Полный текст (1 954 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
محمد بن أحمد الرّقوطي «١» المرسي
يكنى أبا بكر.
حاله: كان طرفا في المعرفة بالفنون القديمة؛ المنطق والهندسة والعدد والموسيقا والطّب، فيلسوفا، طبيبا ماهرا، آية الله في المعرفة بالألسن، يقرئ الأمم بألسنتهم فنونهم التي يرغبون في تعلمها، شديد البأو، مترفّعا، متعاطيا. عرف طاغية الروم حقّه، لما تغلّب على مرسية، فبنى له مدرسة يقرئ فيها المسلمين والنصارى واليهود، ولم يزل معظما عنده. ومما يحكى من ملحه معه، أنه قال له يوما، وقد أدنى منزلته، وأشاد بفضله: لو تنصّرت وحصّلت الكمال، كان عندي لك كذا وكذا، وكنت كذا، فأجابه بما أقنعه. ولما خرج من عنده، قال لأصحابه: أنا الآن أعبد واحدا، وقد عجزت عما يجب له، فكيف حالي لو كنت أعبد ثلاثة كما أراد مني.
وطلبه سلطان المسلمين، ثاني الملوك من بني نصر «٢» ، واستقدمه، وتلمذ له، وأسكنه في أعدل البقع من حضرته. وكان الطلبة يغشون منزله المعروف له، وهو بيدي الآن، فتعلّم عليه الطب والتعاليم وغيرها، إذ كان لا يجارى في ذلك. وكان قويّ العارضة، مضطلعا بالجدل، وكان السلطان يجمع بينه وبين منتابي حضرته، ممن يقدم منتحلا صناعة أو علما، فيظهر عليهم، لتمكنه ودالّته، حسبما يأتي في اسم أبي الحسن الأبّدي، وأبي القاسم بن خلصون، إن شاء الله. وكان يركب إلى باب السلطان، عظيم التّؤدة، معار البغلة، رائق البزّة، رفيق المشي، إلى أن توفي بها، سمح الله له.
محمد بن إبراهيم بن المفرّج الأوسي
المعروف بابن الدبّاغ الإشبيلي.
حاله: كان واحد عصره في حفظ مذهب مالك، وفي عقد الوثائق، ومعرفة عللها، عارفا بالنحو واللغة والأدب والكتابة والشعر والتاريخ. وكان كثير البشاشة، عظيم الانقباض، طيّب النفس، جميل المعاشرة، كثير المشاركة، شديد التّواضع، صبورا على المطالعة، سهل الألفاظ في تعليمه وإقرائه. أقرأ بجامع غرناطة لأكابر علمائها الفقه وأصوله، وأقرأ به الفروع والعقائد للعامة مدة. وأقرأ بجامع باب الفخّارين، وبمسجد ابن عزرة وغيره.
стр. 842
مشيخته: قرأ على والده الأستاذ أبي إسحاق إبراهيم، وعلى الأستاذ أبي الحسن الدباج، وعلى القاضي أبي الوليد محمد بن الحاج التّجيبي القرطبي، وعلى القاضي أبي عبد الله بن عياض.
وفاته: توفي برندة يوم الجمعة أول يوم من شوال عند انصراف الناس من صلاة الجمعة من عام ثمانية وستين وستمائة.
محمد بن إبراهيم بن محمد الأوسي
من أهل مرسية، نزيل غرناطة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن الرّقّام، الشيخ الأستاذ المتفنن.
حاله: كان نسيج وحده، وفريد دهره، علما بالحساب والهندسة والطب والهيئة، وغير ذلك، مديد الباع، أصيل المعرفة، مضطلعا، متبحرا لا يشقّ غبارة، أقرأ التعاليم والطب والأصول بغرناطة لما استقدمه السلطان ثاني الملوك من بني نصر من مدينة بجاية، فانتفع الناس به، وأوضح المشكلات، وسئل من الأقطار النازحة في الأوهام العارضة، ودوّن في هذه الفنون كلها، ولخّص، ولم يفتر من تقييد وشرح وتلخيص وتدوين.
تواليفه: وتواليفه كثيرة، منها كتابه الكبير على طريقة كتاب «الشّفا» ، والزّيج القويم الغريب المرصد، المبنيّة رسائله على جداول ابن إسحاق، وعدّل مناخ الأهلّة، وعليه كان العمل، وقيّد أبكار الأفكار في الأصول، ولخّص المباحث، وكتاب الحيوان والخواص. ومقالاته كثيرة جدا، ودواوينه عديدة.
وفاته: توفي عن سنّ عالية بغرناطة في الحادي والعشرين لصفر من عام خمسة عشر وسبعمائة.
محمد بن جعفر بن أحمد بن خلف بن حميد ابن مأمون الأنصاري «١»
ونسبه «٢» أبو محمد القرطبي أمويّا من صريحهم، بلنسي الأصل، يكنى أبا عبد الله.
стр. 843
حاله: كان صدرا في متقني القرآن العظيم، وأئمّة تجويده، مبرّزا في النحو، إماما معتمدا عليه، بارع الأدب، وافر الحظّ من البلاغة، والتّصرّف البديع في الكتابة، طيّب الإمتاع بما يورده من الفنون، كريم الأخلاق، حسن السّمت، كثير البشر، وقورا، ديّنا، عارفا، ورعا، وافر الحظّ من رواية الحديث.
مشيخته: روى «١» عن أبي إسحاق بن صالح، وأبي بكر بن أبي ركب، وأبي جعفر بن ثعبان، وأبي الحجاج القفّال، وأبي الحسن شريح، وأبي محمد عبد الحق بن عطية، وأبي الحسن بن ثابت، وأبي الحسن بن هذيل، وتلا عليه بالسّبع، وأبو «٢» عبد الله بن عبد الرحمن المذحجي الغرناطي، وابن فرح «٣» القيسي، وأبي القاسم خلف بن فرتون، ولم يذكر أنهم أجازوا له. وكتب له أبو بكر عبد العزيز بن سدير «٤» ، وابن العزفي «٥» ، وابن قندلة «٦» ، فأبو الحسن طارق بن موسى، وابن موهب، ويونس بن مغيث، وأبو جعفر «٧» بن أيوب، وأبو الحكم عبد الرحمن بن غشيان «٨» ، وأبو عبد الله الجيّاني، المعروف بالبغدادي. وذكر أبو عبد الله بن يربوع أن له راوية عن أبي الحسن «٩» بن الطراوة.
من روى عنه: روى «١٠» عنه أبو بحر صفوان بن إدريس، وأبو بكر بن عتيق الأزدي «١١» ، وابن قترال «١٢» ، وأبو جعفر الجيّار، والذّهبي، وابن عميرة الشهيد، وأبو الحسن بن عزمون «١٣» ، وابن عبد الرزاق «١٤» ، وأبو الحسن «١٥» عبيد الله بن عاصم الدّاري «١٦» ، وأبو الربيع بن سالم، وأبو زكريا الجعفري «١٧» ، وأبو سليمان بن حوط الله، وأبو عبد الله الأندرشي، وابن الحسين بن محبر «١٨» ، وابن إبراهيم الريسي «١٩» ، وابن صلتان، وابن عبد الحق التلمسيني، وابن يربوع، وأبو العباس العزفي، وأبو عثمان سعد الحفّار، وأبو علي عمر بن جميع «٢٠» ، وأبو عمران بن إسحاق «٢١» ، وأبو
стр. 844
القاسم الطيب بن هرقال «١» ، وعبد الرحيم بن إبراهيم بن قريش الملّاحي «٢» ، وأبو محمد بن دلف «٣» بن اليسر، وأبو الوليد بن الحجاج «٤» .
تواليفه: له شرح على «إيضاح الفارسي» ، وآخر على «جمل الزّجّاجي» .
مولده: ببلنسية سنة ثلاث عشرة وخمسمائة.
وفاته: توفي بمرسية إثر صدوره عن غرناطة عشي يوم السبت لثلاث عشرة بقيت من جمادى الأولى «٥» سنة ست وثمانين وخمسمائة.
محمد بن حكم بن محمد بن أحمد بن باق الجذامي «٦»
من أهل سرقسطة. سكن غرناطة ثم فاس، يكنى أبا جعفر.
حاله: كان «٧» مقرئا مجوّدا، محققا بعلم الكلام وأصول الفقه، محصّلا لهما، متقدّما في النحو، حافظا للغة، حاضر الذّكر لأقوال تلك العلوم، جيّد النظر، متوقّد الذهن، ذكيّ القلب، فصيح اللسان «٨» . ولّي أحكام فاس، وأفتى فيها، ودرّس بها العربية: كتاب سيبويه وغير ذلك.
مشيخته: روى «٩» عن أبي الأصبغ بن سهل، وأبوي «١٠» الحسن الحضرمي، وابن سابق، وأبي جعفر بن جرّاح، وأبي طالب السّرقسطي، الأديبين، وأبوي عبد الله بن نصر، وابن يحيى بن هشام المحدّث، وأبي العباس الدلائي، وأبي عبيد الله البكري، وأبي عمر أحمد بن مروان «١١» القيرواني، وأبي محمد بن قورش «١٢» ، وأبي مروان بن سراج. وأجاز له أبو الوليد الباجي، ﵀.
стр. 845
من روى عنه: روى «١» عنه أبو إسحاق بن قرقول، وأبو الحسن صالح بن خلف، وأبو عبد الله بن حسن السّبتي، وأبو «٢» الحسن الأبّذي، وتوفي قبله، وابن خلف بن الأيسر «٣» ، والنّميري، وأبو العباس بن عبد الرحمن بن الصّقر، وأبو علي حسن بن الجزّار «٤» ، وأبو الفضل بن هارون الأزدي، وأبوا «٥» محمد: عبد الحق بن بونه، وقاسم بن دحمان، وأبو مروان بن الصّقيل الوقّشي «٦» .
تواليفه: شرح «٧» «إيضاح الفارسي» ، وكان قيّما على كتابه، وصنّف في الجدل مصنّفين، كبيرا وصغيرا. وله عقيدة جيدة.
وفاته: توفي بفاس، وقيل بتلمسان «٨» ، سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة.
محمد بن حسن بن محمد بن عبد الله بن خلف ابن يوسف بن خلف الأنصاري «٩»
من أهل مالقة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن الحاج، وبابن صاحب الصلاة.
حاله: كان مقرئا صدرا في أئمّة التّجويد، محدّثا متقنا ضابطا، نبيل الخطّ والتقييد، ديّنا، فاضلا. وصنّف في الحديث، وخطب بجامع بلده. وأمّ في الفريضة زمانا، واستمرّت حاله كذلك، من نشر العلم وبثّه إلى أن كرّمه الله بالشهادة في وقيعة العقاب «١٠» .
دخوله غرناطة، راويا عن ابن الفرس، وابن عروس، وغيرهما.
مشيخته: روى بالأندلس عن الحجاج ابن الشيخ، وأبي الحسن بن كوثر، وأبي خالد يزيد بن رفاعة، وأكثر عنه، وأبوي عبد الله بن عروس، وابن الفخّار، وأبي
стр. 846
محمد بن حوط الله، وعبد الحق بن بونه، وعبد الصّمد بن يعيش، وعبد المنعم بن الفرس، وأجازوا له. وتلا القرآن على أبي عبد الله الإستجّي. وروى الحديث عن أبي جعفر الحصّار. وحجّ في نحو سنة ثمانين وخمسمائة، وأخذ عن جماعة من أهل المشرق، كأبي الطّاهر الخشوعي وغيره.
