Полный текст (258 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
شوكة من صاحب القيروان وأكثر جيشا، فخرج لنصرة ابن عمه وجيش جيشا كبيرا. فلقيته العرب بجملتها بفحص «ا» سبيبة، على مقربة من القيروان، فكان بينهم يوم عظيم حتى هزم المنصور وقتل أخوه وأكثر صنهاجة. وذلك أن أخاه كان أسن منه فنهاه عن مقابلة العرب، وقال له: «أقم أنت ببلادك وابعث إليهم وصانعهم يأتوك خاضعين وفى جبائك طامعين، فهذا من خلق العرب قديما فلا تلقاهم» «ب» . فلما كان ذلك اليوم، وهزم، قال له أخوه. «ألم أنهك أن تلقاهم بنفسك، ولكن اعطنى تاجك والراية أقم على الجيش، وانج بنفسك، فإن كانت السلامة فمن الله، وإلا بقيت أنت للناس، فليس منك الخلف» .
وهذا من أغرب ما يصنع الأخ مع أخيه والولى مع وليه. فأعطاه عمامته ورايته وكانت مشهورة، فسار بالجيش حتى لحق وقتل. وكانت لملوك صنهاجة عمائم شرب «ج» مذهبة يغلون فى أثمانها، تساوى العمامة ال ٥٠٠ دينار وال ٦٠٠ دينار وأزيد. وكانوا يعممونها بأتقن صنعة فتأتى تيجانا «د» وكان «ر» ببلادهم صناع لذلك، يأخذ «س» الصانع على تعميم عمامة منها دينارين وأزيد. وكانت لهم قوالب من عود فى حوانيتهم، يسمونها الرءوس، يعممون عليها تلك العمائم.
فلما نجا المنصور إلى القلعة، نزلت عليه جيوش العرب وضيقوا [عليه] ببلاده، فكان يصانعهم حتى ضاق ذرعا بهم، وكان لا يقدر على التصرف فى بلاده؛ فطلب موضعا يبنى فيه مدينة ولا يلحقه فيها العرب «ص» فدل على موضع بجاية وكان مرسى. ويقال إنه كانت فيه آثار قديمة وإنها كانت مدينة فيما سلف، فبناها المنصور، وسماها المنصورية، وانتقل ملكهم من القلعة إلى بجاية، واتخذها دار مملكتهم؛ وبينها وبين قلعة حماد مسيرة أربعة أيام.
وهى مدينة عظيمة، ما بين جبال شامخة قد أحاطت بها، والبحر منها فى ٣ جهات: فى الشرق والغرب والجنوب. ولها طريق إلى جهة المغرب يسمى بالمضيق على ضفة النهر المسمى بالوادى الكبير، وطريق القبلة إلى قلعة حماد على عقاب وأوعار، وكذلك طريقها إلى الشرق. وليس لها طريق
стр. 142
سهلة إلا من جهة الغرب، فلم يكن للعرب إليها سبيل، ولا كان يدخل من العرب إلا من يبعث إليه «ا» الملك لمصانعه على بلاد القلعة وغيرها؛ فيدخلها أفراد وفرسان «ب» دون عسكر. فبقى صاحب بجاية فى ملك شامخ وعزباذخ «ج» يضاهى فى ملكه صاحب مصر، فإن بجاية على نظر كبير وفائد عظيم. وبجاية معلقة من جبل وقد دخل فى البحر يسمى مسيون «د» ، وعليها سور عظيم، والبحر يضرب فيه. ولها داران لصناعة المراكب، وإنشاء السفن، ومنها تغزا بلاد الروم فإنها ليس بينها وبين صقلية غير ٣ مجار «ر» .
وهى مرسى عظيمة تحط فيه سفن الروم من الشام وغيرها من أقصى بلاد الروم، وسفن المسلمين من الإسكندرية بطرف بلاد مصر وبلاد اليمن، والهند، والصين، وغيرها. ومدينة بجاية كثيرة الفواكه والأثمار، وجميع الحيرات.
وهى مشرفة، نزيهة، ومطلة على البحر وعلى فحص قد أحاطت به جبال دوره نحو ١٠ أميال، تسقيه أنهار وعيون، وفيه «س» أكثر بساتينهم. ولها نهر كبير يقرب منها بنحو الميلين أو دونهما، وعليه كثير من جناتهم، وقد صنعت عليه نواعير تسقى من أنهر، وله منتزه عظيم. وفى بجاية موضع يعرف باللؤلؤة، وهو أنف من الجبل قد خرج فى البحر، متصل بالمدينة، فيه قصور من بناء ملوك صنهاجة لم ير الراءون أحسن منها بناء، ولا أنزه موضعا؛ فيها طاقات مشرفة على البحر عليها شبابيك الحديد والأبواب المخرمة المحنية، والمجالس المقرّصة المبنية حيطانها بالرخام الأبيض من أعلاها إلى أسفلها؛ قد نقشت أحسن نقش وأنزلت بالذهب واللازورد، وقد كتبت فيها الكتابات المحسنة، وصورت فيها الصور الحسنة، فجاءت من أحسن القصور وأتمها «ص» منتزها وجمالا. وهذا الجبل مسيون «ط» ، الذي فيه بجاية، جبل عظيم عال قد ذهب فى الجو، وقد خرج فى البحر، وفيه مياه سائحة، وعيون كثيرة وبساتين، وهو كثير القردة؛ ويكون فيه الحيوان المشوك المسمى بالذرب «ع» .
стр. 143
قال الناظر: لما كانت هذه المدينة على ما وصفت، وكان فيها بقية صنهاجة الموتورين «ا» ، جعلوا يداخلون أمثالهم ممن وترت دنياه وأخراه، كأهل ميورقة المنقطعين فيها من أبناء جنسهم، فدهم بجاية منهم على بن اسحاق بن حمو بن غانية المسوفى «ب» سنة ٥٨٠ [- ١١٨٤] أول ولاية الخليفة أمير المؤمنين أبى يوسف، أيد الله أمره وأعز نصره. وعاث فيها وفى ذواتها «ج» ودرج منها إلى قسطنطينية فطردته منها عساكر الموحدين، فتوغل فى بلاد الجريد، وعاث فيها، وسفك الدماء، وأخذ الأموال، وأباح الحريم، وفعل ما هو لائق بجدته «د» ووخامة مولده «ر» . فسارع لغزوه أمير المؤمنين، واستأصل شأفته «س» ، ومات- لعنة الله عليه- برشقة سهم على توزر، عقب سنة ٥٨٤ [- ١١٨٩] «١» .
مدينة مرسى الدجاج «٢» : مدينة أزلية على شاطئ البحر، والبحر يضرب فى سورها. وهى قديمة البناء وفيها آثار عجيبة للأول، ولها بساتين وجنات، وبها الطير المسمى بالسمانى كثير من البحر، ويقابلها «ص» جزيرة ميورقة.
стр. 144
مدينة جزائر بنى مزغنّاى «ا» «١» : مدينة أزلية على ضفة البحر، والبحر يضرب فى سورها. وهى قديمة البناء أزلية فيها آثار عجيبة تدل على أنها كانت دار مملكة لسابق الأمم؛ وفيها دار ملعب قد فرش صحنه بحجارة ملونة «ب» مثل الفسيفساء، فيها صور الخيل والحيوان بأحكم صناعة، وأبدع عمل. ويتصل بجزائر بنى مزغناى فحص كبير يسمى فحص متيجة، وهو فحص عظيم كثير الخصب والقرى والعمائر تشقه الأنهار؛ وهو مرحلتين فى مثلها قد أحدقت به جبال مثل الإكليل. وفى آخر هذا الفحص جبل عليه الطريق، وهو وعر المجاز، يسمى حلق واجر «ج» ، ويسميه أهل البلاد باب الغرب؛ وليس يدخل إلى بلاد الغرب إلا منه. وكانت بمدينة بنى مزغنّاى كنيسة عظيمة فيها عجائب من البنيان، بقى اليوم منه جدار هو قبلة الشريعة للعيدين «د» ، وهو كثير النقوش والصور. ومرساها مأمون، وفيه عين عذبة يقصد إليها أصحاب السفن؛ ويقابل هذا المرسى من الأندلس مرسى شكله. وتليها بجهة الغرب مدينة لغانية.
مدينة لغانية «٢» : هى مدينة كبيرة قديمة فيها آثار كثيرة للأول؛ وهى غير مسكونة، ولها نهر يصب فى البحر. ويقابل هذا المرسى- فى بر الأندلس- مرسى مدينة دانية أو هو أوسع بوسطه فى هذا البحر.
مدينة شرشال «٣» : مدينة كبيرة فيها آثار للأول، وهى غير مسكونة.
وفيها بنيان عجيب «ر» يسمى محراب سليمان قد علا فى الهواء؛ ويقابله من الأندلس مرسى ألاقنت «س» .
стр. 145
مدينة تنّس «١» : بينها وبين البحر ميلان؛ وهى مدينة مسورة حصينة، وداخلها قصبة صعبة المرتقى ينفرد بسكناها عامل تنس لمنعتها. وبها مسجد جامع وأسواق حفيلة كثيرة؛ ولها نهر يسمى تامن يأتيها من جبال القبلة مم يستدير بها من جهة الشرق والجوف، ويصب فى البحر. وهى كثيرة الزرع، رخيصة الأسعار، منها يحمل الطعام إلى الأندلس وإلى بلاد إفريقية وإلى بلاد المغرب لكثرة الزرع عندهم. ولكنها وبيّة، من يدخلها لا يسلم من المرض، وكثيرا ما يموت بها الغرباء. ولذلك قال بعض الشعراء فيها:
أيها السائل عن أرض تنس «ا» ... بلد اللؤم لعمرى والدنس
بلد لا ينزل القطر بها ... للندى فى أهلها حرف درس
فصحاء النطق فى لا أبدا ... وهم فى نعم بكم خرس
ماؤها من قبح ما خصت به ... نجس يجرى على أرض نجس
فمتى تلعن بلادا مرة ... فاجعل اللعنة اذا بالتنس
وأعلمنى الثقة أن بها فيران ضخمة.
مدينة قصر الفلوس «٢» : هى مدينة كبيرة، مرسى للمراكب، فيها آثار كثيرة للأول تنبىء أنها كانت دار مملكة؛ وهى اليوم خراب. وفيها ماء مجلوب على قناطر «ب» بأغرب ما يكون من البناء القديم.
مدينة وهران «٣» : هى مدينة على ضفة البحر بناها جماعة من الأندلسيين البحريين بسبب المرسى، بالاتفاق «ج» مع قبائل البربر المجاورين لها؛ فسكنوها مع قبائل من البربر يقال لهم بنو مسكين نحو ٧ أعوام. ثم إنه
стр. 146
زحف إليهم قبائل كثيرة من البربر يطلبون ثأرا بينهم وبين بنى مسكين فأبى من كان فيها من الأندلسيين، وكان عندهم جماعة منهم، فنصبوا عليهم الحرب.
