Полный текст (1 954 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
ما أفجع البين لقل ... ب الواله المستغفر «١»
ثم ثنوا نحو رسو ... ل الله سير الضّمّر
فعاينوا في طيبة ... لألاء نور نيّر
زاروا رسول الله واس ... تشفعوا بلثم الجدر
نالوا به ما أمّلوا ... وعرّجوا في الأثر
على الضّجيعين أبي ... بكر الرّضا وعمر
زيارة الهادي الشّفي ... ع جنّة «٢» في المحشر
فأحسن الله عزا ... ء قاصد لم يزر
ربع ترى مستنزل ال ... آي به والسّور
وملتقى جبريل بال ... هادي الزّكيّ العنصر «٣»
وروضة الجنّة ب ... ين روضة ومنبر
منتخب الله ومخ ... تار الورى من مضر
والمنتقى والكون من ... ملابس الخلق عري
إذ لم يكن في أفق ... من زحل أو مشتري «٤»
ذو المعجزات الغرّ أم ... ثال النجوم الزّهر
يشهد بالصّدق له ... منها انشقاق القمر «٥»
والضّبّ والظّبي إلى ... نطق الحصى والشّجر
من أطعم الألف بصا ... ع في صحيح الخبر
والجيش روّاه بما ... ء الرّاحة المنهمر
يا نكتة الكون التي ... فاتت منال الفكر «٦»
يا حجّة الله على ال ... رائح والمبتكر
يا أكرم الرّسل على ال ... له وخير البشر
стр. 877
يا من له التّقدم ال ... حقّ على التّأخر
يا من لدى مولده ... المقدّس المطهّر
إيوان كسرى ارتجّ إذ ... ضاقت «١» قصور قيصر
وموقد النار طفا ... كأنها لم تسعر «٢»
يا عمدتي يا ملجئي ... يا مفزعي يا وزري
يا من له اللّواء وال ... حوض وورد الكوثر
يا منقذ الغرقى وهم ... رهن العذاب الأكبر
إن لم تحقّق أملي ... بؤت بسعي المخسر
صلّى عليك الله يا ... نور الدّجا المعتكر
يا ويح نفسي كم أرى ... من غفلتي في غمر «٣»
وا حسرتا «٤» من قلّة ال ... زّاد وبعد السّفر
يحجّني والله بال ... برهان وعظ المنبر
يا حسنها من خطب ... لو حرّكت من نظري «٥»
يا حسنها من شجر ... لو أورقت من ثمر
أومّل الأوبة وال ... أمر بكفّ القدر
أسوف العزم بها «٦» ... من شهر لشهر
من صفر لرجب ... من رجب لصفر
ضيّعت في الكبرة ما ... أعددته في صغري
وليس ما مرّ من ال ... أيام بالمنتظر
وقلّ ما أن حمدت ... سلامة في غرر
ولي غريم لا يني ... عن «٧» طلب المنكسر
يا نفس جدّي قد بدا ال ... صبح ألا فاعتبري
واتّعظي بمن مضى ... وارتدعي وازدجري
стр. 878
ما بعد شيب الفود من ... مرتقب فشمّري
أنت وإن طال المدى ... في قلعة «١» أو سفر «٢»
وليس من عذر يقي ... م حجّة المعتذر
يا ليت شعري والمنى ... تسرق طيب العمر
هل أرتجي من عودة ... أو رجعة أو صدر
فأبرّد الغلّة من ... ذاك الزّلال الخصر «٣» ؟
مقتديا بمن مضى ... من سلف ومعشر
نالوا جوار الله وهـ ... والفخر للمفتخر
أرجو بإبراهيم مو ... لانا بلوغ الوطر
فوعده لا يمتري ... في الصّدق منه الممتري «٤»
فهو «٥» الإمام المرتضى ... والخيّر ابن الخيّر
أكرم من نال المنى «٦» ... بالمرهفات البتر
ممهّد الملك وسي ... ف الحقّ والليث الجري
خليفة الله الذي ... فاق بحسن السّير
وكان منه الخبر في ال ... علياء وفق الخبر
فصدّق التّصديق من ... مرآه للتّصور
ومستعين الله في ... ورد له وصدر
فاق الملوك الصّيدا «٧» بال ... مجد الرّفيع الخطر
فأصبحت ألقابهم ... منسيّة لم تذكر
وحاز منهم «٨» أوحد ... وصف العديد الأكثر
برأيه المأمون أو ... عسكره المظفّر
بسيفه السّفاح أو ... بعزمه المقتدر»
стр. 879
بالعلم المنصور أو ... بالذّابل المستنصر «١»
بابن «٢» الإمام الط ... اهر البرّ الزّكي السّير
مدحك قد علّم نظ ... م الشّعر من لم يشعر
جهد المقلّ اليوم من ... مثلي كوسع المكثر
فإن يقصّر ظاهري ... فلم يقصّر مضمري
ووردت «٣» على «٤» باب السلطان الكبير العالم «٥» أبي عنان، فبلوت من مشاركته، وحميد سعيه ما يليق بمثله. ولمّا نكبه لم أقصّر عن ممكن حيلة في أمره.
ولما «٦» هلك السلطان أبو عنان، ﵀، وصار الأمر لأخيه المتلاحق من الأندلس أبي سالم بعد الولد المسمّى بالسّعيد، كان ممن دمث «٧» له الطّاعة، وأناخ راحلة الملك، وحلب ضرع الدّعوة «٨» ، وخطب عروس الموهبة، فأنشب ظفره في متات معقود من لدن الأب، مشدود من لدن القربة «٩» ، فاستحكم عن قرب، واستغلظ عن كثب، فاستولى على أمره، وخلطه بنفسه، ولم يستأثر عنه ببثّه، ولا انفرد بما سوى بضع أهله، بحيث لا يقطع في شيء إلّا عن رأيه، ولا يمحو ويثبت إلّا واقفا عند حدّه، فغشيت بابه الوفود، وصرفت إليه الوجوه، ووقفت عليه الآمال، وخدمته الأشراف وجلبت إلى سدّته بضائع العقول والأموال، وهادته الملوك، فلا تحدو «١٠» الحداة إلّا إليه، ولا تحطّ الرّحال إلّا لديه. إن حضر أجري الرسم، وأنفذ الأمر والنّهي، لحظا أو سرارا أو مكاتبة، وإن غاب، تردّدت الرّقاع، واختلفت الرّسل. ثم انفرد أخيرا ببيت الخلوة، ومنتبذ المناجاة، من دونه مصطفّ الوزراء، وغايات الحجّاب، فإذا انصرف تبعته الدّنيا، وسارت بين يديه الوزراء، ووقفت ببابه الأمراء، قد وسع الكلّ لحظه، وشملهم بحسب الرّتب والأموال رعيه، ووسم أفذاذهم تسويده، وعقدت ببنان عليتهم بنانه. لكن رضى الناس غاية «١١» لا تدرك، والحقد «١٢» بين بني آدم قديم، وقبيل الملك مباين لمثله، فطويت الجوانح منه «١٣» على سل،
стр. 880
وحنيت الضّلوع على بثّ، وأغمضت الجفون على قذى، إلى أن كان من نكبته «١» ما هو معروف، جعلها الله له طهورا.
ولمّا جرت الحادثة على السلطان «٢» بالأندلس، وكان لحاق جميعنا بالمغرب، جنيت ثمرة ما أسلفته في ودّه، فوفّى كيل «٣» الوفا، وأشرك في الجاه، وأدرّ الرّزق، ورفع المجلس بعد التّسبيب «٤» في الخلاص والسّعي في الجبر، جبره الله تعالى، وكان له أحوج ما يكون إلى ذلك، يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)
«٥» .
ولما انقضى أمر سلطانه، ﵀، وقذف به بحر التّمحيص إلى شطّه، وأضحى جوّ النّكبة بعد انطباقه، آثر التّشريق بأهله وجملته، واستقرّ بتونس خطيب الخلافة، مقيما على رسمه من التّجلّة، ذائع الفضل هنالك والمشاركة، وهو بحاله الموصوفة إلى الآن، كان الله له.
وكنت «٦» أحسست منه في بعض الكتب «٧» الواردة صاغية إلى الدّنيا، وحنينا لما فارق «٨» من غرورها، فحملني الطّور الذي ارتكبته في هذا الأيام، بتوفيق الله، على أن خاطبته «٩» بهذه الرسالة، وحقّها أن يجعلها خدمة الملوك ممّن ينسب إلى نبل، أو يلمّ «١٠» بمعرفة، مصحفا يدرسه، وشعارا يلتزمه، وهي «١١» :
سيدي الذي يده البيضاء لم تذهب بشهرتها المكافاة «١٢» ، ولم تختلف في مدحها الأفعال ولا تغايرت في حمدها «١٣» الصّفات، ولا تزال تعترف بها العظام الرّفات، أطلقك الله من أسر الكون «١٤» كما أطلقك من أسر بعضه، ورشّدك «١٥» في سمائه العالية وأرضه، وحقّر الحظّ في عين بصيرتك بما يحملك على رفضه. اتّصل بي الخبر السّار من تركك لشانك، وإجناء الله إيّاك ثمرة إحسانك، وانجياب ظلام
стр. 881
الشّدة الحالك، عن أفق حالك، فكبّرت «١» لانتشاق عفو الله العطر «٢» ، واستعبرت لتضاؤل الشّدة بين يدي الفرج لا بسوى ذلك من رضى مخلوق يؤمر فيأتمر، ويدعوه القضاء فيبتدر «٣» ، إنما هو فيء»
، وظلّ ليس له من الأمر شيء، ونسأله «٥» جلّ وتعالى أن يجعلها آخر عهدك بالدّنيا وبنيها، وأوّل معارج نفسك التي تقرّبها من الحقّ وتدنيها، وكأنّني «٦» والله أحسّ بثقل هذه الدعوة على سمعك، ومضادّتها ولا حول ولا قوة إلّا بالله لطبعك، وأنا أنافرك إلى العقل الذي هو قسطاس الله في عالم الإنسان، والآلة لبثّ العدل والإحسان، والملك الذي يبين عنه ترجمان اللّسان، فأقول: ليت شعري ما الذي غبط سيدي بالدّنيا، وإن بلغ من زبرجها «٧» الرّتبة العليا، وأفرض «٨» المثال لحالة «٩» إقبالها، ووصل حبالها، وضراعة سبالها، وخشوع جبالها.
