Полный текст (1 954 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
أنعم مساء لا تخطّت ... ك «١» البشائر والسّعود
وأقدم على دار الرّضا ... حيث الإقامة والخلود
والق الأحبّة حيث دا ... ر الملك والقصر المشيد
حتى الشّهادة لم تفت ... ك فنجمك النّجم السّعيد
لا تبعدن وعدا «٢» لو أن ... ن الميت «٣» في الدنيا يعود
ولئن «٤» بليت فإنّ ذكر ... ك في الدّنا غضّ جديد
تالله لا تنساك أن ... دية العلى ما اخضرّ عود
وإذا تسومح في الحقو ... ق فحقّك الحقّ الأكيد
جادت صداك غمامة ... يروى «٥» بها ذاك الصّعيد
وتعهّدتك من المهي ... من رحمة أبدا وجود
محمد بن يحيى العبدري
من أهل فاس، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بالصّدفي.
حاله: قال الأستاذ في «صلته» «٦» : إمام في العربية، ذاكر للّغات والآداب، متكلم، أصولي مفيد، متفنّن، حافظ، ماهر، عالم، زاهد، ورع، فاضل. أخذ علم العربية والآداب عن النّحوي أبي الحسن بن خروف، وعن النّحوي الأديب الضّابط أبي ذرّ الخشني، وأكثر عنهما، وأكمل الكتاب على ابن خروف، تفقّها وتقييدا وضبطا. وكان حسن الإقراء، جيّد العبارة، متين المعارف والدّين، شديد الورع، متواضعا جليلا، عالما عاملا، من أجلّ من لقيته، وأجمعهم لفنون المعارف، وضروب الأعمال، وكان الحفظ أغلب عليه، وكان سريع القلم إذا كتب أو قيّد، وسمعته يقول: ما سمعت شيئا من أحد من أشياخي، من نكت العلم، وتفسير مشكل، وما يرجع إلى ذلك، إلّا وقيّدته، ولا قيّدت بخطّي شيئا إلّا حفظته، ولا حفظت شيئا فنسيته. هذا ما سمعت منه.
стр. 912
مشيخته: أخذ العربيّة عن الأستاذ أبي الحسن بن خروف، وعن النّحوي الأديب الضّابط أبي ذرّ الخشني، وأكثر عنه، وأخذ معهما عن أبي محمد بن زيدان، ولازم ثلاثتهم، وسمع وقرأ على الفقيه الصالح أبي محمد صالح، وأخذ عن غير من ذكر.
دخوله غرناطة: قال: دخل الأندلس مرارا بيسير بضاعة كانت لديه، يتّجر فيها، ودخل إشبيلية، وتردّد آخر عمره إلى غرناطة ومالقة إلى حين وفاته.
وفاته: توفي، ﵀، شهيدا بمرسى جبل الفتح. دخل عليهم العدوّ فيه، فقاتل حين قتل، وذلك سنة إحدى «١» وخمسين وستمائة. وسمعته يتوسل إلى الله، ويسأله الشهادة.
المحدّثون والفقهاء والطلبة النجباء وأولا الأصليون
محمد بن أحمد بن إبراهيم بن الزّبير «٢»
من أهل غرناطة، ولد الأستاذ الكبير أبي جعفر بن الزبير، يكنى أبا عمرو.
حاله: هذا «٣» الشيخ سكّيت حلبة، ولد أبيه في علوّ النّباهة، إلّا أنه لوذعي فكه، حسن الحديث، رافض للتّصنّع، ركض طرف الشّبيبة في ميدان الراحة، منكبا عن سنن أبيه وقومه، مع شغوف «٤» إدراك، وجودة حفظ، كانا يطمعان والده في نجابته، فلم يعدم قادحا. ورحل إلى العدوة، وشرّق ونال حظوة، وجرت عليه خطوب. ثم عاد إلى الأندلس على معروف رسمه يتكوّر بها، وهو الآن قد نال منه الكبر، يزجي الوقت «٥» بمالقة، متعلّلا بوقف «٦» من بعض الخدم المخزنيّة «٧» ، لطف الله به.
مشيخته: استجاز له والده الطّم والرّم، من أهل المغرب والمشرق، ووقف عليه منهم في الصّغر وقفا لم يغتبط به عمره، وادّكره الآن بعد أمّة، عندما نقر عنه لديه، فأثرت به يده من علوّ رواية، وتوفّر سبب مبرّة، وداعية إلى إقالة عثرة، وستر
стр. 913
هيبة شيبة. فمن ذلك الشيخ الإمام أبو علي ناصر الدين منصور بن أحمد المشدالي، إجازة ثم لقاء وسماعا، والشيخ الخطيب الرّاوية أبو عبد الله بن غريون. وأجازه الأستاذ أبو إسحاق الغافقي، وأبو القاسم بن الشّاط، والشّريف أبو العباس أحمد الحسني، والأستاذ الإمام أبو الحسين عبد الله بن أبي الربيع القرشي، نزيل سبتة.
ومحمد بن صالح بن أحمد بن محمد الكتّاني الشّاطبي ببجاية، والإمام أبو اليمن بن عساكر بالمسجد الحرام، وابن دقيق العيد وغيرهم. ومن أهل الأندلس أبو محمد بن أبي السّداد، وأبو جعفر بن الزيات، وأبو عبد الله بن الكمّاد، وأبو عبد الله بن ربيع الأشعري، وأبو عبد الله بن برطال، وأبو محمد عبد المنعم بن سماك، والعدل أبو الحسن بن مستقور. وأجازه من أهل المشرق والمغرب عالم كبير.
شعره: وبضاعته فيه مزجاة، فمن ذلك ما خاطبني به عند إيابي من العدوة في غرض الرسالة عن السلطان «١» : [الوافر]
نوالي الشّكر للرحمن فرضا ... علم نعم كست طولا وعرضا
وكم لله من لطف خفيّ ... لنا منه الذي قد شا «٢» وأمضى «٣»
بمقدمك السّعيد أتت سعود ... ننال «٤» بها نعيم الدّهر محضا
فيا بشرى لأندلس بما قد ... به والاك بارينا وأرضى
ويا لله من سفر سعيد ... قد أقرضت «٥» المهيمن فيه قرضا
نهضت «٦» بنيّة أخلصت فيها ... فأبت «٧» بكل ما يبغي ويرضى
وثبت لنصرة الإسلام لمّا ... علمت بأنّ الأمر إليك أفضى
لقد أحييت بالتّقوى رسوما ... كما أرضيت بالتّمهيد أرضا
وقمت بسنّة المختار فينا ... تمهّد سنّة وتقيم فرضا
ورضت «٨» من العلوم الصّعب حتى ... جنيت ثمارها رطبا وغضّا
стр. 914
فرأيك ناجح «١» فيما تراه ... وعزمك من مواضي الهند أمضى
تدبّر أمر مولانا فيلقى ال ... مسيء لديك إشفاقا وإغضا «٢»
فأعقبنا شفاء «٣» وانبساطا ... وقد كانت قلوب الناس مرضى
ومن أضحى على ظمإ وأمسى ... يرد إن شاء من نعماك حوضا «٤»
أبا عبد الإله إليك أشكو ... زماني حين زاد الفقر عضّا «٥»
ومن نعماك أستجدي لباسا ... يفيض «٦» به عليّ الجاه فيضا
بقيت مؤمّلا ترجى وتخشى ... ومثلك من إذا ما جاد أرضى
وفاته: توفي في التاسع لمحرم من عام خمسة وستين وسبعمائة.
محمد بن أحمد بن خلف بن عبد الملك ابن غالب الغسّاني
من أهل غرناطة، يكنى أبا أبكر، ويعرف بالقليعي «٧» ،
أوليته: قد جرى من ذكره وذكر بيته في الطبقات ما فيه كفاية «٨» .
حاله: كان «٩» نبيه البيت، رفيع القدر، عالي الصيت، من أهل العلم والفضل والحسب والدّين، وأجمع على استقضائه أهل بلده بعد أبي محمد بن سمحون سنة ثمان وخمسمائة.
وفاته: توفي بغرناطة أوائل صفر عشرة وخمسمائة، ودفن في روضة أبيه. ذكره ابن الصّيرفي وأطنب.
стр. 915
محمد بن أحمد بن محمد الدّوسي «١»
من أهل غرناطة، يكنى أبا عبد الله ويعرف بابن قطبة.
حاله: من «عائد الصلة» : كان، ﵀، شيخ الفقهاء والموثّقين، صدر أرباب الشورى، نسيج وحده في الفضل والتّخلّق والعدالة، طرفا في الخير، محبّبا إلى الكافة، مجبولا على المشاركة، مطبوعا على الفضيلة، كهفا للغرباء والقادمين، مألفا للمتعلمين، ثمالا للأسرى والعانين، تخلّص منهم على يديه أمم؛ لقصد الناس إيّاه بالصّدقة، مقصودا في الشّفاعات، معتمدا بالأمانات، لا يسدل دونه ستر، ولا تحجب عنه حرمة، فقيها حافظا، أخباريا محدّثا ممتعا، متقدما في صناعة التوثيق، حسن المشاركة في غيرها، كثير الحضّ على الصدقة في المحول والأزمات، يقوم في ذلك مقامات حميدة، ينفع الله بها الضعفاء، وينقاد الناس لموعظته، ويؤثّر في القلوب بصدقة. فقد بفقدانه رسم من رسوم البرّ والصّدقة.
مشيخته: قرأ على الأستاذ الكبير أبي جعفر بن الزّبير، والخطيب وليّ الله أبي الحسن بن فضيلة، وروى عن الشيخ الوزير المسنّ المحدّث أبي محمد عبد المنعم بن سماك، وأبي القاسم بن السّكوت المالقي، والخطيب أبي عبد الله بن رشيد، والقاضي أبي يحيى بن مسعود، والعدل أبي علي البجلي، وأبي محمد عبد المؤمن الخولاني. وأجازه جماعة من أهل المشرق والمغرب، وناب عن بعض القضاة بغرناطة. ولد عام تسعة وستين وستمائة، وتوفي في الثالث لربيع الأول من عام ثمانية وثلاثين وسبعمائة. وكانت جنازته مشهودة.
محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن يوسف بن روبيل الأنصاري
من أهل غرناطة، ويكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن السّراج. طليطلي الأصل، طبيب الدار السلطانية.
حاله: من «العائد» : كان، ﵀، من أهل التّفنّن والمعرفة، متناهي الأبّهة والحظوة، جميل الصورة، مليح المجالسة، كثير الدّعابة والمؤانسة، ذاكرا للأخبار والطّرف، صاحب حظّ من العربية والأدب والتفسير، قارضا للشّعر، حسن الخط،
стр. 916
ظريف الوراقة، طرفا في المعرفة بالعشب، وتمييز أعيان النّبات، سنيّا، محافظا، محبّا في الصالحين، ملازما لهم، معتنيا بأخبارهم، متلمذا لهم. انحاش إلى الولي أبي عبد الله التّونسي، وانقطع إليه مدة حياته، ودوّن أحواله وكراماته. وعيّن ريع ما يستفيده في الطّبّ صدقة على يديه، أجرى ذلك بعد موته لبنيه. ونال حظا عريضا من جاه السلطان، فاطّرح حظّ نفسه مع المساكين والمحتاجين، فكان على بأوه على أهل الدنيا، يؤثر ذوي الحاجة، ويخفّ إلى زيارتهم، ويرفدهم، ويعينهم على معالجة عللهم.