فلما ضيقوا عليهم هربوا بنى مسكين فى الليل؛ وتغلب البربر المحاصرون لها عليها وأخرجوا من كان فيها، وأضرموا نارا فخربت وهران عند ذلك، وبقيت سنين خربة؛ ثم تراجع الناس إليها وبنوا فعادت أحسن مما كانت. وهى مدينة كثيرة البساتين والثمار، ولها ماء سائح وأنهار كثيرة وأرحاء وعيون، وهى من أعز البلاد. ولها نظر كبير فيه قرية كبيرة فيها آثار قديمة؛ وأهلها موصوفون بعظم الخلق وكمال القامة والإباء «ا» والشدة.
قال أبو عبيد البكري: أخبرنى غير واحد ممن دخل هذه القرية ورأى أهلها أن الرجل الكامل من غيرهم يكون إلى منكب الرجل منهم. وأنه كان.
رجل منهم أراد أن يقيم بيتا، فاقتطع ألف كلخة وحملها على ظهره وسوى منها بيتا كبيرا وسكنه. ولوهران مرسى كبير، مشتى للسفن، يكن من الريح لأنه فى حوز «ب» جبل مطل على وهران مرتفع.
مدينة أرشجول «ج» «١» : مدينة قديمة أزلية فيها آثار كثيرة؛ وهى على نهر تأفنى «د» وهو نهر كبير تدخل فيه السفن. والمدينة قريبة من البحر تصل إليها المراكب اللطاف. وهى ساحل تلمسان، بينها وبين تلمسان فحص زيدور لحرث القمح «ر» وهو مبارك مشهور البركة.
مدينة أسلى «٢» : وهى بشرقى أرشجول بمقربة منها؛ وكانت مدينة قديمة عليها سور من صخر؛ وكانت حصينة، ولها نهر يسقى بساتينها وثمارها.
стр. 147
مدينة فكّان «ا» «١» : هى مدينة أزلية كبيرة فيها آثارة كثيرة للأول، ثم إنها خربت، فبعث إليها المنصور بن أبى عامر من بناها وعمرها.
وهى قريبة من البحر.
حصن زيّان «٢» : له نهر كثير الثمار والأشجار؛ وبالقرب منه حصن الفروس وهو على قنة جبل على ضفة البحر؛ وبالقرب من هذا الحصن، الوردانية، وحصن وهنين «ب» ، ومرساه مقصود وله بساتين كثيرة.
مدينة ندرومة «ج» «٣» : من طرف «د» جبل تاجرا؛ وهى مدينة حسنة كثيرة الزرع والفواكه رخيصة الأسعار. ولها بسائط خصيبة «ر» ومزارع كثيرة؛ وبينها وبين البحر نحو ١٠ أميال. وبساحلها نهر ماء يسيل؛ وهو نهر كثير الثمار، وله مرسى مأمون مقصود، وعليه رباط حسن فيتبرك به. وقيل إنه من أتى [فيه] منكرا لم تتأخر عقوبته؛ وقد عرف ذلك من بركته، وحسن صنع الله فيه.
مدينة ترنانا «٤» : كانت مدينة كبيرة مشهورة على ساحل البحر، وكانت محطا للسفن ومقصدا لقوافل سجلماسة وغيرها. وكان سكانها من قبائل البربر ومطغرة «س» ؛ وهم أعدل من هناك من البربر. وعلى هذا الساحل مدن كثيرة قد خربت، وكانت فى سالف الأزمان آهلة كثيرة الخصب، مثل مدينة تا مجريت «ص» وهى ساحل، وبه مدينة مليلة «٥» ، وهى مدينة قديمة
стр. 148
مشهورة ولها سور صخر وداخلها قصبة مانعة. ودخلها الناصر سنة ٣١٤ [- ٩٢٦] ، وبنى سورها.
مدينة عجرود «١» : مدينة قديمة على البحر فيها آثار كثيرة ومرسى مقصود.
مدينة نكر «٢» : وهى مدينة كبيرة، بينها وبين البحر نحو ١٠ أميال؛ وهى بين رواب «ا» وجبال، ولها نهران أحدهما يسمى «ب» نكر وبه سميت، ومخرجه من بلاد كزناية «ج» من جبل كوين «د» ؛ ومن هذا الجبل ينبعث النهر المعروف بورغة، وهو نهر كبير مشهور من أنهار المغرب. ومدينة نكر كثيرة البساتين طيبة الفواكه لاسيما الكمثرى والرمان، فليس يوجد مثلها فى بلدة. وهى قديمة أزلية افتتحها سعيد «ر» بن إدريس بن صالح الحميرى، وهو المعروف بالعبد الصالح، فى أيام الوليد بن عبد الملك بن مروان. وكان دخل أرض المغرب فى الافتتاح الأول قبل موسى بن نصير، وعلى يديه أسلم البربر المجاورين «س» لهذه المدينة، وهم صنهاجة وغمارة. ثم ارتد منهم بشر كثير لما ثقلت عليهم شرائع الإسلام، ثم تلافاهم الله بهدايته «ص» ؛ ومات سعيد المذكور ودفن بقرية أقطى «ط» على شط البحر، وولى ذلك البلد بنوه.
وكانت لهم حروب كثيرة مع قبائل البربر، وكانوا قد تصاهروا مع الحسنيين من بنى إدريس ملوك المغرب. ويجاور مدينة نكر جبل غمارة، وتحته مراسى كثيرة، منها مرسى باديس «ع» ، عليه عمارة كثيرة من البربر، وفيه السعر رخيص ومنه تحمل المراكب الطعام.
стр. 149
مدينة تيطوان «١» : وهى مدينة قديمة كثيرة العيون والفواكه والزرع، طيبة الهواء والماء.
مدينة سبتة «٢» : وهى على ضفة البحر، وهو بحر الزقاق؛ والبحر قد أحاط بها شرقا وجوفا وقبلة؛ وليس لها إلى البر غير طريق واحد من ناحية الغرب، لو شاء أهلها أن يقطعوه لقطعوه «ا» . ولها بابان أحدهما محدث «ب» .،
ولها من جهة البحر أبواب كثيرة. وفى آخر المدينة بشرقها جبل كبير فى شعراء كثيفة يسمى جبل المينا «ج» ، وقد كان محمد بن أبى عامر «د» أمر أن يبنى بهذا الجبل مدينة وينقل إليها أهل سبتة، فبنى سورها ومات ولم يتم ما أراد؛ والسور باق إلى وقتنا هذا كأنه مبنى بالأمس؛ وهو يظهر من بر الأندلس لبياضه.
ومن غريب ما فى ذلك السور أن فيه شقة مستطيلة بأبراجها مبنية بالزيت عوضا من الماء، وكان غرضه إتمام عمله «ر» على هذا لولا الإنفاق الكثير، فان البناء بالزيت أصلب وأبقى على مرور الدهور «س» والأزمان، فلم يساعده الأجل ﵀.
ومدينة سبتة مدينة قديمة سكنها الأول، فيها آثار كثيرة وكان لها ماء مجلوب من نهر قرية أو يات «ص» على ٣ أميال منها، يجرى الماء فى قناة مع ضفة البحر القبلى الذي يعرف ببحر بسول «ط» ، وكان يدخل كنيستها التى هى اليوم جامع سبتة.
وأمر الخليفة أمير المؤمنين أبو يعقوب رضه سنة ٥٨٠ [- ١١٨٤] بجلب الماء إليها من قرية بليونش المذكورة «ع» ، على ٦ أميال من سبتة، فى قناة تحت الأرض
стр. 150
حسب ما جلبه «ا» الأوائل فى قرية قرطاجنة وغيرها. وشرع العمل فعرضت أمور أوجبت التربص إلى حين يأذن الله تعالى بذلك، والرجاء الآن مؤمل ونحن فى سنة ٨٧ [٥] [- ١١٩١] . وعلى قرية بليونش المذكورة جبل عظيم فيه القردة، عبر من تحته موسى بن نصير إلى ساحل طريفة فسمى به وهو الصحيح. وكان عليه حصن هدمه مصمودة المجاورون له، ثم بناه الناصر عبد الرحمن المروانى، فهدموه ثانية. وتحته أرض خصيبة فيها مياه عذبة، ومنه إلى مرسى باب اليم «ب» ، وعليه قرية تعرف بقصر مصمودة، ولها نهر يصب فى البحر عذب؛ ومنه يقرب الجواز إلى جزيرة طريفة ١٨ ميلا.
مدينة طنجة «١» : هى مدينة كبيرة أزلية، فيها آثار كثيرة للأول وقصور وأقباء وغيرها. وكان فيها ماء مجلوب فى قناة كبيرة، وبخارجها ماء طيب «ج» يسمونه برقال حمل «د» شناعة الحمق فهم يعيرون بشربه؛ فيقال لمن تهافت منهم: «شربت ماء بر قال لا جناح عليك» ؛ وفيه يقول الشاعر:
بطنجة عين ماء وسط رمل ... لذيذ ماؤه كالسلسبيل
خفيف وزنه عذب ولكن ... يطير بشاربه «ر» ألف ميل
وكان فيها رخام وصخر منجور جليل؛ منها كانت القنطرة على بحر الزقاق إلى ساحل أندلس التى لم يكن فى العالم مثلها. وكانت تمر عليها القوافل والعساكر من ساحل طنجة إلى ساحل الأندلس؛ فلما كان قبل فتح المسلمين جزيرة الأندلس بنحو ٢٠٠ سنة، طغى ماء البحر وخرج من البحر المحيط إلى بحر الزقاق، فغرق هذه القنطرة وغيرها من المواضع المجاورة لها. ويذكر أن طولها كان ١٢ ميلا، وسعة المجاز اليوم فى موضعها ٣٠ ميلا ونحوها. وتبدو هذه
стр. 151
القنطرة للمراكب فيتحفظون منها؛ ويقال إنها تنكشف فى آخر الزمان ويجوز عليها الناس، والله أعلم بغيبه.
وقيل «ا» إن طنجة آخر حدود إفريقية فى المغرب؛ ومسافة ما بين طنجة والقيروان ١٠٠٠ ميل. وهى طنجة البيضاء المذكورة فى التواريخ. وقيل إن عمل طنجة كان مسيرة شهر «ب» فى مثله، وإن ملوك المغرب من الروم وغيرهم من الأمم كانت دار مملكتهم مدينة طنجة، وذلك من أجل القنطرة لئلا يفجأ العدو إحدى الجهتين، والله بغيبه أعلم. وإذا حفرت خرائب طنجة وجدت فيها أصناف الجوهر، فيدل ذلك على أنها كانت دار مملكة لأمم سالفة.
وقيل إنه يسامت طنجة فى البحر المحيط الأعظم الجزائر المسماة قرطناقش «ج» ومعناه السعيدة، سميت بذلك لأن أرضها تحمل الزرع دون حرث، وشعراؤها وغياضها كلها أصناف الفواكه الطيبة العجيبة دون غراسة «د» ، وفيها أصناف الرياحين العطرة بدل الشوك. وهى متفرقة فى البحر متقاربة بغربى بلاد البربر، يذكر ذلك أهل سواحل المغرب؛ وقد رأيت من امتحن فى طلبها. ويقال، لطنجة وتأتى فيه سيول عظام تذهب ببعض دورها.
