواصل المجد من آياته شرفا ... بمجده وصل أنبوب بأنبوب وجاء مكتسبا أعلى ذخائره ... والمجد ما بين موروث ومكسوب ردء الخليفة لا يرتاح من نصب ... في بذل نصح لحفظ قائم «٢» منصوب موفّق الرأي مأمون النّقيبة في ... تدبير ذي حنكة صحّت وتدريب تهابه النفس إذ ترجوه من شرف ... فشأنه بين مرهوب ومرغوب ومنها: يا أوحد العصر في فضل وفي كرم ... خصال قاطع دهر «٣» في التّجاريب أعد فديت لأمري منعما نظرا ... ينل به همّ حالي بعض تشبيب لولا ارتكاب حسود الأمر «٤» في ضرري ... ما كان ظهر النّوى عندي بمركوب هذا زماني ومنك الأمن حاربني ... حتى أراني في حالات محروب فامنن بتفريج كربي بالرضا فإذا ... رضيت لم أك من شيء بمكروب إن لم أذق من رضاكم ما ألذّ به ... فلا حياة بمأكول ومشروب ومن شعره: [المتقارب] بذكرك تشرح آي العلا ... وتسند أخباره في الصحيح بأفقك يشرق بدر السّنا ... وباسمك يحسن نظم المديح وما يحسن العقد إلّا إذا ... تحلّت به ذات وجه مليح وفاته: كان حيّا عام أحد وأربعين وسبعمائة.

стр. 1614

ومن ترجمة المحدّثين والفقهاء وسائر الطلبة النجباء: يحيى بن محمد بن عبد العزيز بن علي الأنصاري يكنى أبا بكر، ويعرف بالعشّاب، ويعرف بالبرشاني «١» . حاله: كان هذا الشيخ من أهل الخير، كثير التؤدة والصمت، معرضا عمّا لا يعنيه. رحل إلى الحج، وأقام هنالك سنين، وقفل منها فخطب بأرجبة «٢» . وأخذ ببلاد المشرق عن قطب الدين القسطلانيّ، وأبي الفضل ابن خطيب المري، وزين الدين أبي بكر محمد بن إسماعيل الأنماطي. ولقي أبا علي بن الأحوص بالأندلس ولم يأخذ عنه. أنشدني شيخنا أبو البركات، قال: أنشدني الشيخ أبو بكر البرشاني، وقد لقيته بأرجبة، قال: أنشدنا الإمام أبو عبد الله بن النعمان عن قطب الدين: [الطويل] إذا كان أنسي في لزومي وحدتي ... وقلبي من كلّ البريّة خال فما ضرّني من كان للدّهر «٣» قاليا ... وما سرّني من كان فيّ موال ومن العمال يوسف بن رضوان بن يوسف بن رضوان بن يوسف ابن رضوان بن يوسف بن رضوان بن محمد بن خير بن أسامة الأنصاري النّجاري قال القاضي المؤرخ أبو الحسن بن الحسن ممليه: والذي رفع إليّ هذا النسب للركانة هو صاحبنا الفقيه أبو القاسم ولده، ورفع هذا النسب بحاله من التكرار دليل على أصالته. حاله: من أهل الخير والخصوصية، وحسن الرّواء والوقار والحياء والمودّة. نبيه القدر، معروف الأمانة، صدر في أهل العقد والحل ببلده، بيته بيت صون وخير واستعمال، ولو لم يكن من بركات هذا الرجل وآثار فضله إلّا ابنه صدر الفضلاء وبقية

стр. 1615

الخواص أبو القاسم لكفاه. تولّى قيادة الديوان بمالقة بلده، أرفع الخطط الشرعية العملية، فحمدت سيرته. وفاته: وفاته بمالقة في ... «١» وعلى قبره مكتوب من نظم ولده: [الطويل] إلاهي، خدّي في التراب تذلّلا ... بسطت، عسى رحماك يحيا بها الروح وجاوزت أجداث الممالك خاضعا ... وقلبي مصدوع ودمعي مسفوح ووجّهت وجهي نحو جودك ضارعا ... لعلّ الرضى من جنب حلمك ممنوح أتيت فقيرا والذنوب تؤدني ... وفي القلب من خوف الجرائم تبريح ولم أعتمد إلّا الرّجاء «٢» وسيلة ... وإخلاص إيمان به الصّدر مشروح وأنت غنيّ عن عذابي وعالم ... بفقري وباب العفو عندك مفتوح فهب لي عفوا من لدنك ورحمة ... يكون بها من ربقة الذنب تسريح وصلّ على المختار ما همع الحيا ... وما طلعت شمس وما هبّت الريح ومن ترجمة الزهاد والصلحاء يحيى بن إبراهيم بن يحيى البرغواطي «٣» من أهل أنفا، من بيت عمال يعرفون ببني التّرجمان، أولي شهرة وشدّة على الناس وضغط. وكان من الحظوة وضدّها بباب سلطانهم ديدن الجباة. غرّب «٤» عنهم وانقطع إلى لقاء الصالحين وصحبة الفقراء المتجرّدين، وقدم على الأندلس عابدا، كثير العمل، على حداثة سنّه، ونزل برباط السّودان، من خارج مالقة، واشتهر، وانثال عليه الناس. ثم راض طول ذلك الاجتهاد، وأنس بمداخلة الناس. حاله: هذا «٥» الرجل نسيج وحده في الكفاية، وطلاقة اللسان، مدل على أغراض الصوفية، حافظ لكل غريبة من غرائب طريقتهم، متكلّم «٦» في مشكلات أقوالهم، قائم على كثير من أخبارهم، يستظهر حفظ جزءي إسماعيل الهروي المسمى ب «منازل السائرين إلى الحق» ، والقصيدة الكبيرة لابن الفارض. عديم النظير في ذلك

стр. 1616

كله، مليح الملبس، مترفّع عن الكدية، عزيز النفس، قليل الإطراء، حسن الحديث، عذب التّجاوز فيه، على سنن من السّذاجة والسّلامة والرجولة والحمل، صاحب شهرة قرعت به أبواب الملوك بالعدوتين. وعلى ذلك فمغضوض منه، محمول عليه، لما جبل عليه من رفض الاضطلاع «١» ، وترك السّمت، واطّراح «٢» التغافل، وولوعه بالنقد والمخالفة في كل ما يطرق سمعه، مرشّحا ذلك بالجدل «٣» المبرم، ذاهبا أقصى مذاهب القحة، كثير الفلتات. نالته بسبب هذه البليّة محن كثيرة، أفلت منها بجريعة الذقن، ووسم بالوهن «٤» في دينه، مع صحة العقل. وكان الآن عامرا للرّباط المنسوب إلى اللّجام، على رسوم الشياخة، وعدم التابع، مهجور الفناء. مشيخته: زعم أنه حجّ، ولقي جلّة، منهم الشيخ أبو الطاهر بن صفوان المالقي، ولقاؤه إياه وصحبته معروف بالأندلس، وغير ذلك مما يدّعيه متعدّد الأسماء. تواليفه: قيّد «٥» الكثير من الأجزاء، منها في نسبة الذنب إلى الذاكر جزء نبيل غريب المأخذ، وفيما «٦» أشكل من كتاب أبي محمد ابن الشيخ. وصنّف كتابا كبير الحجم في الاعتقاد «٧» ، جلب فيه كثيرا من الأقوال والحكايات «٨» ، رأيت عليه بخط شيخنا عبد الله «٩» بن المقري ما يدلّ على استحسانه. وطلب «١٠» مني الكتب عليه بمثل ذلك، فكتبت له ببعض ورقاته «١١» ، إثارة لضجره، واستدعاء لفكاهة انزعاجه، ما نصّه: وقفت من الكتاب المنسوب لأبي «١٢» زكريا البرغواطي، على برسام «١٣» محموم، واختلاط مذموم، وانتساب زنج في روم، وكان حقّه أن يتهيّب طريقا لم يسلكها، ويتجنّب عقيلة «١٤» لم يملكها، إذ المذكور لم يتلقّ شيئا من علم الأصول، ولا نظر في الإعراب في فصل من الفصول. إنما

стр. 1617

هي قحة «١» وخلاف، وتهاون بالمعارف واستخفاف، غير أنه يحفظ في طريق القوم كلّ نادرة، وفيه رجولة «٢» ظاهرة، وعنده طلاقة لسان، وكفاية قلّما تتأتّى لإنسان. فإلى الله نسأل «٣» أن يعرّفنا بمقادير «٤» الأشياء، ويجعلنا بمعزل عن الأغبياء. وقد قلت مرتجلا عند «٥» أول نظرة، واجتزأت «٦» بقليل من كثرة: [الخفيف] كلّ جار لغاية مرجوّة ... فهو عندي لم يعد حدّ «٧» الفتوّه وأراك اقتحمت ليلا بهيما ... مولجا منك ناقة في كوّه «٨» لا اتّباعا ولا اختراعا أرتنا «٩» ... إذ نظرنا عروسك المجلوّه كلّ ما قلته فقد قاله النا ... س مقالا آياته متلوّه لم تزد غير أن أبحت حمى الإع ... راب في كلّ لفظة مقروّه نسأل «١٠» الله فكرة تلزم العق ... ل إلى حشمة تحوط «١١» المروّه وعزيز عليّ أن كنت «١٢» يحيى ... ثم لم تأخذ «١٣» الكتاب بقوّه «١٤» ومن البرسام الذي يجري على لسانه بين الجدّ والقحة، والجهالة والمجانة، قوله لبعض خدّام باب السلطان، وقد ضويق في شيء أضجره منقولا من خطّه، بعد ردّ كثير منه إلى الإعراب: الله نور السماوات من غير نار ولا غيرها، والسلطان ظلاله وسراجه في الأرض، ولكل منهما فراش مما يليق به ويتهافت عليه، فهو تعالى محرق فراشه بذاته، مغرقهم بصفاته، وسراجه وظلّه. وهو السلطان محرق فراشه بناره، مغرقهم بزيته ونواله. ففراش الله ينقسم إلى حامدين، ومسبّحين، ومستغفرين، وأمناء وشاخصين. وفراش السلطان ينقسمون إلى أقسام، لا ينفكّ أحدهم عنها. وهم وزغة ابن وزغة، وكلب ابن كلب، وكلب مطلقا، وعار ابن عار، وملعون ابن ملعون، وقط

стр. 1618

ابن قط، ومحق. فأما الوزغة، فهو المحرق في زيت نواله، المشغول بذلك عما يليق بصاحب النّعمة من النصح وبذل الجهد. والكلب ابن الكلب، هو الكيّس المتحرّز في تهافته من إحراق وإغراق، يعطي بعض الحق، ويأخذ بعضه. وأما الكلب مطلقا، فهو الواجد والمشرّد للسفهاء عن الباب المعظّم لقليل النّعمة. وأما العار ابن عار، فهو المتعاطي في تهافته ما فوق الطّوق، ولهذا امتاز هذا الاسم بالرئاسة عند العامة، إذا مرّ بهم جلف أو متعاط، يقولون: هذا العار بن عار، يحسب نفسه رئيسا، وذلك بقرب المناسبة، فهو موضوع لبعض الرئاسة، كما أن الكلب ابن الكلب لبعض الكياسة. وأما الملعون ابن الملعون، فهو الغالط المعاند، المشارك لربّه، المنعم عليه في كبريائه وسلطانه. وأمّا القطّ، فهو الفقير مثلي، المستغنى عنه، بكونه لا تخصّ به رتبة، فتارة في حجر الملك، وتارة في السّنداس، وتارة في أعلى المراتب، وتارة محسن، وتارة مسيء، تغفر سيئاته الكثيرة بأدنى حسنة، إذ هو من الطوافين، متطير بقتله وإهانته، تيّاه في بعض الأحيان لعزّة يجدها في نفسه، من حرمة أبقاها الشارع له، وكل ذلك لا يخفى. وأما الفراش المحق، فهو عند الدّول نوعان، تارة يكون ظاهرا وحظّه مسح المصباح، وإصلاح فتيله، وتصفية زيته، وستر دخانه، ومسايسة ما أعوز من المطلوب منه. ووجود هذا شديد الملازمة ظاهرا. وأما المحقّ الباطن، فهو المشار إليه في دولته بالصلاح والزهد والورع، فتستقبله الخلق لتعظيمه وتركه لما هو بسبيله، فيكون وسيلة بينهم وبين ربّهم، وخليفته الذي هو مصباحهم، فإذا أراد الله بهلاك الدولة، وإطفاء مصباحها تولّى ذلك أهل البطالة والجهالة، فكان الأمر كما رأيتم، والكلّ يعمل على شاكلته. وأفضى به الهوى وتسور حمى السياسة، والإغياء في ميدان القحة إلى مصرع السوء، فجلد جلدا عنيفا بين يدي السلطان، كان سبب وفاته في المطبق، وذلك في شهر المحرم من عام ثمانية وستين وسبعمائة، وقانا الله المعرّات، وجنّبنا سبل المضرّات، وفي كثرة تبجّحه باصطلاح المنطق قيل: [الطويل] لقد كان يحيى منطقيّا مجادلا ... تجارى سيل «١» الهوى وتهوّرا غدا مطلق التقوى وراح مكمّما ... وأصبح من فوق الجدار مسوّرا فما نال من معنى اصطلاح أداره ... سوى أن بدا في نفسه وتصوّرا تجاوز الله عنّا وعنه.

