Полный текст (258 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وبقرب باغاية قبر مادغوس «ا» وهو قبر مثل الجبل العظيم مبنى بآجر رقيق معقود بالرصاص، وبنيت بجانبه «ب» طبقات صغار وصورت فيه جميع الصور من الإنس والطير والوحش «ج» . وهو مدرج النواحى؛ وقد رام كثير من الأمم هدم هذا القبر فلم يقدروا على ذلك لقوة بنيانه، ولمانع يمنع عنه. ولا يعلم على الحقيقة ما هو: هل هو قبر أو هيكل. إنما هو بناء قديم لا يعلم له أول، وهو مجمع لكل طائر؛ ويقال إن لهم هناك طلاسم.
ومن الجبال المشهورة بإفريقية جبل أوراس «د» «١» : وهو جبل خصيب فيه مدن كثيرة وفيه آثار كثيرة للأول ومدن خربة «ر» مثل مدينة طنفة «س» .
وكانت مدينة قديمة فيها آثار عجيبة. لقد رأيت فيها بيتا له عضادتان من حجرين مثل جبلين «ص» وعليهما عتبة من حجر واحد مثل الجبل الضخم قد قرضت «ط» ونقشت على النوع الذي يعمل عندنا فى العمود بأتقن صناعة وأغربها، وإنما العجب كيف رفعت تلك العتبة أو زحزحت من الأرض.
مدينة الموس «٢» : فيها كذلك أثار عجيبة ومبانى غريبة تنبئ أنها كانت مدينة عظيمة كبيرة.
مدينة شقبنارية «٣» : وهى مدينة كبيرة فيها آثار عظيمة وهى على طرف هذا الجبل أوراس. وكانت فيما يقال من أعظم مدن إفريقية، وكان لها ماء مجلوب وبقى فيها اليوم مواجل عظام ما تغير منها شئ، وفيها عين عظيمة عذبة
стр. 177
ولها سرب «ا» كبير تحت الجبل يمشى فيه الفارس بأطول ما يكون من الرماح فلا يلحق سماك ذلك السرب. ويقال إن فيه كنوزا وأموالا كثيرة؛ ويقال إنه كان بمدينة شقبنارية كنيسة وفيها مرآة صنعت من أخلاط عجيبة؛ إذا اتهم الرجل أهله بأحد، نظر فى تلك المرآة فيرى وجه الرجل المتهم. فيقال إنه كان فى تلك الناحية رجل بربرى يدعى أنه من أهل الخير والصلاح، فاتهم ملك «ب» شقبنارية أهله بذلك البربرى فنظر فى المرآة فرأى صورة البربرى مع امرأته، فأوقف على ذلك الشهود وأخذ البربرى فقتله، فغضب لذلك أهل البربرى ودخلوا تلك الكنيسة فكسروا تلك المرآة ونزعوها. وفى هذا الجبل مدن قديمة كثيرة خربة فيها آثار عظيمة وهو كثير العمائر والقرى وهو بلد الزرع والضّرع.
ومما يقرب من هذا الجبل من المدن المشهورة بإفريقية مدينة قسنطينة «١» :
وهى مدينة كبيرة عامرة قديمة أزلية، فيها آثار كثيرة للأول. وكان لها ماء مجلوب يأتيها على بعد على قناطر تقرب من قناطر قرطاجنة؛ وفيها مواجل عظام مثل الذي بقرطاجنة. ومدينة قسنطينة حصينة فى نهاية من المنعة والحصانة لا يعرف بإفريقية أمنع منها، ليس لها فى المنعة نظير غير مدينة رندة بالأندلس، فإنها تشبهها فى وضعها والخندق المحيط بها والحافة المحدقة بها شبها كثيرا. ولكن قسنطينة أعظم وأكبر وأعلى، على جبل عظيم من حجر صلد، وقد شق الله تعالى ذلك الجبل فكان فيه خندق عظيم يدور بالمدينة من ٣ جوانب. ونهرها الكبير يدخل على ذلك الخندق ويدور بالمدينة فيسمع «ج» لجريانه فى ذلك الخندق دوى عظيم هائل وصوت مفزع لمن يقرب منه. وقد عقد الأولون على هذا الخندق قنطرة عظيمة بل هى ٣ بعضها على بعض. و [هى] بالجو قربت من أعلى الخندق، وعليها الدخول إلى باب المدينة وهى متصلة بالباب. وقد بنى على طرف القنطرة مما يلى باب المدينة بيت على أقباء يسميه أهل المدينة «العبور» يعنون الشّعرى لأنه معلق فى جو السماء، فإذا كنت فى وسط هذه القنطرة تعبر إلى
стр. 178
الضفة الثانية نظن أنك تطير فى الهواء، وترى ماء النهر الكبير فى قعر الخندق البعيد المهوى مثل الجدول الصغير. وهذه المدينة من عجائب العالم قد دخلتها مرارا وتأملت آثارها ودخلت مواضع كثيرة فيها آثار للأول فتأملتها، وكان لى فى ذلك غرض. وهى على نظر واسع وقرى كثيرة عامرة آهلة، وهى كبيرة الخصب والزرع ولها بساتين كثيرة الفواكه، لكنها شديدة البرد والثلج كثيرة الرياخ لعلوها وارتفاعها. وأقرب بمدينة القسنطينة من رأس البحر مدينة القلّ بينهما نحو المرحلتين أو أقل.
