Полный текст (1 954 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
ومن مدح البلاد وفيه بيان سبب حبّها قولي في غرناطة «١» : [الطويل]
أحبّك يا مغنى الجلال «٢» بواجب ... وأقطع في أوصافك الغرّ أوقاتي «٣»
تقسّم منك التّرب قومي وجيرتي ... ففي الظّهر أحيائي «٤» وبالبطن «٥» أمواتي «٦»
وفي سبتة المحروسة «٧» : [السريع]
حيّيت يا مختطّ سبت بن نوح ... بكلّ مزن يغتدي أو يروح
وحمل الرّيحان ريح الصّبا ... أمانة فيك إلى كلّ روح
ولينظر تمام هذه المقطوعة في اسم الخطيب أبي عبد الله بن مرزوق في حرف الميم. وقلت في بنيونش «٨» من أحواز خارج سبتة المذكورة: [البسيط]
لله بنيونش تحكي منازلها ... كواكب أشرقت في جنح ظلماء
صحّ النسيم فما يعتلّ من أحد ... إلّا النّسيم وما يرتاع من داء
ومن كرامتها أنّ الشمال إذا ... رامت زيارتها تمشي على الماء
وفي مصر، وقد بيّنت مزيّة محبّيها على من دونهم:
سلمت لمصر في الهوى من بلد ... يهديه هواؤه لدى استنشاقه
من ينكر دعواي فقل عنيّ له ... تكفي امرأة العزيز «٩» من عشّاقه
стр. 1682
وفي غرناطة «١» : [الكامل]
بلد تحفّ به الرّياض كأنه ... وجه جميل والرّياض عذاره
وكأنما واديه معصم فضّة ... ومن الجسور المحكمات سواره
وفي رياض الكدية التي لولدي، أسعده الله، ولا نظير لها في جلالة القدر:
[السريع]
حدّث عن الكدية من شئته ... يظنّ إخبارك تصحيفا
فالعقل بالمعتاد مستأنس ... إن ذكر الواصف موصوفا
والحقّ في أوصافها أنها ... خرقاء حسن وجدت صوفا
وفي جنّة أخيه المعروفة بجنان الورد: [الطويل]
إذا أهدي الإنسان وردة جنّة ... تهلّل من بعد العبوس محيّاه
وأمّل أن يحيا لفصل يعيدها ... فكيف بمن في جنة الورد مثواه
وفي جنّة أخيهما بالزّاوية «٢» : [السريع]
إن كانت الجنّة موجودة ... في الأرض قلنا: جنّة الزّاويه
يا بقعة فاز بها المشتري ... فأمّ من خلّفها هاويه
ومن أغراض النّسيب قلت من قصيدة: [الطويل]
تذكّرت عهدا كان أحلى من الكرى ... وأقصر من إلمام طيف خياله
فيا ليت شعري من أتاح لي الجوى ... وعذّب بالي هل أمرّ بباله؟
وقلت، وهو من التّشبيه العقيم: [الكامل]
أمعلّلي بمطامع من دونها ... جوب النفوس مفاوز الأعمار
تزداد أشواقي إذا يوم خلا ... كتضاعف الأعداد بالأسعار
стр. 1683
وقلت من أغراض المشارقة «١» : [المتقارب]
رموا بالسّلو حليف الغرام ... وأدمعه كالحيا «٢» الهاطل
أعوذ بعزّك يا سيدي ... لذلّي من دعوة الباطل
وقلت من أبيات «٣» : [الكامل]
عذّبت قلبي بالهوى فقيامه ... في نار هجرك دائما وقعوده
ولقد عهدت القلب منك موحّدا «٤» ... فعلام يقضى في العذاب خلوده؟
وقلت في ذي ذؤابة سوداء: [الرمل]
يا غزالا ترك القلب المبلّى ... حين ولّى في ذفوف «٥» وكآبه
كيف يخشى القلب مني خفقانا ... ودواء المسك في تلك الذّؤابه؟
وقلت في النسيب «٦» : [الكامل]
من لي بذكرى كلّما أوجبتها «٧» ... تمحو سلوّي واشتياقي تثبت
وسحاب دمع كلّما استمطرته «٨» ... غير القتاد بمضجعي لا تنبت «٩»
وقلت في النّسيب أيضا «١٠» : [الوافر]
أضاف إلى الجفون السود شعرا ... كجنح اللّيل أو صبغ المداد
فقلت: أمير هذا الحسن تزكو الأ ... جور له بتكثير السّواد
وقلت في المعنى أيضا: [السريع]
من لي به أسمر حلو اللّما ... أهيف ماضي السّحر مرهوبه
كالنحل في رقّة خصر وفي ... لسع متى شاء ومقلوبه
стр. 1684
وقلت في النسيب أيضا «١» : [المنسرح]
أنكرت «٢» لمّا أطلّ عارضه ... فقال لي حين رابه نظري
ألم تقل لي بأنني قمر ... فانظر إلى وبر أرنب القمر
ومن أغراض التّضمين قلت «٣» : [المديد]
لا تهج بالذّكر من خلدي «٤» ... نار شوق «٥» شقّ محتمله
ويقول الناس في مثل ... لا تحرّك من دنا أجله
وقلت من التضمين «٦» : [السريع]
يا من بأكناف فؤادي رتع «٧» ... قد ضاق بي في «٨» حبّك المتّسع
ما فيك لي جدوى ولا أرعوي ... «شحّ مطاع وهوى متّبع»
وقلت من التضمين [مجزوء الرجز]
قال جوادي عندما ... همزت همزا أعجزه
إلى متى تهمزني ... ويل لكلّ همزه
وقلت «٩» : [الخفيف]
أصبح الخدّ منك جنّة عدن ... مجتلى أعين وشمّ أنوف
ظلّلتنا «١٠» من الجفون سيوف ... جنّة الخلد تحت ظلّ السيوف
وقلت: [الوافر]
محاسنك اغتدت جنّات عدن ... لمن يرتاد إحسانا وحسنا
فمهما حلّها إنسان عين ... فللإنسان فيها ما تمنّى
وقلت في طول الليل: [الكامل]
ساورت أسود من ظلام دجى ... من باته فإلى الجحيم دفع
أنا لا أقول سطا الصباح به ... لكن طغى ثعبانه فربع
стр. 1685
وقلت «١» : [الخفيف]
رفعت قصة اشتياقي ليحيى ... فزوى «٢» الوجه رافضا للفتوّه
ورمى بالكتاب ضعف ابتسال «٣» ... قلت: يحيى، خذ الكتاب بقوّه
وقلت: «٤» [الخفيف]
سار بي للأمير يشكو اعتراضا «٥» ... يوسف والشهود أبناء جنسه
قال: ما تقول؟ قلت بديها «٦» ... لم أخف من عقابه أو حبسه
حصحص الحقّ يا خوند، فدعني ... أنا راودت يوسفا عن نفسه
وقلت: «٧» [البسيط]
يا كوكب الحسن، يا معناه، يا قمره ... يا روضة المتناهي الرّيع يا ثمره
أمرتني بسلوّ عنك ممتنع ... «مأمور حسنك لمّا يقض ما أمره»
وقلت في ذلك أيضا «٨» : [السريع]
أفقد عينيّ «٩» لذيذ الوسن ... من لم أزل فيه خليع الرّسن
عذاره المسكيّ في خدّه ... أنبته الله النّبات الحسن
وقلت في العين الذي بحصن نارجة، وهو ينفع من مرض الحصا:
[الكامل]
انظر إليه شبيه معجزة العصا ... ماء «١٠» بتنقية المثانة خصّصا
فإذا الطبيب سقاه أسرع نجحه ... وتحدّث الماء «١١» الزّلال مع الحصا
стр. 1686
وقلت في التّضمين أيضا: [الطويل]
يعاهدني دمعي على كتم سرّه ... ويجري إذا ذكر جوى ويمين
وذاك لأنّي من نجيعي خضبته ... وليس لمخضوب البنان يمين
ومن الأوصاف وما يرجع إليها
قلت في الليل: [الطويل]
تلوّى ظلام الليل بالصبح ظالما ... إلى أن تبدّى الضوء وانقشع الحلك
كما سرق العبد العبوس عمامة ... فأخرجها من تحته حاكم الفلك
وقلت في المعنى: [الطويل]
أقول ووعد الصّبح يمطله الدّجى ... إلى أن تبدّى للعيون محيّاه
كأنّ الصباح الطّلق طفل مجرّد ... تلقّفه الثّعبان ثم تبنّاه
وقلت فيه: [الرمل]
عبس الليل فلا صبح يرى ... وهوى النجم وغاب الفرقد
وضحكنا وحلينا طرفا ... أفلا يضحك هذا الأسود؟
وقلت فيه: [المتقارب]
أيا ليل، أفرطت في جفوتي ... وعوّدتني منك شرّ الخلال
وما لي ذنب ولكن سخفت ... بقرط الثّريّا وتاج الهلال
وقلت فيه: [الطويل]
أرقت وجنح الليل قيد لخطوة «١» ... فلهفي على الجفن القريح المسهّد
وما بليت نفس تنظّر فيه «٢» ... بأوحش من عبد عبوس مقيّد
وقلت فيه «٣» : [الكامل]
يا ليل، طلت ولم تجد بتبسّم ... وأريتني خلق العبوس النادم
هلّا رحمت تغرّبي وتفرّقي ... لله ما أقساك يا ابن الخادم!
