← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11684

الاستبصار فى عجائب الامصار

مؤلف الاستبصار في عجائب الأمصار

Полный текст (258 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قطعة من الأرض خشبة قائمة، ووصل بها حبالا منوطة بعضها ببعض يرجع جميعها إلى عمود الرخام، وعلى العمود جرسا عظيما وعلى كل قطعة من تلك الحبال جرسا صغيرا، فإذا حركوا حبل الجرس الكبير على العمود وخفق تحركت سائر الحبال وخفقت الأجراس. وأقام الإسكندر يرقب الوقت المحمود، وأمر الصناع إذا سمعوا تحريك الأجراس أن يضعوا الأساس دفعة واحدة وقد كانوا استعدوا لذلك. فبينما الإسكندر يرقب الوقت أصابته سنة، فوقع غراب على حبل الجرس الكبير فحركه فتحركت جميع الأجراس، فوضع البناؤون فى تلك الساعة الأساس «١» . وارتفع الضجيج بالتحميد والتسبيح فاستيقظ الإسكندر لضجيجهم، فسأل عن الخبر فأعلن، فعجب من ذلك، وقال: «أردت أمرا فأراد الله غيره ويأبى الله إلا ما يريد، أردت طول بقائها وأراد الله سرعة بنائها» «٢» . ثم تمادى على عملها وبنى المدينة على آزاج وطبقات قد عمل لها مخاريق ومتنفسات للضوء، يسير الفارس وبيده رمح طويل فلا يضيق به طريق من تلك الآزاج حتى يدور جميع الإسكندرية. وكذلك كانت أسواقها مقنطرة فلا يصيب أهلها المطر. وبنى أسوارها من أنواع الرخام الأبيض والملون، وكذلك جميع قصورها ودورها، فكانت تضيء بالليل بغير مصباح لشدة بياض الرخام، وربما علت على أسوارها شقاق الحرير الأخضر لاختطاف بياضها أبصار الناس «٣» . وبنى عليها ٧ أسوار وأمام كل سور خندق، وبين كل خندق وسور فصيل. ويقال إنها كانت أعظم مدينة بنيت فى معمور الأرض وأغربها بنيانا، فقيل إنه كان سكان البحر يؤذون الناس ويختطفونهم بالليل، فاتخذ الإسكندر الطلسمات مصورة على أعمدة رخام على هيئة شجرة السرو، طول العمود منها ٨٠ ذراعا، وهى باقية إلى هذه الغاية. يقال إنها على أعمدة نحاس قد خرقت الأرض فصورت

стр. 107

فيها أشكال وصور تمنع وتدفع «ا» . وبنى المنار على طرف اللسان الداخل فى البحر من البر، وجعله على كرسى من زجاج على هيئة السرطان فى جوف البحر «١» ، وجعل طوله فى الهواء ألف ذراع «٢» ، وجعل فى أعلاه المرآة. وكانت المرآة قد ركبت من أخلاط غريبة فيبصر فيها ما يأتى من مراكب العدو على مسيرة أيام فيتأهب لهم، فإن قربت المراكب من البلد عملت أخلاط بأدهان يعرفونها وطليت بها المرآة وعكس شعاعها على تلك المراكب فأحرقتها. وجعل فى المنار تماثيل من نحاس وطلاسم كثيرة تمنع وتدفع ولها خواص، فمنها تمثال قد أشار بسبابة يده اليمنى نحو الشمس حيث كانت من مشرق أو مغرب أو أفق فيدور معها، وتمثال يشير بيده نحو العدو إذا كان منه على مقدار ليلة، فإن دنا وأمكن أن يرى بالبصر يسمع لذلك التمثال صوت هائل على ميلين أو ثلاثة. وتمثال آخر كلما مضى من الليل أو من النهار ساعة سمع له صوت طرب بخلاف الصوت الذي كان منه قبل ذلك. وقد اختلف الناس والرواة فى أمر بناء هذا المنار فمنهم من رأى أنه من بناء الإسكندر؛ ومنهم من رأى أن دلوكه «ب» الملكة بنتها؛ ومنهم من رأى أن جيرون الملك المتقدم الذكر بناها. وقيل إن الذي بنى الأهرام بناها، وقيل إن الذي بنى رومة المدينة العظمى بنى الإسكندرية وبنى منارتها. وإنما أضيفت الإسكندرية إلى الإسكندر لسكناه بها وغلبته ممالك الأرض منها. وقيل إن الإسكندر كان لا يخاف أن يطرقه عدو فى البحر ولا يهاب ملكا يرد عليه فيجعل لذلك مرقبا وحراسا. قال عبد الله بن عمرو

стр. 108

ابن العاص إن أول من ملك الإسكندرية فرعون واتخذ فيها مصانع ومجالس، وهو أول من عمرها ثم تداولها الملوك بعده، وإن سليمان بن داود عم اتخذها مسكنا وبنى فيها قصورا ومصانع عجيبة من بناء الجن، وبنى فى المنار مسجدا متقنا وهو باق إلى الآن. والأصح أن الإسكندر بناها من أولها واختط أساسها وبنى المنار فيها وعمل المرآة فى أعلاها، فيقال إنه ما ظهر العدو فى البحر ولا ضرب بأسيافه الإسكندرية إلا بعد زوال تلك المرآة، وكان زوالها فى خلافة الوليد بن عبد الملك بن مروان. وذلك أن ملك الروم أعمل الحيلة فى زوال المرآة من المنار، فبعث خادما من خواص خدمه ذا دهاء ورأى ومعرفة بما يتناول من أشغاله، فجاء مستأمنا إلى بعض الثغور. فحمل إلى أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك بن مروان فأعلمه أنه كان من خواص ملك الروم وأنه أراد قتله لموجدة لم يكن لها حقيقة، وأنه هرب منها ورغب فى الإسلام فأسلم بين يدى الوليد؛ وأظهر له النصح فى أشياء خدمه فيها. ثم إنه استخرج له دفائن فى بلاد دمشق وغيرها من بلاد الشام بكتب كانت عنده، فلما رأى ذلك الوليد شرهت «ا» نفسه وتمكن طمعه وباحثه عما عنده من هذا الفن؛ فقال له إن الإسكندر استولى على ممالك العالم، واحتوى على الأموال والذخائر التى كانت لشداد بن عاد وغيره من ملوك العرب والعجم والفرس وغيرهم من الأمم؛ فبنى لها الآزاج والأسراب والأخباء، وأودعها تلك الذخائر والأموال والجواهر ثم بنى فوقها تلك المنارة التى بالإسكندرية. فلو هدم ذلك المنار استخرج من تحته «ب» من الأموال والذخائر والكنوز وما لا عين رأت؛ فصدق ذلك الوليد وطمع فيه، وبعث معه «ب» من خواصه وثقاته من يقف على هدم المنار، وأمر صاحب الإسكندرية أن يعينه على جميع ما يريد، فهدم ذلك الرومى قدر نصف المنار «١» وأزال المرآة التى كانت غرضه وأراد هدم الكل، فضج أهل

стр. 109

الإسكندرية، وعلموا أنها مكيدة وحيلة. فلما استفاض ذلك خشى الرومى على نفسه، وهرب فى الليل «ا» فى مركب كان قد أعده لذلك الوقت؛ وبقيت المنارة على ذلك المقدار إلى هذا الوقت. صفة المنارة اليوم: هى اليوم ٣ أحزم؛ أما الحزام الأول فهو مربع البناء، قد عمل أحسن عمل بحجارة مربعة قد خفى التصاقها حتى صارت كالحجر الواحد لم يغيره الزمان، ارتفاعه ٣٢٠ ذراعا. ثم ترك فى أعلاه قدر غلظ الحائط وهو ٨ أصابع ونحو ١٠ أذرع سوى ذلك الغلظ «١» ؛ ورفع على ما بقى من البناء بناء مثمن الشكل طوله ٨٠ ذراعا «٢» . ثم ترك قدر غلظ حائطه وهو أقل من غلظ الأسفل وهو نحو ٨ أذرع سوى ذلك [الغلظ] ؛ ثم أقيم عليه بناء مربع الشكل ارتفاعه ٥٠ ذراعا «٣» ونحوها. وفى أعلا ذلك مسجد محكم البناء ويقال إنه مسجد سليمان «٤» . وفى الناحية الشمالية من البناء كتابة من النحاس لم يقدر أحد على فكها ولا معرفة ما هى. وباب المنارة حديد لا يعلم له عهد، ويرقى إلى الباب من أسفل المنارة فى علوة لا تتبين، وكذلك إلى أعلا «ب» الحزام الأول فى طريق يمشى فيه فارسان متناكبان فى أرض سهلة لا يكاد الراقى يعلم فيه

стр. 110

هل هو راق أو ماش؛ فى كل عطف من هذا المصعد باب دار داخلها بيوت مربعة، سعة كل بيت منها ٢٠ ذراعا إلى ١٠ أذرع، قد فتح له مضاو ومنافس للهواء لئلا تهدمها الرياح. وعدد ما فى المنار من البيوت ٣٦٤ بيتا» ، وعطف مطالعها من أسفلها إلى أعلاها ٧٢ عطفا وفى كل عطف ١٢ درجة. وبيوتها كلها آزاج معقودة، وبناء المنار كله معقود بخشب الساج، وعدة أبوابها الظاهرة خارجا ٢٢ بابا، فتحت لتخرقه الرياح ولولا ذلك لهدمته. وهذا المنار من دخله ولم يعرف مسالكه تاه فيه وضل لأن فيه طرقا تولى إلى أسفله وإلى سرطان الزجاج المتقدم الذكر وإلى البحر. ويقال «ا» إن جيش صاحب المغرب حين وصل الإسكندرية وذلك فى خلافة المقتدر «٢» ، دخل جماعة منهم المنار على خيولهم ليروا ما فيه من الغرائب، فتاهوا وتهوروا هم ودوابهم وفقد منهم عدد كثير. وقد كان البحر أثر فى أسفل المنارة من غربيها كالكهف العظيم فسد بعض أمراء مصر- أظنه من العبيديين «٣» - ذلك الثلم بأساطين الرخام بعضها فوق بعض. فالبحر يضرب اليوم فى تلك الأساطين فلا يؤثر فيها شيئا. وفى جهة الشمال من المنار بناء عظيم عريض ارتفع من قعر البحر حتى ظهر على وجه الماء، يدل على أنه كانت عليه مصانع قد ذهبت، ويسمى ذلك البنيان الفاروس؛ تحته ترسو السفن لأنه يكف عنها الرياح والموج. وقد زعم قوم أن ذلك الظاهر ليس بيتا وإنما هو ما هدم من حجارة المنار الذي ذكرنا. قال بعض العارفين إذا أردت أن تبصر ارتفاع المنار وعلوه من الجو فاخرج من الإسكندرية من باب أشتوم «ب» ، وتسير على ضفة البحر نحو نصف ميل ثم تسير نحو الشمال مقدار ذلك ثم تسير على بناء فى البحر كالقناطر «ج» ولها منافس والبحر يضرب من ناحيتها نحو ٤٠٠ خطوه، فإذا خرجت من ذلك البناء سرت