مدينة أصيلا «ر» «١» : كانت مدينة كبيرة أزلية عامرة آهلة كثيرة الخير والخصب. وكان لها مرسى مقصود، وكان سبب خرابها أن المجوس إذا خرجوا من البحر الكبير فأول ما يلقون مدينة أصيلا، فينزلون بمرساها ويخربون ما قدروا منها، فيجتمع البربر فيحاربونهم؛ فكانوا معهم على ذلك مع ما كان بين أهل تلك البلاد من الفتن. ويقال إن المجوس قصدوا إليهم مرة فاجتمع البربر لقتالهم، فقالوا لهم: «ما جئنا لقتال وإنما لنا ببلادكم أموال وكنوز، فتنحوا عنا حتى نستخرجها ونشاطركم فيها» . فرضى البربر بذلك واعتزلوا عن الموضع
стр. 152
الذي ذكروا لهم، فحفر المجوس موضعا من تلك المواضع التى زعموا فوجدوا على الخبء مطامير من الدخن فاستخرجوه، فلما نظر البربر من بعيد إلى صفرة الدخن ظنوه تبرا، فبدروا إليهم ونقضوا عهدهم وهرب المجوس إلى مراكبهم.
فلما أصاب البربر الدخن ندموا فرغبوا إلى المجوس أن يرجعوا إلى استخراج المال فأبوا؛ وقالوا: «قد رأينا منكم نقض العهد فلا نأمنكم أبدا» .
مدينة تشمّس «ا» «١» : وهى مدينة قديمة أزلية فيها آثار للأول؛ وهى على نظر واسع كثيرة الخصب والزرع والضرع. وهى تشبه بلاد الأندلس، وبقربها بحيرة كبيرة تسمى أمسنا، يصب فيها البحر ٧ أعوام وتصب هى فى البحر ٧ أعوام؛ وينقطع البحر عنها فتظهر فيها جزائر بينها غدران يتصيد فيها أنواع السمك. وبين البحر والبحيرة مسجد مقصود يسكن حوله النساك وأهل الخيرة، وأمرهم مشهور بتلك الجهات معروف.
مدينة سلا «٢» : اسمها بالعجمى شلّة «ب» ؛ وهى مدينة أزلية فيها آثار للأول. وهى معروفة بضفة الوادى، متصلة بالعمارة التى أحدثها الخليفة الإمام أمير المؤمنين وآباؤه المكرمون. وقد كان اتخذ أرباب البلد العشريون وأولياؤهم مدينة بالعدوة الشرقية، وهى المعروفة الآن بسلا، فيها ديارهم بحومة الجامع؛ ولم يبق منه سوى المنار، وأما السقف كله فتهدم واحتمى الغرباء فى بنائه فى سنة ٥٧٤ [- ١١٧٨] . وأمر الخليفة أبو يعقوب رضه ببناء مدينة كبيرة متصلة بالقصبة التى أحدثها الإمام أمير المؤمنين، وفى هذه القصبة جامع وقصور، وصهاريج الماء أمام الجامع وهو مجلوب من نحو ٢٠ ميلا. وفى هذه المدينة المحدثة قيصارية عظيمة وحمامات وفنادق «ج» وديار كثيرة ومياه مطردة وسقايات ومنافع
стр. 153
أعدت لورود المحلات عليها- إذ [أن] وضعها على المجاز والمعبر «ا» - إلى حضرة مراكش كلأها الله. وعلى هذا المعبر قنطرة مركبة على ٢٣ معدية، مدت عليها أوصال الخشب وصلبت عليها الألواح والفرش الوثيق الذي لا يؤثر فيه الحافر، تجوز عليها العساكر والمسافرون؛ وحولها يتصيد أنواع السمك والشابل «ب» . ويمد البحر فترتفع القنطرة ويتغطى الجسر، فتعوم عليه المراكب وترسو دونه الأجفان الكبار؛ وقل ما تسلم عند دخولها وخروجها لصعوبة «ج» المدخل، وهو مشهور عند أهل صنعة البحر. ويقابله من مراسى بر الأندلس وادى شلب «د» ، وبينهما فى البحر يوم وليلة. وهذه المدينة قد شرفها هذا الأمر العزيز وكرمها بما أحدثه فيها من المبانى الرفيعة والمنارة البديعة، وما هى وقت مرور المحلات عليها إلا من عجائب منتزهات الدنيا، لا سيما فى الأعوام الخصبة والفصول المعتدلة. وناهيك من ساحل طوله نحو الميلين وعرضه نحو الميل مملوء بالبشر، والزوارق فى الوادى بركابها، والمنارة المطلة، وعلاقات الثمار، وعقد الزيتون، وجدر الكرمات، وقبب «ر» الجلوس للسادات أيدهم الله ظاهرة، وقبلة الجامع وأكثر منارة ذلك الحصن المشرف ظاهرة من المدينة.
وما هى فى أوقاتها إلا أملح «س» من ديار مصر، وما يحكى عن دجلة والفرات؛ فإنا لله على الفناء والممات؛ ولله در من قال:
الناس مثل حباب ... والدهر بركة ماء
فعالم فى طفو ... وعالم فى انطفاء
وقد ذكرت البلاد الساحلية والتى تقرب من الساحل أو دونهما، مثل القيروان، للضرورة الباعثة على ذلك. ومن الناس من يرى أن طنجة آخر بلاد الساحل، ويعتقد أن بحر أقناش إنما مدخله من هناك حيث أشبر تيال «ص» «١» ؛
стр. 154
وأنا أقول إن مدخل هذا البحر إنما هو من طرف ايغير «ا» الذي خلفه بلد نول؛ ويقابله طرف الريحانة «ب» حتى لو قطعه مركب بريح مصطحبة لأخذ أحدهما من مقابله «ج» .
ذكر البلاد الصحراوية والتى تقرب من الصحراء بمرحلة أو أكثر من الإسكندرية إلى آخر بلاد المغرب
مدينة المنى «١» : هى أول مدينة تلى الاسكندرية على طريق الصحراء، وهى ٣ مدن قائمة البناء خالية، فيها قصور شريفة فى صحراء رمل، يقطع فيها العرب على القوافل. ويسكن فى بعض تلك القصور الرهبان؛ وبعدها كنيسة غريبة البناء فيها عجائب من الصور والنقوش، توقد قناديلها ليلا ونهارا لا تطفأ؛ وفيها صور الأنبياء ﵈ وصورة مريم عم فى عمود من رخام.
وخارج الكنيسة صور جميع الحيوان والصناع والتجار، ومن جملتها صورة تاجر الرقيق، وبين يديه خريطة مفتوحة فى الأسفل، تنبىء أن التاجر فى الرقيق لا ربح له. وفى وسط الكنيسة قبة فيها ٨ صور يزعمون أنها صور الملائكة «د» ، وفى جهة من الكنيسة مسجد محرابه إلى القبلة يصلى فيه المسلمون. وبقربها مدينة خربها الروم فيها قصور تعرف بقصور أبى معد «ر» ، يسكنها من قريش نحو ٢٠ بيتا، وحواليها «س» قبائل كثيرة من العرب من بنى مذجح وغيرهم؛ وقبائل كثيرة من البربر. ويذكر أن كثيرا ما تتبدل صورة المولود عندهم
стр. 155
فيصير فى خلق الغول والسعلاة، وإن عاش «ا» يعدو على الناس حتى يغل ويقيد. ولأجل ذلك يشتم أهل تلك البلاد وأهل إفريقية بعضهم بعضا يقولون: يا مبدول «ب» . وقد أخبر الثقات أنهم عاينوا ذلك وتحققوه.
مدينة برقة «١» : وهى مدينة كبيرة أزلية قديمة، فيها آثار كثيرة للأول؛ وهى فى صحراء حمراء التربة والمبانى فتحمر لذلك ثياب ساكنيها والمتصرفين فيها؛ وعلى ٦ أميال منها جبل كثير الخصب والفواكه والمياه السائحة. وأرض برقة كثيرة الخصب تصلح السائمة فى مراعيها؛ وأكثر ذبائح أهل مصر والإسكندرية من غنم برقة لعظم خلقها وكثرة شحمها ولذة لحمها «ج» . واسمها باللغة الإغريقية بنطابلس «د» ، تفسيره ٥ مدن «ر» . ويذكر أن فى تلك الخرائب التى ببرقة والآثار القديمة دار منقورة فى حجر صلد، عليها باب من حجر صلد كذلك، من أغرب ما يكون فى الدنيا، لا تدخل الذرة بين العضادة والباب، ولا بين العتبة والباب؛ ولا يفتح الباب إلا للداخل، ولا يقدر أحد على الخروج منه إلا أن يدخل عليه آخر، ويقال إنه كان مفتوحا لا قفل له.
وأخبرنى بعض من دخل ذلك الطريق أن رجلا دخل فيه ليرى الدار، فرأى دارا منقورة فى حجر صلد، وفيها من عظام الناس كثير، فهاله ذلك فأراد الخروج فوجد الباب قد انغلق ولم يقدر على فتحه، وأيقن بالهلكة حتى طلبه بعض أصحابه فجاء إلى ذلك الباب فسمع صوته يستغيث بفتح الباب، ففتحه فخرج الرجل.
وفى تلك الآثار عجائب لمن يتأملها.
стр. 156
مدينة أجدابية «١» : هى مدينة كبيرة فى صحراء صفا، وآبارها منقورة فى ذلك الصفا «ا» ؛ طيبة الهواء والماء وبها عين ثائرة عذبة «ب» ، ولها بساتين ونخل يسير «ج» ؛ وبها جامع حسن البناء بناه الشيعى، وله صومعة مثمنة بديعة العمل.
وبها حمامات وفنادق كثيرة، وأسواق حافلة مقصودة، وأهلها ذو يسار وأكثرهم أقباط «د» ، وبها نبذ من صرحاء لواته. وليس لمبانيها سقوف من خشب، وإنما هى أقباء من الطوب لكثرة الرياح بها. ثم كذلك قبائل البربر والعرب إلى جبل نفوسة «٢» وطوله من المشرق إلى المغرب ٦ أيام؛ وبينه وبين القيروان ٦ أيام، وفيه مدن كثيرة. وفى هذا الجبل مواضع كثيرة فيها آثار قديمة للأول، عجيبة فيها غرائب لمن تأملها. ووصل عمرو بن العاص- ﵀ إلى جبل نفوسة وافتتحه وكان أهله نصارى، وفى جبل نفوسة رجع بكتاب عمر بن الخطاب رضه. وفى وسط هذا الجبل مدينة جادوا «ر» [وهى] مدينة كبيرة لها أسواق حافلة وأكثر أهلها يهود، وهى أم قرى جبل نفوسة.
