Полный текст (258 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
البربى الذي بها «١» فى صورة غلام أسود بيده عصا، فلا يقدر أحد أن يدخل «ا» البربى من بعد العصر إلى الصبح. وكذلك بربى مدينة سمنود «٢» فيه روحانى فى صورة رجل طويل، أدم اللون صغير اللحية أشيب. وأما بربى قفط، فجارية سوداء معها صبى صغير أسود تحمله «٣» . ولكل بربى من البرابى «ب» قربان وكلام يطيع به ذلك الروحانى، ويدل على علوم البربى «ب» وكنوزه. ويقال إن ذا النون الإخميمى «٤» إنما قدر على ما قدر عليه من علوم البربى حتى عمل الصنعة الكبيرة، وهى الكيمياء والجوهر، وحمل من مصر إلى بغداد فى ليلة واحدة، وغير ذلك مما كان عنده من الغرائب وخبره مشهور.
فيقال إنه خدم راهبا كان بإخميم يقال له ساس مدة صباه، فعلمه قراءة الخط الذي فى البربى، وعلمه القربان والبخور واسم الروحانى؛ وأوصاه أن يكتم ذلك.
فلما علم ذو النون ما علم من علم الكيمياء وغيرها، عمد إلى طين الحكمة، فطمس به صنعة الكيمياء حتى لا يبلغ إليها أحد غيره؛ وهذا الطين لا ينقطع أبدا.
وهذا القلم هو المسطر فى كتاب السياسة الأوسط وهو كتاب مشهور:
اب ت ث ج ح خ د ذ ر ز ط ظ ك ل م
стр. 72
ن ص ض ع غ ف ق س ش هـ ولا ى «١» .
وبها من الكيمياء. وفى بعض أخبار مصر أن قوما قصدوا الأهرام، فنزلوا فى تلك الآبار، وطلبوا أن يدخلوا فى تلك المضايق التى تخرج منها الرياح، واحتملوا معهم سرجا فى أوان رخام. فلما حصلوا فى تلك المضايق، خرجت عليهم ريح شديدة وأخرجتهم منها عنفا، وأطفأت أكبر سرجهم. فأخذوا أحدهم وكان أقواهم جأشا وأشدهم عزما وأصلبهم قلبا؛ فربطوا وسطه بالحبال، وقالوا ادخل فإن رأيت شيئا تكرهه جذبناك، فلما دخل المغرور وزاحم تلك الرياح، انطبق عليه ذلك الفتح، فجذبوه فانقطعت حبالهم، وبقى الرجل فى ذلك الشق وهم لا يعلمون له خبرا؛ فصعدوا هاربين حتى خرجوا من البئر، واغتموا لما أصاب صاحبهم. فجلسوا عند الثلمة مفكرين فى أمر صاحبهم، وفى أمرهم وما أقاموا عليه، فبينما هم كذلك إذ انفجرت من الأرض فرجة كالكوة، وأثارت لهم ذلك الرجل عريانا مشوه الخلق ميت الدم جامد العينين، وهو يتكلم بكلام عجيب لا يفهم، فلما فرغ من كلامه سقط ميتا. فازداد وجلهم وتضاعف حزنهم وجزعهم، وعلموا أنهم خالصون من أمر عظيم «٢» . قال فاحتملوا صاحبهم، واتصلت أنباؤهم بوالى مصر وهو ابن المدبر فى أيام المتوكل «٣» ، فسألهم عن أمرهم؛ وأخبروه بذلك فعجب. وأمر أن يكتب الكلام الذي قال ذلك الرجل الذي مات، حسب ما قاله، وأقام ابن المدبر يطلب من يفسره إلى أن وجد رجلا يعرف شيئا من ذلك اللسان، ففسره: «هذا جزاء من طلب ما ليس له وأراد الكشف على ما يخفى، فليعتبر من رآه» . قال فمنع حينئذ ابن المدبر أن يتعرض أحد للأهرام.
стр. 73
وفى خبر آخر أن جماعة دخلوا الأهرام فوجدوا فى بعض البيوت زلاقة إلى بئر، فنزلوا فيها فوجدوا سربا، فساروا فيه نصف يوم حتى انتهوا إلى حفير عميق وفى عدوته باب لطيف. وكانوا يتبينون منه شعاع الذهب والفضة والجواهر النفيسة. ومن رأس الحفير مما يليهم إلى ذلك الباب المحاذى لهم، الذي فيه الذهب والجوهر، عامود حديد قد ألبس محورا من حديد يدور عليه ولا يستمسك فى دورانه. فاحتالوا فى وقوفه وذهاب حركته فلم يقدروا على ذلك، فربطوا أحدهم فى حبل، وتعلق بالعامود ليصل إلى الجانب الآخر، فدار به المحور «ا» فتحير وسقط وانقطع الحبل الذي كان فيه، فخرجوا هاربين لا يلوون على شئ.
وفى خبر آخر أن قوما دخلوا بعض الأسراب التى فى الهرم، فانتهوا إلى صنم أخضر على صورة شيخ، وبين يديه أصنام صغار كأنه يعلمهم. ثم ساروا فوجدوا فوارة تحت قبة يقع فيها ماء من أعلى تلك القبة، فيكون له نشيش شديد كأنه يطفئ نارا، ثم يفيض هناك ولا يتبين. ثم داروا فوجدوا بيتا مسدودا لا يظهر له باب غير حجر صلد، وفيه دوى شديد لا يدرى ما هو؛ ووجدوا عنده شبه المطهرة الكبيرة فيها ماء ودنانير، منقوش فى الوجه الواحد صورة أسد وفى الوجه الثانى صورة طير، فأخذوا من تلك الدنانير شيئا، فلم يقدروا على حركة ولا كلام حتى تركوها فى موضعها.
وأما البرابى ففيها من الطلسمات والكتابة، وعمل الصناعات وتصوير جميع الآلات وتعليم جميع الصناعات، كل ذلك منقوش فى الحجر الصلد، وإن الناس يمشون إليها فيأخذون فوائد كثيرة «١» . قال الوصيفى «٢» :
رأيت فى بربى إخميم صورة عقرب فألصقت عليها شمعا فلم أتركها فى موضع إلا أن انحاشت العقارب إليها من كل موضع، وإن كانت فى تابوت اجتمعت
стр. 74
حول التابوت وتحته. فطلبها منى بعض إخوانى فرجعت إلى إخميم فوجدت تلك الصورة قد نقرت وأفسدت. وفى هذا البربى، عند الباب الذي يدخل منه إلى المصعد على يسار الداخل، صورة رأس إنسان عظيم اللحية كثير الشعر كأنه رأس روحى بغير جسد، فذكر أن الأولين كانوا يبخرون ذلك الرأس، ببخور لهم معروف عندهم، فكل من بخره وجد عنده دينارا؛ فكان فى ذلك معونة لأهل المسألة. قال الوصيفى: تصفحت الموضع الذي بقرب ذلك الرأس، فوجدت أثر البخور والطيب بينا فيه. وذكر أن على باب إخميم طلسم، وهو قطعة من الحجر فى صورة القلنسوة، معقبة الرأس كأنه منقار طائر، يقال إن تحته مال عظيم، وقد جهد جماعة من الولاة على إخميم فى قلعها أو كسرها فلم يقدروا على ذلك، وتنكسر المعاول كلها ولا يتثلم منها شئ.
وأخبرنى رجل بأنه رأى هنالك صورة استحسنها، وهى صورة إنسان على رأسه طائر وإلى جنبه كلب رابض وتحت رجليه كتابة، قال فأخذتها وصورتها فى قرطاس كما رأيتها فأقمت ثلاثة أيام فلم أهجع ولم آكل ولم أشته شيئا من الطعام ولم أدر ما السبب لذلك حتى فكرت فى الصورة التى عندى فنزعتها عنى فاشتهيت الطعام وأكلت ونمت»
. وحدث رجل من أهل إخميم أن رجلا من أهل المشرق نزل عندهم وكان بصيرا بهذه العلوم فتذاكروا معه أمر البربى فقال ذلك المشرقى لبعضهم إن وجدت فيه صورة إنسان عريان مؤتزر بمئزر وفى يده اليمنى فأس له رأسان وفيه ورقة معلقة فأنسخه لى وما حوله من الكتابة.
قال ففعلت ذلك وأتيت بها إليه وسألته عن خاصيتها، فأطعمنى «ا» فيها وقال ليس ينتفع عندها أو تفسد البربى. قال فمشيت إليها فخدشتها بمنقار حتى أفسدتها وطمستها ثم سألته عن علمها فخلط على ولم يعطنى فائدة. فلما كان بعد ذلك تحدثت به مع قوم أهل المشرق فتلهف أحدهم فسألته عن أمرها فقال إن تلك الصورة إذا جعلت فى موقع فيه كنز ارتفع من الموضع غبار فيعلم أن فيه خيرا وهى دلالة على الكنوز فغمنى أن كنت أفسدتها. وكذلك يتحدث أهل سمنود عن البربى الذي عندهم «٢» بعجائب كثيرة منها أن بعض من دخله كتب على كفه صورة من تلك الصور أعجبته، فأطبقت عينه الواحدة حتى أتاه من كتب على كفه الصورة المحاذية لها فانفتحت عينه.
стр. 75
قال الوصيفى: وأخبرنى من أثقه أنه رأى ببربى سمنود صورة شيطانين تحوط بهما سلسلة بكتابة، وهما يمسكان طرفى السلسلة وبينهما كتابة، قال: فصورت ذلك كما هو، وأمسكته عندى إلى أن جاءنى من عرفها، فقال لى: هذا حرز عظيم من جميع السباع، ومن كل من يروم الإذاية، ولو جعل على هذا الطلسم لحم، وجوع كلب أو سبع وقرب منه لم يقدر على «ا» أخذ شىء منه بوجه ولا بحال، قال فعجبت من قوله فامتحنت الطلسم فوجدته كما قال. ومن المتعارف عند أهل إخميم، أنه كان فى البربى الذي كان عندهم، صورة شيطان قائم على رجل واحدة وله يد واحدة قد رفعها إلى الهواء، وفى جبهته وحواليه كتابة، وله إحليل ظاهر ملتصق بالحائط. فقيل من احتال لذلك الإحليل حتى ينقب عليه، وينزعه من غير أن ينكسر، ويعلقه فى وسطه لم يزل منعظا إلى أن ينزعه، ويجامع ما أحب ولا ينكس ما دام عليه. وقيل إن ابن الغمر لما ولى إحميم أخبر بذلك، فطلب تلك الصورة فى البربى فلم يجد منها غير واحدة قرب سقف البربى، فاحتال عليها حتى أخذ الإحليل، فكان يستعمله فيخبر عنه بعجب؛ وقيل إنه كان فى البربى منه صور كثيرة فلم [تزل] تؤخذ حتى فقدت «١» .
قال الوصيفى: حدثنى من أثقه أنهم وجدوا فى بعض البرابى أشنانة زجاج أحمر مربعة الشكل موضوعة فى طاق وفيها ماء أصفر، فلم يدروا لم يصلح ذلك الماء فاهرقوه منها، وأخذ أحدهم تلك الأشنانة. قال فأقامت عنده مدة إلى أن رآها رجل غريب نزل عليه ضيفا، فاستظرفها فسأله عنها فأخبره بخبرها وبخير الماء الذي كان فيها؛ فتلهف ذلك الرجل على الماء، وقال أضعتم علما عظيما وخيرا كثيرا. وقال إنكم لو حميتم الفضة وغمستموها فى ذلك الماء لصارت ذهبا؛ قال فندمت على التفريط فى ذلك الماء. ثم قال لى أتريد أن أريك فى هذه الأشنانة عجبا؟ قلت نعم قال زنها، قال فوزنتها فوجدت بها ٤ أرطال سواء، فقال لى املأها ماء أو ما أحببت، قال ففعلت، قال لى زنها فوزنتها، فوجدت وزنها واحد وهى ممتلئة مثل وزنها وهى فارغة ٤ أرطال لا تزيد ولا تنقص شيئا «٢» ،
стр. 76
فعجبت من ذلك. وشاع خبرها حتى اتصل ببعض الولاة فوجه إلى فأخذها منى.