стр. 1687
وقلت فيه: [الكامل]
حار الظلام عليّ دورة كافر ... فقصدت قصد عبادة وتلاوه
ولو انّني كابرته لم أستطع ... ما حال أبيض في بلاد قهاوه
وقلت فيه: [السريع]
بليل كانون عرفت الجوى ... لولا ضياء كفّ من ظلمه
طال به نفح نسيم الصّبا ... فاشتعل الإصباح في فحمه
وقلت فيه: [الكامل]
وكأنّ جنح الليل أسود سارق ... سرق الصباح الطّلق ثوبا أبيضا
ما زال يضرب بالبوارق ظهره ... حتى أقرّ به فها هو قد أضا
وقلت فيه: [الكامل]
يا ليلة ساهرت طالع أفقها ... حتى تمايل غاربا أو غاطسا
والصّبح من ريح الشمال بزكمة ... تركته من بعد استكان عاصفا
وقلت في ليلة انتخب لها الكثير من الفواكه «١» : [الطويل]
أيا ليلة بالخصب لم تأل شهرة ... كما اشتهرت في فضلها ليلة القدر
فأمّن فيها اللّوز من غمّة النّوى «٢» ... وأصبح فيها التّين منشرح الصّدر
وقلت في وصف السماء: [الكامل]
تتعاور القطبان فيها «٣» رقعة ... وكلاهما فيها لعوب حاذق
الزّهرة الزّهراء قربان بها ... والبدر شاة والنجوم بياذق
وقلت أصف فرسا أهديته «٤» : [الطويل]
إذا ما سرى ليلا فبالنّجم يهتدي ... ومهما انتمى يوما فللبرق ينتمي «٥»
يصيخ إذا أصغى بمسمع كاهن ... ويرنو إذا أومى بطرف منجّم
стр. 1688
فبوّأته من مهجتي متبوّأ ... خفيّا على سرّ الفؤاد المكتّم
فيا «١» عجبا مني وفرط تشيّعي ... أهيم بوجدي فيه وهو ابن ملجم
وقلت أصف سكّين بشر للسلطان أبي سالم ملك المغرب: [الطويل]
أرى سيف إبراهيم بيني وبينه ... مناسبة عند اعتبار المناسب
أزيل حروف الخطّ عند التباسها ... وتبشر حدّاه حروف الكتائب
وقلت في سكّين الأضاحي للسلطان أبي الحجاج «٢» : [الطويل]
لي الفضل أن شاهدتني واختبرتني «٣» ... على كل مصقول الغرارين مرهف
كفاني «٤» فخرا أن تراني قائما ... بسنّة إبراهيم في كفّ يوسف
وقلت كذلك: [السريع]
إن شهرت نصلي يدا يوسف ... ريعت لكفّي مهجة اللّيث
ولحت مثل البرق في كفّه ... لا ينكر البرق على الغيث
وقلت في برّادة كان يشرب فيها السلطان: [مجزوء الرمل]
علم الملوك أعني ... يوسف المولى الهماما
الغمام الأرض «٥» سقى ... وأنا أسقي الغماما
وقلت في طيفور طعام أهديته: [الطويل]
تعلّم طيفوري خلال سميّه ... وإن كان منسوبا إلى غير بسطام
فجاء فقير الوقت لابس خرقة ... وليس براض غير صحبة صوّام
فديتك لا تردده عنك مخيّبا ... ودرسك «٦» ، يا مولاي، قصّة بلعام
стр. 1689
وقلت في روض «١» : [المجتث]
كأنّما الروض ملك ... يبأى «٢» به جلساه
يرضى النّديم فمهما ... سقى الرّياض كساه
وقلت في مروحة سلطانية «٣» : [الطويل]
كأنّي قرص «٤» الشمس عند طلوعها ... وقد قدمت من قبلها نسمة الفجر
وإلّا كما هبّت بمحتدم الوغى ... صبا «٥» النّصر لكن من بنود بني «٦» نصر
وقلت في بحريّ يلعب على الشريط، منوّع الحركات: [المتقارب]
ويجري تلاعب في شريط ... وحى الفعل متّصل الصّموت
تدلّى وارتقى وسما وأهوى ... فأعجب في التّماسك والثّبوت «٧»
فقل «٨» : إن يكن بشرا سويّا ... ففيه غريزة «٩» عنكبوت
وقلت في بيضة سلاح مصقولة اتخذت للسلطان: [المنسرح]
خصصت بالحسن وانفردت به ... فجلّ قدري وقلّ أشباهي «١٠»
كأنّني كوكب الصباح بدا ... على جبين الغنيّ بالله
وقلت في الدّواة والقلم: [مجزوء الرمل]
ما رأت عيني عجيبا ... كيراعي في الدّواة
غائصا يستخرج الدّر ... ر ببحر الظّلمات
وقلت كذلك: [المجتث]
أقلامنا الواسطيّه ... ذوابل خطّيه
مصروفة لجهاد ... وحكمة وعطيّه
стр. 1690
وقلت في ملزم الكتب: [الكامل]
يا حسنه من ملزم آثاره ... لذوي الوراقة أحسن الآثار
وكأنما الكرّاس طرف أشهب ... شدّوا على شفتيه عود زيار «١»
وكأنما قلم الكتاب بصفحه ... مكوى وذاك النّفط نفط النار
وقلت في بيضة السلاح أيضا: [الطويل]
إذا أنت لاحظت السلاح وجدتني ... أطاوله عزّا وأفضله قدرا
ويلبسني المولى الإمام محمد ... فتبصر منه الشّمس توّجت البدرا
وقلت في ذلك: [الطويل]
لحسن بني نصر صنعت محمدا ... فيهديك معنى العزّ فألي والنّصر
علوت على بحر السماء حبابة ... ولا غرو أن يعلو الحباب على البحر
وقلت في مرآة اتّخذت للسلطان أيضا: [الكامل]
لمجدّد الملك الرّفيع محمّد ... أنشئت فاعجب من غرابة شان
تبدو مظاهري لها «٢» فكأنّني ... من باطن المولى الذي أنشاني
وقلت في وصف قينة: [الطويل]
ومرضعة طفلا من العود ثديها ... ولا درّ إلّا الدّرّ من أدب محض
إذا لمسته بالبنان تخالها ... طبيبا من الحذّاق جسّ على نبض
وقلت أيضا في البدر: [البسيط]
أقول والبدر يسمو في السما «٣» صعدا ... لصاحبي والدّجى مستقبل الفجر
انظره في كفّة الميزان صاعدة ... كأنّها ضجّة بيضاء من حجر
وقلت متغزّلا، والله وليّ التّجاوز: [الكامل]
قلم المحاسن خطّ نور عذاره ... أو مثل حلّته يحاك بلا علم
لا تتّقوا عينا تصيب جماله ... فالله عوّذه بنون والقلم
стр. 1691
وقلت في معنى غريب: [الكامل]
ولربّ رزق غد «١» لقيت مواجها ... كفّت أكفّهم وقاية واق
جاورت والتفتوا إليّ فخلتهم ... جعلوا ذوابلهم على الأعناق
وقلت في رمّانة: [البسيط]
رمّانة راق منها منظر عجيب ... تريك صورتها إبداع باريها
كأنما حبّها درّ وظاهرها ... خدّ ومن شحمها قطن يواريها
وقلت مرتجلا لمن طلب ذلك على ضفّة الوادي الكبير: [المتقارب]
ومنتقش المتن كالمبرد ... إذا هبّ عرف النّسيم النّدي
تدافع مسترسلا مائجا ... كما اندفع الدّرع من مزود
وقلت، وقد استزاد الطلبة الحاضرون من ذلك: [الخفيف]
وطموح العباب ضافي المقيل ... حسر الرّوح عن حسام صقيل
كسبيك اللّجين ذهّبه الصا ... نع سبحانه بشمس الأصيل
واستزادوا من ذلك فقلت: [الطويل]
ومدّرع ينساب في منبت الخوط «٢» ... يداعب «٣» مثوى ظلّه كلّ مغبوط
أقام شعاع الشمس يشغل فوقه ... فسال له ذوب اللّجين من «٤» البوط
ثم قلت في ذلك: [السريع]
ثعبان نهر راعنا مدّه ... لمّا أتى ينساب من حجره
فاهتزّت الأغصان من فوقه ... وصاحت الأطيار في إثره
ثم قلت في ذلك: [الكامل]
انظر إليه والأصيل مورّس ... والشّمس ترسل من عنان مسيرها
وكأنما هو زئبق مترجرج ... ألقت عليه الشمس من إكسيرها
стр. 1692
ومن وصف المواضع قلت في تاجرة: [الطويل]
بتاجرة ريح أزاحك بردها ... إله متى استرحمته فهو يرحم