مدينة ميلة «١» : مدينة أزلية فيها بعض آثار للأول تدل على أنها كانت مدينة كبيرة. وهى الآن عامرة آهلة كثيرة الخصب رخيصة السعر، على نظر واسع وقرى عامرة. وميلة كثيرة الأسواق والمتاجر، عليها سور صخر جليل من بناء الأولين. وفى وسط المدينة عين خرارة عذبة من بناء الأوائل لها سرب كبير يدخل فيه فلا يوجد له آخر، ولا يعلم من أين يأتى ذلك الماء. ويقال إنه مجلوب من جبل بالقرب منها يسمى تامروت، وتعرف هذه العين بعين أبى السباع. وبالقرب من ميلة جبل العنصل يسمى اليوم جبل بنى زلدوى «ا» وهم قبائل كثيرة «ب» من البربر سكنوا بذلك الجبل، ولهم خلاف كثير على الولاة بسبب منعة جبلهم؛ وفيه مدن وعمائر وقرى كثيرة وهو أخصب جبال «ج» إفريقية؛ فيه جميع الفواكه من التفاح الجليل والسفرجل الذي لا يوجد مثله فى بلد والأعناب الكثيرة. وعلى الطريق من مدينة ميلة إلى قلعة أبى طويل وهى قلعة حماد، مدينة سطيف «٢» ، بينها وبين ميلة مرحلة. وهى مدينة قديمة أزلية كان عليها سور صخر قديم خربه كتامة مع أبى عبد الله الشيعى.
ومدينة سطيف رخيصة الأسعار كثيرة الفواكه والثمار، غزيرة المياه والأنهار والبساتين والأشجار.
стр. 179
مدينة الغدير «١» : وهى مدينة كبيرة أزلية بين جبال قد أحدقت بها، ولها نهر يجتمع من العيون فى موضع دهس يخرج منه هذا النهر، ويسمى نهر سهر ويمشى من هناك إلى مدينة المسيلة «ا» وهو نهرها. والمسيلة من بلاد الزاب، وسيأتى ذكرها عند ذكرنا بلاد الزاب إن شاء الله. وبقرب مدينة الغدير فحص عجيسة، وهو فحص مديد «ب» ، كثير الزرع والضرع إلا أنه شديد البرد والثلج. ولقد دخلت هذا الفحص فى زمان الصيف فرأيت الجليد ينزل فيه بالغدو. ومن أمثال تلك البلاد، برد بلد عجيسة فى الصيف وأما الشتاء فسكرات الموت «ج» وعندهم النيلة المشهورة «د» .
مدينة قلعة أبى طويل «٢» : وهى قلعة حماد «ر» وهى مدينة عظيمة قديمة أزلية على نظر عظيم كثير الزرع وجميع الخيرات. وهى فى جبل عظيم، وهى حصينة منيعة لا تمكن بقتال. وكانت دار مملكة بنى حماد من صنهاجة، وهم كانوا ملوك إفريقية [أيام بنى عبيد] فلما رحلوا إلى بلاد مصر، ولوا على إفريقية [بلجين بن «س» زيرى بن مناد الصنهاجى، فكان كذلك على طاعتهم إلى أن مات ثم ولى بعده ابنه حبوس فكان كذلك على طاعتهم إلى أن مات فولى بعده ابنه باديس؛ ثم ولى بعده أبنه المعز وهو الذي خلع طاعة الشيعة «ص» وقتلهم بإفريقية قتلا ذريعا. وكان سبب ذلك أن هذا المعز بن باديس كان يضمر حب الصحابة رضه، وكان يظهر التشيع والقليل من أهل إفريقية سنية لكون
стр. 180
الدولة للشيعة «ا» ، فقيل إن المعز كان ماشيا يوما بالقيروان، وكانت دار مملكة إفريقية، إذ كبت به «ب» دابته فقال «أبو بكر وعمر» ، فلما سمع منه أهل القيروان ذلك قاموا على الشيعة فقتلوهم حيث ما وجدوهم وقتلوا فى جميع إفريقية؛ ويقال إنه قتل منهم بالقيروان وأحوازها نيف على ٢٠ ألفا. وملك «ج» بنو زيرى ابن مناد الصنهاجى بلاد إفريقية إلى أن دخلها عليهم العرب، فرجع صاحب القيروان يسكن مدينة المهدية. وقد كان حماد بن حبوس قام على ابن عمه باديس بهذه المدينة، فسميت قلعة حماد؛ ونزل عليه ابن عمه فى جيوش لا تحصى فما قدر عليه، ورجع عنه خاسرا «د» ؛ ويقال إنه مات عليها وحمل منها إلى القيروان.