стр. 111

فى فضاء داخل فى البحر كأنه جزيرة والمنارة فى أعلا هضبة منها. وقد أحاط البحر بالمنارة من ٣ جهات: من ناحية الشمال والغرب والجنوب؛ فتنظر حينئذ إلى المنارة فتراها كأنها سحابة قد ارتفعت فى الجو، فتظن أنها ترتعد من انعكاس شعاع الشمس وضرباته فى المنارة «١» . ولهذه المنارة بالإسكندرية مجتمع فى العام يسمونه بخميس العدس «ا» ، وهو أول خميس فى شهر مايه لا يختلف فى مدينة الإسكندرية عن الخروج إلى المنار فى ذلك اليوم أحد. وقد أعدوا لذلك اليوم الأطعمة والأشربة، ولابد فى ذلك الطعام من العدس. فيفتح بابها للناس ويدخلون فيها، فمن ذاكر لله تعالى ومن مصل ومن لاه ومتفرج، فيقيمون إلى نصف النهار ثم ينصرفون «٢» . ومن ذلك اليوم بعينه يحترس البحر. وفى المنارة قوم مرتبون يوقدون النار الليل كله فى الحزام الأول، فيؤم أهل السفن سمت تلك النار «ب» من جميع البلاد؛ ويوقد صاحب السفينة النار فى سفينة فإذا رأى المحترسون النار فى البحر، زادوا فى وقود النار وأوقدوها من جهة المدينة؛ فإذا رأى ذلك محترسو المدينة ضربوا البوقات والأجراس حذرا من العدو. وكان حول المنار مغائض يستخرج منها أنواع من الأحجار يتخذ منها فصوص الخواتم، مثل الاسبادشيخ ومثل الكركهن والباقلمون وغير ذلك من الأحجار الغريبة التى لا توجد فى هذا الزمان ولها خواص. وهذا الباقلمون حجر يتلون ألوانا مختلفة عند النظر إليه كلون ريش الطواويس الهندية؛ فإن ألوان ريشها أحسن ألوانا من هذه الطواويس التى بهذه البلاد. ولطواويس الهند جمال عظيم وخلق عجيب، تتمازج ألوان ريشها وتترادف فيها فيرى لها منظر عجيب؛ وأصلها من الهند وما خرج منها من ديار الهند صغر حجمه وكدر لونه كما «ج» يفعل ما نقل من النارنج والأترج من بلاد الهند، فإنها تصغر وتعدم تلك الروائح العطرية لعدم ذلك الهواء والتربة. قيل وكان حول المنار من تلك الجواهر كثير، فيقال إن الإسكندر أغرق ذلك حول المنار فيوجد هناك إذا طلب، ويكون ذلك الموضع أبقى لها ويرى الناس على مر الدهور عظيم ملكه

стр. 112

وما قدر عليه لوجود ما عز عند غيره «ا» مطلبه. وقيل أيضا إنها كانت آلات شراب الإسكندر، فيما مات كسرتها أمه ورمت بها فى تلك المواضع غيرة أن ينتفع بها أحد «١» . والقصر الأعظم الذي كان بالإسكندرية، لم يكن له على معمور الأرض نظير، هو اليوم خراب. وهو على ربوة عظيمة بإزاء باب المدينة طوله ٥٠٠ ذراع وعرضه على النصف من ذلك ولم يبق منه إلا بعض سواريه؛ وبابه من أحكم بناء وأتقنه على عضادة من حجر واحد، وعتبته حجر واحد؛ فيه نحو ١٠٠ أسطوانة قائمة غلظ كل واحدة نحو عشرة أشبار «ب» . وفى نحو الشمال منه أسطوانة عظيمة لم يسمع بمثلها، غلظها «ب» ٣٦ شبرا وهى من العلو بحيث لايدرك أعلاها قاذف بحجر، وعليها رأس محكم الصناعة يدل على أن بناء كان عليها، وتحتها قاعدة من حجر أحمر مربع الشكل محكم عرض كل ضلع من أضلاعه ٢٠ شبرا فى ارتفاع ٨ أشبار. والأسطوانة منزلة فى عامود من حديد قد خرقت به الأرض، فإذا اشتدت الرياح رأيتها تتحرك وربما جعلت تحتها الحجارة فتطحنها لشدة حركتها «٢» . وهذه الأسطوانة «ج» من إحدى أعاجيب الدنيا، ويقال إن الجن صنعتها لسليمان بن داود عم. وكانت وسط قبة وحولها أساطين، وأعلا الكل قبة تشبه الصحفة من حجر واحد رخام أبيض بأحسن صنعة «د» وأغرب إتقان. فلما مات سليمان بن داود عم «ر» ، رفعت الجن تلك القبة ورمت بها فى البحر، فإنها كانت من غرائب ما عملت الجن لسيدنا سليمان بن داوود عم «ر» . قال حمزة بن محمد المصرى إن بعض ملوك مصر دخل الإسكندرية ورأى قصرها فنظر إلى قصر عجيب الشأن غريب البنيان من بناء الأولين، فعا الصناع وسألهم أن يبنوا له مصله فقالوا له لا نقدر على ذلك، فعزم عليهم فقالم إليه شيخ وقال: أنا أبنى لك مثله وأحسن منه إن فعلت لى ما أريد، قال بلى، قال: ايتوني بثورين مطيقين وعجلة فأمر له بذلك فدخل

стр. 113

مقابر الأولين واحتفر قبرا منها واستخرج جمجمة عظيمة، فوضعها فى العجلة فما جرها الثوران إلا بعد مشقة وجهد، فجاءه فقال أصلح الله الأمير إن أعطيتنى من تكون رؤوسهم مثل هذا الرأس بنيت لك مثل هذا القصر، فعلم أنه لا يقدر على ذلك «١» . وقال حمزة بن محمد أيضا: رأيت بالاسكندرية قصابا عنده ضرس يزن به اللحم زنته ٨ أرطال «٢» . وكان بالإسكندرية دار ملعب قد تهدم أكثرها، وكانت قد بنيت بضروب من الحكمة، وكانوا يجلسون فيها لقضاء حوائجهم، فكان كل جالس فيها إنما جلسوه تلقاء وجه صاحبه ولا يخفى على أحد منهم شئ من حال غيره، يتساوى قريبهم وبعيدهم فى ذلك. وكان لهم يوم مهرجان يجتمعون فيه فى هذا الملعب، ويحضره رؤساؤهم وأبناء ملوكهم وعامتهم، ويلعب فيه الصبيان «ا» والفتيان بالصوالج وبينهم كرة «ب» . فإن دخلت تلك الكرة كم رجل ممن حضر فى ذلك اليوم فلابد له من ولاية مصر؛ كان هذا عيدهم معروف لا ينكره أحد. وكان عمرو بن العاص ﵀ قد سافر إلى الإسكندرية فى الجاهلية تاجرا بالقطن والأدم، فحضر ذلك الملعب فى ذلك اليوم، فلعبوا فيه بالكرة فدخلت كم عمرو بن العاص حتى أتى «ج» الله بالإسلام فكان ما قدر الله تعالى من دخول عمرو مصر وولايتها ٣ مرات «٣» . والإسكندرية تعجب كل من رآها لبهجتها وحسن منظرها، وارتفاع مبانيها وإتقانها وسعة شوارعها وطرقاتها. وهى برية بحرية، وفيها من النعم والأرزاق والفواكه ما ليس ببلد مع طيب هوائها وتربتها. وقد ذهب بعض المفسرين

стр. 114

إلى أن إرم ذات العماد هى الاسكندرية «١» . وقال الناظرون فى الأعمار فى جميع الأقاليم والأمصار: لم تطل أعمار الناس فى بلد من البلدان كطولها بمريوط ووادى فرغانة؛ ومريوط قرية من قرى الإسكندرية بالقرب منها؛ وهى كبيرة ولها بساتين كثيرة «ا» ومنها تجلب الفواكه إلى الإسكندرية. ويروى أن عوف بن مالك حين دخل مدينة الإسكندرية قال لأهلها «٢» : «ما أحسن مدينتكم» ، فقالوا له إن الإسكندر حين بناها قال: «أبنى مدينة إلى الله فقيرة وعن «ب» الناس غنية» فبقيت بهجتها على مر الدهور. وكان الفرما أخو الإسكندر بنى مدينة الفرما وقال: «إنى أبنى مدينة عن الله غنية وإلى الناس فقيرة» ، فذهبت بهجتها ولا يزال ينهدم منها كل يوم شئ لا يجبر أبدا «٣» ويقال إن عمر بن عبد العزيز لما دخل الإسكندرية، وكان إذ ذاك والى مصر، ورأى عظمتها وسعة آثارها وعلم أنها كانت مدينة كبيرة قال لعاملها وكان من أهلها: «أخبرنى كم كان عدد سكان الإسكندرية فى أيام الروم» ؛ فقال له: «والله لا أدرك علم ذلك أحد إلا الله وحده، ولكنى أخبرك كم كان عدد رؤسائهم ورؤسائها وملوكها فإن ملك الروم أمر بإحصائهم، وكتب ذلك فى تواريخهم وكتبهم، فوجدهم ٦٠٠ ألف ملك «٤» . والدليل على عظم شأنها وكثرة ملوكها أن المطر إذا نزل فيها نزولا شديدا وسال ترابها مع الماء، خرج من فيها من الرجال والنساء والصبيان والضعفاء يلتمسون حواليها، فيجدون قطع الذهب والفضة من الحلى وغيره والياقوت والزمرد وأنواع الجواهر، وليس يرجع أحدا منهم بغير شىء.