مدينة شروس «٣» : وهى مدينة كبيرة جليلة قديمة، فيها آثار للأول، وأهلها إباضية «س» ، وليس بها جامع ولا فيما حولها من القرى؛ وفى نظرها أزيد من ٣٠٠ قرية. ولا يرون فى مذهبهم الجمعة، وفى هذا الجبل أمم كثيرة على مذاهب شتى، وأكثرهم إباضية «ص» . وليس لهم أمير يرجعون إلى أمره وإنما
стр. 157
لهم شيوخ وفقهاء فى مذاهبهم يرجعون إلى أمرهم، ولهم رخص كثير فى مذاهبهم.
أخبرنى الثقة قال: رأيت رجلا دخل بلادهم فرأى إنسانا قد أراد التطهر، فنزل على ماء ونزع ثيابه وجعل يشبر كأنه يغتسل، وكأنه يتوضأ، وكأنه يريق على رأسه وعلى جسده الماء. فقال له الرجل ما هذا، فسكت عنه حتى فرغ، فأخذه الرجل الغريب وحمله إلى حاكم البلد، وقال له رأيت هذا يفعل كيت وكيت.
فقال له الحاكم: من أين أنت، فقال من المغرب؛ فقال والله لولا أنك غريب ببلدنا لأدبتك، وما يدريك لعل له عذرا؛ قال الله تعالى: «يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر «١» . وهذا أفضل مذاهبهم «ا» فإن فيهم من لا يرى الاغتسال بالماء جملة؛ وإذا كان على أحدهم غسل يتمرغ فى التراب ويتيمم مكان الوضوء؛ وببلاد إفريقية من هذا المذهب كثير. والزنا الحرام «ب» بجبل نفوسه فى مذهبهم: ما منهم رجل غنى إلا وله وصائف «ج» كثيرة يلبسهن فاخر «د» الثياب ويحليهن بالحلى، ويبرزهن على الطريق للفواحش «ر» ؛ ولهم ديار معدة لذلك، وهذا عندهم معروف لا ينكر. ومن جبل نفوسة إلى بلد غدامس ٧ أيام فى الصحراء؛ والماء منها على مسيرة ٣ أيام وأكثر. وبلد غدامس بلد كبير ونظر واسع كثير النخل والمياه؛ وأهلها بربر مسلمون لا يلتثمون على عادة بربر الصحراء من لمتونة ومسوفة وغيرها.
مدينة غدامس «٢» : مدينة لطيفة قديمة أزلية، وإليها ينسب الجلد الغدامسى. وبها دوامس وكهوف كانت سجونا للملكة الكاهنة التى كانت بإفريقية؛ وهذه الكهوف من بناء الأولين، فيها غرائب من البناء والآزاج المعقودة تحت الأرض ما يحار الناظر إليها إذا تأملها، تنبىء أنها آثار ملوك سالفة
стр. 158
وأمم دارسة؛ وأن تلك الأرض لم تكن صحراء وإنما كانت خصيبة عامرة. وأكثر طعامهم التمر، والكمأة تعظم بتلك البلاد حتى تتخذ فيها اليرابيع والأرانب أحجارا. ومن غدامس يدخل إلى تادمكّة «ا» «١» وغيرها من بلاد السودان.
مدينة زويلة «٢» : مدينة كبيرة قديمة أزلية فى الصحراء، تقرب من بلاد كاتم «ب» وهى من السودان؛ وقد أسلموا بعد ال ٥٠٠ من الهجرة [- ١١٠٦] وهى مجتمع الرفاق وإليها يجلب الرقيق، ومنها يخرج إلى بلاد إفريقية وغيرها من البلاد. ولما فتح عمرو بن العاص برقة وجبل نفوسة بعث عقبة بن نافع حتى بلغ زويلة وافتتحها؛ وصار ما بين برقة وزويلة للمسلمين. وبلد زويلة كثير النخل والثمار، وبقربها قصر واجان «٣» ، وهو قصر عظيم على رأس جبل فى طرف المغازه، وهو مثل المدينة؛ فسار إليه ١٥ يوما فنزل عليه وحاصره نحو شهر، فلم يقدر. فمضى أمامه على قصور كوار ففتحها، وأخذ ملكها فقطع أصبعه؛ فقال: لم فعلت فى هذا؛ قال عقبة: إذا نظرت إلى أصبعك لم تقاتل العرب «ج» . وفرض عليهم ٣٦٠ رأسا ثم سألهم: هل وراءكم أحد فلم يعلموا ما وراءهم، فكر راجعا على قصور واجان ولم يتعرض له ولا نزل عليه «د» ، وسار ٣ أيام. فلما رأوا أنه لم يتعرض لهم أمنوا وانبسطوا، فأقام عقبة بموضع يسمى اليوم ماء الفرس «٤» ، فنفذ ماؤهم وأصابهم العطش حتى كاد يهلكهم.
стр. 159
قال فصلى عقبة بأصحابه «ا» ركعتين ودعوا الله تعالى، فجعل فرس عقبة يبح بيده «ب» فى الأرض حتى انكشفت صفاة تنبعث ماء «ج» ؛ فنادى عقبة فى الناء أن يحتفروا، فاحتفروا فوجدوا ماء معينا زلالا يسمى ماء الفرس.
وكان يقال له عقبة المستجاب لأنه قل ما دعا فى نيل شىء إلا استجيب له ثم كر راجعا إلى قصر واجان من غير طريقه الذي أقبل منه، فلم يشعروا حتى طرقهم ليلا فوجدهم مطمئنين، فاستباح ما فى مدينتهم من ذرارى وأموال ونساء، وقتل مقاتليهم ثم انصرف راجعا إلى زويلة. ومن زويلة كر إلى غدامسر بعد خمسة أشهر، وسار متوجها إلى المغرب. وجانب طريق الجادة، وأخذ أرض مزاته «١» وهم قبيل كبير «د» من البربر، فافتتح قصورهم إلى قفصة «ر» فافتتحها وافتتح بلاد قسطيلية، ثم انصرف إلى القيروان. ثم مضى فى بلاد المغرب حتى انتهى إلى أقصى «ر» بلاد السوس، ثم انصرف راجعا فتوفى شهيدا بتهودة من بلاد الزاب.
بلاد الواحات «س» «٢» : وهى بلاد كثيرة فى الصحراء ما بين بلاد إفريقية وبلاد مصر؛ ولولا قلة الماء فى هذه الصحراء لكان الطريق من إفريقيا إلى مصر على الواحات أقرب. والدخول إلى بلاد الواحات من أوجلة، وزلى «ص» ، وغيرها، التى فى صحراء مدينة طرابلس. وبلاد الواحات «ط» كثيرة التمر والنخل، وفيها مدن كثيرة مسورة وغير مسورة؛ وكل مدينة منها لها اسم يعود إلى الواح:
стр. 160
أريس الواح «ا» ، وتنيس الواح، والواح الخارج، والواح صبروا؛ كلها لها اسم مثل هذا وأهلها مسلمون. وهى آخر بلاد الإسلام، بينهم وبين بلاد النوبة مراحل. وفى بعض مدن الواحات قبائل من لواتة، وإنما أهلها أقباط «ب» .
وزعموا أن فى أقصى بلاد الواحات بلد يقال له واح صبروا، لا يقع عليه إلا من ضل فى الصحراء، وفى النادر من الزمان. وأنه بلد عظيم كثير الخيرات من النخل والزرع وجميع الفواكه ومعادن الذهب، وأنه أخصب بلاد الدنيا وأن الواقع عندهم يكون «ج» فى أخصب عيش؛ فإذا أرادوا خروجه «د» من بلادهم، أروه «ر» طرف بلاده «س» فتاقت «ص» نفسه إليها، فلم يلبث عندهم ورحل كيفما «ط» استطاع. وقد وقع فى هذا البلد رجل من عرب بنى قرة، وبقى فيه مدة ورجع إلى بلاده، وأخبر بما رأى فيه من الخيرات وبما فى أيدى أربابه من الأموال، وليس لها مدافعة ولا بصر بالحرب ولا سلاح لأنهم لم يعهدوا الحرب. فأهاج «ع» ذلك أمير بنى قرة وكان اسمه مقرب بن ماض «١» ، وعزم على النهوض إليهم. فأعد أزودة كثيرة وماء كثيرا، وذهب فى الصحراء يطلب واح صبروا، وضل «ف» به الرجل الذي دخل ذلك البلد فوصل مدينة الواح الخارج فسأل عن واح صبروا. فقالوا كلهم: ما نعرف له طريقا ولا يجده إلا من ضل فى الصحراء فى النادر من الزمان، وهو كما ذكر لك وأكثر.
فخرج من الواح الخارج يطلب واح صبروا؛ فبقى يجول فى الصحراء مدة فلم يجده ولا قدر على الوصول إليه، فخاف نفاد الزاد فكر راجعا. فنزل فى رجوعه ذات ليلة ربوة من الأرض فى بهاء «ك» تلك الصحراء، فوجد بعض أصحابه فى نواحى تلك الربوة بيتا للأول، فبحثوا عليه فإذا هو لبن من نحاس أحمر، فزادوا فى البحث فوجدوا أساس سور من نحاس أحمر للأول. فأوقروا جميع ما عندهم من الظهر من تلك اللبن، وساروا حتى أتوا مدينة الواح الخارج فباعوا
стр. 161
ذلك النحاس بأموال كثيرة. ثم أرادوا أن يرجعوا إلى الربوة التى وجدوا فيها النحاس، فلم يقدروا عليها وضلوا طريقها؛ ولو وجدوها لكان فيها غناهم إلى آخر الدهر.
قيل أتى رجل من أهل الواح الخارج إلى مقرب بن ماض فأخبره أنه دخل حائط «ا» نخل كان له فوجد أكثر تمره قد أكل، ووجد فيه أثر قدم إنسان لا يشبه هذا الخلق فى العظم. قال فاحترسه هو وأهله «ب» ليال حتى طرقهم ذلك الشخص فرأوا خلقا عظيما لم يعهد مثله، فجعل يأكل التمر، فلما هموا به فاتهم فلم يعلموا به أمرا. قال فنهض معهم حتى وقف على أثر ذلك الشخص فاستعظمه، وأمرهم أن يحفروا زبية فى الموضع الذي كان يدخل فيه، وغطوا أعلاها بالحشيش ويرقبوه. ففعلوا ذلك ورقبوه ليال «ج» متتابعة؛ فلما كان ذات ليلة أقبل ذلك الشخص على عادته، فتردى فى الزبية فبادروا إليه بجميعهم وغلبوه بكثرتهم حتى أخذوه، فإذا بامرأة سوداء عظيمة الخلقة مفرطة الطول والعرض لا يفقه منها كلمة. فرآها مقرب بن ماض فهاله أمرها، فكلموها بكل لغة علموها من لغات «د» السودان فلم تجاوب بواحدة منها، وتكلمت بكلام لا يفهم. وبقيت عندهم أياما يأتمرون فى أمرها، فقال لهم مقرب: نرى أن ترسل، وتركب الخيل العتاق السوابق والنجب العشار «ر» فى إثرها إلى أن يوقف على موضعها ويعلم حقيقة أمرها «س» . فلما أرسلت، فاتت الخيل والنجب وبارت الرياح فلم يقفوا على حقيقة خبرها «س» «١» . ويذكر أن بين بلاد الواح وبلاد الجريد من إفريقية رمال عريضة فيها بقاع تعرف بالجزائر وهى كثيرة النخل والعيون، لا عمران فيها، ولا أنيس بها. ويقال إنه يسمع فيها أبدا عزف الجن، ولا شك أنها كانت بلادا عامرة. ويتكدس «ص» هناك من التمر تحت النخل أكوام لا يقع عليها أحد إلا الطير والوحش، وربما انتجعه الناس فى السنين «ط» الجدبة وعند الضرورة.