وكان فى هذه البرابى عجائب من الطلاسم فى قبور شتى قد درس أكثرها، وتهدم أكثر البرابى. وأما الأهرام فهى باقية على حالها ما اختل منها شئ؛ فيقال إن كل ما تهدم من هذه الهياكل وتغير، مثل بربى بوصير «١» وبربى سمنود وغير ذلك من الهياكل، أن المنجمين تركوا الاستقصاء فى أخذ الطالع وتصحيحه فى وقت وضع الأساس، وكذلك ما بقى منها فلقرب الطالع من الصحيح. ولا شك أن الذين بنوا هذه البرابى كانوا على بعد من الملوك، ولم يكونوا بحضرتهم ولا تحت نظرهم، فيستقصوا النظر كما اتفق فى بناء الأهرام، وكان بالقرب من صاحب مصر فكان يتفقدها. والبرابى أكثر إنما هى فى الكور. قيل ولكل بربى من هذه البرابى خاصة ومنفعة فى الموضع الذي يكون فيه وما والى جهته؛ وأهل تلك الديار لا يشكون أنه لما هدم بربى سمنود، وحملت حجارته إلى أشتوم دمياط «٢» ، أن اليوم الذي فرغ فيه من هدم الحائط الغربى، دخل حباسة الإسكندرية وخربها «٣» ، وكثرت الرمال فى أسباب البحر بها حتى انقطع النيل عنها فى شهور الصيف، وكان يمر عليها صيفا وشتاء؛ وقلت زكاة الزرع وكثر الفأر فيه والجراد والفساد الذي لم يعهد قبل ذلك. ومن العجائب المذكورة بأرض مصر فى قرية يقال لها بدرسانة «ا» ، كنيسة قديمة للروم فيها بيت يصعد إليه قى نيف وعشرين مرقى، وهناك سرير عليه صبى ميت، وتحت السرير صورة ثور عظيم من زجاج فى جوفه باطية زجاج فيها أنبوبة نحاس موضوع فيها فتيل كتان، ويصب عليه يسير زيت فما تلبث أن تمتلىء
стр. 77
الباطية من الزيت حتى يفيض إلى جوف الثور، فيأخذ قيم الكنيسة ذلك الزيت دائما، فيسرج منه قناديل الكنيسة كلها، ولا ينقطع نماؤه وزيادته على مرور الدهور والأيام. فإن أزيل الصبى الميت، طفيت النار ولم يفض الزيت، فإذا أعيد عاد الزيت إلى ما كان عليه. وقد سار إلى هذه الكنيسة جماعة من الناس رأوا ذلك وأفرغوا الباطية تم أسرجوها بيسير من الزيت، ففاضت وبدا منها ما ذكرنا.
ثم نرجع إلى ذكر الملك شوندين «١» .
قال فلما هلك الملك شوندين بعد أن ملك ١٣٥ سنة ودفن فى الهرم الغربى، ملك بعده ابنه قمناوش وكان جبارا فظلم وجار وسفك الدماء واغتصب النساء؛ واستخرج كثيرا من الكنوز، فبنى بها قصور الذهب والفضة ورصعها بالجواهر الغالية، وعمل بركا فصب فيها الجواهر وأرسل عليها الماء، وفعل من مثل هذه الأشياء ما لم يفعل غيره من الملوك؛ واستجهل من مضى من آبائه، واستعبد الناس واستخف بالهياكل. فلما هلك ملك بعده ابنه فترك الظلم وتحبب إلى الناس، وطلب العلم «ا» وأعاد الهياكل كل إلى ما كانت عليه فى أزمان أجداده، وجمع المنجمين والكهان، وعملت فى أيامه من العجائب والغرائب ما كانت تعمل فى أيام آبائه «٢» ؛ وملك مدة ولم يكن له ولد. وطلب النسل من ٣٠٠ امرأة، فلم يقدر عليه لأن أرحام النساء عقمت فى أيامه. وفى وقته شاع خبر نوح عم. قال فلما لم يكن له ولد ولا أخ، خاف على ذهاب ملكه فأشرك فى أمره فرعان، وكان من بنى عمه، وكان أحد الجبابرة ففتح البلاد وقهر الأمم؛ فوافقته امرأة من نساء الملك على أن يقتل الملك ويلى الملك ففعل، واحتوى على المملكة فتجبر وعلا وقهر. وأصل الفراعنة مشتقة منه ومن اسمه «٣» .
стр. 78
وكتب إليه ذو ميشيل بن عدبيل بن درشيل الأكبر يخبره بأمر نوح، فكتب إليه فرعان يشير عليه بقتل نوح فهلكا فى الطوفان.
ذكر أول من نزل مصر بعد الطوفان
يقال إن أول من نزل مصر بعد الطوفان مصر بن ينصر بن حام بن نوح عم، بدعوة سبقت له من جده نوح عم. روى عن ابن عباس أنه قال دعا نوح عم لمصر بن ينصر بن حام، وهو أبو القبط، فقال: «اللهم بارك فيه وفى ذريته وأسكنه الأرض المباركة، التى هى أم البلاد وغوث العباد، التى نهرها أفضل أنهار الدنيا؛ واجعل فيها أفضل البركات وسخر له ولولده الأرض وذللها لهم وقوهم عليها» . قيل وكان السبب فى نزول مصر أرض مصر، وبه سميت، أن فليمون الكاهن صدق نوحا عم وآمن بالله تعالى، وسأل نوحا أن يحمله بأهله وولده معه فى السفينة فحمله. قال فلما انجلى الطوفان، قال فليمون لنوح عم يا نبى الله اجعل لى رفعة وقدرا أذكر به بعدى؛ فزوج نوح [مصر بن] ينصر بن حام من بنت فليمون «ا» فولدت له ولدا فسماه فليمون «ا» على اسم جده لأمه. فلما أراد نوح قسمة الأرض بين بنيه قال له فليمون: يا نبى الله إن بلدى خير البلاد وأولى الناس به ابنى مصر، فابعثه معى إليه أظهره على كنوزه وأوقفه على علومه ورموزه. قال فأنفذه معه فى جماعة من أهل بلده، قيل إن عددهم كان ٣٠ رجلا فقطعوا الصخور وبنوا المصانع والمعالم، وبنوا مدينة سماها ماقة، ومعنى ماقة ٣٠ بلغتهم «١» وهى مدينة منف. وأطلع فليمون صهره مصر بن ينصر على
стр. 79
كنوز مصر وعلومها، وعلمه خط البرابى، وأخرج له المعادن من الذهب والفضة والزبرجد والفيروز وغير ذلك من الجواهر، وأطلعه على عمل الصنعة فى الجبل الشرقى فسمى به المقطم.
وتزوج الملك امرأة من بنات الكهنة، فولدت له أربعة من الولد منهم قطيم وإليه عهد بعد موته. فلما حضرته الوفاة أمر أن يحفر له سرب بين جبلين طوله ١٥٠ ذراعا، ويفرش بالمرمر، ويجعل فى وسطه مجلس مصفح بالذهب له ٤ أبواب، على كل باب تمثال من الذهب عليه تاج مرصع بنفيس من الجوهر، جالس على كرسى من الذهب قوائمه من الزبرجد. ونقشوا فى صدر كل تمثال آيات عظاما وأسماء من أسماء الله تعالى مانعة من أخذه، وجعلوا جسده فى تابوت من زبرجد مصفح بالذهب، وجعلوا معه فى ذلك المجلس ألف قطعة من الزبرجد المخروط، وألف تمثال من الجوهر النفيس، وألف إناء مملوءة من در الدر الفاخر. ووضعوا هنالك الصنعة الإلهية والعقاقير السرية، ومعها الطلسمات العجيبة، وأكوام من سبائك الذهب بعضها فوق بعض، ثم كتبوا على المجلس: «مات مصر بن ينصر بن حام بن نوح عم بعد ٧٠٠ سنة مضت من أيام الطوفان، ولم يعبد الأصنام إذ لا هرم ولا أسقام، ولا عوز ولا اهتمام، وحصن مجلسه بأسماء الله تعالى العظام، التى لا يصل إليها أحد من الأنام، وكان يدين للملك الديان، ويؤمن بالمبعوث بالقرآن، الداعى إلى الإيمان، الظاهر فى آخر الزمان» . ثم دهموا ذلك بالصخور العظام وجعلوا فوقها الرمال، وذلك بين جبلين متقابلين، وجعلوا فيها علامات «١» .
ثم ولى ابنه قطيم وهو أبو الأقباط؛ وكان «ا» جبارا عظيم الخلق وفى أيامه هلكت عاد «٢» بالريح، فكان ملكه ٤٠٠ سنة. وكان قد عمل
стр. 80
لنفسه قبل موته سربا تحت الأرض معقودا على آزاج فى الجبل الغربى.
وجعل فيه من الذخائر والغرائب والتماثيل، ومن الطلسمات والعجائب التى يطول وصفها، كما كان فى نواويس آبائه.
قال، فما زال هؤلاء الملوك من ذرية. مصر بن ينصر يتوارثون الملك خلف عن سلف، إلى أن كان منهم ملك يسمى عديم، وكان عاقلا عالما، وهو أول من صلب. وكان سبب ذلك أن امرأة ورجلا زنيا فى أيامه، فأمر بهما فصلبا على منارين بناهما لهما، وجعل ظهر كل واحد منهما إلى ظهر الآخر، وطلاهما بأطلية مانعة لفناء جثتيهما، وزبر على المنارين اسماهما وما فعلا، وتاريخ الوقت الذي عمل بهما ذلك فيه؛ فانتهى الناس فى أيامه عن الزنا. وناووس عديم هذا من أعاجيب الدنيا، وهو فى صحراء قفط «ا» على وجه الأرض، وهو قبة عظيمة من زجاج أخضر براق، معقودة على ثمانية آزاج، قدر قطرها «ب» ١٠٠ ذراع وارتفاعها فى الهواء ١٠٠ ذراع، يخضر بخضرتها ما حولها من الأرض وعلى رأس القبة طائر من الذهب منشور الجناحين موشح بجوهر نفيس، وهو طلسم تلك القبة؛ يمنع الوصول إليها وإلى ما فيها. وذكر أن قوما قصدوا ذلك الناووس فى صحراء قفط، ورأوا القبة وعاينوا ما فيها، وأقاموا عليها أياما لا يقدرون عليها؛ وكانوا منها على قدر ٨ أذرع، وكانوا إذا قصدوها «ج» دارت القبة على يمينهم وشمالهم. وذكروا أنهم عاينوا ما فيها من العجائب، وأنهم رأوا الملك وهو على سرير من ذهب، مشبك عليه ثياب منسوجة بالذهب منظمة بنفيس الجواهر، وهو مكشوف الوجه، فقدروا وجهه بذراع ونصف، وقدروا طول بدنه ب ١٠ أذرع، وله لحية كبيرة. وفى جانب القبة ١٧٠ مصحفا من مصاحف الحكمة، وفيها ٧ موائد على كل مائدة أوانيها: فمنها مائدة در رمانى وآنيتها منها، ومنها مائدة ذهب أحمر يختطف الأبصار وهو الذهب الذي يعمل منه تيجان الملوك وآنية المائدة منها، ومنها مائدة من حجر الشمس المضىء وآنيتها منها، ومائدة من الزبرجد الذي إذا نظرت إليه الأفاعى سالت عيونها، ومنها مائدة كبريت أحمر مدبر على ما ذكروه من تدبيره فى مصاحف حكمتهم وآنيتها منها، ومائدة ملح أبيض براق «د» يكاد نوره أن يخطف الأبصار
стр. 81
وآنيتها منها، ومنها مائدة زئبق معقود وحافاتها وقوائمها زئبق أصفر معقود وآنيتها من زئبق أحمر معقود. وقيل وجعل معه فى القبة جواهر عظيمة، وأوانى من الفضة المدبرة، وجعل حوله سبعة أسياف صاعقية وسبعة كاهنية، وفى القبة معه تماثيل أفراس من ذهب، وعليها سروج من ذهب، وعدة توابيت مملوءة بالدنانير التى ضربها وصور عليها صورته. وفى تلك القبة أشياء من العجائب والغرائب يطول وصفها «١» .
