← Тараджим

Тараджим · id 11682

الإحاطة في أخبار غرناطة

لسان الدين بن الخطيب

Полный текст (1 954 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

إلى عالم كثير من أهل المشرق، يشقّ إحصاؤهم، قد ثبت معظمهم في اسم صاحبه أبي محمد عبد المهيمن الحضرمي، ﵀. محنته: نالته محنة بجري الأمور الاشتغالية وتبعاتها، قال الله فيها لعثرته لغا، فاستقلّ من النّكبة، وعاد إلى الرّتبة. ثم عفّت عليه بآخرة، فهلك تحت بركها بعد مناهزة التسعين سنة، نفعه الله. مولده: ولد عام ستة وسبعين وستمائة، وتوفي في شهر محرم من أربعة وستين وسبعمائة. محمد بن علي بن محمد بن علي بن محمد بن يوسف ابن قطرال الأنصاري من أهل مرّاكش، يكنى أبا عبد الله ويعرف بابن قطرال. حاله: من «العائد» : كان، ﵀، فاضلا صوفيا، عارفا، متحدّثا، فقيها، زاهدا، تجرّد عن ثروة معروفة، واقتصر على الزّهد والتّخلّي، وملازمة العبادة، والغروب عن الدنيا. وله نظم رائق، وخطّ بارع، ونثر بليغ، وكلام على طريقة القوم، رفيع الدّرجة، عالي القدر. شرح قصيدة الإسرائيلي بما يشهد برسوخ قدمه، وتجوّل في لقاء الأكابر على حال جميلة من إيثار الصّمت والانقباض والحشمة. ثم رحل إلى المشرق حاجا صدر سنة ثلاث وسبعمائة. مشيخته: من شيوخه القاضي العالم أبو عبد الله محمد بن علي، والحافظ أبو بكر بن محمد المرادي، والفقيه أبو فارس الجروي، والعلّامة أبو الحسين بن أبي الربيع، والعدل أبو محمد بن عبيد الله، والحاج أبو عبد الله بن الخضّار، وأبو إسحاق التّلمساني، وأبو عبد الله بن خميس، وأبو القاسم بن السّكوت، وأبو عبد الله بن عيّاش، وأبو الحسن بن فضيلة، وأبو جعفر بن الزبير، وأبو القاسم بن خير. هؤلاء كلهم لقيهم، وأخذ عنهم. وكتب له بالإجازة جملة، كالقاضي أبي علي بن الأحوص، وأبي القاسم العزفي، وأبي جعفر الطّنجالي، وصالح بن شريف، وأبي عمرو الدّاري، وأبي محمد بن الحجّام، وأبي بكر بن حبيش، وأبي يعقوب بن عقاب، وعز الدين الجداي، وفخر الدين بن البخاري، وابن طرخان، وابن البوّاب، وأمين الدين بن عساكر، وقطب الدين بن القسطلانيّ، وغيرهم.

стр. 947

شعره: وأما شعره فكثير بديع. قال شيخنا القاضي أبو بكر بن شبرين: كتبت إليه: [المنسرح] يا معمل السّير أيّ إعمال ... سلّم على الفاضل ابن قطرال من أبيات راجعني عنها بأبيات منها: [المنسرح] زارت فأزرت بمسك دارين ... تفتنّ للحسن في أفانين ومثلها في شتّى محاسنها ... ليست ببدع من ابن شبرين وفاته: توفي بحرم الله عاكفا على الخير وصالح الأعمال، معرضا عن زهرة الحياة الدنيا، إلى أن اتصل خبر وفاته، وفيه حكاية، عام تسعة وسبعمائة. ودخل غرناطة برسم لقاء الخطيب الصالح أبي الحسن بن فضيلة. وغير ذلك. العمال في هذا الاسم وأولا الأصليون محمد بن أحمد بن محمد بن الأكحل «١» يكنى أبا يحيى. حاله: شيخ «٢» حسن الشّيبة، شامل البياض، بعيد مدى الذّقن، خدوع الظاهر، خلوب اللفظ، شديد الهوى إلى الصّوفية، والكلف بإطراء الخيريّة «٣» ، سيما عند فقدان شكر الولاية، وجماح الحظوة، من بيت صون وحشمة، مبين عن نفسه في الأغراض، متقدّم في معرفة الأمور العملية، خائض مع الخائضين في غمار طريق «٤» التصوّف، وانتحال كيمياء السّعادة، راكب متن دعوى عريضة في مقام التّوحيد، تكذّبها أحواله الرّاهنة جملة، ولا تسلم له منها نبذة، لمعاصاة خلقه على الرياضة واستيلاء الشّره، وغلب «٥» سلطان الشّهوة، فلم يجن من جعجاعه المبرم فيها إلّا استغراق الوقت في القواطع عن الحق، والأسف على ما رزته الأيام من متاع الزّور، وقنية الغرور، والمشاحة أيام الولاية، والشّباب «٦» الشاهد بالشّره، والحلف المتصل بياض اليوم، في ثمن الخردلة باليمين التي تجرّ فساد الأنكحة، والغضب الذي يقلب

стр. 948

العين، والبذا الذي يصاحب الشّين، مغلوب عليه في ذلك، ناله بسببه ضيق واعتقال، وتقويت جدة، وإطباق روع، وقيد للعذاب، فألقيت عليه ردائي، ونفّس الله عنه بسببي، محوا للسّيئة بالحسنة، وتوسّلا إلى الله بترك الحظوظ، والمنّة لله ﷻ على ذلك. شعره: خاطبني بين يدي نكبته أو خلفها بما نصّه، ولم أكن أظنّ الشّعر مما تلوكه جحفلته «١» ، ولكن الرجل من أهل الكفاية «٢» : [الطويل] رجوتك «٣» بعد الله يا خير منجد ... وأكرم مأمول وأعظم مرفد «٤» وأفضل من أملت للحادث الذي ... فقدت به صبري وما ملكت يدي «٥» وحاشا وكلّا أن يخيب مؤمّلي «٦» ... وقد علقت بابن الخطيب محمد وما أنا إلّا عبد أنعمه «٧» التي ... عهدت بها يمني وإنجاح مقصدي «٨» وأشرف من حضّ الملوك على التّقى ... وأبدى لهم نصحا وصيّة «٩» مرشد وساس الرّعايا الآن خير سياسة ... مباركة في كل غيب ومشهد «١٠» وأعرض عن دنياه زهدا وإنها ... لمظهرة طوعا له عن تودّد وما هو إلّا اللّيث والغيث إن أتى ... له خائف أو جاء مغناه مجتدي «١١» وبحر علوم درّه كلماته ... إذا ردّدت في الحفل أيّ تردّد صقيل مرائي «١٢» الفكر ربّ لطائف ... محاسنها تجلى بحسن تعبّد بديع عروج النفس للملإ الذي ... تجلّت به الأسرار في كلّ مصعد شفيق رقيق دائم الحلم راحم ... وأيّ جميل للجميل معوّد صفوح عن الجاني على حين قدرة ... يواصل «١٣» تقوى الله في اليوم والغد

стр. 949

أيا سيدي يا عمدتي عند شدّتي ... ويا مشربي «١» متى ظمئت وموردي حنانيك وألطف بي وكن لي راحما ... ورفقا على شيخ ضعيف منكّد رجاك رجاء «٢» للذي أنت أهله ... ووافاك يهدي للثّناء «٣» المجدّد وأمّك مضطرّا لرحماك شاكيا ... بحال كحرّ الجمر «٤» حين توقّد وعندي افتقار لا يزال «٥» مواصلا ... لأكرم مولى حاز أجرا وسيّد ترفّق بأولاد صغار بكاؤهم ... يزيد لوقع الحادث المتزيّد وليس لهم إلّا إليك تطلّع ... إذا مسّهم ضرّ أليم التّعهّد أنلهم أيا مولاي نظرة مشفق ... وجد بالرّضا وانظر لشمل مبدّد وقابل أخا الكره «٦» الشّديد برحمة ... وأسعف بغفران الذّنوب وأبعد «٧» ولا تنظرن إلّا لفضلك، لا إلى ... جريمة شيخ عن محلّك مبعد وإن كنت قد أذنبت إني تائب ... فعاود «٨» لي الفعل الجميل وجدّد بقيت بخير لا يزال «٩» وعزّة ... وعيش هنيء كيف شئت وأسعد وسخّرك الرحمن للعبد، إنّه ... لمثن «١٠» وداع للمحل المجدّد وقد ولّي خططا نبيهة، منها خطة الاشتغال على عهد الغادر المكايد للدّولة، إذ كان من أولياء شيطانه وممدّيه في غيّه، وسماسير شعوذته، فلم يزل من مسيطري «١١» ديوان الأعمال، على تهوّر واقتحام كبرة، وخطّ لا غاية وراءه في الرّكاكة، كما قال المعرّي «١٢» : [الوافر] تمشّت «١٣» فوقه حمر المنايا ... ولكن بعد ما مسخت نمالا

стр. 950

استحضرته يوما بين يدي السلطان، وهو غفل لفكّ ما أشكل من معمّياته في الأعمال عند المطالعة، فوصل بحال سيئة، ولما أعتب بسببه ونعيت عليه هجنته، أحسن الصّدر عن ذلك الورد، ونذر في نفسه وقال: حيّا الله رداءة الخطّ إذا كانت ذريعة إلى دخول هذا المجلس الكريم، فاستحسن ذلك، لطف الله بنا أجمعين. وفاته: توفي عام سبعة وستين وسبعمائة. محمد بن الحسن بن زيد بن أيوب بن حامد الغافقي يكنى أبا الوليد. أوليته: أصله من طليطلة، انتقل منها جدّ أبيه، وسكنوا غرناطة، وعدّوا في أهلها. حاله: كان أبو الوليد طالبا نبيلا، نبيها، سريّا، ذكيّا، ذا خطّ بارع، ومعرفة بالأدب والحساب، ونزع إلى العمل فكان محمود السّيرة، مشكور الفعل. وولّي الإشراف في غير ما موضع. قلت: وآثاره في الأملاك المنسوبة إليه، التي من جملة المستخلص السلطاني بغرناطة وغيرها، مما يدل على قدم وتعمّة أصيلة. وفاته: توفي بمدينة إشبيلية سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، وسنّه دون الخمسين. محمد بن محمد بن حسّان الغافقي «١» إشبيلي الأصل، غرناطي المنشأ، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن حسان. حاله: من «العائد» : كان من أهل السّرو والظّرف والمروءة، وحسن الخلق، تولّى الإشراف بغرناطة، وخطّة الأشغال، فحسن الثناء عليه. وله أدب ومشاركة. حدّثني بعض أشياخنا، قال: كنت على مائدة الوزير ابن الحكيم، وقد تحدّث بصرف ابن حسّان عن عمل كان بيده، وإذا رقعة قد انتهت إليه أحفظ منها: [مخلع البسيط] لكم أياد لكم أياد ... كرّرتها إنها كثيرة