وولى بعده ابنه المعز وهو لم يبلغ الحلم فعند ذلك عظم ملك حماد بقلعة أبى طويل، وأخذ كثيرا من مدن إفريقية. فلما دخل العرب إفريقية هرب منهم صاحب القيروان إلى المهدية، وخرج المنصور من بنى حماد لنصرة ابن عمه وهزم الهزيمة المشهورة على مدينة سبيبة، وقد ذكرنا ذلك فى أخبار بجاية، وعظم ملك بنى حماد بجهة القلعة، وبجاية، وتلك البلاد.
ولبنى حماد بالقعلة مبان عظيمة وقصور منيعة متقنة البناء عالية السناء منها قصر يسمى بدار البحر، وقد وضع «ر» فى وسطه صهريج عظيم تلعب فيه الزوارق، يدخله ماء كثير من ماء مجلوب على بعد. وهذا القصر مشرف على نهر كبير وفيه من الرخام والسوارى ما يقصر عنه الوصف، وفيه قصور غير هذا ومبان عجيبة؛ وفيها آثار للأول عجيبة. ويقال إن حماد بن مناد صاحب القلعة التى تنتسب إليه كان له دهاء وفطنة وتجربة «س» فى الحروب، وكانت له فراسة حسنة وذكاء وله أخبار مشهورة محفوظة. فمن المحفوظ عنه من الذكاء والفطنة «١» أن رجلا شيخا خرج مع امرأته من بعض البلاد يريد القلعة فصحبه فى الطريق فتى شاب وكان له جمال، فكلفت به المرأة وكلف بها فتواطآ «ص» على أن يدعى فى زوجيتها وتفعل هى «ط» كذلك، ويسقط الشيخ، فلما وصلوا القلعة فعلا ذلك. قال فتعرض الشيخ إلى حماد وشكا إليه
стр. 181
ما دهاه. وكان الشيخ مولعا بالمرأة فأمر حماد بإحضار الفتى والجارية، فسألهما عما ذكره الشيخ فأنكرا ما قال الشيخ وتعارفا أمامه بالزوجية. فجعل حماد يسأل الشيخ من صحبه فى الطريق، أو هل له بينة أو شبهة؛ فقال له الشيخ ما صحبنى وامرأتى غير هذا الكلب، خرج معنا من البلد الفلانى، وهو تربيتنا؛ فأمر حماد بربط الكلب إلى شجرة، ثم أمر المرأة أن تحله، فقربت منه فهش الكلب إليها، فحلته، ثم أمرها فربطته ثم حلته، والكلب فى ذلك كله يهش إليها ولا ينكر شيئا مما تفعل به. ثم قال للفتى قم إلى الكلب وحله واربطه فلما دنا منه خجّه الكلب وأنكره ولم يقدر على الدنو منه. فقال حماد للشيخ قم إلى الكلب، فقام إليه فهش الكلب كما هش للمرأة، فأمر بضرب عنق الفتى، وقال للشيخ شأنك والجارية. وكان له من هذا الباب كثير. ويذكر أنه قال «١» : ما تداهى على أحد قط ولا خدعنى غير امرأة وكعاء من البربر.