وفاته: توفي شهيدا محرضا صابرا يوم الاثنين منتصف صفر عام تسعة وستمائة.
محمد بن محمد بن أحمد بن علي الأنصاري
يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن قرال، من أهل مالقة.
حاله: طالب عفيف مجتهد خيّر. قرأ بغرناطة، وقام على فنّ العربية قياما بالغا، وشارك في غيره، وانتسخ الكثير من الدّواوين بخطّ بالغ أقصى مبالغ الإجادة والحسن، وانتقل إلى مالقة فأقرأ بها العربية، واقتدى بصهره الصّالح أبي عبد الله القطّان، فكان من أهل الصلاح والفضل. وتوفي في محرم عام خمسين وسبعمائة.
محمد بن محمد بن إدريس بن مالك بن عبد الواحد ابن عبد الملك بن محمد بن سعيد بن عبد الواحد ابن أحمد بن عبد الله القضاعي
من أهل إسطبونة «١» ، يكنى أبا بكر، ويعرف بالقللوسي.
حاله: كان، ﵀، إماما في العربية والعروض والقوافي، موصوفا بذلك، منسوبا إليه، يحفظ الكثير من كتاب سيبويه، ولا يفارقه بياض يومه، شديد التعصّب له، مع خفّة وطيش يحمله على التوغّل في ذلك. حدّثني شيخنا أبو الحسن بن الجيّاب، ﵀، قال: وقف أبو بكر القللوسي يوما على القاضي أبي عمرو بن الرّندون، وكان شديد الوقار، مهيبا، وتكلم في مسألة من العربية، نقلها عن سيبويه، فقال القاضي أبو عمرو: أخطأ سيبويه، فأصاب أبا بكر القللوسي قلق كاد يلبط به الأرض، ولم يقدر على جوابه بما يشفي به صدره لمكان رتبته. قال: فكان يدور بالمسجد، والدموع تنحدر على وجهه، وهو يقول: أخطأ من خطّأه، يكرّرها، والقاضي أبو عمرو يتغافل عنه، ويزري عليه. وكان، مع ذلك، مشاركا في فنون، من
стр. 847
فقه وقراءات وفرائض، من أعلام الحفّاظ للغة، حجّة في العروض والقوافي، يخطط بالقافية عند ذكره في الكتب. وله في ذلك تواليف بديعة. وولّي الخطابة ببلده مدة، وقعد للتدريس به، وانثال عليه الناس وأخذوا عنه. ونسخ بيده الكثير وقيّد، وكان بقطره علما من أعلام الفضل والإيثار والمشاركة.
تواليفه: نظم رجزا شهيرا في الفرائض علما وعملا، ونظم في العروض والقوافي، وألّف كتاب «الدّرة المكنونة في محاسن إسطبونة» ، وألّف تأليفا حسنا في ترحيل الشمس، وسوسطات الفجر، ومعرفة الأوقات، ونظم أرجوزة في شرح ملاحن ابن دريد، وأرجوزة في شرح كتاب «الفصيح» . ورفع للوزير ابن الحكيم كتابا في الخواص وصنعة الأمدّة والتطبّع الشاب، غريبا في معناه.
مشيخته: قرأ على الأستاذ أبي الحسن بن أبي الربيع، ولازمه، وأخذ عنه، وعن أبي القاسم بن الحصّار الضرير السّبتي، وعلى الأستاذ أبي جعفر بن الزّبير بغرناطة، وغيرهم.
شعره: من شعره قوله من قصيدة يمدح ابن الحكيم: [الطويل]
علاه رياض أورقت بمحامد ... تنوّر بالجدوى وتثمر بالأمل
تسحّ عليها من نداه غمامة ... تروي ثرى المعروف بالعلّ والنّيل
وهل هو إلّا الشمس نفسا ورفعة ... فيغرب بالجدوى ويبعد بالأمل؟
تعمّ أياديه البريّة كلّها ... فدان وقاص جود كفّيه قد شمل
وهي طويلة. ونقلت من خطّ صاحبنا أبي الحسن النّباهي، قال يمدح أبا عبد الله الرّنداحي: [الكامل]
أطلع بأفق الرّاح كأس الرّاح ... وصل الزّمان مساءه بصباح
خذها على رغم العذول مدامة ... تنفي الهموم وتأت بالأفراح
والأرض قد لبست برود أزاهر ... وتمنطقت من نهرها بوشاح
والجوّ إذ يبكي بدمع غمامة ... ضحك الربيع له بثغر أقاح
والرّوض مرقوم بوشي أزاهر ... والطّير يفصح أيّما إفصاح
والغصن من طرب يميل كأنما ... سقيت بكفّ الرّيح كأس الراح
والورد منتظم على أغصانه ... يبدو فتحسبه خدود ملاح
وكأنّ عرف الريح من زهر الرّبى ... عرف امتداح القائد الرّنداح
وفاته: ببلده عصر يوم الجمعة الثامن عشر لرجب الفرد سنة سبع وسبعمائة.
стр. 848
محمد بن محمد بن محارب الصّريحي
من أهل مالقة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن أبي الجيش.
حاله وأوليّته: أصل سلفه من حصن يسر من عمل مرسية، من بيت حسب وأصالة، ولخؤولته بالجهة التاكرونيّة ثورة.
وقلت فيه في «عائد الصلة» : كان من صدور المقرئين، وأعلام المتصدّرين تفنّنا واضطلاعا وإدراكا ونظرا، إماما في الفرائض والحساب، قائما على العربية، مشاركا في الفقه والأصول وكثير من العلوم العقلية.
قعد للإقراء بمالقة، وخطب بجامع الرّبض.
مشيخته: قرأ على الأستاذ القاضي المتفنّن أبي عبد الله بن بكر، ولازمه. ثم ساء ما بينهما في مسألة وقعت بمالقة، وهي تجويز الخلف في وعد الله، شنّع فيها على شيخنا المذكور. ونسبه إلى أن قال: وعد الله ليس بلازم الصّدق، بل يجوز فيه الخلف، إذ الأشياء في حقه متساوية. وكتب في ذلك أسئلة للعلماء بالمغرب، فقاطعه وهجره. ولمّا ولّي القاضي أبو عبد الله بن بكر القضاء، خافه، فوجّه عنه إثر ولايته، فلم يشكّ في الشّرّ، فلما دخل عليه، رحّب به، وأظهر له القبول عليه، والعفو عنه، واستأنف مودّته، فكانت تعدّ في مآثر القاضي، ﵀.
ورحل المذكور إلى سبتة، فقرأ بها على الأستاذ أبي إسحاق الغافقي، ومن عاصره، ثم عاد إلى مالقة، فالتزم التدريس بها إلى حين وفاته.
دخوله غرناطة: دخل غرناطة مرات، متعلّما، وطالب حاج. ودعي إلى الإقراء بمدرستها النّصرية «١» ، عام تسعة وأربعين وسبعمائة، فقدم على الباب السّلطاني، واعتذر بما قبل فيه عذره. وكان قد شرع في تقييد مفيد على كتاب «التسهيل» لابن مالك، في غاية النبل والاستيفاء والحصر والتّوجيه، عاقته المنية عن إتمامه.
وفاته: توفي بمالقة في كائنة الطاعون الأعظم في أخريات ربيع الآخر من عام خمسين وسبعمائة، بعد أن تصدّق بمال كثير، وعهد بريع مجد لطلبة العلم، وحبس عليهم كتبه.
стр. 849
محمد بن محمد بن لب الكناني
من أهل مالقة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن لب.
حاله: كان ذاكرا للعلوم القديمة، معتنيا بها، عاكفا عليها، متقدّما في علمها على أهل وقته، لم يكن يشاركه أحد في معرفتها، من الرياضيّات والطبيعيّات والإلهيّات، ذاكرا لمذاهب القدماء، ومآخذهم في ذلك، حافظا جدا، ذاكرا لمذاهب المتكلّمين من الأشعريّة وغيرهم، إلّا أنه يؤثر ما غلب عليه من مآخذ خصومهم، وكان نفوذه في فهمه دون نفوذه في حفظه، فكان معتمده على حفظه في إيراده ومناظرته، وكان ذاكرا مع ذلك لأصول الفقه وفروعه، عجبا في ذلك؛ إذا وردت مسألة، أورد ما للناس فيها من المذاهب. وعزم عليه آخر عمره، فقعد بجامع مالقة، يتكلّم على الموطّأ، وما كان من قبل تهيّأ لذلك، إلّا أنه ستر عليه حفظه، وتعظيم أهل بلده له. قال ابن الزّبير: وكانت فيه لوثة، واخشيشان، وكان له أربّ في التّطواف، وخصوصا بأرض النصارى، يتكلم مع الأساقفة في الدّين، فيظهر عليهم، وكانت أموره غريبة، من امتزاج اليقظة بالغفلة، وخلط السّذاجة بالدّعابة. يحكى عنه أنه كانت له شجرة تين بداره بمالقة، فباع ما عليها من أحد أهل السّوق، فلمّا همّ بجمعها، ذهب ليمهّد للتّين بالورق في الوعاء، فمنعه من ذلك، وقال له: إنما اشتريت التين، ولم تدخل الورق في البيع، فتعب ذلك المشتري ما شاء الله، وجلب ورقا من غيرها، حتى انقضى الأمر، وعزم على معاملته في السنة الثانية، فأول ما اشترط الورق، فلمّا فرغ من الغلّة، دعاه فقال له: احمل ورقك، فإنه يؤذيني، فأصابه من المشقة في جمعه من أطراف الغصون ما لم يكن يحستب، ولم تأت السنة الثالثة، إلّا والرجل فقيه، اشترط مقدار الكفاية من الورق، فسامحه ورفق به.
دخل غرناطة وغيرها، وأخباره عجيبة. قال أبو جعفر بن الزّبير: عرض لي بمالقة مسائل، يرجع بعضها إلى الطريقة البيانيّة، والمآخذ الأدبية؛ وضحت ضرورة إلى الأخذ معه فيها، وفي آيات من الكتاب العزيز، فاستدعيته إلى منزلي، وكان فيه تخلّق، وحسن ملاقاة، مع خفّته الطبيعية وتشتّت منازعه، فأجاب، وأخذت معه في ذلك، فألفيته صائما عن ذلك جملة.
وصمته: قال: وكان القاضي الجليل أبو القاسم بن ربيع وأخوه أبو الحسن ينافرانه على الإطلاق، ويحذران منه، وهو كان الظاهر من حاله. قال: واستدعاني في مرض اشتدّ به، قبل خروجي من مالقة على انفراد، فتنصّل لي مما كان يذنّ «١» به، وأكثر البكاء، حتى رثيت له.
стр. 850
وفاته: توفي بمالقة، ووصّى قبل موته بوصايا من ماله، في صدقات وأشباهها، وحبس داره وطائفة من كتبه على الجامع الكبير بمالقة.