стр. 951

فإن عزمتم على انتقالي ... ريّة أبغي أو الجزيره وإن أبيتم إلى «١» مقامي ... فنعمة منكم كبيرة وقال لي بعضهم: جرى بين ابن حسّان هذا، وبين أحد بني علّاق، وهم أعيان، كلام وملاحة، فقال ابن حسان: إنما كان جدّكم مولى بني أضحى، وجدّ بني مشرف، فاستعدى عليه، ورفعه إلى الوزير ابن الحكيم فيما أظن، فلما استفهمه عن قوله، قال: أعزّك الله، كنت بالكتبيين، وعرض عليّ كتاب قديم في ظهره أبيات حفظتها وهي: [البسيط] أضحى الزمان بأضحى وهو مبتسم ... لنوره في سماء المجد إشراق فلم يزل ينتمي للمجد كل فتى ... تطيب منه مواليد وأعراق فإن ترد شرفا يمّم مشرّفه ... وإن ترد علق مجد فهو علّاق فعلم الوزير أن ذلك من نظمه، ونتيجة بديهته، فعجب من كفايته، وترضّى خصمه، وصرفهما بخير. وتوفي في شهر رجب ثلاثة عشر وسبعمائة. محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم ابن موسى بن إبراهيم بن عبد العزيز بن إسحاق بن أحمد ابن أسد بن قاسم النّميري، المدعو بابن الحاج يكنى أبا عمرو، وقد مرّ ذكر أخيه. حاله: تولّى خطّة الإشراف بلوشة وأندرش ومالقة. وولّي النظر في مختص ألمريّة، والأعشار الرومية بغرناطة. وكان له خط حسن، وجودة كاملة، وحسن خلق، ووطأة أكناف تشهد له بجلالة قدره، ورفيع خطره. وضاهر في أعيان كالوزير أبي عبد الله بن أبي الحسن، فاضل، سريّ، متخلّق، حسن الضريبة، متميّز بخصال متعددة، من خطّ بديع، ونظم، ومشاركة في فنون، من طبّ وتعديل، وارتياض سماع، وذكر التاريخ. حجّ وجال في البلاد، ولقي جلّة. وتولّي بالمغرب خططا نبيهة علية. ثم كرّ إلى الأندلس عام ستين وسبعمائة، فأجرى من الاستعمال على رسمه. ثم اقتضت له العناية السلطانية بإشارتي، أن يوجه في غرض الرسالة إلى تونس وصاحب مصر، لما تقدّم من مرانه على تلك البلاد، وجولاته في أقطارها، وتعرّفه بملوكها والجلّة من أهلها، فآب بعد أعوام، مشكور التصرّفات، جاريا على سنن

стр. 952

الفضلاء، مضطلعا بالأحوال التي أسندت إليه من ذلك. فلم يزل معتنى به، مرشّحا إلى الخطط التي تطمح إليها نفس مثله، مسندا النّظر في زمام العسكر الغربي إلى ولده الذي يخلفه عند رحلته نائبا عنه، معزّزا ذلك بالمرتبات والإحسان، تولّاه الله وأعانه. شعره: مدح السلطان، وأنشد له في المواليد النبوية. ورفع إلى السلطان بحضرتي هذه الأبيات: [البسيط] مولاي، يا خير أعلام السلاطين ... ومن له الفضل في الدنيا وفي الدّين ومن له سير ناهيك من سير ... وافت بأكرم تحسين وتحصين شرّفت عبدك تشريفا له رتب ... فوق النجوم التي للأفق «١» تعليني وكان لي موعد مولاي أنجزه ... وزاد في العزّ بعد الرّتبة الدّون والله ما الشّكر مني قاضيا وطري ... ولو أتيت به حينا على حين ولا الثّناء موفّ حقّ أنعمه ... ولو ملأت به كل الدّواوين لكن دعائي وحبّي قد رضيتهما ... كفاء «٢» أفعاله الغرّ الميامين وعند عبدك إخلاص يواصله ... في خدمة لم يزل للخير تدنيني وسوف أنصح كل النصح مغتنما ... رضى إمام له فضل يرجّيني جوزيت عني أمير المسلمين بما ... ترضاه للملك من نصر وتمكين وأنت أكرم من ساس الأنام ومن ... عمّ البلاد بتسكين وتهدين ومن كمثل أبي عبد الإله إذا ... أضحى الفخار لنا رحب الميادين محمد بن أبي الحجّاج خيرة من ... أهدي له «٣» مدحا بالسّعد يحظيني وجه جميل وأفعال تناسبه ... ودولة دولة المأمون تنسيني لا زال في السّعد والإسعاد ما سجعت ... ورق الحمام على قضب البساتين محمد بن عبد الرحمن الكاتب يكنى أبا عبد الله، من أهل غرناطة، أصله من وادي آش. حاله: كان طالبا نبيها كاتبا جليلا، جيّد الكتابة. كتب عن بعض أبناء الخليفة أبي يعقوب، واختصّ بالسيد أبي زيد بغرناطة، وبشرق الأندلس، وكان أثيرا عنده

стр. 953

مكرّما. وكان، ﵀، شاعرا، مطبوعا، ذا معرفة جيدة بالعدد والمساحة، ثم نزع عن الكتابة، واشتغل بالعمل، فراش فيه، وولّي إشراف بنيات غرناطة. ثم ولّي إشراف غرناطة، فكفّ يده، وظهرت نصيحته. ثم نقل إلى حضرة مرّاكش، فولي إشرافها مدة، ثم صرف عنها إلى غرناطة، وقدّم على النظر في المستخلص إلى أن توفي. مناقبه: أشهد لما قربت وفاته، أنه كان قد أخرج في صحّته وجوازه، أربعة آلاف دنير من صميم ماله لتتميم القنطرة التي بنيت على وادي شنجيل «١» بخارج غرناطة. وكان قبل ذلك قد بنى مسجد دار القضاء من ماله، وتأنّق في بنائه، وأصلح مساجد عدة، وفعل خيرا، نفعه الله. شعره: ومن شعره ما كتب به إلى الشيخ أبي يحيى بن أبي عمران، وزير الخلافة، وهو بحال شكاية أصابته: [الطويل] شكوت فأضنى المجد برح شكاته ... وفارق وجه الشمس حسن آياته «٢» وعادت ببعديك «٣» الزّمان زمانة ... تعدّت إلى عوّاده «٤» وأساته وغيّض ما للبشر لمّا تبسّطت ... يد السّقم «٥» في ساحات كافي كفاته فكيف بمقصوص وصلت جناحه ... وأدهم قد سربلته بشاته؟ وممتحن لولاك أذعن خبرة ... وهان على الأيام غمز قناته أمعلق أمالي ومطمح همّتي ... وواهب نفسي في عداد مباته سأستقبل النّعمى ببرّك غضّة ... ويصغر ذنب الدهر في حسناته وتسطو عين الحقّ منك بمرهف ... تراع الخطوب الجور من فتكاته وتطلع في أفق الخلافة نيّرا ... تطالعنا الأقمار من قسماته حرام على الشكوى اعتياد مطهّر ... حياة الدّنا والدين طيّ حياته فما عرضت في قصده بمساءة ... ولكن ترجّت أن ترى في عفاته

стр. 954

مشيخته: قال الغافقي: قرأ بمالقة على الأستاذ أبي زيد السّهيلي، ﵀. وفاته: وتوفي بغرناطة سنة سبع وستمائة، ودفن بداره بجهة قنطرة القاضي منها على ضفة الوادي. محمد بن عبد الملك بن سعيد بن خلف بن سعيد ابن الحسن بن عثمان بن محمد بن عبد الله بن سعيد ابن عمار بن ياسر «١» أوليّته: قد وقع التّنبيه عليها ويقع بحول الله. حاله: كان «٢» وزيرا جليلا بعيد الصّيت، عالي الذكر، رفيع الهمّة، كثير الأمل «٣» . نباهته: ذكره «٤» ابن صاحب الصلاة في تاريخه في الموحدين، فنبّه على مكانة محمد بن عبد الملك منهم في الرأي والحظوة، والأخذ عنه في أمور الأندلس «٥» ، وأثنى عليه. وذكره أبو زيد السّهيلي في «شرح السّيرة الكريمة» «٦» ، حتى انتهى إلى حديث كتاب رسول الله ﷺ ، الموجه إلى هرقل، وأن محمد بن عبد الملك عاينه عند أذفونش، مكرّما، مفتخرا به. والقضية «٧» مشهورة. وأما محلّه من أمداح الشعراء، فهو الذي مدحه الأديب أبو عبد الله الرّصافي بقوله «٨» : [الكامل] أيدا «٩» تفيض وخاطرا متوقّدا؟ ... دعها تبت قبسا على علم الندى وفيه يقول أبو عبد الله بن شرف من قصيدة: [البسيط] يا رحمة الله للرّاجي ونقمته ... لكل باغ طغى عن خيرة الرّسل

стр. 955

لم تبق منهم كفورا دون مرقبة ... مطالعا منك حتفا غير منفصل كما بزاتك لم تترك بأرضهم ... وحشا يفرّ ولا طيرا بلا وجل وكان كثير الصّيد، ومتردّد الغارات. مناقبه في الدين: قالوا: لما أنشده أبو عبد الله الرّصافي في القصيدة التي مطلعها «١» : [الكامل] لمحلّك التّرفيع والتّعظيم ... ولوجهك التّقديس والتّكريم حلف ألّا يسمعها، وقال: عليّ جائزتك، لكنّ طباعي لا تحتمل مثل هذا، فقال الرّصافي: ومن مثلك؟ ومن يستحق ذلك في الوقت غيرك؟ فقال له: دعني من خداعك أنا وما أعلمه عن نفسي. شعره: أنشده صاحب «الطالع» «٢» ، ولا يذكر له غيره «٣» : [الطويل] فلا تظهرن ما كان في الصّدر كامنا ... ولا تركبن بالغيظ في مركب وعر ولا تبحثن في عذر من جاء تائبا ... فليس كريما من يباحث في عذر «٤» وولي من الأعمال للموحدين كثيرا، كمختص حضرة مراكش، ودار السلاح، وسلا، وإشبيلية، وغرناطة، واتصلت ولايته على أعمال غرناطة، وكان من شيوخها وأعيانها. محنته: وعمل فيه عقد بأن بداره من أصناف الحلى، ما لا يكون إلا عند الملوك، وأنه إذا ركب في صلاة الصبح، من دار الرّخام التي يجري الماء فيها، في اثني عشر مكانا، شوّش الناس في الصلاة، دويّ الجلاجل بالبزاة، ومناداة الصيادين، ونباح الكلاب، فأمر المنصور بالقبض عليه، وعلى ابن عمّه، صاحب أعمال إفريقية، أبي الحسين، في سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة. ثم رضي عنهما، وأمر محمد بن عبد الملك أن يكتب بخطه كلّ ما أخذ له، فصرفه عليه، ولم ينقصه منه شيء، وغرم ما فات له.