стр. 115

ومدينة الاسكندرية أعظم مدن مصر؛ وبلاد مصر كلها فيها من العجائب والغرائب ما يعجز عنه الواصفون. ذكر أن أحمد بن طولون كان صاحب مصرفى سنة نيف ومائتين وكان مولعا بمعرفة هذه الآثار القديمة والعجائب «١» ، فذكر له أن رجلا من الأقباط بأرض الصعيد، وهى من أعالى بلاد مصر، له «ا» نحو ١٣٠ سنة، وهو ممن عنى من لدن حداثته بالعلم والإشراف على الآراء وانتحل من مذاهب المتفلسفين وغيرهم، وأنه علامة بالممالك والملوك ومعرفة بهيئة الأفلاك والنجوم؛ وكان نصرانيا على مذهب اليعاقبة. فبعث ابن طولون إليه قائدا من قواده فحمله إليه فى النيل مكرما؛ وكان الشيخ قد انفرد عن الناس فى بنيان قد اتخذه وسكن فى أعلاه، وكان قد رأى الرابع عشر من ولده. فلما وصل إلى أحمد بن طولون أكرمه وأبره وأسكنه بعض مقاصيره ومهد له موضع جلوسه وحمل إليه لذيذ المأكل والمشرب، فأبى الشيخ أن يتغذى أو يلبس إلا ما حمل مع نفسه من كعك وسويق ونحوها، وقال هذه بنية قوامها بما ترون من الغذاء والملبس فإن أنتم سمتمونى النقل على العادة كان ذلك سبب انحلال البنية ويفوتكم منى ما تطلبونه، فتركه ابن طولون وما يريده. ثم أحضره مجلسه مع أهل الدراية من أصحابه وخواص مجلسه وصرف إليه همته وغرضه؛ فلما سأله عن بحيرة تنيس ودمياط المتقدم ذكرهما، قال كان موضع البحيرة أرضا لم يكن بديار مصر مثلها لطيب التربة وذكاء الربيع؛ وكانت جنات متصلة ولم يكن بمصر كورة يقال إنها تشبه الفيوم إلا هى وحدها، وكانت أكثر فاكهة منه؛ وكان الماء ينحدر إلى قرى موضع البحيرة صيفا وشتاء يسقون منه متى شاءوا، وفضلة الماء تصب فى البحيرة. وكان بين العريش وقبرص طريق مسلوكة فى يبس، وبينهما اليوم مسير طويل فى البحر، فلما كان قبل استفتاح المسلمين بلاد مصر ب ١٠٠ سنة طما ماء البحر وزاد فأغرق القرى التى كانت فى موضع البحيرة، وما كان منها فى البقاع المرتفعة فهى باقية إلى الآن قد أحاط بها الماء. وقال وعند هذه الزيادة التى زادها ماء البحر، طغى الماء على القنطرة التى كانت بين بلاد الأندلس وبين

стр. 116

ساحل طنجة من أرض المغرب. وكانت قنطرة عظيمة لا يعلم فى معمور الأرض مثلها، مبنية بالحجارة، تمر عليها الإبل والدواب من ساحل المغرب إلى الأندلس، وكان طولها ١٢ ميلا فى عرض واسع وسمو كبير؛ وربما بدت هذه القنطرة لأهل السفن تحت الماء فعرفوها. وسئل عن ممالك الحبشة والأحابيش التى على النيل، فقال ألفيت منهم ٦٠ ملكا كل ملك منهم ينازع من يليه. قال وبسبب استحكام النارية فى بلادهم، تكون عندهم معادن الذهب كثيرة، فإن حرارة الشمس ويبسها يغير الفضة ذهبا، فإذا طبخ ذلك الذهب بالملح والزاج والطوب، خرج ما فيه من الفضة. وسئل عن منتهى النيل فى أعلاه، فقال أصله من البحيرة التى لا يدرك طولها ولا عرضها، وهى تحت خط الاستواء تحت قنطرة الفلك المستقيم؛ وهو الموضع الذي فيه الليل والنهار متساويان الدهر كله. وسئل عن الأهرام، فقال إنها قبور الملوك؛ وكان الملك إذا مات وضع فى حوض من رخام ثم أطبق عليه وبنى له هرم على قدر همة وليه «ا» ، ثم يوضع الحوض فى وسط الهرم ويصنع باب الهرم تحت الحوض، ثم يحفر له طريق فى الأرض ويعقدونه آزاجا. فقيل له فكيف هذه الأهرام المملسة وكيف كانوا يصعدون «ب» لبنائها؛ فقال كانوا يبنون الهرم مدرجا ويصعدون لبنائه فإذا فرغوا من عمله نحتوه. قيل له وكيف كانوا يصنعون «ب» بهذه الحجارة العظيمة التى لا يقدر ١٠٠ رجل منا أن يزحزحوا منها حجرا واحدا؛ قال كانت لهم فراقل قد دبروها بأخلاط من المعادن وأنواع من الحكم، فكانوا يضربون بها الحجر الكبير فينقسم لهم على القدر الذي يريدون ويتأتى لهم النحت، ومع هذا فإنه كان لهم صبر وجلد على أعمالهم ليس لمن بعدهم. قال الوصيفى «١» ، قال رجل قبطى، وقد أجرينا من هذا الذي ذكرنا «ج» ، إنهم أصابوا فى بعض الكنائس فى طاق سفطا فى «د» سلة ففتحوها فوجدوا فيها فرقلة فعجبوا منها ولم يدركوا لها معنى، فطرحوها فى النار فكانت تثب من النار حتى تبلغ سقف الكنيسة فكسروها «ر» ، ثم ندموا على فسادها.

стр. 117

قال: الناظر هذه مدينة الإسكندرية يطمع فيها عدو صقلية أبدا، ويجشم مراكبه بأهوال تصيبه عليها؛ فمنها ما أدركته عشية العاشر «ا» من محرم سنة ٥٧٠ [- ١١ أغسطس ١١٧٤] . وذلك أنه احتفل فى مراكب كثيرة ونزل فى ساحلها وحصن ما قدر وعزم على محاصرة البلد، فما كان إلا أن عزم على المقارعة حتى صاح فى الأعداء صائح وصرخ بينهم صارخ فولوا مدبرين «١» ، وقتل بعضهم والحمد لله رب العالمين. وفتح الله تعالى ببركة هذا الأمر «ب» العزيز على المسلمين بديار مصر، عندما سمح بخاطر أمير البلاد بها، وهو يوسف بن أيوب الكردى، المخطط بصلاح الدين، أن يخاطب الخليفة الإمام أبا «ج» يوسف يعقوب «د» بن الإمامين الخليفتين رضه أجمعين؛ فهزم روم الشام واستأصل شأفتهم، وفتح بيت المقدس شرفها الله، وجميع تلك البلاد التى كانت بأيدى أعداء الله. ونص الرسالة الواردة بصورة فتح، كلام مختصر من كتاب وصل من الإسكندرية «ر» ، تاريخه فى العشر الوسط من شعبان المكرم سنة ٨٣ [٥] [- أكتوبر ١١٨٧] ، يصف ما سناه الله تعالى ويسره بقدرته من الفتوحات فى الروم دمرهم الله تعالى «٢» . وذلك أن رسل ملكهم وصلوا إلى دمشق فى الصلح، فأراد يوسف بن أيوب أن يصالحهم ويعقد لهم الصلح على أن يدفع لهم ١٠٠ ألف أردب من القمح مع المضاف إليه، وكان بن أخيه، المخطط عندهم بتقى الدين، قد تصاهر مع أمير التركمان وجاء بخلق كثير من الأتراك، فلما عاين عمه يريد الصلح عز عليه ذلك وغضب. فسأله عمه عن شأنه فقال له: يأتى الناس متطوعين مسارعين للجهاد وتصالح أنت الأعداء الروم، ماذا يقوله أهل العراق وأهل الأمصار عنا. فقال يوسف لابن أخيه: تعرف ما صنع أصحابنا

стр. 118

يوم الرملة؛ وقد كان خرج معهم إلى لقاء الأعداء الروم فهربوا وتركوه، وكاد أن يقتل أو يؤسر، وأخذ له جميع ما كان معه من عدد وأمتعة، وذلك سنة ٥٧٢. فلما سمع الأجناد «ا» قالوا: صدق ونحن تائبون ونحلف له «١» . فدخل تقي الدين مع الأمراء وأشياخ الأجناد على يوسف، وحلفوا له كلهم فى المصاحف أنه لا يشرب أحد منهم كأس خمرة أبدا ولا يرتكب معصية. فلما حلفوا كلهم. فرح يوسف بذلك وأرسل إلى الرسل، فاجتمع الرسل مع تقي الدين ومع على بن يوسف بن أيوب وجماعة أشياخ الأجناد فاشترطوا شروطا كثيرة فى مصالحتهم: منها ألا يؤخذ من أحد مكس؛ وأن ترد بعض البلاد. فغضب الرسل ووقع بينهم كلام كثير وقالوا بيننا وبينكم السيف، فاستخف الرسل بكلامهم وفارقوهم، فقامت قلوب المسلمين وليقضى الله أمرا كان مفعولا. وخرجوا بنيات صادقة وعزائم ناجحة، فأخذوا طبرية من فورهم، وبقيت قصبتها لأنها مانعة جدا «٢» . ووصل الروم دمرهم الله فى جمع حفيل طامعين فى المسلمين، فمنعهم المسلمون الماء، فعزموا على المقاتلة؛ وصفت الصفوف غرة جمادى الأول، وقيل إن المقابلة كانت فى يوم الجمعة ال ٢٠ من ربيع الآخر [٢٩ يونيه] ، فكان يوما عظيما، دفع عليهم الروم دمرهم الله ١١ دفعة والمسلمون بحمد الله ثابتون، فدفع عليهم المسلمون دفعة واحدة فلم يقف منهم أحد، فهم بين أسير وقتيل؛ وأحصى عدد من قتل وأسر ٢٢ ألفا. وأخذ ملوك الروم أسارى وأعيانهم وصاحب الكرك والشوبك، وقد كان هذا اللعين صالح يوسف ابن أيوب وغدره، فلما مثل بين يديه فى جملة الأسارى، لم يتمالك أن قام يوسف بن أيوب فقتله بخنجر كان بيده «٣» . ثم قاتل يوسف قصبة طبرية فرغبوا فى المصالحة، فحصن البلد وقصبته وبعث الأسارى إلى دمشق «٤» ؛ وأسرع السير إلى عكة فدخلها صلحا وأخرجهم منها دون سلاح ولا عدة «٥» . وقد كان سيف الدين، أخو يوسف المذكور، حصر يافا ودخلها صلحا،

стр. 119

فوجد أهلها قد قتلوا أسارى المسلمين؛ فقتلهم أجمعين «١» ، ونزل على عسقلان، واتصل به أخوه يوسف بعد أن ترك على صور عسكرا يحصرها، ودخل عسقلان آخر جمادى الثانى [- ٥ سبتمبر] «٢» . وعدد البلاد التى فتح الله تعالى وأسماؤها هى هذه: الداروم وغزة وعسقلان وأرسوف ويافا وحيفا وقيصارية وعكة وإسكندرية وصيداء وبيروت وجبلة- أسلم صاحبها وجماعة معه. وفتحت تبنين وجبل الطور والفولة وناصرة- مدينة المسيح عم- وطبرية وفلسطين ونابلس ويبنا وصفّورية والرملة. ونهض يوسف بن أيوب خارج عسقلان إلى بيت المقدس، وقال للأجناد: بيت المقدس لكم طعمة «ا» ، فدخله منتصف رجب سنة ٨٣ [٥] [٢٠ سبتمبر ١١٨٧] «٣» بعد ٩٥ سنة بأيد الروم أو نحوها، وقد كانوا تملكوه فى شعبان سنة ٤٨٨ هكذا [- أغسطس ١٠٩٥] . ونص النسخات التى وصل بها الطائر إلى الإسكندرية من مصر بصورة فتحه هو هذا المسطر. بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وآله سرح هذا الطير الطائر ورفيقه فى أول ساعة من نهار الأربعاء، عند ورود البشرى بالمكاتبة المعظمة السلطانية، بتاريخ يوم الجمعة ٢٨ من رجب سنة ٥٨٣ [- ٣ أكتوبر ١١٨٧] بما من الله تعالى به من فتح بيت المقدس، ورفع الأعلام الناصرية فى أشرف موضع فيه. وتقرر على كل من فيه لشراء أنفسهم الرجل ب ١٠ دنانير والمرأة ب ٥ دنانير والطفل بدينارين، وتلك نعمة لا تحصر ولا تحصى. وعدد من خلص فيه من أسارى المسلمين ٤٠٠٠ أسير «٤» ، وكان له فى النفوس من الفرح والجذل ما لا خفاء فيه.