وقيل إنه ملك من ذرية هؤلاء الملوك ملك يسمى ساوس، وهو أول من عبد البقر. وقيل إن السبب فى ذلك أنه اعتل بعلة يئس فيها من نفسه، وأنه رأى فى منامه صورة روحانى عظيم الخلق يخاطبه ويقول له: لا يخرجك من علتك إلا عبادة البقر، لأن الطالع كان حلوله بك فى صورة ثور. فأمر ذلك الملك بأخذ ثور أبلق حسن الصورة، فبنى له مجلسا فى وسط قصره عليه قبة مذهبة، ووكل به سادنا، وكان يبخره له ويطيبه. وكان يعبده سرا من أهل مملكته، فبرأ من علته وعاد إلى أحسن حاله. وقال آخرون وكان السبب فى ذلك أن هذا الملك كان يتفقد بلاده ويطوف عليها؛ وهو أول من عملت له العجل، وعملت عليها قباب من خشب مذهبة وفرشت بالفرش.
وكانت البقر تجره فيطوف على جميع بلاده، فإذا مر بالمكان الخرب أمر بعمارته.
فقيل إنه نظر ذات يوم إلى ثور من تلك البقر التى كانت تجر تلك العجلة التى كان فيها الملك، وكان ثورا أبلقا حسن الهيئة، فأعجبه فأمر بإزالته من جر العجلة وسوقه بين يديه، وجعل عليه حللا من فاخر الديباج. فتفرد به يوما ينظر إليه، فبينما هو قائم بين يديه خاطبه الثور فقال له: لو رفعتنى أيها الملك كفيتك جميع أمورك، وأعنتك على ما تريد، وقويتك على ملك وأزلت عنك جميع عللك.
فارتاع الملك من كلامه، وأمر به حينئذ وغسل وطيب وبنى له هيكلا، وأمر بعبادته. وكان فى ذلك الثور آية أنه لا يروث ولا يبول ولا يأكل إلا أطراف ورق الشجر مرة واحدة فى الشهر. قال فافتتن الناس به، وصار ذلك أصلا لعبادة البقر بأرض مصر. وصار ذلك الثور يعبد مدة ثم إن ذلك الثور أمرهم أن يصنعوا صورة مثل صورته من ذهب مجوفة، ويؤخذ من رأسه شعرات ومن ذنبه ومن تحت قرونه ومن أظلافه ويجعل فى ذلك التمثال. وعرفهم أنه لاحق
стр. 82
بعالمه، وأمرهم أن يجعلوا جسده فى حرز من حجارة وينصب فى الهيكل، وينصب تمثاله عليه، ويكون ذلك وزحل فى شرفه، والشمس مسعودة تنظر إليه من تثليث، والقمر زائد، وتنقش على التمثال علامات الكواكب السبعة. فأمر الملك فعملت صورة الثور من ذهب، وكللت بأصناف الجوهر، وصنعوا سائر ما أمرهم به ذلك الثور، وفى الوقت الذي حدد لهم. وكان ذلك التمثال يخبرهم ما أمرهم به ذلك الثور، وفى الوقت الذي حدد لهم. وكان ذلك التمثال يخبرهم بالعجائب وما يحدث وقتا وقتا، ويجيبهم عن جميع ما يسألونه عنه، فعظم أمر ذلك التمثال، فنذرت له النذور وقربت له القرابين، وقصده الناس من الآفاق فكان يخبرهم بما يريدون. وبقيت عبادة البقرسنة فى دولة ذلك الملك يتوارثونها خلف عن سلف «١» ، إلى أن ملك منهم ملك يقال له ما ليق، وكان موحدا على دين من سبق من أجداده، قطيم ومصر، فكانت القبط تذمه لذلك؛ وكانت القبط تعبد الكواكب والبقر. وكان هذا الملك يستعمل الغزو والجولان على البلاد؛ وزعم بعض أهل مصر أن الله تعالى أيده بملك من الملائكة يوعظه ويرشده، وربما أتاه فى نومه فأخبره بالأشياء وأمره ونهاه. فجمع جيوشا عظيمة وأتخذ سفنا كثيرة فى البحر، وغزا جموع البربر برا وبحرا وهزمهم وأستأصل أكثرهم، وبلغ إفريقية وقتل أكثر أهلها وكانوا على الكفر. واتخذ فى بحر الروم ٤٠٠ سفينة، وكان لا يمر بأمة إلا أبادها إلى أن غزا بلاد الأندلس. ومشى إلى بلاد الافرنج وكان بها ملك عظيم، فحشد أمم نواحيه وأقام يحاربه شهرا ثم طلب السلامة والأمان، وأهدى إليه هدايا كثيرة. فسار عنه ودوخ الأمم المتصلة بالبحر الأخضر وأطاعه أكثرها، وعمل أعلاما على البحر الأخضر، وزبر عليها اسمه وتاريخ الوقت الذي عملها فيه. وخرب مدن البربر حيث كانت حتى الجأهم إلى ذرى الجبال، ثم رجع إلى مصر، فتلقاه أهل مصر بصنوف اللهو والطيب، وفرشت له الطرقات بأنواع الرياحين والأزاهير، ودخل قصره وهو غانم موفور؛ وذلك صنع الله لمن وحده ولم يشرك به شيئا. وأمر أن يبنى له ناووس فكان يتعبد فيه، فلما حضرته الوفاة أمر أن يدفن فيه، وألا يدفن معه ذهب ولا فضة ولا جوهر. فلم يدفن معه سوى الطيب، وصحيفة مكتوبة بخطه: هذا ناووس فلان
стр. 83
ابن فلان الملك، مات مؤمنا بالله لا يعبد معه غيره، بريئا من الأصنام وعبادتها، مؤمنا بالبعث والحساب والمجازاة على الأعمال، فمن أحب النجاة من عذاب الآخرة فليؤمن بما أومن به «١» .
وكان من ذرية هؤلاء الملوك، كلكن الملك الجبار، كان يعقد التاج على رأسه، وكانت دار مملكته منف، وهى كانت دار الملوك قبله. وكان يحب الحكمة؛ وإظهار الحكمة والعجائب، ويقرب العلماء والمنجمين وأهل الصنعة، فلم تعمل الكيمياء قط فى وقت من الأوقات كما عملت فى أيامه، حتى أستغنى أهل ذلك العصر عن معادن الذهب فلم يشتروها، ولم يكن الذهب أكثر منه فى أيامه، ولا الصنعة أقوى منها فى وقته. كان يطرح المثقال من مثاقيل الكيمياء على القناطير الكثيرة من الفضة فيصبغها. ويحكى القبط عنه أنه اخترع أشياء تخرج عن حد العقل حتى أنهم يسمونه حكيم الملوك؛ غلب جميع الكهنة فى علمهم حتى كان يخبرهم بما غاب عنهم فخافوه. وفى وقته كان نمرود ابراهيم الخليل عم «ا» ؛ وكان نمرود جبارا شديد البأس، وكان ملكه بالعراق، وكان قد أوتى قوة وبطشا فغلب على أكثر الأرض، فأراد أن يستوزر كلكن الملك. وبعث إليه فى ذلك فخافه كلكن وأجابه إلى ذلك، ووجه إليه أنه يريد أن يلقاه منفردا من أهله وحشمه، ليريه من حكمته وسحره؛ فسار النمرود إلى موضع يلقاه فيه كلكن. فأقبل كلكن تحمله أربع أفراس ذوات أجنحة، وقد أحاط به نور كنار، وهو فى صورة مهيبة؛ فدخل بها وهو متوشح تنينا عظيما، والتنين فاغرفاه، ومعه قضيب آس؛ فكلما رفع التنين رأسه ضربه بالقضيب الذي بيده، فلما رأى النمرود هاله ما رآه، واعترف له بجليل حكمته وسأله أن يكون له ظهيرا ففعل. وتزعم القبط أن كلكن الملك كان يجلس إلى الهرم الغربى، وهو أعظم الأهرام، فى قبة على رأس الهرم. وكان يجمع إليه رعيته وحشمه ويأمرهم وينهاهم من أعلى الهرم، ويقيم
стр. 84
بذلك الموضع أياما كثيرة لا يأكل ولا يشرب؛ ثم إنه غاب عنهم فلم يقفوا على موته ولا على شىء من أمره. وكان عهد إلى أخيه ماليا فلما غاب عنهم أقاموا ماليا أخاه مقامه، فكان همه فى الأكل والشراب والرياسة، غير ناظر فى شىء من الحكمة، وانما استقام له الأمر بهيبة أخيه كلكن، وتقديرهم أنه لم يمت وأنه سيرجع إليهم. وكان لماليا ولد كان أكبر ولده، وكان جبارا جريئا شديد البأس، وكان يستجهل أباه لخلوده إلى الراحة، فأعمل الحيلة فى قتله وحملته على ذلك أمه وبعض وزراء أبيه، فهجم على أبيه فى رواقه وهو سكران فقتله، وقتل معه امرأة له من بنات الملوك كانت قد غلبت على أمره، فقتلها وصلبها وجلس على سرير ملك أبيه. وكان مهيبا شديد البأس كثير القتل، فتزعم القبط أنه أول الفراعنة بمصر، وأنه فرعون ابراهيم عم «١» .
والفراعنة سبعة وهو كان أولهم. وقيل إنما سمى فرعون لأنه أكثر القتل حتى قتل قرابته وأهل بيته وخدمه ونساءه وكثيرا من الكهنة والحكماء. وكان حريصا على الولد فلم يرزق ولدا غير ابنة واحدة سماها حورية، وكانت عاقلة حكيمة، وكانت تسدد أباها كثيرا، وتمنعه من كثير من الشر والقتل. فلما رأت أمره يزداد فسادا خافت على زوال ملكه فسمته، فمات بعد أن ملك سبعين سنة.
فتنازعوا فى تمليكها عليهم ثم اجتمعوا عليها إلا أهل مدينة أبريت فانهم ملكوا عليهم رجلا منهم، وكان من ولد أبريت بن مصر الملك المتقدم الذكر، وبه سميت مدينة أبريت، يقال له أبراحش. فجرت بينهم حروب كانت الدائرة فيها على أبراحش، فهرب خوفا من حورية إلى الشام، وكان بها الكنعانيون من ولد عمليق؛ فاستغاث بملكهم فأخبره بأمره وقرب عليه مصر، وسول له تصييرها إليه.
فجهز ملك الشام مع أبراحش جيشا عظيما «ا» ، وقدم عليه رجلا من قواده، فلما قرب من مصر بعثت حورية «ا» طيرا لها إلى جيرون تقول له: إن فلانة سمعت بك وأحبتك، وهى تريد زواجك وأن تكون لها أهلا، وتعطيك بلاد مصر. فسر جيرون بما سمع منها ورغب فيما قالت له، ثم عقدت معه أن يقتل أبراحش. فقال
стр. 85
لها وكيف أصنع؟ فأخرجت له سما، فسم به أبراحش فمات فى الحين. فلما أراد أن يصل إليها بعثت إليه أنه لا يجوز أن أتزوجك حتى تظهر فى بلادى قوتك وحكمتك لكى أعذر فى زواجك، وأريد أن تبنى لى مدينة عجيبة أدخل معك فيها، فإنى أكره الدخول عليك فى بلادى وبين أهل بلدى. وأن مدينة فى بلاد مصر كانت لأوائلنا قد خربت، فانظر موضعها واظهر حكمتك فيها، وبعثت معه من يريه الإسكندرية.