قيل له وكيف كان ذلك؛ قال كان لى صاحب من البربر نشأت معه بالقيروان ولم يفرق بيننا ريب الزمان، وكنت خالطته بنية نفسى وجعلته محل أنسى، فلما صرت إلى ما أنا فيه من الرياسة، فقدته، فجعلت أطلبه فلا أقدر عليه، فلما نزلت على مدينة باغاية «ا» ، ودخلتها عنوة واستبحت جميع ما فيها فإذا أنا فى صبيحة ذلك اليوم بصائح يصيح: «أنا بالله وبالأمير» ؛ فقلت: «مالك ومن أنت» . فقال أنا فلان، فإذا بصاحبى الذي كنت أطلب مع أهل «ب» باغاية، قد حبسه «ج» عنى نسكه، وغلب على هواه وورعه؛ فأظهرت البشر بمكانه والجزل بشأنه، ولو شفع إلى فى أهل باغاية لشفعته. فجعلت أوانسه وهو كالوالد فسألته عن أمره، فقال إنه فقد بنتا كانت له فيمن فقد من النساء؛ فقلت له والله لو خرجت إلى بالأمس لحقنت دم أهل بلدك لحرمتك عندى؛ فقال القدر غالب والمحروم خالب. قال حماد ثم أمرت القواد فأحضروا جميع ما كان فى أخبئتهم من النساء، فعرف الرجل أن ابنته فيهن. قال حماد فأمرت بسترها وترفيهها وحملها مع أبيها فى أحسن حال، قال فرفعت صوتها قائلة، والله يا حماد لا
стр. 182
رجعت مع أبى ولا مع الذي غصبنى، قال فقلت لها فما الذي تريدين؟ قالت إنى لا أصلح إلا للملوك فلا حاجة لى بسواهم، فلما سمع ذلك أبوها سكن ما كان فى نفسه لها من الإشفاق، وظن أنها قد فتنت وفسدت. قال حماد ومن أين تقولين أنك تصلحين للملوك؟ قالت، لأن عندى علما لا أشارك فيه ولا يدعيه غيرى، فقلت لها ألا أريتينا شيئا من علمك، قالت نعم تأمر بقتل إنسان وتحضر أمضى سيف عندك، أتكلم عليه بكلمات تمنع من تأثيره فى أحد ويعود فى كف حامله أكل من قبله. قال حماد فقلت إن الذي يجرب هذا فيه لمغرور، فقالت لى، أويتهم «ا» أحد فى قتل نفسه؟ قلت لها لا، فقالت إنى أريد أن تجرب ذلك فىّ حتى تروا عجبا. قال فأتى بسيف ماض فتكلمت عليه وأشارت إلى السماء مرارا ومدّت عنقها، فضربها السياف ضربة أبان رأسها من جسدها؛ فاستيقظت من غفلتى، وعلمت أنها تداهت على، وكرهت العيش بعد الذي جرى عليها واستبان لأبيها ذلك فجعل يلقى نفسه عليها، ويتمرغ فى دمها اغتباطا بما رأى من عظيم أنفاسها، إذ «ب» اختارت الموت على ما نزل بها، وقال لا شك أن إشارتها إلى السماء إنما كان ذكرا للشهادة والدعاء لله تعالى أن يغفر لها. وتصنع بمدينة قلعة حماد أكسية ليس لها مثيل فى الجودة والرقة إلا «ج» الوجدية التى تصنع بوجدة؛ يساوى كساء عيد من عمل القلعة ٣٠ دينارا.
مدينة أشير «١» : بناها زيرى بن مناد الصنهاجى وتعرف بأشير زيرى، وكانت مدينة قديمة فيها آثار عجيبة، وإنما بنى زيرى سورها وحصنها وعمرها فليس فى تلك الأقطار أحسن منها. وهى بين جبال شامخة محيطة بها. وداخل المدينة عينان لا يبلغ لهما غور ولا يدرك لهما قعر من بناء الأول، وبالقرب من المدينة بنيان عظيم يعرف بمحراب سليمان لم ير بنيان أعظم منه ولا أحكم، فيه من الرخام والأعمدة والنقوش ما يقصر عنه «د» الوصف.
стр. 183
مدينة مليانة «١» : قريبة من مدينة أشير، وهى مدينة كبيرة من بنيان الروم جددها زيرى بن مناد أيضا وفيها آثار قديمة. وهى مدينة حصينة فى سفح جبل يسمى نكار، وشعراء هذا «ا» الجبل كلها ريحان، وينبعث من هذا الجبل عين خرارة عظيمة تطحن عليها الأرحية لقوتها. ولمدينة مليانة مياه سائحة وأنهار وبساتين فيها جميع الفواكه، وهى من أخصب بلاد إفريقية وأرخصها أسعارا. ومدينة مليانة مشرفة على فحوص واسعة وقرى كثيرة عامرة ومزارع واسعة؛ وحولها قبائل كثيرة من البربر. ويشق تلك الفحوص نهر شلف وهو نهر كبير مشهور. وعلى نهر شلف مدينة قديمة أزلية فيها آثار أولية تسمى شلف، وإليها ينسب النهر الكبير، وهى اليوم خراب.
مدينة الخضراء «٢» : وإنما سميت الخضراء لكثرة بساتينها، وكانت مدينة كبيرة قديمة فيها آثار أولية وهى على نهر إذا حمل دخل «ب» بعضها، وأظنه نهر شلف.
ذكر بلاد الزاب «٣» : وهى على طرف الصحراء، فى سمت بلاد الجريد، وهى مثلها فى حر هوائها وكثرة نخلها. وهى مدن كثيرة، وأنظار واسعة وعمائر متصلة، فيها المياه السائحة والأنهار والعيون الكثيرة.