стр. 1619

[ترجمة ابن الخطيب] بقية السفر الثاني عشر من كتاب الإحاطة مشتملة على ترجمة ابن الخطيب مكتوبة بقلمه بسم الله الرّحمن الرّحيم وصلّى الله على سيّدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما يقول «١» مؤلف هذا الديوان، تغمّد الله خطله في ساعات أضاعها، وشهوة من شهوات اللسان أطاعها، وأوقات للاشتغال بما لا يعنيه، استبدل بها اللهو لما باعها: أمّا بعد حمد الله الذي يغفر الخطيّة، ويحثّ من النّفس اللّجوج المطيّة، فيحرّك «٢» ركابها البطيّة، والصلاة «٣» على سيدنا ومولانا محمد ميسّر سبل الخير القاصدة «٤» الوطيّة، والرضا عن آله وصحبه منتهى القصد «٥» ومناخ الطّيّة «٦» ، فإني لمّا فرغت من تأليف هذا الكتاب الذي حمل عليه فضل النشاط، مع الالتزام لمراعاة السياسة السلطانية والارتباط، والتفتّ إليه فراقني منه صوان درر، ومطلع غرر، قد تخلّدت مآثرهم بعد «٧» ذهاب أعيانهم، وانتشرت مفاخرهم بعد انطواء زمانهم، نافستهم في اقتحام تلك الأبواب، ولباس تلك الأثواب، وقنعت باجتماع الشّمل بهم ولو في الكتاب. وحرصت على أن أنال منهم قربا، وأخذت من «٨» أعقابهم أدبا وحبّا، وكما قال «٩» : ساقي القوم آخرهم شربا، فأجريت نفسي مجراهم في التّعريف، وحذوت بها حذوهم في باب النّسب والتّصريف، بقصد التشريف، والله لا يعدمني

стр. 1620

وإيّاهم واقفا يترحّم، وركاب الاستغفار بمنكبيه «١» يزحم، عندما ارتفعت وظائف الأعمال، وانقطعت من التّكسّبات حبال الآمال، ولم يبق إلّا رحمة الله التي تنتاش «٢» النفوس وتخلّصها، وتعينها بميسم السّعادة وتخصصها، جعلنا الله ممّن حسن ذكره، ووقف على التماس ما لديه فكره، بمنّه. المؤلف «٣» : محمد بن عبد الله بن سعيد بن عبد الله بن سعيد بن علي بن أحمد السّلماني. قرطبي الأصل، ثم طليطليّه، ثم لوشيّه، ثم غرناطيّه. يكنى أبا عبد الله، ويلقّب من الألقاب المشرقية بلسان الدين. أوّليّتي: يعرف بيتنا في القديم ببني وزير «٤» ، ثم حديثا «٥» بلوشة ببني الخطيب. انتقلوا مع أعلام الجالية القرطبية، كيحيى بن يحيى الليثي وأمثاله، عند وقعة الرّبض الشهيرة «٦» إلى طليطلة، ثم تسرّبوا محوّمين على وطنهم، قبل استيلاء الطاغية عليها «٧» ، فاستقرّ منهم بالموسطة الأندلسية جملة من النبهاء، تضمّن منهم ذكر خلف «٨» ، كعبد الرحمن قاضي كورة باغة، وسعيد المستوطن بلوشة، الخطيب بها، المقرون اسمه بالتّسويد عند أهلها، جاريا مجرى التسمية بالمركّب «٩» ، تضمن ذلك تاريخ الغافقي وغيره. وتناسل «١٠» عقبهم بها، وسكن بعضهم بمنتفريو «١١» ، مملكين إياها، مختطين قبل «١٢» التحصين والمنعة، فنسبوا إليها. وكان سعيد هذا، من أهل العلم، والخير والصلاح، والدّين والفضل، وزكاء الطعمة «١٣» . وقفني الشيخ المسنّ

стр. 1621

الوزير أبو الحكم بن محمد المنتفريدي «١» ، ﵀، وهو بقية هذا البيت وإخباريه، على جدار برج ببعض ربى أملاكنا بلوشة، تطأه الطريق المارة من إغرناطة «٢» إلى إشبيلية، وقال: كان جدّك يربع «٣» بهذا المكان فصولا من العام «٤» ، ويجهر بقراءة «٥» القرآن، فيستوقف الرّفق «٦» المدلجة، الحنين إلى نغمته، والخشوع لصدقه «٧» ، فتعرّس رحالها لصق جداره، وتريح ظهرها موهنا، إلى أن يأتي على ورده. وتوفي، وقد أصيب بأهله وحرمته «٨» ، عندما تغلب العدوّ على بلده عنوة في خبر طويل. وقفت على مكتوبات من المتوكل على الله، محمد بن يوسف بن هود، أمير المسلمين بالأندلس، [القائم بها بدعوة الأئمة من ولد العباس، ﵃، ومن ولده أبي بكر الواثق بالله ولي عهده،] «٩» في غرض إعانته، والشّفاعة إلى الملكة زوج سلطان قشتالة، بما يدلّ على نباهة قديم «١٠» ويفيد إثارة عبرة، واستقالة عثرة. وتخلّف ولده عبد الله، جاريا مجراه في التجلّة «١١» ، والتّمعش من حرّ النّشب، والتزيّي بالانقباض، والتحلّي بالنزاهة، إلى أن توفي، وتخلّف ولده سعيد «١٢» جدّنا الأقرب، وكان صدرا خيّرا، مستوليا على خلال حميدة، من خطّ وتلاوة وفقه، وحساب، وأدب، نافس جيرته من «١٣» بني الطّنجالي الهاشميين، وتحوّل إلى غرناطة، عندما شعر بعملهم على الثورة، واستطلاعهم إلى النّزوة التي خضدت الشوكة، واستأصلت منهم الشّأفة، وصاهر بها الأعيان من بني أضحى بن عبد اللطيف الهمداني، أشراف جند حمص، الداخلين إلى الجزيرة في طليعة بلج بن بشر القشيري، ولحقه من جرّاء منافسيه، لما جاهروا السلطان بالخلعان، اعتقال أعتبه السلطان بعده وأحظاه على تفئته، وولّاه الأعمال النّبيهة، والخطط الرّفيعة. حدّثني من أثقه «١٤» ، قال: عزم السلطان أن يقعد جدّك أستاذا لولده، فأنفت من ذلك أمّ الولد، إشفاقا عليه من فظاظة كانت فيه. ثم صاهر القوّاد من بني الجعدالة على أمّ أبي، وتمتّ «١٥» إلى زوج السلطان ببنوّة الخؤولة، فنبه القدر، وانفسحت الحظوة، وانتاب البيت «١٦» الرؤساء والقرابة. وكان على قوّة شكيمته، وصلابة مكسرة، مؤثرا للخمول،

стр. 1622

محبّا في الخير. حدّثني أبي عن أمّه، قالت: قلّما تهنّأنا نحن وأبوك طعاما حافلا لإيثاره به من كان يكمن بمسجد جواره، من أهل الحاجة، وأحلاف الضرورة، يهجم علينا منهم بكل وارش «١» ، يجعل يده ثني يده «٢» ، ويشركه في أكيلته، ملتذّا بموقعها من فؤاده. توفي «٣» في ربيع الآخر من عام ثلاثة «٤» وثمانين وستمائة، صهرته الشمس مستسقيا في بعض المحول، وقد استغرق في ضراعته، فدلّت الحتف على نفسه. وتخلّف والدي، نابتا في التّرف نبت العلّيق، يكنفه رعي أيّم «٥» ، تجرّ ذيل النعمة «٦» ، وتحنو منه على واحد تحذر عليه الحولى من ولد الذر «٧» ، ففاته لترفه حظّ كبير من الاجتهاد. وعلى ذلك فقرأ على الخطيب أبي الحسن البلّوطي، والمقرئ أبي عبد الله بن مستقور «٨» ، وأبي إسحاق بن زورال، وخاتمة الجلّة أبي جعفر بن الزّبير، وكان يفضّله. وشارك «٩» أهل عصره في الرّواية المستدعاة عن أعلام المشرق، كجار الله أبي اليمن وغيره. وانتقل إلى لوشة بلد سلفه، مقيما للرسم «١٠» ، مخصوصا بلقب الوزارة، مرتّبا بعادة التّرف «١١» ، إلى أن قصدها السلطان أبو الوليد، متخطّيا إلى الحضرة، هاويا إلى ملك البيضة «١٢» ، وأجزل نزله، وعضّد أمره، وأدخله بلده، لدواع يطول استقصاؤها. ولمّا تمّ له الأمر، صحبه «١٣» إلى دار ملكه، مستأثرا بشقص ١» عريض من دنياه. وكان من رجال الكمال، طلق الوجه، أنيق المجلس، حلو النادرة، مستوليا على كثير من الخصل، متجنّدا مع الظرف، تضمّن كتاب «التّاج المحلّى» و «الإحاطة» جزءا رائعا «١٥» من شعره، وفقد في الكائنة العظمى بطريف، يوم الاثنين السابع «١٦» من جمادى الأولى عام «١٧» أحد وأربعين وسبعمائة، ثابت الجأش، غير جزوع ولا هيّابة. حدّث «١٨» الخطيب بالمسجد الجامع من غرناطة، الفقيه أبو