стр. 120

وكل ذلك ببركة استجابة هذا الرجل لطاعة الإمام- مهد الله عمره- وقد بعث إرساله بما وجد فيه وفى تلك البلاد من الذخائر. وهم الآن فى مدينة فاس- حرسها الله- مستمعين للأوامر المطاعة؛ ونحن الآن فى شهر رمضان الفرد من سنة ٥٨٧ [- سبتمبر- أكتوبر ١١٩١] ؛ وكان اجتماع هذا الرسول وهو عبد الرحمن بن محمد بن منقذ الأزدى «ا» سادس مجرم سنة ٨٨ [٥] [- ٢٣ يناير ١١٩٢] بالخليفة الإمام أبى يوسف رضه؛ وخرج من الحضرة بعد ذلك بخمسة أيام ولم يعلم به «١» .

стр. 121

ذكر المشهور من المدن والعمائر من بلاد مصر إلى آخر بلاد المغرب حسب المعرفة إن شاء الله تعالى نجعل ذلك على قسمين: فالبلاد الساحلية أو ما يقرب من الساحل بمرحلة ونحوها بجهة؛ والبلاد التى تبعد «ا» من الساحل بمرحلة أو نحوها بجهة، ونضيف إليها ما كان «ب» فى الصحراء منها. فمن مدينة الإسكندرية على الساحل عمائر كثيرة للعرب ولقبائل من البربر سكنوا فى تلك الأحياء إلى مدينة سرت. ومدينة سرت «ج» مدينة كبيرة قديمة على ساحل البحر، وأهلها أخس الناس «د» خلقا وأسوأهم معاملة، لا يبيعون ولا يبتاعون إلا بسعر قد اتفقوا عليه. وربما نزل المركب بساحلهم موسوقا بالزيت، وهم أحوج الناس إليه، فيعمدون إلى الزقاق الفارغة فينفخونها ويصففونها فى حوانيتهم، ليرى أهل المركب أن الزيت عندهم كثير بائر. فلو أقام أهل المركب ما شاء الله أن يقيموا، ما باعوا منهم إلا على حكمهم. وهم يعرفون بعبيد قرلة «ر» ويغضبون لذلك «١» .

стр. 122

ذكر بلاد إفريقية وما فيها من العجائب وذكر البلاد الساحلية منها والصحراوية وذكر ما فيها من الآثار مدينة أطرابلس «١» فأول مدن إفريقية على الساحل مدينة أطرابلس. وهى مدينة كبيرة أزلية على ساحل البحر، والبحر يضرب فى سورها» ، وسورها من حجر جليل من صنعة الأولين. وقيل إن تفسير أطرابلس ٣ مدن، وقيل مدينة أياس «ب» . وبها سوق حافلة وحمامات «ج» كثيرة وبساتين فى شرقها، وهى كثيرة الفواكه جمة الخيرات، وأكثر أهلها تجار يسافرون برا وبحرا، ولهم سمح فى تجاراتهم، وهم أحسن الناس معاملة ضد أهل سرت. وداخل سورها بئر يعرف ببئر أبى الكنود، يقال إنه من شرب منه يحمق فهم يعيرون به؛ يقال للرجل منهم إذا أتى بما يلام عليه «د» : لا عتب عليك لأنك شربت من بئر «ر» أبى الكنود. ومن أطرابلس إلى نفوسة ٣ أيام، وطرف هذا الجبل الخارج فى البحر هو طرف أو ثان، ما بين أطرابلس والإسكندرية، وهو الطرف الذي إذا عدته المراكب استبشرت بالسلامة. وهذه المدينة تعد من بلاد إفريقية، وسنذكر ما ورد فيها من الآثار والله المستعان «س» . قال الناظر كان فى مدينة أطرابلس المذكورة رجل غزى اسمه قراقوش «ص» «٢» استند إلى ذروة «ط» هذا الأمر العزيز- أيد الله دوامه-

стр. 123

بعد شرود وفرار كان منه، وأسلم لأوليائه وآلائه «ا» ، وساعد غاويا شقيا لفظه البحر من جزيرة ميورقة- فتحها الله- ولم تزل سعادته مخلصة من تلك الورطات، إلى أن هلك «ب» الشقى الميورقى، وأناب قراقوش إلى حزب التوحيد، فغلب على طرابلس وأخرج منها المستولى عليها أبا زبا الفارسى «ج» ، وهو ثائر الزاب المذكور فى الأراجيز «د» . قال الضبى: وثائر الزاب إن «ر» حلت عساكره ... بأرض سوسة ضاقت بالورى الحيل فأدرك أهل علم الحدثان اسما مركبا من الزاى والباء، فقالوا ثائر الزاب، لعلمهم بموضع ثورته وجهلهم باسمه، حتى أبرز الأمر «س» العزيز أبا زبا فى الزاب. فلما توجه الخليفة أبو يوسف رضه لفتح بلاد إفريقية سنة ٨٣ [٥] [- ١١٨٧- ١١٨٨] ، خاطبه أبو زبا «ص» ضارعا راغبا فى الصلح والقبول، ثم نكث واستبد بطرابلس حتى أناب قراقوش «ط» وصح توحيده، فأخرجه منها وبعثه مقيدا، فحل «ع» بحضرة مراكش سنة ٥٨٦ [- ١١٩٠] «ف» ؛ ونحن الآن فى شهر رجب الفرد سنة ٥٨٧ [- يوليه- أغسطس ١١٩١] ، وكلمة «ك» التوحيد والهداية فى بلاد الصحراء متصلة من طرابلس إلى مدينة غانة وكوكو. قيل وإنما سميت إفريقية لأن قوما من الأفارق «ل» سكنوها، وهم أولاد فاروق بن مضر من العرب العاربة؛ وزعموا أن إفريقية اسم ملكة ملكت إفريقية؛ وقيل إنها إبريقية. وحد إفريقية طولا من برقة شرقا إلى مدينة «م» طنجة غربا، وعرضها من البحر إلى الرمال التى هى حاجز بين بلاد

стр. 124

إفريقية «١» وبلاد السودان، وهى جبال من الرمال من المشرق «ا» إلى المغرب؛ وفيها يصاد الفنك الذي لا يوجد لجلده مثال. وجاء فى حديث رسول الله ﷺ : «ينقطع الجهاد من جميع الجهات ولا يبقى إلا ببلاد إفريقية، فبينما القوم بإزاء عدوهم نظروا إلى الجبال قد سيرت فيخرون «ب» لله سجدا فلا ينزع أطمارهم عنهم إلا أزواجهم من الحور العين» . وروى عنه ﷺ أنه بعث سرية فى سبيل الله، فلما قفلوا «ج» منها، شكوا شدة برد أصابهم، فقال رسول الله ﷺ : «لكن «د» إفريقية أكثر بردا وأعظم أجرا» «٢» . وبإفريقية فى هذا الوقت من أبناء الإمام الخليفة وحفدته السادات النجباء- أدام الله نصرهم- ما تمهدت به «ر» أكنافها وعمرت لهم أوساطها وأطرافها؛ ولكن الشقى يحيى بن اسحاق، صنو الشقى على متوغل فى صحاريها، وقراقوش متصيد له متوثب عليه «٣» ؛ والله سبحانه ولى التوفيق بمنه وكرمه. مدينة قابس «٤» : وتعد أيضا من بلاد الجريد، بينها وبين طرابلس ٨ أيام، وهى مدينة كبيرة قديمة أزلية وعليها سور صخر جليل من بناء الأول، ولها حصن حصين وأرباض واسعة؛ وفيها فنادق وحمامات؛ وقد أحاط بجميعها خندق كبير يجرون إليه الماء إذا خافوا من نزول عدو إليهم «س» فيكون أمنع شىء. ولها واد يسقى بساتينها وأرباضها ومزارعها؛ وأصل هذا الوادى من عين خرارة

стр. 125

فى جبل بين القبلة والمغرب، وهو يصب فى البحر. وبين مدينة قابس وبين البحر نحو ٣ أميال وجناتها أكثر إلى البحر «ا» ، وهى كثيرة الثمار والموز بها كثير وليس بإفريقية موز إلا فيها؛ وفيها شجر التوت كثير ويربى بها الحرير، وحريرها أطيب الحرير وأرقه وليس يعمل بإفريقية حرير إلا بها. وهى مدينة فخيرة «ب» بحرية صحراوية، والحصراء منها قريبة، فيقال إنه ما اجتمع فى مائدة رجل ٣ أشياء متضادة المواضع إلا فى مائدة من يسكن قابس: يجتمع فيها الحوت الطرى ولحم الغزال الطرى والرطب الجنى. فهى حاضرة هذا الإقليم وقطبه وروحه وقلبه، ومركز دائرته التى عليها يدور محيطه «ج» وبالاستناد إليه يتمهد رحبه، والله يعصمنا بعزته. ذكر مدينة القيروان وكيفية وضعها سنة ٤٧ من الهجرة «د» «١» ولى «ر» معاوية بن أبى سفيان عقبة بن نافع القرشى على إفريقية فافتتحها فى ١٠ آلاف من المسلمين، ووضع السيف وأفنى من بها من النصارى. ثم قال، إنى أرى إفريقية إذا دخلها إمام تحرموا «س» بالإسلام، فإذا خرج عنها رجع كل من أجاب منهم عن دين الله، فهل لكم يا معشر المسلمين أن تتخذوا مدينة تكون لكم عز الأبد. فأجابه الناس واتفقوا على أن يكون أهلها مرابطين فيها؛ وقالوا نقربها من البحر ليتم الجهاد والرباط. فقال لهم عقبة: نخاف من ملك القسطنطينية؛ فاتفق رأيهم على موضعها، فقال: قربوها من السبخة