محمد بن محمد البدوي «١»
الخطيب بالرّبض من بلّش «٢» ، يكنى أبا عبد الله.
حاله: من «العائد» «٣» : كان، ﵀، حسن التّلاوة لكتاب الله، ذا قدم في الفقه، له معرفة بالأصلين، شاعرا مجيدا، بصيرا، بليغا في خطبته، حسن الوعظ، سريع الدّمعة. حجّ ولقي جلّة. وأقرأ ببلّش زمانا، وانتفع به، ولقي شدايد أصلها الحسد.
مشيخته: قرأ العلم على الشّيخين المقرئين، الحجّتين، أبي جعفر بن الزّيّات، وأبي عبد الله بن الكمّاد، وقرأ العربية والأصلين على الأستاذ أبي عمرو بن منظور، ولازمه وانتفع به، وقرأ الفقه على الشيخ القاضي أبي عبد الله بن عبد السّلام بمدينة تونس.
شعره: من شعره قوله في غرض النسيب «٤» : [السريع]
خال على خدّك «٥» أم عنبر؟ ... ولؤلؤ ثغرك أم جوهر؟
أوريت نار الوجد طيّ الحشا ... فصارت النّار به «٦» تسعر
لو جدت لي منك برشف اللّما ... لقلت: خمر عسل «٧» سكّر
دعني في الحبّ أذب حسرة ... سفك دم العاشق لا ينكر
стр. 851
وقال «١» : [البسيط]
عيناي تفهم من عينيك أسرارا ... وورد خدّك يذكي في الحشا نارا
ملكت قلب محبّ فيك مكتئب ... قد أثّر الدّمع في خدّيه آثارا
رضاب ثغرك يروي حرّ غلّته ... يا ليت نفسي تقضي منه أوطارا «٢»
أنعم بطيف خيال منك ألمحه ... ماذا عليك بطيف «٣» منك لو زارا
نفسي فداؤك من ظبي به كلفّ «٤» ... يصبو له القلب مضطرّا ومختارا
وقال «٥» : [مجزوء الرمل]
أيها الظّبي ترفّق ... بكئيب قد هلك
الذنب تتجنّى ... أم لشيء «٦» يوصلك؟
إنّ روحي لك ملك «٧» ... وكذا قلبي لك
إنّما أنت هلال ... فلك القلب فلك
ومن مجموع نظمه ونثره ما خاطبني به، وقد طلبت من أدبه لبعض ما صدر عني من المجموعات: «يا سيدي، أبقاك الله بهجة للأعيان الفضلاء، وحجّة لأعلام العلاء، ولا زلت تسير فوق النّسر، وتجري في الفضائل على كرم النّجر. ذكر لي فلان أنكم أردتم أن يرد على كمالكم، بعض الهذيان الصادر عن معظّم جلالكم، فأكبرت ذلك، ورأيتني لست هنالك، وعجبت أن ينظم مع الدّرّ السّبج، أو يضارع العمش الدّعج. بيد أنّ لنظم الدّرّ صنّاع «٨» ، والحديث قد يذاع، ولا يضاع، وحين اعتذرت له فلم يعذرني، وانتظرته فلم ينظرني، بعد أن استعفيته فأبى، واستنهضت جواد الإجابة فكبى، وسلك غير طريقي، ولم يبلّغني ريقي، وفّيت الغرض، وقضيت من إجابته الحقّ المفترض، ورددت عن تعذاله النّصيح، وأثبتّ هنا ما معناه صحيح، ولفظه غير فصيح: [السريع]
بريت من حولي ومن قوّتي ... بحول من لا حول إلّا له
وثقت بالخالق فهو الذي ... يدبّر العبد وأفعاله
стр. 852
وقلت بالحرم عند الملتزم من المنظوم في مثل ذلك: [المتقارب]
أمولاي بالباب ذو فاقة ... وهذا يحطّ خطايا الأمم
فجد لي بعفوك عن زلّتي ... يجود الكريم بقدر الكرم
ومما أعددته للوفادة على خير من عقدت عليه ألوية السّيادة: [الكامل]
حمدت إليك مع الصباح سراها ... وأتتك تطلب من نداك قراها
وسرت إليك مع النّسيم يمينها ... شوقا يسابق في السّرى يسراها
ولولا العجر لوصلت، والعذر لأطلت، لكن ثنيت عناني لثنائك، لحسن اعتنائك، وقلت معتذرا من الصّورة لمجدكم، وتاليا سورة حمدكم: [البسيط]
المجد يخبر عن صدق مآثره ... وناظم المجد في العلياء ناثره
والجود إنّ جدّ جدّ المرء ينجده ... وقلّما ثمّ في الأيّام ذاكره
من نال ما نلت من مجد ومن شرف؟ ... فليس في الناس من «١» شخص يناظره
يا سيدا طاب في العلياء محتده ... دم «٢» ماجدا رسخت فيه أواصره
سريت في الفضل مستنّا على سنن ال ... فضل «٣» مآربه حقا وسامره
ورثته عن كبير أوحد علم ... كذاك يحمله أيضا أكابره
مبارك الوجه وضّاح الجبين له ... نور ينير أغرّ النّور باهره
موفّق بكفيل من عنايته ... مرفّع العذر سامي الذّكر طاهره
رعيت في الفضل حقّ الفضل مجتهدا ... مفهوم مجدك هذا الحكم ظاهره
علوت كالشمس إشراقا ومنزلة ... فأنت كالغيث يحيي الأرض ماطره
ينمّ بالفضل منك الفضل مشتهرا ... كما ينمّ بزهر الرّوض عاطره
دم وابق للمجد كهفا والعلا وزرا «٤» ... فإنما المجد شخص أنت ناظره
مؤمّلا منك خيرا أنت صانعه ... وصانع الخير عند الله شاكره
وما وليت وما أوليت من حسن ... للنّاس «٥» والعالم العلوي ذاكره
بقيت تكسب من والاك مكرمة ... وناصرا أبدا من قلّ ناصره
стр. 853
عذرا لك الفضل عمّا جئت من خطإ ... أن يخط مثلي يوما أنت عاذره
ثم السلام على علياك من رجل ... تهدي الذي أبدا «١» تخفى ضمائره
دخوله غرناظة: دخلها غير ما مرّة، ولقيته بها لتقضّي بعض أغراض بباب السلطان، مما يليق بمثله.
مولده: ... «٢» .
وفاته: توفي ببلّش في أخريات عام خمسين وسبعمائة.
محمد بن عبد الله بن ميمون بن إدريس بن محمد ابن عبد الله العبدري
قرطبي، استوطن مدينة مرّاكش، يكنى أبا بكر.
حاله: كان عالما بالقراءات، ذاكرا للتفسير، حافظا للفقه واللغات والأدب، شاعرا محسنا، كاتبا بليغا، مبرّزا في النحو، جميل العشرة، حسن الخلق، متواضعا، فكه المحاضرة، مليح المداعبة. وصنّف في غير ما فنّ من العلم، وكلامه كثير مدوّن، نظما ونثرا.
مشيخته: روى عن أبي بكر بن العربي، وأبي الحسن شريح، وعبد الرحمن بن بقي، وابن الباذش، ويونس بن مغيث، وأبي عبد الله بن الحاج، وأبي محمد بن عتّاب، وأبي الوليد بن رشد، ولازمه عشرين سنة. قرأ عليهم وسمع، وأجازوا له، وسمع أبا بحر الأسدي، وأبوي بكر عيّاش بن عبد الملك، وابن أبي ركب، وأبا جعفر بن شانجة «٣» ، وأبا الحسن عبد الجليل، وأبا عبد الله بن خلف الأيسري، وابن المناصف، وابن أخت غانم، ولم يذكر أنهم أجازوا له، وروى أيضا عن أبوي عبد الله مكّي، وابن المعمر، وأبي الوليد بن طريف.
من روى عنه: روى عنه أبو البقاء يعيش بن القديم، وأبو الحسن بن مؤمن، وأبو زكريا المرجيعي، وأبو يحيى أبو بكر الضرير واختصّ به.
стр. 854
تواليفه: من مصنّفاته «مشاحذ الأفكار في مآخذ النظار» وشرحاه الكبير والصغير على «جمل الزجّاجي» ، وشرح أبيات الإيضاح العضدي، و «مقامات الحريري» ، وشرح معشّراته الغزليّة، ومكفّراته الزهدية، إلى غير ذلك، وهما مما أبان عن وفور علمه، وغزارة مادّته، واتّساع معارفه، وحسن تصرفه.
دخل غرناطة راويا عن الحسن بن الباذش ومثله.
محنته: كان يحضر مجلس عبد المؤمن «١» مع أكابر من يحضره من العلماء، فيشفّ على أكثرهم بما كان لديه من التحقيق بالمعارف، إلى أن أنشد أبا محمد عبد المؤمن أبياتا كان نظمها في أبي القاسم عبد المنعم بن محمد بن تست، وهي:
[المتقارب]
أبا قاسم والهوى جنّة «٢» ... وها أنا من مسّها لم أفق
تقحّمت جامح نار الضلوع ... كما خضت بحر دموع الحدق
أكنت الخليل، أكنت الكليم؟ ... أمنت الحريق، أمنت الغرق
فهجره عبد المؤمن، ومنعه من الحضور بمجلسه، وصرف بنيه عن القراءة عليه، وسرى ذلك في أكثر من كان يقرأ عليه، ويتردّد إليه، على أنه كان في الطبقة العليا من الطّهارة والعفاف.
شعره: قال في أبي القاسم المذكور: وكان أزرق، وقد دخل عليه ومعه أبو عبد الله محمد بن أحمد الشاطبي، وأبو عثمان سعيد بن قوسرة، فقال ابن قوسرة:
[الكامل]
عابوه بالزّرق الذي يجفونه ... والماء أزرق والعيون «٣» كذلكا
فقال أبو عبد الله الشّاطبي: [الكامل]
الماء يهدي للنفوس حياتها ... والرّمح يشرع للمنون مسالكا
стр. 855
فقال أبو بكر بن ميمون المترجم به: [الكامل]
وكذاك «١» في أجفانه سبب الرّدى ... لكن «٢» أرى طيب الحياة هنالكا
ومما استفاض من شعره قوله في زمن الصّبا، عفا الله عنه: [الكامل]
لا تكترث بفراق أوطان الصبا ... فعسى تنال بغيرهنّ سعودا
والدّرّ ينظم عند فقد بحاره ... بجميل أجياد الحسان عقودا
ومن مشهور شعره: [الطويل]
توسّلت يا ربي بأني مؤمن ... وما قلت أني سامع ومطيع
أيصلى بحرّ النار عاص موحّد ... وأنت كريم والرسول شفيع؟
وقال في مرضه: [مخلع البسيط]
أيرتجي العيش من عليه ... دلائل للرّدى جليّة؟
أوّلها مخبر بثان ... ذاك أمان وذا منيّه؟
وفاته: توفي بمراكش يوم الثلاثاء اثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة سبع وستين وخمسمائة، ودفن بمقبرة تاغزوت داخل مراكش، وقد قارب السبعين سنة.
محمد بن عبد الله بن عبد العظيم بن أرقم النّميري «٣»
من أهل وادي آش، يكنى أبا عامر.