стр. 1623

عبد الله بن اللوشي، قال: كبا بأخيك الطّرف يومئذ «١» ، وقد غشى العدو، وجنحت إلى إردافه، فانحدر إليه والدك وصرفني، وقال: أنا أولى به، فكان آخر العهد بهما «٢» . وخلفني «٣» عالي الدرجة، شهير الخطّة، مشمولا بالقبول، مكنوفا بالعناية، «وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها» . فقلّدني السلطان كتابة سرّه، ولمّا يجتمع الشباب، ويستكمل «٤» السّن، معزّزة بالقيادة، ورسوم الوزارة، واستعملني في السّفارة إلى الملوك، واستنابني بدار ملكه، ورمى إلى يدي بخاتمه وسيفه، وائتمنني على صوان ذخيرته «٥» وبيت ماله، وسجوف حرمه، ومعقل امتناعه. ومن فصول منشوره: «وأطلقنا يده على كل ما جعل الله لنا النّظر فيه» . ولما هلك، قدّس الله روحه، ضاعف ولده، مولاي ﵁، حظوتي، وأعلى مجلسي، وقصر المشورة على نصحي، إلى أن كانت عليه الكائنة، فاقتدى فيّ، أخوه المتغلب على الأمر «٦» ، فسجل الاختصاص، وعقد القلادة، ثم قطع الإبقاء، وعكس الاختصاص، وحلّ القلادة، لمّا حمله أولو «٧» الشحناء من أعوان ثورته على القبض عليّ، فكان ذلك، وقبض «٨» عليّ، ونكث ما أبرم من أمانيّ، واعتقلت بحال ترفيه. وبعد أن كبست المنازل والدّور، واستكثر من الحرس، وختم على الأعلاق، وأبرد «٩» إلى ما نأى «١٠» ، فاستؤصلت نعمة لم تكن بالأندلس من ذوات النظائر ولا ربّات الأمثال، في تبحّر الغلّة، وفراهة الحيوان، وغبطة العقار، ونظافة الآلات، ورفعة الثياب، واستجادة العدّة، ووفور الكتب، إلى الآنية والخرثى «١١» ، والفرش، والماعون، والزجاج، والمحكم «١٢» والطّيب، والذّخيرة، والمضارب، والأقبية «١٣» . واكتسحت السّائمة، وثيران الحرث، وظهر الحمولة «١٤» ، وقوام الفلاحة، وأذواد «١٥» الخيل، فأخذ الجميع «١٦»

стр. 1624

البيع، وتناهبتها الأسواق، وصاحبها البخس، ورزأتها الخونة، وشمل الخاصة والأقارب الطّلب، واستخلصت «١» القرى والجنّات «٢» ، وأعملت الحيل، ودسّت الإخافة، وطوّقت الذنوب، وأمدّ الله بالصبر «٣» ، وأنزل السكينة، وانصرف اللسان إلى ذكر الله تعالى، وتعلّقت الآمال به، وطبقت نكبة مصحفيّة «٤» ، مطلوبها الذّات، وسبب «٥» إفاتتها المال، حسبما قلت عند إقالة العثرة، والخلاص من الهفوة: [الطويل] تخلّصت منها نكبة مصحفيّة ... لفقداني المنصور من آل عامر ووصلت الشّفاعة فيّ مكتتبة بخطّ ملك المغرب، وجعل خلاصي شرطا في العقدة، ومسالمة الدولة، فانتقلت صحبة سلطاني المكفور الحقّ إلى المغرب. وبالغ ملكه في برّي، واغيا في حلّة رعيي منزلا رحبا، وعيشا حفضا، وإقطاعا جمّا، وجراية ما وراءها مرمى، وجعلني بمجلسه صدرا. ثم أسعف قصدي في تهنيء «٦» الخلوة بمدينة سلا، منوّه الصّكوك، مهنّأ القرار، متفقّدا باللهى والخلع، مخوّل العقار، موفور الحاشية، مخلّى بيني وبين إصلاح معادي، إلى أن ردّ الله تعالى على السلطان أمير المسلمين أبي عبد الله ابن أمير المسلمين أبي الحجاج ملكه، وصيّر إليه حقّه، وصرف إليه كرسيه، فطالبني بوعد ضربته، وعهد «٧» في القدوم عليه بولده أحكمته، ولم يوسعني عذرا، ولا فسح في التّرك مجالا. فقدمت عليه بولده، في اليوم الأغرّ المحجّل، وقد ساءه بإمساكه رهينة ظنّه «٨» ، ونغّص مسرّة الفتح بعده، على حال من التقشّف، والرغبة «٩» عمّا بيده، وعزف عن الطمع في الكسب «١٠» وزهد في الرّفد «١١» ، حسبما قلت، في بعض المقطوعات في مخاطبته، شكر الله عني فضله: [الكامل] قالوا لخدمته دعاك محمد ... فكرهتها١» وزهدت في التّنويه فأجبتهم أنا والمهيمن كاره ... في خدمة المولى محبّ فيه

стр. 1625

عاهدت الله على ذلك، وشرحت صدري إلى «١» الوفاء به، وجنحت إلى الانفصال لبيت الله الحرام نشيدة أملي، ومرمى نيّتي، فعلق بي علوق الكرمة، وصارفني بدار العبرة، وخرج لي عن الضرورة، وأراني أنّ مؤازرته أبرّ القربة «٢» ، وراكنني إلى عهد بخطه، فسح لعامين أمد الثّواء، واقتدى بشعيب صلوات الله عليه، في خطب «٣» الزيادة، وعلى تلك النّسبة، وأشهد من حضر من العلية. ثم رمى إليّ بعد ذلك مقاليد رأيه، وحكم عذلي «٤» في اختبارات عقله، وغطّى على «٥» جفائي بحلمه، وحثا في وجوه شهواته بتراب زجري، ووقف القبول على وعظي، واستنزل «٦» هواي في التحوّل، نابيا «٧» عن قصدي، واعترف بقبول نصحي، فاستعنت الله عليه، وعاملت وجهه فيه، من غير تلبّس بخديعة «٨» ، ولا تشبّث بولاية، مقتصرا على الكفاية، حذرا من النّقد، خامل المركب، معتمدا على المنسأة «٩» ، مستمتعا بخلق النّعل، راضيا بغير النّبيه من الثّوب، مشفقا من موافقة الغرور، هاجرا للزخرف «١٠» ، صادعا بالحقّ في أسواق الباطل، كافّا عن السّخال «١١» براثن السباع، مفوّتا للأصول في سبيل الصّدقة. ثم صرفت الفكر إلى بناء الزاوية والمدرسة والتربة، بكر الحسنات بهذه الخطّة، بل بالجزيرة فيما سلف من المدّة، فتأتى بمنّة الله من صلاح السلطان، وعفاف الحاشية، ونشر «١٢» الأمن، وروم الثغور، وتثمير الجباية، وإنصاف الحماة والمقاتلة، ومقارعة الملوك المجاورة في إيثار المصلحة الدّينية، والصّدع فوق المنابر، ضمانا عن السلطان بترياق سمّ الثورة، وإصلاح بواطن الخاصّة والعامّة ما الله المجازي عليه، والمعوّض من سهر خلعته على أعطافه، وكدّ أعملته من جرّائه، وخطر اقتحمته من أجله، لا للثّريد الأعفر، ولا للجرد تمرح في الأرسان، ولا للبدر تثقل الأكتاد «١٣» ، فهو الذي لا يضيع عمل عامل من ذكر أو أنثى، سبحانه إليه الرّجعى، والآخرة والأولى. ومع ذلك فقد عادت هيف إلى أديانها من الاستهداف للشّرور، والاستعراض للمحذور، والنّظر الشّزر المنبعث من خزر العيون، شيمة من ابتلاه الله بسياسة الدّهماء،

стр. 1626

ورعاية سخطة أرزاق السماء، وقتلة الأنبياء، وعبدة الأهواء، ممّن لا يجعل لله إرادة نافذة، ولا مشيئة سابغة، ولا يقبل معذرة، ولا يجمل في الطلب، ولا يتلبّس مع الله بأدب. ربّنا لا تسلّط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا، والحال إلى هذا العهد، وهو أول عام أحد وسبعين وسبعمائة «١» ، على ما ذكرته، أداله الله بحال السّلامة، وبفيأة العافية، والتمتّع بالعبادة، وربّك يخلق ما يشاء ويختار. وقال الشاعر «٢» : [مجزوء الكامل] وعليّ أن أسعى ولي ... س عليّ إدراك النجاح ولله فينا سرّ «٣» غيب نحن صائرون إليه، ألحفنا الله بلباس التّقوى، وختم لنا بالسّعادة، وجعلنا في الآخرة من الفائزين. نفثت عن بثّ، وتأوّهت عن حمّى، ليعلم «٤» بعد المنقلب قصدي، ويدلّ مكتتبي على عقدي. ذكر بعض ما صدر لي من التشريعات الملوكية أيام تأبّشي بهذه الغرور من ذلك ظهير من مولاي السلطان أبي عبد الله، عندما صار له أمر والده المقدّس أبي الحجاج، رحمة الله عليه، وقد ثبتّ في المحمدين، في اسم السلطان، أيّده الله، فلينظره هنالك من تشوّف لاحتفاله واحتفائه، وظاهر برّه واعتنائه. وكتب إليّ مخبرا بما فتح الله عليه، قبل الوصول إليه: «من أمير المسلمين أبي عبد الله محمد ابن مولانا أمير المسلمين أبي الحجاج ابن مولانا أمير المسلمين أبي الوليد بن نصر، أيّد الله أوامرهم، ونصر أجنادهم المظفّرة وعساكرهم، وخلّد مفاخرهم الكريمة ومآثرهم. «إلى وليّنا في الله تعالى، الذي نعلم ما له في الإخلاص لجانبنا من حسن المذاهب، ونعتدّ به اعتدادا يتكفّل بنجاح المقاصد والمآرب، وخلاصتنا، الذي نثني على مجده البعيد الغايات، في الشّاهد والغائب، الفقيه، الوزير الجليل، الصّدر الأوحد المثيل، العالم العلم الأوحد، الرّفيع الشهير، الحسيب الأصيل، الماجد الأثيل الخطير، الخطيب البليغ الكبير، الأوحد، الحافل الفاضل الكامل، إمام البلغاء، وصدر الخطباء، وعلم العلماء، وكبير الرؤساء، الحبيب المخلص، الأودّ الأصفى،

стр. 1627

أبي عبد الله ابن الوزير الفقيه الجليل، الأعزّ الأرفع، الماجد الأسمى، الصّدر الحافل، الفاضل الكامل، الأعلى الكبير، الخطير الأثير، الأرضى، المعظّم الموقّر، المبرور المقدّس، المرحوم الشهيد، أبي محمد بن الخطيب، وصل الله سعده، وحرس مجده، سلام عليكم، ورحمة الله وبركاته. أما بعد حمد الله، وليّ الحمد وأهله، وناصر الحقّ، ومطلع أنواره، من آفاق رحمته وفضله، وقاهر كل باغ، وخاذله ومذلّه. والصلاة على سيّدنا ومولانا محمد، صفوة أنبيائه، وخاتم رسله، المبتعث بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدّين كلّه، نبي الرحمة، الذي ببركة محبّته نلنا الأمنية، في جمع الدّين ونظم شمله، وبفضيلة جاهه عدنا إلى أرفع رتبة ملكنا، وأعلى محلّه. والرضا على آله وصحبه، المقتدين بهديه في أمرهم كله. فكتبناه إليكم، كتب الله لكم، عزّا لا يبلى جديده، وسعدا لا ينقطع مزيده. من حمرائنا بغرناطة، حرسها الله ومهّدها، ولا متعرّف بفضل الله سبحانه إلّا ما عوّد من ألطافه الخفيّة، وأسدى من صنائعه السّنية، وعنايته التي كفلت ببلوغ الأمنية. والحمد لله كثيرا، كما ينبغي لجلاله، ويليق بصفات كماله، وعندنا من إجلالكم، ما يليق بكمالكم، ومن المعرفة بمقداركم، ما يعرب عن حسن اعتقادنا في كريم نجاركم، ومن قدر أحسابكم، ما يلزم بسببه تعظيم جنابكم. وإلى هذا وصل الله سعدكم، وحفظ مجدكم، فإننا بحسب الودّ الذي نصل لمعاليكم، والحب الذي نضاعفه فيكم، خاطبناكم بهذا المكتوب بشرح ما منّ الله علينا من الفتح العظيم الذي أشرقت به أقطار هذه البلاد، وما منّ به من العودة إلى ملكنا المتوارث عن كرام الآباء والأجداد، وما أنعم به من قهر ذوي الشّقاق والعناد. وذلك أنّا، أعزّكم الله، طال علينا المقام برندة، ولم نزل نوجه إلى أهل الحصون التي بغربي مالقة وغيرهم، نقصّ عليهم ما ألزمهم الله من الوفاء ببيعتنا، ونحذّرهم عار النّكث لطاعتنا، إلى أن آن آوان الفرج، ونفذ قضاء الله وقدره، بالعودة إلى ما كنا تغلّبنا عليه. فاقتضى نظرنا أن خرجنا إلى مالقة في مائتي فارس، فما وصلنا واديها، وعلم بنا أهلها، إلّا وخرج لنا جميعهم، ملبّين بالبيعة، فرحين بقدومنا. وفي الحين بادرنا لقتال القصبة حتى استخلصت وأنزل من فيها بنواحيها. وليوم آخر، وصلتنا بيعات أهل الجهات التي تواليها، من أنتقيرة، ولوشة، وبلّش، وصالحة، وقمارش، والحمّة، وسائر الحصون الغربية، فلمّا وصل الخبر إلى الغادر الخاسر، خاف وذعر، ورأى أن لا ملجأ له إلّا أن يفرّ، فجمع شرذمته، وألّف حاشيته، وخرج عن الحمراء ليلا في ليلة الخميس الماضي، قريبا من التاريخ، هاربا إلى أرض الكفّار. وفي صبيحة الليلة، وجّه إلينا أهل حضرتنا، وتوجّهت الأجناد إلى بيعتنا، وانصرفنا إلى دار ملكنا، وحللناها يوم