رأت عصبي غزلا وجسمي مرمّة ... فها هي تسدي كلّ يوم وتلحم
ومن ذلك أيضا: [السريع]
يا بقعة بالحمد معروفة ... تحذرها الشّمس فلا تشرق
ترى عيون الماء عمشا بها ... وأعين النيران لا تنطق
ومن ذلك أيضا: [الطويل]
جفاك الحيا من بقعة ظلت عندها ... بلا جلد ممّا لقيت ولا جلد
فلو سامتها الشمس أرعد قرصها ... ولثّت فلم تسطع حراكا من البرد
وقلت أصف جبل شلير «١» : [المتقارب]
شلير «٢» ، لعمري أساء «٣» الجوار ... وسدّ عليّ رحيب الفضا
هو الشيخ أبرد شيء يرى ... إذا لبس البرنس الأبيضا
وقلت أخاطب بعض أصحابنا ممن يخضب بياض شيبه من بعد الإنقاء:
[الكامل]
وكريمة شهد الخضاب شهادة ... بفتوّها عند الأداء مزوّره
مرض الفؤاد وحمّ لأجلها ... فجعلت منها للعلاج مزوّره
وقلت وقد استزاد الحاضرون من هذا المعنى: [الكامل]
عهدي بهاتيك الكريمة مهرق ... يقن تسرّ به العيون وتغبط
أغريت أجزاء المداد بظلّها ... وكذا المداد على الطرّوس مسلّط
وقلت في ذلك: [البسيط]
وخضتها «٤» بعدما لاح المشيب وقد ... جوّزت في العقل كتم الصّبح بالغبش
فاض البياض على رغم السّواد بها ... ويرشح الدّمع تحت الكحل في العمش
стр. 1693
وقلت عند الرجوع من الرّحلة: [الطويل]
رجعنا بفضل الله بعد استدارة ... وفينا بها الأنس كيل اختياره
كما راجع البركان مفروض نقطة ... من السّطح، منها كان بدء مداره
وقلت في الغرض المذكور: [الطويل]
إلى العين «١» تنأى الشّهب والشمس فتنة ... تلألأ منّا البرّ والبحر ذو الموج
رحلنا عن الأوج الرفيع نحلّها ... لمن «٢» أجل شتّى ثم عدنا إلى الأوج
وقلت أخاطب شيخنا أبا الحسن بن الجيّاب «٣» : [الكامل]
بين السّهام وبين كتبك نسبة ... مهما يصاب من العدوّ المقتل
وإذا أردت لها زيادة نسبة ... هذي وهذي في الكنانة تجعل
وقلت في البراغيث وفيها التّجنيس «٤» : [البسيط]
بتنا نكابد همّ القحط ليلتنا ... وأنجد السّهد والكرب البراغيثا «٥»
وكان «٦» يحمل ما كنّا نكابده ... من المشقّة لو أنّ البرى غيثا «٧»
وقلت في ذلك «٨» : [الطويل]
وقالوا: بدت منكم على الجلد حمرة ... فقلنا «٩» : براغيث لكم رقّطونا «١٠»
عدت نحونا ليلا ومن بعد ذا امتدّت «١١» ... كما رقصت في القلو بزر قطونا «١٢»
стр. 1694
وقلت في معنى غريب «١» : [الكامل]
إنّ اللّحاظ هي السّيوف حقيقة ... ومن استراب فحجّتي تكفيه
لم يدع غمد السيف جفنا باطلا ... إلّا لشبه «٢» اللّحظ يغمد فيه
وقلت فيما يظهر منها: [الوافر]
هممت لأن أقبّلها بشيبتي ... فأبدت عند ذا سمة القنوط
وقالت لي: رأيتك في حياتي ... جعلت بجسمها «٣» قطن الحنوط
ومن الدّعابة والفكاهة، قولي أخاطب رجلا منتفخا بالجاه، يعطي أموره فوق حقّها: [الكامل]
رفقا بنفسك سيدي رفقا ... فالفضل أن تبرا «٤» وأن تبقى
أمّا مزاجك فهو معتدل ... لكن أظنّ خيالك استسقا
وقلت في الغرض المذكور: [الطويل]
رأيت بمخدومي انتفاخا فرابني ... وباكرت دكّان الطبيب كما وجب
فقال: وقاك الله فيه فلا تخف ... عليه فهذا النّفخ ليس له سبب
وقلت على طريقة المشارقة: [مجزوء الرمل]
همّ أن ينتف ذقني ... قلت: والاني بفضله
لم أكن أدخل إلّا ... آملا «٥» جنّة وصله
وقلت على طريقتهم أيضا: [مجزوء الرمل]
قلت لمّا سألوني ... بامتحاني واختباري
أنا من عاري كأس ... أنا من كأسي عار
стр. 1695
وقلت على طريقتهم أيضا «١» : [الطويل]
وقالت: حلقت الكسّ مني بنورة ... فقلت لها استنصرت من ليس ينصر
ألا فاخبري «٢» عنّي فديتك واصدقي ... محلّق «٣» ذاك الكسّ أنّي مقصّر
وقلت في بعض الأصحاب، وقد أكثر من سرقة كتب البرق الشامي للعماد الأصفهاني، ﵀ «٤» : [الطويل]
خليليّ إن يقض «٥» اجتماع بخالد ... فقولا له عنّي «٦» ولن تعدوا الحقّا
سرقت العماد الأصفهانيّ «٧» برقه ... وكيف ترى في شاعر يسرق «٨» البرقا؟
وقلت، وقد أرجف قوم من الممرورين بظهور الخاتم: [الطويل]
وقالوا «٩» : ظفرنا في الزمان بخاتم ... قد اجتمعت أوصافه الغرّ في شخص
فقلت لهم: إن صحّ ما قد ذكرتم ... فلا بدّ أن يحتاج فيه إلى فصّ
وقلت، ونستغفر الله من السّفاهة: [الكامل]
قالت: بعقلك فاحتفظ كي لا ترى ... تبكي بضرّ ليس يعرف كاشفا
واعمل فديت حساب سحري وارعوي ... فأنا الذي أخرجت «١٠» سرّنا كاشفا
وقلت مطاوعا إخوان الدّعابة: [الكامل]
قالت: إذا استخبرتها عن زوجها ... هو يقرن الأزواج في الفدّان
قلت ابلغي عني السلام تحيّة ... عند المجيء لزوجك القرّان
وقلت وهي نزعة بيطارية «١١» : [الطويل]
وذي زوجة تشكو فقلت له اسقها ... دواء من الحبّ المليّن للبطن
فقال: أبت شرب الدواء بطبعها ... فقلت اسقها إن عافت الشرب بالقرن
стр. 1696
وقلت أخاطب بعض الطلبة، وكنية أبيه أبو الربيع، واتّهمته بأكل الحشيش:
[الطويل]
إنني ابن سليمان وفي الفكر فترة ... تخبر أنّ العقل جدّ مغيّب
فقلت: أظنّ السّيّد اعتمّ عمّة ... ولكنها في الأصل من كنية الأب
وقلت على طريقة المشارقة والله وليّ المغفرة «١» : [الخفيف]
قال لي عندما أتى بجدال ... وشكوك على أصول الدّين
ولساني يبدّل الدّال تاء «٢» ... عاجزا «٣» في الأمور عن تبيين
التمس مخرجا يوافق قولي ... قلت: أحسنت يا جلال «٤» التّين
وقلت معارضا أبياتا مثلها لبعض المعاصرين: [الوافر]
بعثت له إذ اتبعنا عصيرا ... هجرنا في تفقّده البيوتا
لعلك يا حبيب القلب تأتي ... فتأكل عندنا عنبا وتوتا
وقلت أخاطب من أدل عليه، وما أولاني بذلك «٥» : [المتقارب]
إذا قمت قل «٦» بعقيب الكرى ... إلهي أنت إله الورى
تباركت أنشأتهم من تراب ... وأنشأتني بينهم من خرا «٧»
وقلت وهي نزعة مشرقية «٨» : [الكامل]
يا قائدي نحو الغرام بمقلة ... نفقت حلاوتها بكلّ فؤادي «٩»
ماذا جنيت عليّ من مضض الهوى ... الله ينصف منك يا قوّادي «١٠»
وقلت فيمن رعى محبوبه عارضه في حال السّكر، ولحية التيس دواء نافع للبطن: [الطويل]
رعى عارضي ظبي شكى سقم بطنه ... وقال، ولم ترشد لحذق ولا كيس:
ألم تر أنّي علّة البطن أشتكي ... وينفع من يشكو بها لحية التّيس؟
стр. 1697
وقلت: [الخفيف]
حين لم أرج للخلاص سبيلا ... دأبه بالصّدود في عشّاقه
قيّض الله لحية لخلاصي ... قبضت بالبنان فوق خناقه