стр. 162
قال الناظر: وصح عندنا أن قبيلة سليم المنقطعين فى صحراء طرابلس ينتجعون تمر هذه المواضع، ومنها يتعيشون، وإليها يلجأون عند المطلبة لهم وفيها يعتصمون؛ وسمعت هذا قبل الوقوف عليه بمنه «ا» .
ذكر بلاد الجريد من إفريقية
وإنما سميت بلاد الجريد لكثرة النخيل بها؛ وهى مدن كثيرة وأقطار «ب» «١» واسعة وعمائر متصلة، كثيرة الخصب والتمر والزيتون والفواكه وجميع الخيرات. وهى آخر بلاد إفريقية على طرف الصحراء.
وفيها المياه السائحة والأنهار والعيون الكثيرة. فأولها من جهة الساحل مدينة قابس وقد ذكرناها فى البلاد الساحلية.
مدينة حامّة مطماطة «٢» : وهى مدينة قديمة مسورة، وعليها هزم الخليفة أبو يوسف- أدام الله تأييده- شقى ميورقة وأستأصل شأفته «ج» ؛ وسكانها قوم من البربر يعرفون «د» بمطماطة. وهى كثيرة التمر والزيتون والفواكه؛ وفى المدينة عين كبيرة شديدة الحرارة فإذا استقى منها الماء برد لحينه، ومنها يشربون ويسقون غابتهم وغلاتهم.
مدينة قفصة «٣» : مدينة كبيرة قديمة أزلية، كان لها سور حصين من صخر جليل بأحكم صناعة يخال لرائيه أنه كما فرغ من عمله. ويقال إن الذي بناه شيبان «ر» غلام النمرود بن كنعان الجبار، وكان اسمه منقوشا على باب
стр. 163
من أبوابها؛ وكانت له أربعة أبواب. فلم تزل أهواء أهلها تضطرب وقلوبهم تنقلب من حين توحيدهم بزعمهم سنة ٥٥٥ [- ١١٦٠] «ا» ، فثاروا على الموحدين وسفكوا دماءهم وقدموا على أنفسهم رجلا منهم يعرف بعلى بن الرند «ب» ، فملكهم إلى سنة ٧٦ [٥] [- ١١٨٠] وأخرجه منها الخليفة أبو يعقوب بن الإمام الخليفة أمير المؤمنين وولاه عمل مدينة سلا، فمات بها. وبقى أهل قفصة إلى سنة ٨١ [٥] [١١٨٥] فمر عليهم الغاوى الشقى الميورقى، فأدخلوه البلد وملكوه.
وترك بها جماعة من الأغزاز الموالين له، فحصرهم بها الخليفة أبو يوسف- رضى الله عنه- فرغبوا فى عتق رقابهم «ج» على أن يكونوا عبيدا للأمر العزيز مماليكا للخليفة، وأسلموا من سواهم، فعفا الخليفة عن جرمهم «ج» وأعتقهم، وترك أهل قفصة فى بلدهم، وقتل المارقين الميورقيين لنفاقهم وشقاقهم كما قيل:
يا ذلة التلثيم عند الكر «د» ... إذ يبتغون عودة للأمر
ولما تقرر نفاق أهلى قفصة وترددهم وشكهم وعتوهم وإفكهم، رأى الإمام أمير المؤمنين رضه أن كف شرهم وخسف مكرهم لا يكون إلا بهدم سورهم، وكشف ستورهم. فأمر للحين بهدمه فلم يكن فيه للمحلة إلا من ظهر يوم العصر الثالث منه، ولم يبق إلا أساسه وبرج بقرب برج بن زواج شاهدا
стр. 164
على عتاقه بنيانها وعظم شأنها «ا» ، وإنه لمن آيات هذا الأمر العزيز التى تتبين بها عظمته لذى الفحص والتزليم «ب» .
وكان اسم مدينة قفصة مدينة الحنيّة لأن فيها بنيانا قديما مثل الحنية فكانت تسمى بها؛ وهى متوسطة بين القيروان وبين مدينة قابس. وفى داخلها عيون كثيرة منها عينان كبيرتان معينتان ليس لهما نظير فى عذوبة مائهما وصفائه وكثرته؛ إحداهما عند باب الجامع تسمى بالوادى الكبير، وهى عين عظيمة مبنية بالصخر الجليل من بنيان الأول سعتها نحو ٤٠ ذراعا فى مثلها، وفوقها عين أصغر منها تسمى رأس العين، وبينهما قنطرة من بنيان الأول، ولا شك أن ماءهما واحد. وماء هذه العين الأولى أزرق شديد الصفاء يرئى قعر العين من أعلاها وفيها الماء نحو ٧ قيام؛ والعين الأخرى تحت قصر قفصة وتسمى بالطرميد، عليها بنيان عجيب قديم؛ وبإزائها مسجد يعرف بمسجد الحواريين. ومنبع هذه العين من حجر صلد من ثقب وسع فم الإنسان «ج» ، وينبعث منه بقوة عظيمة. وقد بنى له صهريج عليه دكاكين مبنية بالحجارة وعليه أقباء، وقد بنى فوقه مسجد عظيم. فإذا اجتمع ماء هذه العين مع ماء العين الكبيرة، التى عند الجامع، جاء منها نهر كبير تطحن عليه أرحاء كثيرة، ويسقى نصف غابة قفصة ونصف أرضها ومز درعاتها. والنصف الثانى من غابة قفصة يسقى من عين عظيمة خارج «د» المدينة يسمى عين المنستير، وهى عين كبيرة معينة عذبة يخرج منها نهر كبير. وهذه العين من أحسن ما يرى من العيون، وهى فى جانب النهر الكبير المسمى بوادى بايش «ر» ، وهو يشق غابة قفصة «س» ويسقى بعض بساتينها، وهو نهر مشهور يأتى من جبال شرقى قفصة «س» لكنه فى أيام الصيف يقل جريانه ولا ينشع «ص» ، وأرض هذا الوادى كله تنشع «ص» . وفيه تورد العرب إبلها، تحفر فيها احساء فتخرج ماء عذبا معينا. ولأهل قفصة فى سقى جناتهم هندسة عظيمة وبرشام شديد «ط» وتدقيق «ع» حساب. يقول أهل قفصة: إذا رأيت قوما يتخاصمون وقد علا بينهم الكلام
стр. 165
فتعلم أنهم فى أمر الماء. وكان على أحد أبوابها كتابة منقوشة فى حجر من عمل الأول ترجم فإذا هو: هذا بلد تحقيق وتدقيق.
وكذلك ليس بإفريقية حريم أجمل من حريم قفصة مع ملاحة أخلاقهن ورخامة منطقهن «ا» ؛ ويسمون الماء الذي يخرج من المدينة فيسقى نصف جناتهم «الماء الداخل» ، ويسمون الماء الذي خارج المدينة، وهو عين المنستير وماء وادى بايش «بالماء الخارج» . ولهم مياه غير هذه تسمى بالماء الصغير «ب» ، وهى عيون كثيرة بقرب المدينة تسقى بعض جناتهم. وسقيهم بها بالساعات؛ وترى خدام تلك الجنات والبساتين أعرف الناس بأوقات النهار. إذا سألت رجلا منهم لا يفقه شيئا عما مضى من ساعات النهار، وقف ونظر إلى الشمس واكتال بقدميه فى موضع ظله، ويقول لك مضى كذا وكذا ساعة وكذا وكذا سدس من الساعة. وأهل قفصة يتنافسون فى هذه المياه، ويتابعون سقيها بأغلى ثمن. ولمدينة قفصة غابة كبيرة قد أحاطت بها من كل ناحية مثل الإكليل، فى تكسير دائرتها نحو ١٠ أميال «ج» ، فيها من المنازل التى تعرف بالقرى ١٨ منزلا. وعلى الغابة والمنازل والكل حائط يسمونه «سور الغابة» . وفى ذلك السور أبواب عظام عليها أبراج مسكونة، يسمون تلك الأبواب: الدروب. وغابة قفصة كثيرة النخل والزيتون وجميع الفواكه التى ليس فى بلد مثلها: فيها تفاح عجيب جليل زكى الرائحة يسمونه السدسى، لا يوجد فى بلد مثله؛ وكذلك الرمان والأترج والموز لا يوجد مثلها «د» فى بلد. وفيها نوع من التمر يسمى بالكسبا، ليس مثله فى بلد وهو أكثر تمرهم؛ يكون فى التمرة فتر فى جرم بيض الدجاج، تكاد تنفذها ببصرك لصفاء لونها ورقة بشرتها. وهم يجعلونه فى أزيار، فإذا أخرجوه منها بقى فى قعر الزير عسل ألذ من عسل النحل وأعطر؛ وهم يصرفونه فى طعامهم كما يصرف العسل عندنا وتعمل منه الحلاوات «ر» . وقفصة أكثر البلاد فستقا حتى إننى أظن «س» أنه ليس بإفريقية فستق إلا فيها؛ ومنها يجلب إلى إفريقية وبلاد المغرب، وبلاد الأندلس وبلاد مصر. فإن الذي يجلب من بلاد الشام صغير الجرم ليس مثل
стр. 166
القفصى، فإن القفصى يكاد أن يكون فى جرم اللوز. وهو إذا كان فى شجره أجمل ثمرة خلقها الله تعالى، فإنه يكون عناقيدا مثل عناقيد العنب، وهو زكى الرائحة حتى إنه لا يقدر أحد أن يسرق منه شيئا، فإنه تشتم عليه رائحته.
وفى بساتين قفصة من الرياحين كثير: مثل الآس والياسمين والنارنج والنرجس والسوسان والبنفسج وغير ذلك. ووردها أكثره أبيض، وماؤه أزكى ماء يكون للورد، يشبه الجورى «ا» الذي يجلب من بلاد مصر.
ويصنع بقفصة أردية وطيالس «ب» وعمائم من صوف فى نهاية الرقة تضاهى ثياب الشّرب «ج» ؛ وتصنع بها أوان للساء من خزف تعرف بالريحية، شديدة البياض فى نهاية من الرقة «د» ليس يعلم لها نظير فى جميع البلاد.