стр. 1628

السبت الماضي، من غير حرب ولا قتال، بل بفضل الله تعالى، ذي العظمة والجلال. وعرّفناكم بذلك، لتأخذوا بحظّكم من هذه المسرّة الكبرى، إذ أنتم الحبيب الذي لا يشكّ فيه، والخلاصة، الذي نعلم صدق خلوصه وتصافيه، والله يصل سعودكم، ويحفظ وجودكم، والسلام الكريم عليكم، ورحمة الله وبركاته. وكتب في يوم الأربعاء الرابع والعشرين لجمادى الثانية، من عام ثلاثة وستين وسبعمائة» . وعند استقراري لديه، وقدومي عليه، أصدر لي هذا الظّهير الكريم، بما يظهر من فصوله: «هذا ظهير كريم، أقام مراسم الوفاء، وأحيا معالم الحقّ الفسيحة الأرجاء، وقلص ظلال الجود المتكاثفة الأفياء، وجلى بأنوار الحق ظلم الظّلم والاعتداء، وأدّى الأمانة إلى أهلها إذ كانت متعيّنة الأداء. أمر بتسويغ إنعامه، وإبرام أحكامه، أمير المسلمين عبد الله محمد ابن مولانا أمير المسلمين أبي الحجاج ابن مولانا أمير المسلمين أبي الوليد بن نصر، أعلى الله مقامه وشكر إنعامه، لوليّ مقامه، ومحلّ إجلاله وإعظامه، كبير دولته، وفخر مملكته، ومشيّد سلطانه، وعين زمانه، ظهيره الذي ببركاته أنجحت مقاصده، وحامل لواء وزارته الذي بيمن رأيه عذبت مصادره وموارده، الفقيه الأجلّ الوزير المثيل، الماجد الأثيل، الحسيب الأصيل، العالم العلم، الطّاهر الظّاهر، العظيم المفاخر، الكريم المآثر، إمام البلاغة، وفارس البراعة واليراعة، فخر الرئاسة، ومدبّر فلك السّياسة، الخطيب الحافل، الصّدر الفاضل الشّمائل، الحبيب الخالص، الأودّ الأصفى، أبي عبد الله محمد ابن الوزير الجليل الأوحد الأعلى، الصدر الكبير الخطير الشهير الأسنى، الحافل الفاضل، الظّاهر الطاهر، السّامي الأرقى، المعظّم الموقر، الشهيد المقدّس السعيد، أبي محمد بن الخطيب، وصل الله سعادته، وحرس مجادته، وحفظ رتبته الرّفيعة ومكانته، وبلّغه أمله الأرضى وإرادته. لما كان أبقاه الله مدبّر ملك المولى أبيه، وظهيره الذي لم يزل يدنيه ويصطفيه، وعماده الذي ألقى إليه مقاليد الملك، حين علم أنه صدر الأولياء وواسطة السّلك، ووزيره الذي اعتمده بإدارة أمره، وركن إلى مناصحته في سرّه وجهره، وقلّده نجاد الوزارتين، وحلّاه بحلى الرّئاستين، فاكتفى منه عن الأثر بالعين، ونشر له لواء الولايتين، فتلقّاه بيمينه، وقام مضطلعا بأمره قيام الأسد دون عرينه. وحين انعقد هذا الأمر العلي، قام بسياسة ملكه أحسن قيام وأوفاه، وأداره فأصاب في إدارته مرمى السّداد الذي لم يوافقه إلّا إياه. واستولى في هذه الميادين على غاية الكمال، واضطلع بالرّئاسة والسّياسة اضطلاع أفذاذ الرجال. ولم يزل يدفع عن حماه،

стр. 1629

ويذبّ عن حوزته بما يحبّه الله ويرضاه، حتى انتظمت بالسّعود أفلاكه المنيفة وأملاكه، ودارت بالتّأييد أفلاكه. ولما كان الشّقي الغادر الذي اغتصب الحقّ، وطهر منه الطرق، قد جار على جانب المعتمد به في ماله، وتعدّى بالبغي على حاله، ظلما وعدوانا، وجورا وطغيانا، لم يقدّم، أيّده الله، عملا، عند العودة إلى ملكه المؤيد، وسلطانه الأسعد، وفخره المجدّد المؤيد، وأخذ الله تعالى له، من الظّالم أعظم الثّار، وأمدّه بإعلامه وإظهاره بأعظم الأنصار، على أن صرف عليه جميع أملاكه التي خلصت له بالشّرع موجباتها، ووضعت في سبيل الاستحقاق بيّناتها، مما كان الغادر قد غصبه له وانتهبه، وقطع بالباطل عنه سببه، ومكّنه، أيّده الله، منها باحتيازها، وتولّى لنفسه إحرازها، وعاد بهذا التّسويغ الملكي يوم عودتها إليه خيرا من أمسه، هنّأه الله الانتفاع بها في العمر الطويل، وحفظها عليه وعلى عقبه، يتملّكها الجيل منهم بعد الجيل. وهي كذا وكذا، بداخل الحضرة وخارجها، وكذا وكذا من البلاد. سوّغ إليه، أيّده الله، ذلك تسويغا شرعيّا، ورفع به عنه فيه الأغراض، رفعا كلّيّا أبديّا، وتبرّأ من حق يتعلّق به، أو شبهة تتطرّق بسببه. فليتصرف، أعزّه الله، في ذلك بما شاء من أنواع التصرفات، على ما توجبه السّنّة الواضحة الآيات، من غير حجر عليه، ولا تعقّب لما لديه. وشمل حكم هذا التّسويغ الجسيم، والإنعام العميم، جميع ما يستغلّ على الأرض والجنّات والكروم، والثّمرات من العوائد المستقبلة عليها، والغلّات، شمولا تاما، مطلقا عاما، وأن يكون هذا ثابتا صحيحا، ومن الشّكّ مزيحا، وحكمه على الأيام، واتصال الشهور والأعوام، متصل الدوام. كتبنا خطّ يدنا شاهدا بإمضائه، وسجّلنا الحكم باستقلاله واقتضائه. فليعلم ذلك من يقف عليه، ويعتبر ما لديه. وذلك في اليوم الثاني لرمضان المعظم من عام ثلاثة وستين وسبعمائة. صح هذا» . ولمّا قضى الله بالانصراف إلى العدوة الغربية، صدرت عن سلطانها أمير المسلمين أبي سالم «١» منشورات رفيعة منها، وقد تشوّفت إلى مطالعة بلاده الغربية، وجهاتها المرّاكشيّة، بقصد لقاء أهل الصلاح والعبادة، وزيارة ملاحد السّادة، ما نصّه: «هذا ظهير كريم أشاد بالتّنويه الفسيح المجال، والإكرام السّابغ الأذيال، وأعاد النعم بعد إبدائها عميمة النّوال، ووارفة الظّلال، وألقى في يد المعتمد به صحيفة الاعتناء حميدة المقال، مقتضبة ديوان الآمال، ورفع له لواء الفخر العزيز المنال، على

стр. 1630

النّظراء والأمثال. حكم بإعماله، وإمضاء أمره الكريم وامتثاله، عبد الله المستعين بالله إبراهيم ابن مولانا أمير المسلمين، المجاهد في سبيل الله رب العالمين، أبي الحسن ابن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبي سعيد ابن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبي يوسف بن عبد الحق. أيّد الله أمره، وأعزّ نصره، للشيخ الفقيه الأجلّ، الأعزّ الأسنى، الوزير الأمجد الأنوه المحترم، الملحوظ، الأثير الأكمل، السّري الحظيّ الذكي الأخلص، أبي عبد الله ابن الشيخ، الوزير، الفقيه الأجلّ، الأعز الأسنى الأمجد، الحسيب الأصيل، الأنوه الأنزه، الأثير الأكمل، المبرور المرحوم أبي محمد بن الخطيب، وصل الله حظوته، ووالى عزّته. جدّد له الحظوة التي يضفى لباسها، وصحح بنظر البرّ والإكرام قيامها وشيّد بمباني الحفاية التي مهّد أساسها، لما وفد على بابه الكريم عائذا بجواره، وملقيا في ساحة العزّ المشيد عصا تسيار ومجريا في ميدان الثّنا جياد أفكاره، ومعتمدا على نظرنا الجميل في بلوغ آماله وحصول أوطاره، فسحنا له في ميدان البرّ والتّرحيب فبلغ مداه، وأنس في حضرتنا الكريمة أنوار العناية التي كانت هداه، وأحللناه من بساطنا المحلّ الذي اشتمل به العزّ وارتداه، وكمل له الأمل ووفّاه. وأذنّا له تفنّنا في إسداء النّعم الثرة، وتلقّي وفادته بوجوه القبول والمبرّة، في زيارة التّربة المقدّسة بشالة «١» المعظمة، حيث ضريح مولانا المقدّس، ومن معه من أسلافنا الكرام، نوّر الله مثواهم، وجعل في الجنة مأواهم. وهذا الغرض الجميل، وإن عدّ من أنواع التكريم، والإحسان العميم، فهو السّعي الذي تصرف إليه وجوه القبول والرضا والاهتمام، والرغبة التي يصفى لها موارد الإسعاف عذوبة الحمام، والتقرّب الذي تؤثره مهاد البرّ المستدام، ولفاعله مزيّة الاعتناء والتّقديم، وجزاء القيام بخدمة سلفنا الكريم، وقد أذنّا له في مشاهدة تلك الجهات من حضرتنا العليّة إلى مرّاكش المحروسة للقاء الأعلام، واجتلاء المعاهد الكرام، والآثار الباقية على الأيام، كيف أحبّ وعلى ما شاء من إراحة أو إلمام، مصحبا بمن ينوّه به في طريقه من الخدّام تنويها للكرامة وتعديدا، وتجديدا للعناية وتأكيدا. فليعلم بذلك، ما له في بابنا الكريم من الاعتناء، وما اعتدنا لمحبي أسلافنا الكرام من الجزاء، ويجري في جميع مآربه وأحواله على النّهج السواء، مراعى حال إيابه إلى مقرّه من حضرتنا العليّة، ومحلّه من بساطنا الأشرف، وعرضه أعمال القائمين ببرّه، وأكرمنا بين أيدينا، فيجني المبادرة إلى توفية آماله، وثمرة أعماله، ويقابل القائم بمبرّته، والله المستعان. وكتب بالمدينة البيضاء، مهّدها الله، في الحادي