مشيخته: قرأ الطّبّ على الشيخ الطبيب، نسج وحده أبي جعفر الكزني، رئيس الصناعة في وقته، ولقي فيه الأستاذ إمام التّعاليم والمعارف أبا عبد الله الرّقوطي المرسي وغيره. وقرأ القرآن على المقرئ الشهير أبي جعفر الطبّاع بالروايات السّبع، والعربية على الأستاذ أبي الحسن بن الصائغ الإشبيلي، وأكثر القراءة على شيخ الجماعة العلّامة أبي جعفر بن الزّبير.
تواليفه: ألّف كتبا كثيرة، منها في النّبات والرؤيا، ومنها كتاب سمّاه، «السّرّ المذاع، في تفضيل غرناطة على كثير من البقاع» .
شعره: من ذلك قوله ملغّزا في المطر: [الطويل]
وما زائر مهما أتى ابتهجت به ... نفوس وعمّ الخلق جودا وإحسانا
يقيم فيشكو الخلق منه مقامه ... ويكربهم طرّا إذا عنهم بانا
يسرّ إذا وافى ويكرب إن نأى ... ويكره منه الوصل إن زار أحيانا
وأعجب شيء هجر حبّ مواصل ... به لم «١» يطل هواه إن لم يطل خانا
محنته: ذكر أنه لما توفي السلطان ثاني الملوك من بني نصر «٢» فجأة، وهو يصلّي المغرب، وباكر الطبيب بابه غداة ليلة موته، سأل عن الطعام القريب عهد موته بتناوله، فأخبر أنّه تناول كعكا وصله من وليّ عهده، فقال كلاما أوجب نكبته، فامتحن بالسّجن الطويل، والتمست الأسباب الموصلة إلى هلاكه، ثم أجلي إلى العدوة. ثم دالت الأيام، فعاد إلى وطنه مستأنفا ما عهده من البرّ وفقده من التّجلّة.
ميلاده: بغرناطة عام أربعة وخمسين وستمائة.
стр. 917
وفاته: ليلة الخميس التاسع من شهر ربيع الأول من عام ثلاثين وسبعمائة.
محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن أبي زمنين المرّي «١»
يكنى أبا عبد الله «٢» ، وبيته معلوم.
حاله: كان من أهل المعرفة والنّبل والذكاء.
مشيخته: قرأ القرآن على أبي بكر بن النّفيس، وأبي عبد الله بن شهيد المرّي المقرئ بطخشارش من غرناطة. ودرس الفقه عند المشاور أبي عبد الله بن مالك «٣» المقرئ، وأبي الحسن علي بن عمر بن أضحى، وعلى غيرهما من شيوخ غرناطة.
وفاته: توفي سنة أربعين وخمسمائة.
قلت: وإنما ذكرت هذا المترجم به مع كوني اشترطت صدر خطبته ألّا أذكر هذا النمط لمكان مصاهرتي في هذا البيت. ولعلّ حافد هذا المترجم به من ولدي يطّلع على تعدادهم وذكرهم في هذا التأليف وتردادهم، فيكون ذلك محرّضا له على النّجابة، محرّضا للإجابة، جعلنا الله ممّن انتمى للعلم وأهله، واقتفى من سننه واضح سبله.
محمد بن جابر بن محمد بن قاسم بن أحمد بن إبراهيم ابن حسّان القيسي «٤»
الوادآشي الأصل والمعرفة، التّونسي الاستيطان، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن جابر.
حاله: من «عائد الصلة» : نشأ بتونس، وجال في البلاد المشرقية والمغربية، واستكثر من الرّواية ونقّب عن المشايخ، وقيّد الكثير، حتى أصبح جمّاعة المغرب، وراوية الوقت. ثم قدم الأندلس ظريف النّزعة، عظيم الوقار، قويم السّمت، يأوي في
стр. 918
فضل التّعيش إلى فضل ما كان بيده، يصرفه في مصارف التجارة. وقعد للإسماع والرّواية، وانتقل إلى بلّش، فقرأ بها القرآن العظيم والروايات السّبع، على الخطيب أبي جعفر بن الزيات. ثم رحل إلى المغرب، ثم أعاد الرّحلة الحجازية، وأعرق، فلقي أمّة من العلماء والمحدّثين، وأصبح بهم شيخ وحده، انفساح رواية، وعلوّ إسناد.
مشيخته: من شيوخه قاضي الجماعة بتونس أبو العباس بن الغمّاز الخزرجي البلنسي، وقاضي الجماعة بها أبو إسحاق بن عبد الرفيع، وقاضي قضاة الدّيار المصرية بدر الدين بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة بن علي بن جماعة بن صخر الكناني. وقاضي الجماعة ببجاية أبو العباس الغبريني، وسراج الدين أبو جعفر عمر بن الخضر بن طاهر بن طرّاد بن إبراهيم بن محمد بن منصور الأصبحي، وأبو محمد عبد الغفار بن محمد السّعدي المصري، ورضيّ الدين إبراهيم بن عمر بن إبراهيم الخليلي الجعفري، وشرف الدين أبو عبد الله بن الحسن بن عبد الله بن الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد بن سرور المقدسي، وأبو الفضل أبو القاسم بن حمّاد بن أبي بكر بن عبد الواحد الحضرمي اللبيد، وعبد الله بن يوسف بن موسى الخلاسي، وعبد الله بن محمد بن هارون، وإبراهيم بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن الحاج التّجيبي، وأحمد بن يوسف بن يعقوب بن علي الفهري اللّبلي «١» ، وولده جابر بن محمد بن قاسم معين الدين، وعزّ الدين أبو القاسم بن محمد بن الخطيب، وجمال الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الباقي بن الصّفّار، وأبو بكر بن عبد الكريم بن صدقة العزفي، ومحمد بن إبراهيم بن أحمد التجيبي، وأبو يعقوب يوسف بن إبراهيم بن أحمد بن علي بن إبراهيم بن عقاب الجذامي الشاطبي، وعبد الرحمن بن محمد بن علي بن عبد الله الأنصاري الأسدي القيرواني، وأبو القاسم خلف بن عبد العزيز القبتوري «٢» ، وعلي بن محمد بن أبي القاسم بن رزين التّجيبي، وأحمد بن موسى بن عيسى البطرني «٣» ، وغرّ القضاة فخر الدين أبو محمد عبد الواحد بن منصور بن محمد بن المنير، وتقي الدين محمد بن أحمد بن عبد الخالق المصري، وصدر النحاة أبو حيّان، وظهير الدين أبو محمد بن عبد الخالق المخزومي المقدسي الدّلاصي، ورضيّ
стр. 919
الدين بن إبراهيم بن أبي بكر الطّبري، والمعمّر بهاء الدين أبو محمد القاسم بن مظفر بن محمود بن هبة الله بن عساكر الدمشقي. وأما من كتب إليه فنحو مائة وثمانين من أهل المشرق والمغرب.
قدم غرناطة في أول عام ستة وعشرين وسبعمائة، فهو باعتبار أصله أصلي، وباعتبار قدومه طارىء وغريب.
تواليفه: له تواليف حديثيّة جملة، منها أربعون حديثا، أغرب فيها بما دلّ على سعة خطوه وانفساح رحله.
وفاته: كان حيّا سنة أربعين وسبعمائة، وبلغني أنه توفي عام سبعة بعدها.
محمد بن خلف بن موسى الأنصاري الأوسي «١»
من أهل إلبيرة، يكنى أبا عبد الله.
حاله: كان «٢» متكلّما، واقفا على مذاهب المتكلّمين، متحققا برأي الأشعرية، ذاكرا لكتب الأصول والاعتقادات، مشاركا في الأدب، مقدّما في الطّبّ.
مشيخته: روى عن أبي جعفر بن محمد بن حكم بن باق، وأبي جعفر بن خلف بن الهيثم، وأبوي الحسن بن خلف العنسي، وابن محمد بن عبد العزيز بن أحمد بن حمدين، وأبوي عبد الله بن عبد العزيز الموري، وابن فرج مولى الطلّاع، وأبي العباس بن محمد الجذامي، وأبي علي الغساني، وأبي عمرو زياد بن الصّفار، وأبي القاسم أحمد بن عمر. وأخذ علم الكلام عن أبي بكر بن الحسن المرادي، وأبي جعفر بن محمد بن باق، وأبي الحجاج بن موسى الكلبي.
وتأدّب في بعض مسائل النحو بأبي القاسم بن خلف بن يوسف بن فرتون بن الأبرش.
من روى عنه: روى عنه أبو إسحاق بن قرقول، وأبو خالد المرواني، وأبو زيد بن نزار، وأبو عبد الله بن الصّيقل المرسي، وأبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن سمعان، وأبو الوليد بن خيرة.
стр. 920
تواليفه: من تواليفه: «النّكت والأمالي، في الرّد «١» على الغزالي» ، و «الإيضاح «٢» والبيان، في الكلام على القرآن» ، و «الأصول «٣» ، إلى معرفة الله ونبوة الرسول» ورسالة «الاقتصار «٤» ، على مذاهب الأئمّة الأخيار» ، ورسالة «البيان، في «٥» حقيقة الإيمان» ، والرّد على أبي الوليد بن رشد في مسألة الاستواء الواقعة له في الجزء الأول من مقدّماته، و «شرح مشكل ما وقع في الموطّإ وصحيح «٦» البخاري» ، وقد كان شرع في تصنيفه عام ثمانية عشر وخمسمائة «٧» في شوال منه، وبلغ في الكلام فيه إلى النّكتة الرابعة والخمسين، وقطعت به قواطع المرض، وشرع في معالجة العين لرؤيا رآها، يقال له: ألّفت في نور البصيرة، فألّف في نور البصر تنفع وتنتفع، فأقبل على تأليفه في مداواة العين، وهو كتاب جمّ الإفادة، ثم أكمل النّكت.
شعره: وكان له حظّ من قرض الشعر، فمن ذلك ما مدح به إمام الحرمين أبا المعالي الجويني «٨» : [الخفيف]
حبّ حبر «٩» يكنى أبا للمعالي «١٠» ... هو ديني ففيه لا تعذلوني
أنا والله مغرم في هواه «١١» ... علّلوني بذكره علّلوني
مولده: ولد يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر سنة سبع وخمسين وخمسمائة «١٢» .
محمد بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله الخولاني
غرناطي، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بالشّريشي «١٣» .
стр. 921
حاله: من أهل التّصاون والحشمة والوقار، معرق في بيت الخيريّة والعفّة، وكان والده صاحبنا، ﵀، آية في الدّؤوب والصّبر على انتساخ الدّواوين العلمية والأجزاء، بحيث لا مظنّة معرفة أو حجرة طلب تخلو عن شيء من خطّه إلّا ما يقلّ، على سكون وعدالة وانقباض وصبر وقناعة. وأكتب للصّبيان في بعض أطواره، ونشأ ابنه المذكور ظاهر النّبل والخصوصيّة، مشاركا في فنون؛ من عربية وأدب وحساب وفريضة. وتصرّف في الشهادة المخزنيّة برهة، ثم نزع عنها انقيادا لداعي النّزاهة، وهو الآن بحاله الموصوفة.