مدينة المسيلة «٤» : أقرب بقلعة حماد من بلاد الزاب مدينة المسيلة، وهى فى بسيط «ج» من الأرض على نهر كبير يسمى بسهر، ومنبعه من مدينة
стр. 184
الغدير وقد ذكرناه. مدينة المسيلة أحدثها أبو القاسم إسماعيل بن عبيد الله الشيعى منذ سنة ٣١٣ [- ٩٢٥] وكان المتولى لبنائها على بن حمدون بن سماك المعروف بابن الأندلسى، فلم يزل بها أميرا حتى مات فى فتنة أبى يزيد «ا» ، وبقى ابنه جعفر أميرا فيها، وولى على بلاد الزاب كلها. وهذا جعفر ممدوح «ب» محمد بن هانئ الأندلسى الشاعر المشهور، له فيه مدائح كثيرة حسان، وكان من أكثر أهل زمانه إحسانا. ومدينة المسيلة كثيرة النخل والبساتين تشقها جداول المياه العذبة، وكانت مدينة عظيمة على نظر كبير، وحواليها قبائل كثيرة من البربر من عجيسة وهوّارة، وبنى برزال.
مدينة نقاوس «١» : مدينة كثيرة الأنهار والثمار والمزارع، كثيرة شجر الجوز، منها يحمل الجوز إلى قلعة حماد وإلى بجاية وإلى أكثر تلك البلاد.
مدينة طبنة «٢» : وهى «د» مدينة كبيرة قديمة عليها سور من طوب ولها حصن قديم عليه سور من صخر جليل ضخم متقن البناء من عمل الأوائل، ولها أرباض واسعة وهى مما افتتح موسى بن نصير حين دخل بلاد إفريقية والمغرب وبلاد الأندلس فبلغ سبيها ٢٠ ألف رأس. ويشق مدينة طبنة جداول الماء العذب ولها بساتين كثيرة النخل والثمار ولها نهر يشق غابتها، وقد بنى له صهريج كبير يقع فيه وتسقى منه جميع بساتينها وأرضها، ولم يكن من القيروان إلى سجلماسة مدينة أكبر منها
стр. 185
مدينة بسكرة «١» : وهى مدينة كبيرة، وحواليها حصون كثيرة وقرى عامرة وهى قاعدتها «ا» ، ولها غابة كبيرة كثيرة النخل والزيتون وجميع الثمار، ببسكرة النخل لكثرته بها «ب» ، وفى جميع البلاد إنما يصيحون عليه «بسكرة» .
وأكثر تمرها الجنس المعروف بالكسبا وهو المعروف ببلاد المشرق وبمدينة الرسول عم وغيرها بالسيمانى «ج» ، وببسكرة أيضا جنس من التمر يعرف بالليارى وهو أبيض أملس وكان صاحب القيروان يأمر عماله بالمنع من بيعه، وبعث ما هناك منه إليه لطيبه وحسنه. ويشق غابة بسكرة نهر كبير ينحدر من جبل أوراس يسقى بساتينها ونخلها، وهو نحو ٦ أميال فى غابة متصلة بالمدينة يشق غابتها وقراها. وبسكرة دار فقه وعلم، فيها العلماء. ومن قرى بسكرة قرية تسمى ملسون «د» ، ومنها كان أبو عبيد الله الملسونى، وكان عالما فقيها يحمل عنه العلم، وهو الذي أخبرنى أن فى طريق بسكرة جبلا وفيه كهف فيه رجل قتيل لم يعرف أحد من أى عهد هو «ر» ، ولم تغيره الدهور ولا تقادم الأزمان كأنما جراحه تقطر دما كأنه قد قتل من يومين، وتخبر الكافة عن الكافة والخلف عن السلف، أنهم كذا عرفوه منذ كانوا؛ وقد نقله «س» أهل تلك النواحى ودفنوه بأقبيتهم تبركا به ثم لم يلبثوا أن «ص» وجدوه فى الكهف على حاله، يحدث بذلك ثقات أهل النواحى، ويقال إنه من الحواريين. ذكر محمد بن يوسف فى كتابه أن هذا القتيل فى شق جبل بشرقى عين أو بان، وهذه العين عظيمة بين مدينة مرماجنة وبين مدينة سبيبة، وذكر أنه يخيل لرائيه أنه كما ذبح من يومه وإنه هناك من قبل فتح إفريقية ولم «ط» يذكر أمر نقله ودفنه. وقد ذكر المسعودى «٢» ﵀، هذا القتيل والله أعلم بحقيقة أمره.