стр. 1631

والعشرين لربيع الثاني عام أحد وستين وسبعمائة: وليعتمد لوزيرنا الشيخ الأجلّ الحظي الأكمل أبو الحسن علي بن العباس، أكرمه الله، على أن يدخله إلى المساكن العلية بقصبة مراكش، حرسها الله، ليشاهد الآثار السلطانية التي انتظمت في سلكنا، وعفّى عليها جديد ملكنا، فليعلم ذلك، وليعمل به، والله المستعان، وكتب في التاريخ المؤرخ به» . وجرّ هذا الإنعام دنيا عريضة، تفتّقت فيها المواهب، ووضحت من اشتهارها المذاهب، شكر الله نعمته، ووالى على تربته رحمته. وصدر لي عن المتصيّر إليه أمره ما نصّه، وهو بعض من جملة، ونوع من أجناس مبرّة: «هذا ظهير كريم، نظم العناية ووصلها، وأجمل الرعاية وفصّلها، وأحرز مواهب السعادة وحصّلها، أمر بإبرامه، والوقوف عند أحكامه، عبد الله المتوكل على الله محمد، أمير المسلمين، المجاهد في سبيل ربّ العالمين، ابن مولانا الأمير عبد الرحمن ابن مولانا أمير المسلمين، المجاهد في سبيل رب العالمين أبي الحسن، ابن مولانا أمير المسلمين، المجاهد في سبيل رب العالمين أبي سعيد، ابن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين، أبي يوسف بن عبد الحق، أيّده الله ونصره، وسنى له الفتح المبين ويسّره، للشيخ الفقيه الأجلّ، الأسنى الأعزّ، الأحظى والأرفع، الأمجد الأسنى، الأنوه الأرقى، العالم العلم، الرئيس الأعرف، المتفنّن الأبرع، المصنّف المفيد، الصّدر الأحفل، الأفضل الأكمل، أبي عبد الله، ابن الشيخ الفقيه الوزير الأجلّ، الأسنى الأغرّ، الأرفع الأمجد، الوجيه الأنوه، الأحفل، الأفضل، الحسيب الأصيل الأكمل، المبرور المرحوم أبي محمد بن الخطيب، أيّده الله بوجه القبول والإقبال، وأضفى عليه ملابس الإنعام والإفضال، ورعى له خدمة السّلف الرفيع الجلال، وما تقرّر من مقاصده الحسنة في خدمة أمرنا العال، وأمر في جملة ما سوّغ من الآلاء الوارفة الظّلال، الفسيحة المجال، بأن يجدّد له حكم ما بيده من الأوامر المتقدم تاريخها، المتضمنة تمشية خمسمائة من الفضّة العشرية في كل شهر، عن مرتّب له ولولده الذي لنظره، من مجبى مدينة سلا، حرسها الله، في كل شهر، من حيث جرت العادة أن يتمشى له، ورفع الاعتراض ببابها فيما يجلب من الأدم والأقوات على اختلافها، من حيوان وسواه، وفيما يستفيده خدّامه بخارجها وأحوازها من عنب وقطن وكتّان، وفاكهة وخضر وغير ذلك، فلا يطلب في شيء من ذلك بمغرم ولا وظيف، ولا يتوجّه فيه إليه بتكليف. يتّصل له حكم ما ذكر في كل عام، تجديدا تاما، واحتراما عاما، أعلن بتجديد الحظوة واتصالها، وإتمام النّعمة

стр. 1632

وإكمالها، من تواريخ الأوامر المذكورة إلى الآن، ومن الآن إلى ما يأتي على الدوام، واتصال الأيام، وأن يحمل جانبه فيمن يشركه أو يخدمه محمل الرّعي، والمحاشاة من السّخرة متى عرضته، والوظائف إذا افترضت، حتى يتّصل له تالد العناية بالطّارف، وتتضاعف أسباب المنن والعوارف، بفضل الله، وتحرّر له الأزواج التي يحرثها، تبالغت من كل وجيبة، ويحاش من كل مغرم أو ضريبة، بالتحرير التّام، بحول الله وعونه. ومن وقف على هذا الظهير الكريم، فليعمل بمقتضاه، وليمض ما أمضاه، إن شاء الله. وكتب في العاشر لشهر ربيع الآخر من عام ثلاثة وستين وسبعمائة. وكتب في التاريخ» . وهذا ومثله، لولا أنه أحظوظ ربما انتفع العقب بوضمها، ورمى غرض الإغفال بسهمها، لم يعن بها، من يرى أن لا جدوى إلّا في التقوى، وأنّ يد الله من هذه الأسباب الضّعيفة أقوى. وأما «١» ما رفع إليّ من الموضوعات العلمية، والوسائل الأدبية، والرسائل الإخوانية، لمّا أقامني الملك صنما يعبد «٢» ، وجبلا «٣» إليه يستند، صادرة عن الأعلام، وحملة الأقلام، ورؤساء النّثار والنّظام «٤» ، فجمّ يضيق عنه الإحصاء، ويعجز عن ضمّ نشره الاستقصاء. فربما «٥» تضمّن هذا الكتاب- كتاب الإحاطة- هذا «٦» منه كثيرا، منظوما «٧» ونثيرا، جرى في أثناء الأسماء، وانتمى إلى الإجادة أكبر الانتماء. غفر الله لي ولقائله، فما كان أولاني وإيّاه بستر وزره «٨» ، وإغراء الإضراب بغروره، فأهون بما لا ينفع، وإن ارتفع الكلم الطّيّب لا يدفع «٩» ، اللهمّ تجاوز عنّا بكرمك وفضلك «١٠» . المشيخة: قرأت «١١» كتاب الله، ، على المكتّب، نسيج وحده، في تحمّل المنزّل حقّ حمله، تقوى وصلاحا، وخصوصيّة وإتقانا، ونغمة، وعناية

стр. 1633

وحفظا، وتبحّرا في هذا الفن، واضطلاعا بضرائبه «١» ، واستيعابا لسقطات الأعلام، الأستاذ الصالح أبي عبد الله بن عبد الولي العوّاد، كتبا» ثم حفظا، ثم تجويدا، إلى «٣» مقرئ أبي عمرو، رحمة الله عليهما. ثم نقلني إلى أستاذ الجماعة، ومطيّة الفنون، ومفيد الطلبة، الشيخ الخطيب «٤» أبي الحسن «٥» القيجاطي، فقرأت عليه القرآن والعربيّة، وهو أول من انتفعت به «٦» . وقرأت على الحسيب «٧» الصدر أبي القاسم بن جزي. ولازمت قراءة العربية والفقه والتفسير، على الشيخ الأستاذ الخطيب أبي عبد الله بن الفخّار البيري، الإمام المجمع على إمامته في فن العربية، المفتوح عليه من الله فيه «٨» ، حفظا، واضطلاعا «٩» ، ونقلا وتوجيها، بما لا مطمع فيه لسواه. وقرأت على قاضي الجماعة الصدر المتفنّن أبي عبد الله بن بكر، ﵀. وتأدّبت بالشيخ الرئيس صاحب القلم الأعلى، الصالح الفاضل، أبي الحسن بن الجيّاب. ورويت عن كثير «١٠» ممن جمعهم الزمان بهذا القطر من أهل الرّواية، كالمحدّث أبي عبد الله بن جابر، وأخيه أبي جعفر، والقاضي الشهير «١١» بقيّة السلف، شيخنا أبي البركات ابن الحاج، والشيخ المحدّث الصالح أبي محمد بن سلمون، وأخيه القاضي أبي القاسم بن سلمون، وأبي عمرو ابن الأستاذ أبي جعفر بن الزّبير، وله رواية عالية. والأستاذ اللغوي أبي عبد الله بن بيبش، والمحدّث الكاتب أبي الحسين «١٢» التّلمساني، والشيخ الحاج أبي القاسم بن البناء، والعدل أبي محمد الزرقون «١٣» ، يحمل «١٤» عن الإمام ابن دقيق العيد، والقائد الكاتب ابن ذي الوزارتين أبي عبد «١٥» الله بن الحكيم، والقاضي المحدّث الأديب، جملة الظّرف، أبي بكر بن شبرين، والشيخ أبي عبد الله بن عبد الملك، والخطيب أبي جعفر الطّنجالي، والقاضي أبي بكر بن منظور، والرّاوية أبي عبد الله بن حزب الله، كلّهم من مالقة، والقاضي أبي عبد الله المقري التّلمساني، والشّريف أبي علي حسن بن يوسف،

стр. 1634

والخطيب الرئيس أبي عبد الله بن مرزوق، كلّهم من تلمسان. والمحدّث الفاضل الحسيب أبي «١» العباس بن يربوع السّبتي «٢» ، والرئيس أبي محمد الحضرمي السّبتي «٣» ، والشيخ المقرئ أبي محمد بن أيوب المالقي، آخر الرواة عن ابن أبي الأحوص، وأبي عثمان بن ليون من «٤» ألمرية، والقاضي أبي الحجاج المنتشاقري «٥» من أهل رندة، وطائفة كبيرة من المعاصرين، ومن أهل العدوة الغربية والمشرق «٦» ، الكثير بالإجازة. وأخذت الطبّ والتّعاليم «٧» وصناعة التعديل عن الإمام أبي زكريا بن هذيل «٨» ، ولازمته. هذا على سبيل الإلمام «٩» . ولو تفرّغت لذكرهم «١٠» ، لخرج هذا التّقييد «١١» عمّا وضع له. التواليف: من ذلك «١٢» : «اللمحة البدرية، في الدولة النّصرية» ، والحلل المرقومة، و «مثلى الطّريقة» ، و «السّحر والشّعر» ، و «ريحانة الكتّاب» في أسفار ثمانية، وكتاب «المحبّة» في سفرين، و «الصّيّب والجهام» مجموع شعري، و «معيار الاختيار» ، و «مفاضلة بين مالقة وسلا» . و «رسالة الطّاعون» ، و «المسائل الطبّية» ، سفر. و «الرّجز في عمل التّرياق» . و «اليوسفي في الطّب» ، في سفرين. و «التّاج المحلّى» ، في سفر. و «نفاضة الجراب» ، في أربعة أسفار. و «البيزرة» في سفر. «والبيطرة» في سفر، جامع لما يرجع إليها من محاسن الخيل، وغير ذلك. ورسالة «تكوين «١٣» الجنين» . و «الوصول، لحفظ الصحة في الفصول» . و «رجز الطّب» . و «رجز الأغذية» . و «رجز السّياسة» . وكتاب «الوزارة» ، و «مقامة السّياسة» . وكتاب «الإحاطة» هذا في خمسة عشر سفرا. إلى ما صدر مني في هذا العهد القريب، وهي «الغيرة، على أهل الحيرة» ، و «حمل الجمهور، على السّنن المشهور» . و «الزّبدة الممخوضة» ، و «الرّميمة» . و «الرّد على أهل الإباحة» ، و «سدّ الذّريعة، في تفضيل الشّريعة» . و «تقرير الشّبه، وتحرير المشبّه «١٤» » . و «استنزال اللطف الموجود، في سر الوجود» .