стр. 126

فإن أكثر دوابكم الإبل، تكون إبلكم على بابها فى مراعيها آمنة من البربر. فدعا ما كان فى الغيضة من الوحوش والهوام، وقال اخرجوا بإذن الله فخرج كل ما كان فيها حتى لم يبق من الحيوانات شئ؛ وهم ينظرون إليها. وقال ابن الرقيق «ا» «١» فى تاريخه: فبقيت القيروان ٤٠ سنة لم ير فيها خشاش ولا هوام. وتنازعوا فى قبلة الجامع فبات عقبة مهموما، فرأى فى المنام قائلا يقول له: خذ اللواء بيدك فحيث ما سمعت التكبير فامش، فإذا انقطع التكبير فأركز اللواء فإنه موضع قبلتكم؛ ففعل عقبة ذلك فهو موضع القبلة، وهو محراب جامع القيروان إلى اليوم؛ وقد هدم حسان بن النعمان جامع القيروان وبناه حاشى المحراب فإنه تركه. ويقال إنه هدم وبنى ٣ مرات، كل وال يلى القيروان يريد أن يكون الجامع من بنيانه؛ وكانوا يتركون منه المحراب تبركا ببناء عقبة ﵀. ويقال إنه لما أراد معد بن إسماعيل بن عبيد الله الشيعى «٢» تحريف قبلة مسجد القيروان وذلك سنة ٣٤٥ [- ٩٥٦] بلغه أهل القيروان يقولون إن الله يمنعه منه بدعاء عقبة بن نافع الفاضل فى وقت تأسيسه الجامع. فلما وصل ذلك إلى معد غضب، وأمر بنبش قبر عقبة بن نافع وإحراق رمته بالنار، وكان قبره بظاهر مدينة تهودا، حيث استشهد ﵀. وبعث معد لذلك ٥٠٠ ما بين فارس وراجل؛ قيل فلما دنوا من قبره وحاولوا ما أمرهم به، هبت عليهم ريح عاصفة ولاحت بروق خاطفة وقعقعت رعود قاصفة كادت تهلكهم، فأضربوا ولم يعرضوا له؛ فخافوا عقوبة معد فتاهوا فى صحارى إفريقية حتى سمعوا أنه هلك، فحينئذ أتوا إلى أوطانهم معتبرين مستبصرين «ب» . وبإزاء جامع القيروان الساريتان الحمراوان الموشاة بالصفرة، اللتان لم ير الراءون أحسن منها «ج» ولا مثلها؛ كانت فى كنيسة من كنائس الروم، فنقلها إلى جامع القيروان حسان بن النعمان؛ وهما مقابلتان المحراب، عليهما القبة المتصلة بالمحراب.

стр. 127

وبخارج مدينة القيروان ١٥ ما جلا للماء، هى سقايات لأهل القيروان، منها ما بنى فى أيام هشام بن عبد الملك بن مروان وفى أيام غيره من الخلفاء؛ وأعظمها شأنا وأفخمها منصبا، الماجل الذي بناه أحمد بن الأغلب بباب تونس من القيروان، وهو متناهى الكبر «ا» وفى وسطه صومعة مثمنة، وفى أعلاها قبة مفتحة على أبواب، فإذا وقف الرامى على ضفته، ورمى بأشد ما يكون من القسى لا يدرك الصومعة «ب» التى فى وسطه. وكان على ذلك الماجل قصر عظيم فيه من البناء العجيب والغرف المشرفة على ذلك الماجل كل شئ غريب؛ ويمر فى هذا الماجل «ج» ماجل لطيف متصل به، يقع فيه ماء الوادى إذا جرى، فتنكسر فيه حدة جريانه «د» ، ثم يدخل الماجل الكبير. وهذا الوادى الذي يدخل الماجل إنما واد شتوى «ر» يجرى فى أيام الشتاء، فإذا امتلأ هذا الماجل وغيره من المواجل، شرب منه أهل القيروان ومواشيهم. ويرفع ماء هذا الماجل إلى أيام الصيف، فيكون ماؤه باردا عذبا صافيا لكثرة الماء فيه. وكان عبيد الله «س» الشيعى يقول، رأيت بإفريقية شيئين ما رأيت مثلهما بالمشرق: الحفير الذي بباب تونس من القيروان، يعنى هذا الماجل الكبير، والقصر الذي برقادة المعروف بقصر البحر «١» ، والله أعلم، وهو الموفق للصواب بمنه «ص» . مدينة صبرة «ط» «٢» : وهى متصلة بمدينة القيروان، وهى مدينة كبيرة بناها إسماعيل وسماها المنصورة، وكانت لها جبايا كثيرة «ع» ، يقال إنه كان يدخل أحد أبوابها كل يوم ٢٦ ألف درهم؛ والله أعلم بالصواب.

стр. 128

مدينة رقّادة «١» : وهى من القيروان على ٤ أميال؛ وهى مدينة كبيرة دورها ٢٤٠٤٠ ذراع. وكانت أكثر بلاد إفريقية بساتين وفواكه، وليس بإفريقية أعدل هواء من رقادة ولا أرق نسيما، ولا أطيب تربة. يقال إن من دخلها لم يزل يضحك مستبشرا مسرورا من غير سبب. وذكر أن واحدا من ملوك بنى الأغلب كان قد أصابه أرق شديد، وشرد عنه النوم أياما، فعالجه اسحاق المتطبب، وهو الذي ينسب إليه الأطرفيل، فأمر الملك بالخروج والتنزه والمشى. قيل فلما وصل إلى موضع رقادة نام، فسميت رقادة من يومئذ، واتخذت موضع فرجة ومنتزها للملوك. ويقال إن الملك الذي بنى مدينة رقادة هو إبراهيم بن أحمد بن [محمد بن] الأغلب [٢٦١- ٢٨٩- ٨٧٤- ٩٠٢] ، فجعلها دار مملكته ومسكنه. قيل ومنع بيع النبيذ بمدينة القيروان وأباحه بمدينة رقادة بسبب جنده وعبيده، فقال فى ذلك بعض الشعراء: يا سيّد الناس وابن سيّدهم ... ومن إليه القلوب منقادة ما حرّم الشرب فى مدينتنا ... وهو حلال بأرض رقادة وفيها بويع عبيد الله الشيعى، ذكره ابن الجزار فى تاريخه «ا» ، والله أعلم. مدينة سفاقس «٢» : هى مدينة أزلية عليها غابة كبيرة من الزيتون. وزيتها أطيب من كل زيت إلا الشرقى، ومن الناس من يفضله عليه، ومنها

стр. 129

يمتار «ا» أهل إفريقية الزيت، وتحمله المراكب إلى بلاد الروم، وعليه معول أهل صقلية، وإبطالية، وأنكبوردة، وقلورية، وجميع سواحل الأرض الكبيرة، لكثرته وطيبه. وقد كانوا ملكوا هذه الجهات الساحلية إلى أن أخرجهم منها أمير المؤمنين سنة ٥٥٥ [- ١١٦٠] . مدينة المهدية «١» : وهى مدينة عظيمة بناها عبيد الله الشيعى إذ قام عليه «ب» [أبو] عبد الله الداعى وهو الذي أقامه ونصره، ودخل عليه سجلماسة وأخرجه من سجن ابن مدرار ثم استحال عليه، وأراد خلعه. وأعانه على ذلك أشياخ كتامة، وكان يقول للناس إنه هو يهودى وضعته مكان العلوى الفاطمى حتى يأتى، وأبحث عنه حتى أجده فإنه صاحب هذا الأمر، وقد آن وقته «ج» وخبرهما مشهور. وبين مدينة المهدية والقيروان ٦٠ ميلا، والبحر قد أحاط بمدينة المهدية من جميع جهاتها إلا من الجانب الغربى، وفيه بابها. ولها ربض كبير يسمى زويلة، وفيه الأسواق؛ وللمهدية أسواق مبنية بالصخر الجليل. ولها بابان من حديد لا خشب فيهما «د» زنة كل واحد منهما ١٠٠٠ قنطار وطوله ٣٠ شبرا؛ وفيها صور الحيوان وهى من أعجب ما عمل فى الإسلام. وفى المهدية ٣٦٠ ماجلا لماء المطر «ر» سوى ما جرى إليها من القناة التى جلبها إليها عبيد الله من قرية مشانس «٢» ، وهى على مقربة

стр. 130

من المهدية. وللمهدية مرسى «ا» للمراكب من عجائب العالم، فإنه منقور فى حجر صلد، يسع ٣٠ مركبا، وكان على المرسى برجين بينهما سلسلة حديد من أغرب ما عمل. وإذا أرادوا أن تدخل سفينة أو مركب، أرسل حراس البحر السلسلة حتى تدخل السفينة ثم مدوها كما كانت، وذلك «ب» تحصينا لئلا تتطرقها مراكب الروم من صقلية وغيرها، كما كان فى أيام الحسن الذي «ب» دخلها الروم عليه «١» ؛ وذلك مشهور فى جميع الأقطار. ومن المهدية إلى قصر لخم «٢» ، وهو المعروف بقصر الكاهنة، ١٨ ميلا. وذكر أن الكاهنة حصرها عدوها فى هذا القصر، فحفرت سربا فى صخرة صماء «ج» من هذا القصر إلى مدينة «د» ملقطة «٣» يمشى فيه العدد الكثير، وبينهما ١٨ ميلا. ويقال إن أخت الكاهنة كانت فى ملقطة، فكان الطعام يجلب إليها فى ذلك السرب على ظهور الدواب. وقصر لخم عجيب البنيان، قد بنى وأحكم «ر» بحجارة طول الحجر منها ٢٥ شبرا؛ وارتفاع القصر فى الهواء ٢٤ قامة. وهو من داخله كله مدرج إلى أعلاه؛ وأبوابه طاقات بعضها فوق بعض. مدينة تماجر «س» «٤» : هى بغرب المهدية، كبيرة أزلية فيها آثار للأول؛ وبينها وبين المهدية الوادى.