قيل فجد جيرون فى بنائها، وبعثت إليه حورية من مصر مائة ألف صانع، فأقام فى بنائها مدة وأنفق جميع ما كان معه من المال، فلما فرغ من بناء المدينة، وجه إليها يعلمها بتمام المدينة ويحثها على القدوم عليه. فوجهت إليه فرشا كثيرة فاخرة وآلات عجيبة، وقالت له: «قسم جيشك أثلاثا وابعث الثلث الأول، حتى إذا بلغت نصف الطريق فابعث إلى الثلث الثانى، فإذا بلغت الثلثين من الطريق، فابعث إلى الثلث الثالث حتى يكون الجيش من ورائى ومن أمامى، لئلا يرانى أحد إذا دخلت عليك؛ ولا أحب أن أجد معك سوى صبية تخدمك. ثم أقامت تجهز له الجهاز والأموال حتى أيقن بإقبالها، فوجه إليها ثلث جيشه. فعملت لهم الأطعمة والأشربة المسمومة وخرجت إليهم فى خيولها وخدامها، فلما لقوها أنزلتهم وأمرت حشمها فأقبلوا عليهم بالأطعمة والأشربة والطيب، كل ذلك من مسموم، فلم تصبح منهم عين تطرف «ا» . ثم سارت فلقيها الثلث الثانى من الجيش، ففعلت بهم كذلك. ثم سارت فلقيها الثلث الثالث، ففعلت بهم مثل ذلك، وهى تبعث إليه وتقول: إنى بعثت الجيش إلى مصر يحفظها بعدى، إلى أن دخلت على جيرون هى وطير لها وجوار كن معها، فرشقت طيرها عليه، فارتعدت مفاصله وخارت قواه، ولم يملك نفسه شيئا فأيقن بالهلاك؛ وقال جيرون: «من ظن أنه يغلب النساء فقد كذبته نفسه» . فقيل إنها فصدته وأسالت دمه حتى مات، فقالت: «دماء الملوك شفاء النفوس» .
وأخذت رأسه فوجهت به إلى قصرها فنصبته عليه، وحملت بيوت أمواله إلى منف دار مملكتها، وبنت حينئذ منار الإسكندرية، وزبرت عليه اسمها واسمه، وما أراد وما فعلت به، وتاريخ الوقت الذي كان فيه ذلك. ويذكر فى بناء منار الإسكندرية غير ذلك مما سيأتى ذكره إن شاء الله تعالى. قيل فلما اتصل خبر حورية بالملوك وما فعلت بالجيش الذي دخل بلادها، هابوها وعظمت فى أعينهم، فمن كان
стр. 86
ينازعها ويروم أخذ بلادها كف عن ذلك فاشتد ملكها وعظم أمرها، وبنت حصونا على بلاد مصر من ناحية النوبة، وعملت طلاسم كثيرة وأعلاما وأشياء كثيرة يطول وصفها «١» .
قيل فلما ضعفت حورية عن الملك عهدت إلى بنت عم لها تسمى دليفة. فلما هلكت حورية ضعفت دليفة عن الملك، وخرج عليها أيموش يطلب ثأر خاله أبراحش، واستنصر بملك العماليق صاحب الشام فأجابه، وخرج فى نصرته لما كانت حورية فعلمت بقائده وبجيشه فيما تقدم. وقدم جيش أيموش، فخرجت إليه دليفة تحاربه فغلبها، فلما أيقنت بالغلبة سمت نفسها فهلكت فى الحين.
ثم إن ملك الشام العمليقى غلب على مملكة مصر، وكان اسمه الوليد بن دومع، وأصل العمالقة من العرب العاربة، وكان شديد البأس فأباد الأمم ودوخ البلاد حتى بلغ فيما يقال إلى جبل القمر الذي ينبعث من تحته النيل، وإنما سمى جبل القمر لأن القمر يطلع عليه أبدا لخروجه عن خط الاستواء، وبلغ هيكل الشمس وأرض الذهب، وهى أرض تنبت قضبان الذهب، واستعبد هذا الملك القبط وملكهم ١٢٠ سنة ثم هلك. ويقال إنه ركب ذات يوم فرسا وخرج متصيدا فركض به الفرس فقتله، ودفن فى بعض تلك الأهرام «٢» . ثم ملك بعده ابنه الريان بن الوليد، وهو فرعون يوسف عم، والقبط تسميه نقراوش، وكان عظيم الخلق جميل الوجه عاقلا محسنا إلى الناس. لما ولى بعد أبيه أسقط الخراج عن الناس ٣ سنين، وفتح خزائن الأموال وفرق على الضعفاء فأحبه الناس وشكروه.
وكان يميل إلى الراحات وغلبت عليه اللذات، وملك أمر الناس رجلا من أهل بيته يقال له قطفير، وهو الذي يسميه أهل الأثر العزيز. وقد ذكره الله تعالى فى القرآن العظيم فى قصة يوسف عم «٣» ، وكان رجلا عاقلا حصيف الرأى نزيه النفس مؤثرا العدل، وأمر أن ينصب له فى قصره سرير من الفضة يجلس
стр. 87
عليه والوزراء والكتاب بين يديه، وقام بجميع أمور الملك الريان وكفاه أحسن الكفاية؛ والملك مشتغل بلذاته عاكف عليها، قد صنعت له مجلس من الزجاج الملون ومن البلّور الشفاف والبلّور المصبوغ، وأرسل حواليها المياه ووضع فيها السمك، فكانت الشمس إذا وقعت على ذلك الموقع أرسلت شعاعا عجيبا يبهر العيون. وعملت له متنزهات على النيل وعلى غير النيل على عدد أيام السنة، وكان ينتقل «ا» كل يوم إلى متنزه منها، وكان فى كل متنزه من الفرش الغريبة والآنية العجيبة ما ليس فى غيره. وفى أيامه كان من أمر يوسف ﵇ ما قصه الله تعالى فى محكم تنزيله، وخبره مع امرأة العزيز وهى زليخة بنت صاحب عين الشمس، وعين الشمس مدينة عظيمة من مدن أهل مصر فيها عجائب.
وكانت زليخة بنت عم العزيز، واسم العزيز قطفير بلغة القبط، واسم الملك نقراوش بلغة القبط، وقد ذكر الله تعالى اسم العزيز فى كتابه العزيز «١» .
ذكر ما نقله القبط من خبر يوسف عم
قيل إن فى كتب تواريخ القبط أنه أدخل مصر غلام من أهل الشام كان قد باعه أخوته، وكانت قوافل الشام تعرس بناحية الموقف «٢» اليوم، فأوقف غلام فنودى عليه وهو يوسف عم فبلغ زنته ذهبا، فاشتراه قطفير وهو العزيز ليهديه للملك. فلما أتى به منزله ورأته زليخه امرأته، قالت له أتركه لنا نربيه ففعل؛ فكان من أمر افتتانها به ما قصه الله تعالى «٣» إلى أن رأى الملك الرؤيا؛ فأخرج يوسف من السجن، وأمر بغسله وكساه الثياب الرفيعة، وحمل إليه فلما دخل عليه ورآه امتلأ به سرورا وألقيت عليه منه المحبة والهيبة، وسأله عن الرؤيا ففسرها له كما ذكر الله تعالى؛ فقال له الملك ومن يقوم لى بذلك؛ فقال له يوسف أنا، فإنى حفيظ عليم. قيل فرأى الملك امتحان يوسف عم ومعرفته فأمر له بعمل الفيوم، وكان موضعا يفيض فيه ماء النيل، فأقام تلك الأرض وأتى بتلك الحكمة
стр. 88
المعجزة والآية البينة فى ٤ أشهر، وقيل فى ٩٠ يوما، وشق تلك الخلجان الثلاثة فلما فرغ يوسف عم من عمل الفيوم وأعلم بذلك الملك، خرج هو ووزراؤه وأهل دولته ينظرون إلى ما صنع يوسف عم، فلما نظر الملك إلى حكمة صنع ذلك الموضع فى مدة يسيرة، قال الملك لوزرائه: هذا عمل ألف يوم؛ فسمى الفيوم من حينئذ. قيل فسر الملك بيوسف سرورا عظيما وخلع عليه وألبسه تاجا مكللا بفاخر الجوهر، وأمر الجيش أن يركب معه ويطاف به ويرد إلى القصر ويجلس على سرير العزيز. وكان العزيز قد مات فاستخلفه الملك على ملكه، وسماه العزيز وزوجه امرأته زليخة، فدخل بها يوسف عم فوجدها عذراء فقال لها هذا أصلح مما أردت، فقالت له اعذرنى فإن زوجى كان عنينا، ولم تكن تراك امرأة فى حسنك وجمالك إلا صبا قلبها إليك.
قيل فلما جاءت سنين الخصب أخذ يوسف فى توفير الغلات والاستكثار من الأقوات، وبنى لاختزان الزرع مخازن عظيمة، ويقال إن بعضها باق إلى الآن فإن الطعام كان يختزن بسنبله كما ذكر الله تعالى. فلما جاءت سنين الجدب ونقص فيض النيل وتوالى نقصانه فأحسن يوسف عم السياسة والتدبير فى تلك المجاعة، وقسط بيع الزرع بين الناس فلا يبيع لأحد إلا بقدر حتى ساوى بين الناس؛ ولولا ذلك لهلك الناس. وقيل إنه صار ليوسف جميع أموال أهل مصر بما باع منهم من الطعام، فإنه باع منهم بالذهب والفضه والحلى والثياب والدواب والأبنية والعقار، وبجميع ما بأيديهم من الأموال، حتى أنه يقال إنهم باعوا منه أولادهم ونساءهم وأنفسهم حتى صاروا له كلهم عبيدا، وتلك كرامة من الله أكرمه بها لأجل ما بيع ببلدهم «١» . فمن ذلك الوقت صارت أرض مصر كلها للسلطان ليس للرعية فيها ضيعة ولا فدان. وقد اعترضهم بعض ولاة مصر فى أيام بنى عبيد الذين كانوا بها قبل اليوم ملوكا، وأراد أخذ ديارهم واحتج عليهم بهذا القول. قيل وقحط أهل الشام فى ذلك الوقت، فكان من أمر يوسف مع أخوته ما قصه الله تعالى فى كتابه. فوجه يوسف عم إلى أبيه وحمله من الشام إلى مصر بجميع أهله وولده، فلما قرب يعقوب عم من مصر خرج
стр. 89
إليه يوسف فى وجوه أهل مصر، وتلقاه وأدخله على الملك، وكان يعقوب عم نبيا جليلا فصيحا فأعظمه الملك وأحبه. قيل فدعاه يعقوب إلى توحيد الله تعالى ونبذ الأصنام، وكان يوسف قد قدر عنده ذلك فتمكن من استبصار الملك وآمن.
فيقال إنه كتم إيمانه خوفا من ذهاب ملكه، ثم لم يزل يعقوب ﵇ مكرما معظما حتى حضرته الوفاة، وذلك فى حياة الملك الريان بن الوليد، فأوصى يعقوب أن يدفن فى مكانه ومكان آبائه بالشام، فوضع فى تابوت وخرج به يوسف ووجوه أهل مصر حتى بلغوه إلى موضعه. قيل فمنعهم عيصوم أخو يعقوب أن يدفنوه هناك لأن إسحاق عم آباهما وهب لعيصوم ذلك الموضع حتى اشتراه يوسف منه ودفن فيه يعقوب. ثم انصرف يوسف إلى مصر، وولد له بعد ذلك أولاد كثير.