شعره: وشعره من نمط الإجادة، فمن ذلك قوله «١» : [السريع]
بي شادن أهيف مهما انثنى ... يحكي تثنّيه القضيب الرّطيب
ذو غرّة كالبدر قد أطلعت ... فوق قضيب نابت في كثيب
خضت حشا الظّلماء من حبّه ... أختلس الوصل حذار الرّقيب
فبتّ والوصل «٢» لنا ثالث ... يضمّنا ثوب عفاف قشيب
حتى إذا ما الليل ولّى وقد ... مالت نجوم الأفق نحو الغروب
ودّعته والقلب ذو لوعة ... أسبل «٣» من ماء جفوني غروب
فلست أدري حين ودّعته «٤» ... قلب بأضلاعي غدا أم قليب؟
ومن ذلك في النسيب «٥» : [السريع]
يا أجمل الناس ويا من غدت ... غرّته تمحو سنا الشمس
أنعم على عبدك يا مالكي ... دون اشتراء ومنى نفسي
بأن ترى وسطى لعقدي وأن ... تعيد ربعي كامل الأنس
فإن تفضّلت بما أرتجي ... أبقيتني في عالم الإنس
وإن تكن ترجعني خائبا ... فإنني أدرج في رمسي «٦»
стр. 922
وقال في فضل العلم «١» : [السريع]
يا طالب العلم اجتهد إنه ... خير من التّالد والطّارف
فالعلم يذكو «٢» قدر إنفاقه ... والمال إن «٣» أنفقته تالف
وترقّى إلى هذا العهد بإشارتي إلى التي لا فوقها من تعليم ولد السلطان، والرّئاسة القرآنية بباب الإمارة، والإمامة بالمسجد الجامع من القلعة «٤» ، حميد الطريقة في ذلك كله، معروف الحق، تولّاه الله.
مولده: عام ثمانية عشر وسبعمائة.
محمد بن محمد بن علي بن سودة المرّي
يكنى أبا القاسم.
أوليته: من نبهاء بيوتات الأندلس وأعيانها، سكن سلفه البشارّة «٥» ، بشارّة بني حسّان، وولي جدّه الأشغال، حميد السيرة، معروف الإدانة.
حاله: هذا الفتى من أهل الخصوصيّة والسكون والحياء، المانع عن كثير من الأغراض. مال إلى العلوم العقلية، فاستظهر على المماسّة في بعض أغراضها بالدؤوب والعكوف، المورّين تأثير حبل الرّكيّة في جحرها، فتصدّر للعلاج، وعانى الشّعر، وأرسم في الكتابة، وعدّ من الفضلاء، وظهرت على عباراته اصطلاحات الحكماء، وتشوّف إلى العهد للرّحلة الحجازية، والله ييسّر قصده.
مشيخته: قرأ الطبّ والتّعديل على الحبر طبيب الدّار السّلطانية، فارس ذينك الفنّين، إبراهيم بن زرزار اليهودي، ورحل إلى العدوة، فقرأ على الشّريف العالم الشهير، رحلة الوقت في المغرب، أبي عبد الله العلوي، وبلقائه نجح.
شعره: أنشد السلطان قوله: [الكامل]
جاد الحمى صوب الغمام هتونه ... تزجي البروق سحابه فتعينه
الإحاطة في أخبار غرناطة/ ج ٣/م ٩.
стр. 923
وسقى ديار العامرية بعد ما ... وافى بجرعاء «١» الكثيب معينه
يندى بأفنان الأراك كأنه ... عقد تناثر بالعقيق ثمينه
ومحى الكثيب سكوبه فكأنه ... خطّ تطلّس ميمه أو نونه
حتى إذا الأرواح هبّت بالضّحى ... مسحت عليه بالجناح تبينه
وكأنّه والرعد يحدو خلفه ... صبّ يطول إلى اللقاء حنينه
أو سحّ دمعي فوق أكناف اللّوى ... جادت بلؤلؤة النفيس عيونه
والبرق في حلل السّحاب كأنه ... مكنون سرّ لم يذع «٢» مضمونه
أو ثوب ضافية الملابس كاعب ... عمدت بحاشية النّضار تزينه
هنّ الديار برامة لا دهرها ... سلس القياد ولا العتاب يلينه
ولقد وقفت برسمها فكأنّني ... من ناحل الأطلال فيه أكونه
قلبي بذاك اللّوى خلّفته ... ألوى بمزدلف الرّفاق ظعينه
لا تسأل «٣» العذّال عني فالهوى ... هذا «٤» يخامر بالضّلوع دفينه
إن يخف عن شرحي حديث زميرتي ... فعلى الفنون فريضة تبينه
عجبا لدمعي لا يكفّ كأنما ... جدوى أبي عبد الإله هتونه
محيي المكارم بعد ما أودى بها ... زمن تقلّب بالكرام خؤونه
مولى الملوك عميد كلّ فضيلة ... علق الزمان ثمينه ومكينه
يضفي إلى داعي النّدى فيهزّه ... وبملتقى الجمعين طال سكونه
من ذا يسابق فضله لوجوده ... ويلجّ فيض البحر فاض يمينه
إن تلقه تلق الجمال وقاره ... والحلم طبع والسّماحة دينه
غمر الأنام نواله ومحا الضلا ... ل رشاده وجلا الظّلام جبينه
أحيا رسوم الدين وهي دوارس ... ولطالما صدع الشكوك يقينه
شمس الهدى حتف العدا محيي النّدا ... بحر الجدا طول المدى تمكينه
ليث الشّرى غوث الورى قمر السّرى ... سنّ القرى عمّ القرى تأمينه
فلبأسه يوم الوغى ولعزمه ... جاش الهزبر إذا الهزبر يخونه
стр. 924
لا تسأل «١» الهيجاء عنه إنه ... يصل المراد كما تحبّ ظنونه
لو كان يشغله المنام عن العلا ... هجر المنام وباعدته جفونه
وإذا تطاولت الملوك بماجد ... بمحمد دون الأنام يكونه
يا ابن الألى نصروا الرسول ومن بهم ... نطق الكتاب فصيحه ومبينه
خصّوا ببيعته وحاموا دونه ... نهج الرّضا حتى تقاوم دينه
أمعاضد الإسلام أنت عميده ... وخليفة الرحمن أنت أمينه
لم يبق إلّا من بسيفك طائع ... ألفنش «٢» في أقصى البلاد رهينه
وبجيشك المنصور لو لاقيته ... أدرى بمشتجر الرّماح طعينه
ولو اصطنعت إلى العدوّ إدالة ... طاعت إليك بلاده وحصونه
خذها إليك قصيدة من شاعر ... حلو الكلام مهذّب تبيينه
جعل القوافي للمعالي سلّما ... فجنى القريض كما اقتضته فنونه
غطّى هواه عقله واقتاده ... يحصي النجوم جهالة تزيينه
ولو أخذته أيدي التحرير والنّقد، لرجي أن يكون شاعرا، وبالجملة فالرجل معدود من السّراة بيتا وتخصّصا.
محمد بن عبد العزيز بن سالم بن خلف القيسي
منكّبي «٣» ، الأصل، يكنى أبا عبد الله، طبيب الدّار السلطانية.
حاله: من «عائد الصلة» : كان، ﵀، فذّا في الانطباع واللّوذعية، حسن المشاركة في الطّب، مليح المحاضرة، حفظة، طلعة، مستحضرا للأدب، ذاكرا لصناعة الطب، أخذها عن إمام وقته أبي جعفر الكزني، وانتصب للعلاج، ثم انتقل إلى الخدمة بصناعته بالباب السلطاني، وولّي الحسبة، ومن شعره يخاطب السلطان على ألسنة أصحابنا الأطباء الذين جمعتهم الخدمة ببابه يومئذ، وهم أبو الأصبغ بن سعادة، وأبو تمام غالب الشّقوري: [الخفيف]
قد جمعنا ببابكم سطر علم ... لبلوغ المنى ونيل الإرادة
стр. 925
ومن أسمائنا «١» لكم حسن فال ... غالب ثم سالم وسعاده
وفاته: توفي في شهر رجب من عام سبعة عشر وسبعمائة.
محمد بن عبد الله بن أبي زمنين «٢»
من أهل إلبيرة، يكنى أبا عبد الله.
حاله: من الملاحي «٣» ، قال: ولّي الأحكام، وكان فقيها نبيها.
وفاته: توفي بغرناطة في عشر الستين وأربعمائة.
قلت: قد تقدم اعتذاري عن إثبات مثله في هذا المختصر، فلينظر هناك إن شاء الله.
محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد ابن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن أبي زمنين عدنان بن بشير بن كثير المرّي
حاله: كان من كبار المحدّثين والعلماء الراسخين، وأجلّ وقته قدرا في العلم والرّواية والحفظ للرّأي والتمييز للحديث، والمعرفة باختلاف العلماء، متفنّنا في العلم، مضطلعا بالأدب، قارضا للشّعر، متصرفا في حفظ المعاني والأخبار، مع النّسك والزّهد، والأخذ بسنن الصالحين، والتخلّق بأخلاقهم. لم يزل أمّة في الخير، قانتا لله، منيبا له، عالما زاهدا صالحا خيّرا متقشّفا، كثير التّبتّل والتّزلّف بالخيرات، مسارعا إلى الصالحات، دائم الصلاة والبكاء، واعظا، مذكرا بالله، داعيا إليه، ورعا، ملبّي الصدقة، معينا على النّائبة، مواسيا بجاهه وماله، ذا لسان وبيان، تصغي إليه الأفئدة فصيحا، بهيّا، عربيّا، شريفا، أبيّ النفس، عالي الهمّة، طيّب المجالسة، أنيس المشاهدة، ذكيّا، راسخا في كل جمّ من العلوم، صيرفيا جهبذا، ما رؤي، قبله ولا بعده، مثله.
مشيخته: سكن قرطبة، وسمع بها من أحمد بن مطرّف، ووهب بن مسرّة الحجاري، وعن أبان بن عيسى بن محمد بن دنيّر، وعن والده عبيد الله بن عيسى.
стр. 926
من روى عنه: روى عنه الزاهد أبو إسحاق إبراهيم بن مسعود الإلبيري وغيره.
تواليفه: ألف كتاب المغرب في اختصار «المدوّنة» ثلاثين جزءا، ليس في المختصرات مثله بإجماع، والمهذّب في تفسير «الموطّإ» ، والمشتمل في أصول الوثائق، وحياة القلوب، وأنس الفريد، ومنتخب الأحكام، والنصائح المنظومة، وتفسير القرآن.
مولده: في المحرم سنة أربع وعشرين وثلاثمائة.
وفاته: توفي في شهر ربيع الثاني عام ثمانية وتسعين وثلاثمائة بحاضرة إلبيرة، ﵀ ونفع به.
محمد بن عبد الرحمن بن الحسن بن قاسم بن مشرّف ابن قاسم بن محمد بن هاني اللخمي القائصي «١»
يكنى أبا الحسن.
حاله: كان «٢» وزيرا جليلا، فقيها رفيعا، جوادا، أديبا، جيّد الشعر، عارفا بصناعة النّحو والعروض، واللغة والأدب والطب، من أهل الرّواية والدّراية.
مشيخته: روى عن الحافظ أبي بكر بن عطيّة، وأبي محمد بن عتّاب، وأبي الوليد بن رشد القاضي الإمام، والقاضي أبي محمد عبد الله بن علي بن سمجون.
شعره: من شعره قوله «٣» : [السريع]
يا حرقة البين كويت الحشا ... حتى أذبت القلب في أضلعه
أذكيت فيه النّار حتى غدا ... ينساب ذاك الذّوب من مدمعه
يا سؤل هذا القلب حتى متى ... يؤسى برشف الرّيق من منبعه؟
فإنّ في الشّهد شفاء الورى «٤» ... لا سيما إن مصّ «٥» من مكرعه
والله يدني منكم عاجلا ... ويبلغ القلب إلى مطمعه
стр. 927
مولده: ولد في الثلث الأخير من ليلة الجمعة لثلاث بقين لذي حجة سنة ثمان وتسعين وأربعمائة.