стр. 956

ولد سنة أربع عشرة «١» وخمسمائة، وتوفي بغرناطة سنة تسع وثمانين وخمسمائة. محمد بن سعيد بن خلف بن سعيد بن محمد بن عبد الله ابن الحسن بن عثمان بن محمد بن عبد الله بن عمار ابن ياسر العنسي «٢» يكنى أبا بكر، وقد تقدّم التّعريف بأوليته. حاله: قال في «الطالع» : ساد في دولة الملثّمين «٣» ، وولّوه بغرناطة الأعمال، وكانت له دار الرّخام المشهورة بإزاء الجامع الأعظم بغرناطة. قال الغافقي فيه: شيخ جليل، فقيه نبيه من أهل قلعة يحصب «٤» . كان في عداد الفقهاء، ثم نزع إلى العمل، وولّي إشراف غرناطة في إمارة أبي سعيد الميمون بن بدر اللمتوني. وقال صاحب «المسهب» «٥» : وحسب القلعة كون هذا الفاضل الكامل «٦» منها، وقد رقم برد مجده بالأدب، ونال منه بالاجتهاد والسجيّة القابلة أعلى سبب، وله من المكارم ما يغيّر في وجه كعب وحاتم، لذلك ما قصدته الأدباء، وتهافتت في مدحه الشعراء، وفيه أقول: [الطويل] وكان أبو بكر من الكفر عصمة ... وردّ به الله الغواة إلى الحقّ وقام بأمر الله حافظ أهله ... بلين وسبط في المبرّة والخلق وهذا أبو بكر سليل ابن ياسر ... بغرناطة ناغاه في الرّأي والصّدق فهذا لنا بالغرب يجني معالما ... تباهي الذي أحيا الدّيانة بالشّرق وقد جرى من ذكره عند ذكر أبي بكر بن قزمان، ويجري عند ذكر نزهون بنت القلاعي ما فيه كفاية، إذ كان مفتونا بها، وبحمدة وزينب، بنتي زياد المؤدّب من أهل وادي آش، وفيهما يقول: [المجتث] ما بين زينب عمري ... أحثّ كأسي وحمده

стр. 957

وكل نظم ونثر ... وحكمة مستجدّة وليس إلّا عفاف ... يبلّغ المرء قصده ولذلك ما سعى به المخزومي الأعمى، وقد سها عن رسم تفقّده، فكتب إلى عليّ بن يوسف «١» في شأنه بما كان سبب عزله ونكبته: [الطويل] إليك، أمير المؤمنين، نصيحة ... يجوز بها البحر المجعجع شاعر بغرناطة ولّيت في الناس عاملا ... ولكن بما تحويه منه المآزر وأنت أما «٢» تخفى عليك خفيّة؟ ... فسل أهلها فالأمر للناس ظاهر وما لإلاه العرش تفنيه حمدة ... وزينب والكأس الذي هو دائر شعره: من ذلك قوله «٣» : [المجتث] يا هذه، لا ترومي ... خداع من ضاق ذرعه تبكي وقد قتلتني ... كالسّيف يقطر دمعه وقال عفى الله عنه «٤» : [الطويل] لقد صدعت قلبي حمامة أيكة «٥» ... أثارت غراما ما أجلّ وأكرما ورقّ نسيم الرّيح من نحو أرضكم ... ولطّف حتى كاد أن يتكلّما وقال في مذهب الفخر «٦» : [الخفيف] فخرنا بالحديث بعد القديم ... من معال توارثت» كالنجوم نحن في الحرب أجبل راسيات ... ولنا في النّدي لطف النّسيم ولادته: ولد في سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة، وتوفي سنة تسع وثلاثين وخمسمائة. ومن الطارئين في هذا الاسم من العمال محمد بن أحمد بن المتأهّل العبدري «٨» من أهل وادي آش، يكنى أبا عبد الله.

стр. 958

حاله: كان رجلا شديد الأدمة، أعين، كثّ اللحية، طرفا في الأمانة، شديد الاسترابة بجليسه، مخينا لرفيقه، سيىء الظنّ بصديقه، قليل المداخلة، كثير الانقباض، مختصر الملبس والمطعم، عظيم المحافظة على النّفير والقطمير، مستوعب للحصر والتّقييد، أسير محيي وعابد زمام، وجنيب أمانة، وحلس سقيفة، ورقيب مشرف، لا يقبل هوادة، ولا يلابس رشوة، كثير الالتفات، متفقّدا للآلة، متمما للعمل. جرى ذكره في بعض الموضوعات الأدبية بسبب شعر خامل نسب إليه بما نصه «١» : رجل غليظ «٢» الحاشية، معدود في جنس السائمة والماشية، تليت على العمال به سورة الغاشية، ولي «٣» الأشغال السلطانية، فذعرت الجباة لولايته، وأيقنوا «٤» بقيام قيامتهم لطلوع آيته، وقنطوا كلّ القنوط، وقالوا: جاءت الدّابّة تكلّمنا وهي إحدى الشروط، من رجل صائم الحسوة «٥» ، بعيد عن «٦» المصانعة والرّشوة، يتجنّب الناس، ويقول عند المخالطة «٧» لهم: لا مساس، عهدي به في الأعمال يخبط ويتبر «٨» ، وهو «٩» يهلّل ويكبّر، ويحسّن «١٠» ويقبّح، وهو يسبّح، انتهى. قلت: وولّي الأشغال السلطانية، فضمّ النّشر، وأوصد باب الحيلة، وبثّ أسباب الضّياع، وترصّد ليلا وأصيب بجراحة أخطأته، ثم عاجلته الوفاة، فنفّس عن أقتاله المخنّق. شعره: قال يخاطب بعض أثراء الدّولة قبل نباهته «١١» : [الطويل] عمادي، ملاذي، موئلي، ومؤمّلي ... ألا أنعم بما ترضاه للمتأهّل وحقّق بنيل القصد منك رجاءه ... على نحو ما يرضيك يا ذا التّفضّل فأنت الذي في العلم يعرف قدره ... بخير زمان فيه لا زلت تعتلي «١٢» فهنّيت يا مغنى «١٣» الكمال برتبة ... تقرّ لكم بالسّبق في كلّ محفل

стр. 959

وفاته: توفي عام ثلاثة وأربعين «١» بغرناطة أو قبل ذلك بيسير، وله خط حسن، وممارسة في الطب، وقد توسّط المعترك. محمد بن محمد بن محمد بن عبد الواحد البلوي «٢» من أهل ألمريّة، يكنى أبا بكر. أوليته: من كتاب «المؤتمن» «٣» قال: يشهر بنسبه وأصل سلفه من جهة بيرة، إما من بجّانة «٤» ، وإما من البريج «٥» ، واستوعب سبب انتقالهم. حاله: من «عائد الصلة» : كان أحد الشيوخ من طبقته، وصدر الوزراء من نمطه ببلده، سراوة وسماحة، ومبرّة وأدبا ولوذعيّة ودعابة، رافع راية الانطباع، وحائز قصب السبق في ميدان التّخلّق، مبذول البرّ، شائع المشاركة. وقال في «المؤتمن» : كان رجلا عاقلا، عارفا بأقوال الناس، حافظا لمراتبهم، منزلا لهم منازلهم، ساعيا في حوائجهم، لا يصدرون عنه إلّا عن رضى بجميل مداراته. التفت إلى نفسه، فلم ينس نصيبه من الذّلّ، ولا أغفل من كان يألفه في المنزل الخشن، واصلا لرحمه، حاملا لوطأة من يجفوه منهم، في ماله حظّ للمساكين، وفي جاهه رفد للمضطرّين، شيخا ذكيّ المجالسة، تستطيب معاملته، على يقين أنه يخفي خلاف ما يظهر، من الرجال الذين يصلحون الدّنيا، ولا يعلق بهم أهل الآخرة، لعروه عن النّخوة والبطر، ﵀. تكرّرت له الولاية بالديوان غير ما مرّة، وورد على غرناطة، وافدا ومادحا ومعزّيا. مشيخته وما صدر عنه: قرأ على ابن عبد النّور، وتأدّب به، وتلا على القاضي أبي علي بن أبي الأحوص أيام قضائه ببسطة، ونظم رجزا في الفرائض.

стр. 960

شعره: قال الشيخ «١» في «المؤتمن» : كانت له مشاركة في نظم الشعر الوسط، وكان شعر تلك الحلبة الآخذة عن ابن عبد النور، كأنه مصوغ من شعر شيخهم المذكور، ومحذوّ عليه، في ضعف المعاني، ومهنة الألفاظ. تنظر إلى شعره، وشعر عبد الله بن الصّائغ، وشعر ابن شعبة، وابن رشيد، وابن عبيد، فتقول: ذرّية بعضها من بعض. فمن ذلك ما نظمه في ليلة سماع واجتماع بسبب قدوم أخيه أبي الحسن من الحجاز: [الطويل] إلهي، أجرني إنني لك تائب ... وإنّي من ذنبي إليك لهارب عصيتك جهلا ثم جئتك نادما ... مقرّا وقد سدّت عليّ المذاهب مضى زمن بي في البطالة لاهيا ... شبابي قد ولّى وعمري ذاهب فخذ بيدي واقبل بفضلك توبتي ... وحقّق رجائي في الذي أنا راغب أخاف على نفسي ذنوبا جنيتها ... وحاشاك أن أشقى وأنت المحاسب وإني لأخشى في القيامة موقفا ... ويوما عظيما أنت فيه المطالب وقد وضع الميزان بالقسط حاكما ... وجاء شهيد عند ذاك وكاتب وطاشت عقول الخلق واشتدّ خوفهم ... وفرّ عن الإنسان خلّ وصاحب فما ثمّ من يرجى سواك تفضّلا ... وإن الذي يرجو سواك لخائب ومن ذا الذي يعطي إذا أنت لم تجد؟ ... ومن هو ذو منع إذا أنت واهب؟ عبيدك، يا مولاي، يدعوك رغبة ... وما زلت غفّارا لمن هو تائب دعوتك مضطرا وعفوك واسع ... فأنت المجازي لي وأنت المعاقب فهب لي من رحماك ما قد رجوته ... وبالجود يا مولاي ترجى المواهب توسّلت بالمختار من آل هاشم ... ومن نحوه قصدا تحثّ الرّكائب شفيع الورى يوم القيامة جاهه ... ومنقذ من في النار والحقّ واجب ومما بلغ فيه أقصى مبالغ الإجادة، قوله من قصيدة هنّأ فيها سلطاننا أبا الحجاج بن نصر «٢» ، لما وفد هو وجملة أعيان البلاد أولها: [الكامل] يهني الخلافة فتّحت لك بابها ... فادخل على اسم الله يمنا غابها

стр. 961

منها، وهو بديع، استظرف يومئذ: يا يوسفيّا باسمه وبوجهه ... اصعد لمنبرها وصن محرابها في الأرض مكّنك الإله كيوسف ... ولتملكنّ بربها أربابها بلغت بكم آرابها من بعد ما ... قالت لذلك نسوة ما رابها كانت تراود كفوها حتى إذا ... ظفرت بيوسف غلّقت أبوابها قلت «١» : ما ذكره المؤلف ابن الخطيب، ﵀، في هذا المترجم به، من أنه ينظم الشعر الوسط، ظهر خلافه، لذا أثبت له هذه المقطوعة الأخيرة. ولقد أبدع فيها وأتى بأقصى مبالغ الإجادة كما قال، وحاز بها نمطا أعلى مما وصفه به. وأما القصيدة الأولى، فلا خفاء أنها سهل المأخذ، قريبة المنزع، بعيدة من الجزالة، ولعلّ ذلك كان مقصودا من ناظمها ﵀. وفاته: توفي ببلده عن سنّ عالية في شهر ربيع الآخر عام ثمانية وثلاثين وسبعمائة. ورثاه شيخنا أبو بكر بن شبرين، ﵀، بقوله: [البسيط] يا عين، سحّي بدمع واكف سرب ... لحامل الفضل والأخلاق والأدب بكيت، إذ ذكر الموتى، على رجل ... إلى بليّ «٢» من الأحياء منتسب على الفقيه أبي بكر تضمّنه ... رمس وأعمل سيرا ثم لم يؤب قد كان بي منه ودّ طاب مشرعه ... ما كان عن رغب كلّا ولا رهب لكن ولاء «٣» على الرحمن محتسبا ... في طاعة الله لم يمذق ولم يشب فاليوم أصبح في الأجداث مرتهنا ... ما ضرّت الريح أملودا من الغضب إنّا إلى الله من فقد الأحبّة ما ... أشدّ لذعا لقلب الثّاكل الوصب من للفضائل يسديها ويلحمها؟ ... من للعلى بين موروث ومكتسب؟ قل فيه ما «٤» تصف ركنا لمنتبذ ... روض، لمنتجع أنس، لمغترب؟ باق على العهد لا تثنيه ثانية ... عن المكارم في ورد ولا قرب سهل الخليقة بادي البشر منبسط ... يلقى الغريب بوجه الوالد الحدب