стр. 186
مدينة تهودة «١» : بالقرب من بسكرة مدينة تهودة وهى مدينة كبيرة قديمة أزلية عليها سور عظيم مبنى بالحجر الجليل، ولها رياض كبيرة ولها أرباض كثيرة يدور بجميعها خندق، ولها نهر كبير ينصب إليها من جبل أوراس، فإذا كانت بينهم وبين أحد حرب، وخافوا النزول إليهم أجروا ماء ذلك النهر فى الخندق المحيط ببلدهم فامتنعوا منه. وهى كثيرة البساتين والزرع والنخل وجميع الثمار. وفى هذه المدينة خبر مشهور عن رسول الله ﷺ ، يروى عن شهر بن حوشب أن النبي ﷺ نهى عن سكنى هذه البقعة الملعونة التى يقال لها تهودة؛ وقال له سوف يقتل بها رجال من أمتى على الجهاد فى سبيل الله ثوابهم كثواب أهل بدر وأهل أحد، والله ما بّدلوا حتى ماتوا. وكان شهر بن حوشب يقول:
وا شوقاه إليهم، وقال شهر سألت جماعة من التابعين عن «ا» هذه الصحابة التى ذكرها رسول الله ﷺ ، فقالوا ذلك عقبة بن نافع وأصحابه قتلهم البربر والنصارى بمدينة يقال لها تهودة، فمنها يحشرون يوم القيامة وسيوفهم على عواتقهم حتى يقفوا بين يدى الله تعالى. وروى أبو المهاجر قال: قدم عقبة بن نافع مصر وعليها عمرو بن العاص فى خلافة معاوية بن أبى سفيان فنزل منزلا من بعض قرى مصر ومعه جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ فيهم عبد الله بن عمرو بن العاص فوضعت بين أيديهم سفرة فيها طعام فلما تناولوا من الطعام، ضربت حدأة على ما بين أيديهم من الطعام فأخذت منه عرقا، فقال عقبة اللهم دق عنقها، قال وأقبلت منقضة حتى ضربت بنفسها الأرض فأندقت عنقها، فأسترجع ابن عمرو فسمعه عقبة يترجع فقال: ما لك يا أبا عبد الله، فقال بلغنى أن قوما يغزون إلى هذه الناحية فيستشهدون بها جميعا، فقال عقبة اللهم أنا ومنهم، وكان مستجاب الدعوة. قال ثم إن عقبة بن نافع خرج فى أيام يزيد بن معاوية على جيش كبير غازيا إلى بلاد المغرب، فمر على عبد الله بن عمرو بمصر فقال له:
«يا عقبة لعلكم من الجيش الذي يدخل الجنة» «ب» ، قال أبو المهاجر فافتتح عقبة بلاد المغرب حتى وصل إلى أقصاها وعلى ضفة البحر المحيط، وقد ذكرناها.
ويقال إنه أدخل «ج» فرسه فى البحر حتى بلغ تلبيب سرجه، وقال اللهم إنى
стр. 187
أطلب السبب الذي طلب عبدك ذو القرنين، فقيل له يا ولى الله وما السبب الذي طلب، قال ألا يعبد فى الأرض إلا الله وحده، وانصرف إلى إفريقية.
فلما دنا منها تفرق «ا» أصحابه عنه فوجا فوجا، فلما وصل إلى مدينة طبنة من نظر الزاب، أذن لسائر جيشه وبقى فى عدة يسيرة من أصحابه، وقد كان فى دخوله بلاد المغرب خطر على مدينة تهودة وعلى مدينة بادس، فرأى فيها قوة «ب» كثيرة من النصارى والبربر، وكانت فى ذلك الوقت أعظم مدن المغرب. فلما رجع قال أمر على مدينة تهودة «ج» وبادس، أعرف ما فيهما من القوة والجيش، فلما انتهى إلى مدينة تهودة «ج» اعتمده كسيلة بن أقدم وكان أميرها فى جيوش من الروم، وقد كان سمع تفرق جيش «د» عقبة عنه، وأقبلت عليه عساكر من البربر، فلما رآهم عقبة وأصحابه كسروا أجفان سيوفهم ورجعوا إليهم فقاتلوا حتى قتلوا «ر» جميعا ﵏؛ وقبر عقبة اليوم بمدينة تهودة على مقربة منها بمرحلة.
مدينة بادس «س» «١» : وهى مدينة كبيرة، لها حصنان وأرباض واسعة وبسائط كثيرة ومزارع جليلة يزدرعون فيها الشعير مرتين فى السنة على مياه سائحة ونخل كثير وجميع الفواكه والثمار. وهى مدينة قديمة فيها آثار للأولين ولها مياه وعيون كثيرة، وبالقرب منها قيطون بياضة «٢» وهو أول بلاد سماطة، ومنه تفترق الطرق إلى بلاد السودان وإلى القيروان وإلى بلاد الجريد وطرابلس وغيرها. وقيطون بياضة قرية كبيرة كثيرة النخل فيها تجتمع الرفاق، ومنها تخرج إلى جميع البلاد، وهى آخر بلاد الزاب.