ويصنع بها زجاج حسن، وأوان عجيبة «ر» وأوان مذهبة غريبة. وهى حاضرة فى جميع أمورها، وأهلها ذوو يسار وفيهم خير كثير ولهم صدقات، وهم يعظمون يوم عاشوراء تعظيما كثيرا وهو عندهم مثل الأعياد؛ ولهم فيه صدقات كثيرة وكساء للمساكين. وكانت مدينة قفصة أعظم بلاد إفريقية نظرا: كان حولها نحو ٢٠٠ قصر آهلة عامرة، فيها الأشجار والنخل والزيتون والفستق وجميع الثمار؛ وفيها العيون والأنهار والآبار «س» ، وتسمى قصور قفصة. ومن قصورها مدينة طوارق «ص» ، وهى فى منتصف الطريق من قفصة إلى فج الحمار وأنت تريد القيروان؛ وكانت مدينة آهلة كبيرة فيها جامع. وكانت القوافل إذا خطرت بين هذه القصور تكم إبلها ودوابها لئلا ترعى ورق الشجر لكثرته على ذلك الطريق. وهى اليوم خربة لا أنس (ط) بها من وقت دخلت العرب بلاد إفريقية، وأفسدت بلاد القيروان وغيرها من البلاد والقرى والعمائر وكثيرا من المدن بإفريقية «١» .
стр. 167
ذكر كورة قسطيلية من بلاد الجريد
وهو قطر كبير فيه مدن كثيرة قاعدتها توزر كلاها الله. وهى المدينة السعيدة التى هلك عليها عدو الله شقى ميورقة. رشقه سهم فى ترقوته فقضى نحبه. ولها هذه الفضيلة التى اختصت بها. وكان قد انتقم من أهلها سنة ٨٢ [٥] [- ١١٨٦] ، وحصرها مدة وضيق عليها حتى دخلها ثم أخرجه عنها الأمر العزيز، وفر إلى الصحراء على وجهه وأتصل ببنى قرة «ا» فعند قفول «ب» المحلة المنصورة عن بلاد إفريقية أقبل إليها وظن أن كل بيضاء شحمة، فأتاه الموت من حيث لم يحتسب. وقيل إنه كان سهم قوس اللولب «ج» .
وهى مدينة كبيرة قديمة عليها سور مبنى بالحجارة والطوب، وحولها أرباض واسعة، ولها ٤ أبواب وعليها غابة كبيرة. وهى أكثر بلاد الجريد تمرا ومنها تمتار «د» جميع بلاد إفريقية وبلاد الصحراء التمر لكثرته بها ورخصه. ولأنها على طرف الصحراء لا يعلم ما وراءها ولا قدر أحد على الدخول فى الصحراء التى فى قبلتها؛ ويقال إن فى تلك الصحراء وادى رمل يجرى كما يجرى الماء؛ وهذا مستفاض. وأهلها من بقايا الروم الذين كانوا قبل استفتاح المسلمين لها؛ وكذلك أكثر أهل قسطيلية وبلاد الجريد، لأنهم فى حين دخول المسلمين إفريقية أسلموا على أموالهم. وفيهم من العرب الذين سكنوا فيها من المسلمين عند استفتاحها. وفيهم من البربر الذين دخلوها فى قديم الزمان عند خروجهم من بلادهم وانجلائهم عنها. وذلك أن بلاد البربر إنما كانت أرض فلسطين من ديار الشام، وما جاور تلك الأصقاع، وكان ملكهم جالوت الجبار العنية «ر» «١» ، وجالوت سمة لسائر ملوك البربر، إلى أن قتل داود عم جالوت كما ذكر الله تعالى فى محكم كتابه، ودخلت بلادهم تفرقوا فى البلاد. فمشى أكثرهم نحو المغرب ونزل بعضهم بالقرب من بلاد مصر، وتفرقت البرابر فى بلاد إفريقية وبلاد المغرب حتى وصلوا إلى أقاصى بلاد المغرب، على أزيد من ١٠٠٠ ميل من بلاد القيروان، واستوطنوها إلى وقتنا هذا. وكانت بلاد إفريقية للافرنج فأجلتها البربر عنها إلى جزائر
стр. 168
من البحر مثل صقلية وغيرها ثم تراجعت الإفرنجة إلى مدنها وعمائرها على موادعة «ا» وصلح مع البربر، واختارت البربر سكنى الجبال والرمال والبرارى وأطراف البلاد، فصارت الروم بالمدن والعمائر حتى افتتح المسلمون إفريقية فانجلت الروم أمام المسلمين مرة ثانية إلى جزائر البحر وغيرها إلا من أسلم وبقى فى بلاده على ماله مثل أهل قسطيلية وغيرهم من البلاد. وأهل توزر يبيعون زبل مراحضهم وهم يعيرون «ب» بذلك لأنهم لا يدخلون المراحض بالماء لئلا يفسد الزبل؛ فإذا دخل أحدهم المرحاض مشى إلى بعض السواقى التى تشق مدينتهم أو الوادى فاغتسل. ويمشى عندهم دلال المرحاض بالزبل فى الإناء، فإذا كان جافا حرص عليه، وإذا كان رطبا زهد فيه. ويضعون فى جناتهم مراحض على الطرق العامرة لمن كان مضطرا أو غريبا ليس من أهلها. وأما البلدى فلو أمسك ذلك يوما أو يومين ما رماه إلا فى مرحاضه. وإنما ذلك لتدمين أرضهم لأنها فى غاية الجفوف لقربها من الصحراء؛ وتتفاضل بلاد الجريد فى رطوبة الأرض ودهنيتها وتوزر أيبسها.
ومن بلاد قسطيلية مدينة نفطة «ج» «١» : بينها وبين توزر ٢٠ ميلا.
وهى مدينة كبيرة قديمة عليها سور من بناء الأول، ولها غابة كثيرة «د» النخل والبساتين وجميع الفواكه. وهى كثيرة الخصب ولها نهر يسقى بساتينها؛ وهى قديمة خصيبة وأهلها ذو ويسار. وهم من بقايا الروم كما ذكرنا.
ومن بلاد قسطيلية بلد تقيوس «٢» : وهى ٤ مدن متقاربة عليها أسوار، يكاد يكلم بعض أهلها بعضا لتقاربها. ولهم غابات كثيرة النخل والزيتون وجميع الفواكه؛ وهى أكثر بلاد قسطيلية زيتونا وأكثر جباية وأحسن هواء؛ فيها العيون الكثيرة العذبة، والمياه السائحة.
стр. 169
ومن بلاد قسطيلية مدينة الحامّة «ا» : وتعرف اليوم بحامة بنى بهلول، وبنى بهلول من سادات بلاد قسطيلية بل هم أغنى من فيها، وهم من بقايا الروم الذين أسلموا على أموالهم. وعندهم كرم كثير وبر بالأضياف وحرص على التضييف، وهو الذي رفع ذكرهم فى تلك البلاد. وهذه المدينة لها حصن يسمونه القصر؛ وهو مختص ببنى بهلول «١» وحاشيتهم. ولها أرباض واسعة يسكنها الناس؛ وهى كثيرة التمر والزيتون وجميع الفواكه؛ ومن مدن نفزاوة ما يضاهيها. ومياه هذه المدينة كلها حامة حارة. وليس ببلاد الجريد أكثر عنبا منها ولا أطيب، وشرابه أطيب من كل شراب وأعطر. ويزعم أهلها أنه يسرج به السراج كما يسرج بالزيت. وفيها نوع من التمر يسمونه الخنفس، وهو أسود اللون شديد الحلاوة كبير الجرم. وفى قسطيلية قصور كثيرة وعمائر متصلة أعرضنا عنها وعن ذكرها.
ومن بلاد الجريد بلاد نفزاوة «٢» : وهو قطر مثل قسطيلية فيه مدن وقصور وعمائر كثيرة متصلة آهلة.
فمن مدن نفزاوة مدينة طرّة «٣» : وهى مدينة مسورة حصينة، لها غابة كثيرة النخل والزيتون وجميع الفواكه.
ومن مدن نفزاوة أيضا مدينة بشرى «٤» : وهى مدينة مسورة قديمة، لها غابة كبيرة كثيرة النخل والزيتون وجميع الفواكه.
стр. 170
ومن مدن نفزاوة أيضا مدينة أيتملين «ا» «١» : وهى مدينة لطيفة حصينة لها أرباض ولها غابة نخيل وزيتون وجميع الفواكه. قال بعض الأدباء:
ايتملين سبعة أحرف على لطفها وخمول ذكرها، ومصر ثلاثة أحرف على عظمها وسمو ذكرها.
وبنفزاوة مدن وقصور وعمائر مثل قسطيلية، وهى كثيرة النخل والبساتين كثيرة الخصب. وفى بلد نفزاوة عين كبيرة تسمى بالبربرية تاورغى «٢» ، وهى من بناء الأول؛ وليس ببلاد الجريد عين أعظم منها، لا يدرك لها قعر. وبقرب نفزاوة مدينة أزلية غير مسكونة فيها آثار كثيرة للأول تعرف بالمدينة «٣» . وبين نفزاوة وقسطيلية مرحلة، والطريق بينهما فى أرض سواخة وسباخ وملاحات لا يهتدى للطريق «ب» بها إلا بخشب قد نصبت فى دهس تشبه الصابون فى الرطوبة. فإن أخطأ أحد طريق تلك الخشب المنصوبة على الطريق سلك فى تلك السباخ. وقد هلك فيه العساكر والجماعات على قديم الزمان؛ ممن دخلها ولا يعرف أمرها أو خانته تلك الخشب «٤» وتلك السباخ لا يعلم لها آخر، إنما هى قد اتسعت فى تلك الصحارى، ولا يسلك منها إلا الطريق إلى توزر، وإلى بلاد قسطيلية ما يقرب من البر بتلك العلامات. ويقال إنها متصلة ببلاد غدامس. وهذه السباخ كلها ملاليح «ج» وفيها موضع بين نفطة والحامّة يعرف «بالسبع سباخ» . وفى وسط الطريق المار من مدينة توزر إلى نفزاوة جزيرة صغيرة فيها عين عذبة يشرب منها من يسير على ذلك الطريق. وإذا دخل المسافرون هذا الطريق فى أيام الصيف يكادون يهلكون من حرارة الملح «د» ويرجع ماؤهم وهو فى الزقاق ملحا، ولا تقدر على شربه إلا أن يمزج بسكر أو بعسل؛ رأيت ذلك وشاهدته.
стр. 171
قال الناظر: وعندها هزم الخليفة أبو يوسف رضى الله عنه الشقى الميورقى بظهر مدينة حامة مطماطة المذكورة، فر الشقى منهز ما بخديعة الذهن آخذا على هذه السباخ، فتبعه الموحدون أعزهم الله، سالكين أثره قاصين خبره حتى أشرفوا على مدينة توزر، فلقوه قد توغل فى صحرائها. وخاطب الخليفة رضى الله عنه بلاد المغرب معلما بذلك. فمن فصل من الرسالة «١» : « ... نهض الموحدون- أعزهم الله- من قابس- كلأها الله- آخذين على صحرائها وقاصدين إلى البلاد الجريدية من ورائها على طرق لا عهد لها بالعساكر، ولا علم فيها لعابر، ولا منفذ أمامها لوارد ولا صادر، بحيث منقطع التراب، ومتصل القفر اليباب، ولا ماء ينبع فى الأرض ولا يستقر من صوب السحاب «ا» ، وإن سلوكها لمن العجائب العجاب «ب» ، وآيات هذا الأمر «ج» الميسر للطلاب ... » .