وقلت في ذلك «١» : [الخفيف]
لم أجد فيه لين بثّ لقلبي ... وقبولا لحجّتي واعتذاري
ثقّل الله ظهره بعيال ... سوّد الله وجهه بعذار
وقلت في ذلك: [الكامل]
ناديت مبتهلا وقد جنّ الدّجى ... لمّا برمت بردّه وبنجهه
يا ربّ، واجعل لوعتي في قلبه ... يا ربّ، واجعل لمحتي في وجهه
وفي قريب من ذلك، والله العفوّ الغفور: [الرمل]
لي حبيب لست أعصى أمره ... لم أطق بعد وصال هجره
يدّعي أني ثقيل مبرم ... أثقل الله بعدلي ظهره
وقلت في مجتمع فضلاء: [الطويل]
أقول وقد جاء الغلام بثردة ... بأمثالها يحيى السّعيد وينعم
بنيت على زرد ولقمني الفتى ... كذلك ماعون البناء يلقّم
وقلت، والله ولي التجاوز، أداعب بعضهم «٢» : [السريع]
شيخ رباط إن أتى شادن ... خلوته عند انسدال الظلام
أدلى وقد أبصره دلوه ... وقال: يا بشراي، هذا غلام
وقلت مشيرا إلى بعض طبقات الغناء «٣» : [الكامل]
ضرط الفقيه فقلت: ذاك غريبة ... ما كان ذلك منه بالمعلوم
فرنا «٤» إليّ وقال: قد أطرفتكم «٥» ... من ضرطتي بغريبة المزموم
стр. 1698
وقلت أصف رجلا خبيثا غفر الله لي وله «١» : [الطويل]
وذي حيل يعيى التّقيّة أمرها «٢» ... مكايده في لجّة الليل تسبح
يدبّ شبول الليث والليث ساهر ... ويسرق ناب الكلب والكلب ينبح
وقلت في نزعات المشارقة «٣» : [الوافر]
أقول لعاذلي لمّا نهاني ... وقد وجد الملامة «٤» إذ جفاني
علمت بأنه مرّ التّجنّي ... وفاتك أنه حلو اللسان
ومن أغراض الإشارات الصوفية وغيرها من الوعظ والجدّ والحكم، ولعلّ ذلك ماحيا لما تقدّمه بفضل الله
قلت: وربما ثبتت في كتاب «المحبة» من تأليفي: [الطويل]
تعدّدت الألفاظ واتّحد المعنى ... وأصبح فردا ما مررت به مثنى
وعادت لعين الجمع وهي كثيرة ... محا كلّ فرق مجتلى وجهك الأسنى
تعبّدت الأفكار آثارك العليا «٥» ... وقيّدت الأبصار روضتك الغنّا
وقصّرت الألفاظ عن نيل غاية ... ببعض الذي أبدته ذاتك من معنى
وقلت «٦» : [الكامل]
لا تنكروا «٧» إن كنت قد أحببتكم ... أو أنني استولى عليّ هواكم
طوعا وكرها ما ترون فإنني ... طفت الوجود فما وجدت سواكم
وقلت: [السريع]
والكون أشراك نفوس الورى ... طوبى لنفس حرّة فازت
إن لم تحز معرفة الله قد ... أورطها الشيء الذي حازت
стр. 1699
وقلت أيضا في المشيب وما في معناه «١» : [الكامل]
أنّى لمثلي بالهوى من بعد ما ... للوخط بالفودين «٢» أيّ دبيب
لبس البياض وحلّ ذروة منبر ... منّي ووالى الوعظ فعل خطيب
وقلت في تعلّل يناقض ذلك «٣» : [الخفيف]
قلت للشّيب: لا يربك جفائي ... في اختصاري لك البرور ومقتك
أنت بالعتب يا مشيبي أولى ... جئتني فجأة «٤» وفي غير وقتك
وقلت «٥» : [الرمل]
طال حزني لنشاط ذاهب ... كنت أسقى دائما من خانه «٦»
وشباب كان يندى نضرة ... نزل الثلج على ريحانه
ونظرت يوما إلى ولدي فأعجبتني شيبته فقلت «٧» : [الرمل]
سرق الدهر شبابي من يدي ... ففؤادي مشعر بالكمد
وحملت «٨» الأمر إذ أبصرته ... باع ما أفقدني من ولدي
وقلت وهو الحقّ: [المنسرح]
انظر لخضّاب «٩» الشّيب قد نصلا ... ورائد العيش بعده انفصلا
ومطلبي والذي كلفت به ... قد رمت تحصيله فما حصلا
لا أمل مسعف ولا عمل ... ونحن «١٠» في ذا والموت قد وصلا
وقلت: [الوافر]
قحطنا ثم صاب الغيث رحمى ... فشكرا يا حمام، إذا غططتا «١١»
ويا غيث الرّضا، عنّا انسكابا ... فأنت على الخبير به سقطتا
وقلت لمّا أخذت في طريقة أبي الفرج: [الطويل]
قعدت لتذكير ولو كنت منصفا ... لذكّرت نفسي فهي أحوج للذّكرى
إذا لم يكن مني لنفسي زاجرا ... فيا ليت شعري كيف نفعل في أخرى
стр. 1700
وقلت، وأنا بسلا، وقد أحسست غفلة، والحال كلّه كذلك «١» : [الطويل]
أيا أهل هذا القطر، ساعده القطر ... دهيت «٢» فدلّوني لمن يرفع الأمر؟
تشاغلت بالدنيا ونمت مفرّطا ... وفي شغلي أو نومتي سرق العمر
وقلت في منكانة الرّمل وهو بديع: [البسيط]
منكانة الرّمل فيها عبرة ونهى ... وشاهد أنّ كلّا منقض كمدا
لباب عمر الفتى يجري بجريتها ... كأنما العمر لمّا أطلقت فصدا
ولما ارتجلت ذلك، استزاد الحاضرون فقلت «٣» : [البسيط]
تأمّل الرّمل في المنكان «٤» منطلقا ... يجري وقدره عمرا منك منتهبا
والله لو كان وادي الرّمل ينجده ... ما طال «٥» طائله إلّا وقد ذهبا
وقلت في قريب منه: [الطويل]
حمى الفلك الدوّار جفني عن الكرى ... لشتّى هموم منه فكري يجنيها
أراه رحى قين وعمري صفيحة ... يكرّ عليها بالمدار فيفنيها
وقلت في الوصايا: [الوافر]
إذا ما النّفس مالت نحو حسن ... فقد خطرت على خطر الولوع
فإن أحسّت ميله «٦» أدركها ... فما بعد المميل سوى الوقوع
وقلت في المعنى: [الرجز]
إذا صرفت نحو وجه حسن ... طرفك واستهداك للحين الطّمع
فلا تمل قلبك ما اسطعت «٧» له ... فالقلب كالحائط إن مال وقع
стр. 1701
وقلت: [المتقارب]
أخي، لا تقل كذبا إن نطقت ... فللناس في الصّدق فضل وضح
وخف إن كذبت طروّ افتضاح ... فما كذب الفجر إلّا افتضح
وقلت منحيا على عالم الكون والفساد: [الكامل]
والله لو كانت حياتي في يدي ... مع جهل وعد الله أو لقياه
في خفض عيش لا تكلّف منّة ال ... إنسان مطعمه ولا سقياه
ما كان هذا العالم الجمّ الأذى ... مما يؤمّل عاقل بقياه
وكتبت في بعض الحيطان لما اجتزت على مدينة سبتة «١» : [الوافر]
أقمنا برهة ثم ارتحلنا ... كذلك الدهر حال بعد حال
وكلّ بداية فإلى انتهاء ... وكلّ إقامة فإلى ارتحال
ومن سام الزمان بعام أمر «٢» ... فقد وقف الرجاء على المحال
ولنختم غرض هذه المقطوعات بقولي، ولا حول ولا قوة إلّا بالله «٣» : [مجزوء الرمل]
عدّ عن كيت وكيت ... ما عليها غير ميت
كيف ترجو «٤» حالة البقا ... ء «٥» لمصباح وزيت؟
ومن الموشحات التي انفرد باختراعها الأندلسيون، وقد طمس اليوم رسمها، قولي «٦» :
ربّ ليل ظفرت بالبدر ... ونجوم السماء لم تدر
حفظ الله ليلنا ورعى ... أيّ شمل من الهوى جمعا
غفل الدهر والرقيب معا
стр. 1702
ليت نهر النهار «١» لم يجر ... حكم الله لي على الفجر
علّل النّفس يا أخا الطّرب «٢» ... بحديث أحلى من الضّرب
في هوى من وصاله أربي «٣»
كلّما مرّ ذكر من أدري «٤» ... قلت: يا برده على صدري
صاح لا تهتمم «٥» بأمر غد ... وأجز صرفها يدا بيد