стр. 131

مدينة جلولا «١» : مدينة قديمة أزلية لها حصن، وعين سرّة فى وسطها «ا» ، وهى كثيرة البساتين والأشجار، غزيرة الفواكه والثمار والأزهار، والرياحين بها كثيرة جدا وأكثر رياحينها الياسمين؛ وبطيب عسلها يضرب المثل لكثرة ياسمينها وحرش «ب» نحلها له، وأكثر فواكه القيروان تجلب إليها من جلولا. مدينة سوسة «٢» : مدينة أزلية قديمة فيها آثار للأول، وهى على ساحل البحر، وفيها بنيان عظيم يسمى الملعب، وهو من أغرب البنيان فيه أقباء معقودة بحجر النّشف الذي يطفو فوق الماء، المجلوب من بركان صقلية. وداخل سور المدينة هيكل عظيم يسميه البحريون الفنطاس، وهو أول ما يرون من البحر إذا قصدوا من صقلية وغيرها؛ وسوسة فى سند عال ترى دورها من بحر صقلية. وهى مخصوصة بكثير الأمتعة وجودة الثياب الرقاق، وقصارتها. وجميع أشغال الثياب الرفيعة من طرزها «ج» ، وكمدها لا يصنع ببلد مثل صنعته بهذه المدينة. والثياب السوسية معلومة لا يوجد لها نظير، لها بياض رائق «د» وبصيص «ر» لا يوجد فى غيرها. ومنها تجلب الثياب الرفيعة مثل عمائم المعمور «س» وغيرها، تساوى منها العمامة ١٠٠ دينار وأزيد «ص» ؛ يحمله التجار إلى جميع البلاد شرقا وغربا؛ ويباع الغزل بها زنة «ط» المثقال بمثقالين.

стр. 132

ولحم سوسة من أطيب لحوم بلاد إفريقية لطيب مراعيها. وبالقرب منها محرس «ا» المنستير الذي جاء فى الأثر «ب» ، وهو حصن عالى البناء متقن العمل، وفيه جماعة من الصالحين الذين حبسوا أنفسهم فيه منفردين عن الأهل والعشائر؛ وأهل تلك البلاد يخرجون إليهم الصدقات «١» . وبقربه نحو ٥ محارس متقنة البناء معمورة بالصالحين. مدينة تونس «ج» «٢» : مدينة عظيمة بينها وبين القيروان مسيرة ٣ أيام؛ وبينها وبين البحر نحو ٤ أيام؛ وبينها وبين قرطاجنة نحو ١٠ أميال ومرساهما واحد يسمى رادس. ويقال إن ببحر رادس خرق «د» الخضر عم السفينة «ر» ؛ وكان الملك المذكور فى القرآن «س» «٣» ، الذي كان يأخذ كل سفينة غصبا، ملك قرطاجنة وكان يسمى ألجلندا. وبين المرسى وتونس بحيرة يقول أهل تونس إنها كانت [من] نحو ١٠٠ سنة «ص» أرضا لهم، كثيرة الجنات والمياه والزرع طيبة الفواكه، فغلب عليها ماء البحر؛ وهم يعرفون موضع ضياعهم فيها إلى الآن. ومدينة تونس مدينة قديمة البناء لها سور عظيم ويدور بها حفير، يقال إن دورها ٢٤ ألف ذراع «ط» وبها جامع متقن البناء مليح الصنعة مطل على البحر، بناه عبيد الله بن الحبحاب «٤» هو ودار الصناعة، وأنفذ إليه البحر، وهو من عجائب الدنيا. ومدينة تونس فى سفح جبل، وبها مبان عجيبة، وأكثر عضادات أبواب دورهم «ع» رخام أبيض: لوحان قائمان وثالث معترض مكان العتبة. ومن الأمثال بإفريقية: دور تونس أبوابها رخام وداخلها سخام. وهى دار علم

стр. 133

وفقه، وأهلها موصوفون «ا» بالقيام على الولاة؛ يعد لأهلها القيام على أمرائهم نحو ال ٢٠ مرة، لأنها أكثر البلاد باعة «ب» وغوغاء؛ وإن سلامتها من شقى ميورقة لمن براهين هذا الأمر العالى «ج» ، وما ذلك إلا لسعادة سيدنا ومولانا أمير المؤمنين أيده الله. وبالقرب من تونس بنحو ال ١٠ أميال نهر كبير يسمى بجردة، وهو على الطريق إلى المغرب؛ ويقال إن من شرب من مائه قسى «د» قلبه فأكثر الناس يجتنبون شربه. ومدينة تونس أشرف مدن إفريقية وأطيبها ثمرة وأنفسها فاكهة، فمن ذلك اللوز الفريك، يفرك بعضه بعضا دون أن تمسه يد لرقة بشرته، وكذلك الرمان والأترج والسفرجل والتين وجميع الفواكه؛ لا يوجد لها نظير. وفيها من أجناس الحوت البحرى ما لا يحصى كثرة. وكان اسمها فى القديم ترشيش، وإنما سميت تونس فى أيام الإسلام. وذلك أن المسلمين إذ فتحوا إفريقية على الروم كانوا يضربون على بلادها، وكان بقرب ترشيش هذه صومعة راهب، فكانت سرايا المسلمين تنزل «ر» بإزاء تلك الصومعة، وتأنس «س» بصوت الراهب، فيقولون «ص» هذه الصومعة تؤنس فلزمها هذا الاسم، فسميت تونس. مدينة قرطاجنّة «١» : بينها توبين ونس ١٠ أميال ومرساهما واحد. وهى من المدن المشهورة، فيها من الآثار وعجائب البنيان ما ليس فى بلد شرقا ولا غربا، وقيل لو دخلها إنسان ومشى فيها عمره يتأمل آثارها لرأى فيها كل يوم أعجوبة لم يرها قبل ذلك. ويقال إن ملكها «ط» كان ملكا عظيما جبارا، وكان ملك أكثر الأرض وكان يسمى أنبيل «ع» ، فدخل بلاد الروم، وقتل ملوكها، وأخذ بلادهم، وبعث لقرطاجنة من خواتم الملوك الذين قتل ٣ أمداد. ويقال إنه نازل مدينة رومة الكبرى التى هى دار مملكة الروم،

стр. 134

فلما حاصرها وضيق على ملكها، وأفسد أقطارها، أرسل ملك رومة قائدا من قواده، فحشر من كان ببلاده من الروم والجيوش، وأمرهم بالوصول إلى بلاد إفريقية؛ ونزلوا على قرطاجنة ولم يكن فيها من يعاونهم، فأرسلوا إلى ملكهم أنبيل يعلمونه بما حل ببلادهم من البلاء من أهل رومة، ويسألونه الإسراع لأغاثتهم. قال فعجب من ذلك ملك قرطاجنة، وقال: أردت قطع رسم الرومانيين من الدنيا، وأظن إله «ا» السماء أراد غير ذلك. ثم رجع إلى بلاده مسرعا، فزحف إليه شبيون قائد صاحب رومة، فهزمه مرارا عديدة حتى قتله واستأصل عسكره، ودخل فى قرطاجنة فهدمها وأحرقها؛ وخرب المسلمون بقيتها وذلك مشهور. وليس يسكن منها الآن إلا قصر واحد، يسمى بالمعلّقة «ب» «١» ، وبناؤه من أغرب ما يكون من البناء، مفرط العظم والعلو، أقباء معقودة بعضها فوق بعض طبقات كثيرة «ج» ؛ وهو مطل على البحر، وهو حصن عظيم. وبقرطاجنة دار الملعب ويسميه أهل تلك البلاد بالطياطير، هو كله أقباء معقودة على سوارى رخام، وعليها مثلها نحو أربع مرات، وقد أحاطت بالدار. والدار دائرة من أغرب ما يكون من البناء، ولها أبواب كثيرة وقد صور على كل منها صورة نوع من الحيوان؛ وقد صور فى الحيطان صور جميع الصناع بأيديهم آلاتهم. وفى هذه الدار من الرخام ما لو أجمع أهل إفريقية على نقله ما قدروا عليه لكثرته. وكان فيها قصران يعرفان بالأختين «٢» ، ليس فيهما حجر سوى الرخام، ورخام «د» الواحد لا يشبه رخام الثانى؛ ويوجد فيها لوح رخام طوله ٣٠ شبرا وعرضه ١٥ شبرا؛ ويقال إنه وجد فى غربيها بيت من لوح واحد «ر» . والناس ينقلون من رخام هذين القصرين، لحسنه على قديم الزمان، وما فرغ إلى الآن. وبهذين القصرين ماء مجلوب من ناحية الجوف لا يعرف منبعه؛ وكانت عليه نواعير وسواقى تسقى

стр. 135

بساتينهم. وكان بها قصر عظيم مطل على البحر يسمى قومس «١» ، وهو من أعجب ما فيها، لأنه مبنى على سوارى رخام مفرطة الكبر والعظم- يجلس على رأس السارية ١٢ رجلا بينهم سفرة طعام أو شراب- وهى مشطبة، كالثلج بياضا، يكون دور السارية منها نحو ال ٣٠ شبرا فى علو مفرط، وعليها سوارى أخر معترضة. وقد بنى القصر على أقباء معقودة بعضها فوق بعض بأغرب صناعة وأحكم بناء، فكان هذا القصر حصنا وإنما هدم من عهد قريب؛ وذلك أنه تحصن فيه قوم من القطاع، فكانوا يقطعون بتلك الجهات، ويلجأون إليه، فخرج إليهم أهل تونس وقتلوهم وهدموا القصر. وبقربه موضع فيه أقباء ودهاليز تحت الأرض يهاب الدخول فيها؛ وفيها جثث الموتى على حالها، فإذا مست تلاشت لقدمها «ا» . وداخل ميناء المدينة تدخله المراكب «ب» بقلوعها. وفيها مواجل كثيرة للماء، وبعضها تسمى مواجل الشياطين، بسبب [أن] من يقرب منها يسمع فيها دويا. والناس يتقايسون «ج» فى الدخول فيها، فمن جسر على الدخول فيها، علم أنه جرئ «د» قوى القلب. وقد دخلتها بالنهار مع أصحاب لى «ر» ، فرأيت منظرا هائلا، من تكلم فيها بأدنى كلمة يسمع لها دوى عظيم؛ وأغرب ما رأيت فيها الماء باق إلى الآن. وليس يدخلها ماء المطر وذلك لاحكام سطوحها؛ وهى ١٨ صهريجا منفوذة بعضها إلى بعض، فى ارتفاعها نحو ال ٢٠٠ ذراع، فى عرض كبير. وفيها من الماء نحو ال ٦ قيام، ولا يعلم من أين يدخل «س» ذلك الماء. وكذلك ذكر أبو عبيد [الله] البكرى، فى كتاب المسالك والممالك، أن أغرب ما فى قرطاجنة الماء الذي فى المواجل المعروف بمواجل الشيطان، الذي لا يعلم له عهد «ص» . ومن عجائب الدنيا بنيان القناة التى كان يأتى فيها الماء المجلوب من عين جفان إلى مدينة قرطاجنة على مسيرة ٥ أيام؛ وهى قناة عظيمة كان يأتى عليها ماء كثير ب ٥ أرحاء أو أكثر. وعرض القناة نحو ٨ أشبار، وارتفاع مائها