стр. 962

كم غيّر الدهر من حال فقلّبها ... وحال إخلاصه ممتدّة الطّنب سامي المكانة معروف تقدّمه ... وقدره في ذوي الأقدار والرّتب أكرم به من سجايا كان يحملها ... وكلّها حسن تنبيك عن حسب ما كان إلّا من الناس الألى درجوا ... عقلا وحلما وجودا هامي السّحب أمسى ضجيع الثّرى في جنب بلقعة ... لكن محامده تبقى على الحقب ليست صبابة نفسي بعده عجبا ... وإنما صبرها من أعجب العجب أجاب دمعي إذ نادى النعيّ به ... لو غير منعاه نادى الدمع لم يجب ما أغفل المرء عمّا قد أريد به ... في كل يوم تناديه الرّدى اقترب يا ويح نفسي أنفاس «١» مضت هدرا ... بين البطالة والتّسويف واللّعب ظننت أنّي بالأيام ذو هزء ... غلطت بل كانت الأيام تهزأ بي أشكو إلى الله فقري من معاملة ... لله أنجو بها في موقف العطب ما المال إلّا من الله فأفلح من «٢» ... جاء القيامة ذا مال وذا نشب اسمع «٣» أبا بكر الأرضى نداء أخ ... باك عليك مدى الأيام مكتئب أهلا بقدمتك الميمون ظاهرها ... على محل الرّضى والسّهل والرّحب نم في الكرامة فالأسباب وافرة ... وربما نيلت الحسنى بلا سبب لله لله والآجال قاطعة ... ما بيننا من خطابات ومن خطب ومن فرائد آداب يحبّرها ... فيودع الشّهب أفلاكا من الكتب أما الحياة فقد ملّيت مدّتها ... فعوّض الله منها خير منقلب لولا قواطع لي أشراكها نصبت ... لزرت قبرك لا أشكو من النّصب وقلّ ما شفيت نفس بزورة من ... حلّ البقيع ولكن جهد ذي أرب يا نخبة ضمّها ترب ولا عجب ... إن التراب قديما مدفن النّخب كيف السبيل إلى اللّقيا وقد ضربوا ... بيني وبينك ما بقي من الحجب؟ عليك مني سلام الله يتبعه ... حسن الثّناء «٤» وما حيّيت من كثب

стр. 963

محمد بن محمد بن شعبة الغسّاني «١» من أهل ألمريّة، يكنى أبا عبد الله. حاله: قال شيخنا أبو البركات في الكتاب «المؤتمن» : من أهل ألمريّة ووجوهها، لا حظّ له في الأدب، وبضاعته في الطلب مزجاة. قطع عمره في الأشغال المخزنيّة، وهو على ذلك حتى الآن. قلت: هذا الرجل أحد فرسان الطريقة العمليّة، ماض على لين، متحرك في سكون، كاسد سوق المروءة، ضان بما يملك من جدة، منحطّ في هوّة اللّذة، غير معرج على ربع الهمّة، لطيف التّأنّي، متنزّل في المعاملة، دمث الأخلاق، مليح العمل، صحيح الحساب، منجب الولد. مشيخته: قرأ على ابن عبد النّور، والقدر الذي يحسّ به عنه أخذه. شعره: من شعره يخاطب أبا الحسن بن كماشة: [البسيط] وافى البشير فوافى الأنس والجذل ... وأقبل السّعد والتوفيق والأمل وراقت الأرض حسنا زاهرا وسنى ... واخضرّ «٢» منها الرّبى والسّهل والجبل ولاح وجه عليّ بعد ذا فغدا ... له شعاع كضوء الشّمس متّصل مذ غاب أظلمت الدنيا لنا وغدت ... أحشاؤنا بلهيب الشّوق تشتعل وحين أشرقت الدّنيا بغرّته ... عاد الظّلام ضياء وانتفى الخبل إيه أبا حسن أنت الرجاء لنا ... مهما اعترت شدّة أو ضاقت الحيل وأنت كهف منيع من نحاك فقد ... نال المنى وبدا عيش له خضل يا سيدا قد غدا في المجد ذا رتب ... مشيدة قد بنتها السّادة الأول بنو كماشة أهل الفضل قد شهروا ... باهت بهم في قديم الأعصر الدّول السّالكون هدى السابقون مدى ... والباذلون ندى والناس قد بخلوا أنت الأخير زمانا والقديم علا ... والسّيّد المرتجى والفارس البطل إن كنت جئت أخيرا فارسا «٣» فلقد ... أضحى بجود يديك يضرب المثل حزت المآثر لا تحصى لكثرتها ... من رام إحصاءها سدّت له السّبل جزت البدور سنى والفرقدين علا ... وأنت تجر النّدى والوابل الهطل

стр. 964

من جاء يطلب منك السّلم قابله ... وجه طليق ولفظ كلّه عسل ومن يرد غير ذا تبّا له وردى ... لقد ترفّع في برج له زحل هنّاك ربّك ما أولاك من نعم ... وعشت في عزّة تترى وتتّصل ولا عدمت مدى الأيام منزلة ... من دونها رفعة في الأبرج الحمل وخذه بعد سلاما عاطرا أرجا ... يدوم ما دامت الأسحار والأصل من خادم لعلاكم مخلص لكم ... من حبّكم لا يرى ما عاش ينتقل تقبيل كفّك أعلى ما يؤمّله ... فجد به فشفا الهائم القبل وفاته: في أول عام أربعة وستين وسبعمائة. محمد بن محمد بن العراقي «١» وادي آشي، يكنى أبا عبد الله. حاله: فاضل «٢» الأبوة، معروف الصّون والعفّة، بادي الاستقامة، دمث «٣» الأخلاق، حسن الأدوات، ينظم وينثر، ويجيد الخطّ، تولّى أعمالا نبيهة، ثم علقت به الحرفة، فلقي ضغطا وفقد نشبا، واضطرّ إلى التحول عن وطنه إلى برّ العدوة عام ستة وخمسين وسبعمائة، وتعرّف لهذا العهد أنه تولّى الأشغال بقسنطينيّة «٤» الهواء من عمل إفريقية. شعره: كتب إليّ وقد أبي عملا عرض عليه «٥» : [الطويل] أأصمت ألفا ثم أنطق بالخلف ... وأفقد إلفا ثم آنس بالجلف؟ وأمسك دهري ثم أنطق «٦» علقما ... ويمحق بدري ثم ألحق بالخسف؟ وعزّكم لا كنت بالذّلّ عاملا ... ولو أنّ ضعفي ينتمي بي «٧» إلى حتف «٨»

стр. 965

فإن تعملوني في تصرّف عزّة ... وعدل وإلّا فاحسموا علّة الصّرف بقيت وسحب العطف «١» منكم تظلّني ... وعطف «٢» ثنائي «٣» دائما ثاني العطف محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله ابن محمد بن عبد الله بن فرتون الأنصاري من أهل مالقة، يكنى أبا القاسم، ويعرف بالهنا. أوليته: ينسب إلى القاضي ببطليوس، قاضي القضاة، ﵀. وبمالقة دور تنسب إلى سلفه تدلّ على نباهة، وقد قيل غير ذلك. والنّص الجلي أولى من القياس. حاله: من «عائد الصلة» : الشيخ الحاج المحدّث صاحب الأشغال بالدار السلطانية. صدر نمطه، وفريد فنّه رجولة وجزالة واضطلاعا وإدراكا وتجلّدا وصبرا. نشأ بمالقة معدودا في أهل الطّلب والخصوصيّة، ورحل إلى الحجاز الشّريف في فتائه، فاستكثر من الرّواية، وأخذ عن أكابر من أهل المشرق والمغرب، حسبما يشهد بذلك برنامجه. وكان على سنن من السّرو والحشمة، فذّا في الكفاية، جريّا، مقداما، مهيبا، ظريف الشّارة، فاره المركب، مليح الشّيبة، حسن الحديث، وقّاد الذهن، صابرا على الوظائف، يخلط الخوض في الأمور الدّنيوية بعبادة باهظة، وأوراد ثقيلة، ويجمع ضحك الفاتك وبكاء النّاسك في حالة واحدة، هشّا، مفرط الحدّة، يشرد عليه مجل لسانه في المجالس السلطانية بما تعروه المندمة بسببه، قائما على حفظ القرآن وتجويده وتلاوته، ذا خصال حميدة، صنّاع اليد، مقتدرا على العمليات من نسخ ومقابلة وحساب، معدودا من صدور الوقت وأعلام القطر ورجال الكمال. مشيخته: أخذ عن الجلّة من أهل بلده كالأستاذ أبي محمد بن أبي السّداد الباهلي؛ لازمه وانتفع به، والخطيب أبي عثمان بن عيسى؛ أخذ عنه، والولي أبي عبد الله الطّنجالي، وغيرهم مما يطول ذكرهم من العدوة والأندلس والمشارقة.

стр. 966

محنته: لقي نصبا في الخدمة السلطانية، وغضّا من الدهر لبأوه، بتعنّته وعدم مبالاته مرّات، ضيّق لها سجنه، وعرض عليه النّكال، ونيل منه بالإهانة كلّ منال، وأغرم مالا أجحف بمحتجنه، وعرّض للأيدي نفائس كتبه، وعلى ذلك فلم يذعر سربه، ولا أضعفت النكبة جأشه. ولادته: ولد عام ثلاثة وسبعين وستمائة. ومات ميتة حسنة. صلّى الجمعة ظهرا، وقد لزم الفراش. ونفث دم الطاعون، ومات مستقبل القبلة، على أتمّ وجوه التأهب، سابع شوال من عام خمسين وسبعمائة. محمد بن عبد الله بن محمد بن مقاتل من أهل مالقة، يكنى أبا القاسم، أزدي النسب، إشبيلي الأصل، من بيت نزاهة ونباهة. حاله: كان فاضلا وقورا سمحا، مليح الدّعابة، عذب الفكاهة، حلو النادرة، يكتب ويشعر، طرفا في الانطباع واللّوذعيّة، آية في خلط الجدّ بالهزل. ولّي الإشراف بمدينة مالقة، وتقلّب في الشهادة المخزنية عمره. شعره: من شعره يخاطب ذا الوزارتين أبا عبد الله بن الحكيم، ﵀: [الطويل] فؤادي من خطب الزمان سقيم ... وفيه لسهم الحادثات كلوم ولم أشك دائي في البريّة لامرىء ... أأشكو به وابن الحكيم حكيم؟ وفاته: توفي بمالقة يوم الخميس عاشر شهر رمضان من عام تسعة وثلاثين وسبعمائة. محمد بن علي بن عبد ربه التجيبي من أهل مالقة، يكنى أبا عمرو. حاله: كان راوية ثقة، بارع الأدب، بليغ الكتابة، طيّب النفس، كامل المروءة، حسن الخلق، جميل العشرة، تلبّس بالأعمال السلطانية دهرا، وولّي إشراف غرناطة وغيرها، إلى أن قعد لشكاية منعته من القيام والتّصرّف فعكف على النّظر، فانتفع به. مشيخته: كانت له رحلة سمع فيها بالإسكندرية على أبي عبد الله بن منصور وغيره، وروى عنه الأخوان سالم وعبد الرحمن، ابنا صالح بن سالم.