стр. 1635

ومن التواليف الصادرة قديما «١» : «بستان الدول» ، وهو موضوع غريب، ما سمع بمثله، قلّ أن شذّ عنه فنّ من الفنون، يشتمل على شجرات عشر: أولها شجرة السلطان، ثم شجرة الوزارة، ثم شجرة الكتابة، ثم شجرة القضاء والصلاة، ثم شجرة الشّرطة والحسبة، ثم شجرة العمل، ثم شجرة الجهاد، وهو فرعان، أسطول وخيول. ثم شجرة ما يضطر باب الملك إليه من الأطبّاء، والمنجمين، والبيازرة «٢» ، والبياطرة، والفلاحين، والندماء، والشّطرنجيين، والشعراء والمغنّين. ثم شجرة الرّعايا. وتقسيم هذا كله غريب، يرجع إلى شعب وأصول، وجراثيم وعمد، وقشر ولحاء، وغصون، وأوراق، وزهرات مثمرات «٣» وغير مثمرات، مكتوب على كل جزء من هذه الأجزاء «٤» اسم الفن المراد به. وبرنامجه صورة بستان، كمل منه نحو ثلاثين «٥» جزءا تقارب الأسفار، ثم قطع عنه الحادث على الدولة. و «أبيات الأبيات» . و «فتات الخوان، ولقط الصّوان» في سفر، يتضمن المقطوعات. و «عائد الصلة» في سفرين، وصلت به «صلة» الأستاذ أبي جعفر بن الزبير. و «تخليص الذهب في اختيار عيون الكتب الأدبيات» . و «جيش التّوشيح» . و «طرفة العصر، في دولة بني نصر» ، ثلاثة أسفار. إلى غير ذلك، حتى في الموسيقا وسواها. هذر كثّف به الحجاب، ولعب بالنفس الإعجاب، وضاع الزمان ولا تسل بين الرّد والقبول والنفي والإيجاب. ولله درّ القائل «٦» : [السريع] والكون أشراك نفوس الورى ... طوبى لنفس حرّة فازت إن لم تحز معرفة الله قد ... أورطها الشيء الذي حازت وكلّ ميسّر لما خلق له، ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم. هذا «٧» ، وقد ذكرت مؤلفات ابن الخطيب، التي أوردها في ختام ترجمته لنفسه، بصور مختلفة، وفقا لتواريخ كتابتها، وقد أورد لنا المقري منها صورة رتّبت على نمط آخر، وبها زيادات لم ترد في نسخة الإسكوريال مما يدلّ على أن نسخة الإحاطة التي وردت بها، قد كتبت في وقت لاحق. وقد رأينا أن ننقلها فيما يلي:

стр. 1636

التواليف: «١» «التّاج المحلّى، في مساجلة القدح المعلّى» . و «الكتيبة الكامنة، في أدباء المائة الثامنة» . و «الإكليل الزاهر، فيما فضل عند نظم التّاج من الجواهر» . ثم «النّفاية «٢» ، بعد الكفاية» ، هذا في نحو «القلائد» و «المطمحين» لأبي نصر الفتح بن محمد. و «طرفة العصر، في دولة بني نصر» ، في أسفار ثلاثة. و «بستان الدول» موضوع غريب ما سمع بمثله ... (الخ الأوصاف التي وردت في البيان السابق) . وديوان شعري في سفرين، سمّيته الصّيّب والجهام، والماضي والكهام» . والنثر في غرض السّلطانيات كثير. والكتاب المسمّى ب «اليوسفي في صناعة الطّب» في سفرين كبيرين، كتاب ممتع، و «عائد الصّلة» ، وصلت به صلة الأستاذ أبي جعفر ابن الزبير، في سفرين. وكتاب «الإحاطة بما تيسّر من تاريخ غرناطة» ، كتاب كبير في أسفار تسعة، هذا متّصل بآخرها. و «تخليص الذهب، في اختيار عيون الكتب الأدبيات الثلاثة» . و «جيش التّوشيح» في سفرين. ومن بعد الانتقال إلى الأندلس، وما وقع من كياد الدولة: «نفاضة الجراب في علالة الاغتراب» ، موضوع جليل في أربعة أسفار. وكتاب «عمل من طبّ، لمن حبّ» ، ومنزلته في الصناعة الطبية، بمنزلة كتاب أبي عمرو بن الحاجب المختصر في الطريقة الفقهية، لا نظير له. ومن الأراجيز المسمّاة ب «رقم الحلل في نظم الدول» . والأرجوزة المسماة ب «الحلل المرقومة، في اللمع المنظومة» ، ألفيّة من ألف بيت في أصول الفقه. والأرجوزة المسمّاة ب «المعلومة» ، معارضة للمقدمة المسمّاة ب «المجهولة» ، في العلاج من الرأس إلى القدم، إذا أضيفت إلى رجز الرئيس أبي علي، كملت بها الصّناعة كمالا لا يشينه نقص. والأرجوزة المسماة ب «المعتمدة، في الأغذية المفردة» . والأرجوزة في «السياسة المدنية» . إلى ما يشذّ عن الوصف، كالرجز «في عمل الترياق الفاروقي» ، و «الكلام على الطاعون المعاصر» ، و «الإشارة» ، و «قطع السلوك» ، و «مثلى الطريقة، في ذمّ الوثيقة» . حتى في الموسيقى «٣» والبيطرة والبيزرة. هذر «٤» به كثف الحجاب، ولعب بالنفس الإعجاب «٥» ، ولله درّ القائل: الشعر السابق ذكره. الشعر: من ذلك قولي في الجناب الكريم النّبوي، شرفه الله، وهو من أوليات نظمي في ذلك الغرض «٦» : [الكامل] هل كنت تعلم في هبوب الريح ... نفسا يؤجّج لاعج التّبريح؟

стр. 1637

أهدتك من مشج «١» الحجاز تحيّة ... غاضت «٢» لها عرض الفجاج الفيح بالله قل لي كيف نيران الهوى ... ما بين ريح بالفلاة «٣» وشيح؟ وخضيبة المنقار تحسب أنها ... نهلت بمورد دمعي المسفوح باحت بما تخفي وناحت في الدّجى ... فرأيت في الآفاق دعوة نوح نطقت، بما يخفيه قلبي، أدمعي ... ولطالما صمتت عن التّصريح عجبا لأجفاني حملن شهادة ... عن خافت بين الضلوع جريح ولقلّما كتبت رواة مدامعي ... في طرّتيها «٤» حلية التّجريح جاد «٥» الحمى بعدي وأجراع الحمى ... جود تكلّ به متون الريح هنّ المنازل ما فؤادي بعدها ... سال، ولا وجدي بها بمريح حسبي ولوعا أن أزور بفكرتي ... زوّارها والجسم رهن نزوح فأبثّ فيها من حديث صبابتي ... وأحثّ فيها من جناح جنوحي ودجنّة كادت تضلّ بني «٦» الشّرى ... لولا وميضا بارق وصفيح رعشت «٧» كواكب جوّها فكأنها ... ورق تقلّبها بنان شحيح صابرت منها لجّة مهما ارتمت ... وطمت رميت عبابها بسبوح حتى إذا الكفّ الخضيب بأفقها ... مسحت بوجه للصباح صبيح شمت المنى وحمدت إدلاج السّرى ... وزجرت للآمال كلّ سنيح فكأنما ليلي نسيب قصيدتي ... والصّبح فيه تخلّص «٨» لمديح لمّا حططت لخير من وطئ الثّرى ... بعنان كلّ مولّد وصريح رحمى إله العرش بين عباده ... وأمينه الأرضى على ما يوحي والآية الكبرى التي أنوارها ... ضاءت أشعّتها بصفحة يوح «٩» ربّ المقام «١٠» الصّدق والآي التي ... راقت بها أوراق كلّ صحيح كهف «١١» الأنام إذا تفاقم معضل ... مثلوا بساحة بابه المفتوح يردون منه على مثابة راحم ... جمّ الهبات عن الذنوب صفوح

стр. 1638

لهفي على عمر مضى أنضيته ... في ملعب للتّرّهات فسيح «١» يا زاجر الوجناء يعتسف الفلا ... والليل يعثر في فضول مسوح يصل السّرى سبقا إلى خير الورى ... والرّكب بين موسّد وطريح لي في حمى ذاك الضّريح لبانة ... إن أصبحت لبنى «٢» أنا ابن ذريح وبمهبط الرّوح الأمين أمانة ... اليمن فيها والأمان لروحي يا صفوة الله المكين مكانه ... يا خير مؤتمن وخير نصيح أقرضت فيك الله صدق محبّتي ... أيكون تجري فيك غير ربيح؟ حاشا وكلّا أن «٣» تخيب وسائلي ... أو أن أرى مسعاي غير نجيح إن عاق عنك قبيح ما كسبت يدي ... يوما فوجه العفو غير قبيح واخجلتا «٤» من حلبة «٥» الفكر التي ... أغريتها بغرامي المشروح قصرت خطاها بعد ما ضمّرتها ... من كلّ موفور الجمام جموح مدحتك آيات الكتاب فما عسى ... يثني على علياك نظم مديحي «٦» وإذا كتاب الله أثنى مفصحا ... كان القصور قصار كلّ فصيح صلّى عليك الله «٧» ما هبّت صبا ... فهفت بغصن في الرّياض مروح واستأثر الرحمن ﷻ ... عن خلقه بخفيّ سرّ الروح وأنشدت السلطان ملك المغرب ليلة الميلاد الأعظم من عام ثلاثة وستين وسبعمائة هذه القصيدة «٨» : [الطويل] تألّق نجديّا فأذكرني نجدا ... وهاج بي الشّوق المبرّح والوجدا وميض رأى برد الغمامة معقلا «٩» ... فمدّ يدا بالتّبر أعلمت البردا تبسّم في مجريّة «١٠» قد تجهّمت ... فما بذلت وصلا ولا ضربت وعدا وراود منها فاركا قد تنعّمت ... فأهوى لها نصلا وهدّدها رعدا

стр. 1639

فحلّتها «١» الحمراء من شفق الضّحى ... نضاها وحلّ المزن من جيدها عقدا لك الله من برق كأنّ وميضه ... يد الساهر المقرور قد قدحت زندا تعلّم من سكّانه شيم النّدى ... فغادر أجراع الحمى روضة تندى وتوّج من نوّارها قنن «٢» الرّبا ... وختّم من أزهارها القضب الملدا لسرعان ما كانت مناسف للصّبا ... فقد ضحكت زهرا وقد خجلت وردا بلاد عهدنا في قرارتها الصّبا ... يقلّ لذاك العهد أن يألف العهدا إذا ما النّسيم اعتلّ في عرصاتها ... تناول فيها البان والشّيح والرّندا فكم في مجاني وردها من علاقة ... إذا ما استثيرت أرضها أنبتت وجدا إذا استشعرتها النّفس عاهدت الجوى ... إذا ما التمحتها العين عاقدت السّهدا ومن عاشق حرّ إذا ما استماله ... حديث الهوى العذريّ صيّره عبدا ومن ذابل يحكي المحبّين رقّة ... فيثني إذا ما هبّ عرف الصّبا قدّا سقى الله نجدا ما نضحت بذكرها ... على كبدي إلّا وجدت لها بردا وآنس قلبي فهو للعهد حافظ ... وقلّ على الأيام من يحفظ العهدا صبور وإن لم يبق إلّا ذبالة ... إذا استقبلت مسرى الصّبا اشتعلت وقدا صبور إذا الشّوق استجاد كتيبة ... تجوس خلال الصّبر كان لها بندا وقد كنت جلدا قبل أن يذهب النّوى ... ذمائي وأن يستأصل العظم والجلدا أأجحد حقّ الحبّ والدمع شاهد ... وقد وقع التّسجيل من بعد ما أدّى؟ تناثر في إثر الحمول «٣» فريده ... فلله عينا من رأى الجوهر الفردا جرى يققا في ملعب الخدّ «٤» أشهبا ... وأجهده ركض الأسى فجرى وردا ومرتحل أجريت دمعي خلفه ... ليرجعه فاستنّ في إثره قصدا وقلت لقلبي: طر إليه برقعتي ... فكان حماما في المسير بها هدّا سرقت صواع العزم يوم فراقه ... فلجّ ولم يرقب صواعا «٥» ولا ودّا وكحّلت عيني من غبار طريقه ... فأعقبها دمعا وأورثها سهدا إلى الله كم أهدى بنجد وحاجر ... وأكنى بدعد في غرامي أو سعدى