وفاته: توفي في آخر «١» جمادى الأخرى سنة ست وتسعين وخمسمائة.
محمد بن عبد الرحمن بن عبد السلام بن أحمد ابن يوسف بن أحمد الغساني «٢»
من أهل غرناطة، يكنى أبا عبد الله.
حاله: كان محدّثا نبيلا حاذقا ذكيّا، وله شرح جليل على كتاب «الشّهاب» «٣» ، واختصار حسن في «اقتباس الأنوار» للرّشاطي. وكان كاتبا وافر الحظّ من الأدب، يقرض شعرا لا بأس به.
من شعره في ذكر أنساب طبقات العرب «٤» : [الكامل]
الشّعب ثمّ قبيلة وعمارة ... بطن وفخذ والفصيلة تابعه
فالشّعب يجمع «٥» للقبائل كلّها ... ثم القبيلة للعمارة جامعه
والبطن تجمعه العمائر «٦» فاعلمن ... والفخذ تجمعه «٧» البطون الواسعه
والفخذ يجمع «٨» للفصائل كلها «٩» ... جاءت على نسق لها متتابعه
فخزيمة شعب وإنّ كنانة ... لقبيلة عنها الفصائل شائعه «١٠»
وقريشها تسمي العمارة «١١» يا فتى ... وقصيّ بطن للأعادي «١٢» قامعه
стр. 928
ذا هاشم «١» فخذ وذا «٢» عبّاسها ... إلّا «٣» الفصيلة لا تناط بسابعه
مولده: ولد بغرناطة سنة ثمان وستين وخمسمائة.
وفاته: بمرسية في رمضان تسع عشرة وستمائة «٤» .
محمد بن عبد الواحد بن إبراهيم بن مفرّج بن أحمد ابن عبد الواحد بن حريث بن جعفر بن سعيد بن محمد ابن حقل الغافقي «٥»
من ولد مروان بن حقل النازل بقرية الملّاحة «٦» من قنب قيس من عمل إلبيرة، يكنى أبا القاسم ويعرف بالملّاحي. وقد نقلنا عنه الكثير، وهو من المفاخر الغرناطية.
حاله: كان محدّثا راوية معتنيا، أديبا، مؤرخا، فاضلا جليلا. قال الأستاذ «٧» في «الصلة» : كان من أفضل الناس، وأحسنهم عشرة، وألينهم كلمة، وأكثرهم مروءة، وأحسنهم خلقا وخلقا، ما رأيت مثله، قدّس الله تربته. وذكره صاحب «الذيل» «٨» الأستاذ أبو عبد الله بن عبد الملك، وأطنب فيه، وذكره المحدّث أبو عبد الله الطنجالي، وذكره ابن عساكر في تاريخه.
مشيخته: روى عن أبيه أبي محمد، وأبي القاسم بن بشكوال، وأبي العبّاس بن اليتيم، وعالم كثير من غير بلده، ومن أهل بلده سوى أبيه، وعن أبي سليمان داود بن يزيد بن عبد الله السّعدي القلعي «٩» ، لازمه مدة. وعن أبي خالد بن رفاعة اللخمي، وأبي محمد عبد الحق بن يزيد العبدري، وأبي جعفر عبد الرحمن بن
стр. 929
الحسن بن القصير، وأبي بكر بن طلحة بن أحمد بن عبد الرحمن بن عطية المحاربي، وأبي محمد عبد المنعم بن عبد الرحيم، وأبي جعفر بن حكم الحصّار، وأبي عبد الله بن عروس، وأبي الحسن بن كوثر، وأبي بكر الكتندي، وأبي إسحاق بن الجلّا، وأبي بكر بن أبي زمنين، وأبي القاسم بن سمجون، وأبي محمد عبد الصمد بن محمد بن يعيش الغساني. وكان من المكثرين في باب الرّواية، أهل الضبط والتقييد والإتقان، بارع الخطّ، حسن الوراقة، أديبا بارعا ذاكرا للتاريخ والرجال، عارفا بالأنساب، نقّادا حافظا للأسانيد، ثقة عدلا، مشاركا في فنون، سياسيا. وروى عنه الأستاذ، واعتنى بالرواية عنه. وقال الأستاذ: حدّثني عنه من شيوخي جماعة، منهم القاضي العدل أبو بكر بن المرابط.
تواليفه: ألّف كتابه في «تاريخ علماء إلبيرة» ، واحتفل فيه. وألّف كتاب «الشجرة في الأنساب» ، و «كتاب الأربعين حديثا» ، و «كتاب فضائل القرآن،» و «برنامج روايته» وغير ذلك.
مولده: سنة تسع وأربعين وخمسمائة.
وفاته: توفي في شعبان سنة تسع عشرة وستمائة ببلده «١» .
محمد بن علي بن عبد الله اللخمي
يكنى أبا عبد الله، ويعرف بالشّقوري، منسوبا إلى مدينة شقورة «٢» ومنها أهله، صاحبنا طبيب دار الإمارة، حفظه الله.
حاله: هذا الرجل طرف في الخير والأمانة، فذّ في حسن المشاركة، نقيّ في حب الصّالحين، كثير الهوى إلى أهل التقوى، حذر من التفريط، حريص على التّعلّق بجناب الله، نشأ سابغ رداء العفّة، كثيف جلباب الصّيانة، متصدّرا للعلاج في زمن المراهقة، معمّا، مخوّلا في الصّناعة، بادي الوقار في سنّ الحشمة. ثم نظر واجتهد، فأحرز الشهرة بدينه، ويمن نقيبته، وكثرة حيطته، ولطيف علاجه، ونجح تجربته. ثم كلف بصحبة الصالحين، وخاض في السلوك، وأخذ نفسه بالارتياض والمجاهدة، حتى ظهرت عليه آثار ذلك. واستدعاه السلطان لعلاج نفسه، فاغتبط به، وشدّ اليد
стр. 930
عليه، وظهر له فضله، وهو لهذا العهد ببابه، حميد السيرة، قويم الطريقة، صحيح العقد، حسن التدبير، عظيم المشاركة للناس، أشدّ الخلق حرصا على سعادة من صحبه، وأكثرهم ثناء عليه، وأصرحهم نصيحة له، نبيل الأغراض، فطن المقاصد، قائم على الصنعة، مبين العبارة، معتدل في البحث والمذاكرة، متكلّم في طريقة الصّوفية، عديم النظير في الفضل، وكرم النّفس.
شيوخه: قرأ على جدّه للأب، وعلى الحكيم الوزير خالد بن خالد من شيوخ غرناطة، وعلى شيخنا الحكيم الفاضل أبي زكريا بن هذيل، ولازمه، وانتفع به، وسلك بالشيخ الصّوفي أبي مهذّب عيسى الزيات ثم بأخيه الصالح الفاضل أبي جعفر الزيات، والتزم طريقته، وظهرت عليه بركته.
تواليفه: ألّف كتبا نبيلة، منها «تحفة المتوصل في صنعة الطب» وكتابا أسماه «الجهاد الأكبر» ، وآخر سمّاه «قمع اليهودي عن تعدّي الحدود» أحسن فيه ما شاء.
شعره: أنشدني بعد ممانعة واعتذار، إذ هذا الغرض ليس من شأنه: [الطويل]
سألت ركاب العز أين ركابي ... فأبدى عنادا ثم ردّ جوابي
ركابك مع سيري يسير بسيره ... بغير حلول مذ حللت جنابي
فلا تلتفت سيرا لذاتك إنما ... تسير بها سيرا لغير ذهاب
وهي متعددة.
مولده: ولد في عام سبعة وعشرين وسبعمائة.
محمد بن علي بن فرج القربلياني «١»
يكنى أبا عبد الله ويعرف بالشفرة.
حاله: كان رجلا ساذجا، مشتغلا بصناعة الطب، عاكفا عليها عمره، محققا لكثير من أعيان النّبات، كلفا به، متعيّشا من عشبه أول أمره، وارتاد المنابت، وسرح بالجبال، ثم تصدّر للعلاج، ورأس به، وحفظ الكثير من أقوال أهله، ونسخ جملة من كنانيشه على ركاكة خطّه، وعالج السلطان نصر المستقرّ بوادي آش، وقد طرق من بها مرض وافد حمل علاجه المشاقحة لأجله، وعظم الهلاك فيمن اختصّ بتدبيره، فطوّف
стр. 931
القلب المبارك بمبراه. ثم رحل إلى العدوة، وأقام بمرّاكش سنين عدّة، ثم كرّ إلى غرناطة في عام أحد وستين، وبها هلك على أثر وصوله.
مشيخته: زعم أنه قرأ على أبيه ببلده من قربليان بلد الدّجن «١» ، وأخذ الجراحة عن فوج من محسني صناعة عمل اليد من الرّوح. وقرأ على الطبيب عبد الله بن سراج وغيره.
تواليفه: ألّف كتابا في النّبات.
وفاته: في السابع عشر لربيع الأول عام أحد وستين وسبعمائة.
محمد بن علي بن يوسف بن محمد السّكوني «٢»
يكنى أبا عبد الله ويعرف بابن اللؤلؤة، أصله من جهة قمارش «٣» .
حاله: رحل في فتائه، بعد أن شدا شيئا من الطلب، وكلف بالرواية والتقييد فلقي مشيخة، وأخذ عن جلّة، وقدم على بلده حسن الحالة، مستقيم الطريقة، ظاهر الانقباض والعفّة، وأدخل الأندلس فوائد وقصائد، وكان ممن ينتفع به لو أمهلته المنية.
شعره: مما نسبه إلى نفسه من الشعر قوله «٤» : [المجتث]
يا من عليه اعتمادي ... في قلّ أمري وكثره
سهّل عليّ ارتحالي ... إلى النّبيّ وقبره
فذاك أقصى مرادي ... من الوجود بأسره
وليس ذا بعزيز ... عليك فامنن بيسره
ومن ذلك «٥» : [الطويل]
أمن بعد ما لاح المشيب بمفرقي ... أميل لزور بالغرور مصاغ «٦»
وأرتاح للّذّات والشّيب منذر ... بما ليس عنه للأنام مراغ
стр. 932
ومن لم «١» يمت قبل المشيب فإنه ... يراع بهول بعده ويراغ
فيا ربّ وفّقني إلى ما يكون لي ... به للذي أرجوه منك بلاغ
وفاته: توفي معتبطا في وقيعة الطاعون عام خمسين وسبعمائة، خطيبا بحصن قمارش.
محمد بن سودة بن إبراهيم بن سودة المرّي
أصله من بشرّة عرناطة، يكنى أبا عبد الله.
حاله: من بعض التواريخ المتأخّرة: كان شيخا جليلا، كاتبا مجيدا، بارع الأدب، رائق الشعر، سيّال القريحة، سريع البديهة، عارفا بالنّحو واللغة والتاريخ، ذاكرا لأيام السّلف، طيّب المحاضرة، مليح الشّيبة، حسن الهيئة، مع الدّين والفضل، والطّهارة والوقار والصّمت.
مشيخته: قرأ بغرناطة على الحافظ أبي محمد عبد المنعم بن عبد الرحيم بن الفرس، وغيره من شيوخ غرناطة. وبمالقة على الأستاذ أبي القاسم السّهيلي، وبجيّان على ابن يربوع، وبإشبيلية على الحسن بن زرقون وغيره من نظرائه.