стр. 967

تواليفه: له اختصار حسن في «أغاني الأصبهاني» ، وردّ جيّد على ابن غرسيّة في رسالته الشّعوبية «١» ، لم يقصر فيها عن إجادة. وفاته: وتوفي لسبع خلون من محرم من عام اثنين وستمائة. الزّهاد والصّلحاء والصّوفية والفقراء وأولا الأصليون محمد بن إبراهيم بن محمد بن محمد الأنصاري «٢» من أهل غرناطة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بالصّنّاع. حاله: من «عائد الصلة» : الشيخ الصّوفي، الكثير الأتباع، الفذّ الطريقة، المحبّب إلى أهل الثغور من البادية. كان، ﵀، شيخا حسن السّمت، كثير الذّكر والمداومة، يقود من المخشوشنين عدد ربيعة ومضر، يعمل الرّحلة إلى حصونهم، فيتألّفون عليه تألّف النّحل على أمرائها ويعاسيبها، معلنين بالذّكر، مهرولين، يغشون مثواه بأقواتهم على حالها، ويتناغون في التماس القرب منه، ويباشرون العمل في فلاحة كانت له بما يعود عليه بوفر وإعانة. وكان من الصالحين، وعلى سنن الخيار الفضلاء من المسلمين، وله حظّ من الطّلب ومشاركة، يقوم على ما يحتاج إليه من وظائف دينه، ويتكلم في طريق المتصوّفة على مذهب أبي عبد الله السّاحلي شيخه، كلاما جهوريا، قريب الغمر. وكان له طمع في صناعة الكيمياء تهافت على دفاتيرها وأهل منتحليها؛ ليستعين بها بزعم على آماله الخيريّة، فلم يحل بطائل. مشيخته: قرأ على أستاذ الجماعة أبي جعفر بن الزبير، وكانت له في حاله فراسة. حدّثني بذلك شيخنا أبو عبد الله بن عبد الولي، ﵀. وسلك على الشيخ الصالح أبي عبد الله السّاحلي. وفاته: وتوفي ليلة الاثنين السابع من شهر شوال عام تسعة وأربعين وسبعمائة، وكانت جنازته آخذة في الاحتفال، قدم لها العهد، ونفر لها الناس من كل أوب، وجيء بسريره، تلوح عليه العناية، وتحفّه الأتباع المقتاتون من حلّ أموالهم وأيديهم من شيوخ البادية، فتولّوا مواراته، تعلو الأصوات حوله، ببعض أذكاره.

стр. 968

محمد بن أحمد الأنصاري من أهل غرناطة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بالموّاق. حاله: كان معلما لكتاب الله تعالى، خطيبا بمسجد ربض الفخّارين، طرفا في الخير ولين العريكة والسذاجة المشفوعة بالاختصار وإيثار الخمول، مستقيما في طريقته، خافتا في خطبته، عاكفا على وظيفته، مقصودا بالتماس الدعاء، مظنّة الصلاح والبركة. وفاته: توفي بغرناطة قبل سنة خمسين وسبعمائة بيسير، وكلف الناس بقبره بعد موته، فأولوا حجارته من التعظيم وجلب أواني المياه للمداواة، ما لم يولوه معشاره أيام حياته. محمد بن حسنون الحميري من أهل غرناطة، يكنى أبا عبد الله. حاله: كان فاضلا صالحا، مشهور الولاية والكرامة، يقصده الناس في الشّدائد، فيسألون بركة دعائه. ومن إملاء الشيخ أبي بكر بن عتيق بن مقدّم، قال: أصله من بيّاسة «١» ، وكان عمّه من المقرئين المحدّثين بها، وسكن هو مرسية، ونشأ بها، وقرأ على أشياخها، وحفظ «كتاب التحبير» في علم أسماء الله الحسنى للإمام أبي القاسم القشيري، ثم انتقل إلى غرناطة، فسكن فيها بالقصبة القديمة، وأمّ الناس في المسجد المنسوب إليه الآن. وكان يعمل بيده في الحلفا، ويتقوت من ذلك. وفاته: توفي عام خمسة وسبعمائة بغرناطة، وهو من عدد الزّهّاد. ومن مناقبه: ذكروا أنه سمع يوما بعض الصّبيان يقول لصبي آخر: مرّ للحبس، فقال: أنا المخاطب بهذا، فانصرف إلى السّجن، فدخله، وقعد مع أهله، وبلغ ذلك السلطان، فوجّه وزيره، فأخرجه، وأخرج معه أهل السجن كلّهم، وكانت من كراماته. محمد بن محمد البكري من أهل غرناطة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن الحاج.

стр. 969

كان، ﵀، شيخا صالحا، جهوريّا، بعيدا عن المصانعة، متساوي الظاهر والباطن، مغلظا لأهل الدّنيا، شديدا عليهم، غير مبال في الله بغيره، يلبس خرقة الصّوفية من غير التزام لاصطلاح، ولا منقاد لرقو، ولا مؤثر لسماع، مشاركا للناس، ناصحا لهم، ساعيا في حوائجهم. خدم الصالح الكبير أبا العباس بن مكنون، وسلك به، وكان من بيت القيادة والتّجنّد، فرفض زيّه، ولبس المسوح والأسمال. وكان ذا حظّ من المعرفة، يتكلم للناس. قال شيخنا أبو الحسن بن الجيّاب: سمعته ينشد في بعض مجالسه: [الرجز] يا غاديا في غفلة ورائحا ... إلى متى تستحسن القبائحا؟ وكم إلى كم لا تخاف موقفا ... يستنطق الله به الجوارحا؟ يا عجبا منك وأنت مبصر ... كيف تجنّب «١» الطريق الواضحا؟ كيف تكون حين تقرا «٢» في غد ... صحيفة قد ملئت فضائحا؟ أم كيف ترضى أن تكون خاسرا ... يوم يفوز من يكون رابحا؟ ولمّا حاصر الطّاغية مدينة ألمريّة «٣» وأشرفت على التلف، تبرّع بالخروج منها ولحاقه بباب السلطان؛ لبثّ حالها، واستنفار المسلمين إلى نصرها، فيسّر له من ستر غرضه، وتسهيل قصده، ما يشهد بولايته. وفاته: توفي بألمريّة محلّ سكناه، في حدود عام خمسة عشر وسبعمائة. محمد بن محمد بن أحمد الأنصاري غرناطي، قيجاطي «٤» الأصل، يعرف بالسّواس. قال في «المؤتمن» «٥» في حاله: رجل متطبّب، سهل الخلق، حسن اللقاء، رحل من بلده، وحجّ، وفاوض بالمشرق الأطباء في طريقته، وعاد فتصدّر للطب، ثم عاد إلى بلاد المشرق. قلت: وعظم صيته، وشهر فضله، وقدّم أمينا على أحباس

стр. 970

مسجد رسول الله ﷺ ، بالمدينة الطّاهرة وصدقاته، وذكر عنه أنه اضطرّه أمر إلى أن خصى نفسه، وسقطت لذلك لحيته. قال شيخنا أبو البركات: أنشدنا بدكّانه برحبة المسجد الأعظم، من حضرة غرناطة، قال: أنشدنا أبو عبد الله المرّاكشي بالإسكندرية، قال: أنشدنا مالك بن المرحّل لنفسه: أرى الكلاب بشتم الناس قد ظلمت ... والكلب أحفظ مخلوق لإحسان فإن غضبت على شخص لتشتمه ... فقل له: أنت إنسان ابن إنسان وفاته: كان حيّا عام خمسين وسبعمائة فيما أظن. ومن الطّارئين عليها في هذا الاسم محمد بن أحمد بن جعفر بن عبد الحق بن محمد بن جعفر ابن محمد بن أحمد بن مروان بن الحسن بن نصر بن نزار ابن عمرو بن زيد بن عامر بن نصر بن حقاف السلمي يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن جعفر، ويشهر في الأخير بالقونجي، منسوبا إلى قرية «١» بالإقليم، وكان من أهل غرناطة. حاله: من خطّ شيخنا أبي البركات بن الحاج: كان هذا الرجل رجلا صالحا فاضلا متخلّقا، سمحا، جميل اللقاء على قدم الإيثار على رقة حاله، ممّن وضع الله له القبول في قلوب عباده، فكانت الخاصّة تبرّه ولا تنتقده، والعامة تودّه وتعتقده، وتترادف على زيارته، فئة بعد فئة، فلا تنقلب عنه إلّا راضية، وكان جاريا على طريقة الشيخ أبي الحسن الشّاذلي، إذ كان قد لقي بالمشرق الشيخ الإمام تاج الدين بن عطاء الله، ولازمه وانتفع به، كما لقي ولازم تاج الدين أبا العباس المرسي، كما لازم أبو العباس أبا الحسن الشاذلي. قال: ولقيه بعد هذا الشيخ أبي عبد الله جماعات في أقطار شتّى، ينتسبون إليه، ويجرون من ملازمته الأذكار في أوقات معينة على طريقته، وله رسائل منه إليهم طوال وقصار، يوصيهم فيها بمكارم الأخلاق، وملازمة الوظائف، وخرج عنه إليهم على طريقة التّدوين كتاب سمّاه ب «الأنوار في المخاطبات والأسرار» مضمنه جملة من كلام شيخهم تاج الدين،

стр. 971

وكلام أبي الحسن الشاذلي، ومخاطبات خوطب بها في سرّه، وكلام صاحبه أبي بكر الرّندي، وحقائق الطريق، وبعض كرامات غير من ذكر من الأولياء، وذكر الموت، وبعض فضائل القرآن. مشيخته: قرأ على الأستاذ أبي الحسن البلّوطي وأجازه، وعلى أبي الحسن بن فضيلة وأجازه كذلك، وعلى أبي جعفر بن الزبير وأجازه، ثم رحل فحجّ ودخل الشام، وعاش مدّة من حراسة البساتين، واعتنى بلقاء المعروفين بالزّهد والعبادة، وكان مليّا بأخبار من لقي منهم، فمنهم الشيخ أبو الفضل تاج الدين بن عطاء الله، وصاحبه أبو بكر بن محمد الرندي. مناقبه: قال: دخلت معه إلى من خفّ على قلبي الوصول إلى منزله لمّا قدم ألمريّة، وهو رجل يعرف بالحاج رحيب، كان من أهل العافية، ورقّت حاله، ولم يكن ذلك يظهر عليه؛ لمحافظته على ستر ذلك لعلوّ همّته، ولم يكن أيضا أثر ذلك يظهر على منزله، بل أثاث العافية باق فيه من فرش وماعون. فساعة وصول هذا الشيخ، قال: الله يجبر حالك، فحسبتها فراسة من هذا الشيخ. قال: وخاطبته عند لقائي إياه بهذه الأبيات: [البسيط] أشكو إليك بقلب لست أملكه ... ما لم يرد من سبيل فهو يسلكه له تعاقب أهواء فيقلقه ... هذا ويأخذه هذا ويتركه طورا يؤمّنه طورا يخوّفه ... طورا ييقّنه طورا يشكّكه حينا يوحّشه حينا يؤنّسه ... حينا يسكّنه حينا يحرّكه عسى الذي يمسك السّبع الطّباق على ... يديك يا مطلع الأنوار يمسكه فيه سقام من الدنيا وزخرفها ... مهما أبيّضه بالذكر تشركه عسى الذي شأنه السّتر الجميل كما ... غطّى عليه زمانا ليس يهتكه فلما قرأ منها: «فيه سقام من الدنيا وزخرفها» ، قال: هذه علّتي. مولده: سألته عنه، فقال لي: عام ثمانية وستين بقرية الجيط من قرى الإقليم. وفاته: بقرية قنجة خطيبا بها، يوم الاثنين عشرين من شهر شعبان المكرم عام خمسين وسبعمائة، في الوباء العام، ودفن بقرية قنجة، رحمة الله عليه ورضوانه.