стр. 1640

وما هو إلّا الشّوق ثار كمينه ... فأذهل نفسا لم تبن عنده قصدا وما بي إلّا أن سرى الركب موهنا ... وأعمل في رمل الحمى النّصّ والوخدا وجاشت جنود الصّبر والبين والأسى ... لديّ فكان الصّبر أضعفها جندا ورمت نهوضا واعتزمت مودّعا ... فصدّني المقدور عن وجهتي صدّا رقيق بدت للمشترين عيوبه ... ولم تلتفت دعواه فاستوجب الرّدّا تخلّف عنّي ركب طيبة عانيا ... أما آن للعاني المعنّى بأن يفدى؟ مخلّف سربي «١» قد أصيب جناحه ... وطرن فلم يسطع مراحا ولا مغدى نشدتك يا ركب الحجاز، تضاءلت ... لك الأرض مهما استعرض السّهب وامتدّا وجمّ لك المرعى وأذعنت الصّوى ... ولم تفتقد ظلّا ظليلا ولا وردا إذا أنت شافهت الدّيار بطيبة ... وجئت بها القبر المقدّس واللّحدا وآنست نورا من جناب محمد ... يجلّي القلوب الغلف «٢» والأعين الرّمدا فنب عن بعيد الدار في ذلك الحمى ... وأذر به دمعا وعفّر به خدّا وقل يا رسول الله عبد تقاصرت ... خطاه وأضحى من أحبّته فردا ولم يستطع من بعد ما بعد المدى ... سوى لوعة تعتاد أو مدحة تهدى تداركه يا غوث العباد برحمة ... فجودك ما أجدى وكفّك ما أندى أجار بك الله العباد من الرّدى ... وبوّأهم ظلّا من الأمن ممتدّا حمى دينك الدّنيا وأقطعك الرّضا ... وتوّجك العليا وألبسك الحمدا وطهّر منك القلب لمّا استخصّه ... فجلّله نورا وأوسعه رشدا دعاه فما ولّى هداه فما غوى ... سقاه فما يظما، جلاه فما يصدا تقدّمت مختارا، تأخّرت مبعثا ... فقد شملت علياؤك القبل والبعدا وعلّة هذا الكون أنت، وكلّ ما ... أعاد وأنت «٣» القصد فيه وما أبدى وهل هو إلّا مظهر أنت سرّه ... ليمتاز في الخلق المكبّ من الأهدى ففي عالم الأسرار ذاتك تجتلي ... ملامح نور لاح للطّور فانهدّا وفي عالم الحسن «٤» اغتديت مبوّأ ... لتشفي من استشفى وتهدي من استهدى فما كنت لولا أن ثبتّ «٥» هداية ... من الله مثل الخلق رسما ولا حدّا

стр. 1641

فماذا «١» عسى يثني عليك مقصّر ... ولم يأل فيك الله «٢» شكرا ولا حمدا بماذا عسى يجزيك هاو على شفا ... من النار قد أسكنته «٣» بعدها الخلدا عليك صلاة الله يا خير مرسل ... وأكرم هاد أوضح الحقّ والرّشدا «٤» عليك صلاة الله يا كاشف العمى ... ومذهب ليل الشّرك «٥» وهو قد اربدّا إلى كم أراني في البطالة كانعا ... وعمري قد ولّى، ووزري قد عدّا تقضّى زماني في لعلّ وفي عسى ... فلا عزمة تمضي ولا لوعة تهدا حسام جبان كلّما شيم نصله ... تراجع بعد العزم والتزم الغمدا ألا ليت شعري هل أراني ناهدا ... أقود القلاص البدن والضّامر النّهدا رضيع لبان الصدق فوق شملّة «٦» ... مضمّرة وسّدت من كورها «٧» مهدا فتهدي بأشواقي السّراة إذا سرت ... وتحدي بأشعاري «٨» الرّكاب إذا تحدى إلى أن أحطّ الرّحل في تربك الذي ... تضوّع ندّا ما رأينا له ندّا وأطفىء في تلك الموارد غلّتي ... وأحسب قربا مهجة شكت البعدا بمولدك «٩» اهتزّ الوجود فأشرقت ... قصور ببصرى ضاءت الهضب والوهدا ومن رعبه الأوثان خرّت مهابة ... ومن هوله إيوان كسرى قد انهدّا وغاض له الوادي وصبّح عزّه ... بيوتا لنار الفرس أعدمها الوقدا رعى الله منها ليلة أطلع الهدى ... على الأرض من آفاقها القمر السّعدا وأقرض ملكا قام فينا بحقّها ... لقد أحرز الفخر المؤثّل والمجدا وحيّا على شطّ الخليج محلّة ... يحالف من ينتابها العيشة الرّغدا وجاد الغمام العدّ فيها خلائفا ... مآثرهم لا تعرف الحصر والعدّا عليّا وعثمان «١٠» ويعقوب، لا عدا ... رضى الله ذاك النّجل والأب والجدّا حموا وهم في حومة البأس والنّدى ... فكانوا الغيوث المستهلّة والأسدا ولله ما قد خلّفوا من خليفة ... حوى الإرث عنهم والوصيّة والعهدا

стр. 1642

إذا ما أراد الصّعب أغرى بنيله ... صدور العوالي والمطهّمة الجردا فكم معتد أردى وكم تائه هدى ... وكم حكمة أخفى وكم نعمة أبدى أبا سالم، دين الإله بك اعتلى ... أبا سالم، ظلّ الإله بك امتدّا فدم من دفاع الله تحت وقاية ... كفاك بها أن تسحب الحلق السّردا ودونكها منّي نتيجة فكرة ... إذا استرشحت للنظم كانت صفا صلدا ولو تركت منّي الليالي صبابة ... لأجهدتها ركضا وأرهقتها شدّا ولكنه جهد المقلّ على الثّوى «١» ... وقد أوضح الأعذار من بلغ الجهدا ومن ذلك قصيدة أنشدتها مولاي السلطان الغني بالله بمحضري بالمشور الحافل، المتّخذ بعد الرجوع إلى الأندلس، في بعض ليالي المولد الكريم، المنوّه بوليمتها، وهي خاتمة النّظم في هذا الغرض المقتضى الإلمام، بمدح السلطان، صرف الله وجوهنا إليه «٢» : [الخفيف] ما على القلب بعدكم «٣» من جناح ... أن يرى طائرا بغير جناح وعلى الشّوق أن يشبّ إذا هبّ ... بأنفاسكم نسيم الصباح جيرة الحيّ، والحديث شجون «٤» ... والليالي تلين بعد الجماح أترون السّلوّ خامر قلبي ... بعدكم «٥» لا وفالق الإصباح ولو اني أعطى اقتراحي على ال ... أيام ما كان بعدكم باقتراحي «٦» ضايقتني فيكم صروف الليالي ... واستدارت عليّ دور الوشاح وسقتني كأس الفراق دهاقا ... في اغتباق مواصل باصطباح «٧» واستباحت من جدّتي وفتائي «٨» ... حرما لم أخله بالمستباح قصفت صعدة انتصاري وفلّت ... غرب عزمي المعدّ يوم كفاحي «٩»

стр. 1643

لم تدع لي من السلاح سوى مغ ... فر شيب أهوى به من سلاح عاجلتني به وفي الوقت فضل ... لاهتزازي إلى الهوى وارتياح فكأنّ الشباب طيف خيال ... أو وميض قما عقيب التماح ليل أنس دجى وأقصره ليل ... جاذبت برده يمين صباح صاح والوجد مشرب والورى صف ... فان من منتش «١» وآخر صاح يا ترى والنفوس أسرى الأماني «٢» ... ما لها عن وثاقها من سراح هل يباح الورود بعد ذياد؟ ... أو يتاح اللقاء بعد انتزاح؟ وإذا أعوز الجسوم التّلاقي ... ناب عنه تعارف الأرواح «٣» جاء عهد الهوى من السّحب هام ... مستهلّ الوميض ضافي المناح كلّما أخضل الرّبوع بكاء ... ضحكت فوقها ثغور الأقاحي «٤» عادني من تذكّر العيد عيد ... كان منّي للعين عيد الأضاحي «٥» سفحت فيه للدموع دما ... فهي فوق الخدود ذات انسياح وركاب سروا وقد شمل اللي ... ل بمسح الدّجى جميع النّواحي «٦» وكأنّ الظّلام عسكر زنج ... ونجوم الدّجى نصول الرّماح حملت منهم ظهور المطايا ... أيّ جدّ بحت وعزم صراح ستروا الوجد وهو نار وكان ال ... ستر يجدي لولا هبوب الرّياح خلّفوني من بعدهم يائس الطّر ... ف ثقيل الخطا مهيض الجناح وجدوها مثل القسيّ ضمورا ... قد برت منهم سهام قداحي وطووا طوع باعث الوجد والشّو ... ق إلى الأبطحيّ غير البطاح مصطفى الكون من ظهور النّبيّي ... ن هداة الأنام سبل الفلاح حجّة الله حكمة الله سرّ ال ... لّه في كل غاية وافتتاح حاشر الخلق عاقب الرّسل المث ... بت بالله بعدهم والماحي «٧» صاحب المعجزات لا يتمارى ال ... عقل في آي للحسان صحاح من جماد يقرا وقمر يشقّ ... ومن الماء من بنان الرّاح

стр. 1644

دعوة الأنبياء منتظر الكو ... ن ودعوى البشير باستفتاح مظهر الوحي مطلع الحقّ معنى ال ... خلق فتح المهيمن الفتّاح أيّ غيث من رحمة الله هام ... وسراج بهديه وضّاح ما الذي يشرح امرؤ في رسول ... عاجل الله صدره بانشراح؟ شقّه الروح ثم طهّر منه ال ... قلب من بعد بالبرود القراح مدحتك الرّسل أيا «١» خاتم الرّس ... ل فمن لي بعدّها بامتداح؟ ولعجز النفوس عن درك الحق ... ق وإيقافها وقوف افتضاح صلوات الإله يا نكتة الكو ... ن على مجدك اللّباب القراح عدد القطر والرّمال وما ... عاقب دهر غدوه برواح وجزاك الإله أفضل ما يج ... زى كرام الأئمّة النّصّاح أسفي كم أرى طريد ذنوب ... أوبقتني فليس لي من براح قد غزتني الخطوب غزو الأعادي ... وبرتني الهموم بري القداح سبق الحكم واستقلّ وهل يم ... حى قضاء «٢» قد خطّ في الألواح؟ لا لدنيا جنحت ألهو «٣» فيها ... لا لدين خلصت لا لصلاح قاطعا في الغرور برهة عمري ... خسرت صفقتي وخاب قداحي «٤» طمع الشّيب باللّجام المحلّى ... حين أبديت أن يردّ جماحي «٥» فأبت نفسي اللّجوج وجدّت ... في سموّ إلى الهوى وطماح يا طبيب الذنوب تدبيرك النا ... جع في علّتي ضمين النّجاح يا مجلّي العمى وكافي الدّواهي ... ومداوي المرضى وآسي الجراح سدّ باب القبول دوني وما لي ... يا غياثي سواك من مفتاح خصّك الله بالكمال وزند ال ... كون لم تقترن بكفّ اقتداح قبل أن يوجد الوجود وأن يت ... حف بالنّور ظلمة الأشباح وأضاءت من بعد ميلادك الأر ... ض وهزّت له اهتزاز ارتياح فسرى الخصب في الجسوم الهزالى ... وجرى الرّسل في الضّروع الشحاح ولقد روعيت لديه حقوق ... أقطعتها العدا جناب اطّراح