стр. 188
ذكر المغرب الأوسط «١»
وفيه مدن كثيرة، وقاعدتها مدينة تلمسان، وحّد المغرب الأوسط من وادى مجمع «ا» وهو فى نصف الطريق بين مدينة مليانة ومدينة تلمسان بلاد تازا من بلاد المغرب فى الطول، وفى العرض من البحر الذي على ساحل البلاد التى ذكرنا فى البلاد الساحلية، مثل مدينة وهران ومليلة وغيرها من البلاد الساحلية إلى مدينة تنزل «ب» ، وهى مدينة فى أول الصحراء «ج» وهى على الطريق إلى سجلماسة.
مدينة تلمسان «٢» : مدينة عظيمة قديمة فيها آثار كثيرة أزلية تنبئ أنها كانت دار مملكة لأمم سالفة، وهى فى سفح جبل أكثر شجره الجوز، وكان لها ماء مجلوب من عمل الأوائل من عيون يسمى بوريط، بينها وبين المدينة ٦ أميال؛ ولها نهر كبير يسمى سطفسيف. وكانت تلمسان دار مملكة زناتة وحواليها قبائل كثيرة من زناتة وغيرهم من البربر. وهى كثيرة الخصب رخيصة الأسعار كثيرة الخيرات والنعم، ولها قرى كثيرة وعمائر متصلة ومدن كثيرة ترجع إلى نظرها.
وفى الجنب من مدينة تلمسان قلعة منيعة كثيرة الثمار غزيرة المياه والأنهار ويتصل بها جبل تاورناية، وهو جبل كبير معمور فيه القرى الكثيرة والعمائر المتصلة.
وفى الجنوب «د» من مدينة تلمسان قرية كبيرة تسمى باب القصر، فوقها جبل يسمى البغل، كثير الخصب والعمارة ينبعث تحته نهر سطفسيف ويصب فى بركة
стр. 189
عظيمة منقورة فى حجر صلد من عمل الأولين فيسمع لوقوعه فى تلك البركة خرير شديد هائل على مسافة أميال، ثم يخرج من تلك البركة بحكمة مدبرة إلى موضع يسمى المهماز «ا» ، فيسقى هناك مزارع وأولاجا كثيرة تسمى أولاج الجنان «ب» ؛ وتلك المواضع من أجمل بقاع تلك البلاد؛ ثم يصب فى نهر أسر «ج» ثم يصب فى نهر ثافي وهو النهر الذي يتصل بمدينة أرشقول فى البلاد الساحلية. ومدينة تلمسان مدينة علم وخير ولم تزل دار العلماء والمحدثين.
وكان هذا المغرب الأوسط قد تملكه العلويون من بنى إدريس وأمرهم مشهور، وتملكوا بلاد الأندلس وتسموا بالخلافة.
مدينة وجدة «١» : وهى مدينة كبيرة مسورة قديمة أزلية، كثيرة البساتين والجنات والمزدرعات، كثيرة المياه والعيون طيبة الهواء جيدة التربة، يمتاز أهلها من غيرهم بنضارة ألوانهم وتنعم أجسامهم. ومراعيها أنجع المراعى وأصلحها للماشية، يذكر أنه يوجد فى الشاة من شياههم مائتى أوقية شحما، ويصنعون من صوفها أكسية ليس لها نظير فى الجودة مثل العبيدى، يساوى الكساء الجيد منها ٥٠ دينارا وأزيد. وعلى مدينة وجدة طريق المار والصادر من بلاد المشرق إلى بلاد المغرب وسجلماسة وغيرها.
مدينة أجر سيف «٢» : مدينة كبيرة لها بساتين كثيرة وهى على نهر ملوية وهو نهر كبير من الأنهار المشهورة، وكانت أجر سيف قرية كبيرة على نهر ملوية حتى خرج الملثمون من الصحراء فنزلوها ومدنوها، وبنوا عليها سورا من طوب.
стр. 190
ومن مدن المغرب الأوسط المشهورة «ا» ، مدينة تاهرت «١» : وهى مدينة مشهورة قديمة كبيرة، عليها سور صخر، ولها قصبة منيعة على سوقها تسمى المعصومة. ومدينة تاهرت «ب» فى سفح جبل يسمى قرقل، وهى «ج» على نهر كبير يأتيها من تاحية المغرب، يسمى منية «د» ، ولها نهر آخر يجرى من عيون تجتمع يسمى تانس، [ومنه] تشرب أرضها وبساتينها، وكان لها بساتين كثيرة فيها جميع الثمار، وفيها سفر جل يفوق سفرجل جميع البلاد حسنا وطعما ورائحة. وبلد تاهرت شديدة البرد، كثيرة الغيوم والثلج، قال أبو بكر ابن حماد «ر» يصفها «س» :
ما أصعب البرد وريعته ... وأظرف «ص» الشمس بتاهرت
تبدو من الغمام إذا ما بدت ... كأنها تنشر من تحت
نفرح بالشمس إذا أشرقت ... كفرحة الذمى «ط» بالسبت
ويقال إن رجلا من أهل تاهرت حج فرأى توقد الشمس بمكة فقال لها وقد أحرقته: احرقى ما شئت فو الله إنك بتاهرت لذليلة.