التوقّع المكروه صباح مسا «١٠» ، وارتقاب الحوالة التي تديل من النّعيم البأساء «١١» ، ولزوم المنافسة التي تعادي الأشراف والرؤسا «١٢» ؟ ألترتّب العتب، حتى «١٣» على التّقصير في الكتب، وضعينة جار الجنب، وولوع الصّديق بإحصاء الذّنب؟ ألنسبة وقائع الدولة إليك وأنت بري، وتطويقك الموبقات وأنت منها عري؟ ألاستهدافك للمضّار التي تنتجها غيرة الفروج، والأحقاد التي تضطبنها «١٤» ركبة السّروج وسرحة المروج، ونجوم السّما ذات البروج؟ ألتقليدك التّقصير فيما ضاقت عنه طاقتك، وصحّت إليه فاقتك، من حاجة لا يقتضي قضاءها «١٥» الوجود، ولا يكيّفها «١٦» الرّكوع للملك والسّجود؟ ألقطع الزّمان بين سلطان يعبد، وسهام للغيوب تكبّد، وعجاجة «١٧» شرّ تلبّد، وأقبوحة تخلّد وتوبّد؟ ألوزير يصانع ويدارى، وذي حجّة صحيحة يجادل في مرضاة السّلطان ويمارى، وعورة لا توارى؟ ألمباكرة كلّ عائب «١٨» حاسد، وعدوّ مستأسد، وسوق للإنصاف والشّفقة كاسد، وحال فاسد؟ أللوفود «١٩» تتزاحم بسدّتك،
стр. 882
مكلّفة لك غير ما في طوقك، فإن لم تنل أغراضها «١» قلبت عليك السّماء من فوقك؟ ألجلساء ببابك، لا يقطعون زمن «٢» رجوعك وإيابك، إلّا بقبيح اغتيابك؟
فالتّصرّفات تمقت، والقواطع النّجوميّات «٣» توقّت، والألاقيّ «٤» تبثّ، والسعايات تحثّ، والمساجد يشتكى فيها «٥» البثّ، يعتقدون أن السلطان في يدك بمنزلة الحمار المدبور، واليتيم المحجور، والأسير المأمور، ليس له شهوة ولا غضب، ولا أمل في الملك ولا أرب، ولا موجدة «٦» لأحد كامنة، وللشّر ضامنة، وليس في نفسه عن رأي نفرة، ولا بإزاء ما لا يقبله نزوة وطفرة، إنما هو جارحة لصيدك، وعان في قيدك، وآلة لتصرّف كيدك، وأنّك علّة حيفه، ومسلّط سيفه: الشّرار يسملون عيون الناس باسمك، ثم يمزّقون بالغيبة مزق جسمك، قد تنخّلهم الوجود أخبث ما فيه، واختارهم السّفيه فالسّفيه، إذ الخير يسرّه «٧» الله عن الدّول ويخفيه، ويقنعه بالقليل فيكفيه، فهم يمتاحون بك ويولونك الملامة، ويقتحمون «٨» عليك أبواب القول ويسدّون طرق السّلامة، وليس لك في أثناء هذه إلّا ما يعوزك مع ارتفاعه، ولا يفوتك مع انقشاعه، وذهاب صداعه، من غذاء يشبع، وثوب يقنع، وفراش ينيم، وخديم يقعد ويقيم. وما الفائدة في فرش تحتها جمر الغضا، ومال من ورائه سوء القضا، وجاه يحلّق عليه سيف منتضى؟ وإذا بلغت النّفس إلى الالتذاذ بما لا تملك، واللّجاج حول المسقط الذي تعلم أنها فيه تهلك «٩» ، فكيف تنسب «١٠» إلى نبل، أو تسير «١١» مع «١٢» السعادة في سبل؟ وإن وجدت في القعود «١٣» بمجلس التّحية، بعض الأريحيّة، فليت شعري أيّ شيء زادها، أو معنى أفادها، إلّا مباكرة وجه الحاسد، وذي القلب الفاسد، ومواجهة العدوّ المستأسد؟ أو شعرت ببعض الإيناس، في الركوب بين الناس. هل «١٤» التذّت إلّا بحلم كاذب، أو جذبها غير الغرور مجاذب «١٥» ؟ إنما الحلية «١٦» وافتك من يحدّق إلى البزّة، ويستطيل مدّة العزّة، ويرتاب إذا حدّث ١»
стр. 883
بخبرك، ويتبع بالنّقد والتّجسّس مواقع نظرك، ويمنعك من مسايرة أنيسك «١» ، ويحتال على فراغ كيسك، ويضمر الشّرّ لك ولرئيسك «٢» . وأيّ راحة لمن لا يباشر قصده، ويسير «٣» متى شاء وحده؟ ولو صحّ في هذه الحال لله حظّ، وهبه زهيدا، أو عيّن «٤» للرّشد عملا حميدا، لساغ الصّاب «٥» ، وخفّت الأوصاب «٦» ، وسهل المصاب. لكن الوقت أشغل، والفكر أوغل، والزّمن قد غمرته الحصص الوهميّة، واستنفدت منه الكميّة، أما ليله ففكر أو نوم، وعتب يجرّ «٧» الضّراس ولوم، وأمّا يومه فتدبير، وقبيل ودبير، وأمور يعيا بها ثبير «٨» ، وبلاء مبير، ولغط لا يدخل فيه حكيم كبير، وأنا بمثل ذلك خبير. وو الله يا سيّدي، ومن فلق الحبّ وأخرج الأبّ «٩» ، وذرأ من مشى ومن «١٠» دبّ، وسمّى نفسه الربّ، لو تعلّق المال الذي يجده هذا الكدح «١١» ، ويوري سقيطه هذا القدح، بأذيال الكواكب، وزاحمت البدر بدره بالمناكب، لما «١٢» ورثه عقب، ولا خلص به محتقب «١٣» ، ولا فاز به سافر ولا منتقب. والشّاهد الدّول والمشائيم «١٤» الأول: فأين الرّباع المقتناة؟ وأين الدّيار المبتناة «١٥» ؟ وأين الحدائق «١٦» المغترسات، وأين الذّخائر المختلسات؟ وأين الودائع المؤمّلة، وأين الأمانات المحمّلة؟ تأذّن الله بتتبيرها، وإدناء نار التّبار «١٧» من دنانيرها، فقلّما تلقى أعقابهم إلّا أعراء الظّهور «١٨» ، مترمّقين بجرايات «١٩» الشّهور، متعلّلين بالهباء المنثور، يطردون من الأبواب التي حجب عندها «٢٠» آباؤهم، وعرف
стр. 884
منها إباؤهم، وشمّ من مقاصيرها عنبرهم وكباؤهم، لم «١» تسامحهم الأيام إلّا في إرث محرّر، أو حلال مقرّر، وربما محقه الحرام، وتعذّر منه المرام. هذه، أعزّك الله، حال قبولها «٢» ومالها مع التّرفيه، وعلى فرض أن يستوفي العمر في العزّ مستوفيه. وأما ضدّه من عدوّ يتحكّم وينتقم، وحوت بغي يبتلع ويلتقم، وطبق «٣» يحجب الهواء، ويطيل في التّراب الثّواء، وثعبان قيد «٤» يعضّ السّاق، وشؤبوب عذاب يمزّق الأبشار الرّقاق، وغيلة يهديها الواقب «٥» الغاسق، ويجرعها العدوّ الفاسق، [فصرف السوق، وسلعته المعتادة الطروق «٦» ،] مع الأفول والشروق. فهل في شيء من هذا مغتبط لنفس حرّة، أو ما يساوي جرعة حال مرّة؟ وا حسرتاه للأحلام ضلّت، وللأقدام زلّت، ويا لها مصيبة جلّت! ولسيدي أن يقول: حكمت عليّ «٧» باستثقال الموعظة واستجفائها، ومراودة الدّنيا بين خلّانها وأكفائها، وتناسي عدم وفائها، فأقول: الطّبيب بالعلل أدرى، والشّفيق بسوء الظّنّ مغرى، وكيف لا وأنا أقف على السّحاءات بخطّ يد «٨» سيدي من مطارح الاعتقال، ومثاقف النّوب الثّقال، وخلوات «٩» الاستعداد للقاء الخطوب الشّداد، ونوش «١٠» الأسنّة الحداد، وحيث يجمل بمثله إلّا يصرف في غير الخضوع لله بنانا، ولا يثني لمخلوق عنانا.
وأتعرف أنها قد ملأت الجوّ والدوّ «١١» ، وقصدت الجماد والبوّ «١٢» ، تقتحم أكفّ أولي الشّمات، وحفظة المذمّات، وأعوان النّوب الملمّات، زيادة في الشّقاء، وقصدا بريّا من الاختيار والانتقاء، مشتملة من التّجاوز على أغرب من العنقاء، ومن النّقاق على أشهر من البلقاء. فهذا يوصف بالإمامة، [وهذا ينسب في الجود إلى كعب بن مامة «١٣» ] ، وهذا يجعل من أهل الكرامة، وهذا يكلّف الدّعاء وليس من أهله، وهذا يطلب منه لقاء الصّالحين وليسوا من شكله، إلى ما أحفظني والله من البحث عن
стр. 885
السّموم، وكتب النجوم، والمذموم من المعلوم، هلّا كان من ينظر في ذلك قد قوطع بتاتا، وأعتقد أنّ الله قد جعل لزمن الخير والشّرّ ميقاتا، وأنّا لا نملك موتا ولا نشورا ولا حياتا، وأنّ اللّوح قد حصر الأشياء محوا وإثباتا، فكيف نرجو لما منع منالا أو نستطيع مما قدر إفلاتا؟ أفيدونا ما يرجّح العقيدة المقررة «١» نتحوّل إليه، وبيّنوا لنا الحقّ نعوّل عليه. الله الله يا سيدي في النّفس المرشّحة، والذّات المحلّاة «٢» بالفضائل الموشّحة، والسّلف الشهير الخير، والعمر المشرف على الرّحلة بعد حثّ السّير، ودع الدنيا لأهلها «٣» فما أوكس حظوظهم، وأخسّ لحوظهم، وأقلّ متاعهم، وأعجل إسراعهم، وأكثر عناءهم، وأقصر آناءهم:
[مجزوء الكامل]
ما ثمّ «٤» إلّا ما رأي ... ت، وربما تعيي السّلامة
والناس إمّا جائر ... أو حائر يشكو ظلامه «٥»
والله ما احتقب الحري ... ص سوى الذّنوب أو الملامه
هل ثمّ شكّ في المعا ... د الحقّ أو يوم القيامه
قولوا لنا ما عندكم ... أهل الخطابة والإمامه
وإن رميت بأحجاري، وأوجرت «٦» المرّ من أشجاري، فو الله ما تلبّست منها اليوم «٧» بشيء قديم ولا حديث، ولا استاثرت بطيّب فضلا عن خبيث. وما أنا إلّا عابر سبيل، وهاجر مرعى وبيل، ومرتقب وعد «٨» قدر فيه الإنجاز، وعاكف على حقيقة لا تعرف المجاز، قد فررت من الدنيا كما يفرّ من الأسد، وحاولت المقاطعة حتى بين روحي والجسد، وغسل الله قلبي، ولله «٩» الحمد، من الطّمع والحسد، فلم أبق عادة إلّا قطعتها، ولا جنّة للصّبر إلّا ادّرعتها، أمّا اللّباس فالصّوف، وأما الزّهد فيما في أيدي «١٠» الناس فمعروف، وأما المال الغبيط فعلى الصّدقة مصروف. وو الله
стр. 886
لو علمت أنّ حالي هذه تتّصل، وعراها «١» لا تنفصل، وأن ترتيبي هذا يدوم، ولا يحيّرني «٢» الوعد المحتوم، والوقت المعلوم، لمتّ أسفا، وحسبي الله وكفى. ومع هذا يا سيدي، فالموعظة تتلقّى من لسان الوجود، والحكمة ضالّة المؤمن يطلبها ببذل المجهود، ويأخذها من غير اعتبار بمحلّها المذموم أو «٣» المحمود. ولقد أعملت نظري فيما يكافىء عني بعض يدك، أو ينتهي «٤» في الفضل إلى أمدك، فلم أر لك الدّنيا كفاء هذا لو كنت صاحب دنيا، وألفيت بذل النّفس قليلا لك من غير شرط ولا ثنيا «٥» ، فلمّا ألهمني الله لمخاطبتك بهذه النّصيحة المفرغة في قالب الجفا، لمن لا يثبت عين الصّفا، ولا يشيم بارقة «٦» الوفا، ولا يعرف قاذورة الدنيا معرفة مثلي من المتدنّسين بها المنهمكين، وينظر عوّارها القادح «٧» بعين اليقين، ويعلم أنها المومسة التي حسنها زور، وعاشقها مغرور، وسرورها شرور، تبيّن لي أني «٨» قد كافيت «٩» صنيعتك المتقدّمة، وخرجت عن عهدتك الملتزمة، وأمحضت «١٠» لك النّصح الذي يعزّ «١١» بعزّ الله ذاتك، ويطيب حياتك، ويحيي مواتك، ويريح جوارحك من الوصب «١٢» ، وقلبك من النّصب «١٣» ، ويحقّر الدنيا وأهلها في عينك إذا اعتبرت، ويلاشي عظائمها لديك إذا اختبرت. كلّ من تقع عليه «١٤» عينك حقير قليل، وفقير ذليل، لا يفضلك بشيّ إلّا باقتفاء رشد أو ترك غيّ، أثوابه النّبيهة يجرّدها الغاسل، وعروة عزّه «١٥» يفصّلها الفاصل «١٦» ، وماله الحاضر الحاصل، يعيث فيه الحسام الفاصل، والله ما تعيّن للخلف إلّا ما تعيّن للسّلف، ولا مصير المجموع إلّا إلى التّلف، ولا صحّ من الهياط والمياط «١٧» ، والصّياح والعياط «١٨» ، وجمع القيراط إلى القيراط، والاستظهار بالوزعة والأشراط، والخبط والخبّاط، والاستكثار والاغتباط،
стр. 887
والغلوّ والاشتطاط، وبنا الصّرح وعمل السّاباط، ورفع العماد «١» وإدارة الفسطاط، إلّا ألم «٢» يذهب القوة، وينسي الآمال المرجوّة، ثمّ نفس يصعد، وسكرات تتردّد، وحسرات لفراق الدّنيا تتجدّد، ولسان يثقل، وعين تبصر الفراق الحقّ «٣» وتمقل قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨)
«٤» . ثم القبر وما بعده، والله منجز وعيده ووعده، فالإضراب الإضراب، والتّراب التّراب. وإن اعتذر سيدي بقلّة الجلد، لكثرة الولد، فهو ابن مرزوق لا ابن رزّاق، وبيده من التّسبّب ما يتكفّل بإمساك أرماق، أين النّسخ الذي يتبلّغ الإنسان بأجرته «٥» ، في كن حجرته؟ لا بل السؤال الذي لا عار عند الحاجة بمعرّته؟ السؤال والله أقوم طريقا، وأكرم فريقا، من يد تمتدّ إلى حرام، لا يقوم بمرام، ولا يومّن من ضرام، أحرقت فيه الحلل، وقلبت الأديان والملل، وضربت الأبشار، ونحرت العشار، ولم يصل منه على يدي واسطة السّوء المعشار.