حاله: كان «٤» أحد شيوخ بلده وطلبته «٥» ، مشاركا في فنون، من فقه وأدب وعربية، وهي أغلب الفنون عليه، مطّرح «٦» السّمت، مخشوشن الزّي، قليل المبالاة بنفسه، مختصرا في كافة شؤونه، مليح الدّعابة، شديد الحمل، كثير التواضع، وبيته معمور بالعلماء أولي الأصالة والتعيّن. تصدّر ببلده للفتيا والتدريس والإسماع.
стр. 856
مشيخته: قرأ «١» على الأستاذ القاضي أبي «٢» خالد بن أرقم، والأستاذ أبي العبّاس بن عبد النّور. وروى عن أبيه مديح رسول الله ﷺ ، وعن الوزير العالم أبي عبد الله بن ربيع، والقاضي أبي جعفر بن مسعدة، والأستاذ أبي جعفر بن الزبير، وولي الله الحسن بن فضيلة.
ورحل إلى العدوة، فأخذ بسبته عن الأستاذ أبي بكر بن عبيدة «٣» ، والإمام الزاهد أبي عبد الله بن حريث، وأبي عبد الله بن الخضار، وأبي القاسم بن الشّاط، وغيرهم.
شعره: وهو من الجزء المسمى ب «شعر من لا شعر له» والحمد لله. فمن ذلك قوله يمدح أبا زكريا العزفي بسبتة، ويذكر ظفره بالأسطول من قصيدة أولها «٤» :
[الكامل]
أمّا الوصال فإنّه كالعيد ... عذر المتيّم واضح في الغيد
وفاته: توفي ببلده عام أربعين وسبعمائة. ودخل غرناطة راويا ومتعلما، وغير ذلك.
محمد بن عبد الله بن يحيى بن عبد الله بن فرج ابن الجدّ الفهري
الحافظ الجليل، يكنى أبا بكر، جليل إشبيلية، وزعيم وقته في الحفظ. لبلي «٥» الأصل، إشبيلي، استدعاه السّيد أبو سعيد والي غرناطة، فأقام بها عنده في جملة من الفضلاء مثله سنين. ذكر ذلك صاحب كتاب «ثورة المريدين» «٦» .
حاله: كان في حفظ الفقه بحرا يغرف من محيط. يقال: إنه ما طالع شيئا من الكتب فنسيه، إلى الجلالة والأصالة، وبعد الصّيت، واشتهار المحلّ. وكان مع هذا يتكلّم عند الملوك، ويخطب بين يديها، ويأتي بعجاب، وفي كتاب «الإعلام» شيء من خبره، قال ابن الزبير.
стр. 857
مشيخته: روى عن أبي الحسن بن الأخضر، أخذ عنه كتاب سيبويه وغير ذلك، وعن أبي محمد بن عتّاب، وسمع عليه بعض الموطّإ، وعن أبي بحر الأسدي، وأبي الوليد بن طريف، وأبي القاسم بن منظور القاضي، وسمع عليه صحيح البخاري كله، وشريح بن محمد، وأبي الوليد بن رشد، وناوله كتاب «البيان والتحصيل» . وكتاب «المقدّمات» . لقي هؤلاء كلهم، وأجازوا له عامة. وأخذ أيضا عن مالك بن وهيب.
من حدّث عنه: أبو الحسن بن زرقون، وأبو محمد القرطبي الحافظ، وابنا حوط الله، وغيرهم. وعليه من ختمت به المائة السادسة كأبي محمد بن جمهور، وأبي العبّاس بن خليل، وإخوته الثلاثة أبي محمد عبد الله، وأبي زيد عبد الرحمن، وأبي محمد عبد الحق. قال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: حدّثني عنه ابن خليل وأبو القاسم الجيّاني، وأبو الحسن بن السّرّاج.
مولده: بلبلة في ربيع الأول سنة ست وتسعين وأربعمائة.
وفاته: وتوفي بإشبيلية في شوال سنة ست وثمانين وخمسمائة. ذكره ابن الملجوم، وأبو الربيع بن سالم، وابن فرتون.
محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن علي بن محمد ابن أحمد بن الفخّار الجذامي
يكنى أبا بكر، أركشي «١» المولد والمنشإ، مالقي «٢» الاستيطان، شريشي «٣» التدرّب والقراءة.
حاله: من «عائد الصّلة» : كان، ﵀، خيّرا صالحا، شديد الانقباض، مغرقا في باب الورع، سليم الباطن، كثير العكوف على العلم والملازمة، قليل الرياء والتصنّع. خرج من بلده أركش عند استيلاء العدو على قصبتها، وكان يصفها، وينشد فيها من شعر أستاذه الأديب أبي الحسن الكرماني: [المجتث]
أكرم بأركش دارا ... تاهت على البدر قدرا
стр. 858
يخاطب المجد عنها ... للقلب «١» تدني شكرا
واستوطن مدينة شريش، وقرأ بها، وروى بها عن علمائها، وأقرأ بها، ولمّا استولى العدوّ عليها لحق بالجزيرة الخضراء، فدرّس بها، ثم عبر البحر إلى سبتة، فقرأ بها وروّى. ثم كرّ إلى الأندلس، فقصد غرناطة، وأخذ عن أهلها. ثم استوطن مالقة، وتصدّر للإقراء بها؛ مفيد التعليم، متفنّنه، من فقه وعربية وقراءات وأدب وحديث، عظيم الصبر، مستغرق الوقت. يدرس من لدن صلاة الصبح إلى الزّوال. ثم يسند ظهره إلى طاق المسجد بعد ذلك، فيقرىء، وتأتيه النساء من خلفه للفتيا، فيفتيهنّ على حال سؤالاتهنّ إلى نصف ما بين العصر والعشاء الأولى. ثم يأتي المسجد الأعظم بعد الغروب، فيقعد للفتيا إلى العشاء الآخرة، من غير أن يقبل من أحد شيئا. ومن أخذ منه بعد تحكيم الورع، أثابه بمثله، ما رئي في وقته أورع منه. وكان يتّخذ روميّة مملوكة، لا يشتمل منزله على سواها، فإذا أنس منها الضّجر للحصر وتمادى الحجاب، أعتقها، وأصحبها إلى أرضها.
ونشأت بينه وبين فقهاء بلده خصومة في أمور عدّوها عليه، مما ارتكبها اجتهاده في مناط الفتوى، وعقد لهم أمير المسلمين بالأندلس مجلسا أجلى عن ظهوره فيه، وبقاء رسمه، فكانت محنة، وخلّصه الله منها. وبلغ من تعظيم الناس إيّاه، وانحياشهم إليه، مبلغا لم ينله مثله، وانتفع بتعليمه، واستفيد منه الأدب على نسكه وسذاجته.
مشيخته: قرأ ببلده شريش على المكتّب الحاج أبي محمد عبد الله بن أبي بكر بن داود القيسي، وعلى الأستاذ أبي بكر محمد بن محمد بن الرّياح، وعلى الأستاذ أبي الحسن علي بن إبراهيم بن حكيم السّكوني الكرماني؛ أخذ عنه العربية والأدب، وعلى الحافظ أبي الحسن علي بن عيسى، المعروف بابن متيوان، وعلى الأصولي الكاتب أبي الحسن هلال بن أبي سنان الأزدي المرّاكشي، وعلى الخطيب أبي العرب إسماعيل بن إبراهيم الأنصاري، وعلى الفقيه أبي عبد الله الجنيدي، المعروف بالغرّاق، وعلى الفقيه العددي أبي عبد الله محمد بن علي بن يوسف، المعروف بابن الكاتب المكناسي. وقرأ بالجزيرة الخضراء على الخطيب الصالح أبي محمد الرّكبي، وروى عنه، وقرأ بها على الخطيب أبي عبيد الله بن خميس، وعلى الأصولي أبي أميّة. وقرأ بسبتة على الأستاذ الفرضي إمام النحاة أبي الحسن بن أبي الربيع، وعلى أبي يعقوب المحبساني، وعلى المحدّث أبي عمرو عثمان بن عبد الله
стр. 859
العبدري، وعلى الفقيه المالكي الحافظ أبي الحسن المتيوي، والأصولي أبي الحسن البصري، والفقيه المعمّر الراوية أبي عبد الله محمد الأزدي، والمحدّث الحافظ أبي محمد بن الكمّاد، وعلى الأستاذ العروضي الكفيف أبي الحسن بن الخضّار التلمساني. ولقي بغرناطة قاضي الجماعة أبا القاسم بن أبي عامر بن ربيع، والأستاذ أبا جعفر الطبّاع، وأبا الوليد إسماعيل بن عيسى بن أبي الوليد الأزدي، والأستاذ أبا الحسن بن الصّائغ. ولقي بمالقة الخطيب الصالح أبا محمد عبد العظيم ابن الشيخ، والرّاوية أبا عبد الله محمد بن علي بن الحسن الجذامي السّهيلي. وسمع على الرّاوية أبي عمرو بن حوط الله، وعلى الأستاذ أبي عبد الله بن عباس القرطبي.
تواليفه: كان، ﵀، مغرّى بالتأليف، فألّف نحو الثلاثين تأليفا في فنون مختلفة، منها كتاب «تحبير نظم الجمان، في تفسير أم القرآن» ، و «انتفاع الطّلبة النّبهاء، في اجتماع السّبعة القرّاء» . و «الأحاديث الأربعون، بما ينتفع به القارئون والسّامعون» ، وكتاب «منظوم الدّرر، في شرح كتاب المختصر» ، و «كتاب نصح المقالة، في شرح الرسالة» ، وكتاب «الجواب المختصر المروم، في تحريم سكنى المسلمين ببلاد الرّوم» ، وكتاب «استواء النّهج، في تحريم اللعب بالشطرنج» ، وكتاب «الفيصل المنتضى المهزوز، في الرّد على من أنكر صيام يوم النّيروز» ، وكتاب «جواب البيان، على مصارمة أهل الزمان» ، وكتاب «تفضيل صلاة الصبح للجماعة في آخر الوقت المختار، على صلاة الصبح للمنفرد في أول وقتها بالابتدار» ، وكتاب «إرشاد السّالك، في بيان إسناد زياد عن مالك» ، وكتاب «الجوابات المجتمعة، عن السّؤالات المنوّعة» ، وكتاب «إملاء فوائد الدول، في ابتداء مقاصد الجمل» ، وكتاب «أجوبة الإقناع والإحساب، في مشكلات مسائل الكتاب» ، وكتاب «منهج الضّوابط المقسّمة، في شرح قوانين المقدّمة» ، وكتاب «التوجيه الأوضح الأسمى، في حذف التنوين من حديث أسما» ، وكتاب «التكملة والتّبرئة، في إعراب البسملة والتّصلية» ، وكتاب «سحّ مزنة الانتخاب، في شرح خطبة الكتاب» . ومنها اللّائح المعتمد عليه، في الردّ على من رفع الخبر بلا إلى سيبويه، وغير ذلك من مجيد ومقصر.