بين نهر وبلبل غرد
وغصون تميل «٦» من سكر ... أعلنت: يا غمام «٧» ، بالشّكر
يا مرادي ومنتهى أملي ... هاتها عسجديّة الحلل
حلّت الشمس منزل الحمل
وبرود «٨» الربيع في نشر ... والصّبا عنبرية النّشر
غرّة الصبح هذه وضحت ... وقيان الغصون قد صدحت
وكأنّ الصّبا إذا نفحت
وهفا «٩» طيبها عن الحصر ... مدحة في علا بني نصر
هم ملوك الورى بلا ثنيا ... مهّدوا الدين زيّنوا الدّنيا
وحمى الله منهم العليا
بالإمام «١٠» المرفّع الخطر ... والغمام المبارك القطر
إنما يوسف إمام هدى ... جاز في المعلوات كلّ مدى
قل لدهر بملكه سعدا
стр. 1703
افتخر واجبا «١» على الدهر ... كافتخار الربيع بالزّهر
يا عماد العلاء والمجد ... أطلع العيد طالع السّعد
ووفى الفتح فيه بالوعد
وتجلّت فيه على القصر «٢» ... غرر من طلائع النّصر
فتهنّأ من حسنه البهج ... بحياة النفوس والمهج
واستمعها ودع مقال شجي
قسما بالهوى لذي حجر ... ما لليل المشوق من فجر
ومن ذلك قولي أيضا «٣» :
زمن الأنس كلّما ولّى ردّه معوز ... فاغتنم منك ريق العمر وهو مستوفز
اطرد الهمّ بابنة العنب ... وأحل غيم الثّرى
عن شموس عكفن في حجب ... عن عيون الورى
هي كنز من خالص الذّهب ... حلّ عند العرا
كم فقير أتى على وعد فيه يستنجز ... والوعيد الشديد معروف للذي يكنز
أضحك الفجر مبسم الشّرق ... فاستراب الظّلام
وانتضى الأفق صارم البرق ... من قراب الغمام
وتحلّت ترائب الورق ... درّ زهر الكمام
ولجيش الصباح في الأفق راية تركز ... وخيول السّحاب بالبرق أبدا تنهز «٤»
وقدود الغصون ترتاح ... للقاء النسيم
وشميم الرياض نفّاح ... كثناء الكريم
ومحيّا الصباح يلتاح ... في الجمال الوسيم
وخطيب الحمام في الغصن مسهب موجز ... ينكر النّوم فهو بالعتب مفصح ملغز
للهوى قدوة من الناس ... ذات نهج قويم
لا ترى في المدام من باس ... وارتشاف النديم
بحديث الغرام والكاس ... في الزّمان القديم
стр. 1704
طوّر واصفح كلّ ديوان وبه طرّز ... ما لا تجز في شريعة الظّرف غير ما جوّز
قف ركاب المدائح الغرّ ... بأهل برّ الهدى
يوسف الملك نخبة الأمر ... غيث أفق النّدى
من لأسلافه بني نصر ... في جهاد العدى؟
وكتبت عن السلطان أبي الحجاج ابن السلطان أبي الوليد بن نصر، ﵀، إلى التّربة المقدّسة، تربة رسول الله ﷺ ، وهي من أوليات ما صدر عني في هذه الأغراض «١» : [الطويل]
إذا فاتني ظلّ الحمى ونعيمه ... فحسب «٢» فؤادي أن يهبّ نسيمه
ويقنعني أنّي به متكيّف «٣» ... فزمزمه دمعي وجسمي حطيمه «٤»
يعود فؤادي ذكر من سكن الغضا ... فيقعده فوق الغضا «٥» ويقيمه
ولم أر يوما «٦» كالنسيم إذا سرى ... شفى سقم القلب المشوق سقيمه «٧»
نعلّل بالتّذكار نفسا مشوقة ... يدير عليها كأسه ويديمه «٨»
стр. 1705
وما شفّني «١» بالغور قدّ مرنّم «٢» ... ولا شاقني من وحش «٣» وجرة «٤» ريمه
ولا سهرت عيني لبرق ثنيّة ... من الثّغر يبدو موهنا فأشيمه «٥»
براني شوق للنبيّ محمد ... يسوم فؤادي برحه «٦» ما يسومه
ألا يا رسول الله، ناداك ضارع ... على البعد «٧» محفوظ الوداد سليمه
مشوق إذا ما الليل مدّ رواقه ... تحثّ «٨» به تحت الظلام همومه
إذا ما حديث عنك جاءت به الصّبا ... شجاه من الشوق الحديث «٩» قديمه
أيجهر بالنّجوى وأنت سميعها ... ويشرح ما يخفي وأنت عليمه «١٠» ؟
وتعوزه السّقيا وأنت غياثه ... وتتلفه البلوى وأنت رحيمه «١١» ؟
بنورك، نور الله، قد أشرق الهدى ... فأقماره وضّاحة ونجومه
стр. 1706
لك «١» انهلّ فضل الله بالأرض «٢» ساكبا ... فأنواؤه ملتفّة وغيومه «٣»
ومن فوق أطباق السماء بك اقتدى ... خليل الذي أوطاكها «٤» وكليمه «٥»
لك الخلق الأرضى الذي جلّ ذكره «٦» ... ومجدك «٧» في الذّكر الحكيم «٨» عظيمه
يجلّ مدى علياك عن مدح مادح ... فموسر «٩» درّ القول فيك عديمه
ولي، يا رسول الله، فيك وراثة ... ومجدك لا ينسى الذّمام «١٠» كريمه
وعندي إلى أنصار دينك نسبة ... هي الفخر لا يخشى انتقالا مقيمه
وكان بودّي أن أزور مبوّأ ... بك افتخرت أطلاله ورسومه
وقد يجهد الإنسان طرف اعتزامه ... ويعوزه من بعد ذاك مرومه
وعذري في تسويف عزمي ظاهر ... إذا ضاق عذر العزم عمّن يلومه
عدتني بأقصى الغرب عن تربك العدا «١١» ... جلالقة الثّغر الغريب ورومه
стр. 1707
أجاهد منهم في سبيلك أمّة ... هي البحر يعيي أمرها من يرومه
فلولا اعتناء منك يا ملجأ الورى «١» ... لريع حماه واستبيح حريمه
فلا تقطع الحبل الذي قد وصلته ... فمجدك موفور النّوال عميمه
وأنت لنا الغيث الذي نستدرّه ... وأنت لنا الظّلّ الذي نستديمه
ولمّا نأت داري وأعوز مطمعي ... وأقلقني شوق يشبّ «٢» جحيمه
بعثت بها جهد المقلّ معوّلا ... على مجدك الأعلى الذي جلّ خيمه
وكلت بها همّي وصدق قريحتي ... فساعدها «٣» هاء الرّويّ وميمه
فلا تنسني يا خير من وطئ الثّرى ... فمثلك لا ينسى لديه خديمه
عليك صلاة الله ما ذرّ «٤» شارق ... وما راق من وجه الصّباح وسيمه
إلى «٥» رسول الحقّ، إلى كافّة الخلق، وغمام الرحمة الصادق البرق، والحائز «٦» في ميدان اصطفاء الرحمن قصب السّبق، خاتم الأنبياء، وإمام ملائكة السماء، ومن وجبت له النبوّة وآدم بين الطّين والماء، شفيع أرباب الذنوب، وطبيب أدواء
стр. 1708
القلوب، ووسيلة «١» الخلق إلى علّام الغيوب، نبيّ الهدى الذي طهر قلبه، وغفر ذنبه، وختم به الرسالة ربّه، وجرى في النفوس مجرى الأنفاس حبّه، المشفّع «٢» يوم العرض، المحمود في ملإ السماوات «٣» والأرض، صاحب اللّواء المنشور «٤» ، والمؤتمن على سرّ الكتاب المسطور، ومخرج الناس من الظّلمات إلى النور، المؤيّد بكفاية الله وعصمته، الموفور حظّه من عنايته ونعمته «٥» ، الظّلّ الخفّاق على أمّته، من لو حازت الشمس بعض كماله ما عدمت إشراقا، أو كانت للآباء رحمة قلبه ذابت نفوسهم إشفاقا، فائدة «٦» الكون ومعناه، وسرّ الوجود الذي بهر «٧» الوجود سناه، وصفيّ حضرة القدس الذي لا ينام قلبه إذا نامت عيناه، البشير «٨» الذي سبقت له البشرى، ورأى من آيات ربّه الكبرى، ونزل عليه «٩» سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى
«١٠» . الأنوار «١١» من عنصر «١٢» نوره مستمدّة، والآثار «١٣» من آثاره مستجدّة.