ثم طلب عند الشّدّة ففضح، وبان سومه «٦» ووضح، اللهمّ طهّر منها «٧» أيدينا وقلوبنا، وبلّغنا من الانصراف إليك مطلوبنا، وعرّفنا بمن لا يعرف غيرك، ولا يسترفد إلّا خيرك، يا الله. وحقيق على الفضلاء إن جنح سيدي منها إلى إشارة، أو أعمل في احتلابها إضبارة «٨» ، أو لبس منها شارة، أو تشوّف إلى خدمة إمارة، ألا يحسنوا ظنونهم بعدها بابن ناس، ولا يغترّوا بسمة «٩» ولا خلق ولا لباس، فما عدا، عمّا بدا «١٠» ؟ تقضّى العمر في سجن وقيد، وعمرو وزيد، وضرّ وكيد، وطراد صيد، وسعد وسعيد، وعبد وعبيد، فمتى تظهر الأفكار، ويقرّ القرار، وتلازم الأذكار «١١» ، وتشام الأنوار، وتتجلّى «١٢» الأسرار؟ ثم يقع الشّهود الذي تذهب معه الأفكار «١٣» ، ثم يحقّ الوصول الذي إليه من كلّ ما سواه الفرار، وعليه المدار. وحقّ الحقّ الذي ما سواه فباطل، والفيض الرّحماني الذي ربابه «١٤» الأبد «١٥» هاطل، ما شابت «١٦»
стр. 888
مخاطبتي لك شائبة تريب «١» ، ولقد محضت لك ما يمحضه الحبيب إلى الحبيب «٢» ، فيحمل جفاء «٣» في الذي حملت عليه الغيره، ولا تظنّ بي غيره. وإن «٤» أقدر قدري في مكاشفة سيادتك بهذا البثّ، في الأسلوب الرّث، فالحقّ أقدم، وبناؤه لا يهدم، وشأني معروف في مواجهة الجبابرة على حين يدي إلى رفدهم ممدودة، ونفسي في النّفوس المتهافتة عليهم معدودة، وشبابي فاحم، وعلى الشّهوات مزاحم، فكيف بي اليوم مع الشّيب، ونصح الجيب، واستكشاف العيب؟ إنما أنا اليوم على كلّ من عرفني كلّ ثقيل، وسيف العذل «٥» في كفّي صقيل، أعذل أهل الهوى، وليست النّفوس في القبول سوا، ولا لكلّ مرض «٦» دوا، وقد شفيت صدري، وإن جهلت قدري، فاحملني، حملك الله، على الجادّة الواضحة، وسحب عليك ستر الأبوّة الصّالحة، والسّلام.
ولمّا «٧» شرح كتاب «الشّفا» للقاضي «٨» أبي الفضل عياض بن موسى بن عياض، ﵀، واستبحر فيه، طلب أهل العدوتين بنظم «٩» مقطوعات تتضمّن الثّناء على الكتاب المذكور، وإطراء مؤلّفه، فانثال عليه من ذلك الطّم والرّم، بما تعدّدت منه الأوراق، واختلفت في الإجادة وغيرها الأرزاق، إيثارا لغرضه، ومبادرة من أهل «١٠» الجهات لإسعاف أربه، وطلب مني أن ألمّ في ذلك بشيء، فكتبت في «١١» ذلك:
[الطويل]
شفاء «١٢» عياض للصّدور «١٣» شفاء ... وليس «١٤» بفضل قد حواه خفاء
هديّة برّ لم يكن لجزيلها «١٥» ... سوى الأجر والذّكر الجميل كفاء
وفى لنبيّ الله حقّ وفائه ... وأكرم أوصاف الكرام وفاء
стр. 889
وجاء به بحرا يقول بفضله ... على البحر طعم طيّب وصفاء
وحقّ رسول الله بعد وفاته ... رعاه، وإغفال الحقوق جفاء
هو الذّخر يغني في الحياة عتاده ... ويترك منه لليقين «١» رفاء
هو الأثر المحمود ليس يناله ... دثور ولا يخشى «٢» عليه عفاء «٣»
حرصت على الإطناب في نشر فضله ... وتمجيده لو ساعدتني فاء
واستزاد «٤» من هذا الغرض الذي لم يقنع منه «٥» بالقليل، فبعثت إليه من محلّ انتقالي بمدينة «٦» سلا حرسها الله «٧» : [مجزوء الرمل]
أأزاهير رياض ... أم شفاء لعياض
جدّل الباطل للحقّ ... بأسياف مواض
وجلا الأنوار برها ... نا بحقّ «٨» وافتراض
وشفى «٩» من يشتكي الغلّ ... ة في زرق الحياض
أيّ بنيان معار «١٠» ... آمن فوق «١١» انقضاض
أيّ عهد ليس يرمى ... بانتكاث «١٢» وانتقاض
ومعان في سطور ... كأسود في غياض
وشفاء لصدور «١٣» ... من ضنى الجهل مراض
حرّر القصد فما شي ... ن بنقد واعتراض
يا أبا الفضل أدر أنّ «١٤» ... الله عن سعيك راض
فاز عبد أقرض اللّ ... هـ برجحان القراض «١٥»
стр. 890
وجبت عزّ «١» المزايا ... من طوال وعراض «٢»
لك يا أصدق راو «٣» ... لك يا أعدل قاض
لرسول الله وفّي ... ت بجدّ «٤» وانتهاض
خير خلق الله في حا ... ل وفي آت وماض
سدّد الله ابن مرزو ... ق إلى تلك المراضي
زبدة العرفان معنى ... كلّ نسك وارتياض
فتولّى بسط ما أج ... ملت من غير انقباض
ساهر «٥» لم يدر في استخ ... لاصه طعم اغتماض
إن يكن دينا على الأي ... ام قد حان التّقاضي
دام في علوّ ومن عا ... داه يهوي في انخفاض
ما وشى الصّبح الدّياجي ... في سواد بيياض «٦»
ثم «٧» نظمت له أيضا في الغرض المذكور، والإكثار من هذا النمط، في هذا الموضع، ليس على سبيل التّبجّح بغرابته وإجادته «٨» ، ولكن على سبيل الإشادة بالشّرح المشار إليه، فهو بالغ غاية الاستبحار «٩» : [السريع]
حيّيت يا مختطّ سبت بن نوح ... بكلّ مزن يغتدي أو يروح
وحمل الرّيحان ريح الصّبا ... أمانة فيك «١٠» إلى كلّ روح
دار أبي الفضل عياض الذي ... أضحت بريّاه رياضا تفوح
يا ناقل الآثار يعنى بها ... وواصلا في العلم جري الجموح
طرفك في الفخر «١١» بعيد المدى ... طرفك للمجد شديد الطّموح
كفاك إعجازا كتاب الشّفا ... والصبح لا ينكر عند الوضوح
لله ما أجزلت فينا به من ... منحة تقصر عنها المنوح
روض من العلم همى فوقه ... من صيّب الفكر الغمام السّفوح
стр. 891
فمن بيان الحقّ زهر ند «١» ... ومن لسان الصّدق طير صدوح
تأرّج العرف وطاب الجنى ... وكيف لا يثمر «٢» أو لا يفوح
وحلّة من طيب خير الورى ... في الجيب والأعطاف منها نضوح
ومعلم للدين «٣» شيّدته ... فهذه الأعلام منه «٤» تلوح
فقل لهامان كذا أو فلا ... يا من أضلّ الرّشد تبني الصّروح
في أحسن التّقويم أنشأته ... خلقا جديدا بين جسم وروح
فعمره المكتوب لا ينقضي ... إذا تقضّى عمر سام ونوح
كأنّه في الحفل ريح الصّبا ... وكلّ عطف فهو غضّ «٥» مروح
ما عذر مشغوف بخير الورى ... إن هاج منه الذّكر أن لا يبوح
عجبت من أكباد أهل الهوى ... وقد سطا البعد وطال النّزوح
إن ذكر المحبوب سالت دما ... ما هنّ أكباد ولكن جروح
يا سيّد الأوضاع يا من له ... بسيّد الإرسال فضل الرّجوح
يا من له الفخر على غيره ... والشّهب «٦» تخفى عند إشراق يوح
يا خير مشروح وفي واكتفى ... منه ابن «٧» مرزوق بخير الشّروح
فتح من الله حباه به ... ومن جناب الله تأتي الفتوح
مولده: بتلمسان عام أحد عشر وسبعمائة.