وآخر بلاد الجريد مدينة درجين «د» «٢» : وهى مدينة قديمة بقرب نفطة، وهى مدينة كبيرة وفيها تصنع الكسى الدرجينى، وهو يشبه السجلماسى فى ثوبه ولونه، ولكنه دونه فى الجودة. وبالقرب منه بلد سوف، ولا يعرف خلفه عمران ولا حيوان إلا جبال من رمل يصاد فيها الفنك الذي لا يوجد لجلده نظير فى الدنيا. وأهل تلك البلاد يخبرون أن قوما أرادوا معرفة ما وراء قسطيلية مثل توزر وغيرها، فأستعدوا بالأزودة والمياه، وذهبوا فى تلك الصحارى والرمال أياما، فلم يروا أثرا لعمران وهلك أكثرهم فى تلك الرمال. قال الناظر: ركب هذه الرمال، وشق صحراءها هذا الشقى فى حين طلب الموحدين له، أيام إقامة أمير المؤمنين على قفصة، وإنما نبه على ركوبها ما تعوده أيام كونه مع أبيه بميورقة، فإن من أفعال عدو الله ركوب ظهر اللجج طول النهار، فإذا أقبل العشى طلب أهل البر للفرضه. وكذلك فعل الشقى،
стр. 172
ركب هذه الصحراء طول إقامة الخليفة ببلاد إفريقية، فلما أقبل عنها، رجع إلى أقرب البلاد لها وهى توزر فقضى نحبه عليها، وإنها من براهين هذا الأمر العلى، وأخذه الله تعالى بذنوبه المتقدمة من سفك الدماء وإباحة الأموال والحريم فى بلاد إفريقية. قال المؤلف: وأهل الجريد يأكلون الكلاب ويستطيبونها، وهم يسمنونها، ويعلفونها بالتمر، فيزعمون أن لحمها يأتى ألذ اللحوم «١» . ولا يجذم أحد ببلاد الجريد، وإن دخلها مجذوم توقفت عنه علته. ويقول أهل بلاد الجريد إن التمر إذا أكل أخضرا، وهو الذي يسمى البهر يفعل ذلك، وإنه من بدت به علة الجذام، فأكثر من أكل البهر وطبخه وشرب مائه برأ باذن الله.
ومن مدن إفريقية المشهورة مدينة باجة «٢» : وهى مدينة كبيرة أزلية قديمة فيها آثار للأول. ولها حصن حصين أزلى مبنى بالصخر الجليل، أتقن البناء، يقال إنه من عهد عيسى عم. ومدينة باجة على جبل شديد البياض، يسمى الشمس لبياضه، وهى كثيرة الأنهار والعيون؛ ومن تلك العيون عين كبيرة تسمى عين الشمس، وهى تحت سور المدينة؛ وباب المدينة بإزاء العين ويسمى الباب باب عين الشمس. ومدينة باجة رخيصة الأسعار جدا، فإذا أخصبت البلاد لم تكن للحنطة بها قيمة. وتسمى باجة هرى إفريقية، فإن بها تمتاز «ا» جميع البلاد، عربها، وبربرها، لكثرة طعامها ورخصه. وباسمها سميت باجة الغرب بجزيرة الأندلس. وباجة إفريقية على مقربة من فحص قلّ «٣» المشهور بكثرة الزرع، وأرض هذا الفحص أرض مشققة سوداء، يجود فيها جميع البذر، ويكون فيه حمص وفول قل ما يوجد مثله فى موضع.
ومدينة باجة نظر كبير، ولها قرى كبيرة عامرة ومن بعض قرى باجة، قرية تعرف بالمغيرية «ب» وهى كبيرة وبها آثار كثيرة للأول، من كنائس قائمة
стр. 173
البنيان، محكمة العمل، كأنها رفعت عنها الأيدى بالأمس؛ وكلها مفروشة بالرخام النفيس. وفى هذه الكنائس أعجوبة، يجتمع على حيطانها من الغربان عدد لا يحصى، يظن الرائى لها أن غربان الأرض قد جمعت هناك. ويقال إن لها بها طلسم. وكان الولاة يتنافسون فى ولاية بجاية، ويقولون من يترك قمح عندة وسفرجل دانة وعنب باطة «ا» وحوت درنة. وذرنة بحيرة كبيرة ما بين مدينة باجة، ومدينة طبرقة. وعلى الطريق من القيروان إلى قلعة «ب» أبى طويل وهى قلعة حماد، مما يلى بلاد الصحراء، مدن كثيرة خربتها العرب عند دخولهم بلاد إفريقية، منها
مدينة سبيبة «١» : وهى مدينة قديمة أزلية، ذات أنهار، ومياه سائحة تطحن عليها أرحية. وكانت على نظر كبير ومز درعات كثيرة وقرى عامرة.
وفيها اليوم بعض سكنى لقبائل من البربر والعرب، ويسمى اليوم ذلك النظر القرى «ج» . ولم يكن بإفريقية أخصب أرضا منها، ولا أكثر بساتينا وثمارا وعيونا جارية. ولمدينة سبيبة عين عظيمة كبيرة، وهى من بنيان قديم، من عمل الأوائل، ويقال إن فيها أخباء كثيرة «د» . ومن أغرب ما يهتف به أهلها، أنهم يقولون إنه يوجد فيها فى رأس كل شهر دينار كبير، زنته عشرة مثاقيل «ر» ، ولا يجده إلا من يعرف رقية العين، ويقولون إن رجلا كان يعرف رقية العين المذكورة، فكان يبخر ببخور، ويرقى بكلام غير مفهوم، فكان يجد فيها كل يوم دينارا من تلك الدنانير، حتى كسب من ذلك مالا كثيرا.
مدينة مجّانة «٢» : وتعرف بمجانة المطاحن «س» ، لأن «ص» بها معدنا لقطع حجارة الأرحاء «ط» ليس على الأرض مثله؛ وهى مدينة قديمة أزلية ذات مياه وعيون.
стр. 174
مدينة مرما جنّة «١» : كانت مدينة كبيرة قديمة أزلية. فيها آثار كثيرة للأول ولها عيون سائحة، وهى على نظر واسع كثير الزرع والخيرات.
مدينة تبسا «٢» : وهى مدينة قديمة أزلية، فيها آثار كثيرة للأول ومبان عجيبة، ما بإفريقية بعد قرطاجنة أعظم منها. فيها دار ملعب قد تهدم أكثره، أغرب ما يكون من البناء. وفيها هيكل يظن الرائى انه كما رفع اليد عنه، ما يكاد يعرف الفرق «ا» بين أحجاره «ب» ، ولو غرست الإبرة بين حجرين من أحجاره ما وجدت منفذا. وفى داخله أقباء معقودة بعضها فوق بعض، وبيوت تحت الأرض وآزاج كثيرة لها منظر هائل. ويقال إن ذلك الهيكل كان لاستنزال الروحانيات، لأن فيه أثر الدخان، وفيه صور جميع الحيوانات وصور شاذة لا يعلم ما هى. وفى وسط المدينة هيكل عظيم، مبنى على سوارى رخام عظام، وقد صور خارج حيطان هذا الهيكل من صور جميع الحيوانات بأغرب ما يكون من التصوير، ويقال إنها كلها طلاسم. وتوجد فى خرائبها طلاسم، ولقد دخلتها فأعطانى إنسان من أهلها طلسما، وهو على صورة أسدين من نحاس أحمر، عجز الواحد منهما إلى عجز الآخر، قد صورتا بأعجب ما يكون من التصوير. وأخبرنى أن بلدهم تبسّا كان لا يدخلها عقرب، ولو أدخل فيها مات، حتى حفر إنسان أساس داره، فوجد قدر نحاس فيها عقارب من نحاس، فسبكها، وصرفها فيما يحتاج، فدخلت حينئذ العقارب المدينة، وأضرت بالناس فيها. والمسكون اليوم من تبسا إنما هو قصرها، وعليه سور من حجر جليل، متقن العمل كأنما فرغ منه بالأمس، وهو حصن عظيم. وفى مدينة تبسّا أقباء تدخلها الرفاق بدوابهم فى أيام الشتاء، يسع القبول منها ألفى دابة وأكثر. وبقرب مدينة تبسا، واد يعرف بوادى
стр. 175
ملان. وهو يقل فى أيام الصيف؛ وهو صعب المجاز كثير الدهس «ا» ، وعليه جبل يسمى ملان «ب» يرى على مسيرة أيام لعلوه، وذهابه فى الجو. وعلى مقربة من تبسا جبل يعرف بالكتف «ج» ، وفى أعلاه مغارة لا يقدر على الوصول إليها لا من فوق الجبل، ولا من أسفله. ويقال إن فيها مالا «د» عظيما، فإن الطير إذا نزلت فى تلك المغارة وطارت عنها سقطت منها دنانير كبار من ذهب نفيس، وهذا متعارف فى تلك البلاد. ولمدينة تبسا بساتين كثيرة، وفواكه عجيبة، ويجود «ر» فيها الجوز حتى يضرب به المثل بإفريقية
مدينة باغاية «س» «١» : وهى مدينة عظيمة جليلة، فيها آثار للأول، ولها أنهار عامرة، وعيون، ومزارع، ومسارح. وهى تحت جبل أوراس، وهذا الجبل يشق بلاد المغرب وإفريقية: فطرفه من البحر الغربى ايغريطوق «ص» على البحر المحيط، حيث انتهى عقبة المستجاب، ﵀؛ وطرفه الثانى فى البحر الشرقى بقرب الإسكندرية، وهو المسمى بطرف أوثان الذي إذا عبرته «ط» المراكب استبشرت بالسلامة. ومبدؤه بالمغرب، وهو جبل المصامدة المسمى بجبل درن، وهو جبل جزولة المسمى بانكسيت وهو جبل أوراس هذا، ويسكنه لواته، وهو جبل نفوسة. ويدخل طرفه فى البحر نحو ١٠٠ ميل وأزيد. وله جون «ع» عظيم فإذا أدخلت الرياح سفينة من السفن فى هذا الجون، وعدمت الرياح التى تخرجها منه فلا تجد هناك مرسى لأنه جبل صلد أملس «ف» مثل الحائط، وهذا الجون من أحد عجائب الدنيا.
стр. 176
وبقرب باغاية قبر مادغوس «ا» وهو قبر مثل الجبل العظيم مبنى بآجر رقيق معقود بالرصاص، وبنيت بجانبه «ب» طبقات صغار وصورت فيه جميع الصور من الإنس والطير والوحش «ج» . وهو مدرج النواحى؛ وقد رام كثير من الأمم هدم هذا القبر فلم يقدروا على ذلك لقوة بنيانه، ولمانع يمنع عنه. ولا يعلم على الحقيقة ما هو: هل هو قبر أو هيكل. إنما هو بناء قديم لا يعلم له أول، وهو مجمع لكل طائر؛ ويقال إن لهم هناك طلاسم.