أدبه: قال الغافقي: كانت بينه وبين الشيخ الفقيه واحد عصره أبي الحسن سهل بن مالك، مكاتبات ومراجعات، ظهرت فيها براعته، وشهدت له بالتقدم يراعته.
محنته: أصابته في آخر عمره نكبة ثقيلة، أسر هو وأولاده، فكانت وفاته أسفا لما جرى عليهم، نفعه الله. توفي في حدود سبعة وثلاثين وستمائة.
محمد بن يزيد بن رفاعة الأموي البيري
أصله من قرية طرّش «٢» .
حاله: طلب العلم وعنى بسمعه، ونسخ أكثر كتبه بخطّه، وكان لغويّا شاعرا، من الفقهاء المشاورين الموثّقين، وولّي الصلاة بالحاضرة، وعزل، وسرد الصّوم عن نذر لزمه عمره.
стр. 933
مشيخته: سمع من شيوخ إلبيرة؛ محمد بن فطيس، وابن عمريل، وهاشم بن خالد، وعثمان بن جهير، وحفص بن نجيح، وبقرطبة من عبيد الله بن يحيى بن يحيى وغيره.
من حكاياته: قال المؤرخ: من غريب ما جرى لأبي علي البغدادي، في مقدمه إلى قرطبة، أن الخليفة الحكم «١» أمر ابن الرّماحس عامله على كورتي إلبيرة وبجّانة، أن يجيء مع أبي علي في وفد من وجوه رعيّته، وكانوا يتذاكرون الأدب في طريقهم، إلى أن تجاروا يوما، وهم سائرون، أدب عبد الملك بن مروان، ومساءلته جلساءه عن أفضل المناديل، وإنشاده بيت عبدة بن الطبيب «٢» : [البسيط]
ثمّت قمنا إلى جرد مسوّمة ... أعرافهنّ «٣» لأيدينا مناديل
وكان الذّاكر للحكاية أبو علي، فأنشد الكلمة في البيت: أعرافها «٤» ، فلوى ابن رفاعة عنانه منصرفا، وقال: مع هذا يوفد على أمير المؤمنين، وتتجشّم الرّحلة العظيمة، وهو لا يقيم وزن بيت مشهور في النّاس، لا يغلط فيه الصّبيان، والله لا تبعته خطوة، وانصرف عن الجماعة، وندبه أميره ابن الرّماحس، ورامه بأن لا يفعل، فلم يجد فيه حيلة، فكتب إلى الخليفة يعرّفه بابن رفاعة، ويصف ما جرى معه، فأجابه الحكم على ظهر كتابه: الحمد لله الذي جعل في بادية من بوادينا من يخطّئ وفد أهل العراق، وابن رفاعة بالرّضا أولى منه بالسّخط، فدعه لشأنه، وأقدم بالرّجل غير منتقص من تكريمه، فسوف يعليه الاختبار أو يحطّه.
وفاته: توفي سنة ثلاث أو أربع وأربعمائة.
محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي ابن أبي بكر بن خميس الأنصاري
من أهل الجزيرة الخضراء.
стр. 934
حاله: كان فاضلا وقورا، مشاركا، خطيبا، فقيها، مجوّدا للقرآن، قديم الطّلب، شهير البيت، معروف التّعيّن، نبيه السّلف في القضاء، والخطابة والإقراء، مضى عمره خطيبا بمسجد بلده الجزيرة الخضراء، إلى أن تغلّب العدوّ عليها، وباشر الحصار بها عشرين شهرا، نفعه الله. ثم انتقل إلى مدينة سبتة، فاستقرّ خطيبا بها إلى حين وفاته.
مشيخته: قرأ على والده، ﵀، وعلى شيخه، وشيخ أبيه أبي عمر، وعباس بن الطّفيل، الشهير بابن عظيمة، وعلى الأستاذ أبي جعفر بن الزّبير، والخطيب أبي عبد الله بن رشيد بغرناطة عند قدومه عليها، والقاضي أبي المجد بن أبي الأحوص، قاضي بلده، وكتب له بالإجازة الوزير أبو عبد الله بن أبي عامر بن ربيع، وأجازه الخطباء الثلاثة أبو عبد الله الطّنجالي، وأبو محمد الباهلي، وأبو عثمان بن سعيد. وأخذ عن القاضي بسبتة أبي عبد الله الحضرمي، والإمام الصالح أبي عبد الله بن حريث، والمحدّث أبي القاسم التّجيبي، والأستاذ أبي عبد الله بن عبد المنعم، والأخوين أبي عبد الله وأبي إبراهيم، ابني يربوع. قال: وكلّهم لقيته وسمعت منه. وأجاز لي إجازة عامة ما عدا الإمام ابن حريث فإنه أجاز لي، ولقيته ولم أسمع عليه شيئا، وأجاز لي غيرهم كناصر الدين المشدالي، والخطيب ابن عزمون وغيرهما، ممن تضمنه برنامجه.
تواليفه: قال: وكان أحد بلغاء عصره، وله مصنّفات منها: «النّفحة الأرجيّة، في الغزوة المرجيّة» ، ودخل غرناطة مع مثله من مشيخة بلده في البيعات، أظن ذلك.
وفاته: توفي في الطّاعون بسبتة آخر جمادى الآخرة من عام خمسين وسبعمائة.
محمد بن أحمد بن عبد الله العطار
من أهل ألمريّة.
حاله: من بعض التّقييدات، كان فتى وسيما، وقورا، صيّبا، متعفّفا، نجيبا، ذكيّا. كتب عن شيخنا أبي البركات بن الحاج، وناب عنه في القضاء، وانتقل بانتقاله إلى غرناطة، فكتب بها. وكان ينظم نظما مترفّعا عن الوسط. وجرى ذكره في «الإكليل» بما نصّه: ممّن نبغ ونجب، وخلق له البرّ بذاته ووجب، تحلّى بوقار، وشعشع للأدب كأس عقار، إلّا أنه اخترم في اقتبال، وأصيب الأجل بنبال.
стр. 935
ومن شعره قوله من قصيدة: [الطويل]
دعاني على طول البعاد هواها ... وقد سدّ أبواب اللّقاء «١» نواها
وقد شمت برقا للّقاء «٢» مبشّرا ... وقد نفحت ريح الصّبا بشذاها
وجنّ دجى ليل بخيل بصبحه ... كما بخلت ليلى بطيف سراها
وقاد زماني قائد الحبّ قاصدا ... ربوعا ثوت ليلى بطول قناها
وناديت والأشواق بالوجد برّحت ... ودمعي أجرى سابغا للقاها
أيا كعبة الحسن التي النفس «٣» ترتجي ... رضاها وحاشى أن يخيب رجاها
أحبك يا ليلى على البعد والنوى ... وبي منك أشواق تشبّ لظاها
لئن حجبت ليلى عن العين إنني ... بعين فؤادي لا أزال أراها
إلى أن بدا الصبح المشتّت شملنا ... وما بلغت نفس المشوق مناها
فمدّت يمينا للوداع ودمعها ... يكفكفه خوف الرقيب سراها
وقالت: وداعا لا وداع تفرّق ... لعلّ الليالي أن تديل نواها
تذكّرنا ليلى معاهد باللّوى ... رعى الله ليلات اللّوى ورعاها
وفاته: توفي في الطاعون الأعظم عام خمسين وسبعمائة.
محمد بن أحمد بن المراكشي
من أهل ألمريّة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بالمرّاكشي.
حاله: كان فتى جميل الرؤيا، سكوتا، مطبوعا على المغافصة «٤» والغمز، مهتديا إلى خفيّ الحيلة، قادرا على المباحثة، ذكيّا، متسوّرا على الكلام في الصّنائع والألقاب، من غير تدرّب ولا حنكة، دمث الأخلاق، ليّن العريكة، انتحل الطب، وتصدّر للعلاج والمداواة، واضطبن أغلوطة صارت له بها شهرة، وهي رقّ يشتمل على أعداد وخطوط وزايرجة، وجداول غريبة الأشكال، تحتها علامات فيها اصطلاحات الصّنائع والعلوم، ويتصل بها قصيدة رويّها لام الألف أولها، وهي منسوبة لأبي العباس السبتي: [الطويل]
يقول لسبتيّ «٥» ويحمد ربّه ... مصلّ على هاد إلى الناس أرسلا
стр. 936
وأنها مدخل للزّيرجة، ذكر أنه عثر عليها في مظنّة غريبة، وظفر برسالة العمل بها، وتحرى بالإعلام بالكنايات، والإخبار بالخفيّ وتقدمة المعرفة، والإنذار بالوقائع، حتى استهوى بذلك جماعة من المشيخة، ممن كان يركن إلى رجحان نظره، وسلامة فطرته، واستغلّت الشهادة له بالإصابة سجيّة النفوس في حرصها على إثبات دعاوى المتحرّفين. أخبرني بعضهم أنه خبّأ له عظما صغيرا، يكون في أطراف أجنحة الطّير، أخذه من جناح ديك، وزعم أرباب الخواصّ أنه يزيل الإعياء إذا علّق، فتصرّف على عاداته من الدخول في تلك الجداول، وأخذ الأعداد الكثيرة، يضربها آونة، ويقسمها أخرى، ويستخرج من تلك الجداول جيوبا وسهاما، ويأخذ جذورا، وينتج له العمل آخرا حروفا مقطعة، يبقيها الطرح، يؤلف منها كلاما تقتنص منه الفائدة، فكان في ذلك بيت شعر: [الطويل]
وفي يدكم عظم صغير مدوّر ... يزيل به الإعياء «١» من كان في السّفر
وأخبرني آخرون أنه سئل في نازلة فقهية لم يلق فيها نص، فأخبر أن النص فيها موجود بمالقة، فكان كذلك. وعارض ذلك كله جلّة من أشياخنا، فذكّرني الشيخ نسيج وحده أبو الحسن بن الجياب أن سامره يخرج خبيئته سواد ليلة، فتأمّل ما يصنعه، فلم يأت بشيء، ولا ذهب إلى عمل يتعقّل، وظاهر الأمر أن تلك الحال كانت مبنيّة على تخيّل وتخمين، تختلف فيه الإصابة وضدها، بحسب الحالة والقائل، لتصرّف الحيلة فيه، فاقتضى ذلك تأميل طائفة من أهل الدول إياه، وانتسخوا نظائر من تلك الزيرجة المموّهة، ممطولين منه بطريق التصرّف فيها إلى اليوم، واتصل بالسلطان، فأرسم ببابه، وتعدّى الإنس إلى طبّ الجن، فافتضح أمره، وهمّ به، فنجا مفلتا. ولم تزل حاله مضطربة، إلى أن دعي من العدوة وسلطانها، منازل مدينة تلمسان، ووصلت الكتب عنه، فتوجّه في جفن هيّئ له، ولم ينشب أن توفي بالمحلّة في أوائل عام سبعة وثلاثين وسبعمائة.
محمد بن بكرون بن حزب الله
من أهل مالقة، يكنى أبا عبد الله.
حاله: من أهل الخصوصيّة والفضل، ظاهر الاقتصاد، كثير التخلّق، حسن اللقاء، دائم الطريقة، مختصر الملبس والمأكل، على سنن الفضلاء وأخلاق الجلّة.
стр. 937
انتظم لهذا العهد في نمط من يستجاز ويجيز. وكان غفلا فأقام رسما محمودا، ولم يقصّر عن غاية الاستعداد.