محمد بن عبد الرحمن بن سعد التّميمي التّسلي «٨» الكرسوطي «٩»
من أهل فاس، نزيل مالقة، يكنى أبا عبد الله.
حاله: الشيخ «١٠» الفقيه المتكلّم أبو عبد الله، غزير الحفظ، متبحّر الذّكر، عديم القرين، عظيم الاطّلاع، عارف بأسماء الأوضاع، ينثال منه على المسائل كثيب مهيل، ينقل الفقه منسوبا إلى أمانة، ومنوطا برجاله، والحديث بأسانيده ومتونه،
стр. 892
خوّار «١» العنان، وسّاع الخطو، بعيد الشأو، يفيض من حديث إلى فقه، ومن أدب إلى حكاية، ويتعدّى ذلك إلى غرائب المنظومات، ممّا يختصّ بنظمه أولو الشّطارة والحرفة من المغاربة، ويستظهر مطوّلات القصاص، وطوابير الوعّاظ، ومساطير أهل الكدية، في أسلوب وقاح يفضحه الإعراب، حسن الخلق، جمّ الاحتمال، مطرّح الوقار، رافض التّصنّع، متبذّل «٢» اللّبسة، رحيب أكناف المرارة لأهل الولايات، يلقي بمعاطنهم البرك، وينوط بهم الوسائل، كثير المشاركة لوصلائه، مخصب على أهل بيته، حدب على بنيه. قدم على الأندلس عام اثنين وعشرين وسبعمائة، فأقام بالجزيرة مقرئا بمسجد الصّواع منها، ومسجد الرّايات، ثم قدم على مالقة وأقرأ بها، ثم قدم على غرناطة عام خمسة وعشرين وسبعمائة، فتعرف على أرباب الأمر، بما نجحت حيلته، وخفّ به موقعه، فلم يعدم صلة، ولا فقد مرفقة، حتى ارتاش وتأثّل بمحل سكناه من مالقة، مدرة مغلّة، وعقارا مفيدا. وطال قعوده لسرد الفقه بمسجدها الجامع، نمير في الركب، مهجور الحلقة، حملا من الخاصّة والعامّة، لتلبّسه بالعرض الأدني. وهو الآن خطيب مسجد القصبة بها، ومحلّه من الشهرة، بالحفظ والاستظهار لفروع الفقه، كبير.
مشيخته: قرأ القرآن على الجماعة بالمغرب والأندلس، منهم أبوه، والأستاذ أبو الحسن القيجاطي البلوي، وأبو إسحاق الحريري، وأبو الحسن بن سليمان، وأبو عبد الله بن أجروم. وقرأ الفقه على أبي زيد الجزولي، وعبد الرحمن بن عفّان، وأبي الحسن الصغير، وعبد المؤمن الجاناتي، وقرأ الكتاب بين يديه مدة، ثم عزله، ولذلك حكاية. حدّثني الشيخ أبو عبد الله الكرسوطي، المترجم به، قال: قرأت بين يديه، في قول أبي سعيد في التهذيب، والدّجاج والأوز المخلات، فقال: انظر، هل يقال الدّجاج أو الجدّاد، لغة القرآن أفصح، قال الله تعالى: وجدد بيض، وحمر مختلف ألوانها، وغرابيب سود. فأزرى به، ونقل إليه إزاره، فعزله. وقعد بعد ذلك للإقراء بفاس، كذا حدث. وأخذ عن أبي إسحاق الزناتي، وعن خلف الله المجاصي، وأبي عبد الله بن عبد الرحمن الجزولي، وأبي الحسين المزدغي، وأبي الفضل ابنه، وأبي العبّاس بن راشد العمراني، وأبي عبد الله بن رشيد. وروى الحديث بسبتة عن أبي عبد الله الغماري، وأبي عبد الله بن هاني، وذاكر أبا الحسن بن وشّاش. وبمالقة عن الخطيب الصالح الطّنجالي، وأبي عمرو بن منظور.
стр. 893
وبغرناطة عن أبي الحسن القيجاطي، وأبي إسحاق بن أبي العاص. وببلّش عن أبي جعفر الزيات.
تواليفه: منها «١» «الغرر في تكميل الطّرر» ، طرر أبي إبراهيم الأعرج. ثم «٢» «الدّرر في اختصار الطّرر» المذكور. وتقييدان على الرسالة، كبير وصغير.
ولخّص «التهذيب» لابن بشير، وحذف أسانيد المصنّفات الثلاثة، البخاري، والترمذي، ومسلم «٣» ، والتزم إسقاط التكرار، واستدراك «٤» الصّحاح الواقعة في التهذيب «٥» على مسلم والبخاري. وقيّد على مختصر الطّليطلي، وشرع في تقييد على قواعد الإمام أبي الفضل عياض بن موسى «٦» بن عياض، برسم ولدي، أسعده الله.
شعره: أنشدني، وأنا أحاول بمالقة لوث «٧» العمامة، وأستعين بالغير على إصلاح العمل، وإحكام اللّياثة «٨» : [الكامل]
أمعمّما قمرا تكامل حسنه ... أربى على الشمس المنيرة في البها
لا تلتمس ممّن لديك زيادة ... فالبدر لا يمتار من نور السّها
ويصدر منه الشعر مصدّرا، لا تكنفه العناية.
محنته: أسر ببحر الزّقاق «٩» ، قادما على الأندلس في جملة من الفضلاء، منهم والده. واستقرّ بطريف «١٠» عام ستة وعشرين وسبعمائة، ولقي بها شدّة ونكالا، ثم سرّح والده، لمحاولة فكاك نفسه، وفكّ ابنه، ويسّر الله عليه، فتخلّصا من تلك المحنة في سبيل كدية، وأفلت من بين أنياب مشقّة.
стр. 894
بعض أخباره: قال: لقيت الشيخ وليّ الله أبا يعقوب بساحل بادس «١» ، قاصدا الأخذ عنه، والتّبرّك به، ولم يكن رآني قط، وألفيت بين يديه عند دخولي عليه، رجلا يقرأ عليه القرآن، فلمّا فرغ أراد أن يقرأ عليه أسطرا من الرّسالة، فقال له:
اقرأها على هذا الفقيه، وأشار إليّ، ورأيت في عرصة له أصول خصّ، فتمنيت الأكل منها، وكان ربّاعها غير حاضر، فقام عن سرعة، واقتلع منها أصولا ثلاثة، ودفعها إليّ، وقال: كل. فقلت في نفسي، تصرف في الخضرة قبل حضور ربّاعها، فقال لي: إذا أردت الأكل من هذه الخضرة، فكل من هذا القسم، فإنّه لي. قلت: وخبرت من اضطلاع هذا المترجم به بعبارة الرّؤيا ما قضيت منه العجب في غير ما شيء جرّبته. وهو الآن بحاله الموصوفة. وأصابه لهذا العهد جلاء عن وطنه؛ لتوفر الحمل عليه من الخاصّ والعامّ، بما طال به نكده. ثم آلت حاله إلى بعض صلاح، والله يتولّاه.
مولده: بمدينة فاس عام تسعين وستمائة.
محمد بن عبد المنعم الصّنهاجي الحميري «٢»
يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن عبد المنعم، من أهل سبتة، الأستاذ الحافظ.
حاله: من «العائد» : كان، ﵀، رجل صدق، طيّب اللهجة، سليم الصدر، تام الرّجولة، صالحا، عابدا، كثير القرب والأوراد في آخر حاله، صادق اللسان. قرأ كثيرا، وسنّه تنيف على سبع وعشرين، ففات أهل الدّؤب والسّابقة، وكان من صدور الحفّاظ، لم يستظهر أحد في زمانه من اللّغة ما استظهره، فكاد يستظهر كتاب التّاج للجوهري وغيره، آية تتلى، ومثلا يضرب، قائما على كتاب سيبويه، يسرده بلفظه. اختبره الفاسيون في ذلك غير ما مرة. طبقة في الشطرنج، يلعبها محجوبا، مشاركا في الأصول، آخذا في العلوم العقلية، مع الملازمة للسّنّة، يعرب أبدا كلامه ويزينه.
مشيخته: أخذ ببلده عن الأستاذ أبي إسحاق الغافقي، ولازم أبا القاسم بن الشّاط وانتفع به وبغيره من العلماء.
стр. 895
دخوله غرناطة: قدم غرناطة مع الوفد من أهل بلده عندما صارت إلى إيالة الملوك من بني نصر، لما وصلوا بالبيعة.
وفاته: كان من الوفد الذين استأصلهم الموتان عند منصرفهم عن باب السلطان ملك المغرب، بأحواز تيزى «١» ، حسبما وقع التّنبيه على بعضهم.
محمد بن عمر بن محمد بن عمر بن محمد بن إدريس ابن سعيد بن مسعود بن حسن بن محمد بن عمر ابن رشيد الفهري «٢»
من أهل سبتة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن رشيد.
حاله: من «عائد الصلة» : الخطيب المحدّث، المتبحّر في علوم الرّواية والإسناد. كان، ﵀، فريد دهره عدالة وجلالة، وحفظا وأدبا، وسمتا وهديا، واسع الأسمعة، عالي الإسناد، صحيح النّقل، أصيل الضّبط، تام العناية بصناعة الحديث، قيّما عليها، بصيرا بها، محققا فيها، ذاكرا فيها الرجال، جمّاعة للكتب، محافظا على الطّريقة، مضطلعا بغيرها من العربية واللغة والعروض، فقيها أصيل النّظر، ذاكرا للتفسير، ريّان من الأدب، حافظا للأخبار والتواريخ، مشاركا في الأصلين، عارفا بالقراءات، عظيم الوقار والسّكينة، بارع الخطّ، حسن الخلق، كثير التّواضع، رقيق الوجه، متجمّلا، كلف الخاصة والعامّة، مبذول الجاه والشّفاعة، كهفا لأصناف الطّلبة. قدم على غرناطة في وزارة صديقه، ورفيق طريقه، في حجّه وتشريقه، أبي عبد الله بن الحكيم، فلقي برّا، وتقدّم للخطابة بالمسجد الأعظم، ونفع الله لديه بشفاعته المبذولة طائفة من خلقه، وانصرف إثر مقتله إلى العدوة، فاستقرّ بمدينة فاس، معظّما عند الملوك والخاصّة، معروف القدر عندهم.