ثم هلك الملك الريان واستخلف ابنه دريموس بن الريان، وهو فرعون الرابع ويسميه أهل الأثر دارم، وكان الملك الريان قد أوصى ابنه دريموس أن يبقى يوسف على ما كان عليه «ا» من استخلاف وحجابة وأن يسمع من رأيه، فبقى يوسف على ما كان عليه «ا» . وكان الملك دريموس يسمع من رأيه غير أنه خالفه فى دينه وما كان اعتقده أبوه، فكان يخدم القمر لأنه كان طالعه، فكان يصنع له أصناف الفضة وينصبها فى قصر الرخام الذي بناه أبوه فى شرقى النيل. قيل وقبض يوسف عم بعد سنين من ولاية هذا الملك، فجزع عليه جزعا شديدا وكذلك أهل مصر، وأمر الملك أن يكفن فى ثياب الملوك، وجعل فى تابوت من رخام، ودفن فى الجانب الغربى من النيل عاما فأخصب ذلك الجانب ثم نقل إلى الجانب الشرقى عاما فأخصب أيضا ذلك الجانب، فلما ظهرت لهم بركته رأوا رأيا أن يجعل التابوت فى وسط النيل، فشدوه بالحبال ودلوه فى وسط النيل فأخصب الجانبان كلاهما جميعا «١» .
стр. 90
ويقال إن الملك الريان بن الوليد صاحب يوسف ﵇ لم يمت وانه عاش إلى زمان موسى؛ وإنه فرعون موسى عم المذكور فى القرآن، وإنه لما أطال الله فى عمره أدركه الإعجاب فتأله ودعا الناس إلى عبادته، وقيل غير ذلك.
وتنازع الناس فى أمر فرعون موسى عم، فمنهم من رأى أنه من العماليق، ومنهم من رأى أنه من لخم من الشام، ومنهم من رأى أنه من الفرس من مدينة اصطخر، ومنهم من رأى أنه من ولد مصر المتقدم المذكور والقبط أثبتت ذلك، وزعم قوم من الأعاجم أنه من الأندلس من مدينة قرمونة، وذكر أن اسمه الوليد بن مصعب. وكان سبب ملكه أنه دخل مدينة منف «ا» من البادية يحمل خمرا للبيع على أتان له، وكان أهل منف «ا» قد اختلفوا فى «ب» تولية ملك عليهم فأجمعوا أن يملكوا أول من يدخل فى ذلك اليوم، فكان أول داخل «ب» ذلك اليوم على باب المدينة فرعون، فولوه الملك. ومدينة منف كانت فى ذلك الزمان قاعدة مدن مصر ودار مملكتها، فلما تمكن ملك فرعون ببلاد مصر بذل الأموال وجمع الجيوش وقتل من خالفه وناوأه ومدن المدن وخندق الخنادق فاستقر له الأمر، وكان جبارا معجبا يدعو الناس إلى عبادته، ويقول لهم أنا ربكم الأعلى كما حكى الله تعالى عنه فى كتابه العزيز «١» . واستعبد بنى اسرائيل فكان من أمره مع موسى ما قصه الله تعالى. ثم ملك موسى بلاد مصر والشام «ج» لبنى اسرائيل يتوارثونها ملك عن ملك، ومنهم كان داود وسليمان عم إلى أن بعث الله تعالى عيسى عم، وظهر دين النصرانية، ملك أرض مصر النصارى وكانوا يتوارثونها ملك عن ملك إلى أن جاء الله تعالى بالإسلام، فدخل المسلمون بلاد مصر وملكوها فى أيام عمر بن الخطاب رضه.
стр. 91
ذكر فتح مصر
قال عبد الرحمن بن عبد الله بن [عبد] الحكم «١» : لما كان سنة ١٨ من الهجرة [٦٤٠] فى خلاقة عمر بن الخطاب رضه وقدم عمر رضه الجابية، خلا به عمرو ابن العاص وقد كان دخل مصر فى الجاهلية وجرى له بها خبر الكرة «ا» ، فكان عمرو بن العاص يعرف أحوال مصر، فجعل يعظم عند عمر بن الخطاب أمرها، ويعرفه بكثرة جبايتها ويهون عليه أمرها وفتحها، حتى ركن لذلك عمر رضه.
فعقد له على ٤٠٠٠ وجهزهم معه، وقال له: «سر وأنا مستخير الله تعالى وسيأتيك كتابى سريعا بما أرى إن شاء الله تعالى، فإن أدركك كتابى آمرك فيه بالانصراف قبل أن تدخل أرض مصر فانصرف، وإن أنت دخلتها قبل أن يأتيك كتابى فامض لوجهك واستعن بالله واستنصر به» . فسار عمرو بن العاص فى جوف الليل ولم يشعر به أحد، ثم استخار عمر فكأنه تخوف على المسلمين فكتب إلى عمر ويأمره بالانصراف بمن معه، فأدركه الكتاب وهو فى رفح فتخوف عمرو إن قرأ الكتاب يكون فيه الأمر بالانصراف، فلم يأخذ الكتاب من الرسول ودافعه حتى نزل قرية فيما بين رفح والعريش، فسأل عنها فقيل له إنها من أرض مصر، فدعا بالكتاب فقرأه على المسلمين ثم قال لهم: ألستم تعلمون أن هذه القرية من أرض مصر؟ فقالوا بلى. فقال لهم إن أمير المؤمنين عهد إلى إن لحقنى كتابه وأنا لم أدخل أرض مصر أن أرجع بمن معى، وإن كتابه لم يلحقنى حتى دخلت أرض مصر فسيروا على بركة الله. فساروا حتى توسطوا بلاد مصر فنزلوا بموضع على النيل وهو الفسطاط، ولم يكن فيه حينئذ مدينة وإنما بنى الفسطاط عمرو. وكان ملك مصر فى ذلك الزمان المقوقس وهو الذي أهدى
стр. 92
لرسول الله ﷺ مارية القبطية، فلما سمع المقوقس دخول المسلمين بلاده ونزولهم فى موضع الفسطاط ولم يكن له بهم علم راعه ذلك، ونظر فى توجيه الجيوش إليهم. فكتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب رضه يستمده، فأمده بأربعة الآلاف. ويقال إن أسقفا كان بالإسكندرية من أهل العلم بالكوائن، لما بلغه قدوم عمرو مع المسلمين إلى بلاد مصر كتب إلى القبط يعلمهم أن ملكهم قد انقطع، ويأمرهم بتلقى عمرو والطاعة له؛ فأطاعه كثير من القبط فاستعان بهم على من سواهم. ثم سار عمرو إلى البلد الذي كان فيه الملك المقوقس، وكان حصنا عظيما مانعا وقد خندقوا حوله وجعلوا للخندق أبوابا وعلقوا شبك الحديد على تلك الأبواب، فكان عمرو يفرق أصحابه على جوانب الحصن ليرى العدو أنهم أكثر مما هم، ويغدوا بهم فى الأسحار ويصففهم على أبواب الخندق عليهم السلاح والدروع.
ثم إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضه بعث الزبير بن العوام فى ١٢ الفا فتقوى المسلمون، فجعل عمرو يلح بالقتال ووضع المنجنيق، فلما أبطأ الفتح على المسلمين قال الزبير بن العوام رضه: أنا أهب نفسى لله وأرجو أن يفتح الله على المسلمين. فوضع له سلم «ا» إلى جانب الحصن فرقى ثم قال لهم إذا سمعتم تكبيرى أجيبونى، فما شعر أهل الحصن إلا والزبير على رأس الحصن يكبر والسيف بيده منتضى، فتحامل المسلمون على السلم حتى نهاهم عمرو خوفا أن ينكسر بهم، فهرب أهل الحصن جميعا. وعمد الزبير إلى باب الحصن ففتحه واقتحم المسلمون فيه، فلجأ الروم والقبط إلى الفوق وهو قصر منيع فى الحصن، فحاربهم المسلمون نحو شهر، وكان فى ذلك القصر المقوقس مع أكابر الروم والقبط، فخاف المقوقس على نفسه وعلى من معه فخرج من باب خفى وترك فى القصر جماعة يقاتلون، وسار إلى الجزيرة موضع دار الصناعة اليوم، وأمر بقطع الجسر «ب» . ثم أرسل «ج» المقوقس إلى عمرو بن العاص: «إنكم قوم قد دخلتم بلادنا وطال مقامكم بأرضنا وإنما أنتم عصبة يسيرة، وقد اضلتكم الروم وجهزوا إليكم الجيوش، وقد أحاط بكم هذا النيل وأنتم أسارى بأيدينا، فابعثوا إلينا رجلا منكم نسمع كلامه فعسى أن يتأتى الأمر بيننا وبينكم على ما تحبون ونحب،
стр. 93
وينقطع عنا وعنكم هذا القتال قبل أن تغشاكم جيوش الروم فتندموا. فرد عمرو مع رسله أنه ليس بيننا وبينكم إلا إحدى ثلاث خصال: إما أن تدخلوا فى الإسلام فكنتم إخواننا وكان لنا ما لكم وعلينا ما عليكم؛ فإن أنتم أبيتم أعطيتم الجزية عن يد وأنتم صاغرون؛ أو جاهدناكم بالصبر والقتال حتى يحكم الله بيننا وبينكم، وهو خير الحاكمين. فلما رجعت رسل المقوقس قال لهم كيف رأيتموهم، قالوا رأينا أقواما الموت أحب إلى أحدهم من الحياة والتواضع أحب إليهم من الرفعة، ليس لأحدهم فى الدنيا رغبة، إنما جلوسهم على التراب وأكلهم على الركب وأميرهم كواحد منهم، يغسلون أطرافهم بالماء، فإذا حضرت صلاتهم لم يتخلف عنها أحد منهم ويتخشعون فى صلاتهم تخشيعا كثيرا. فقال المقوقس والذي يحلف به لو أن هؤلاء استقبلوا الجبال لزلزلوها وما يقوى على قتال هؤلاء أحد، وإن لم يغننا صلح «ا» هؤلاء القوم وهم محصورون بهذا النيل فإنهم لن يجيبوننا إذا تمكنوا من الأرض. وكان ذلك وقت خروج النيل وفيضه، والمسلمون قد أحدقت بهم المياه من كل جانب لا يقدرون على النفوذ إلى الصعيد ولا إلى غيره. ثم بعث إليهم عمرو بن العاص ١٠ رجال أحدهم عبادة ابن الصامت، وكان أسود اللون من العرب، وأمرهم أن يكون متكلم القوم فإنه كان فصيحا، وأمرهم أنه لا يجيبهم إلا إلى إحدى ثلاث خصال وهى المتقدم ذكرها.
فركبوا السفن ودخلوا على المقوقس؛ فتقدم عبادة للكلام فهابه المقوقس لسواده وقال نحوا عنى هذا الأسود وقدموا غيره، فقالوا جميعا إن هذا الأسود سيدنا وأفضلنا رأيا وعلما. فكلمه عبادة «ب» ثانيا، فقال المقوقس لأصحابه: لقد هبت منظره وإن قوله عندى لأهيب، وإن هذا وأصحابه إنما خرجوا إلى خراب الأرض وما أظن ملكهم إلا سيغلب على الأرض كلها. وقال نعطى كل من فى الجيش دينارين ونعطى أميرهم ١٠٠ دينار ونبعث إلى خليفتهم ١٠٠٠ دينار؛ فلم يجبه عبادة إلا إلى إحدى ثلاث خصال. فقال المقوقس لأصحابه ماذا ترون؟
فقالوا: أما ما أرادوا من دخولنا فى دينهم فهذا ما لا يمكن ولا نترك دين المسيح إلى دين لا نعرفه، وأما ما أرادوا [من] أن يجعلونا عبيدا فالموت أيسر من ذلك، فإن رضوا بأن نضعف لهم ما أعطيناهم وينصرفوا عنا كان أهون علينا.