مشيخته: منهم الأستاذ، مولى النعمة على أهل بلده، أبو محمد عبد الواحد بن أبي السّداد الباهلي، قرأ عليه القرآن العظيم أربع عشرة «١» ختمة قراءة تجويد وإتقان بالأحرف السّبعة، وسمع عليه كتبا كثيرة، وقال عند ذكره في بعض الاستدعاءات: ولازمته، ﵁ وأرضاه، إلى حين وفاته، ونلت من عظيم بركاته وخالص دعواته ما هو عندي من أجلّ الوسائل، وأعظم الذخيرة، وأفضل ما أعددته لهذه الدّار والدار الآخرة. وكان في صدر هذا الشيخ الفاضل كثير من علم اليقين. وهو علم يجعله الله في قلب العبد إذا أحبّه؛ لأنه يؤول بأهله إلى احتمال المكروه، والتزام الصّبر، ومجاهدة الهوى، ومحاسبة النّفس، ومراعاة خواطر القلب، والمراقبة لله، والحياء من الله، وصحّة المعاملة له، ودوام الإقبال عليه، وصحّة النّيّة، واستشعار الخشية. قال الله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
«٢» فكفى بخشية الله علما، وبالإقبال عليه عزّا. قلت: وإنما نقلت هذا؛ لأنّ مثله لا يصدر إلّا عن ذي حركة، ومضطبن بركة، ومنهم الشيخ الخطيب الفاضل ولي الله أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يوسف الطّنجالي.
دخل غرناطة راويا، وفي غير ذلك في شؤونه، وهو الآن ببلده مالقة يخطب ببعض المساجد الجامعة بها على الحال الموصوفة.
محمد بن الحسن بن أحمد بن يحيى الأنصاري الخزرجي
الميورقي «٣» الأصل، سكن غرناطة.
حاله: كان محدّثا، عالي الرّواية، عارفا بالحديث وعلله، وأسماء رجاله، مشهورا بالإتقان والضبط، ثقة فيما نقل وروى، ديّنا، زكيا، متحاملا، فاضلا، خيّرا، متقلّلا من الدّنيا، ظاهريّ المذهب داوديّة «٤» ، يغلب عليه الزهد والفضل.
مشيخته: روى بالأندلس عن أبي بكر بن عبد الباقي بن محمد الحجاري، وأبي علي الصدفي الغساني، وأبي مروان الباجي، ورحل إلى المشرق وحجّ، وأخذ
стр. 938
بمكة، كرّمها الله، عن أبي ثابت وأبي الفتح عبد الله بن محمد البيضاوي وأبي نصر عبد الملك بن أبي مسلم العمراني. قلت: وغيرهم اختصرتهم لطولهم، وقفل إلى الأندلس فحدّث بغير بلده منها؛ لتجواله فيها.
من روى عنه: روى عنه أبو بكر بن رزق، وأبو جعفر بن الغاسل، وغيرهما «١» .
محنته: امتحن من قبل علي بن يوسف بن تاشفين، فحمل إليه صحبة أبي الحكم بن يوجان، وأبي العباس بن العريف، وضرب بالسّوط عن أمره، وسجنه وقتا، ثم سرّحه وعاد إلى الأندلس، وأقام بها يسيرا، ثم انصرف إلى المشرق، فتوقف بالجزائر، وتوفي بها في شهر رمضان سنة سبع وثلاثين وخمسمائة.
محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم الأنصاري الساحلي
يكنى أبا عبد الله، ويعرف ببلده مالقة بالمعمّم.
حاله: كان طبقة من طبقات الكفاة، ظرفا ورواء وعارضة وترتيبا، تجلّل بفضل شهرة أبيه، وجعل بعض المترفين من وزراء الدّول بالمغرب أيام وجّهته إليه صحبة الشيخ الصالح أبيه في غرض السفارة، مالا عريضا لينفقه في سبيل البرّ، فبنى المدرسة غربي المسجد الأعظم، ووقف عليها الرّباع، وابتنى غيرها من المساجد، فحصلت الشهرة، ونبه الذّكر وتطوّر، ورام العروج في مدارج السّلوك، وانقطع إلى الخلوة، فنصلت الصّبغة، وغلبت الطّبيعة، وتأثّل له مال جمّ اختلف في سبب اقتنائه، وأظهر التجر المرهف الجوانب بالجاه العريض، والحرص الشّديد، والمسامحة في باب الورع، فتبنّك به نعيما من ملبس ومطعم وطيب وترفّه، طارد به اللّذة ما شاء في باب النّكاح استمتاعا وذواقا يتبع رائد الطّرف، ويقلّد شاهد السّمع، حتى نعي عليه، وولّي الخطابة بالمسجد الأعظم بعد أبيه، فأقام الرسم، وأوسع المنبر ما شاء من جهوريّة وعارضة، وتسوّر على أعراض، وألفاظ في أسلوب ناب عن الخشوع، عريق في نسب القحة. ثم رحل إلى المشرق مرة ثانية، وكرّ إلى بلده، مليح الشّيبة، بادي الوقار، نبيه الرّتبة، فتولّى الخطابة إلى حين وفاته.
стр. 939
مشيخته: حسبما قيّدته من خطّ ولده أبي الحسن، وارثه في كثير من خلاله، وأغلبها الكفاية. فمنهم والده، ﵀، قرأ عليه وتأدّب به، ودوّن في طريقه، حسبما يتقرر ذلك، ومنهم الأستاذ أبو محمد بن أبي السداد الباهلي، ومنهم الشيخ الرّاوية أبو عبد الله بن عيّاش، والخطيب الصالح أبو عبد الله الطّنجالي، والخطيب الصالح أبو جعفر بن الزيات، والأستاذ ابن الفخار الأركشي، والقاضي أبو عمرو بن منظور، والأستاذ ابن الزبير وغيرهم، كابن رشيد، وابن خميس، وابن برطال، وابن مسعدة، وابن ربيع، وبالمشرق جماعة اختصرتهم لطولهم.
تواليفه: وتسوّر على التأليف، بفرط كفايته، فمما ينسب إليه كتاب: «التجر الرّبيح، في شرح الجامع الصحيح» . قال: منه ما جرّده من المبيّضة، ومنه ما لم يسمح الدهر بإتمامه، وكتاب «بهجة الأنوار» ، وكتاب «الأسرار» ، وكتاب «إرشاد السّائل، لنهج الوسائل» ، وكتاب «بغية السّالك، في أشرف المسالك» في التّصوف، وكتاب «أشعة الأنوار، في الكشف عن ثمرات الأذكار» . وكتاب «النّفحة القدسيّة» ، وكتاب «غنية الخطيب، بالاختصار والتّقريب» في خطب الجمع والأعياد، وكتاب «غرائب النّجب، في رغايب الشّعب» ، شعب الإيمان، وكتاب «في مناسك الحج» ، وكتاب «نظم سلك الجواهر، في جيّد معارف الصّدور والأكابر» ، فهرسة تحتوي على فوائد من العلم وما يتعلق بالرواية، وتسمية الشيوخ وتحرير الأسانيد.
دخوله غرناطة: دخلها مرات تشذّ عن الإحصاء. ولد عام ثمانية وسبعين وستمائة، وتوفي بمالقة في صبيحة ليلة النصف من شعبان عام أربعة وخمسين وسبعمائة.
محمد بن محمد بن يوسف بن عمر الهاشمي
يكنى أبا بكر، ويعرف بالطّنجالي، ولد الشيخ الولي أبي عبد الله.
حاله: من ذيل تاريخ مالقة للقاضي أبي الحسن بن الحسن، قال: كان هذا العالم الفاضل ممن جمع بين الدّراية والرّواية والتراث والاكتساب، وعلو الانتساب، وهو من القوم الذين وصلوا الأصالة بالصّول، وطول الألسنة بالطّول، وهدوا إلى الطّيّب من القول، أثر الشّموخ يبرق من أنفه، ونسيم الرّسوخ يعبق من عرفه، وزاجر الصّلاح يومي بطرفه، فتخاله من خوف الله ذا لمم، وفي خلقه دماثة وفي عرنينه شمم. ووصفه بكثير من هذا النّمط.
ومن «العائد» : كان من أهل العلم والتّفنّن في المعارف والتّهمّم بطلبها، جمع بين الرّواية والدّراية والصلاح. وكانت فيه خفّة، لفرط صحّة وسذاجة وفضل رجولة
стр. 940
به، بارع الخطّ، حسن التّقييد، مهيبا جزلا، مع ما كان عليه من التّواضع، يحبّه الناس ويعظمونه، خطب بالمسجد الأعظم من مالقة، وأقرأ به العلم.
مشيخته: قرأ على الأستاذ أبي محمد الباهلي، وأبيه الولي الخطيب، ﵀. وروى عن جدّه أبي جعفر، وعن الرّاوية الأستاذ الكبير أبي جعفر بن الزبير، والرّاوية أبي عبد الله بن عيّاش، والقاضي أبي القاسم بن السّكوت، وغيرهم ممن يطول ذكره، من أهل المشرق والمغرب.
وفاته: توفي بمالقة في أول صفر من عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة، وكان عمره نحوا من تسع وخمسين سنة.
محمد بن محمد بن ميمون الخزرجي
يكنى أبا عبد الله، ويعرف بلا أسلم؛ لكثرة صدور هذه اللفظة عنه، مرسي الأصل، وسكن غرناطة ووادي آش وألمريّة.
حاله: من كتاب «المؤتمن» «١» : كان دمث الأخلاق قبل أن يحرجه شيء من مضيّقات الصّدور، يشارك في العربية، والشعر النازل عن الدرجة الوسطى لا يخلو بعضه عن لحن. وكان يتعيش من صناعة الطّب. وجرت له شهرة بالمعرفة نرفع به بتلك الصّناعة على حدّ شهرة ترك النّصيحة فيها، فكانت شهرته بالمعرفة ترفع به. وشهرته بترك النصيحة تنزله، فيمرّ بين الحالتين بشظف العيش، ومقت الكافّة إيّاه.
قلت: كان لا أسلم، طرفا في المعرفة بطرق العلاج، فسيح التّجربة، يشارك في فنون، على حال غريبة من قلّة الظّرف، وجفاء الآلات، وخشن الظاهر، والإزراء بنفسه وبالناس، متقدّم في المعرفة بالخصوم، يقصد في ذلك. وله في الحرب والحيل حكايات، قال صاحبنا أبو الحسن بن الحسن: كانت للحكيم لا أسلم خمر مخبّأة، في كرم كان له بألمريّة، عثر عليها بعض الدّعرة، فسرقها له. قال: فعمد إلى جرّة وملأها بخمر أخرى، ودفنها بالجهة، وجعل فيها شيئا من العقاقير المسهّلات، وأشاع أن الخمر العتيقة التي كانت له لم تسرق، وإنما باقية بموضع كذا، فعمد إليها أولئك الدّعرة، وأخذوا في استعمالها، فعادت عليهم بالاستطلاق القبيح المهلك، فقصدوا الحكيم المذكور، وعرضوا عليه ما أصابهم، فقال لهم: إيه، أدّوا إليّ ثمن الشّريبة،
стр. 941
وحينئذ أشرع لكم في الدواء، ويقع الشّفاء بحول الله، فجمعوا له أضعاف ما كان يساويه خمره، وعالجهم حتى شفوا بعد مشقّة. وأخباره كثيرة.
وفاته: توفي عقب إقلاع الطّاغية ملك برجلونة عن ألمريّة عام تسعة وسبعمائة «١» . وخلفه ابن كان له يسمى إبراهيم، ويعرف بالحكيم، وجرى له من الشّهرة ما جرى لأبيه، مرّت عليه ببخت وقبول، وتوفي بعد عام خمسين وسبعمائة.