شعره: وشعره كثير، غريب النّزعة، دالّ على السّذاجة، وعدم الاسترابة والشعور، والغفلة المعربة عن السّلامة، من ارتكاب الحوشي، واقتحام الضّرار، واستعمال الألفاظ المشتركة التي تتشبّت بها أطراف الملاحين والمعاريض، ولع كثير من أهل زمانه بالرّدّ عليه، والتّملّح بما يصدر عنه، منهم القاضي أبو عبد الله بن عبد الملك.
стр. 860
ومن منتخب شعره قوله: [الكامل]
انظر إلى ورد الرّياض كأنّه ... ديباج خدّ في بنان زبرجد
قد فتّحته نضارة فبدا له ... في القلب رونق صفرة كالعسجد
حكت الجوانب خدّ حبّ ناعم ... والقلب يحكي خدّ صبّ مكمد
حدّث الفقيه العدل أبو جعفر أحمد بن مفضل المالقي، قال: قال لي يوما الشيخ الأستاذ أبو بكر بن الفخّار: خرجت ذات يوم وأنا شاب من حلقة الأستاذ بشريش، أعادها الله للإسلام، في جملة من الطلبة، وكان يقابل باب المسجد حانوت سرّاج، وإذا فتى وسيم في الحانوت يرقم جلدا كان في يده، فقالوا لي: لا تجاوز هذا الباب، حتى تصنع لنا شعرا في هذا الفتى. فقلت: [الوافر]
وربّ معذّر للحبّ داع ... يروق بهاء منظره البهيج
وشى في وجنتيه الحسن وشيا ... كوشي يديه في أدم السروج
مولده: بحصن أركش بلده، وكان لا يخبر به، في ما بين الثلاثين والأربعين وستمائة.
وفاته: توفي بمالقة في عام ثلاثة وعشرين وسبعمائة، وكانت جنازته بمالقة مشهورة.
محمد بن علي بن عمر بن يحيى بن العربي الغستاني
من أهل الحمّة «١» من عمل المريّة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن العربي، وينتمي في بني أسود من أعيانها.
حاله: من «العائد» : كان، ﵀، من أهل العلم والدين والفضل، طلق الوجه، حسن السّير، كثير الحياء، كأنّك إذا كلّمته تخاطب البكر العذراء، لا تلقاه إلّا مبتسما، في حسن سمت، وفضل هوى، وجميل وقار، كثير الخشوع، وخصوصا عند الدخول في الصّلاة، تلوح عليه بذلك، عند تلاوته سيما الحضور، وحلاوة الإقبال. وكان له تحقّق بضبط القراءات، والقيام عليها، وعناية بعلم العربية، مع مشاركة في غير ذلك من الفنون السّنية، والعلوم الدينية. انتصب للإقراء والتدريس
стр. 861
بالحمّة المذكورة، فقرّب النّجعة على أهل الحصون والقرى الشّرقية، فصار مجتمعا لأرباب الطّلب من أهل تلك الجهات ومرتفقاتهم. وكان رجلا صالحا، مبارك النيّة، حسن التّعليم، نفع الله به من هنالك، وتخرّج على يديه جمع وافر من الطّلبة، عمرت بهم سائر الحصون. وكان له منزل رحب للقاصدين، ومنتدى عذب للواردين. تجول في آخرة بالأندلس والعدوة «١» ، وأخذ عمن لقي بها من العلماء، وأقام مدّة بسبتة مكبّا على قراءة القرآن والعربية. وبعد عوده من تجواله لزم التصدّر للإقراء بحيث ذكر، وقد كانت الحواضر فقيرة لمثله، غير أنه آثر الوطن، واختار الاقتصاد.
مشيخته: أخذ بألمريّة عن شيخها أبي الحسن بن أبي العيش، وبغرناطة عن الأستاذ أبي جعفر بن الزّبير، والعدل أبي الحسن بن مستقور. وببلّش عن الأستاذ أبي عبد الله بن الكمّاد، والخطيب أبي جعفر بن الزيات. وبمالقة عن الأستاذ أبي عبد الله بن الفخّار، والشّيخ أبي عبد الله محمد بن يحيى بن ربيع الأشعري.
وبالجزيرة عن خطيبها أبي العبّاس بن خميس. وبسبتة عن الأستاذ أبي إسحاق الغافقي، والخطيب أبي عبد الله بن رشيد، والإمام الصالح أبي عبد الله محمد بن محمد بن حريث، والقاضي أبي عبد الله القرطبي، والزّاهد أبي عبد الله بن معلّى، والشيخ الخطيب أبي عبد الله الغماري. وبمكناسة من القاضي وارياش. وبفاس من الحاج الخطيب أبي الربيع سليمان بن مفتاح اللجّائي، والأستاذ أبي الحسن بن سليمان، والأستاذ أبي عبد الله بن أجروم الصّنهاجي، والحاج أبي القاسم بن رجا بن محمد بن علي وغيرهم، وكل من ذكر أجاز له عامة، إلّا قاضي مكناسة أبي عبد الله محمد بن علي الكلبي الشهير بوارياش.
مولده: في أول عام اثنين وثمانين وستمائة.
وفاته: توفي بالحمّة ليلة الاثنين الثامن عشر لشهر محرّم عام ثمانية وأربعين وسبعمائة.
محمد بن علي بن محمد العبدري «٢»
من أهل مالقة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف باليتيم.
стр. 862
حاله: كان، ﵀، أحد الظرفاء من أهل بلده، مليح الشكل، حسن الشّيبة، لوذعيا في وقار، رشيق النظم والنثر، غزلا مع الصّون، كثير الدّعابة من غير إفحاش، غزير الأدب، حسن الصّوت، رائق الخطّ، بديع الوراقة، معسول الألفاظ، ممتع المجالسة، طيّب العشرة، أدّب الصّبيان مدة، وعقد الشروط أخرى، وكان يقرأ كتب الحديث والتفسير والرّقائق للعامة بالمسجد الأعظم، بأعذب نغمة، وأمثل طريقة، مذ أزيد من ثلاثين سنة، لم يخل منها وقتا إلّا ليلتين، إحداهما بسبب امتساكنا به في نزهة برياض بعض الطلبة، لم يخلف مثله بعده. وخطب بقصبة مالقة، ومال أخيرا إلى نظر الطّب، فكان الناس يميلون إليه، وينتفعون به لسياغ مشاركته، وعموم انقياده، وبرّه، وعمله على التّودّد والتّجمّل.
وجرى ذكره في «التّاج المحلّى» بما نصّه «١» : مجموع أدوات حسان، من خطّ ونغمة ولسان، أوراقه «٢» روض تتضوّع نسماته، وبشره صبح تتألّق قسماته، ولا تخفى «٣» سماته. يقرطس أغراض الدّعابة ويصميها، ويفوّق سهام الفكاهة إلى مراميها، فكلّما صدرت في عصره قصيدة هازلة، أو أبيات منحطّة عن الإجادة نازلة، خمّس أبياتها وذيّلها، وصرف معانيها وسهّلها «٤» ، وتركها سمر النّدمان، وأضحوكة الزمان «٥» . وهو الآن خطيب المسجد الأعلى من مالقة «٦» ، متحلّ بوقار وسكينة، حالّ من أهلها بمكانة مكينة، لسهولة جانبه، واتّضاح مقاصده في الخير ومذاهبه. واشتغل لأوّل أمره بالتّعليم «٧» والتّكتيب، وبلغ الغاية في الوقار «٨» والتّرتيب، والشّباب «٩» لم ينصل خضابه، ولا سلّت للمشيب عضابه، ونفسه بالمحاسن كلفة صبّة «١٠» ، وشأنه كله هوى ومحبّة، ولذلك ما خاطبه به بعض أودّائه «١١» ، وكلاهما رمى أهله بدائه، حسبما يأتي خلال هذا القول «١٢» وفي أثنائه، بحول الله.
стр. 863
شعره: كتبت إليه أسأل منه ما أثبت في كتاب «التّاج» من شعره، فكتب إليّ «١» : [البسيط]
أمّا الغرام فلم أخلل بمذهبه ... فلم حرمت فؤادي نيل مطلبه؟
يا معرضا عن فؤاد لم يزل كلفا ... بحبّه ذا حذار من تجنّبه
قطعت عنه الذي عوّدته فغدا ... وحظّه من رضاه برق خلّبه «٢»
أيام وصلك مبذول، وبرّك بي ... مجدّد، قد صفا لي عذب مشربه
وسمع ودّك عن إفك العواذل في ... شغل وبدر الدّجى ناس لمغربه
لا أنت «٣» تمنعني نيل الرّضا كرما ... ولا فؤادي بوان في تطلّبه
لله عرفك ما أذكى تنسّمه ... لو كنت تمنحني استنشاق طيّبه
أنت الحبيب الذي لم أتّخذ بدلا ... منه وحاش لقلبي من تقلّبه
يا ابن الخطيب الذي قد فقت كلّ سنا ... أزال عن ناظري إظلام غيهبه
محمد الحسن في خلق وفي خلق ... أكملت «٤» باسمك معنى الحسن فازه به
نأيت «٥» أو غبت ما لي عن هواك غنى ... لا ينقص البدر حسنا في تغيّبه
سيّان حال التّداني والبعاد، وهل ... لمبصر البدر نيل في ترقّبه؟
يا من أحسن «٦» ظنّي في رضاه وما ... ينفكّ يبدي قبيحا من تغضّبه
إن كان ذنبي الهوى فالقلب منّي لا ... يصغي لسمع ملام من مؤنّبه
فأجبته بهذه الرسالة، وهي ظريفة في معناها «٧» :
«يا سيدي الذي إذا رفعت راية ثنائه تلقّيتها باليدين «٨» ، وإذا قسّمت سهام وداده
стр. 864
على ذوي اعتقاده كنت صاحب الفريضة «١» والدّين، دام بقاؤك لطرفة «٢» تبديها، وغريبة تردفها بأخرى تليها، وعقيلة بيان تجلّيها، ونفس أخذ الحزن بكظمها، وكلف الدّهر بشتّ نظمها، تؤنسها وتسلّيها، لم أزل أعزّك الله، أشدّ على بدائعها «٣» يد الضّنين «٤» ، وأقتني درر كلامك، ونفثات أقلامك، اقتناء الدّرّ الثمين، والأيام بلقياك تعد، ولا تسعد، وفي هذه الأيام انثالت عليّ سماوك بعد قحط، وتوالت «٥» عليّ آلاوك على شحط «٦» ، وزارتني من عقائل بيانك كلّ فاتنة الطّرف، عاطرة العرف، رافلة في حلل البيان والظّرف، لو ضربت بيوتها بالحجاز، لأقرّت لنا العرب العاربة بالإعجاز، ما شئت من رصف المبنى، ومطاوعة اللّفظ لغرض المعنى، وطيب الأسلوب، والتّشبّث بالقلوب، غير أن سيّدي أفرط في التّنزّل، وخلط المخاطبة بالتّغزّل، وراجع الالتفات، ورام استدراك ما فات. يرحم «٧» الله شاعر المعرّة، فلقد أجاد في قوله، وأنكر مناجاة الشّوق «٨» بعد انصرام حوله، فقال «٩» : [البسيط]
أبعد حول تناجي الشّوق «١٠» ناجية ... هلّا ونحن على عشر من العشر «١١»
وقد «١٢» تجاوزت في الأمد «١٣» ، وأنسيت أخبار صاحبك عبد الصّمد، فأقسم بألفات القدود، وهمزات الجفون السّود، وحاملي «١٤» الأرواح مع الألواح، بالغدوّ والرّواح، لولا بعد مزارك، ما أمنت غائلة ما تحت إزارك. ثمّ إنّي حقّقت الغرض، وبحثت عن المشكل الذي عرض، فقلت: للخواطر انتقال، ولكلّ مقام مقال، وتختلف الحوائج باختلاف الأوقات، ثم رفع اللّبس خبر الثّقات.