مشيخته: قرأ ببلده سبتة على الأستاذ إمام النّحاة أبي الحسن بن أبي الربيع كتاب سيبويه. وقيّد على ذلك تقييدا مفيدا، وأخذ عنه القراءات. وأخذ أيضا عن الأستاذ أبي الحسن بن الخطّار. ورحل من بلده سبتة لأداء الفريضة. حجّ ولقي
стр. 896
المشايخ عام ثمانية وثمانين وستمائة، فوافى في طريقه الحاجّ المحدّث الرّاوية، ذا الوزارتين بعد، أبا عبد الله الحكيم، وأخذ عن الجلّة الذين يشقّ إحصاؤهم، فممّن لقي بإفريقية الرّاوية العدل أبا محمد عبد الله بن هارون، يروي عن ابن بقيّ، والأديب المتبحّر أبا الحسن حازم بن محمد القرطاجنّي. وروى بالمشرق عن العدد الكثير كالإمام جار الله أبي اليمن بن عساكر، لقيه بباب الصّفا تجاه الكعبة المعظّمة، وهو موضع جلوسه للسّماع، غرّة شوال عام أربعة وثمانين وستمائة، وعن غيره، كأبي العزّ عبد الرحمن بن عبد المنعم بن علي بن نصر بن منظور بن هبة الله، وغيرهم ممن ثبت في اسم مرافقة في السّماع والرّحلة أبي عبد الله بن الحكيم، ﵀، فلينظر هنالك.
تواليفه: ألّف فوائد رحلته في كتاب سمّاه «ملء العيبة، فيما جمع بطول الغيبة، في الوجهتين «١» الكريمتين إلى مكّة وطيبة» . قال شيخنا أبو بكر بن شبرين: وقفت على مسوّدته، ورأيت فيه فنونا وضروبا من الفوائد العلمية والتاريخ، وطرفا من الأخبار الحسان، والمسندات العوالي والأناشيد. وهو ديوان كبير، ولم يسبق إلى مثله. قلت: ورأيت شيئا من مختصره بسبتة.
دخوله غرناطة: ورد على الأندلس في عام اثنين وتسعين وستمائة، فعقد مجالس للخاصّ والعام، يقرئ بها فنونا من العلم. وتقدّم خطيبا وإماما بالمسجد الأعظم منها. حدّثني بعض شيوخنا، قال: قعد يوما على المنبر، وظنّ أن المؤذّن الثالث قد فرغ، فقام يخطب والمؤذّن قد رفع صوته بآذانه، فاستعظم ذلك بعض الحاضرين، وهمّ آخر بإشعاره وتنبيهه، وكلّمه آخر، فلم يثنه ذلك عمّا شرع فيه، وقال بديهة: أيها الناس، رحمكم الله، إنّ الواجب لا يبطله المندوب، وأن الأذان الذي بعد الأوّل غير مشروع الوجوب، فتأهّبوا لطلب العلم، وانتبهوا، وتذكّروا قوله، : وما أتاكم الرّسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا، وقد روّينا عنه ﷺ ، أنه قال: من قال لأخيه والإمام يخطب، اصمت، فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له. جعلنا الله وإيّاكم ممّن علم فعمل، وعمل فقبل، وأخلص فتخلّص. وكان ذلك مما استدلّ به على قوّة جنانه، وانقياد لسانه لبيانه.
شعره: وله شعر يتكلفه، إذ كان لا يزن أعاريضه إلّا بميزان العروض، فمن ذلك ما حدّث به، قال: لما حللت بدمشق، ودخلت دار الحديث الأشرفيّة، برسم رؤية النّعل الكريمة، نعل المصطفى، صلوات الله عليه، ولثمتها، حضرتني هذه
стр. 897
الأبيات: [الطويل]
هنيئا لعيني أن رأت نعل أحمد ... فيا سعد، جدّي قد ظفرت بأسعد
وقبّلتها أشفي الغليل فزادني ... فيا عجبا زاد الظّما عند مورد
فلله ذاك اللّثم فهو ألذّ من ... لمى شفة لميا وخدّ مورّد
ولله ذاك اليوم عيدا ومعلما ... بتاريخه أرّخت مولد أسعد
عليه صلاة نشرها طيّب كما ... يحبّ ويرضى ربّنا لمحمّد
وقال: وقلت في موسم عام ستة وثمانين وستمائة، بثغر سبتة حرسها الله تعالى: [الطويل]
أقول إذا هبّ النّسيم المعطّر ... لعلّ بشيرا باللقاء يبشّر
وعالي الصّبا مرّت على ربع جيرتي ... فعن طيبهم عرف النّسيم يعبّر
وأذكر أوقاتي بسلمى وبالحمى ... فتذكو لظى في أضلعي حين أذكر
ربوع يودّ المسك طيب ترابها ... ويهوى حصى فيها عقيق وجوهر
بها جيرة لا يخفرون بذمّة ... هم لمواليهم جمال ومفخر
إذا ما اجتلت زهر النجوم جمالهم ... تغار لباهي نورهم فتغوّر
ومن جود جدواهم يرى اللّيث يعمر ... ومن خوف عدواهم يرى الليث «١» يذعر
ومن سيب يمناهم يرى الرّوض يزهر ... ومن فيض نعماهم يرى البحر يزخر
رعى الله عهدا بالمصلّى عهدته ... وروض المنى غضّ يرقّ وينضر
زمانا نعمنا فيه والظلّ وارف ... بجنّات عدن تحتها العذب يخضر
ولله أيام المصلّى وطيبها ... وأنفسنا بالقرب والأنس تجبر
بحيث يرى بدر الكمال وشمسه ... وروضته فردوس حوض «٢» ومنبر
أروم دنوّا من بهاء جمالها ... ولثما فتأبى هيبة وتوقّر
خضعت وذلّي للحبيب تعزّز ... فطرفي مغضوض وخدّي معفّر
ووجه سروري سافر متهلّل ... وحالي بهم حلّ «٣» وعيشي أخضر
فطوبى لمن أضحى بطيبة ثاويا ... يجرّ بأذيال «٤» الفخار وينشر
стр. 898
وإذ فات عيني أن تراهم فردّدوا ... على مسمعي ذكر المصلّى وكرّروا
وردت فيا طيب الورود بطيبة ... صدرت فواحزني فلا كان مصدر
رماني زماني بالفراق فغرّني ... على مثل من فارقت عزّ التّصبّر
وأضمرت أشجاني ودمعي مظهّر ... وأسررت هجراني وحالي تخبّر
فمن أدمعي ماء يفيض ويهمر ... ومن أضلعي نار تفور وتسعر
فجسمي مصفرّ وفودي أبيض ... وعيشي مغبرّ ودمعي أحمر
وحين دنا التّوديع ممّن أحبّه ... وحان الذي ما زلت منه أحذّر
ونادى صحابي بالرّحيل وأزمعوا ... وسارت مطاياهم وظلت أقهقر
وألوى إليه الجيد حتى وجعته ... وظلّ فؤادي لوعة يتفطّر
وقفت لأقضي زفرة وصبابة ... ولا أنثني فالموت أجدى وأجدر
ولو أنّني بعت الحياة بنظرة ... لأبّت وحظّي فيه أوفى وأوفر
وما باختياري إنما قدر جرى ... رضيت بما يقضي الإله ويقدر
حنيني إلى مغنى الجمال مواصل ... وشوقي إلى معنى الجمال موفّر
وغير جميل أن يرى عن جمالها ... فؤادي صبورا والمسير ميسّر
أيصبر ظمآن يغال بغلّة ... وفي روضة الرّضوان شهد وكوثر؟
فيا عينها الزّرقاء إنّ عيونها ... من الحزن فيض بالنّجيع تفجّر
سأقطع ليلي بالسّرى أو أزورها ... وأحمي الكرى عينا لبعدك يظهر
وأنضي المطايا أو أوافي ربعها ... فتنجدني طورا وطورا تغوّر
حظرت على نفسي الحذار من الرّدى ... أتحذر نفس الحبيب تسيّر؟
أينكر تغرير المشوق بنفسه ... وقد علموا أنّ المحبّ مغرّر؟
وقفت على فتوى المحبّين كلّهم ... فلم أجد التّغرير في الوصل ينكر
وإني إذا ما خطرة خطرت قضت ... بهمّي وعزمي همّة لا تؤطّر
أقيم فألفي بين عينيّ همّتي ... وسيري في سبل العلا ليس ينكر
إذا ما بدت للعين أعلام طيبة ... ولاحت قباب كالكواكب تزهر
وللقبّة الزّهراء سمك سما علا ... وراق سنى كالشمس بل هو أزهر
لها منظر قيد النّواظر والنّهى ... لها ساكن من نوره البدر يبدر
стр. 899
فأعرجوا «١» على أهل «٢» الكمال وسلّموا ... سلمتم وبلّغتم مناكم فأبشروا
بنفسي لا بالمال أرضى بشارة ... إذا لاح نور في سناها مبشّر
وما قدر نفسي أن تكون كفاء «٣» ... ولكنها جهد المقلّ فأعذر
أقول إذا أوفيت أكرم مرسل ... قراي عليكم أنّ ذنبي يغفر
وأحظى بتقريب الجوار مكرّما ... وأصفح عن جور البعاد وأعذر
وأرتع في ظلّ الجنان منعّما ... وأمني بقرب من حماك وأجبر
هناك هناك القرب فانعم بنيله ... بحيث ثوى جسم كريم مطهّر
ودع عنك تطواف البلاد وخيّم «٤» ... بطيبة طابت فهي مسك وعنبر
فخرت بمدحي للنّبيّ محمد ... ومن مدحه المدّاح يزهى ويفخر
أطلت وإنّي في المديح مقصّر ... فكلّ طويل في معاليك يقصر
ما بلغت كفّ امرئ متناول ... بها المجد إلّا والذي نلت أكبر
وما بلغ المهدون في القول مدحة ... وإن أطنبوا إلّا الذي فيك أفخر
عليك صلاة الله ما مرّ سبق ... إليك وما هبّ النّسيم المعطّر
وقال يرثي ابنا نجيبا ثكله بغرناطة: [الطويل]
شباب ثوى شابت عليه المفارق ... وغصن ذوى تاقت إليه الحدائق
على حين راق النّاظرين بسوقه ... رمته سهام للعيون رواشق
فما أخطأت منه الفؤاد بعمدها ... فلا أبصرت تلك العيون الرّوانق
وحين تدانى للكمال هلاله ... ألمّ به نقص وجدّت مواحق
إلى الله أشكو فهو يشكى نوازعا ... عظاما سطاها للعظام عوارق
ولا مثل فقدان البنيّ فجيعة ... وإن طال ما لجّت وجلّت بوائق
محمد إنّ الصّبر صبر وعلقم ... على أنه حلو المثوبة سابق
فإن جزعا فالله للعبد عاذر ... وإن جلدا فالوعد لله صادق
وتالله ما لي بعد عيشك لذّة ... ولا راقني مرأى لعيني رائق
стр. 900
فأني به والمذكرات عديدة ... فنبل وهمّ للعوائد خارق
فإن ألتفت «١» فالشخص للعين ماثل ... وإن أستمع فالصّوت للأذن طارق
وإن أدع شخصا باسمه لضرورة ... فإنّ أسمك المحبوب للنّطق سابق
وإن تقرع الأبواب راحة قارع ... يطر «٢» عندها قلب لذكرك خافق
وكلّ كتاب قد حويت فمذكر ... وآثاره كلّ إليك توائق
سبقت كهولا «٣» في الطّفولة لا تني ... وأرهقت أشياخا وأنت مراهق
فلو لم يغلك الموت دمت مجلّيا ... وأقبل سكّيتا وجيئا «٤» ولا حق
على مهل أحرزت ما شئت ثانيا ... عنانك لا تجهد وأنت مسابق
رأتك المنايا سابقا فأغرتها ... فجدّ طلابا إنّهن لواحق
لئن سلبت منّي نفيس ذخائر ... فإنّي بمذخور الأجور لواثق
وقد كان ظنّي أنّني لك سابق ... فقد صار علمي أنّني بك لاحق
غريبين كنّا فرّق البين بيننا ... فأبرح ما يلقى الغريب المفارق
فبين وبعد بالغريب توكّلا ... قد رعى بما حملت والله ضائق «٥»
عسى وطن يدنو فتدنو له «٦» منى ... وأيّ الأماني والخطوب عوائق؟
فلولا الأسى ذاب الفؤاد من الأسى ... ولولا البكا لم يحمل الحزن طائق
فخطّ الأسى خطّا تروق سطوره ... وتمحو البكا فالدّمع ماح وساحق
فيا واحدا قد كان للعين نورها ... عليك ضياء «٧» بعد بعدك غاسق
عليك سلام الله ما جنّ ساجع ... وما طلعت شمس وما ذرّ شارق
وما همعت سحب غواد روائح ... وما لمعت تحدو الرّعود بوارق
وجاد على مثواك غيث مروّض ... عباد «٨» لرضوان الإله موافق
стр. 901
محنته: تعرّض إليه قوم يوم قتل صديقه أبي عبد الله الحكيم بإذاءة قبيحة، وأسمع كل شارق من القول على ألسنة زعانفة فجّر وترهم القتيل، فتخلّص ولا تسل كيف، وأزمع الرّحيل فلم يلبث بعد ذلك.