من طوي بساط الوحي لفقده، وسدّ باب النبوّة «١٤» والرسالة من بعده، وأوتي جوامع الكلم فوقف «١٥» البلغاء حسرى دون حدّه، الذي انتقل في الغرر الكريمة نوره، وأضاءت لميلاده مصانع الشام وقصوره، وطفقت الملائكة تحيّيه «١٦» وفودها وتزوره. وأخبرت الكتب المنزّلة على الأنبياء بأسمائه وصفاته، فجاء بتصديق الخبر ظهوره «١٧» وأخذ عهد الإيمان «١٨» به «١٩» على من اتصلت بمبعثه منهم أيام حياته، المفزع الأمنع يوم الفزع الأكبر، والسّند المعتمد عليه «٢٠» في أهوال المحشر، ذو «٢١» المعجزات التي أثبتتها المشاهدة والحسّ، وأقرّ بها الجنّ والإنس، من جماد يتكلّم، وجذع لفراقه يتألّم، وقمر له ينشقّ، وشجر «٢٢» يشهد أنّ ما جاء به هو الحقّ،
стр. 1709
وشمس بدعائه عن مسيرها تحبس، وماء من أصابعه الكريمة «١» ينبجس «٢» ، وغمام باستسقائه يصوب، وركيّة «٣» بصق في أجاجها «٤» فأصبح ماؤها وهو العذب المشروب، المخصوص بمناقب الكمال وكمال المناقب، المسمّى بالحاشر «٥» العاقب «٦» ذو المجد البعيد المراقي «٧» والمراقب «٨» ، أكرم من رفعت «٩» إليه وسيلة المعترف المتغرب «١٠» ، سيّد الرسل محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، الذي فاز بطاعته المحسنون، واستنقذ بشفاعته المذنبون، وسعد باتباعه الذين «١١» لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ﷺ ، ما لمع برق، وهمع ودق «١٢» ، وطلعت شمس، ونسخ اليوم أمس. من عتيق شفاعته، وعبد «١٣» طاعته، المعتصم بسببه، المؤمن بالله ثم به، المستشفي بذكره كلّما تألّم، المفتتح بالصلاة عليه «١٤» كلما تكلّم، الذي «١٥» إن ذكر تمثّل طلوعه بين أصحابه وآله، وإن هبّ النسيم العاطر وجد فيه طيب خلاله، وإن سمع الأذان تذكّر صوت بلاله «١٦» ، وإن ذكر القرآن استشعر «١٧» تردّد جبريل بين معاهده وخلاله «١٨» ، لاثم تربه، ومؤمّل قربه، ورهين طاعته وحبّه، المتوسّل به إلى رضى الله ربّه «١٩» ، يوسف بن إسماعيل بن نصر «٢٠» . كتبه إليك يا رسول الله، والدّمع ماح، وخيل الوجد ذات جماح، عن شوق يزداد كلّما نقص الصّبر، وانكسار لا يتاح له إلّا بدنوّ مزارك الجبر، وكيف
стр. 1710
لا يعيي «١» مشوقك الأمر، وتوطأ على كبده الجمر «٢» ، وقد مطلت الأيام بالقدوم على تربتك «٣» المقدّسة اللّحد، ووعدت الآمال ودانت بإخلاف الوعد، وانصرفت الرّفاق والعين بإثمد «٤» ضريحك ما اكتحلت، والركائب إليك ما ارتحلت «٥» ، والعزائم قالت وما فعلت، والنواظر في تلك المشاهد الكريمة لم تسرح، وظهور «٦» الآمال عن ركوب «٧» العجز لم تبرح. فيا لها من «٨» معاهد فاز من حيّاها، ومشاهد ما أعطر ريّاها! بلاد نيطت بها عليك التّمائم «٩» ، وأشرقت بنورك منها النّجود والتّهائم. ونزل في حجراتها عليك الملك، وانجلى بضياء فرقانك فيها الحلك «١٠» ، مدارس الآيات والسّور، ومطالع المعجزات السّافرة الغرر «١١» ، حيث قضيت الفروض وحتمت، وافتتحت سور «١٢» الوحي «١٣» وختمت، وابتدئت «١٤» الملّة الحنيفية وتمّمت، ونسخت الآيات وأحكمت. أما والذي بعثك بالحقّ هاديا، وأطلعك للخلق نورا باديا، لا يطفئ غلّتي إلّا شربك، ولا يسكّن لوعتي إلّا قربك، فما أسعد من أفاض من حرم الله إلى حرمك، وأصبح بعد أداء ما فرضت عن الله ضيف كرمك، وعفّر الخدّ في معاهدك ومعاهد أسرتك، وتردّد ما بين داري بعثتك وهجرتك «١٥» . وإني لما عاقتني عن زيارتك العوائق وإن كان شغلي عنك بك، وصدّتني «١٦» الأعداء فيك عن وصل سببي بسببك، وأصبحت بين «١٧» بحر تتلاطم أمواجه، وعدوّ تتكاثف أفواجه، ويحجب الشمس عند الظّهيرة عجاجه، في طائفة من المؤمنين بك وطّنوا على الصبر نفوسهم، وجعلوا التوكّل على الله وعليك لبوسهم «١٨» ، ورفعوا إلى مصارحتك رؤوسهم، واستعذبوا في مرضاة الله «١٩» ومرضاتك بوسهم «٢٠» ، يطيرون من هيعة إلى أخرى،
стр. 1711
ويلتفتون «١» والمخاوف «٢» عن «٣» يمنى ويسرى، ويقارعون وهم الفئة القليلة جموعا كجموع قيصر وكسرى، لا يبلغون من عدوّ هو «٤» الذّرّ عند «٥» انتشاره، عشر «٦» معشاره، قد باعوا من الله تعالى «٧» الحياة الدّنيا؛ لأن تكون كلمة الله هي العليا، فيا له من سرب مروع، وصريخ إلّا منك «٨» ممنوع، ودعاء إلى الله «٩» وإليك مرفوع. وصبية حمر الحواصل، تخفق فوق أوكارها «١٠» أجنحة المناصل، والصليب قد تمطّى يمدّ «١١» ذراعيه، ورفعت الأطماع بضبعيه، وقد حجبت بالقتام السماء، وتلاطمت أمواج الحديد، والبأس الشّديد، فالتقى الماء، ولم يبق إلّا الذّماء «١٢» . وعلى ذلك فما ضعفت البصائر ولا ساءت الظنون، وما وعد به الشهداء تعتقده القلوب حتى تكاد تشاهده «١٣» العيون، إلى أن نلقاك «١٤» غدا إن شاء الله وقد أبلينا العذر «١٥» ، وأرغمنا الكفر، وأعملنا في سبيل الله وسبيلك البيض والسّمر «١٦» ، استنبت «١٧» رقعتي هذه لتطير إليك من شوقي «١٨» بجناح خافق، وتشعر «١٩» نيّتي التي تصحبها لرفيق موافق، فتؤدّي «٢٠» عن عبدك وتبلّغ، وتعفّر الخدّ في تربك «٢١» وتمرّغ، وتطيّب بريّا «٢٢» معاهدك الطاهرة وبيوتك، وتقف وقوف الخشوع «٢٣» والخضوع تجاه تابوتك، وتقول بلسان التملّق، عند التّشبّث بأسبابك والتّعلّق، منكسرة الطّرف، حذرا بهرجها «٢٤» من عدم الصّرف: يا غياث الأمة، وغمام الرحمة، ارحم غربتي وانقطاعي، وتغمّد بطولك
стр. 1712
قصر باعي، وقوّ على هيبتك خور «١» طباعي. فكم جزت من لجّ مهول، وجبت من حزون وسهول، وقابل بالقبول نيابتي، وعجّل بالرّضا إجابتي. ومعلوم من كمال تلك الشّيم، وسخاء «٢» تلك الدّيم، أن لا يخيب «٣» قصد من حطّ بفنائها، ولا يظمأ وارد أكبّ على إنائها «٤» . اللهمّ، يا من جعلته أوّل الأنبياء بالمعنى وآخرهم بالصّورة، وأعطيته لواء الحمد يسير آدم فمن دونه تحت ظلاله المنشورة، وملّكت أمّته ما زوي له من زوايا البسيطة المعمورة، وجعلتني من أمّته المجبولة على حبّه المفطورة «٥» ، وشوّقتني إلى معاهده المبرورة، ومشاهده المزورة، ووكلت لساني بالصلاة عليه، وقلبي بالحنين إليه، ورغّبتني في التماس «٦» ما لديه، فلا تقطع عنه أسبابي، ولا تحرمني في «٧» حبّه أجر ثوابي، وتداركني بشفاعته يوم أخذ كتابي. هذه يا رسول الله وسيلة من بعدت داره، وشطّ مزاره، ولم يجعل بيده اختياره. فإن لم تكن «٨» هذه «٩» للقبول أهلا فأنت للإغضاء «١٠» والسمح «١١» أهل، وإن كانت ألفاظها وعرة فجنابك للقاصدين سهل، وإذا «١٢» كان الحبّ يتوارث كما أخبرت، والعروق تدسّ حسبما إليه أشرت، فلي بانتسابي إلى سعد «١٣» عميد أنصارك مزيّة، ووسيلة أثيرة حفيّة «١٤» ، فإن «١٥» لم يكن لي عمل ترتضيه «١٦» فلي نيّة. فلا تنسني ومن بهذه الجزيرة التي افتتحت «١٧» بسيف كلمتك، على أيدي خيار «١٨» أمّتك، فإنما نحن بها «١٩» وديعة تحت بعض أقفالك «٢٠» ، نعوذ بوجه ربّك من إغفالك، ونستنشق من ريح عنايتك نفحة، ونرتقب من محيّا «٢١» قبولك لمحة، ندافع بها عدوّا ظغى وبغى، وبلغ من مضايقتنا ما ابتغى. فمواقف التّمحيص قد أعيت من كتب وأرّخ «٢٢» ، والبحر قد
стр. 1713
أصمتت «١» بواعث لججه من استصرخ، والطّاغية في العدوان مستبصر، والعدوّ محلّق والوليّ مقصّر «٢» . وبجاهك نستدفع «٣» ما لا نطيق، وبعنايتك نعالج سقيم الدّين فيفيق، فلا تفردنا ولا تهملنا، وناد ربّك فينا، رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا
«٤» ، وطوائف أمّتك حيث كانوا، عناية منك تكفيهم، وربّك يقول لك «٥» ، وقوله الحقّ: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ
«٦» . والصلاة والسلام عليك يا خير من طاف وسعى، وأجاب داعيا إذا دعا، وصلّى الله «٧» على جميع أحزابك وآلك، صلاة «٨» تليق بجلالك، وتحقّ «٩» لكمالك، وعلى ضجيعيك وصديقيك، وحبيبيك ورفيقيك، خليفتك في أمّتك «١٠» ، وفاروقك المستخلف بعده على ملّتك «١١» ، وصهرك ذي النّورين المخصوص ببرّك ونحلتك «١٢» ، وابن عمّك، سيفك المسلول على حلتك، بدر سمائك ووالد أهلّتك.