стр. 94
فانصرف عنهم عبادة بن الصامت وأصحابه ولم ينعقد بينهم صلح على شىء، فألح عليهم المسلمون بالقتال حتى أذعن المقوقس لإعطاء الجزية عن القبط خاصة.
وأما الروم فيخيرون فى المقام على الجزية والخروج إلى أرض الروم، وتم ذلك «ا» بينهم وبين المسلمين؛ قيل فأحصى «ب» يومئذ جميع من بمصر أعلاها وأسفلها من القبط فكانوا ٦٠٠٠ ألف ممن بلغ الحلم، سوى الشيخ الفانى والصغير الناشئ والنساء. وفرض على كل رجل منهم دينارين فى السنة فكانت فريضتهم ١٢ ألف دينار، ورفع ذلك عرفاؤهم بالأيمان المؤكدة ثم زادت بمن استقر بها من النصارى وغيرهم من النوبة ٣٠٠٠ دينار. فجعل عمرو يبحث عن الأموال ويضمها إلى بيت مال المسلمين، فذكر له أنه عند عظيم الصعيد مال كثير، فبعث إليه فيه فقال له ما عندى مال فسجنه. وسأل عمرو من كان يدخل إليه هل سمعوه يذكر أحدا، فقالوا له سمعناه يكثر ذكر راهب بالطور، فبعث عمرو فأتوا بخاتم المسجون فكتب كتابا على لسانه إلى ذلك الراهب بالرومية وختم عليه، وبعث به إلى ذلك الراهب فأتى بقدرة نحاس مختومة بالرصاص فإذا فيها كتاب فيه: يا بنى إذا أردتم ما لكم فاحفروا تحت الفسقية. فبعث عمرو الأمناء إلى الفسقية وهى الساقية، فحفروا تحتها فاستخرجوا ٥٠ أردب دنانير، والأردب نحو قنطار ونصف.
ثم أمر عمرو المسلمين ببناء دور يسكنونها بالفسطاط وهى مدينة مصر اليوم، وإنما سميت مدينة مصر بالفسطاط لأن عمرو بن العاص حين دخل مصر ضرب فسطاطه بذلك الموقع، فلما أراد التوجه إلى الإسكندرية لقتال من بها من الروم أمر بنزع الفسطاط فإذا فيه يمام قد فرخ، فقال عمرو لقد تحرم هذا منا بحرم، فأمر الفسطاط فأقر مكانه وأوصى عليه. فقام المسلمون من الإسكندرية بعد فتحها وقال الناس أين ننزل فقيل الفسطاط، لفسطاط عمرو الذي تركه فى المنزل مضروبا بالموضع الذي يعرف اليوم بدار الحصى. ثم بدأ عمرو ابن العاص ببناء المسجد وكان موضعه حدائق وأعناب فقطعت، ووضعوا أيديهم على البناء فلم يزل عمرو ومن حضر من أصحاب رسول الله ﷺ قياما حتى وضعت القبة، فلما أتمه اتخذ فيه منبرا فكان يخطب عليه.
وقال أبو تميم الجهانى: فوصل ذلك عمر بن الخطاب رضه فكتب إلى عمرو ابن العاص: أما بعد فإنه بلغنى أنك اتخذت منبرا ترقى فيه على رقاب المسلمين
стр. 95
أما بحسبك أن تقوم قائما والناس من تحتك، فعزمت «ا» عليك إلا كسرته. ثم اختط عمرو داره التى هى اليوم عند باب المسجد بينهما الطريق، وكذلك اختط جميع من أراد السكنى بمصر من المسلمين دارا لنفسه. وكان الزبير بن العوام اختط دارا وجعل فيها السلم الذي صعد «ب» عليه إلى الحصن المتقدم الذكر، فلما ولى عبد الملك بن مروان اغتصبها من الزبير وأصفاها لنفسه، فلما [ولى] أبو جعفر المنصور من بنى العباس ردها على هشام بن عروة بن الزبير «١» .
ذكر المشهور من مدن أرض مصر «٢»
منها مدينة مصر وهى الفسطاط «٣» الذي ذكرنا آنفا: وهى حاضرة بلاد مصر فيها من المبانى والمصانع والبساتين والغرف المشرفة على النيل والقصور ما يبهج العيون ويطرب المحزون.
стр. 96
مدينة القاهرة: محدثة من بناء العبيديّين الشيعة الذين كانوا بها، بينها وبين مصر نحو ٣ أميال. وهى مدينة كبيرة فيها من القصور والمبانى ما يعجز الوصف عنه وكانت دار مملكة العبيديين. وكان الحاكم من بنى عبيد قد بنى بين الفسطاط والقاهرة مسجدا عظيما على ٣ مشاهد كانت هناك، وجعل فيه سدنة وخدما يوقدون فيه السرج الليل كله. وذكر أنه أراد أن ينقل إليه جثة النبي ﷺ ، وقد كانت توجهت له الحيلة فى ذلك غير أن الله دفع وأظهر الله تعالى أهل المدينة على ذلك وقاية لرسوله ﷺ وردا لكيد عدوه. وذلك أن الحاكم بذل الأموال لرجال من شيعته فمشوا إلى المدينة فاشتروا دارا تلاصق مسجد رسول الله ﷺ ، وبذلوا فيها ما لا كثيرا، وأخذوا ذرع ما بين الدار والقبر، واحتفروا سربا عظيما حتى كادوا أن يصلوا إلى القبر المكرم، فأطلع الله أهل المدينة على ذلك، فقتلوا أولئك البغاة الفسقة ومثلوا بهم وردموا ذلك الحفير بالحجارة وأفرغوا عليها الرصاص فلا يطمع فى الوصول إلى مثل ذلك طامع أبدا «١»
مدينة منف: مدينة عظيمة أزلية قديمة. وهى كانت دار مملكة الملوك القدماء «ا» ، وكان بها فرعون موسى ﵇. وكان اتخذ لها ٧٠ بابا وفصل حيطان المدينة بالحديد والصفر، وفيها كانت الأنهار تجرى من تحت سريره وكانت ٤ أنهار. ذكر رجل من ولد على بن أبى طالب رضه، قال: رأيت بمنف دار فرعون، وكنت أمشى فى مشارفها ومجالسها وغرفها «ب» وجميع سقائفها وحجورها فإذا ذلك كله حجر واحد منقور. فإن كان بناء قد أحكم حتى صار فى الاستواء كحجر واحد لا يستبان فيه جمع حجرين ولا ملتقى صخرتين فذلك عجب، وإن كان جبلا واحدا فنقر الرجال فيه بالمناقير حتى خرقت فيه تلك المخارق فهو أعجب وأعجب «٢» .
стр. 97
مدينة دلاص: هى مدينة قديمة أزلية عجيبة البناء فيها غرائب؛ وهى كانت مجتمع سحرة مصر «١» .
مدينة إخميم: وهى مدينة كبيرة أزلية قديمة فى الضفة الشرقية من النيل، وفيها أسواق وحمّامات ومساجد كثيرة. وداخل سورها «ا» البربى المتقدم الذكر، لم يتغير منه شئ. وفيها من عجيب المبانى والآثار ما يعجز الوصف عنه «٢» .
مدينة أسيوط: وهى مدينة قديمة أزلية مسورة على الجانب الغربى من النيل، جميلة القصبة كثيرة الفوائد وهى أكثر بلاد الله قصب السكر وأطيب؛ وفى وسط سوقها بربى تهدم بعضه «٣» .
مدينة عين الشمس: هذه مدينة قديمة أزلية وهى كانت مدينة فرعون، وفيها آثار كثيرة ومبانى عجيبة من أساطين الرخام وتماثيل ونقوش، وفيها بركة عظيمة وقد نقرت فى حجر صلد وحواليها كراسى من رخام، فكان يجلس فرعون عليها وتملأ بالخمر وحواليها أنهار العسل وأنواع المشروبات؛ وبالقرب منها صورة من رخام يخيل للناظر أنها تتكلم «ب» ، ذكر أنها كانت ماشطة فرعون.
وبالقرب منها صنمان من حجارة كل صنم منها طوله ٦ أذرع، أحدهما يبكى والآخر يضحك. وهذه المدينة كانت فى طاعة والد زليخة زوجة العزيز، وكانت تعرف ببنت صاحبها «٤» .
стр. 98
مدينة أنصنا: وهى كانت مدينة السحرة فى زمن فرعون وأكثرها خراب.
وكان بها أيضا بربى لم يبق منه اليوم إلا بيت واحد كأنه من صخرة واحدة.
ويقال إن مارية القبطية التى أهداها المقوقس إلى النبي ﷺ كانت من كورة أنصنا، من قرية يقال لها جفن. ومدينة أنصنا لا يقربها التمساح والناس منه آمنون هناك. وأكثر ما يكون التمساح عدوانا بالشاطئ الذي يقابل أنصنا فى قرية يقال لها الأشمون، لا يقدر أحد أن يقرب من شاطئها، فإذا صارت التماسيح فى حد أنصنا تحولت على ظهورها حتى تجاوز حدها «١» ، وكذلك تصنع بفسطاط مصر فوق المدينة بنحو ١٠ أميال حتى تخرج عن حد المدينة بمثل ذلك.
مدينة قوص «٢» : هى مدينة كبيرة أزلية قديمة فيها آثار كثيرة للأوائل، وبينها وبين مدينة أسوان غير ان منحوتة فى جبال هنالك فيها قبور الأموات لا يعلم لها عهد، تستخرج منها المومياء الطيبة «٣» ، وهم يجدونها فى رممهم وبين أجفانهم. ويقال إن فى تلك الصحراء التى بين قوص «ا» وأسوان معادن الذهب، غير أن البجاة وهم جنس من الحبشة تمنع منه؛ وبلادهم بين بحر القلزم ونيل مصر، ويسكن عندهم جماعة من العرب من ربيعة بسبب هذا
стр. 99
المعدن «١» . ويتصل ببلادهم معدن الزمرد الفائق الذي ليس له مثيل بعمور الأرض، وهو بموضع يعرف بالخربة فى مفازة وجبال محمية بالبجاة، وإليهم يؤدى الخفارة من يرد لحفر الزمرد. وبين هذا الموضع والنيل أكثر من ٢٠ مرحلة، وبين هذا المعدن والعمران مسيرة سبعة أيام. ولا يعرف معدن للزمرد غيره إلا ببلاد البلهرى من بلاد الهند ولا يلحق بهذا «ا» . والهندى هو الذي يعرف بالمكى لأنه يحمل إلى عدن فيؤتى به مكة فاشتهر «ا» بهذا الاسم.
والزمرد الذي يقطع من الخربة هو أربعة أنواع: فأعلاها الذي يعرف بالمرو، وهو كثير المائية تشبه خضرته السلق إلا أنه يضرب إلى السواد. والنوع الثانى هو البحرى فى لون ورق الآس، وإنما غلب عليه اسم البحرى لأن ملوك الهند والسند والصين يرغبون فيه، ويفضلونه على غيره من الزمرد. والنوع الثالث يعرف بالمغربى لأن ملوك المغرب والأفرنج والأندلس والجلاقة يتنافسون فيه.
والصنف الرابع وهو المسمى بالأصم، وهو أدناها وأقلها ثمنا لقلة مائه وخضرته وكثرة ركوده. وأكثر حجارة الزمرد الفائق يبلغ وزن العدسة ١٠ دنانير، وهذا المعدن قد انهارت غيرانه وتهدمت لبعد العمارة عنه وانقطاع الناس.
ولا خلاف عند جميع من يقرب من موضع ذلك المعدن أن الحيات والأفاعى وسائر الحيوان المسموم لا يقرب هذا المعدن ولا حومته، وقيل إن هذه الحيوانات إذا بصرت بالزمرد الفائق سالت عيونها، وإن الملسوع إذا سقى منه وزن دانق برئ باذن الله تعالى. وكانت ملوك اليونانيين من أرباب الحكمة تفضله على جميع الأحجار، وأهل الحكمة يقولون إن شعاعه نورى وخضرته تقوى بزيادة القمر وامتلائه، والله تعالى فى علمه أسرار مخفية «٢» .