وفاته: كانت وفاته بمدينة فاس، في اليوم الثامن من شهر المحرم مفتتح عام أحد وعشرين وسبعمائة. ودفن في الجبانة التي بخارج باب الفتوح بالرّوضة المعروفة بمطرح الجنّة، التي اشتملت على العلماء والصلحاء والفضلاء، من الغرباء الواردين مدينة فاس، وكان مولده بسبتة عام سبعة وخمسين وستمائة.
محمد بن علي بن هاني اللّخمي السّبتي «١»
يكنى أبا عبد الله، ويعرف باسم جدّه، أصلهم من إشبيلية.
حاله: كان، ﵀، فريد دهره في سموّ الهمّة، وإيثار الاقتصاد والتّحلّي بالقناعة، وشموخ الأنف على أهل الرّئاسة، مقتصرا على فائدة ربع له ببلده، يتبلّغ مع الاستقامة، مع الصّبر والعمل على حفظ المروءة، وصون ماء الوجه، إماما في علم العربيّة، مبرّزا متقدّما فيه، حافظا للأقوال، مستوعبا لطريق الخلاف، مستحضرا لحجج التّوجيه، لا يشقّ في ذلك غباره، ريّان من الأدب، بارع الخطّ، سهل مقادة الكلام، مشاركا في الأصلين، قائما على القراءات، حسن المجلس، رائق البزّة، بارع المحاضرة، فائق التّرسّل، متوسط النّظم، كثير الاجتهاد والعكوف، مليح الخلق، ظاهر الخشوع، قريب الدّمعة، بيته شهير الحسب والجلالة.
وجرى ذكره في «الإكليل الزاهر» بما نصّه «٢» : علم تشير إليه الأكفّ «٣» ، ويعمل إلى لقائه الحافر والخفّ «٤» ، رفع للعربيّة ببلده راية لا تتأخّر، ومرج منها لجّة تزخر، فانفسح مجال درسه، وأثمرت أدواح غرسه، فركض بما «٥» شاء وبرّح، ودوّن وشرح، إلى شمائل تملّك «٦» الظّرف زمامها، ودعابة راشت الحلاوة سهامها.
ولمّا أخذ المسلمون في منازلة الجبل «٧» وحصاره، وأصابوا الكفر منه بجارحة
стр. 902
أبصاره، ورموا بالثّكل فيه نازح أمصاره، كان ممّن انتدب وتطوّع، وسمع النّداء فأهطع «١» ، فلازمه إلى أن نفد لأهله القوت، وبلغ من فسحة «٢» الأجل الموقوت، فأقام الصّلاة بمحرابه، وقد «٣» غيّر محيّاه طول اغترابه، وبادره الطّاغية قبل أن يستقرّ نصل الإسلام في قرابه «٤» ، أو يعلق أصل الدّين في ترابه. وانتدب إلى الحصار به وتبرّع، ودعاه أجله فلبّى وأسرع. ولمّا هدر عليه الفنيق «٥» ، وركعت إلى قبلته المجانيق «٦» ، أصيب بحجر دوّم عليه كالجارح المحلّق، وانقضّ إليه انقضاض البارق المتألّق، فاقتنصه واختطفه، وعمد إلى زهره فقطفه «٧» ، فمضى إلى الله طوع نيّته، وصحبته غرابة المنازع حتى في منيّته «٨» .
مشيخته: قرأ على الأستاذ العلّامة أبي إسحاق الغافقي، وعلى الأستاذ النحوي أبي بكر بن عبيدة، واعتمد عليه، وقرأ على الإمام الصالح أبي عبد الله بن حريث.
تواليفه: ألّف «٩» كتبا، منها «١٠» كتاب «شرح التّسهيل لابن مالك» ، وهو أجلّ كتبه، أبدع فيه، وتنافس الناس فيه. ومنها «١١» «الغرّة الطّالعة في شعراء المائة السابعة» ، ومنها «١٢» «إنشاد الضّوّال، وإرشاد السّوّال في لحن العامة» ، وهو كتاب «١٣» مفيد، و «١٤» «قوت المقيم» . ودوّن ترسّل «١٥» رئيس الكتّاب أبي المطرّف بن عميرة وضمّه في سفرين. وله رجز «١٦» في الفرائض مفيد.
شعره: حدّثنا «١٧» شيخنا القاضي الشّريف، نسيج وحده، أبو القاسم الحسني، قال: خاطبت الأستاذ أبا عبد الله بن هانىء، ﵀، بقصيدة من نظمي أولها «١٨» :
стр. 903
[البسيط]
هات «١» الحديث عن الرّكب «٢» الذي شخصا
فأجابني عن ذلك بقصيدة في رويّها «٣» :
لولا مشيب بفودي للفؤاد عصى ... نضيت «٤» في مهمه التّشبيب لي قلصا «٥»
واستوقفت عبراتي وهي جارية ... وكفاء توهم ربعا للحبيب قصا
مسائلا عن لياليه التي انتهزت ... أيدي الأماني بها ما شئته فرصا
وكنت جاريت فيها من جرى طلقا ... من الإجادة لم يحجم «٦» ولا نكصا
أصاب شاكلة المرميّ حين رمى ... من الشّوارد ما لولاه ما اقتنصا
ومن أعدّ مكان النّبل نبل حجا ... لم يرض إلّا بأبكار النّهى قنصا
ثم انثنى ثانيا عطف النّسيب إلى ... مدح به قد غلا ما كان قد رخصا
فظلت أرفل فيها لبسة شرفت ... ذاتا ومنتسبا أعزز به قمصا
يقول فيها وقد خولت منحتها ... وجرّع الكاشح المغرى بها غصصا «٧»
هذي عقائل وافت منك ذا شرف ... لولا أياديه بيع الحمد مرتخصا
فقلت: هلّا عكست القول منك له ... ولم يكن قابلا من «٨» مدحه الرّخصا؟
وقلت: ذي بكر فكر من أخي شرف ... يردي ويرضي بها الحسّاد والخلّصا
لها حلى حسنيّات على حلل ... حسنيّة تستبي من حلّ أو شخصا
خوّلتها وقد اعتزّت ملابسها ... بالبخت ينقاد للإنسان ما عوصا «٩»
خذها أبا قاسم منّي نتيجة ذي ... ودّ إذا شئت ودّا للورى خلصا
جاءت تجاوب عمّا قد بعثت به ... إن كنت تأخذ من درّ النحور حصا
стр. 904
وهي طويلة. وممّا ينسب إليه، وهو مليح في معناه «١» : [الكامل]
ما للنّوى مدّت لغير ضرورة ... ولقبل ما عهدي بها مقصوره
إنّ الخليل وإن دعته ضرورة ... لم يرض ذاك فكيف دون ضروره
وقال مضمّنا: [الرمل]
لا يلمني عاذلي حتى يرى «٢» ... وجه من أهوى فلومي مستحيل
لو رأى وجه حبيبي عاذلي ... لتفارقنا على وجه جميل
وقال في الفخر: [الكامل]
قل للموالي: عش بغبطة حامد ... وللمعادي: بت بضغنة حاسد
المزن كفّي والثريّا همّتي ... وذكاء «٣» ذكري والسّعود مقاصدي «٤»
وقال في غير ذلك: [البسيط]
غنيت بي دون غيري الدّهر عن مثل ... بعضي لبعضي أضحى يضرب المثلا
ظهري انحنى لمشيب لاح وا عجبا ... غضّ إذا أينعت أزهاره ذبلا
أذاك «٥» أم زهر لاحت تخبّر أن ... يوم الصّبا والتّصابي آنس الطّفلا
ومما جمع فيه بين نظمه ونثره، ما راجع به شيخنا القاضي الشريف أبا القاسم الحسني، عن القصيدة الهمزية التي ثبتت في اسمه «٦» : [الكامل]
يا أوحد الأدباء أو يا أوحد ال ... فضلاء أو يا أوحد الشّرفاء
من ذا تراه أحقّ منك إذا التوت ... طرق الحجاج بأن يجيب ندائي «٧»
أدب أرقّ من الهواء وإن تشا ... فمن الهوا والماء والصّهباء
وألذّ من ظلم «٨» الحبيب وظلمه ... بالظّاء مفتوحا وضمّ الظّاء
ما السّحر إلّا ما تصوغ بنانه ... ولسانه من حلية الإنشاء
[والفضل ما حلّيته وحبيته ... وحبوتني منه بخير حباء
стр. 905
أبكار فكرك قد زفّت «١» بمدحتي ... تمشي روائعها على استحياء
لا من قصور بل لتقصيها ... من حيث لم يظفرن بالإرفاء
لكن جبرن وقد جبلن على الرضا ... فالجبر للأبكار للآباء
هذا إلى الشّرف الذي قد فزت ... علياءه «٢» بالعزّة القعساء
شرف السّليل من الرسول وسيلة ... قامت بابن «٣» سنا وابن «٤» سناء
حسن أبو «٥» حسن وفاطمة ابنة ال ... هادي البريّة خاتم النّبلاء
شرف على شرف إلى شرفين ... من حائز «٦» ما حزت من علياء
هذي ثلاث أنت واحد فخرها ... فاشمخ لها شرفا بأنف علاء
من رام رتبتك السّنيّة فليقف ... دون المرام مواقف الإقصاء
هذي مآثر قد شأوت بصيتها ... من كان من آب لها أو شاء
واللّيث يرهب زأره في موطن ... ما كان من نقد به أو شاء
يكفيك من نكد المعاند أن يرى ... متقلّد الأعضاء بالبغضاء
السّنّ يفنى بالأنامل قرعه ... أو عضّه متوقّد الأحشاء
أتحفتني بقصيدة همزيّة ... مقصورة ممدودة الآراء
كم بين تلك وهذه لكنّها ... غطّى على هذي ذهاب فتائي «٧»
ذو الشيب يعذره الشّباب فما لهم ... بذكاء «٨» نبل أو بنبل ذكاء
من قارب الخمسين خطوا سنّه ... فمحاله مستوجب الإبطاء
أبنيّ، إنك أنت أسدى من به ... يتعاظم الآباء بالأبناء] «٩»
لله نفثة سحر ما قد شدت لي ... من نفث سحرك في مشاد ثناء
عارضت صفوانا بها فأريت ما ... يستعظم الرّاوي له والرّائي «١٠»
لو راء لؤلؤك المنظّم لم يفز ... في «١١» نظم لؤلؤه بغير عناء
стр. 906
بوّأتني منها أجلّ مبوّإ ... فلأخمصي مستوطن «١» الجوزاء
وسما بها اسمي سائرا «٢» فأنا بما ... أسديت ذو الأسماء في الأسماء
وأشدت ذكري في البلاد فلي بها ... طول الثّناء وإن أطلت ثوائي «٣»
ولقومي الفخر المشيد بنيته ... يا حسن «٤» تشييد وحسن بناء
فليهن هانيهم يد بيضاء ما ... إن مثلها لك من يد بيضاء
حلّيت أبياتا لهم «٥» لخميّة ... تجلى على «٦» مضريّة غرّاء
فليشمخوا أنفا بما أوليتهم ... يا محرز الآلاء بالإيلاء