والسلام الكريم عليك وعليهم كثيرا أثيرا «١٣» ، ورحمة الله تعالى وبركاته. وكتب «١٤» بحضرة «١٥» جزيرة الأندلس غرناطة، صانها الله تعالى «١٦» ووقاها، ودفع عنها ببركتك كيد عداها.
وكتبت عن ولده أمير المسلمين أبي عبد الله «١٧» إلى ضريح رسول الله ﷺ ، وضمّنت ذلك ما فتح الله عليه من الفتوحات السّنيّات إليه
وفي أوائل عام أحد وسبعين وسبعمائة «١٨» : [الطويل]
دعاك بأقصى المغربين غريب ... وأنت على بعد المزار قريب
مدلّ بأسباب الرجاء وطرفه ... غضيض على حكم الحياء مهيب «١٩»
стр. 1714
يكلّف قرص البدر حمل تحيّة ... إذا ما هوى والشمس حين تغيب
ليرجع «١» من تلك المعالم غدوة ... وقد ذاع من ورد «٢» التحيّة طيب
ويستودع «٣» الريح الشمال شمائلا ... من الحبّ لم يعلم بهنّ رقيب
ويطلب في جيب الجيوب جوابها ... إذا ما أطلّت والصباح منيب «٤»
ويستفهم الكفّ الخضيب ودمعه ... غراما بحنّاء النّجيع خضيب
ويتبع آثار المطيّ مشيّعا «٥» ... وقد زمزم الحادي وحنّ نجيب
إذا أثر الأخفاف «٦» لاحت محاربا ... يخرّ عليها راكعا وينيب
ويلقي ركاب الحجّ وهي قوافل ... طلاح وقد لبّى النداء «٧» لبيب
فلا قول إلّا أنّة وتوجّع ... ولا حول إلّا زفرة ونحيب
غليل ولكن من قبولك منهل ... عليل ولكن من رضاك طبيب
ألا ليت شعري والأمانيّ ضلّة ... وقد تخطىء الآمال ثم تصيب
أينجد نجد بعد شطّ «٨» مزاره ... ويكثب «٩» بعد البعد منه كثيب «١٠» ؟
وهل ينقضي ديني «١١» فيسمح طائعا «١٢» ... وأدعو بحظّي مسمعا فيجيب؟
ويا ليت شعري هل لحومي مورد «١٣» ... لديك؟ وهل لي في رضاك نصيب؟
ولكنّك المولى الجواد وجاره ... على أيّ حال كان ليس يخيب
وكيف يضيق الذّرع يوما بقاصد ... وذاك الجناب المستجار رحيب «١٤» ؟
وما هاجني إلّا تألّق بارق ... يلوح بفود الليل منه مشيب
ذكرت به ركب الحجاز وجيرة ... أهاب بها نحو الحبيب مهيب
стр. 1715
فبتّ وجفني من لآلىء دمعه ... غنيّ وصبري للشّجون سليب «١»
ترنّحني «٢» الذكرى ويهفو بي الهوى ... كما مال غصن في الرياض رطيب
وأحضر تعليلا لشوقي بالمنى ... ويطرق وجد غالب فأغيب
مناي «٣» ، لو اعطيت الأمانيّ، زورة ... يبثّ غرام عندها ووجيب
فقول حبيب إذ يقول تشوّقا ... عسى وطن يدنو إليّ حبيب
تعجّبت من سيفي وقد سابق القضا ... وقلبي فلم يسكبه منه مذيب «٤»
وأعجب «٥» أن لا يورق الرمح في يدي ... ومن فوقه غيث المشوق «٦» سكيب
فيا سرح ذاك «٧» الحيّ لو أخلف الحيا ... لأغناك من صوب الدموع صبيب
ويا هاجر الجوّ الجديب تلبّثا ... فعهدي رطب الجانبين خصيب
ويا قادح الزّند الشّحاح «٨» ترفّقا ... عليك فشوقي الخارجيّ شبيب
أيا خاتم الرسل المكين مكانه ... حديث الغريب الدّار فيك غريب
فؤادي على جمر البعاد مقلّب ... يماح عليه للدموع قليب
فو الله ما يزداد إلّا تلهّبا «٩» ... أأبصرت «١٠» ماء ثار عنه لهيب؟
فليلته ليل السليم ويومه «١١» ... إذا شدّ للشوق العصاب عصيب
هواي «١٢» هدى فيك اهتديت بنوره ... ومنتسبي للصّحب منك نسيب
وحسبي على «١٣» أنّي لصحبك منتم ... وللخزرجيّين الكرام نسيب
عدت عن مغانيك المشوقة للعدا ... عقارب لا يخفى لهنّ دبيب
حراص على إطفاء نور قدحته ... فمستلب من دونه «١٤» وسليب
стр. 1716
تمرّ الرياح الغفل فوق كلومهم ... فتعبق من أنفاسها وتطيب
بنصرك «١» عنك الشّغل من غير منّة ... وهل يتساوى مشهد ومغيب؟
فإن صحّ منك الحظّ طاوعت «٢» المنى ... ويبعد مرمى السّهم وهو مصيب
ولولاك لم يعجم «٣» من الرّوم عودها ... فعود الصّليب الأعجميّ صليب
وقد كانت الأحوال لولا مراغب ... ضمنت ووعد بالظّنون «٤» تريب «٥»
منابر عزّ أذّن الفتح فوقها ... وأفصح للعضب الطّرير خطيب «٦»
نقود «٧» إلى هيجائها كلّ صائل ... كما ريع مكحول اللّحاظ ربيب
ونجتاب من سرد «٨» اليقين مدارعا ... يكفّتها «٩» من يجتني ويثيب
إذا اضطرب «١٠» الخطيّ حول غديرها ... يروقك منها لجّة وقضيب
فعذرا وإغضاء ولا تنس صارخا ... بعزّك يرجو أن يجيب مجيب
وجاهك بعد الله نرجو وإنّه ... لحظّ مليء «١١» بالوفاء رغيب
عليك صلاة الله ما طيّب الفضا ... عليك مطيل بالثّناء مطيب
وما اهتزّ قدّ للغصون مرنّح ... وما افترّ ثغر للبروق شنيب
إلى «١٢» حجّة الله تعالى المؤيد «١٣» ببراهين أنواره، وفائدة الكون ونكتة أدواره، وصفوة نوع البشر ومنتهى أطواره. إلى المجتبى وموجود الوجود لم يغن بمطلق الوجود عديمه، والمصطفى «١٤» من ذرّية آدم قبل أن يكسو العظام أديمه، المحتوم في القدم، وظلمات العدم، عند صدق القدم، تقديمه وتفضيله «١٥» إلى وديعة النّور المنتقل في الجباه الكريمة والغرر، وغمام الرحمة الهامية الدّرر. إلى مختار الله المخصوص باجتبائه، وحبيبه الذي له المزيّة على أحبّائه، من «١٦» ذرّية أنبياء الله تعالى
стр. 1717
آبائه. إلى الذي شرح صدره وغسله، ثم بعثه واسطة بينه وبين العباد وأرسله، وأتمّ عليه إنعامه الذي أجزله، وأنزل عليه من النّور والهدى «١» ما أنزله. إلى بشرى المسيح والذّبيح، ومن لهم التّجر الرّبيح، المنصور بالرّعب والرّيح، المخصوص بالنّسب الصّريح. إلى الذي جعله في المحول غماما، وللأنبياء إماما، وشقّ صدره لتلقّي روح أمره غلاما، وأعلم به في التّوراة والإنجيل إعلاما، وعلّم المؤمنين صلاة عليه وسلاما. إلى الشّفيع الذي لا تردّ في العصاة شفاعته، والوجيه الذي قرنت بطاعة الله طاعته، والرؤوف الرّحيم الذي خلصت إلى الله في أهل الجرائم ضراعته.