стр. 100
مدينة قفط: هى مدينة متوسطة المقدار أزلية لها سور، وبينها وبين مدينة قوص أربعة أميال وفيها بربى وبقربها شعراء كثيفة «١» .
مدينة أسوان: هى آخر مدن «ا» مصر لأنها ثغر متصل ببلاد النوبة وهم كفرة، ولولا ما بين بلاد مصر وبلادهم من الجبال والأوعار التى تحول بينهم لأفسد النوبة بلاد مصر. والنيل إنما يهبط من بلاد النوبة على صخور وأوعار ولا يدخل ذلك الموضع مركب «٢» . ومن أسوان الطريق إلى عيذاب؛ وعيذاب مدينة على ضفة البحر الغربى المعروف ببحر القلزم. ومن عيذاب يعبر إلى ساحل الحجاز إلى جدة، ومن عيذاب يسلك إلى بلاد اليمن والهند وغير ذلك من البلاد «٣» .
ومن مدن مصر تنّيس ودمياط: وهما مدينتان قد غلب على أكثر أرضهما ماء البحر. فمدينة تنيس مدينة كبيرة أزلية فيها آثار كثيرة للأول، وأهلها ذو يسار وثروة وأكثرهم حاكه، وبها تحاك ثياب الشروب التى لا يصنع مثلها فى الدنيا. ويصنع فيها لصاحب مصر قميص لا يدخل فيه من الغزل سداة «ب» ولحمة غير أوقيتين وينسج من الذهب ٤٠٠ دينار، قد أحكمه صانعه حتى لم يحوج إلى تفصيل ولا خياطة غير الجيب والبنائق «ج» ، والذي تبلغ القيمة فيه ١٠٠٠ دينار. وقد أحكمه صانعه حتى لم يحتاج إلى تفصيل ولا خياطة غير ما قلنا، وكذلك إلى الآن يصنع لكل ملك من ملوك مصر هذا الثوب فى كل عام.
ويسمى هذا القميص البدنة، وليس فى جميع الدنيا طراز ثوب كتان يبلغ الثوب
стр. 101
منه وهو سادج دون ذهب ١٠٠ دينار عينا غير طراز تنيس ودمياط. ويسكن بجزيرة تنيس ودمياط نصارى هم الآن تحت الذمة بحمد الله؛ ونحن فى سنة ٨٦ [٥] «ا» . وأهل تنيس يصيدون السمان وغير ذلك من الطير على أبواب دورهم، فإنهم يمدون شباكا فى سككهم عند أبواب دورهم، والسمان طير «ب» يجزع عند خروجه من البحر فيقع فى تلك الشباك. وكانت تنيس أخصب بلاد الله وأكثرها ثمارا وفاكهة، وكانت مقسومة بين ملكين أخوين من ولد أبريت بن مصر، وكان أحدهما مؤمنا والآخر كافرا. فأنفق المؤمن فيها من أمواله فى وجوه البر حتى باع من أخيه الكافر حصته فى تنيس، فزاد فيها الكافر غروسا وأنهارا وبنى فيها مصانع، فاحتاج أخوه إلى ما فى يده فمنعه وسطا عليه بماله وحشمه وحقره لفقره، فقال له أخوه المؤمن: مالى أراك غير شاكر لله تعالى على ما رزقك ويوشك أن ينزع ذلك «ج» منك ويغير نعمته عنك.
فأرسل الله تعالى على جناته ومصانعه الماء فأضحت خاوية على عروشها «١» ؛ فهما اللذان عنى الله تعالى فى سورة الكهف : «واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا فكلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا» إلى آخر الآيات المحكمات «٢» .
وتركب السفن من تنيس إلى الفرما وهى [على] ساحل البحر.
стр. 102
مدينة الفرما: وهى مدينة كبيرة قديمة أزلية فيها آثار كثيرة عجيبة تدل على أنها كانت دار مملكة. ويقال إن الذي بناها هو الفرما الملك، ويذكر أهل مصر أن [ابن] المدبر لما ولى مصر وجه إلى الفرما لهدم أبواب من رخام بها فى شرقى الحصن احتاج إلى أن يعمل منها فرشا فى داره فمنع من ذلك أهل الفرما، وخرجوا إلى رسله بالسلاح، وقالوا هذه الأبواب التى ذكرها الله تعالى على لسان يعقوب: «يا بنى لا تدخلوا من باب واحد وأدخلوا من أبواب متفرقة» . ومن عجائب الدنيا نخل الفرما فإنها تثمر حين ينقطع البسر والرطب من جميع البلاد، فيكون رطب نخل «ا» الفرما بكانون الأول حين تلد النخل فى كل مكان فلا ينقطع ٤ أشهر، ولا يوجد هذا فى بلد من البلاد سوى الفرما؛ وهو «ا» تمر كبير يوجد فى وزن التمرة ٢٠ درهما وطولها فتر «١» .
مدينة رشيد: وهى مدينة كبيرة على كثيب رمل عظيم، إذا هبت الريح الغريبة، وهى تشتد عندهم، ملأت عليهم سككهم وبيوتهم رملا فلا يقدرون على التصرف فى أسواقهم. وهم على ضفة النيل قرب البحر، ومن أعجب منتزهات الدنيا ضفة النيل من مصر إلى مدينة رشيد هذه، ولا غلة لثمار الأرض كغلة هذه الناحية. قال أبو عبيد البكري أن رجلا أخبره، من أهل تلك النواحى، أنه رأى ضيعة ما «ب» لأحد المصريين تغل فى رمانها وموزها خاصة ١٥ ألف مثقال فى العام «٢» . قال، وهناك كانت ضيعة الليث بن سعد «ج» ﵀، قال قتيبة سمعت الليث بن سعد يقول: «يدخل «د» على فى كل سنة ٥٠ ألف دينار ما وجبت عليها الزكاة قط، يعنى أنها من الفواكه التى لا «ر» تجب فيها الزكاة «٣» .
стр. 103
ذكر الفيوم: وهو قطر كبير فيه قرى كثيرة، يقال إن فيه من القرى عدة ما فى قطر مصر كله من القرى، فإن يوسف عم حين صنعه أنزل فى كل قرية أهل بيت من قرى مصر؛ وسير لكل قرية من الماء بقدر ما يروى أرضها من غير زيادة ولا نقصان. ويقال أيضا إن بالفيوم ٣٦٠ قرية على عدد أيام السنة لا تقصر عن الرى أبدا لحكمة شربها، فإذا نقص النيل فى سنة من السنين وغلا السعر بمصر مارت كل قرية منها مصر يوما. وحجر اللاهون بالفيوم من عجائب الدنيا واللاهون قرية كبيرة من قرى الفيوم. وهذا الحجر شاذروان مبنى بأحكم صنعة، مدرج على ٦٠ درجة فيها فوارات»
فى أعلاها وفى وسطها وفى أسفلها. فتسقى «ب» العليا الأرض العليا، والوسطى الأرض الوسطى، والسفلى الأرض السفلى بوزن وقدر لا ينقص لأحد من دون حقه ولا يزاد له فوق حقه. وهو من أحكم البنيان وأتقنه؛ قيل من ذلك الوقت عرفت الهندسة؛ وذكر كثير من الناس أن يوسف عم عمله بالوحى. ولم تزل الملوك من الأمم تقصد هذا الموضع ويتأملون حسن صنعته ويتعجبون من غرائب حكمته، ويقال إن الملك المعاصر ليوسف عم لما تأمله قال هذا من ملكوت السماء، وهو من البناء الذي يبقى على غابر الأزمان؛ ويقال إنه عمل من ٣ أشياء: من الفضة والنحاس والزجاج؛ وفى الضفة الغربية منه مسجد يوسف ﵇. والفيوم يشرب من ١٢ ذراعا، وليس بأرض مصر موضع يشرب من ١٢ ذراعا غير الفيوم لحكمة بنيان حجر اللاهون، وإنما رى أرض مصر من ١٦ ذراعا، فإذا زاد النيل على ١٢ قطع الماء عن الفيوم. فإذا كان يوم زيادته «ج» سد حجر اللاهون، وحضر ذلك شهود أهل تلك الجهة والمهندسون وأمروهم بالطبول والبنود «د» فلم يكن لمن يدعى نقصان الماء عذر، وخرجت الإرسال عند ذلك بالبشائر إلى مصر، وهو عندهم يوم سرور ونزهة. وأهل الفيوم يزدرعون والماء باق على جميع أرض مصر ولم يتم جريه، فإذا كان حصاد أهل مصر كان
стр. 104
ذلك أول السقية الثانية لأهل الفيوم فإنهم يزدرعون فى العام مرتين، ويزدرعون السقية الثانية القمح والشعير والأرز فضلا عن القطانى. والفيوم أخصب بلاد الله تعالى وأكثرها فاكهة، لا يعدم بها التمر والرطب شتاء ولا صيفا، ولذلك غلتها أكثر جبايات بلاد مصر.
قال عبد الملك بن حبيب إنما سميت الفيوم لأن أخراجها ألف دينار كل يوم.
والفيوم «ا» فى وسط بلاد مصر فلا يؤتى إلى كورة «ا» الفيوم من ناحية من النواحى إلا من صحراء أو مفازة، ذكر ابن عفر وغيره أن عمرو بن العاص لما فتح بلاد مصر أقام سنة لا يعلم أين موضع الفيوم ولا حيث مكانه حتى بعث عمرو قيس بن الحارث إلى ناحية الصعيد يبحث عن الفيوم، فسار حتى أتى القيس وبه سميت. فأبطأ على عمرو خبره فقال من يأتنا بخبر قيس، فقال ربيعة بن حبيب أنا آتيك به، فركب فرسا له أنثى فجاز بها النيل من الجهة الشرقية وكان معه عمرو بن ربيعة بن حبيب بن الصدفى وأصحابهم، فمشوا فلما سلكوا فى المجابة لم يروا شيئا وهموا بالانصراف، ثم ساروا قليلا فطلع له سواد الفيوم فطلبوا قيسا فوجدوه فى القيسيين فأتوا عمرو بخبر الفيوم «١» .
مدينة الإسكندرية: «٢» ذكر أن اسمها بردة ولها ١٥ كورة، قالوا كانت الإسكندرية ٣ مدن كبار بعضها بجنب بعض: منها شنة وهى موضع المنار وما إلى ذلك؛ والإسكندرية اسم قصبة السلطان وموضعه وهى باقية إلى اليوم؛ والمدينة
стр. 105
الثالثة نقيطة. وكان على كل واحدة منها سور، وقيل إنه كان على الإسكندرية ٣ مدن كبار و ٧ أسوار ب ٧ خنادق. وكان أصل بنائها أن الإسكندر استقام له ملكه «ا» فى بلاده، وكانت بلاده رومة وما إلى ذلك من بلاد الروم، وكان فيما يقال روميا، فيقال إنه خرج يختار أرضا صحيحة الهواء والتربة والماء يبنى بها مدينة يسكنها، فأتى موضع الإسكندرية فأصاب به أثر بنيان وعمد رخام منها عمود عظيم مكتوب عليه بالقلم المسند «ب» ، وهو القلم الأول من أقلام حمير وملوك عاد: «أنا شداد بن عاد، سددت بساعدى الوادى وقطعت عظيم العماد من شوامخ الجبال والأوطاد، وبنيت إرم ذات العماد التى لم يخلق مثلها فى البلاد.