هذا «٧» ، بنيّ، وصل الله سبحانه «٨» لك ولي بك علوّ المقدار، وأجرى وفق أو فوق إرادتك أو»
إرادتي لك جاريات الأقدار! ما سمح «١٠» به الذهن الكليل، واللسان الفليل، في مراجعة قصيدتك الغرّاء، الجالية السّراء «١١» ، الآخذة بمجامع القلوب، الآتية «١٢» بجوامع المطلوب، الحسنة المهيع «١٣» والأسلوب، المتحلّية بالحلى السّنيّة «١٤» ، العريقة المنتسب في العلى الحسنيّة، الجالية صدأ «١٥» قلوب ران عليها الكسل، وخانها المسعدان السّؤل والأمل، فمتى حامت المعاني حولها، ولو أقامت حولها، شكت ويلها وعولها، وحرمت من فريضة الفضيلة عولها، وعهدي بها والزمان زمان، وأحكامه «١٦» الماضية أمانيّ مقضيّة وأمان، تتوارد ألّافها، ويجمع إجماعها وخلافها، ويساعدها من الألفاظ كلّ سهل ممتع، مفترق مجمع «١٧» ، مستأنس غريب، بعيد الغور قريب، فاضح الحلا، واضح العلا، وضّاح الغرّة والجبين، رافع عمود الصبح المبين، أيّد من الفصاحة بأياد، فلم يحفل بصاحبي طيّ وإياد، وكسي
стр. 907
بضاعة «١» البلاغة، فلم يعبأ بهمّام وابن المراغة «٢» . شفاء المحزون، وعلم السّرّ «٣» المخزون، ما بين منثوره والموزون. والآن لا ملهج ولا مبهج، ولا مرشد ولا منهج، عكست القضايا فلم تنتج، فتبلّد القلب الذّكي، ولم يرشح القليب البكي «٤» ، وعمّ الإفحام، وغمّ الإحجام، وتمكّن الإكداء والإجبال، وكوّرت الشّمس وسيّرت الجبال، وعلت سآمة، وغلبت ندامة، وارتفعت ملامة، وقامت لنوعي الأدب قيامة. حتى إذا ورد ذلك المهرق، وفرّع غصنه المورق، تغنّى «٥» به الحمام الأورق، وأحاط بعداد عداته الغصص والشّرق، وأمن من الغصب والسّرق، وأقبل الأمن وذهب بإقباله الفرق، نفخ في صور أهل المنظوم والمنثور، وبعثر ما في القبور، وحصّل ما في الصدور، وتراءت للأدب صور، وعمرت للبلاغة كور، وهمت لليراعة درر، ونظمت للبراعة درر، وعندها يتبيّن «٦» أنك واحد حلبة البيان، والسّابق في ذلك الميدان، يوم الرّهان، فكان لك القدم، وأقرّ لك مع التأخر السّابق الأقدم، فوحقّ نصاعة ألفاظ أجدتها، حين أوردتها، وأسلتها حين أرسلتها، وأزنتها حين وزنتها، وبراعة معان سلكتها حين ملكتها، وأرويتها حين روّأتها «٧» وأرويتها، وأصلتها حين فصّلتها ووصلتها «٨» ، ونظام جعلته لجسد «٩» البيان قلبا، ولمعصمه قلبا «١٠» ، وهصرت حدائقه غلبا، وارتكبت رويّه «١١» صعبا، ونثار «١٢» أتبعته له خديما، وصيّرته لمدير كأسه نديما، ولحفظ «١٣» ذمامه المداميّ أو مدامه الذّماميّ مديما، لقد فتنتني حين أتتني، وسبتني حين نصبتني «١٤» ، فذهبت خفّتها بوقاري، ولم يرعها بعد شيب عذاري، بل دعت للتّصابي فقلت مرحبا، وحللت لفتنتها الحبا، ولم أحفل بشيب، وألفيت ما ردّ نصابي نصيب «١٥» ، وإن كنّا فرسي رهان، وسابقي حلبة ميدان، غير أنّ الجلدة
стр. 908
بيضاء، والمرجوّ الإغضاء، بل الإرضاء. بنيّ، كيف رأيت للبيان هذا الطّوع، والخروج فيه من نوع إلى نوع؟ أين صفوان بن إدريس، ومحلّ دعواه بين رحلة وتعريس «١» ؟ كم بين ثغاء بقر «٢» هذا الفلا، وبين زئير ليث العريس؟ كما أني أقطع «٣» علما، وأعلم قطعا، وأحكم مضاء وأمضى حكما، أنه لو نظر إلى قصيدتك الرّائقة، وفريدتك الحالية الفائقة، المعارضة بها قصيدته، المنتسخة بها فريدته، لذهب عرضا وطولا، ثم اعتقد لك اليد الطّولى، وأقرّ بارتفاع «٤» النّزاع، وذهبت له تلك العلالات «٥» والأطماع، ونسي كلمته اللّؤلؤية، ورجع عن دعواه الأدبيّة، واستغفر الله ربّه من تلك الإلهية «٦» . بنيّ، وهذا من ذلك، من الجري في تلك المسالك، والتّبسّط في تلك المآخذ والمتارك، أينزع غيري هذا المنزع؟ أم المرء بشعره «٧» وابنه مولع؟ حيّا الله الأدب وبنيه، وأعاد علينا من أيّامه وسنيه! ما أعلى منازعه، وأكبا منازعه، وأجلّ مآخذه، وأجهل تاركه وأعلم آخذه، وأرقّ طباعه، وأحقّ أشياعه وأتباعه، وأبعد طريقه، وأسعد فريقه، وأقوم نهجه، وأوثق نسجه، وأسمح ألفاظه، وأفصح عكاظه، وأصدق معانيه وألفاظه، وأحمد نظامه ونثاره، وأغنى شعاره ودثاره، فعائبه مطرود، وعاتبه مصفود، وجاهله محصود، وعالمه محسود، غير أن الإحسان فيه قليل، ولطريق الإصابة فيه علم ودليل، من ظفر بهما وصل، وعلى الغاية القصوى منهما «٨» حصل، ومن نكب عن الطريق، لم يعدّ من ذلك الفريق، فليهنك أيها الابن الذّكيّ، البرّ الزّكيّ، الحبيب الحفيّ «٩» ، الصّفيّ الوفيّ، أنك حامل رايته، وواصل غايته، ليس أوّلوه وآخروه لذلك بمنكرين، ولا تجد أكثرهم شاكرين. ولولا أن يطول الكتاب، وينحرف الشّعراء والكتّاب، لفاضت ينابيع هذا الفصل «١٠» فيضا، وخرجت إلى نوع آخر من البلاغة أيضا، قرّت عيون أودّائك «١١» ، وملئت غيظا صدور أعدائك، ورقيت درج الآمال، ووقيت عين الكمال، وحفظ منصبك العالي، بفضل ربّك الكبير المتعالي. والسلام
стр. 909
الأتم «١» الأكمل الأعمّ، يخصّك به من طال في مدحه إرقالك وإغذاذك «٢» ، وراد روض حمده «٣» طلّك ورذاذك، وغدت مصالح سعيه في سعي مصالحك، وسينفعك بحول الله وقوته وفضله ومنّته معاذك، ووسمت نفسك بتلميذه فسمت نفسه بأنه أستاذك، ابن هانىء، ورحمة الله وبركاته.
دخوله غرناطة: دخل غرناطة مع الوفد من أهل بلده عند تصيّرها إلى الإيالة النّصرية، حسبما ثبت في موضعه.
وفاته: توفي بجبل الفتح، والعدوّ يحاصره، أصابه حجر المنجنيق في رأسه، فذهب به، تقبّل الله شهادته ونفعه، في أواخر ذي قعدة، من عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة «٤» .
وممّن رثاه قاضي الجماعة شيخنا القاضي أبو القاسم الحسني، وهي القصيدة التي أولها «٥» : [الطويل]
سقى الله بالخضراء أشلاء سؤدد ... تضمّنهنّ التّرب صوب الغمائم
وقد ثبت في «جهد المقل» في اسم المذكور، فلينظر هنالك.
وممّن رثاه شيخنا القاضي أبو بكر بن شبرين، ﵀ بقوله «٦» : [مجزوء الكامل]
قد كان ما قال اليزيد «٧» ... فاصبر فحزنك لا يفيد
أودى ابن هانىء الوضا ... فاعتادني للثّكل عيد
بحر العلوم وصدرها ... وعميدها إذ لا عميد
قد كان زينا للوجو ... د ففيه قد فجع الوجود
العلم والتّحقيق والت ... وفيق والحسب التّليد
تندى خلائقه فقل ... فيها: هي الرّوض المجود
стр. 910
مغض عن الإخوان لا ... جهم اللقاء ولا كنود «١»
أودى شهيدا باذلا ... مجهوده نعم الشّهيد
لم أنسه حين المعا ... رف باسمه فينا تشيد
وله صبوب في طلا ... ب العلم يتلوه صعود
لله وقت كان ين ... ظمنا كما نظم الفريد
أيام نغدو أو نرو ... ح وسعينا السّعي الحميد
وإذا المشيخة جثّم ... هضبات حلم لا تبيد «٢»
ومرادنا جمّ النّبا ... ت وعيشنا خضر برود «٣»
لهفي على الإخوان وال ... أتراب كلّهم فقيد
لو جئت أوطاني لأن ... كرني التّهائم والنّجود
ولراع نفسي شيب من ... غادرته وهو الوليد
ولطفت ما بين اللّحو ... د وقد تكاثرت اللّحود
سرعان ما عاث الحما ... م ونحن أيقاظ هجود
كم رمت إعمال المسي ... ر فقيّدت عزمي قيود
والآن أخلفت الوعو ... د وأخلقت تلك البرود
ما للفتى ما يبتغي ... والله «٤» يفعل ما يريد
أعلى القديم الملك يا ... ويلاه يعترض العبيد
يا بين، قد طال المدى ... أرعد وأبرق يا يزيد «٥»
ولكل شيء غاية ... ولربما لان الحديد
إيه أبا عبد الإل ... هـ ودوننا مرمى بعيد
أين الرسائل منك تأ ... تينا كما نظم «٦» العقود؟
أين الرّسوم الصالحا ... ت؟ تصرّمت، أين العهود؟
стр. 911
أنعم مساء لا تخطّت ... ك «١» البشائر والسّعود
وأقدم على دار الرّضا ... حيث الإقامة والخلود
والق الأحبّة حيث دا ... ر الملك والقصر المشيد
حتى الشّهادة لم تفت ... ك فنجمك النّجم السّعيد
لا تبعدن وعدا «٢» لو أن ... ن الميت «٣» في الدنيا يعود
ولئن «٤» بليت فإنّ ذكر ... ك في الدّنا غضّ جديد
تالله لا تنساك أن ... دية العلى ما اخضرّ عود
وإذا تسومح في الحقو ... ق فحقّك الحقّ الأكيد
جادت صداك غمامة ... يروى «٥» بها ذاك الصّعيد
وتعهّدتك من المهي ... من رحمة أبدا وجود
محمد بن يحيى العبدري
من أهل فاس، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بالصّدفي.