محمد بن قاسم بن أحمد بن إبراهيم الأنصاري «٢»
جيّاني الأصل مالقيه، يكنى أبا عبد الله ويعرف بالشّديد على بنية التصغير، وهو كثير التردّد والمقام بحضرة غرناطة.
حاله: من «٣» أهل الطّلب والذكاء والظّرف والخصوصيّة، مجموع «٤» خلال من خطّ حسن واضطلاع بحمل كتاب الله. بلبل دوح السّبع المثاني، وماشطة عروس أبي الفرج الجوزي، وآية صقعه في «٥» الصّوت، وطيب النّغمة، اقتحم لذلك دسوت الملوك، وتوصّل إلى صحبة الأشراف، وجرّ أذيال الشهرة. قرأ القرآن والعشر بين يدي السلطان، أمير المسلمين بالعدوة، ودنا منه محلّه، لولا إيثار مسقط رأسه. وتقرّب بمثل ذلك إلى ملوك وطنه، وصلّى التّراويح بمسجد قصر الحمراء، غريب المنزع، عذب الفكاهة، ظريف المجالسة، قادر «٦» على الحكايات، متسوّر «٧» حمى الوقار، ملبّ «٨» داعي الانبساط، على استرجاع واستقامة، مبرور الوفادة، منوّه الإنزال، قلّد شهادة الدّيوان بمالقة، معوّلا عليه في ذلك، فكان مغار حبل «٩» الأمانة، صليب العود، شامخا «١٠» ، صادق «١١» النّزاهة، لوحا للألقاب، محرزا للعمل.
стр. 942
وولّي الحسبة بمالقة، حرسها الله تعالى، فخاطبته في ذلك أداعبه، وأشير إلى قوم من أجداده، وأولي الحمل عليه بما نصّه: [السريع]
يا أيها المحتسب الجزل ... ومن لديه الجدّ والهزل
تهنيك «١» والشكر لمولى الورى ... ولاية ليس لها عزل
كتبت أيها المحتسب، المنتمي إلى النزاهة المنتسب، أهنّيك ببلوغ تمنّيك، وأحذّرك من طمع نفس بالغرور تمنّيك، فكأني «٢» وقد طافت بركابك الباعة «٣» ، ولزم لأمرك «٤» السّمع والطّاعة، وارتفعت في مصانعتك الطّماعة، وأخذت أهل الرّيب بغتة كما تقوم الساعة، ونهضت تقعد وتقيم، وسكوتك «٥» الريح العقيم، وبين يديك القسطاس «٦» المستقيم، ولا بدّ من شرك ينصب، وجماعة على ذي جاه تعصب «٧» ، وحالة «٨» كيت بها الجناب الأخصب، فإن غضضت طرفك، أمنت عن الولاية صرفك، وإن ملأت ظرفك «٩» ، رحّلت عنها حرفك، وإن كففت فيها كفّك، حفّك العزّ فيمن حفّك. فكن لقالي المجبّنة قاليا «١٠» ، ولحوت السّلّة ساليا. وأبد لدقيق الحوّارى زهد حواريّ «١١» ، وازهد فيما بأيدي الناس من العواري، وسر في اجتناب الحلواء «١٢» ، على السبيل السّواء، وارفض في الشّواء، دواعي الأهواء، وكن على الهرّاس «١٣» ، وصاحب ثريد «١٤» الرّاس، شديد المراس، وثب على بائع «١٥» طبيخ الأعراس، ليثا مرهوب الافتراس، وأدّب أطفال الفسوق «١٦» ، في السوق، سيّما من
стр. 943
كان قبل البلوغ والسّبوق «١» ، وصمّم في «٢» استخراج الحقوق، والناس أصناف، فمنهم خسيس يطمع منك في أكلة، ومستعد عليك بوكزة أو ركلة. وحاسد في مطيّة تركب، وعطيّة تسكب، فاخفض للحاسد جناحك، وسدّد إلى حربه رماحك، وأشبع الخسيس منهم مرقة دسمة «٣» فإنه حنق، ودسّ له فيها عظما لعلّه يختنق، واحفر لشرّيرهم حفرة عميقة، فإنه العدوّ حقيقة، حتى إذا حصل، وعلمت أنّ وقت الانتصار قد وصل «٤» ، فأوقع وأوجع، ولا ترجع، وأولياء من «٥» حزب الشيطان فأفجع، والحقّ أقوى، وإن تعفو أقرب للتقوى. سدّدك الله تعالى «٦» إلى غرض التّوفيق، وأعلقك «٧» من الحقّ بالسّبب الوثيق، وجعل قدومك مقرونا برخص اللّحم والزّيت والدّقيق، بمنّه وفضله «٨» .
مشيخته: قرأ القرآن على والده المكتّب النّصوح، ﵀، وحفظ كتبا كرسالة أبي محمد بن أبي زيد، وشهاب القضاعي، وفصيح ثعلب، وعرض الرّسالة على ولي الله أبي عبد الله الطّنجالي، وأجازه. ثم على ولده الخطيب أبي بكر، وقرأ عليه من القرآن، وجوّد بحرف نافع على شيخنا أبي البركات. وتلا على شيخنا أبي القاسم بن جزي. ثم رحل إلى المغرب، فلقي الشيخ الأستاذ الأوحد في التّلاوة، أبا جعفر الدرّاج، وأخذ عن الشّريف المقرئ أبي العباس الحسنى بسبتة، وأدرك أبا القاسم التّجيبي، وتلا على الأستاذ أبي عبد الله بن عبد المنعم «٩» ولازمه، واختصّ بالأستاذ ابن هاني السّبتي، ولقي بفاس جماعة كالفقيه أبي زيد الجزولي، وخلف الله المجاصي، والشيخ أبا العباس المكناسي، والشيخ البقية أبا عبد الله بن عبد الرازق، وقرأ على المقرئ الفذّ الشهير في التّرنّم بألحان القرآن أبي العباس الزّواوي سبع ختمات، وجمع عليه السّبع، والمقرئ أبي العباس بن حزب الله، واختصّ بالشيخ الرئيس أبي محمد عبد المهيمن الحضرمي.
شعره: من شعره ما كتب به إلى وزير الدولة المغربيّة في غرض الاستلطاف:
[الكامل]
يا من به أبدا عرفت ومن أنا ... لولاه لي دامت علاه وداما
стр. 944
لا تأخذنّك في الشّديد لومة ... فشخيص نشأته بفضلك قاما
ربّيته علّمته أدّبته ... قدّمته للفرض منك إماما
فجزاك ربّ الخلق خير جزاية ... عنّي وبوّأك الجنان مقاما
وهو الآن بالحالة الموصوفة، مستوطنا حضرة غرناطة، وتاليا الأعشار القرآنية، بين يدي السلطان، أعزّه الله، مرفّع الجانب، معزّز الجراية بولايته أحباس المدرسة، أطروفة عصره، لولا طرش نقص الأنس به، نفعه الله.
مولده: ولد بمالقة في عاشر ربيع الأول من عام عشرة وسبعمائة.
ومن الغرباء في هذا الاسم
محمد بن أحمد بن إبراهيم بن محمد التّلمساني الأنصاري
السّبتي الدّار، الغرناطي الاستيطان، يكنى أبا الحسين، ويعرف بالتّلمساني.
حاله: طرف في الخير والسلامة، معرق في بيت الصّون والفضيلة، معمّ «١» تخوّل في العدالة، قديم الطّلب والاستعمال، معروف الحقّ، مليح البسط، حلو الفكاهة، خفيف إلى هيعة الدّعابة، على سمت ووقار، غزل، لوذعي، مع استرجاع وامتساك، مترف، عريق في الحضارة، مؤثر للراحة، قليل التّجلّد، نافر عن الكدّ، متّصل الاستعمال، عريض السعادة في باب الولاية، محمول على كتد المبرّة، جار على سنن شيوخ الطّلبة والمقتاتين من الأرزاق المقدّرة، أولى الخصوصيّة والضّبط من التّظاهر بالجاه على الكفاية. قدم على الأندلس ثمانية عشر وسبعمائة، فمهد كنف القبول والاستعمال، فولّي الحسبة بغرناظة، ثم قلّد تنفيذ الأرزاق وهي الخطّة الشرعية والولاية المجدية، فاتّصلت بها ولايته. وناب عنّي في العرض والجواب بمجلس السلطان، حميد المنأى في ذلك كله، يقوم على كتاب الله حفظا وتجويدا، طيّب النّغمة، راويا محدّثا، أخباريا، مرتاحا للأدب، ضاربا فيه بسهم يقوم على كتب السّيرة النّبوية، فذّا في ذلك. قرأه بالمسجد الجامع للجمهور، عند لحاقه بغرناطة، معربا به عن نفسه، منبّها على مكانه، فزعموا أن رجلا فاضت نفسه وجدا لشجو نغمته، وحسن إلقائه. وقرأ التّراويح بمسجد قصر السلطان إماما به، واتّسم بمجلسه بالسّلامة والخير، فلم تؤثر عنه في أحد وقيعة، ولا بدرت له في الحمل على أحد بنت شفه.
стр. 945
مشيخته: منهم الشّريف أبو علي الحسن بن الشريف أبي التّقى طاهر بن أبي الشّرف ربيع بن علي بن أحمد بن علي بن أبي الطاهر بن حسن بن موهوب بن أحمد بن محمد بن طاهر بن أبي الشرف الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب. ومنهم والده المترجم به، ومنهم أبوه وجدّه، ومنهم الأمير الصالح أبو حاتم أحمد بن الأمير أبي القاسم محمد بن أبي العباس أحمد بن محمد العزفي، والمقرئ أبو القاسم بن الطيب، وإمام الفريضة أبو عبد الله محمد بن محمد بن حريث، والأستاذ ملحق الأبناء بالآباء أبو إسحاق الغافقي، والكاتب النّاسك أبو القاسم خلف بن عبد العزيز القبتوري، والأستاذ المعمر أبو عبد الله بن الخضّار، والخطيب المحدّث أبو عبد الله بن رشيد، والخطيب الأديب أبو عبد الله الغماري، والأستاذ أبو البركات الفضل بن أحمد القنطري، والوزير العابد أبو القاسم محمد بن محمد بن سهل بن مالك، والولي الصالح أبو عبد الله الطّنجالي، والخطيب الصالح أبو جعفر بن الزيات، والقاضي الأعدل أبو عبد الله بن برطال، والشيخ الوزير المعمر أبو عبد الله بن ربيع، والصّوفي الفاضل أبو عبد الله بن قطرال، والأستاذ الحسابي أبو إسحاق البرغواطي، هؤلاء لقيهم وقرأ وسمع عليهم. وممن كتب له بالإجازة، وهم خلق كثير، كخال أبيه، الشيخ الأديب أبي الحكم مالك بن المرحّل، والخطيب أبي الحسن فضل ابن فضيلة، والأستاذ الخاتمة أبي جعفر بن الزبير، والعدل أبي الحسن بن مستقور، والوزير المعمر أبي محمد بن سماك، والخطيب أبي محمد مولى الرئيس أبي عثمان بن حكم، والشيخ الصالح أبي محمد الحلاسي، والقاضي أبي العباس بن الغمّاز، والشيخ أبي القاسم الحضرمي اللّبيدي، والعدل المعمر الراوية أبي عبد الله بن هارون، والمحدث الراوية أبي الحسن القرافي، وأبي إسحاق إبراهيم بن أحمد بن عبد المحسن بن هبة الله بن أبي المنصور، والإمام شرف الدين أبي محمد الدّمياطي، وبهاء الدين بن النّحاس، وقاضي القضاة تقي الدين بن دقيق العيد، وضياء الدين أبي مهدي عيسى بن يحيى بن أحمد، وكتب في الإجازة له: [الطويل]
ولدت لعام من ثلاث وعشرة ... وستّ مئين هجرة لمحمد
تطوّفت قدما بالحجاز وإنني ... بمصر هو المربى «١» وسبتة مولدي «٢»
стр. 946
إلى عالم كثير من أهل المشرق، يشقّ إحصاؤهم، قد ثبت معظمهم في اسم صاحبه أبي محمد عبد المهيمن الحضرمي، ﵀.