صاحب الآيات التي لا يسع ردّها، والمعجزات التي أربى على الألف عدّها، فمن «٢» قمر شقّ «٣» ، وجذع حنّ له وحقّ، وبنان يتفجّر بالماء، فيقوم بريّ الظماء، وطعام يشبع الجمع الكثير يسيره، وغمام يظلّل به مقامه ومسيره «٤» ، خطيب المقام المحمود إذا كان العرض، وأول من تنشقّ «٥» عنه الأرض، ووسيلة الله تعالى التي لولاها «٦» ما أقرض القرض، ولا عرف النّفل «٧» والفرض، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف المحمود الخلال، من ذي الجلال، الشاهدة بصدقه صحف الأنبياء وكتب الإرسال، وآياته التي أثلجت القلوب ببرد اليقين السّلسال، ﷺ ، ما ذرّ شارق «٨» ، وأومض بارق، وفرّق بين اليوم الشامس والليل الدامس فارق، صلاة تتأرّج عن «٩» شذى الزهر «١٠» ، وتنبلج عن سنا الكواكب الزّهر، وتتردد بين السّرّ والجهر، وتستغرق ساعات النهار «١١» وأيام الشهر، وتدوم بدوام الدهر، من عبد هداه، ومستقري «١٢» مواقع نداه، ومزاحم أبناء «١٣» أنصاره في منتداه، وبعض سهامه المفوّقة «١٤» إلى نحور عداه. مؤمّل العتق من النّار بشفاعته، ومحرز طاعة الجبّار بطاعته، الآمن باتصال رعيه من إهمال الله وإضاعته، متّخذ الصلاة عليه وسائل نجاة، وذخائر في الشدائد مرتجاة «١٥» ، ومتاجر «١٦»
стр. 1718
بضائعها غير مزجاة «١» ، الذي ملأ بحبّه جوانح صدره، وجعل فكره هالة لبدره، وأوجب حقّه «٢» على قدر العبد لا على قدره، محمد بن يوسف بن نصر الأنصاري الخزرجي نسيب سعد بن عبادة من أصحابه، وبوارق سحابه، وسيوف نصرته، وأقطاب دار هجرته، ظلّله الله يوم الفزع الأكبر من رضاك عنه بظلال الأمان، كما أنار قلبه من هدايتك بأنوار الهدى والإيمان، وجعله من أهل السّياحة في فضاء حبّك والهيمان. كتبه إليك يا رسول الله واليراع يقتضي «٣» مقام الهيبة صفرة لونه، والمداد يكاد أن يحول سواد جونه، وورقة «٤» الكتاب يخفق فؤادها حرصا على حفظ اسمك الكريم وصونه، والدمع يقطر فتنقط به الحروف وتفصّل الأسطر، وتوهّم المثول بمثواك المقدّس لا يمرّ بالخاطر سواه ولا يخطر، عن قلب بالبعد عنك قريح «٥» ، وجفن بالبكاء جريح، وتأوّه عن تبريح «٦» ، كلّما هبّ «٧» من أرضك نسيم ريح.
وانكسار ليس له إلّا جبرك «٨» ، واغتراب لا يؤنس فيه إلّا قربك، وإن لم «٩» يقض فقبرك. وكيف لا يسلم في مثلها الأسى، ويوحش الصباح والمسا، ويرجف جبل الصّبر بعد ما رسى، لولا لعلّ وعسى. فقد سارت الرّكبان «١٠» إليك ولم يقض مسير، وحوّمت الأسراب عليك والجناح كسير، ووعدت الآمال فأخلفت، وحلفت العزائم فلم تف بما حلفت، ولم تحصل النفس من تلك المعاهد ذات الشّرف الأثيل، إلّا على التّمثيل، ولا من المعالم المتناهية «١١» التّنوير، إلّا على التّصوير، مهبط «١٢» وحي الله ومتنزّل أسمائه، ومتردّد ملائكة سمائه، ومرافق «١٣» أوليائه، وملاحد أصحاب خيرة أنبيائه، رزقني الله الرضا بقضائه، والصّبر على جاحم البعد ورمضائه.
من حمراء غرناطة، حرسها الله تعالى، دار ملك الإسلام بالأندلس قاصية سيلك «١٤» ، ومسلحة «١٥» رجلك يا رسول الله وخيلك، وأنأى مطارح دعوتك
стр. 1719
ومساحب ذيلك، حيث مصافّ الجهاد في سبيل الله وسبيلك، قد ظلّلها القتام، وشهبان الأسنّة أطلعها «١» منه الإعتام، وأسواق بيع النفوس من الله قد تعدّد بها «٢» الأيامى «٣» والأيتام، حيث الجراح قد تحلّت بعسجد نجيعها النحور، والشّهداء تحفّ بها الحور، والأمم الغريبة قد قطعتها «٤» عن المدد البحور، حيث المباسم المفترّة، تجلوها المصارع البرّة، فتحييها بالعراء «٥» ثعور الأزاهر، وتندبها صوادح الأدواح برنّات تلك المزاهر «٦» ، [وتحمل «٧» السحاب أشلاءها المعطّلة من ظلّها «٨» بالجواهر،] «٩» حيث «١٠» الإسلام من عدوّه المكايد بمنزلة قطرة من عارض غمام، وحصاة من ثبير «١١» أو شمام «١٢» ، وقد سدّت الطريق، وأسلم الفراق الفريق «١٣» ، وأغضّ الريق، ويئس من الساحل الغريق، إلّا أن الإسلام بهذه الجهة المتمسكة بحبل الله وحبلك، المهتدية بأدلّة سبلك، سالم والحمد لله من الانصداع، محروس بفضل الله من الابتداع، مقدود من جديد الملّة، معدوم فيه وجود الطوائف المضلّة، إلّا ما يخصّ الكفر من هذه العلّة، والاستظهار على جمع الكثرة من جموعه بجمع القلّة.
ولهذه الأيام، يا رسول الله، أقام الله أوده «١٤» برّا بوجهك الوجيه ورعيا، وإنجازا لوعدك «١٥» وسعيا «١٦» ، وهو الذي لا يخلف وعدا ولا يخيب سعيا، وفتح لنا فتوحا «١٧» أشعرتنا برضاه عن وطننا الغريب، وبشّرتنا منه تعالى بتغمّد «١٨» التقصير ورفع التّثريب «١٩» ، ونصرنا وله المنّة على عبدة الصليب، وجعل لألفنا الرّدينيّ «٢٠»
стр. 1720
ولا منا «١» السّردي حكم التغليب. وإذا كانت الموالي التي طوّقت «٢» الأعناق مننها، وقرّرت العوائد الحسنة «٣» سيرها وسننها، تبادر إليها نوّابها الصّرحاء «٤» ، وخدّامها النّصحاء، بالبشائر، والمسرّات التي تشاع في العشائر، وتجلو لديها نتائج أيديها، وغايات مباديها، وتتاحفها وتهاديها، بمجاني جنّاتها وأزاهر غواديها، وتطرف محاضرها بطرف بواديها، فبابك يا رسول الله أولى بذلك وأحقّ، ولك الحقّ الحقّ، والحرّ منا عبدك المسترقّ، حسبما سجّله الرّق. وفي رضاك من كل من يلتمس رضاه المطمع، ومثواك المجمع، وملوك الإسلام في الحقيقة عبيد سدّتك «٥» المؤمّلة، وخول مثابتك «٦» المحسّنة بالحسنات المجمّلة «٧» ، وشهب تعشو «٨» إلى بدورك المكمّلة، ومحض «٩» سيوفك المقلّدة في سبيل الله المحمّلة، وحرمة «١٠» مهادك، وسلاح جهادك، وبروق عهادك «١١» . وإنّ مكفول احترامك الذي لا يخفر، وربيّ إنعامك الذي لا يكفر «١٢» ، وملتحف جاهك «١٣» الذي يمحى ذنبه بشفاعتك إن شاء الله ويعفر، يطالع روضة الجنّة المفتّحة أبوابها بمثواك، ويفاتح صوان «١٤» القدس الذي أجنّك «١٥» وحواك، وينثر بضائع الصلاة عليك بين يدي الضّريح الذي يهواك «١٦» ، ويعرض جنى ما غرست وبذرت، ومصداق ما بشّرت به لمّا بشّرت وأنذرت، وما انتهى إليه طلق جهادك، ومصبّ عهادك «١٧» ، لتقرّ عين نصحك الذي «١٨» أنام العيون السّاهرة هجوعها، وأشبع البطون وروّاها ظمؤها من ١»
الله وجوعها. وإن كانت الأمور بمرأى من عين عنايتك، وغيبها متعرّف بين إفصاحك وكنايتك «٢٠» . ومجمله «٢١» يا رسول الله، صلّى الله عليك، وبلّغ وسيلتي إليك، هو «٢٢» أنّ الله سبحانه لمّا عرّفني لطفه الخفيّ في التّمحيص، المقتضي عدم المحيص، ثم في التّخصيص، المغني بعيانه
следующие страницы →