стр. 136

نحو القامة ونصف، تغيب مرة تحت الأرض فى المواضع المرتفعة، فإذا جازت على المواقع المنخفضة، تكون على قناطر فوقها قناطر «ا» حتى تساوى السحاب علوا، وهى «١» من أغرب بنيان الأرض. وفى وسط المدينة صهريج كبير حوله، فى وقتنا هذا، نحو ١٧٠٠ حنية «ب» سوى ما تهدم منها؛ وكان يقع فيه الماء المجلوب فى هذه القناة؛ ويخرج من هذا الصهريج إلى بعض تلك المواجل. ورأيت فى بعض أرجل تلك القناطر كتابة فى حجر، قيل إنها ترجمت فوجدت: «هذا من عمل أهل سمرقند» ؛ فانظر إلى سعة مملكة هذا الملك «ج» الذي جلب هذا الماء، وقيل إن ذلك الماء جلب فى ٤٠ سنة «ج» ، ولو قيل فى ٤٠٠ سنة لكان أعجب. قال أبو جعفر أحمد بن ابراهيم المتطبب «٢» ، فى كتاب مغازى إفريقية، إن موسى ابن نصير لما فتح جزيرة الأندلس، قال لهم: «دلونى على أسن شيخ عندكم» . قال، فأتى بشيخ قد رفعت حاجباه عن عينيه بعصابة من الكبر، قال له موسى: «من أين أنت يا شيخ» ، قال: «من إفريقية من مدينة قرطاجنة» . فقال له موسى: «فما الذي سيرك هنا وكيف كان خبر قرطاجنة» ، قال له الشيخ: «بناها قوم من بقية العاديين، فسكنوها ما شاء الله، ثم خربت ألف سنة، فبناها أرمين الملك ابن الأزد بن نمرود الجبار، وجلب إليها الماء بالقناطر على الأودية، وشق «د» لها الجبال حتى أوصلها إلى مدينة قرطاجنة، فسكنها قومى ما شاء الله أن يسكنوها، إلى أن حفر إنسان أساس تلك القناطر، فوجد حجر عليه كتابة هى: «ان هذه المدينة ستخرب إذا ظهر فيها الملح» . قال الشيخ فبينما نحن فى ندى «ر» قومنا جلوسا، إذا ملح على حجر قد عقد عليه؛ قال: «فتأملنا فإذا ذلك فى جميع المدينة، فعند ذلك رحلت إلى هنا» . وروى الثقات عن عبد الرحمن بن زياد ابن أنعم «٣» قال: «كنت أمشى مع عمى بقرطاجنة نتأمل آثارها، ونعتبر

стр. 137

عجائبها، فإذا بقبر عليه مكتوب بالحميرية: أنا عبد الله رسول الله صالح، بعثنى الله إلى أهل تلك القرية أدعوهم إلى الله، فقتلونى ظلما، فحسبهم الله وهو نعم الوكيل. فهذا لا شك خراب قرطاجنة. مدينة بنزرت «١» : هى مدينة على البحر، بينها وبين تونس نحو يومين، وفيها آثار للأول وسور صخر قديم، ولها نهر كبير يصب فى البحر، وفيه حوت كثير. وبالقرب منها بحيرة كبيرة تنسب إلى بنزرت، يدخل إليها ماء البحر، وهى ملحة وفيها من أنواع الحوت ما لا يحصى، يصطاد فيها فى كل شهر من الشهور الأعجمية نوع من الحوت لا يوجد ذلك النوع إلى ذلك الشهر بعينه فى العام القابل؛ ولها غلة عظيمة فإن منها يحمل الحوت إلى جميع بلاد إفريقية. وأكثر حوت تونس إنما هو من بنزرت؛ وأجناس هذا الحوت وأنواعه تتصبر، فتبقى أعواما صحيحة الجرم لذيذة الطعم. وأكثر ما يتمكن من «ا» صيد الحوت ما بين البحر وهذه البحيرة، وذلك أن الحوت يتوالد فى البحر ويخرج منه صغيرا كالذر «ب» فيتربى فى هذه البحيرة، ثم يرجع فى وقت سفاده وولادته إلى البحر، فيصطاد «ج» فى البحر الذي بينهما؛ ومنه ما يصطاد «ج» بالنقّازة كما يصطاد الحمام. وهذه النقّازة، هى أنثى الحوت المعروف بالبورى. فيأتى التاجر إلى الصياد، فيتفق معه على عدد معلوم، فيخرج النقازة ويرسلها وقد ربط خيطا فى خرص «د» وثيق فى شفتها؛ فتسير فى البحر ويتبعها بزورقه وشبكته، فتدور عليها الذكور فيطرح عليهم شبكته ويخرج ما قدر له «ر» ؛ ويعيد أبدا حتى يستوفى أربه. وعلى مقربة من هذه البحيرة إلى جهة البر بحيرتان: إحداهما حلوة والأخرى ملحة من غير أن يدخلها ماء البحر، تنصب كل واحدة منها بالأخرى ستة أشهر على التوالى لا يتغير لواحدة منها طعم، فلا الحلوة تصير ملحة ولا الملحة تصير حلوة.

стр. 138

مدينة طبرقة «ا» «١» : هى مدينة قديمة فيها آثار كثيرة للأول، وهى على نهر كبير. بقرب البحر، تدخل السفن حتى إلى باب المدينة. وبالقرب منها مرسى الحزر «٢» ، وهى مدينة قديمة قد أحاط بها البحر من كل جهة إلا مسلك لطيف، وربما قطعه البحر فى زمن الشتاء، وعليها سور قديم، وبها كانت تنشأ المراكب لغزو بلاد الروم. وفيها يخرج المرجان، ومنها يحمل إلى بلاد الدنيا. وهناك قوم لهم مراكب وزوارق ليس لهم حرفة إلا إخراج المرجان من قعر البحر؛ وهو نبات مشجر له أغصان. وصورة إخراجه من البحر [أن] لهم خشبا قد صلب بعضها على بعض، ويلقون عليها جرات «ب» الكتان أو القنب «ج» ، يثقلونها بمراسم، ويلقونها فى البحر ويمشون بالزوارق، فينجر «د» ذلك الكتان على قعر البحر فينكسر المرجان ويتعلق بالكتان، فيتفقدونه ويأخذون ما تعلق منه. ويقال إن المرجان إذا كان فى قعر البحر إنما هو رطب لين فإذا مسه الهواء اشتد. ويخرج منه فى ذلك البحر كل سنة من القناطير؛ وهو أنفس مرجان الدنيا، وهو أنفق شىء بالهند والصين. ويكون فى بحر الزقاق بساحل قرية بليونش «ر» «٣» من قرى سبتة؛ وهو مثل هذا فى الطيب أو أجل، ويكون فى بحر الأندلس، ويكون فى بعض جزائر البحر الأخضر، وهذا أنفذها. وبالقرب من مدينة طبرقة، بينها وبين مدينة باجة، بحيرة عظيمة فى دورها نحو أربعين ميلا تصب فى البحر، ويصب البحر فيها، وماؤها لاملح ولاحلو وفيها أنواع كثيرة من الحوت. وبها بورى ليس له فى الدنيا نظير، يقال إنه يوجد فى الحوت الكبير منها ١٠ أرطال وأزيد؛ وأهل تلك النواحى يستخرجون دهنه ويستعملونه فى مصابيحهم «س» «٤» .

стр. 139

مدينة بونة «١» : مدينة قديمة من بناء الأول وفيها آثار كثيرة؛ وهى على ربوة مشرفة على فحوصها وقراها «ا» ؛ وهى من أنزه البلاد وأكثرها لبنا ولحما وعسلا وحوتا. والبحر يضرب فى سورها، وفيها بئر على ضفة البحر منقورة فى حجر صلد، ماؤها أعذب ماء وأنفقه؛ ومنها يشرب أكثر أهلها لعذوبة مائها. وبغرب هذه المدينة ماء سائح يسقى بساتينها وأرضها؛ وموضع جناتها منتزه حسن مشرف على البحر. ويطل «ب» على مدينة بونة جبل زغوغ وهو كثير الثلج والبرد، ومن العجائب أن فيه مسجدا قديما لا ينزل عليه شىء من ذلك الثلج؛ فإذا عم الثلج الجبل كله رأيت المسجد فى وسطه كأنه شامة. وبغربى مدينة بونة بركة فى دورها نحو ١٠ أميال، وفيها سمك كثير جليل. وفيها طائر يعرف بالكيكل ويسمى بالحوّاص «٢» ، وهو يعشش على وجه الماء ويفرخ، فإن أحس بحيوان أو إنسان يروم أخذه، رفع عشه بفراخه برجليه حتى يصيره فى وسط البركة حيث يأمن. وهو طائر حسن وهو الذي يسمى بمصر بالخواص، ويتخذ بمصر من جلوده ثياب للينها وجمالها؛ وتباع بالأثمان الغالية. ومرسى مدينة بونة يسمى مرسى الأزقاق، وهو من المراسى المشهورة «ج» . وبونة فى جون «د» من البحر يسمى جون الأزقاق، وهو صعب، وفيه عطب مركب القيطانى ومركب الفخرى ومراكب كثيرة. مدينة القلّ «٣» : مدينة قديمة فيها آثار كثيرة للأول من الروم؛ وهى على ضفة البحر، وهى مرسى مدينة القسطنطنية. وهى كثيرة الفواكه والخيرات والعنب فيها كثير، وفيها تفاح جليل؛ ولها نظر وجباية عظيمة «ر» وهى برية بحرية.