محنته: نالته محنة بجري الأمور الاشتغالية وتبعاتها، قال الله فيها لعثرته لغا، فاستقلّ من النّكبة، وعاد إلى الرّتبة. ثم عفّت عليه بآخرة، فهلك تحت بركها بعد مناهزة التسعين سنة، نفعه الله.
مولده: ولد عام ستة وسبعين وستمائة، وتوفي في شهر محرم من أربعة وستين وسبعمائة.
محمد بن علي بن محمد بن علي بن محمد بن يوسف ابن قطرال الأنصاري
من أهل مرّاكش، يكنى أبا عبد الله ويعرف بابن قطرال.
حاله: من «العائد» : كان، ﵀، فاضلا صوفيا، عارفا، متحدّثا، فقيها، زاهدا، تجرّد عن ثروة معروفة، واقتصر على الزّهد والتّخلّي، وملازمة العبادة، والغروب عن الدنيا. وله نظم رائق، وخطّ بارع، ونثر بليغ، وكلام على طريقة القوم، رفيع الدّرجة، عالي القدر. شرح قصيدة الإسرائيلي بما يشهد برسوخ قدمه، وتجوّل في لقاء الأكابر على حال جميلة من إيثار الصّمت والانقباض والحشمة. ثم رحل إلى المشرق حاجا صدر سنة ثلاث وسبعمائة.
مشيخته: من شيوخه القاضي العالم أبو عبد الله محمد بن علي، والحافظ أبو بكر بن محمد المرادي، والفقيه أبو فارس الجروي، والعلّامة أبو الحسين بن أبي الربيع، والعدل أبو محمد بن عبيد الله، والحاج أبو عبد الله بن الخضّار، وأبو إسحاق التّلمساني، وأبو عبد الله بن خميس، وأبو القاسم بن السّكوت، وأبو عبد الله بن عيّاش، وأبو الحسن بن فضيلة، وأبو جعفر بن الزبير، وأبو القاسم بن خير. هؤلاء كلهم لقيهم، وأخذ عنهم. وكتب له بالإجازة جملة، كالقاضي أبي علي بن الأحوص، وأبي القاسم العزفي، وأبي جعفر الطّنجالي، وصالح بن شريف، وأبي عمرو الدّاري، وأبي محمد بن الحجّام، وأبي بكر بن حبيش، وأبي يعقوب بن عقاب، وعز الدين الجداي، وفخر الدين بن البخاري، وابن طرخان، وابن البوّاب، وأمين الدين بن عساكر، وقطب الدين بن القسطلانيّ، وغيرهم.
стр. 947
شعره: وأما شعره فكثير بديع. قال شيخنا القاضي أبو بكر بن شبرين: كتبت إليه: [المنسرح]
يا معمل السّير أيّ إعمال ... سلّم على الفاضل ابن قطرال
من أبيات راجعني عنها بأبيات منها: [المنسرح]
زارت فأزرت بمسك دارين ... تفتنّ للحسن في أفانين
ومثلها في شتّى محاسنها ... ليست ببدع من ابن شبرين
وفاته: توفي بحرم الله عاكفا على الخير وصالح الأعمال، معرضا عن زهرة الحياة الدنيا، إلى أن اتصل خبر وفاته، وفيه حكاية، عام تسعة وسبعمائة.
ودخل غرناطة برسم لقاء الخطيب الصالح أبي الحسن بن فضيلة. وغير ذلك.
العمال في هذا الاسم وأولا الأصليون
محمد بن أحمد بن محمد بن الأكحل «١»
يكنى أبا يحيى.
حاله: شيخ «٢» حسن الشّيبة، شامل البياض، بعيد مدى الذّقن، خدوع الظاهر، خلوب اللفظ، شديد الهوى إلى الصّوفية، والكلف بإطراء الخيريّة «٣» ، سيما عند فقدان شكر الولاية، وجماح الحظوة، من بيت صون وحشمة، مبين عن نفسه في الأغراض، متقدّم في معرفة الأمور العملية، خائض مع الخائضين في غمار طريق «٤» التصوّف، وانتحال كيمياء السّعادة، راكب متن دعوى عريضة في مقام التّوحيد، تكذّبها أحواله الرّاهنة جملة، ولا تسلم له منها نبذة، لمعاصاة خلقه على الرياضة واستيلاء الشّره، وغلب «٥» سلطان الشّهوة، فلم يجن من جعجاعه المبرم فيها إلّا استغراق الوقت في القواطع عن الحق، والأسف على ما رزته الأيام من متاع الزّور، وقنية الغرور، والمشاحة أيام الولاية، والشّباب «٦» الشاهد بالشّره، والحلف المتصل بياض اليوم، في ثمن الخردلة باليمين التي تجرّ فساد الأنكحة، والغضب الذي يقلب
стр. 948
العين، والبذا الذي يصاحب الشّين، مغلوب عليه في ذلك، ناله بسببه ضيق واعتقال، وتقويت جدة، وإطباق روع، وقيد للعذاب، فألقيت عليه ردائي، ونفّس الله عنه بسببي، محوا للسّيئة بالحسنة، وتوسّلا إلى الله بترك الحظوظ، والمنّة لله ﷻ على ذلك.
شعره: خاطبني بين يدي نكبته أو خلفها بما نصّه، ولم أكن أظنّ الشّعر مما تلوكه جحفلته «١» ، ولكن الرجل من أهل الكفاية «٢» : [الطويل]
رجوتك «٣» بعد الله يا خير منجد ... وأكرم مأمول وأعظم مرفد «٤»
وأفضل من أملت للحادث الذي ... فقدت به صبري وما ملكت يدي «٥»
وحاشا وكلّا أن يخيب مؤمّلي «٦» ... وقد علقت بابن الخطيب محمد
وما أنا إلّا عبد أنعمه «٧» التي ... عهدت بها يمني وإنجاح مقصدي «٨»
وأشرف من حضّ الملوك على التّقى ... وأبدى لهم نصحا وصيّة «٩» مرشد
وساس الرّعايا الآن خير سياسة ... مباركة في كل غيب ومشهد «١٠»
وأعرض عن دنياه زهدا وإنها ... لمظهرة طوعا له عن تودّد
وما هو إلّا اللّيث والغيث إن أتى ... له خائف أو جاء مغناه مجتدي «١١»
وبحر علوم درّه كلماته ... إذا ردّدت في الحفل أيّ تردّد
صقيل مرائي «١٢» الفكر ربّ لطائف ... محاسنها تجلى بحسن تعبّد
بديع عروج النفس للملإ الذي ... تجلّت به الأسرار في كلّ مصعد
شفيق رقيق دائم الحلم راحم ... وأيّ جميل للجميل معوّد
صفوح عن الجاني على حين قدرة ... يواصل «١٣» تقوى الله في اليوم والغد
стр. 949
أيا سيدي يا عمدتي عند شدّتي ... ويا مشربي «١» متى ظمئت وموردي
حنانيك وألطف بي وكن لي راحما ... ورفقا على شيخ ضعيف منكّد
رجاك رجاء «٢» للذي أنت أهله ... ووافاك يهدي للثّناء «٣» المجدّد
وأمّك مضطرّا لرحماك شاكيا ... بحال كحرّ الجمر «٤» حين توقّد
وعندي افتقار لا يزال «٥» مواصلا ... لأكرم مولى حاز أجرا وسيّد
ترفّق بأولاد صغار بكاؤهم ... يزيد لوقع الحادث المتزيّد
وليس لهم إلّا إليك تطلّع ... إذا مسّهم ضرّ أليم التّعهّد
أنلهم أيا مولاي نظرة مشفق ... وجد بالرّضا وانظر لشمل مبدّد
وقابل أخا الكره «٦» الشّديد برحمة ... وأسعف بغفران الذّنوب وأبعد «٧»
ولا تنظرن إلّا لفضلك، لا إلى ... جريمة شيخ عن محلّك مبعد
وإن كنت قد أذنبت إني تائب ... فعاود «٨» لي الفعل الجميل وجدّد
بقيت بخير لا يزال «٩» وعزّة ... وعيش هنيء كيف شئت وأسعد
وسخّرك الرحمن للعبد، إنّه ... لمثن «١٠» وداع للمحل المجدّد
وقد ولّي خططا نبيهة، منها خطة الاشتغال على عهد الغادر المكايد للدّولة، إذ كان من أولياء شيطانه وممدّيه في غيّه، وسماسير شعوذته، فلم يزل من مسيطري «١١» ديوان الأعمال، على تهوّر واقتحام كبرة، وخطّ لا غاية وراءه في الرّكاكة، كما قال المعرّي «١٢» : [الوافر]
تمشّت «١٣» فوقه حمر المنايا ... ولكن بعد ما مسخت نمالا
стр. 950
استحضرته يوما بين يدي السلطان، وهو غفل لفكّ ما أشكل من معمّياته في الأعمال عند المطالعة، فوصل بحال سيئة، ولما أعتب بسببه ونعيت عليه هجنته، أحسن الصّدر عن ذلك الورد، ونذر في نفسه وقال: حيّا الله رداءة الخطّ إذا كانت ذريعة إلى دخول هذا المجلس الكريم، فاستحسن ذلك، لطف الله بنا أجمعين.
وفاته: توفي عام سبعة وستين وسبعمائة.
محمد بن الحسن بن زيد بن أيوب بن حامد الغافقي
يكنى أبا الوليد.
أوليته: أصله من طليطلة، انتقل منها جدّ أبيه، وسكنوا غرناطة، وعدّوا في أهلها.
حاله: كان أبو الوليد طالبا نبيلا، نبيها، سريّا، ذكيّا، ذا خطّ بارع، ومعرفة بالأدب والحساب، ونزع إلى العمل فكان محمود السّيرة، مشكور الفعل. وولّي الإشراف في غير ما موضع. قلت: وآثاره في الأملاك المنسوبة إليه، التي من جملة المستخلص السلطاني بغرناطة وغيرها، مما يدل على قدم وتعمّة أصيلة.
وفاته: توفي بمدينة إشبيلية سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، وسنّه دون الخمسين.
محمد بن محمد بن حسّان الغافقي «١»
إشبيلي الأصل، غرناطي المنشأ، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن حسان.
حاله: من «العائد» : كان من أهل السّرو والظّرف والمروءة، وحسن الخلق، تولّى الإشراف بغرناطة، وخطّة الأشغال، فحسن الثناء عليه. وله أدب ومشاركة.
حدّثني بعض أشياخنا، قال: كنت على مائدة الوزير ابن الحكيم، وقد تحدّث بصرف ابن حسّان عن عمل كان بيده، وإذا رقعة قد انتهت إليه أحفظ منها: [مخلع البسيط]
لكم أياد لكم أياد ... كرّرتها إنها كثيرة
следующие страницы →