أردت أن أبنى هنا مدينة كارم وأنقل إليها كل ذى قدم من القبائل والأمم، فأصابنى ما أعجلنى وعما ذهبت إليه قطعنى، فارتحلت عن هذه الدار، لا لقهر ملك جبار ولا بخوف جيش جرار، ولكن لتمام المقدار، وانقطاع الآثار، وسلطان العزيز الجبار. فمن رأى أثرى وعرف خبرى وطول عمرى فلا يغتر بالدنيا بعدى» . قيل فلما رأى الإسكندر طيب أرض ذلك المكان وصحة هوائه وما به عزم على بنيان مدينة بذلك الموضع، فبعث إلى البلاد فحشد الصناع واختط الأساس، واستجلب العمد والرخام وأنواع المرمر الملون والأحجار فى البحر من جزيرة صقلية وبلاد إفريقية وأقريطش.
فلما اختط أساس المدينة كلها وحفره أراد أن يكون إنزال البناء فى وقت سعادة وبقاء على الدهور، فوضع على حفير الأساس عمود رخام وعلى كل
стр. 106
قطعة من الأرض خشبة قائمة، ووصل بها حبالا منوطة بعضها ببعض يرجع جميعها إلى عمود الرخام، وعلى العمود جرسا عظيما وعلى كل قطعة من تلك الحبال جرسا صغيرا، فإذا حركوا حبل الجرس الكبير على العمود وخفق تحركت سائر الحبال وخفقت الأجراس. وأقام الإسكندر يرقب الوقت المحمود، وأمر الصناع إذا سمعوا تحريك الأجراس أن يضعوا الأساس دفعة واحدة وقد كانوا استعدوا لذلك. فبينما الإسكندر يرقب الوقت أصابته سنة، فوقع غراب على حبل الجرس الكبير فحركه فتحركت جميع الأجراس، فوضع البناؤون فى تلك الساعة الأساس «١» . وارتفع الضجيج بالتحميد والتسبيح فاستيقظ الإسكندر لضجيجهم، فسأل عن الخبر فأعلن، فعجب من ذلك، وقال: «أردت أمرا فأراد الله غيره ويأبى الله إلا ما يريد، أردت طول بقائها وأراد الله سرعة بنائها» «٢» .
ثم تمادى على عملها وبنى المدينة على آزاج وطبقات قد عمل لها مخاريق ومتنفسات للضوء، يسير الفارس وبيده رمح طويل فلا يضيق به طريق من تلك الآزاج حتى يدور جميع الإسكندرية. وكذلك كانت أسواقها مقنطرة فلا يصيب أهلها المطر. وبنى أسوارها من أنواع الرخام الأبيض والملون، وكذلك جميع قصورها ودورها، فكانت تضيء بالليل بغير مصباح لشدة بياض الرخام، وربما علت على أسوارها شقاق الحرير الأخضر لاختطاف بياضها أبصار الناس «٣» . وبنى عليها ٧ أسوار وأمام كل سور خندق، وبين كل خندق وسور فصيل.
ويقال إنها كانت أعظم مدينة بنيت فى معمور الأرض وأغربها بنيانا، فقيل إنه كان سكان البحر يؤذون الناس ويختطفونهم بالليل، فاتخذ الإسكندر الطلسمات مصورة على أعمدة رخام على هيئة شجرة السرو، طول العمود منها ٨٠ ذراعا، وهى باقية إلى هذه الغاية. يقال إنها على أعمدة نحاس قد خرقت الأرض فصورت
стр. 107
فيها أشكال وصور تمنع وتدفع «ا» . وبنى المنار على طرف اللسان الداخل فى البحر من البر، وجعله على كرسى من زجاج على هيئة السرطان فى جوف البحر «١» ، وجعل طوله فى الهواء ألف ذراع «٢» ، وجعل فى أعلاه المرآة.
وكانت المرآة قد ركبت من أخلاط غريبة فيبصر فيها ما يأتى من مراكب العدو على مسيرة أيام فيتأهب لهم، فإن قربت المراكب من البلد عملت أخلاط بأدهان يعرفونها وطليت بها المرآة وعكس شعاعها على تلك المراكب فأحرقتها.
وجعل فى المنار تماثيل من نحاس وطلاسم كثيرة تمنع وتدفع ولها خواص، فمنها تمثال قد أشار بسبابة يده اليمنى نحو الشمس حيث كانت من مشرق أو مغرب أو أفق فيدور معها، وتمثال يشير بيده نحو العدو إذا كان منه على مقدار ليلة، فإن دنا وأمكن أن يرى بالبصر يسمع لذلك التمثال صوت هائل على ميلين أو ثلاثة.
وتمثال آخر كلما مضى من الليل أو من النهار ساعة سمع له صوت طرب بخلاف الصوت الذي كان منه قبل ذلك. وقد اختلف الناس والرواة فى أمر بناء هذا المنار فمنهم من رأى أنه من بناء الإسكندر؛ ومنهم من رأى أن دلوكه «ب» الملكة بنتها؛ ومنهم من رأى أن جيرون الملك المتقدم الذكر بناها. وقيل إن الذي بنى الأهرام بناها، وقيل إن الذي بنى رومة المدينة العظمى بنى الإسكندرية وبنى منارتها. وإنما أضيفت الإسكندرية إلى الإسكندر لسكناه بها وغلبته ممالك الأرض منها. وقيل إن الإسكندر كان لا يخاف أن يطرقه عدو فى البحر ولا يهاب ملكا يرد عليه فيجعل لذلك مرقبا وحراسا. قال عبد الله بن عمرو
стр. 108
ابن العاص إن أول من ملك الإسكندرية فرعون واتخذ فيها مصانع ومجالس، وهو أول من عمرها ثم تداولها الملوك بعده، وإن سليمان بن داود عم اتخذها مسكنا وبنى فيها قصورا ومصانع عجيبة من بناء الجن، وبنى فى المنار مسجدا متقنا وهو باق إلى الآن. والأصح أن الإسكندر بناها من أولها واختط أساسها وبنى المنار فيها وعمل المرآة فى أعلاها، فيقال إنه ما ظهر العدو فى البحر ولا ضرب بأسيافه الإسكندرية إلا بعد زوال تلك المرآة، وكان زوالها فى خلافة الوليد بن عبد الملك بن مروان. وذلك أن ملك الروم أعمل الحيلة فى زوال المرآة من المنار، فبعث خادما من خواص خدمه ذا دهاء ورأى ومعرفة بما يتناول من أشغاله، فجاء مستأمنا إلى بعض الثغور. فحمل إلى أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك بن مروان فأعلمه أنه كان من خواص ملك الروم وأنه أراد قتله لموجدة لم يكن لها حقيقة، وأنه هرب منها ورغب فى الإسلام فأسلم بين يدى الوليد؛ وأظهر له النصح فى أشياء خدمه فيها. ثم إنه استخرج له دفائن فى بلاد دمشق وغيرها من بلاد الشام بكتب كانت عنده، فلما رأى ذلك الوليد شرهت «ا» نفسه وتمكن طمعه وباحثه عما عنده من هذا الفن؛ فقال له إن الإسكندر استولى على ممالك العالم، واحتوى على الأموال والذخائر التى كانت لشداد بن عاد وغيره من ملوك العرب والعجم والفرس وغيرهم من الأمم؛ فبنى لها الآزاج والأسراب والأخباء، وأودعها تلك الذخائر والأموال والجواهر ثم بنى فوقها تلك المنارة التى بالإسكندرية. فلو هدم ذلك المنار استخرج من تحته «ب» من الأموال والذخائر والكنوز وما لا عين رأت؛ فصدق ذلك الوليد وطمع فيه، وبعث معه «ب» من خواصه وثقاته من يقف على هدم المنار، وأمر صاحب الإسكندرية أن يعينه على جميع ما يريد، فهدم ذلك الرومى قدر نصف المنار «١» وأزال المرآة التى كانت غرضه وأراد هدم الكل، فضج أهل
стр. 109
الإسكندرية، وعلموا أنها مكيدة وحيلة. فلما استفاض ذلك خشى الرومى على نفسه، وهرب فى الليل «ا» فى مركب كان قد أعده لذلك الوقت؛ وبقيت المنارة على ذلك المقدار إلى هذا الوقت.
صفة المنارة اليوم: هى اليوم ٣ أحزم؛ أما الحزام الأول فهو مربع البناء، قد عمل أحسن عمل بحجارة مربعة قد خفى التصاقها حتى صارت كالحجر الواحد لم يغيره الزمان، ارتفاعه ٣٢٠ ذراعا. ثم ترك فى أعلاه قدر غلظ الحائط وهو ٨ أصابع ونحو ١٠ أذرع سوى ذلك الغلظ «١» ؛ ورفع على ما بقى من البناء بناء مثمن الشكل طوله ٨٠ ذراعا «٢» . ثم ترك قدر غلظ حائطه وهو أقل من غلظ الأسفل وهو نحو ٨ أذرع سوى ذلك [الغلظ] ؛ ثم أقيم عليه بناء مربع الشكل ارتفاعه ٥٠ ذراعا «٣» ونحوها. وفى أعلا ذلك مسجد محكم البناء ويقال إنه مسجد سليمان «٤» . وفى الناحية الشمالية من البناء كتابة من النحاس لم يقدر أحد على فكها ولا معرفة ما هى. وباب المنارة حديد لا يعلم له عهد، ويرقى إلى الباب من أسفل المنارة فى علوة لا تتبين، وكذلك إلى أعلا «ب» الحزام الأول فى طريق يمشى فيه فارسان متناكبان فى أرض سهلة لا يكاد الراقى يعلم فيه
стр. 110
هل هو راق أو ماش؛ فى كل عطف من هذا المصعد باب دار داخلها بيوت مربعة، سعة كل بيت منها ٢٠ ذراعا إلى ١٠ أذرع، قد فتح له مضاو ومنافس للهواء لئلا تهدمها الرياح. وعدد ما فى المنار من البيوت ٣٦٤ بيتا»
، وعطف مطالعها من أسفلها إلى أعلاها ٧٢ عطفا وفى كل عطف ١٢ درجة. وبيوتها كلها آزاج معقودة، وبناء المنار كله معقود بخشب الساج، وعدة أبوابها الظاهرة خارجا ٢٢ بابا، فتحت لتخرقه الرياح ولولا ذلك لهدمته. وهذا المنار من دخله ولم يعرف مسالكه تاه فيه وضل لأن فيه طرقا تولى إلى أسفله وإلى سرطان الزجاج المتقدم الذكر وإلى البحر. ويقال «ا» إن جيش صاحب المغرب حين وصل الإسكندرية وذلك فى خلافة المقتدر «٢» ، دخل جماعة منهم المنار على خيولهم ليروا ما فيه من الغرائب، فتاهوا وتهوروا هم ودوابهم وفقد منهم عدد كثير. وقد كان البحر أثر فى أسفل المنارة من غربيها كالكهف العظيم فسد بعض أمراء مصر- أظنه من العبيديين «٣» - ذلك الثلم بأساطين الرخام بعضها فوق بعض. فالبحر يضرب اليوم فى تلك الأساطين فلا يؤثر فيها شيئا.
وفى جهة الشمال من المنار بناء عظيم عريض ارتفع من قعر البحر حتى ظهر على وجه الماء، يدل على أنه كانت عليه مصانع قد ذهبت، ويسمى ذلك البنيان الفاروس؛ تحته ترسو السفن لأنه يكف عنها الرياح والموج. وقد زعم قوم أن ذلك الظاهر ليس بيتا وإنما هو ما هدم من حجارة المنار الذي ذكرنا.
قال بعض العارفين إذا أردت أن تبصر ارتفاع المنار وعلوه من الجو فاخرج من الإسكندرية من باب أشتوم «ب» ، وتسير على ضفة البحر نحو نصف ميل ثم تسير نحو الشمال مقدار ذلك ثم تسير على بناء فى البحر كالقناطر «ج» ولها منافس والبحر يضرب من ناحيتها نحو ٤٠٠ خطوه، فإذا خرجت من ذلك البناء سرت
следующие страницы →