стр. 865
ومنها «١» : وتعرّفت ما كان من مراجعة سيدي لحرفة التّكتيب والتّعليم، والحنين إلى العهد القديم، فسررت باستقامة حاله، وفضل ماله، وإن لا حظ الملاحظ «٢» ، ما قال الجاحظ «٣» ، فاعتراض لا يردّ، وقياس لا يضطرد «٤» ، حبّذا والله عيش أهل «٥» التّأديب، فلا بالضّنك ولا بالجديب «٦» ، معاهدة الإحسان، ومشاهدة الصّور الحسان، يمينا إنّ المعلّمين، لسادة المسلمين، وإنّي لأنظر منهم كلما خطرت على المكاتب، أمراء «٧» فوق المراتب، من كل مسيطر الدّرّة، متقطّب الأسرّة، متنمّر للوارد تنمّر الهرّة، يغدو إلى مكتبه، كالأمير»
في موكبه، حتى إذا استقلّ في فرشه، واستولى على عرشه، وترنّم بتلاوة قالونه «٩» وورشه، أظهر للخلق احتقارا، وأزرى «١٠» بالجبال وقارا، ورفعت إليه الخصوم، ووقف بين يديه الظّالم والمظلوم، فتقول: كسرى في إيوانه، والرّشيد في زمانه «١١» ، والحجّاج بين أعوانه. وإذا «١٢» استولى على البدر السّرار، وتبيّن للشهر الغرار «١٣» ، تحرّك «١٤» إلى الخرج «١٥» ، تحرّك العود «١٦» إلى الفرج، أستغفر الله مما يشقّ على سيدي سماعه، وتشمئزّ من ذكره «١٧» طباعه، شيم اللّسان، خلط الإساءة بالإحسان، والغفلة من صفات الإنسان. فأيّ عيش هذا «١٨» العيش، وكيف حال أمير هذا الجيش؟ طاعة معروفة، ووجوه إليه مصروفة، فإن أشار بالإنصات، تتحقق الغصّات «١٩» ، فكأنّما طمس الأفواه «٢٠» ، ولأم بين الشّفاه، وإن أمر بالإفصاح، وتلاوة الألواح، علا الضّجيج والعجيج، وحفّ به كما حفّ بالبيت الحجيج. وكم بين ذلك من رشوة تدسّ، وغمزة لا تحسّ، ووعد يستنجز، وحاجة تستعجل وتحفز. هنّأ الله سيدي ما خوّله، وأنساه بطيب آخره أوّله. وقد بعثت
стр. 866
بدعابتي هذه مع إجلال قدره، والثّقة بسعة صدره، فليتلقّها بيمينه، ويفسح لها في المرتبة بينه وبين خدينه «١» ، ويفرغ لمراجعتها وقتا من أوقاته عملا «٢» بمقتضى دينه، وفضل يقينه، والسّلام.
ومن شعره ما كتب به إليّ «٣» : [الكامل]
آيات حسنك حجّة للقال «٤» ... في الحبّ قائمة على العذّال
يا من سبى طوعا عقول ذوي النّهى ... ببلاغة قد أيّدت بجمال
يستعبد الأبصار والأسماع ما ... يجلو ويتلو من سنيّ مقال
وعليك أهواء النفوس بأسرها ... وقفت فغيرك «٥» لا يمرّ ببال
رفعت لديك «٦» في البلاغة راية ... لمّا احتللت بها وحيد كمال
وغدت تباهي منك بالبدر الذي ... تعنو البدور لنوره المتلالي
ماذا ترى يا ابن الخطيب لخاطب «٧» ... ودّا ينافس فيك كلّ مغال «٨» ؟
جذبته نحو هواك غرّ محاسن ... مشفوعة أفرادها بمعال
وشمائل رقّت لرقّة طبعها ... فزلالها يزري بكل زلال
وحليّ آداب بمثل نفيسها ... تزهو الحلى ويجلّ قدر الحالي
تستخدم «٩» الياقوت عند نظامها ... فمقصّر من قاسها بلآل
سبق الأخير الأوّلين بفضلها ... فغدا المقدّم تابعا للتّالي
شغفي ببكر «١٠» من عقائلها إذا ... تبدو تصان من الحجى بحجال
فابعث بها بنت «١١» المنى ممهورة ... طيب الثّناء لنقدها والكالي
لا زلت شمسا في الفضائل يهتدى ... بسناك في الأفعال والأقوال «١٢»
ثم السّلام عليك يترى ما تلت ... بكر الزّمان روادف الآصال
стр. 867
ومن الدّعابة، وقد وقعت إليها الإشارة من قبل، ما كتب به إليه صديقه الملاطف أبو علي بن عبد السّلام «١» : [الوافر]
أبا عبد الله نداء خلّ ... وفيّ جاء يمنحك النّصيحه
إلى كم تألف الشّبان غيّا ... وخذلانا، أما تخشى الفضيحة؟
فأجابه ﵀: [الوافر]
فديتك، صاحب السّمة المليحه ... ومن طابت أرومته الصّريحه
ومن قلبي وضعت له محلّا ... فما عنه يحلّ بأن أزيحه
نأيت فدمع عيني في انسكاب ... وأكباد «٢» لفرقتكم قريحه
وطرفي لا يتاح له رقاد ... وهل نوم لأجفان جريحه؟
وزاد تشوّقي أبيات شعر ... أتت منكم بألفاظ فصيحه
ولم تقصد بها جدّا، ولكن ... قصدت بها مداعبة قبيحه «٣»
فقلت: أتألف الشبّان غيّا ... وخذلانا، أما تخشى الفضيحه؟
وفيهم «٤» حرفتي وقوام عيشي ... وأحوالي بخلطتهم نجيحه
وأمري فيهم أمر مطاع ... وأوجههم مصابيح صبيحه
وتعلم أنّني رجل حصور «٥» ... وتعرف ذاك معرفة صحيحه
قال في «التّاج» : ولمّا «٦» اشتهر المشيب بعارضه ولمّته، وخفر الدهر لعمود «٧» صباه وأذمّته، أقلع واسترجع، وتألّم لما فرط وتوجّع، وهو الآن من جلّة الخطباء طاهر العرض والثّوب، خالص من الشّوب، باد عليه قبول قابل التوب.
وفاته ﵀: في آخر صفر من عام خمسين وسبعمائة في وقيعة الطاعون العام، ودخل غرناطة.
стр. 868
ومن الغرباء في هذا الباب
محمد بن أحمد بن محمد ابن محمد بن أبي بكر بن مرزوق العجيسي»
من أهل تلمسان، يكنى أبا عبد الله، ويلقب من الألقاب المشرقية بشمس الدين.
حاله: هذا «٢» الرجل من طرف دهره ظرفا وخصوصيّة ولطافة، مليح التوسّل، حسن اللقاء، مبذول البشر، كثير التّودّد، نطيف البزّة، لطيف التّأنّي «٣» ، خيّر البيت، طلق الوجه، خلوب اللسان، طيّب الحديث، مقدر الألفاظ، عارف بالأبواب، درب على صحبة الملوك والأشراف، متقاض لإيثار السلاطين والأمراء، يسحرهم بخلابة لفظه، ويفتلهم «٤» في الذّروة والغارب بتنزّله، ويهتدي إلى أغراضهم الكمينة بحذقه، ويصنع «٥» غاشيتهم بتلطّفه، ممزوج الدّعابة بالوقار، والفكاهة بالنّسك، والحشمة بالبسط، عظيم المشاركة لأهل ودّه، والتّعصّب لإخوانه، إلف مألوف، كثير الأتباع والعلق «٦» ، مسخّر الرّقاع في سبيل الوساطة، مجدي الجاه، غاصّ المنزل بالطّلبة، منقاد الدّعوة، بارع الخطّ أنيقه، عذب التّلاوة، متّسع الرّواية، مشارك في فنون من أصول وفروع وتفسير، يكتب ويشعر ويقيّد ويؤلّف، فلا يعدو السّداد في ذلك، فارس منبر، غير جزوع ولا هيابة «٧» . رحل إلى المشرق في كنف حشمة من جناب والده، ﵀، فحجّ وجاور، ولقي الجلّة، ثم فارقه، وقد عرف بالمشرق حقّه، وصرف وجهه إلى المغرب، فاشتمل عليه السلطان أبو الحسن أميره اشتمالا خلطه بنفسه، وجعله مفضى سرّه، وإمام جمعته، وخطيب منبره، وأمين رسالته، فقدم في غرضها على الأندلس في «٨» أواخر عام ثمانية وأربعين وسبعمائة، فاجتذبه «٩» سلطانها، ﵀، وأجراه على تلك الوتيرة، فقلّده الخطبة بمسجده في السادس لصفر عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة، وأقعده للإقراء بالمدرسة من حضرته. وفي أخريات عام أربعة
стр. 869
وخمسين «١» بعده أطرف عنه جفن برّه، في أسلوب طماح، ودالّة، وسبيل هوى وقحة، فاغتنم العبرة «٢» ، وانتهز الفرصة، وأنفذ في الرّحيل العزمة، وانصرف عزيز الرّحلة، مغبوط المنقلب، في أوائل شعبان عام أربعة وخمسين وسبعمائة «٣» ، فاستقرّ بباب ملك المغرب، أمير المؤمنين أبي عنان فارس في محلّ تجلّة، وبساط قرب، مشترك الجاه، مجدي التوسّط، ناجع الشّفاعة، والله يتولّاه ويزيده من فضله.
مشيخته: من كتابه المسمى «عجالة المستوفز المستجاز في ذكر من سمع من المشايخ دون من أجاز، من أئمة المغرب والشّام والحجاز» : فممن «٤» لقيه بالمدينة المشرّفة على ساكنها الصلاة والسلام، الإمام العلّامة عزّ الدين محمد أبو الحسن بن علي بن إسماعيل الواسطي، صاحب خطّتي الإمامة والخطابة بالمسجد النبوي «٥» الكريم، وأفرد جزءا في مناقبه. ومنهم الشيخ الإمام جمال الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن خلف بن عيسى الخزرجي السّعدي العبادي، تحمّل عن عفيف الدين أبي محمد عبد السلام بن مزروع وأبي اليمن وغيره. والشيخ الإمام خادم الوقت بالمسجد الكريم، ونائب الإمامة والخطابة به، ومنشد الأمداح النبوية هنالك وبمكة، شرّفها الله، الشيخ المعمّر الثّقة شرف الدين أبو عبد الله عيسى بن عبد الله الحجي «٦» المكيّ. والشيخ الصالح شرف الدين خضر بن عبد الرحمن العجمي.