стр. 972

محمد بن أحمد بن حسين بن يحيى بن الحسين ابن محمد بن أحمد بن صفوان القيسي «١» وبيته شهير بمالقة، يكنى أبا الطاهر، ويعرف بابن صفوان. حاله: كان مفتوحا عليه في طريق القوم، ملهما لرموزهم، مصنوعا له في ذلك، مع المحافظة على السّنة والعمل بها آخر الرّعيل، وكوكب السّحر، وفذلكة الحساب ببلده، اقتداء وتخلّقا وخشوعا وصلاحا وعبادة ونصحا. رحل فحجّ، وقفل إلى بلده، مؤثرا الاقتصار على ما لديه، فإذا تكلّم في شيء من تلك النّحلة، يأتي بالعجائب، ويفكّ كل غامض من الإشارات. وعني بالجزء المنسوب إلى شيخ الإسلام أبي إسماعيل الروبي المسمّى ب «منازل السّاري إلى الله» فقام على تدريسه، واضطلع بأعبائه، وقيّد عليه ما لا يدركه إلّا أولو العناية، ولازمه الجملة من أولي الفضل والصلاح، فانتفعوا به، وكانوا في الناس قدوة. وولي الخطابة بالمسجد الجامع من الرّبض الشّرقي، وبه كان يقعد، فيقصده الناس، ويتبركون به، وكان له مشاركة في الفقه، وقيام على كتاب الله. تواليفه: ألّف بإشارة السلطان على عهده، أمير المسلمين أبي الحجاج «٢» ، ﵀، كتابا في التّصوّف والكلام على اصطلاح القوم، كتب عليه شيخنا أبو الحسن بن الجيّاب بظهره، لما وقع عليه، هذه الأبيات: [الكامل] أيام مولاي الخليفة يوسف ... جاءت بهذا العالم المتصوّف فكفى بما أسدى من الحكم التي ... أبدين من سرّ الطريقة ما خفي «٣» وحقائق رفع الحجاب بهنّ عن ... نور الجمال فلاح غير مكيّف كالشمس لكن هذه أبدى سنا ... للحسن والمعنى لعين المنصف فيه حياة قلوبنا ودواؤها ... فمن استغاث بجرعة منها شفي «٤» إن ابن صفوان إمام هداية ... صافي فصوفي فهو صوفيّ صفي «٥» وإن اختبرت فإنه صفو ابن صف ... وظاهر في طيّه صفو خفي «٦»

стр. 973

علم توارثه وحال قد خلت ... ذوقا فنعم المقتدى والمقتفي «١» فليهنك المولى سعود إيالة ... فيها سراج نوره لا ينطفي «٢» جلّى وجوه شريعة وحقيقة ... صبحا سناه باهر لا يختفي «٣» لا زلت تسلك كل نهج واضح ... منها وتحيي كل سعي مزلف ومن تواليفه: «جرّ الحرّ» في التوحيد، وعلّق على الجزء المنسوب لأبي إسماعيل الهروي. من أخذ عنه: أخذ عنه ببلده وتبرّك به جلّة، وكان يحضر مجلسه عالم، منهم شيخ الشيوخ الأعلام أبو القاسم الكسكلان، وأبو الحسين الكوّاب، والأستاذ الصالح أبو عبد الله القطان، وصهره الأستاذ أبو عبد الله بن قرال، والعاقد الناسك أبو الحسين الأحمر وغيرهم. شعره: رأيت من الشعر المنسوب إليه، وقد رواه عنه جماعة من أصحابنا، يذيّل قول أبي زيد «٤» ، ﵁ «٥» : [الطويل] رأيتك يدنيني «٦» إليك تباعدي «٧» ... فأبعدت نفسي لابتغاء التقرّب «٨» فقال: [الطويل] هربت «٩» به مني إليه فلم يكن ... بي البعد في بعدي فصحّ به قربي «١٠» فكان به سمعي كما بصري به ... وكان به لا بي «١١» لساني مع القلب فقربي به قرب بغير تباعد ... وقربي في بعدي فلا شيء من قربي «١٢»

стр. 974

وفاته: سافر من بلده إلى غرناطة في بعض وجهاته إليها، وذهب سحرا يرتاد ماء لوضوئه، فتردى في حفرة تردّيا أوهن قواه، وذلك بخارج بلّش «١» ، فردّ إلى مالقة، فكانت بها وفاته قبل الفجر من ليلة يوم الجمعة الرابع عشر لشعبان عام تسعة وأربعين وسبعمائة. محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم الأنصاري «٢» يكنى أبا عبد الله، ويعرف بالسّاحلي. حاله: من «عائد الصلة» : المثل السائر في عمران أوقاته كلها بالعبادة، وصبره على المجاهدة. قطع عمره في التّبتّل والتّهجّد، لا يفتر لسانه عن ذكر الله والصلاة على نبيّه، ﷺ . خرج عن متروك والده، واقتصر على التّعيّش من حرفة الخياطة. ثم تعدّاها إلى النّسخ والتّعليم، وسلك على الشيخ أبي القاسم المريد، نفع الله به، حتى ظهرت عليه سيما الصالحين، وأقام عمره مستوعبا ضروب الخير، وأنواع القرب من صوم وأذان وذكر ونسخ وقراءة وملازمة خلوة، ذا حظّ من الفصاحة، وجرأة على الوعظ في صوت جهير وعارضة صليبة. اقتدى به طوائف من أصناف الناس على تباعد الدّيار، وألزمهم الأذكار، وحوّلهم للسلوك، فأصبح كثير الأتباع، بعيد الصّيت. وولّي الخطابة بالمسجد الجامع من بلده، ونقل إلى الخطابة بجامع غرناطة في نبوة عرضت له بسبب ذنابى ذرّية طرقوا الكدر إلى سربه، ثم عاد إلى بلده متين ظهر الحظوة، وثيق أساس المبرّة. مشيخته: قرأ ببلده مالقة على الخطيب أبي محمد بن عبد العظيم بن الشيخ، وأبي عبد الله بن لب، وأبي جعفر الحرّار، وأبي عبد الله بن الحلو، والخطيب أبي عبد الله بن الأعور. محنته: ابتلي بعد السبعين من عمره بفقد بصره، فظهر منه من الصبر والشكر والرّضا بقضاء الله ما يظهر من مثله. وأخبرني بعض أصحابه أنه كان يقول: سألت الله أن يكفّ بصري خوفا من الفتنة. وفي هذا الخبر نظر لمكان المعارضة في أمره، ﷺ ، بسؤال العافية والإمتاع بالإسماع والإبصار.

стр. 975

شهرته: وجعل الله له في قلوب كثير من الخلق، الملوك فمن دونهم، من تعظيمه ما لا شيء فوقه، حتى أن الشيخ المعمر الحجّة الرّحلة أبا علي ناصر الدين المشدالي كتب إليه من بجاية بما نصه: يا أيها العزيز، مسّنا وأهلنا الضّر، وجئنا ببضاعة مزجاة، فأوف لنا الكيل، وتصدّق علينا، إن الله يجزي المتصدّقين. وبعده: من العبد الأصغر والمحبّ الأكبر فلان، إلى سيّد العارفين، وإمام المحققين، في ألفاظ تناسب هذا المعنى. حدّثني شيخنا أبو الحسن بن الجيّاب، وكان من أعلام تلاميذه، وصدور السالكين على يديه، قال: قصدت منه خلوة، فقلت: يا سيدي، أصحابنا يزعمون أنك ترى رسول الله ﷺ ، فأخبرني واشف صدري، هل هذه الرؤيا عينيّة أو قلبية؟ قال: فأفكر ساعة، ثم قال: عندي شك في رؤية ابن الجيّاب الساعة ومحادثته، فقلت: لا، فقال: كذلك الحال، قلت: وهذا أمر غريب، ولا يصح إلّا رؤية القلب، ولكن غلبت عليه حتى تخيّل في الحسّ الصورة الكريمة، إذ وجود جوهر واحد في محلّين اثنين محال. شعره: نظم الكثير من شعر منحطّ لا يصلح للكتب ولا للرّواية، ابتلي به، ﵀، فمن لبابه قوله، وهو من الوسط «١» : [الكامل] إن كنت تأمل «٢» أن تنال وصالهم ... فامح الهوى في القيل والأفعال واصبر على مرّ الدواء فإنه ... يأتيك بعد بخالص السّلسال تواليفه: ألّف كتابا سمّاه «إعلان الحجّة، في بيان رسوم المحجّة» . وفاته: توفي يوم الجمعة الرابع والعشرين لشوال عام خمسة وثلاثين وسبعمائة، وكانت جنازته مشهودة، تزاحم الناس على نعشه، وتناولوه تمزيقا على عادتهم من ارتكاب القحة الباردة في مسلاخ حسن الظّن. محمد بن أحمد بن قاسم الأمي من أهل مالقة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بالقطّان، الفقيه الأوّاب المتكلم المجتهد. حاله: من «العائد» : كان هذا الرجل غريب المنزع، عجيب التّصوّف. قرأ وعقد الشروط، وتصدّر للعدالة، ثم تجرّد، وصدق في معاملته لله، وعوّل عليه،

стр. 976

واضطلع بشروط التّوبة، فتحلّل من أهل بلده، واستفاد واسترحم، واستغفر، ونفض يديه من الدّنيا، والتزم عبادة كبيرة، فأصبح يشار إليه في الزّهد والورع، لا تراه إلّا متبسّما، ملازما لذكر الله، متواضعا لأصاغر عباده، محبّا في الضّعفاء والمساكين، جميل التّخلّق، مغضيا عن الهنات، صابرا على الإفادة. وجلس للجمهور بمجلس مالقة، يتكلم في فنون من العلم، يعظ الناس، ويرشدهم، ويزهّدهم، ويحملهم على الإيثار، في أسلوب من الاستنفار والاسترسال والدلالة والفصاحة والحفظ، كثير التأثير في القلوب، يخبر بإلهام وإعانة، فمال الخلق إليه، وتزاحموا على مجلسه، وأعلنوا بالتّوبة، وبادر مترفوهم إلى الإقلاع عن إجابة الشهوات، والاستقالة من الزّلّات، ودهم الوباء، فبذلوا من الأموال في أبواب البرّ والصّدقة، ما لا يأخذه الحصر ولا يدركه الإحصاء، ولولا أن الأجل طرقه، لعظم صيته، وانتشر نفعه. وفاته: توفي شهيد الطّاعون عصر يوم الأربعاء الرابع لصفر من عام خمسين وسبعمائة، ودفن بجبانة جبل فاره «١» ، ضحى يوم الخميس الثاني من يوم وفاته، وصلّى عليه خارج باب قنتنالة، وألحده في قبره الخطيب القاضي الصالح أبو عبد الله الطّنجالي، رحم الله جميعهم. وممّن رثاه الشيخ الأديب أبو الحسن الورّاد فقال: [الطويل] أبعد وليّ الله دمعي يسجم ... وغمار قلبي من كلوم تترجم؟ فؤادي مكلوم بحزني لفقده ... لذاك جفوني دمعها كلّه دم وماذا عسى يغني التفجّع والبكا ... وماذا عسى يجدي الأسى والتّبرّم؟ سأصبر للبلوى وإن جلّ خطبها ... فصبر الفتى عند الشّدائد يعلم كذا العلم بالسيف الصّقيل لدى الوغى ... فويق الذي من حسنه لا يوسّم «٢» على قدر صبر المرء تصغر عنده ... خطوب من الدنيا على الناس تعظم ألا إنها الدّنيا تعلّة باطل ... ومحمض «٣» أحلام لمن بات يحلم تجنّبها أهل العقول فأقصروا ... وأغرق فيها الجاهلون وأشأموا «٤»