حاله: قال الأستاذ في «صلته» «٦» : إمام في العربية، ذاكر للّغات والآداب، متكلم، أصولي مفيد، متفنّن، حافظ، ماهر، عالم، زاهد، ورع، فاضل. أخذ علم العربية والآداب عن النّحوي أبي الحسن بن خروف، وعن النّحوي الأديب الضّابط أبي ذرّ الخشني، وأكثر عنهما، وأكمل الكتاب على ابن خروف، تفقّها وتقييدا وضبطا. وكان حسن الإقراء، جيّد العبارة، متين المعارف والدّين، شديد الورع، متواضعا جليلا، عالما عاملا، من أجلّ من لقيته، وأجمعهم لفنون المعارف، وضروب الأعمال، وكان الحفظ أغلب عليه، وكان سريع القلم إذا كتب أو قيّد، وسمعته يقول: ما سمعت شيئا من أحد من أشياخي، من نكت العلم، وتفسير مشكل، وما يرجع إلى ذلك، إلّا وقيّدته، ولا قيّدت بخطّي شيئا إلّا حفظته، ولا حفظت شيئا فنسيته. هذا ما سمعت منه.
стр. 912
مشيخته: أخذ العربيّة عن الأستاذ أبي الحسن بن خروف، وعن النّحوي الأديب الضّابط أبي ذرّ الخشني، وأكثر عنه، وأخذ معهما عن أبي محمد بن زيدان، ولازم ثلاثتهم، وسمع وقرأ على الفقيه الصالح أبي محمد صالح، وأخذ عن غير من ذكر.
دخوله غرناطة: قال: دخل الأندلس مرارا بيسير بضاعة كانت لديه، يتّجر فيها، ودخل إشبيلية، وتردّد آخر عمره إلى غرناطة ومالقة إلى حين وفاته.
وفاته: توفي، ﵀، شهيدا بمرسى جبل الفتح. دخل عليهم العدوّ فيه، فقاتل حين قتل، وذلك سنة إحدى «١» وخمسين وستمائة. وسمعته يتوسل إلى الله، ويسأله الشهادة.
المحدّثون والفقهاء والطلبة النجباء وأولا الأصليون
محمد بن أحمد بن إبراهيم بن الزّبير «٢»
من أهل غرناطة، ولد الأستاذ الكبير أبي جعفر بن الزبير، يكنى أبا عمرو.
حاله: هذا «٣» الشيخ سكّيت حلبة، ولد أبيه في علوّ النّباهة، إلّا أنه لوذعي فكه، حسن الحديث، رافض للتّصنّع، ركض طرف الشّبيبة في ميدان الراحة، منكبا عن سنن أبيه وقومه، مع شغوف «٤» إدراك، وجودة حفظ، كانا يطمعان والده في نجابته، فلم يعدم قادحا. ورحل إلى العدوة، وشرّق ونال حظوة، وجرت عليه خطوب. ثم عاد إلى الأندلس على معروف رسمه يتكوّر بها، وهو الآن قد نال منه الكبر، يزجي الوقت «٥» بمالقة، متعلّلا بوقف «٦» من بعض الخدم المخزنيّة «٧» ، لطف الله به.
مشيخته: استجاز له والده الطّم والرّم، من أهل المغرب والمشرق، ووقف عليه منهم في الصّغر وقفا لم يغتبط به عمره، وادّكره الآن بعد أمّة، عندما نقر عنه لديه، فأثرت به يده من علوّ رواية، وتوفّر سبب مبرّة، وداعية إلى إقالة عثرة، وستر
стр. 913
هيبة شيبة. فمن ذلك الشيخ الإمام أبو علي ناصر الدين منصور بن أحمد المشدالي، إجازة ثم لقاء وسماعا، والشيخ الخطيب الرّاوية أبو عبد الله بن غريون. وأجازه الأستاذ أبو إسحاق الغافقي، وأبو القاسم بن الشّاط، والشّريف أبو العباس أحمد الحسني، والأستاذ الإمام أبو الحسين عبد الله بن أبي الربيع القرشي، نزيل سبتة.
ومحمد بن صالح بن أحمد بن محمد الكتّاني الشّاطبي ببجاية، والإمام أبو اليمن بن عساكر بالمسجد الحرام، وابن دقيق العيد وغيرهم. ومن أهل الأندلس أبو محمد بن أبي السّداد، وأبو جعفر بن الزيات، وأبو عبد الله بن الكمّاد، وأبو عبد الله بن ربيع الأشعري، وأبو عبد الله بن برطال، وأبو محمد عبد المنعم بن سماك، والعدل أبو الحسن بن مستقور. وأجازه من أهل المشرق والمغرب عالم كبير.
شعره: وبضاعته فيه مزجاة، فمن ذلك ما خاطبني به عند إيابي من العدوة في غرض الرسالة عن السلطان «١» : [الوافر]
نوالي الشّكر للرحمن فرضا ... علم نعم كست طولا وعرضا
وكم لله من لطف خفيّ ... لنا منه الذي قد شا «٢» وأمضى «٣»
بمقدمك السّعيد أتت سعود ... ننال «٤» بها نعيم الدّهر محضا
فيا بشرى لأندلس بما قد ... به والاك بارينا وأرضى
ويا لله من سفر سعيد ... قد أقرضت «٥» المهيمن فيه قرضا
نهضت «٦» بنيّة أخلصت فيها ... فأبت «٧» بكل ما يبغي ويرضى
وثبت لنصرة الإسلام لمّا ... علمت بأنّ الأمر إليك أفضى
لقد أحييت بالتّقوى رسوما ... كما أرضيت بالتّمهيد أرضا
وقمت بسنّة المختار فينا ... تمهّد سنّة وتقيم فرضا
ورضت «٨» من العلوم الصّعب حتى ... جنيت ثمارها رطبا وغضّا
стр. 914
فرأيك ناجح «١» فيما تراه ... وعزمك من مواضي الهند أمضى
تدبّر أمر مولانا فيلقى ال ... مسيء لديك إشفاقا وإغضا «٢»
فأعقبنا شفاء «٣» وانبساطا ... وقد كانت قلوب الناس مرضى
ومن أضحى على ظمإ وأمسى ... يرد إن شاء من نعماك حوضا «٤»
أبا عبد الإله إليك أشكو ... زماني حين زاد الفقر عضّا «٥»
ومن نعماك أستجدي لباسا ... يفيض «٦» به عليّ الجاه فيضا
بقيت مؤمّلا ترجى وتخشى ... ومثلك من إذا ما جاد أرضى
وفاته: توفي في التاسع لمحرم من عام خمسة وستين وسبعمائة.
محمد بن أحمد بن خلف بن عبد الملك ابن غالب الغسّاني
من أهل غرناطة، يكنى أبا أبكر، ويعرف بالقليعي «٧» ،
أوليته: قد جرى من ذكره وذكر بيته في الطبقات ما فيه كفاية «٨» .
حاله: كان «٩» نبيه البيت، رفيع القدر، عالي الصيت، من أهل العلم والفضل والحسب والدّين، وأجمع على استقضائه أهل بلده بعد أبي محمد بن سمحون سنة ثمان وخمسمائة.
وفاته: توفي بغرناطة أوائل صفر عشرة وخمسمائة، ودفن في روضة أبيه. ذكره ابن الصّيرفي وأطنب.
стр. 915
محمد بن أحمد بن محمد الدّوسي «١»
من أهل غرناطة، يكنى أبا عبد الله ويعرف بابن قطبة.
حاله: من «عائد الصلة» : كان، ﵀، شيخ الفقهاء والموثّقين، صدر أرباب الشورى، نسيج وحده في الفضل والتّخلّق والعدالة، طرفا في الخير، محبّبا إلى الكافة، مجبولا على المشاركة، مطبوعا على الفضيلة، كهفا للغرباء والقادمين، مألفا للمتعلمين، ثمالا للأسرى والعانين، تخلّص منهم على يديه أمم؛ لقصد الناس إيّاه بالصّدقة، مقصودا في الشّفاعات، معتمدا بالأمانات، لا يسدل دونه ستر، ولا تحجب عنه حرمة، فقيها حافظا، أخباريا محدّثا ممتعا، متقدما في صناعة التوثيق، حسن المشاركة في غيرها، كثير الحضّ على الصدقة في المحول والأزمات، يقوم في ذلك مقامات حميدة، ينفع الله بها الضعفاء، وينقاد الناس لموعظته، ويؤثّر في القلوب بصدقة. فقد بفقدانه رسم من رسوم البرّ والصّدقة.
مشيخته: قرأ على الأستاذ الكبير أبي جعفر بن الزّبير، والخطيب وليّ الله أبي الحسن بن فضيلة، وروى عن الشيخ الوزير المسنّ المحدّث أبي محمد عبد المنعم بن سماك، وأبي القاسم بن السّكوت المالقي، والخطيب أبي عبد الله بن رشيد، والقاضي أبي يحيى بن مسعود، والعدل أبي علي البجلي، وأبي محمد عبد المؤمن الخولاني. وأجازه جماعة من أهل المشرق والمغرب، وناب عن بعض القضاة بغرناطة. ولد عام تسعة وستين وستمائة، وتوفي في الثالث لربيع الأول من عام ثمانية وثلاثين وسبعمائة. وكانت جنازته مشهودة.
محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن يوسف بن روبيل الأنصاري
من أهل غرناطة، ويكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن السّراج. طليطلي الأصل، طبيب الدار السلطانية.
حاله: من «العائد» : كان، ﵀، من أهل التّفنّن والمعرفة، متناهي الأبّهة والحظوة، جميل الصورة، مليح المجالسة، كثير الدّعابة والمؤانسة، ذاكرا للأخبار والطّرف، صاحب حظّ من العربية والأدب والتفسير، قارضا للشّعر، حسن الخط،
следующие страницы →