ومن الجبال المشهورة بإفريقية جبل أوراس «د» «١» : وهو جبل خصيب فيه مدن كثيرة وفيه آثار كثيرة للأول ومدن خربة «ر» مثل مدينة طنفة «س» .
وكانت مدينة قديمة فيها آثار عجيبة. لقد رأيت فيها بيتا له عضادتان من حجرين مثل جبلين «ص» وعليهما عتبة من حجر واحد مثل الجبل الضخم قد قرضت «ط» ونقشت على النوع الذي يعمل عندنا فى العمود بأتقن صناعة وأغربها، وإنما العجب كيف رفعت تلك العتبة أو زحزحت من الأرض.
مدينة الموس «٢» : فيها كذلك أثار عجيبة ومبانى غريبة تنبئ أنها كانت مدينة عظيمة كبيرة.
مدينة شقبنارية «٣» : وهى مدينة كبيرة فيها آثار عظيمة وهى على طرف هذا الجبل أوراس. وكانت فيما يقال من أعظم مدن إفريقية، وكان لها ماء مجلوب وبقى فيها اليوم مواجل عظام ما تغير منها شئ، وفيها عين عظيمة عذبة
стр. 177
ولها سرب «ا» كبير تحت الجبل يمشى فيه الفارس بأطول ما يكون من الرماح فلا يلحق سماك ذلك السرب. ويقال إن فيه كنوزا وأموالا كثيرة؛ ويقال إنه كان بمدينة شقبنارية كنيسة وفيها مرآة صنعت من أخلاط عجيبة؛ إذا اتهم الرجل أهله بأحد، نظر فى تلك المرآة فيرى وجه الرجل المتهم. فيقال إنه كان فى تلك الناحية رجل بربرى يدعى أنه من أهل الخير والصلاح، فاتهم ملك «ب» شقبنارية أهله بذلك البربرى فنظر فى المرآة فرأى صورة البربرى مع امرأته، فأوقف على ذلك الشهود وأخذ البربرى فقتله، فغضب لذلك أهل البربرى ودخلوا تلك الكنيسة فكسروا تلك المرآة ونزعوها. وفى هذا الجبل مدن قديمة كثيرة خربة فيها آثار عظيمة وهو كثير العمائر والقرى وهو بلد الزرع والضّرع.
ومما يقرب من هذا الجبل من المدن المشهورة بإفريقية مدينة قسنطينة «١» :
وهى مدينة كبيرة عامرة قديمة أزلية، فيها آثار كثيرة للأول. وكان لها ماء مجلوب يأتيها على بعد على قناطر تقرب من قناطر قرطاجنة؛ وفيها مواجل عظام مثل الذي بقرطاجنة. ومدينة قسنطينة حصينة فى نهاية من المنعة والحصانة لا يعرف بإفريقية أمنع منها، ليس لها فى المنعة نظير غير مدينة رندة بالأندلس، فإنها تشبهها فى وضعها والخندق المحيط بها والحافة المحدقة بها شبها كثيرا. ولكن قسنطينة أعظم وأكبر وأعلى، على جبل عظيم من حجر صلد، وقد شق الله تعالى ذلك الجبل فكان فيه خندق عظيم يدور بالمدينة من ٣ جوانب. ونهرها الكبير يدخل على ذلك الخندق ويدور بالمدينة فيسمع «ج» لجريانه فى ذلك الخندق دوى عظيم هائل وصوت مفزع لمن يقرب منه. وقد عقد الأولون على هذا الخندق قنطرة عظيمة بل هى ٣ بعضها على بعض. و [هى] بالجو قربت من أعلى الخندق، وعليها الدخول إلى باب المدينة وهى متصلة بالباب. وقد بنى على طرف القنطرة مما يلى باب المدينة بيت على أقباء يسميه أهل المدينة «العبور» يعنون الشّعرى لأنه معلق فى جو السماء، فإذا كنت فى وسط هذه القنطرة تعبر إلى
стр. 178
الضفة الثانية نظن أنك تطير فى الهواء، وترى ماء النهر الكبير فى قعر الخندق البعيد المهوى مثل الجدول الصغير. وهذه المدينة من عجائب العالم قد دخلتها مرارا وتأملت آثارها ودخلت مواضع كثيرة فيها آثار للأول فتأملتها، وكان لى فى ذلك غرض. وهى على نظر واسع وقرى كثيرة عامرة آهلة، وهى كبيرة الخصب والزرع ولها بساتين كثيرة الفواكه، لكنها شديدة البرد والثلج كثيرة الرياخ لعلوها وارتفاعها. وأقرب بمدينة القسنطينة من رأس البحر مدينة القلّ بينهما نحو المرحلتين أو أقل.
مدينة ميلة «١» : مدينة أزلية فيها بعض آثار للأول تدل على أنها كانت مدينة كبيرة. وهى الآن عامرة آهلة كثيرة الخصب رخيصة السعر، على نظر واسع وقرى عامرة. وميلة كثيرة الأسواق والمتاجر، عليها سور صخر جليل من بناء الأولين. وفى وسط المدينة عين خرارة عذبة من بناء الأوائل لها سرب كبير يدخل فيه فلا يوجد له آخر، ولا يعلم من أين يأتى ذلك الماء. ويقال إنه مجلوب من جبل بالقرب منها يسمى تامروت، وتعرف هذه العين بعين أبى السباع. وبالقرب من ميلة جبل العنصل يسمى اليوم جبل بنى زلدوى «ا» وهم قبائل كثيرة «ب» من البربر سكنوا بذلك الجبل، ولهم خلاف كثير على الولاة بسبب منعة جبلهم؛ وفيه مدن وعمائر وقرى كثيرة وهو أخصب جبال «ج» إفريقية؛ فيه جميع الفواكه من التفاح الجليل والسفرجل الذي لا يوجد مثله فى بلد والأعناب الكثيرة. وعلى الطريق من مدينة ميلة إلى قلعة أبى طويل وهى قلعة حماد، مدينة سطيف «٢» ، بينها وبين ميلة مرحلة. وهى مدينة قديمة أزلية كان عليها سور صخر قديم خربه كتامة مع أبى عبد الله الشيعى.
ومدينة سطيف رخيصة الأسعار كثيرة الفواكه والثمار، غزيرة المياه والأنهار والبساتين والأشجار.
стр. 179
مدينة الغدير «١» : وهى مدينة كبيرة أزلية بين جبال قد أحدقت بها، ولها نهر يجتمع من العيون فى موضع دهس يخرج منه هذا النهر، ويسمى نهر سهر ويمشى من هناك إلى مدينة المسيلة «ا» وهو نهرها. والمسيلة من بلاد الزاب، وسيأتى ذكرها عند ذكرنا بلاد الزاب إن شاء الله. وبقرب مدينة الغدير فحص عجيسة، وهو فحص مديد «ب» ، كثير الزرع والضرع إلا أنه شديد البرد والثلج. ولقد دخلت هذا الفحص فى زمان الصيف فرأيت الجليد ينزل فيه بالغدو. ومن أمثال تلك البلاد، برد بلد عجيسة فى الصيف وأما الشتاء فسكرات الموت «ج» وعندهم النيلة المشهورة «د» .
مدينة قلعة أبى طويل «٢» : وهى قلعة حماد «ر» وهى مدينة عظيمة قديمة أزلية على نظر عظيم كثير الزرع وجميع الخيرات. وهى فى جبل عظيم، وهى حصينة منيعة لا تمكن بقتال. وكانت دار مملكة بنى حماد من صنهاجة، وهم كانوا ملوك إفريقية [أيام بنى عبيد] فلما رحلوا إلى بلاد مصر، ولوا على إفريقية [بلجين بن «س» زيرى بن مناد الصنهاجى، فكان كذلك على طاعتهم إلى أن مات ثم ولى بعده ابنه حبوس فكان كذلك على طاعتهم إلى أن مات فولى بعده ابنه باديس؛ ثم ولى بعده أبنه المعز وهو الذي خلع طاعة الشيعة «ص» وقتلهم بإفريقية قتلا ذريعا. وكان سبب ذلك أن هذا المعز بن باديس كان يضمر حب الصحابة رضه، وكان يظهر التشيع والقليل من أهل إفريقية سنية لكون
стр. 180
الدولة للشيعة «ا» ، فقيل إن المعز كان ماشيا يوما بالقيروان، وكانت دار مملكة إفريقية، إذ كبت به «ب» دابته فقال «أبو بكر وعمر» ، فلما سمع منه أهل القيروان ذلك قاموا على الشيعة فقتلوهم حيث ما وجدوهم وقتلوا فى جميع إفريقية؛ ويقال إنه قتل منهم بالقيروان وأحوازها نيف على ٢٠ ألفا. وملك «ج» بنو زيرى ابن مناد الصنهاجى بلاد إفريقية إلى أن دخلها عليهم العرب، فرجع صاحب القيروان يسكن مدينة المهدية. وقد كان حماد بن حبوس قام على ابن عمه باديس بهذه المدينة، فسميت قلعة حماد؛ ونزل عليه ابن عمه فى جيوش لا تحصى فما قدر عليه، ورجع عنه خاسرا «د» ؛ ويقال إنه مات عليها وحمل منها إلى القيروان.
وولى بعده ابنه المعز وهو لم يبلغ الحلم فعند ذلك عظم ملك حماد بقلعة أبى طويل، وأخذ كثيرا من مدن إفريقية. فلما دخل العرب إفريقية هرب منهم صاحب القيروان إلى المهدية، وخرج المنصور من بنى حماد لنصرة ابن عمه وهزم الهزيمة المشهورة على مدينة سبيبة، وقد ذكرنا ذلك فى أخبار بجاية، وعظم ملك بنى حماد بجهة القلعة، وبجاية، وتلك البلاد.
ولبنى حماد بالقعلة مبان عظيمة وقصور منيعة متقنة البناء عالية السناء منها قصر يسمى بدار البحر، وقد وضع «ر» فى وسطه صهريج عظيم تلعب فيه الزوارق، يدخله ماء كثير من ماء مجلوب على بعد. وهذا القصر مشرف على نهر كبير وفيه من الرخام والسوارى ما يقصر عنه الوصف، وفيه قصور غير هذا ومبان عجيبة؛ وفيها آثار للأول عجيبة. ويقال إن حماد بن مناد صاحب القلعة التى تنتسب إليه كان له دهاء وفطنة وتجربة «س» فى الحروب، وكانت له فراسة حسنة وذكاء وله أخبار مشهورة محفوظة. فمن المحفوظ عنه من الذكاء والفطنة «١» أن رجلا شيخا خرج مع امرأته من بعض البلاد يريد القلعة فصحبه فى الطريق فتى شاب وكان له جمال، فكلفت به المرأة وكلف بها فتواطآ «ص» على أن يدعى فى زوجيتها وتفعل هى «ط» كذلك، ويسقط الشيخ، فلما وصلوا القلعة فعلا ذلك. قال فتعرض الشيخ إلى حماد وشكا إليه
следующие страницы →