стр. 140

مدينة جيجل «١» : مدينة قديمة على البحر وكان لها سور قديم يضرب البحر فيه؛ وهى على نظر كبير. وهى كثيرة العنب والتفاح والفواكه، ومنها تحمل الفواكه والعنب والرّب إلى مدينة بجاية. وعلى هذه المدينة جبل كتامة، ويسمى جبل زلدوى «ا» «٢» ، وهو كثير الخصب فيه قبائل كثيرة من البربر؛ وفيه كانت دعوة [أبى] عبد الله الداعى. وبين جيجل وبجاية، على ساحل البحر؛ موضع يسمى بالمنصورية «٣» عليه جبل عظيم، مما يلى البر منه حافة مثل الحائط، فيها ثقب فى غلظ حجر الربع الموزون به، ينبعث منه ماء فى كل وقت من الأوقات المعهودة بالصلوات الخمس «ب» ، يسمع قبل انبعاثه دوى كدوى الرحى الفارغة، ينبعث الماء هكذا ليلا ونهارا فى أوقات الصلاة خاصة. أخبر بذلك من شاهده وسهر الليل كله. مدينة بجاية «٤» : هى مدينة عظيمة على ضفة البحر، والبحر يضرب فى سورها. وهى محدثة من بناء ملوك صنهاجة، أصحاب قلعة أبى طويل، وتعرف بقلعة حماد اليوم. وكان سبب بنائها، أن العرب لما دخلوا إفريقية وأفسدوا القيروان وأكثر مدن إفريقية، هرب منهم صاحب القيروان الصنهاجى، وتحصن بمدينة المهدية. وكان ابن عمه صاحب القلعة، المنصور بن حماد، أشد

стр. 141

شوكة من صاحب القيروان وأكثر جيشا، فخرج لنصرة ابن عمه وجيش جيشا كبيرا. فلقيته العرب بجملتها بفحص «ا» سبيبة، على مقربة من القيروان، فكان بينهم يوم عظيم حتى هزم المنصور وقتل أخوه وأكثر صنهاجة. وذلك أن أخاه كان أسن منه فنهاه عن مقابلة العرب، وقال له: «أقم أنت ببلادك وابعث إليهم وصانعهم يأتوك خاضعين وفى جبائك طامعين، فهذا من خلق العرب قديما فلا تلقاهم» «ب» . فلما كان ذلك اليوم، وهزم، قال له أخوه. «ألم أنهك أن تلقاهم بنفسك، ولكن اعطنى تاجك والراية أقم على الجيش، وانج بنفسك، فإن كانت السلامة فمن الله، وإلا بقيت أنت للناس، فليس منك الخلف» . وهذا من أغرب ما يصنع الأخ مع أخيه والولى مع وليه. فأعطاه عمامته ورايته وكانت مشهورة، فسار بالجيش حتى لحق وقتل. وكانت لملوك صنهاجة عمائم شرب «ج» مذهبة يغلون فى أثمانها، تساوى العمامة ال ٥٠٠ دينار وال ٦٠٠ دينار وأزيد. وكانوا يعممونها بأتقن صنعة فتأتى تيجانا «د» وكان «ر» ببلادهم صناع لذلك، يأخذ «س» الصانع على تعميم عمامة منها دينارين وأزيد. وكانت لهم قوالب من عود فى حوانيتهم، يسمونها الرءوس، يعممون عليها تلك العمائم. فلما نجا المنصور إلى القلعة، نزلت عليه جيوش العرب وضيقوا [عليه] ببلاده، فكان يصانعهم حتى ضاق ذرعا بهم، وكان لا يقدر على التصرف فى بلاده؛ فطلب موضعا يبنى فيه مدينة ولا يلحقه فيها العرب «ص» فدل على موضع بجاية وكان مرسى. ويقال إنه كانت فيه آثار قديمة وإنها كانت مدينة فيما سلف، فبناها المنصور، وسماها المنصورية، وانتقل ملكهم من القلعة إلى بجاية، واتخذها دار مملكتهم؛ وبينها وبين قلعة حماد مسيرة أربعة أيام. وهى مدينة عظيمة، ما بين جبال شامخة قد أحاطت بها، والبحر منها فى ٣ جهات: فى الشرق والغرب والجنوب. ولها طريق إلى جهة المغرب يسمى بالمضيق على ضفة النهر المسمى بالوادى الكبير، وطريق القبلة إلى قلعة حماد على عقاب وأوعار، وكذلك طريقها إلى الشرق. وليس لها طريق

стр. 142

سهلة إلا من جهة الغرب، فلم يكن للعرب إليها سبيل، ولا كان يدخل من العرب إلا من يبعث إليه «ا» الملك لمصانعه على بلاد القلعة وغيرها؛ فيدخلها أفراد وفرسان «ب» دون عسكر. فبقى صاحب بجاية فى ملك شامخ وعزباذخ «ج» يضاهى فى ملكه صاحب مصر، فإن بجاية على نظر كبير وفائد عظيم. وبجاية معلقة من جبل وقد دخل فى البحر يسمى مسيون «د» ، وعليها سور عظيم، والبحر يضرب فيه. ولها داران لصناعة المراكب، وإنشاء السفن، ومنها تغزا بلاد الروم فإنها ليس بينها وبين صقلية غير ٣ مجار «ر» . وهى مرسى عظيمة تحط فيه سفن الروم من الشام وغيرها من أقصى بلاد الروم، وسفن المسلمين من الإسكندرية بطرف بلاد مصر وبلاد اليمن، والهند، والصين، وغيرها. ومدينة بجاية كثيرة الفواكه والأثمار، وجميع الحيرات. وهى مشرفة، نزيهة، ومطلة على البحر وعلى فحص قد أحاطت به جبال دوره نحو ١٠ أميال، تسقيه أنهار وعيون، وفيه «س» أكثر بساتينهم. ولها نهر كبير يقرب منها بنحو الميلين أو دونهما، وعليه كثير من جناتهم، وقد صنعت عليه نواعير تسقى من أنهر، وله منتزه عظيم. وفى بجاية موضع يعرف باللؤلؤة، وهو أنف من الجبل قد خرج فى البحر، متصل بالمدينة، فيه قصور من بناء ملوك صنهاجة لم ير الراءون أحسن منها بناء، ولا أنزه موضعا؛ فيها طاقات مشرفة على البحر عليها شبابيك الحديد والأبواب المخرمة المحنية، والمجالس المقرّصة المبنية حيطانها بالرخام الأبيض من أعلاها إلى أسفلها؛ قد نقشت أحسن نقش وأنزلت بالذهب واللازورد، وقد كتبت فيها الكتابات المحسنة، وصورت فيها الصور الحسنة، فجاءت من أحسن القصور وأتمها «ص» منتزها وجمالا. وهذا الجبل مسيون «ط» ، الذي فيه بجاية، جبل عظيم عال قد ذهب فى الجو، وقد خرج فى البحر، وفيه مياه سائحة، وعيون كثيرة وبساتين، وهو كثير القردة؛ ويكون فيه الحيوان المشوك المسمى بالذرب «ع» .

стр. 143

قال الناظر: لما كانت هذه المدينة على ما وصفت، وكان فيها بقية صنهاجة الموتورين «ا» ، جعلوا يداخلون أمثالهم ممن وترت دنياه وأخراه، كأهل ميورقة المنقطعين فيها من أبناء جنسهم، فدهم بجاية منهم على بن اسحاق بن حمو بن غانية المسوفى «ب» سنة ٥٨٠ [- ١١٨٤] أول ولاية الخليفة أمير المؤمنين أبى يوسف، أيد الله أمره وأعز نصره. وعاث فيها وفى ذواتها «ج» ودرج منها إلى قسطنطينية فطردته منها عساكر الموحدين، فتوغل فى بلاد الجريد، وعاث فيها، وسفك الدماء، وأخذ الأموال، وأباح الحريم، وفعل ما هو لائق بجدته «د» ووخامة مولده «ر» . فسارع لغزوه أمير المؤمنين، واستأصل شأفته «س» ، ومات- لعنة الله عليه- برشقة سهم على توزر، عقب سنة ٥٨٤ [- ١١٨٩] «١» . مدينة مرسى الدجاج «٢» : مدينة أزلية على شاطئ البحر، والبحر يضرب فى سورها. وهى قديمة البناء وفيها آثار عجيبة للأول، ولها بساتين وجنات، وبها الطير المسمى بالسمانى كثير من البحر، ويقابلها «ص» جزيرة ميورقة.

стр. 144

مدينة جزائر بنى مزغنّاى «ا» «١» : مدينة أزلية على ضفة البحر، والبحر يضرب فى سورها. وهى قديمة البناء أزلية فيها آثار عجيبة تدل على أنها كانت دار مملكة لسابق الأمم؛ وفيها دار ملعب قد فرش صحنه بحجارة ملونة «ب» مثل الفسيفساء، فيها صور الخيل والحيوان بأحكم صناعة، وأبدع عمل. ويتصل بجزائر بنى مزغناى فحص كبير يسمى فحص متيجة، وهو فحص عظيم كثير الخصب والقرى والعمائر تشقه الأنهار؛ وهو مرحلتين فى مثلها قد أحدقت به جبال مثل الإكليل. وفى آخر هذا الفحص جبل عليه الطريق، وهو وعر المجاز، يسمى حلق واجر «ج» ، ويسميه أهل البلاد باب الغرب؛ وليس يدخل إلى بلاد الغرب إلا منه. وكانت بمدينة بنى مزغنّاى كنيسة عظيمة فيها عجائب من البنيان، بقى اليوم منه جدار هو قبلة الشريعة للعيدين «د» ، وهو كثير النقوش والصور. ومرساها مأمون، وفيه عين عذبة يقصد إليها أصحاب السفن؛ ويقابل هذا المرسى من الأندلس مرسى شكله. وتليها بجهة الغرب مدينة لغانية. مدينة لغانية «٢» : هى مدينة كبيرة قديمة فيها آثار كثيرة للأول؛ وهى غير مسكونة، ولها نهر يصب فى البحر. ويقابل هذا المرسى- فى بر الأندلس- مرسى مدينة دانية أو هو أوسع بوسطه فى هذا البحر. مدينة شرشال «٣» : مدينة كبيرة فيها آثار للأول، وهى غير مسكونة. وفيها بنيان عجيب «ر» يسمى محراب سليمان قد علا فى الهواء؛ ويقابله من الأندلس مرسى ألاقنت «س» .

стр. 145

مدينة تنّس «١» : بينها وبين البحر ميلان؛ وهى مدينة مسورة حصينة، وداخلها قصبة صعبة المرتقى ينفرد بسكناها عامل تنس لمنعتها. وبها مسجد جامع وأسواق حفيلة كثيرة؛ ولها نهر يسمى تامن يأتيها من جبال القبلة مم يستدير بها من جهة الشرق والجوف، ويصب فى البحر. وهى كثيرة الزرع، رخيصة الأسعار، منها يحمل الطعام إلى الأندلس وإلى بلاد إفريقية وإلى بلاد المغرب لكثرة الزرع عندهم. ولكنها وبيّة، من يدخلها لا يسلم من المرض، وكثيرا ما يموت بها الغرباء. ولذلك قال بعض الشعراء فيها: أيها السائل عن أرض تنس «ا» ... بلد اللؤم لعمرى والدنس بلد لا ينزل القطر بها ... للندى فى أهلها حرف درس فصحاء النطق فى لا أبدا ... وهم فى نعم بكم خرس ماؤها من قبح ما خصت به ... نجس يجرى على أرض نجس فمتى تلعن بلادا مرة ... فاجعل اللعنة اذا بالتنس وأعلمنى الثقة أن بها فيران ضخمة. مدينة قصر الفلوس «٢» : هى مدينة كبيرة، مرسى للمراكب، فيها آثار كثيرة للأول تنبىء أنها كانت دار مملكة؛ وهى اليوم خراب. وفيها ماء مجلوب على قناطر «ب» بأغرب ما يكون من البناء القديم. مدينة وهران «٣» : هى مدينة على ضفة البحر بناها جماعة من الأندلسيين البحريين بسبب المرسى، بالاتفاق «ج» مع قبائل البربر المجاورين لها؛ فسكنوها مع قبائل من البربر يقال لهم بنو مسكين نحو ٧ أعوام. ثم إنه
следующие страницы →