والشيخ مقرئ الحرم برهان الدين إبراهيم بن مسعود بن إبراهيم الآبلي «٧» المصري.
والشيخ الإمام الصالح أبو محمد عبد الله بن أسعد الشافعي الحجّة، انتهت إليه الرّياسة العلمية والخطط الشّرعية بالحرم. والشيخ قاضي القضاة وخطيب الخطباء عز الدين أبو عمر عبد العزيز بن محمد بن جماعة الكناني، قاضي القضاة بمصر «٨» .
وبمصر الشيخ علاء الدين القونوي. والتّقي السعدي، وقاضي القضاة القزويني، والشرف أقضى القضاة الإخميمي، وكثيرون غيرهم. وسمع من عدد عديد آخر من أعلام القضاة والحفّاظ والعلماء بتونس، وبجاية، والزّاب، وتلمسان.
محنته: اقتضى «٩» الخوض الواقع بين يدي تأميل الأمير أبي الحسن، ﵀، وتوقّع «١٠» عودة الأمر إليه، وقد ألقاه اليمّ بالسّاحل بمدينة الجزائر، أن قبض
стр. 870
عليه بتلمسان أمراؤها المتوثّبون عليها في هذه الفترة من بني زيّان، إرضاء لقبيلهم المتّهم بمداخلته، وقد رحل عنهم دسيسا من أميرهم عثمان بن يحيى بن عبد الرحمن بن يغمراسن، فصرف مأخوذا عليه طريقه، منتهبا رحله، منتهكة حرمته، وأسكن قرارة مطبق عميق القعر، مقفل المسلك، حريز القفل، ثاني اثنين. ولأيام قتل ثانيه ذبحا بمقربة من شفى تلك الرّكيّة، وانقطع لشدّة الثّقاف «١» أثره، وأيقن الناس بفوات الأمر فيه. ولزمان من محنته ظهرت عليه بركة سلفه في خبر ينظر بطرفه إلى الكرامة، فنجا ولا تسل كيف، وخلّصه الله خلاصا جميلا، وقدم على الأندلس، والله ينفعه بمحنته «٢» .
شعره، وما وقع من المكاتبة بيني وبينه: ركب «٣» مع السلطان خارج «٤» الحمراء، أيام ضربت اللّوز قبابها البيض، وزيّنت الفحص العريض، والرّوض الأريض «٥» ، فارتجل في ذلك: [الكامل]
انظر إلى النّوار في أغصانه ... يحكي النجوم إذا تبدّت في الحلك
حيّا أمير المسلمين وقال: قد ... عميت بصيرة من بغيرك مثّلك «٦»
يا يوسفا حزت الجمال بأسره ... فمحاسن الأيام تومي هيت لك «٧»
أنت الذي صعدت به أوصافه ... فيقال فيه: ذا مليك أو ملك «٨»
ولما قدمت على مدينة فاس في غرض الرسالة، خاطبني بمنزل الشاطبي على مرحلة منها بما نصه «٩» : [الكامل]
يا قادما وافى بكلّ نجاح ... أبشر بما تلقاه من أفراح
هذي ذرى ملك الملوك فلذ بها ... تنل المنى وتفز بكلّ سماح
مغنى الإمام أبي عنان يمّمن ... تظفر ببحر في العلى طفّاح
стр. 871
من قاس جود أبي عنان ذي «١» الندى ... بسواه قاس البحر بالضّحضاح «٢»
ملك يفيض على العفاة نواله ... قبل السّؤال وقبل بسطة راح
فلجود كعب وابن سعدى «٣» في الندى ... ذكر محاه من نداه ماح
ما أن رأيت ولا سمعت بمثله «٤» ... من أريحيّ للندى مرتاح
بسط الأمان على الأنام فأصبحوا ... قد ألحفوا منه بظلّ جناح
وهمى على العافين سيب نواله ... حتى حكى سحّ الغمام الساحي
فنواله وجلاله وفعاله ... فاقت وأعيت ألسن المدّاح
وبه الدّنا أضحت تروق وأصبحت ... كلّ المنى تنقاد بعد جماح
من كان ذا ترح فرؤية وجهه ... متلافة الأحزان والأتراح
فانهض أبا عبد الإله تفز بما ... تبغيه من أمل ونيل نجاح
لا زلت ترتشف الأماني راحة ... من راحة المولى بكلّ صباح
والحمد»
لله يا سيدي وأخي على نعمه التي لا تحصى، حمدا يؤمّ به جميعنا المقصد الأسنى، فيبلغ الأمد الأقصى، فطالما كان معظّم سيدي للأسى في خبال، وللأسف بين اشتغال بال، واشتغال بلبال «٦» . ولقدومكم على هذا المقام «٧» العلي في ارتقاب، ولمواعدكم «٨» بذلك في تحقّق وقوعه من غير شكّ ولا ارتياب، فها أنت تجتلي، من هذا المقام العلي، لتشيّعك «٩» وجوه المسرّات صباحا، وتتلقّى أحاديث مكارمه ومواهبه مسندة صحاحا، بحول الله. ولسيدي الفضل في قبول مركوبه الواصل إليه بسرجه ولجامه، فهو من بعض ما لدى المحب «١٠» من إحسان مولاي «١١» وإنعامه. ولعمري لقد كان وافدا على سيدي في مستقرّه مع غيره. فالحمد لله الذي يسّر في إيصاله، على أفضل أحواله.
فراجعته بقولي «١٢» : [الكامل]
راحت تذكّرني كؤوس الرّاح ... والقرب يخفض للجنوح جناحي
стр. 872
وسرت تدلّ على القبول كأنما ... دلّ النسيم على انبلاج صباح
حسناء قد غنيت بحسن صفاتها ... عن دملج وقلادة ووشاح
أمست تحضّ على اللّياذ بمن جرت ... بسعوده الأقلام في الأفراح «١»
بخليفة الله المؤيّد فارس ... شمس المعالي الأزهر الوضّاح
ما شئت من همم «٢» ومن شيم غدت ... كالزّهر أو كالزّهر في الأدواح
فضل الملوك فليس يدرك شأوه ... أنّى يقاس الغمر بالضّحضاح؟
أسنى بني عبّاسهم بلوائه ال ... منصور أو بحسامه السّفّاح
وغدت مغاني الملك لمّا حلّها ... تزهى ببدر هدى وبحر سماح
وحياة من أهداك تحفة قادم ... في العرف منها راحة الأرواح
ما زلت أجعل ذكره وثناءه ... روحي وريحاني الأريج وراحي
ولقد تمازج حبّه بجوارحي ... كتمازج الأجسام بالأرواح
ولو أنني أبصرت يوما في يدي ... أمري لطرت إليه دون جناح
فالآن ساعدني الزّمان وأيقنت ... من قربه نفسي بفوز قداحي
إيه أبا عبد الإله وإنه ... لنداء ودّ في علاك صراح
أما إذا استنجدتني من بعد ما ... ركدت لما خبت الخطوب رياحي
فإليكها مهزولة وأنا امرؤ ... قرّرت عجزي واطّرحت سلاحي
سيدي «٣» ، أبقاك الله لعهد تحفظه، ووليّ بعين الولاء تلحظه، وصلتني رقعتك التي ابتدعت «٤» ، وبالحق من مدح «٥» المولى الخليفة صدعت، وألفتني وقد سطت بي الأوحال «٦» ، حتى كادت تتلف الرّحال، والحاجة إلى الغذاء قد شمّرت كشح البطين، وثانية العجماوين «٧» قد توقع فوات وقتها وإن كانت صلاتها صلاة الطّين، والفكر قد غاض معينه، وضعف وعلى الله جزاء المولى الذي يعينه، فغزتني بكتيبة بيان أسدها هصور، وعلمها منصور، وألفاظها ليس فيها قصور، ومعانيها عليها الحسن مقصور، واعتراف مثلي بالعجز في المضايق حول ومنّة، وقول «لا أدري» للعالم فكيف لغيره
стр. 873
جنّة، لكنها بشّرتني بما يقلّ لمهديه «١» بذل النفوس وإن جلّت، وأطلعتني من السرّاء على وجه تحسده الشمس إذا تجلّت، بما أعلمت «٢» به من جميل اعتقاد مولانا أمير المؤمنين أيّده الله، في عبده، وصدق المخيلة في كرم مجده. وهذا هو الجود المحض، والفضل الذي شكره هو الفرض. وتلك الخلافة المولويّة تتّصف بصفة «٣» من يبدأ بالنّوال، من قبل الضّراعة والسؤال، من غير اعتبار للأسباب ولا مجازاة للأعمال. نسأل الله أن يبقي منها على الإسلام أوفى الظّلال، ويبلغها من فضله أقصى الآمال. ووصل ما بعثه سيدي صحبتها من الهديّة، والتحفة الوديّة، وقبلتها امتثالا، واستجليت منها عتقا وجمالا. وسيدي في الوقت أنسب إلى اتخاذ «٤» ذلك الجنس، وأقدر على الاستكثار من إناث البهم والإنس. وأنا ضعيف القدرة، غير مستطيع لذلك إلّا في النّدرة، فلو رأى سيدي، ورأيه سداد، وقصده فضل ووداد، أن ينقل القضيّة إلى باب العارية من باب الهبة، مع وجوب «٥» الحقوق المترتّبة، لبسط خاطري وجمعه، وعمل في رفع المؤنة على شاكلة حالي معه، وقد استصحبت مركوبا يشقّ عليّ هجره، ويناسب مقامي شكله ونجره «٦» ، وسيدي في الإسعاف على الله أجره، وهذا أمر عرض، وفرض فرض، وعلى نظره المعوّل، واعتماد إغضائه هو المعقول الأول. والسلام على سيدي من معظّم قدره، وملتزم برّه، ابن الخطيب، في ليلة الأحد السابع والعشرين لذي قعدة سنة «٧» خمس «٨» وخمسين وسبعمائة، والسّماء قد جادت بمطر سهرت منه الأجفان، وظنّ أنه طوفان، واللّحاف في غد «٩» بالباب المولوي، مؤمل بحول الله.