стр. 1645

لمعالي محمد بن أبي الحج ... جاج ليث العدا وغيث السّماح ناصر الحقّ مرسل النّفع سحبا ... بين سمر القنا وبيض الصّفاح ومريد الجياد أرض الأعادي ... وهي مختالة لفرط المراح يتلاعبن بالظّلال عرابا ... غذّيت في الفلا لبان اللّقاح يا سراج النّادي وحتف الأعادي ... وعماد الملك الكريم المنّاح جمع الله من حلى آل عبّا ... س لعلياك في سبيل امتداح بين رأي موفّق واعتزام ... مستعين وصارم سفّاح وخفضت الجناح في الأرض حتى ... لم تدع فوق ظهرها من جناح أنت مصباحها ونور دجاها ... دافع الله عنك من مصباح محّص الله منك ياقوتة المل ... ك وينبوع العدل والإصلاح بخطوب أرت حديث سليم ... ن وجاءت بالحادث المجتاح بيدي فاقد الحجا هلهل النّس ... ج أخي جرأة وربّ اجتراح نال منها عقبى مسيلمة الكذ ... ذاب إذ عاند الهوى وسجاح ثم ردّ الأمور ردّا جميلا ... لك «١» من بعد فرقة وانتزاح فاجره في الورى الجميل وعامل ... منه كنز الغنى ومثوى الرّياح واشتر الحمد بالمواهب واعقد ... عقدها في مطنّة الأرياح بركات السّماء تبتدر الأر ... ض إذا استودعت بدور السّماح وتهنّأ منه «٢» بدنيا سعيدا ... جاء للمعلوات وفق اقتراح وتمتّع منه بهالة ملك ... أطلعت منك أيّ بدر لياح مشور «٣» الرّأي مجمع الحفل مثوى ... كلّ ذمر «٤» وسيّد جحجاح ومقام السّلام في مدة السّل ... م وغاب الأسود يوم الكفاح ملتقى حكمة وملعب إلها ... م ومغنى السّرور والأفراح أين كسرى وأين إيوان كسرى؟ ... لا يغلّ «٥» الخضمّ بالضّحضاح «٦»

стр. 1646

أين نور الأبدان من عنصر النا ... ر إذا ما اعتبرته يا صاح بنية كان فضلها لك مذخو ... را كزهر الرّياض في الأدواح حين طاب الزّمان واعتدل الفص ... ل استجدّت وبادرت بافتتاح هاكها قد تتوّجت بالمعاني ... واكتست حلّة اللّغات الفصاح حين غاض الشّباب وارتجع الفك ... ر وضاق الخطو العريض السّاح جهد قلب لفقت «١» بعد جهاد ... نقطة من قليبه الممتاح ومعاني البيان منّ عذاري ... لا يبح «٢» للشّيوخ عقد نكاح مع شيخ «٣» سوى الرجوع إلى اللّ ... هـ ونجوى أهل التّقى والصّلاح ولزوم الباب الذي يجبر الكس ... ر ووصل السؤال والإلحاح وعلى ذاك «٤» فهي ساحرة الأح ... داق تري بكلّ خود رداح تنفث السّحر في الجفون وتهدي ... طرر الحسن في الوجوه الملاح دمت في عزّة ورفعة قدر ... بين مغدى موفّق ومراح ما تولّت دهم الدّجنّة غدوا ... وجرت خلفهن شهب الصّباح ومن غرض الأمداح قولي في امتداح سلطان المغرب أبي عنان، لما توجّهت إليه رسولا، محمّلا مصالح البلاد والعباد، واستدعى الشعر مني فقلت «٥» : [الكامل] أبدى لداعي الفوز وجه منيب ... وأفاق من عذل ومن تأنيب كلف الجنان إذا جرى ذكر الحمى ... والبان حنّ له حنين النّيب «٦» والنّفس لا تنفكّ تكلف بالهوى ... والشّيب يلحظها بعين رقيب رحل الصّبا فطرحت في أعقابه ... ما كان من غزل ومن تشبيب أترى التّغزّل بعد أن ظعن الصّبا ... شأني الغداة أو النّسيب نسيبي «٧» ؟ أنّى لمثلي بالهوى من بعد ما ... للوخط في الفودين أيّ دبيب لبس البياض وحلّ ذروة منبر ... منّي ووالى الوعظ فعل خطيب

стр. 1647

قد كان يسترني ظلام شبيبتي ... والآن يفضحني صباح مشيبي «١» وإذا الجديدان «٢» استجدّا أبليا ... من لبسة «٣» الأعمار كلّ قشيب سلني عن الدهر الخؤون وأهله ... تسل المهلّب عن حروب شبيب «٤» متقلّب الحالات فاخبر تقله ... مهما أعدت يدا إلى تقليب فكل الأمور إذا اعترتك لربّها ... ما ضاق لطف الرّبّ عن مربوب قد يخبأ المحبوب في مكروهها ... من يخبأ المكروه في المحبوب واصبر على مضض الليالي إنها ... لحوامل سيلدن كلّ عجيب واقنع بحظّ لم تنله بحيلة ... ما كلّ رام سهمه بمصيب يقع الحريص على الرّدى ولكم غدا ... ترك التّسبّب أنفع التّسبيب من رام نيل الشيء قبل أوانه ... رام انتقال يلملم «٥» وعسيب فإذا جعلت الصبر مفزع معضل ... عاجلت علّته بطبّ طبيب وإذا استعنت على الزمان بفارس «٦» ... لبّى نداءك منه خير مجيب بخليفة الله الذي في كفّه ... غيث يروّض ساح كلّ جديب المنتقى من طينة المجد الذي ... ما كان يوما صرفه بمشوب يرمي الصّعاب بسعده «٧» فيقودها ... ذللا على حسب الهوى المرغوب ويرى الحقائق من وراء حجابها ... لا فرق بين شهادة ومغيب من آل عبد الحقّ حيث توشّحت ... شعب العلى وربت بأيّ كثيب أسد الشّرى سرج الورى فمقامهم ... لله بين محارب وحروب إمّا دعا الداعي وثوّب صارخا ... ثابوا وأمّوا حومة التّثويب شهب ثواقب والسماء «٨» عجاجة ... مأثورها قد صحّ بالتّجريب ما شئت في آفاقها من رامح ... يبدو وكفّ بالنّجيع خضيب عجبت سيوفهم لشدّة بأسهم ... فتبسّمت والجوّ في تقطيب

стр. 1648

نظموا بلبّات العلا واستوسقوا ... كالرّمح أنبوبا على أنبوب تروي العوالي في المعالي «١» عنهم ... أثر النّدى المولود والمكسوب عن «٢» كلّ موثوق به إسناده ... بالقطع أو بالوضع غير معيب فأبو عنان عن عليّ نصّه ... للنّقل عن عثمان عن يعقوب جاءوا كما اتّسق الحساب أصالة ... وغدوا فذالك «٣» ذلك المكتوب متجسّدا من جوهر النور الذي ... لم ترم يوما شمسه بغروب متألّقا من مطلع الحقّ الذي ... هو نور أبصار وسرّ قلوب قل للزمان وقد تبسّم ضاحكا ... من بعد طول تجهّم وقطوب هي دعوة الحقّ التي أوضاعها ... جمعت من الآثار كلّ غريب هي دعوة العدل الذي شمل الورى ... فالشّاة لا تخشى اعتداء الذّيب لو أنّ كسرى الفرس أدرك فارسا ... ألقى إليه بتاجه المعصوب لمّا حللت بأرضه متملّيا» ... ما شئت من برّ ومن ترحيب شمل الرّضا فكأنّ كلّ أقاحة ... تومي بثغر للسلام شنيب وأتيت في بحر القرى أمّ القرى ... حتى حططت بمرفإ التقريب فرأيت أمر «٥» الله من ظلّ التّقى ... والعدل تحت سرادق مضروب ورأيت سيف الله مطرور الشّبا «٦» ... يمضي القضاء بحدّه المرهوب وشهدت نور الحقّ ليس بآفل ... والدّين والدّنيا على ترتيب ووردت بحر العلم يقذف موجه ... للناس من درر الهدى بضروب لله من شيم كأزهار الرّبى ... غبّ انثيال العارض المسكوب وجمال مرأى في رداء مهابة ... كالسيف مصقول الفرند مهيب يا جنّة، فارقت من غرفاتها ... دار القرار بما اقتضته ذنوبي «٧»

стр. 1649

أسفي على ما ضاع من حظّي بها ... لا تنقضي ترحاته ونحيبي «١» إن أشرقت شمس شرقت بعبرتي ... وتفيض في وقت الغروب غروبي «٢» حتى لقد علّمت ساجعة الضّحى ... شجوي وجانحة الأصيل شحوبي «٣» وشهادة الإخلاص توجب رجعتي ... لنعيمها من غير مسّ لغوب يا ناصر الدين الحنيف، وأهله ... إنضاء مسغبة وفلّ خطوب حقّق ظنون بنيه فيك فإنهم ... يتعلّلون بوعدك المرقوب ضاقت مذاهب نصرهم فتعلّقوا ... بجناب عزّ من علاك رحيب ودجا ظلام الكفر في آفاقهم ... أو ليس صبحك منهم بقريب «٤» ؟ فانظر بعين العزّ من ثغر غدا ... حذر العدا يرنو بطرف مريب نادتك أندلس ومجدك ضامن ... أن لا تخيب لديك في مطلوب «٥» غصب العدوّ بلادها وحسامك ... الماضي الشّبا مسترجع المغصوب أرها «٦» السّوابح في المجاز حقيقة ... من كلّ قعدة محرب وجنيب يتأوّد الأسل المثقّف فوقها ... وتجيب صاهلة رغاء نجيب «٧» والنّصر يضحك كلّ مبسم غرّة ... والفتح «٨» معقود بكلّ سبيب والرّوم فارم بكلّ نجم ثاقب ... يذكي بأربعها شواظ لهيب بذمايل «٩» السّلب التي تركت بني ... زيّان بين مجدّل وسليب وأضف إلى لام الوغى ألف القنا ... تظهر لديك علامة التّغليب إن كنت تعجم بالعزائم عودها ... عود الصّليب اليوم غير صليب ولك الكتائب كالخمائل أطلعت ... زهر الأسنّة فوق كلّ قضيب فمرنّح العطفين لا من نشوة ... ومورّد الخدّين غير مريب يبدو سداد الرأي في راياتها ... وأمورها تجري على تجريب

стр. 1650

وترى الطّيور عصائبا من فوقها ... لحلول يوم في الضّلال عصيب هذّبتها بالعرض يذكر يومه ... عرض الورى للموعد المكتوب وهي الكتائب إن تنوسي عرضها ... كانت مدوّنة بلا تهذيب «١» حتى إذا فرض الجلاد جلاده «٢» ... ورأيت ريح النّصر ذات هبوب قدّمت سالبة العدوّ وبعدها ... أخرى بعزّ النّصر ذات وجوب «٣» وإذا توسّط نصل «٤» سيفك عندها ... جزأي قياسك فزت بالمطلوب وتبرّأ الشّيطان لمّا أن علا ... حزب الهدى من حزبه المغلوب الأرض إرث والمطامع جمّة ... كلّ يهشّ إلى التماس نصيب وخلائف التّقوى هم ورّاثها ... فإليكها «٥» بالحظّ والتّعصيب لكأنّني بك قد تركت ربوعها ... قفرا بكرّ الغزو والتّعقيب «٦» وأقمت فيها مأتما لكنّه ... عرس لنسر بالفلاة وذيب وتركت مفلتها بقلب واجب ... رهبا وخدّ بالأسى مندوب «٧» تبكي نوادبها وينقلن الخطا ... من شلو طاغية لشلو صليب «٨» جعل الإله البيت منك مثابة ... للعاكفين وأنت خير مثيب فإذا ذكرت كأنّ هبّات الصّبا ... قضت بمدرجها لطيمة «٩» طيب لولا ارتباط الكون بالمعنى الذي ... قصر الحجا عن سرّه المحجوب قلنا لعالمك الذي شرّفته ... حسد البسيط مزيّة التركيب ولأجل قطرك شمسها ونجومها ... عدلت عن التّشريق للتّغريب تبدو بمطلع أفقها فضّيّة ... وتغيب عندك «١٠» وهي في تذهيب مولاي، أشواقي إليك تهزّني ... والنّار تفضح عرف عود الطّيب
следующие страницы →