стр. 977

أعد نظرا فيها تجبك براحة ... وإنس «١» بما تقضي عليك وتحكم أعدّ لها درياق صبرك إنها ... من البؤس والتّلوين والله أرقم تلفّت إلى تعذيبها لمحبّها ... وماذا بها يلقى كئيب ومغرم يظنّ بها ريحانة وهي سدرة ... ولا منتهى إلّا الرّدى والتّندم عجبت لها تخفى علينا عيوبها ... وذاك لأنّا في الحقيقة نوّم أليس عجيبا أن يعوّل عاقل ... على عاجل من وصلها يتصرّم؟ وما وصلها معشار عشر صدورها ... ولكنه صرف وللدّهر «٢» أدوم إذا ابتسمت يوما ترقّب عبوسها ... فما إن لنا منها يدوم التّبسّم ضحى كان وجه الدّهر سبر بشرّه ... فلم يمس حتى بان منه التّجهّم ذرينا بعقد من وليّ مكانه ... مكين لدى العلياء سام معظّم هوى مثل ما هوى من الأفق كوكب ... فجلّلنا ليل من الخطب مظلم تساوى لديه صيدها وعبيدها ... وعالمها النّحرير والمتعلّم هو الموت لا ينفكّ للخلق طالبا ... يروح ويغدو كلّ حين عليهم وما هو إلّا الدّاء عزّ دواؤه ... فليس لشيء في البسيطة يحسم دها كل مخلوق فما منه سيّد ... له الجاه عند الله ينجو ويسلم «٣» ولو كان ذا كان النّبيّ محمد ... تجنّبه، صلّوا عليه وسلّموا «٤» تعنّى به موسى ويوسف قبله ... ونوح وإدريس وشيث وآدم به باد بهرام وتبّر بهرم ... وكسّر من كسرى سوار ومعصم وكم من عظيم الشّأن حلّ بربعه ... فإن تختبره فهو ربّ وأعظم ولكنّنا ننسى ونأبى حديثه ... وننجد في الإعراض عنه ونتهم فحتّى إذا حلّ ساحة ماجد ... نطلّ بها من حسرة نتكلّم نسينا حديث الموت جهلا بغدره ... فألهمنا إذ هزّنا منه ملهم وفاة ورميّ في التّراب موسّد ... وآثاره فوق السّماك تخيّم خبا ضوء ناديّ فأقفر «٥» ربعه ... من العلم والتّعليم ربع ومعلم

стр. 978

تردّى فأردى فقده أهل ريّة «١» ... فما منهم إلّا كئيب ومغرم غدا أهلها من فجعة بمصابه ... وعيشهم صاب قطيع وعلقم وهل كان إلّا والد مات عنهم؟ ... فيا من لقوم يتّموا حين أيّموا «٢» قضى نحبه الأستاذ واحد عصره ... فكاد الأسى يقضي إلى الكلّ منهم قضى نحبه القطّان فالحزن قاطن ... مقيم بأحناء الضّلوع محكّم وهل كان إلّا روضة رفّ ظلّها ... أتيح له قيظ من الجون صيلم؟ وهل كان إلّا رحمة عاد فقدها ... علامة فقد العلم والله أعلم؟ سل التّائبين العاكفين على الهدى ... لكم منّة أسدى وأهدى إليهم أفادهم من كلّ علم لبابه ... وفهّمهم أسراره فتفهّموا «٣» جزى الله ربّ الناس خير جزائه ... دليلا بهم نحو الهدى حيث يمّموا «٤» أبان لهم طرق الرّشاد فأقدموا ... وحذّرهم عن كل غيّ فأحجموا «٥» وجاء من التّعليم للخير كله ... بأبين من يأتي به من يعلّم فصاحة ألفاظ وحسن عبارة ... مضيّ كما يمضي الحسام المصمّم يصيب فلا يخطي إذا مقصدا ... ومن «٦» يجيب فلا يبطي ولا يتلعثم يحدّث في الآفاق شرقا ومغربا ... فأخباره أضحت تخطّ وترسم سرى في الورى ذكر له ومدائح ... يكاد بها طير العلى يترنّم لعمرك ما يأتي الزمان بمثله ... وما ضرّني لو كنت بالله أقسم فقيه نزيه زاهد متواضع ... رؤوف عطوف مشفق مترحّم يودّ لو أنّ الناس أثرى جميعهم ... فلم يبق مسكين ولم يبق معدم يودّ لو أنّ الله تاب على الورى ... فتابوا فما يبقى من الكلّ مجرم عليه من الرّحمن أوسع رحمة ... فقد كان فينا الدّهر يحنو ويرحم

стр. 979

محمد بن أحمد بن يوسف بن أحمد بن عمر بن يوسف بن علي ابن خالد بن عبد الرحمن بن حميد الهاشمي الطّنجالي «١» لوشي «٢» الأصل، مالقي النشأة والاستيطان. أوليته: بيتهم نبيه إلى هاشميّة النّبه، وهم ببلدنا لوشة أشراف، وكانت لهم فيها ثروة وثورة اجتثّها الدهر ببعض طوارقه في أبواب المغالبات. ويمتّ سلفنا إليهم بصحبة ومصاهرة في حديث يستدعي طولا، وانتقل خلفهم إلى مالقة. حاله: من «عائد الصلة» : كان هذا الولي الفاضل، المجمع على ولايته وفضله، سهل اللقاء، رفيقا بالخلق، عطوفا على الضعفاء، سالكا سنن الصّالح من السّلف سمتا وهديا، بصره مغضوض، ولسانه صامت إلّا من ذكر الله، وعلمه نافع، وثوبه خشن، وطعمته قد نفدها الورع الشّديد حتى اصطفاها مختارة، إذا أبصرت بها العين، سبقتها العبرة. بلغ من الخلق الملوك فمن دونهم الغاية، فكان يلجأ إليه المضطرّ، وتمدّ إلى عنايته الأيدي، وتحطّ بفنائه الوسائل، فلا يرتفع عن كلف الناس ولا حوائجهم، ولا ينقبض عن الشّفاعة لهم، وإصلاح ذات بينهم؛ له في ذلك كلّه أخبار طريفة. واستعمل في السّفارة بين ملكي العدوة والأندلس في أحوال المسلمين، فما فارق هيئته، وركوب حماره واستصحاب زاده، وليس الخشن من ثوبه. وكان له حظّ رغيب من فقه وحديث، وتفسير، وفريضة. ولّي الخطابة ببلده مالقة، واستسقى في المحول، فسقي الناس. حدّثني بعض أشياخنا، قال: حضرت مقامه مستسقيا، وقد امتنع الغيث، وقحط الناس، فما زاد عند قيامنا أن قال: أستغفر الله، فضجّ الخلق بالبكاء والعجيج، ولم يبرحوا حتى سقوا. وكراماته كثيرة، ذائعة من غير خلاف ولا نزاع. حدّث بعض أشياخنا عن الخطيب الصّالح أبي جعفر الزيات، قال: رأيت في النّوم قائلا يقول: فقد اللّيلة من يعمر بيت الإخلاص بالأندلس، فما انتصف النهار من تلك الليلة حتى ورد الخبر بموته.

стр. 980

مشيخته: من شيوخه الذين قرأ عليهم وأسند إليهم الرواية والده، ﵀، وأبو عمرو بن حوط الله، والخطيب ابن أبي ريحانة المربلّي، والقاضي أبو علي بن أبي الأحوص، والراوية أبو الوليد بن العطار، والراوية المحدّث أبو بكر بن مشليون، والمقرئ أبو عبد الله بن مستقور الطائي، والأستاذ أبو جعفر الطبّاع، وأبو الحسين بن أبي الربيع، والمحدّث أبو عبد الله بن عيّاش، والأستاذ أبو الحسن السّفّاج الرّندي، والخطيب بألمريّة أبو الحسن الغزّال. وقرأ على الأستاذ أبي جعفر بن الزبير. وأجازه من أهل المشرق جماعة منهم أبو عبد الله بن رزيق الشافعي، والعباس أحمد بن عبد الله بن محمد الطبري، وأبو اليمن عبد الصمد بن أبي الحسن عبد الوهاب بن أبي البركات، المعروف بالنجام، والحسن بن هبة الله بن عساكر، وإبراهيم بن محمد الطّبري، إمام الخليل، ومحمد بن محمد بن أحمد بن عبد ربه الطّبري، ومحمد بن علي بن وهب بن مطيع القشيري، وأبو الفتح تقيّ الدين بن أبي الحسن فخر الدين، وعبد الله بن محمد بن أبي بكر الطبري المكيّ الشّافعي وغيرهم. ميلاده: بمالقة في رجب سنة أربعين وستمائة. وفاته: بمالقة في يوم الخميس الثامن لجمادى الأولى من عام أربعة وعشرين وسبعمائة، وقد ناهز الثمانين سنة، لم ينتقص شيء من أعماله المقرّبة إلى الله، من الصوم والصلاة، وحضور الجماعات، وملازمة الإقراء والرّواية، والصبر على الإفادة. حدّث من يوثق به أنّ ولده الفقيه أبا بكر دخل عليه، وهو في حال النّزع، والمنيّة تحشرج في صدره، فقال: يا والدي، أوصني، فقال: وعيناه تدمعان: يا ولدي، اتّق الله حيث كنت واتبع السّيئة بالحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن. محمد بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم البلفيقي «١» ابن الحاج والد شيخنا أبي البركات. وقد مرّ في ذكر النّسب المتّصل بعباس بن مرداس، والأوّليّة النّبيهة ما يغني عن الإعادة.