ومن الشعر المنسوب إلى محاسنه، ما أنشد عنه، وبين يديه، في ليلة الميلاد المعظم، من عام ثلاثة وستين وسبعمائة بمدينة فاس المحروسة «١٠» : [مجزوء الرجز]
أيا نسيم «١١» السّحر ... بالله «١٢» بلّغ خبري
إن أنت يوما بالحمى ... جررت فضل المئزر
стр. 874
ثم حثثت الخطو من ... فوق الكثيب الأعفر
مستقريا في عشبه ... خفيّ «١» وطء المطر
تروي عن الضّحاك في الر ... وض حديث الزّهر
مخلّق الأذيال بال ... عبير أو بالعنبر
وصف لجيران الحمى ... وجدي بهم وسهري
وحقّهم ما غيّرت ... ودّي صروف الغير
لله عهد فيه قضّ ... يت حميد الأثر
أيّامه هي التي ... أحسبها من عمري
وبالليل فيه ما ... عيب بغير القصر
العمر فينان ووج ... هـ الدهر طلق الغرر
والشّمل بالأحباب من ... ظوم كنظم الدّرر
صفو من العيش بلا ... شائبة من كدر
ما بين أهل تقطف ال ... أنس جنيّ الثمر
وبين آمال تبي ... ح القرب صافي الغدر «٢»
يا شجرات الحيّ حيّ ... اك الحيا من شجر
إذا أجال الشوق في ... تلك المغاني فكري
خرّجت من خدّي حدي ... ث الدمع فوق الطّرر
وقلت يا خدّ أرو من ... دمعي صحاح الجوهري
عهدي بحادي «٣» الرّكب كال ... ورقاء عند السّحر
والعيس تجتاب الفلا ... واليعملات تنبري «٤»
تخبط بالأخفاف مظ ... لوم البرى وهو بري «٥»
قد عطفت عن ميد ... والتفتت» عن حور
стр. 875
قسيّ سير «١» ما سوى ال ... عزم لها من وتر
حتى إذا الأعلام حل ... لت لحفيّ البشر
واستبشر النازح بال ... قرب ونيل الوطر
وعيّن الميقات للسّ ... فر «٢» نجاح السّفر
والناس «٣» بين محرم ... بالحجّ أو معتمر
لبّيك لبيك إل ... هـ الخلق باري الصّور
ولاحت الكعبة بي ... ت الله ذات الأثر
مقام إبراهيم وال ... مأمن عند الذّعر
واغتنم القوم طوا ... ف القادم المبتدر «٤»
وأعقبوا ركعتي السّ ... عي استلام الحجر
وعرّفوا في عرفا ... ت كلّ عرف أذفر «٥»
ثم أفاض الناس سع ... يا في غد للمشعر «٦»
فوقفوا وكبّروا ... قبل الصباح المسفر
وفي منّى نالوا المنى ... وأيقنوا بالظّفر
وبعد رمي الجمرا ... ت كان خلق الشّعر
أكرم بذاك الصّحب «٧» وال ... له وذاك النّفر «٨»
يا فوزه من موقف ... يا ربحه من متجر
حتى إذا كان الودا ... ع وطواف الصّدر «٩»
فأيّ صبر لم يخن ... أو جلد لم يغدر «١٠»
وأيّ وجد لم يصل ... وسلوة لم تهجر
стр. 876
ما أفجع البين لقل ... ب الواله المستغفر «١»
ثم ثنوا نحو رسو ... ل الله سير الضّمّر
فعاينوا في طيبة ... لألاء نور نيّر
زاروا رسول الله واس ... تشفعوا بلثم الجدر
نالوا به ما أمّلوا ... وعرّجوا في الأثر
على الضّجيعين أبي ... بكر الرّضا وعمر
زيارة الهادي الشّفي ... ع جنّة «٢» في المحشر
فأحسن الله عزا ... ء قاصد لم يزر
ربع ترى مستنزل ال ... آي به والسّور
وملتقى جبريل بال ... هادي الزّكيّ العنصر «٣»
وروضة الجنّة ب ... ين روضة ومنبر
منتخب الله ومخ ... تار الورى من مضر
والمنتقى والكون من ... ملابس الخلق عري
إذ لم يكن في أفق ... من زحل أو مشتري «٤»
ذو المعجزات الغرّ أم ... ثال النجوم الزّهر
يشهد بالصّدق له ... منها انشقاق القمر «٥»
والضّبّ والظّبي إلى ... نطق الحصى والشّجر
من أطعم الألف بصا ... ع في صحيح الخبر
والجيش روّاه بما ... ء الرّاحة المنهمر
يا نكتة الكون التي ... فاتت منال الفكر «٦»
يا حجّة الله على ال ... رائح والمبتكر
يا أكرم الرّسل على ال ... له وخير البشر
стр. 877
يا من له التّقدم ال ... حقّ على التّأخر
يا من لدى مولده ... المقدّس المطهّر
إيوان كسرى ارتجّ إذ ... ضاقت «١» قصور قيصر
وموقد النار طفا ... كأنها لم تسعر «٢»
يا عمدتي يا ملجئي ... يا مفزعي يا وزري
يا من له اللّواء وال ... حوض وورد الكوثر
يا منقذ الغرقى وهم ... رهن العذاب الأكبر
إن لم تحقّق أملي ... بؤت بسعي المخسر
صلّى عليك الله يا ... نور الدّجا المعتكر
يا ويح نفسي كم أرى ... من غفلتي في غمر «٣»
وا حسرتا «٤» من قلّة ال ... زّاد وبعد السّفر
يحجّني والله بال ... برهان وعظ المنبر
يا حسنها من خطب ... لو حرّكت من نظري «٥»
يا حسنها من شجر ... لو أورقت من ثمر
أومّل الأوبة وال ... أمر بكفّ القدر
أسوف العزم بها «٦» ... من شهر لشهر
من صفر لرجب ... من رجب لصفر
ضيّعت في الكبرة ما ... أعددته في صغري
وليس ما مرّ من ال ... أيام بالمنتظر
وقلّ ما أن حمدت ... سلامة في غرر
ولي غريم لا يني ... عن «٧» طلب المنكسر
يا نفس جدّي قد بدا ال ... صبح ألا فاعتبري
واتّعظي بمن مضى ... وارتدعي وازدجري
стр. 878
ما بعد شيب الفود من ... مرتقب فشمّري
أنت وإن طال المدى ... في قلعة «١» أو سفر «٢»
وليس من عذر يقي ... م حجّة المعتذر
يا ليت شعري والمنى ... تسرق طيب العمر
هل أرتجي من عودة ... أو رجعة أو صدر
فأبرّد الغلّة من ... ذاك الزّلال الخصر «٣» ؟
مقتديا بمن مضى ... من سلف ومعشر
نالوا جوار الله وهـ ... والفخر للمفتخر
أرجو بإبراهيم مو ... لانا بلوغ الوطر
فوعده لا يمتري ... في الصّدق منه الممتري «٤»
فهو «٥» الإمام المرتضى ... والخيّر ابن الخيّر
أكرم من نال المنى «٦» ... بالمرهفات البتر
ممهّد الملك وسي ... ف الحقّ والليث الجري
خليفة الله الذي ... فاق بحسن السّير
وكان منه الخبر في ال ... علياء وفق الخبر
فصدّق التّصديق من ... مرآه للتّصور
ومستعين الله في ... ورد له وصدر
فاق الملوك الصّيدا «٧» بال ... مجد الرّفيع الخطر
فأصبحت ألقابهم ... منسيّة لم تذكر
وحاز منهم «٨» أوحد ... وصف العديد الأكثر
برأيه المأمون أو ... عسكره المظفّر
بسيفه السّفاح أو ... بعزمه المقتدر»
стр. 879
بالعلم المنصور أو ... بالذّابل المستنصر «١»
بابن «٢» الإمام الط ... اهر البرّ الزّكي السّير
مدحك قد علّم نظ ... م الشّعر من لم يشعر
جهد المقلّ اليوم من ... مثلي كوسع المكثر
فإن يقصّر ظاهري ... فلم يقصّر مضمري
ووردت «٣» على «٤» باب السلطان الكبير العالم «٥» أبي عنان، فبلوت من مشاركته، وحميد سعيه ما يليق بمثله. ولمّا نكبه لم أقصّر عن ممكن حيلة في أمره.
ولما «٦» هلك السلطان أبو عنان، ﵀، وصار الأمر لأخيه المتلاحق من الأندلس أبي سالم بعد الولد المسمّى بالسّعيد، كان ممن دمث «٧» له الطّاعة، وأناخ راحلة الملك، وحلب ضرع الدّعوة «٨» ، وخطب عروس الموهبة، فأنشب ظفره في متات معقود من لدن الأب، مشدود من لدن القربة «٩» ، فاستحكم عن قرب، واستغلظ عن كثب، فاستولى على أمره، وخلطه بنفسه، ولم يستأثر عنه ببثّه، ولا انفرد بما سوى بضع أهله، بحيث لا يقطع في شيء إلّا عن رأيه، ولا يمحو ويثبت إلّا واقفا عند حدّه، فغشيت بابه الوفود، وصرفت إليه الوجوه، ووقفت عليه الآمال، وخدمته الأشراف وجلبت إلى سدّته بضائع العقول والأموال، وهادته الملوك، فلا تحدو «١٠» الحداة إلّا إليه، ولا تحطّ الرّحال إلّا لديه. إن حضر أجري الرسم، وأنفذ الأمر والنّهي، لحظا أو سرارا أو مكاتبة، وإن غاب، تردّدت الرّقاع، واختلفت الرّسل. ثم انفرد أخيرا ببيت الخلوة، ومنتبذ المناجاة، من دونه مصطفّ الوزراء، وغايات الحجّاب، فإذا انصرف تبعته الدّنيا، وسارت بين يديه الوزراء، ووقفت ببابه الأمراء، قد وسع الكلّ لحظه، وشملهم بحسب الرّتب والأموال رعيه، ووسم أفذاذهم تسويده، وعقدت ببنان عليتهم بنانه. لكن رضى الناس غاية «١١» لا تدرك، والحقد «١٢» بين بني آدم قديم، وقبيل الملك مباين لمثله، فطويت الجوانح منه «١٣» على سل،
стр. 880
وحنيت الضّلوع على بثّ، وأغمضت الجفون على قذى، إلى أن كان من نكبته «١» ما هو معروف، جعلها الله له طهورا.
ولمّا جرت الحادثة على السلطان «٢» بالأندلس، وكان لحاق جميعنا بالمغرب، جنيت ثمرة ما أسلفته في ودّه، فوفّى كيل «٣» الوفا، وأشرك في الجاه، وأدرّ الرّزق، ورفع المجلس بعد التّسبيب «٤» في الخلاص والسّعي في الجبر، جبره الله تعالى، وكان له أحوج ما يكون إلى ذلك، يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)
«٥» .
ولما انقضى أمر سلطانه، ﵀، وقذف به بحر التّمحيص إلى شطّه، وأضحى جوّ النّكبة بعد انطباقه، آثر التّشريق بأهله وجملته، واستقرّ بتونس خطيب الخلافة، مقيما على رسمه من التّجلّة، ذائع الفضل هنالك والمشاركة، وهو بحاله الموصوفة إلى الآن، كان الله له.
وكنت «٦» أحسست منه في بعض الكتب «٧» الواردة صاغية إلى الدّنيا، وحنينا لما فارق «٨» من غرورها، فحملني الطّور الذي ارتكبته في هذا الأيام، بتوفيق الله، على أن خاطبته «٩» بهذه الرسالة، وحقّها أن يجعلها خدمة الملوك ممّن ينسب إلى نبل، أو يلمّ «١٠» بمعرفة، مصحفا يدرسه، وشعارا يلتزمه، وهي «١١» :
سيدي الذي يده البيضاء لم تذهب بشهرتها المكافاة «١٢» ، ولم تختلف في مدحها الأفعال ولا تغايرت في حمدها «١٣» الصّفات، ولا تزال تعترف بها العظام الرّفات، أطلقك الله من أسر الكون «١٤» كما أطلقك من أسر بعضه، ورشّدك «١٥» في سمائه العالية وأرضه، وحقّر الحظّ في عين بصيرتك بما يحملك على رفضه. اتّصل بي الخبر السّار من تركك لشانك، وإجناء الله إيّاك ثمرة إحسانك، وانجياب ظلام
следующие страницы →