стр. 981

حاله: من خطّ ولده شيخنا على الاختصار، قال يخاطبني في بعض ما كتب به إليّ: ذكر أبي، وهو ممن طلبتم ذكره إلي في أخباره جزءا من نحو سبعين ورقة في المقسوم، لخّصت لك من مبيّضته ما يذكر: نشأ، ﵀، بسبتة على طهارة تامة، وعفّة بالغة وصون ظاهر، كان بذلك علما لشبّان مكتبه. قرأ القرآن بالقراءات السّبع، وحفظ ما يذكر من المبادىء، واتّسم بالطلب. ثم تاقت نفسه إلى الاعتلاق بالعروة الوثقى التي اعتلق بها سلفه، فنبذ الدّنيا، وأقبل على الآخرة، وجرى على سنن المتّقين، آخذا بالأشدّ من ذلك والأقوى، طامحا بهمّته إلى أقصى ما يؤمّله السّالكون، فرفض زي الطّلبة، ولبس الخشنية، وترك ملابسة الخلق بالجملة، وبالغ في الانقباض عنهم، وانقطع إلى الله برباطات سبتة وجبالها، وخصوصا بمينائها، وعكف على ذلك سنين، ثم سافر إلى المغرب، سائحا في الأرض، على زي الفقهاء للقاء العبّاد وأهل العلم، فأحرز من ذلك ما شاء. ثم أجاز البحر إلى جزيرة الأندلس، وورد ألمريّة، مستقرّ سلفه، وأخذ في إيثار بقايا أملاك بقيت لأسلافه بها، على ما كان عليه من التّبتّل والإخبات. وكان على ما تلقينا من أصحابه وخدّانه، صوّاما، قوّاما، خاشعا، ذاكرا، تاليا، قوّالا للحق، وإن كان مرّا كبيرا في إسقاط التّصنّع والمباهاة، لا يضاهى في ذلك، ولا يشقّ غباره. وقدم على غرناطة، ودخل على أمير المسلمين، وقال له الوزير: يقول لك السلطان ما حاجتك؟ فقال: بهذا الرسم رحلت، ثم ظهر لي أن أنزل حاجتي بالله، فعار على من انتسب إليه أن يقصد غيره. ثم أجاز البحر وقد اشتدّت أحوال أهل الأندلس بسبب عدوّهم، وقدم على ملكه، ووعظه موعظة أعنف عليه فيها، فانفعل لموعظته، وأجاز البحر بسببه إلى جزيرة الأندلس، وغزا بها، وأقام بها ما شاء الله، وتأدب الروم لو تمّ المراد، قال: وأخبره السلطان أبو يوسف ملك المغرب، قال: كل رجل صالح دخل عليّ كانت يده ترعد في يدي، إلّا هذا الرجل، فإن يدي كانت ترعد في يده عند مصافحته. كراماته: وجلب له كرامات عدّة، فقال في بعضها: ومن ذلك ما حدّثني الشيخ المعلم الثّقة أبو محمد قاسم الحصّار، وكان من الملازمين له، المنقطعين إلى خدمته، والسّفر معه إلى البادية، فقال: إني لأحفظ لأبيك أشياء من الأحوال العظيمة، منها ما أذكره، ومنها ما لا أستطيع ذكره. ثم قال: حدّثني أهل وادي الزّرجون، وهو حشّ» من أعمال سبتة، قالوا: انصرف السيد أبو عبد الله من هنا، هذا لفظه، فلما استقرّ في

стр. 982

رأس العقبة المشرفة على الوادي، صاح عليه أهل القرى، إذ كانوا قد رأوا أسدا كبيرا جدا قد تعرّض في الطريق، ما نجا قط من صادفه مثله، فلما سمع الصياح قال: ما هذا؟ فقيل له: أهل القرى يصيحون عليه خيفة من السّبع، قال: فأعرض عنهم بيده، ورفع حاجبه كالمتكبّر على ذلك، وأسكتهم، وأخذ في الطّريق حتى وصل إلى الأسد، فأشار عليه بالقضيب، وقال له: من ههنا، من ههنا، اخرج عن الطريق، فخرج بإذن الله عن الطريق، ولم يوجد هنالك بعد. وأمثال ذلك كثيرة. مشيخته: قرأ على الأستاذ أبي الحسين بن أبي الربيع القرشي، وأجازه والده أبو إسحاق إجازة عامة. ومن شيوخه القاضي المسنّ أبو عبد الله الأزدي، والمحدّث أبو بكر بن مشليون، وأبو عبد الله بن جوهر، وأبو الحسين بن السراج، وأبو عبد الله محمد بن عبد الله الخزرجي، وأبو عبد الله بن الأبار، وأبو الوليد بن العطار، وأبو العباس بن عبد الملك، وأبو إسحاق بن عياش، وأبو محمد عبد الله بن أحمد بن عطيّة، وأبو بكر القرطبي حميد، وأبو إبراهيم الطّرسي، والقاضي أبو عبد الله بن عياض، والكاتب أبو الحسن الرّعيني، وأبو الحسن الشّاري، وأبو يحيى بن الفرس، وأبو إسحاق بن عبيد الله، وأبو الحسن الغزّال، وجماعة من الأندلس غير هؤلاء. ومن أهل العدوة كأبي يعقوب المحاسبي، وابن فرتون، وغيرهما «١» . محنته: نمي عنه إلى السلطان بالأندلس، أنه أغرى به ملك المغرب، وتخلّص بعد لأي في خبر طويل، وانتهب السلطان ماله، وألحق أملاكه بالمختص «٢» ، واستمرّ، وذلك إلى دولة والده، وامتحن السّاعون به، فعجّل الله عقوبتهم. مولده: قال شيخنا: نقلت من خطّ أبيه ما نصّه: ولد ابني أبو بكر محمد، أسعده الله ووفّقه، في النصف الأول من ليلة يوم الاثنين الحادي والعشرين لذي قعدة من سنة ست وأربعين وستمائة. وفاته: قال: ألفيت بخط القاضي الأديب الكاتب أبي بكر بن شبرين، وكان ممن حضر جنازته بسبتة، وكانت وفاة الفقيه النّاسك السّالك الصالح أبي بكر محمد بن الشيخ الفقيه المحدّث أبي إسحاق السلمي البلفيقي في العشر الأواخر من رمضان أربعة وتسعين وستمائة، بمحروسة سبتة، ودفن إثر صلاة العصر بجبّانة الخرّوبة من منارتها بمقربة من قبر ريحان الأسود العبد الصالح، نفع الله به. وصلّى عليه الإمام أبو عبد الله بن حريث.

стр. 983

محمد بن يحيى بن إبراهيم بن أحمد بن مالك ابن إبراهيم بن يحيى بن عبّاد النّفزي «١» من أهل رندة، يكنى أبا عمرو، ويعرف بابن عبّاد، الحاجّ الصّوفي. حاله: نشأ ببلده رندة، وهو من ذوي البيوتات الأصيلة بها، ثم رحل إلى المشرق، ولقي العلماء والصّوفية، وحضر عند المشيخة، ثم كرّ إلى الأندلس، فتصوف، وجال في النّواحي، واطّرح السّموت، وفوّت ما كان بيده من متاع الدّنيا، وكان له مال له خطر، وألقى التّصنّع لأهله رأسا. وكان فيه تولّه وحدّة، وله ذهن ثاقب، يتكلم في المعقولات والمنقولات، على طريقة الحكماء والصّوفية، ويأتي بكل عبارة غريبة، وآثاره هائلة من غير تمكّن علم، ولا وثاقة إدراك، غير أنك لا تسمع منه إلّا حسنا، وهو مع ذلك طوّاف على البلاد، زوّار للرّبط، صبّار على المجاهدة طوعا وضرورة، ولا يسأل ثيابا البتّة إلّا بذلة من ثوب أو غيره، صدقة واحد في وقته. محنته وفضله وشعره: نمي عنه كلام بين يدي صاحب المغرب، أسف به مدبّر الدولة يومئذ، فأشخص عند إيابه إلى رندة وسجن بسجن أرباب الجرائم، فكتب إلى وليّ الأمر: [الطويل] تركت لكم عزّ الغنى فأبيتم ... وأن تتركوني للمذلّة والفقر ونازعتموني في الخمول وإنه ... لذي مهجتي أحلى من البنى والأمر ثم قال: يا من رماني بسهمه الغرب، قد ردّ عليك مخضوبا بالدّم. قال: فو الله ما مرّت ثلاثة، حتى نفذ حكم الله فيمن عدا عليه. وشعره حسن يدلّ على طبع معين، فمن ذلك: [الكامل] سرى يسرّ إليّ أنك تاركي ... نفسي الفداء للطفك المتدارك يا مالكي ولي الفخار بأنني ... لك في الهوى ملك وأنّك مالكي «٢» التّرك هلك فاعفني منه وعد ... بالوصل تحيي ذا «٣» محبّ هالك

стр. 984

وأعد جميلا في الهوى عوّدتني ... إن لم تعده إليّ من للهالك؟ يا منية القلب الذي بجماله ... فتن الورى من فاتك أو ناسك آتيه «١» دونك أو أحار وفي سنى ... ذاك الجمال جلا الظلام الحالك؟ ولكم سلكت إليك لكن حين لم ... تكن الدّليل اختلّ قصد السّالك ولقد عرفت بستر سرّي في الهوى ... فهجرتني فكسيت ثوب الهاتك ما السّتر إلّا ما يحوك رضاك لا ... ما حاكه للبتر كفّ الحائك ما الفضل إلّا ما حكمت به فصن ... واهتك وصل إن شئت أو كن تاركي «٢» ما لي سوى حبّيك يا حبّي فدع ... تركي فهلك الملك ترك المالك وقال أيضا «٣» : [الكامل] هذا العقيق فسل معاطف بانه ... هل نسمة عادته من نعمانه؟ واسأله إن زارته ماذا أخبرت ... عن أجرع العلمين أو سكّانه وأصخ لحسن حديثها وأعده لل ... مضني ففيه البرء من أشجانه يا حبّذا ذاك الحديث وحبّذا ... من قد رواه «٤» وحبّذا ببيانه وسقى الإله زمانه ومكانه ... ويعزّ قدر زمانه ومكانه يا سعد، ساعد مستهاما فيه لا ... ذقت الهوى ونجوت من عدوانه وأصخ لما يتلو «٥» الوجود عليك من ... أنبائهم بلسان حال كيانه «٦» وأبنه لي واقبل ذمامي بشارة ... ويقلّ بذل ذماي في تبيانه وسل النّسيم يهبّ من واديهم ... بشذا «٧» خزاماه وطيب ليانه «٨» ارحم بروح منه روحي تحيه ... وبسقمه «٩» سقمي فديتك عانه وبنشره انشر نفس مشتاق قضت ... شوقا لنفحة نسمة «١٠» من بانه يا سعد، حدّثني فكلّ مخبّر ... عن خسر من أهواه أو إحسانه «١١»

стр. 985

يا سعد، حدّثني حديثا «١» عنهم ... ويجلّ قدر الحبّ عن نسيانه يا سعد، طارحنيه واملأ مسمعي ... من سرّه إن شئت أو إعلانه أنا في الغرام أخوك حقا والفتى ... لا يكتم الأسرار عن «٢» إخوانه قل كيف وادي ودّ «٣» سكّان الحمى ... ومنى أمانيه وروض لسانه؟ «٤» هل قلّصت أيدي النّوى من ظلّه؟ ... أو ما جرى هل عاث في جريانه؟ وهل الربوع أواهل بحمى لهم «٥» ... فسقى «٦» الربوع الودق «٧» من هتّانه؟ وهل التقى بان على عهد النّوى «٨» ... وهل اللّوى يلوي بعود زمانه؟ فبروض أنسهم عهدت «٩» نضارة ... نزّهت منها الطّرف «١٠» في بستانه وأرى هجير الهجر أذبل يانعا ... منه وأذوى الغضّ من ريحانه وأحال حال الأنس فيه وحشة ... وطوى بساط الأنس في هجرانه آها ووالهفي وويحي أن مضى ... عهد عرفت الأنس في أزمانه وبأجرع العلمين من شرقيّه ... حبّ غذاني حبّه بلبانه حاز المحاسن كلّها فجمعن لي ... كلّ الهوى فحملت «١١» كلّ هوانه وزها عليّ بعزّة «١٢» فبواجب ... أزهو «١٣» بذلّي في يدي سلطانه وقضى بأن أقضي وليت بما قضى ... يرضى فطيب العيش في رضوانه واختار لي أن لا أميل لسلوة ... عن حبّه فسلوت عن سلوانه يا عاذلي أو ناصحي أو لائمي ... تبغي السّلوّ ولات حين أوانه غلب الغرام وعزّ سلطان الهوى ... فالكلّ فيه عليّ من أعوانه
следующие страницы →