وقرب هذه المدينة «ع» قلعة هوّارة «٢» : وهى قلعة منيعة فى جبل خصيب فيه بساتين وثمار وأشجار ومزارع، وأعناب، وتحتها فحص طوله نحو ٤٠ ميلا يشقه نهر سيرات ويسقى أكثر أرضه، يسمى ذلك الفحص سيرات بأسم النهر. ونهر سيرات نهر كبير مشهور يقع فى البحر عند مدينة أزواوا، وهى مدينة قديمة رومية. وفحص سيرات يسكنه قبائل كثيرة من البربر،
стр. 191
ومطغرة وغيرهم من قبائل زناته، وزناته تتشعب على قبائل كثيرة، وبلادهم واسعة يخالطهم من جهة إفريقية بنو زغبة من العرب من بنى هلال بن عامر، ومن جهة المغرب بلاد مسوفة، وهم القبائل كثيرة من صنهاجة، يسكنون بتلك الصحراء لا يستوطنون بلدا، وإنما عيشهم على اللبن واللحم، وهم خلق كثير. وفى صحارى بلادهم جبل عظيم يعرف بقلقل وهو كثير الخصب والعيون والأنهار، وفيه آثار عمائر كثيرة، وبيوت محصنة وقرى واسعة لا أنيس بها ولا يسكنها خلق، ويقال إن الجن أخلت تلك العمائر والبلاد. ويرى فى تلك الصحارى بالليل نيران «ا» الجن، ويسمع عزفهم وغناؤهم وهم كثيرا ما يختطفون الأناس ويحملونهم معهم وربما يفلت الإنس من بينهم فيرجع إلى أهله فيحدث بما رأى عندهم، وهذا متعارف. ويقال إنهم يبدلون أولاد الإنس، ولذلك يقول أهل إفريقية: يا مبدول، وقد ذكرنا السر فى ذلك. وبقرب تلك البلاد أرض فجيج، وهى بلاد خصبة، وفيها نخل كثير وتسكنها أمم شتى.
وللمغرب الأوسط مدن كثيرة قد ذكرنا أكثرها فى البلاد الساحلية، وهى كثيرة الخصب والزرع كثيرة الغنم والماشية، طيبة المراعى ومنها تجلب الأغنام إلى بلاد المغرب وبلاد الأندلس لرخصها وطيب لحومها.
ذكر بلاد المغرب «١»
فيه مدن كثيرة، وأقطار واسعة، وعمائر متصلة، يحد بلاد المغرب من آخر المغرب الأوسط إلى بلاد تازا، إلى آخر بلاد المغرب على ساحل البحر الكبير الداخل من البحر المحيط عند مرسى أزّمور طولا. وأما عرضا من بلاد طنجة وسبتة إلى بلاد ملوية وأحوازها، وهو أول بلاد سجلماسة إلى الصحراء، وآخر بلاد المغرب.
стр. 192
وقاعدة بلاد المغرب مدينة فاس- كلأها الله «١» : هى أعظم مدينة من مصر إلى آخر بلاد المغرب، ومدينة فاس مدينتان كبيرتان مفترقتان، يشق بينهما نهر كبير يسمى بوادى فاس، يدور عليها سور عظيم. وبين المدينتين قناطر كثيرة، وتطرد فيها جداول ماء لا تحصى، تخترق كلتى المدينتين تسمى بالسوانى «ا» لابد لكل دار من ديار المدينتين منها. وفيها عيون كثيرة لا تحصى عددا، وفيها من أرحية «ب» الماء نحو ٣٦٠ رحى، وهى فى المزيد، وربما وصلت ٤٠٠؛ والنهر الذي يخترق مدينة فاس ينبعث من عين عظيمة لها منظر عجيب، فيها نحو ال ٦٠ فوارة، فى دائرة، يجتمع منها هذا النهر الكبير، بينها وبين المدينة نحو ١٠ أميال فى بسيط من الأرض، يكاد لا يتبين جرى الماء فيه لاستواء أرضه.
ومدينة فاس محدثة، أسست عدوة الأندلس فى سنة ١٩٢ [- ٨٠٨] ، وعدوة القرويين فى سنة ١٩٣ [- ٨٠٩] فى ولاية إدريس بن إدريس الفاطمى؛ ومن ذريته بفاس إلى اليوم ونحن فى سنة ٥٨٧ [- ١١٩١] . ومدينة فاس اليوم فى نهاية العمارة والصلاح، قد بنيت أكثر جناتها الملاصقة لها دورا، وأضيفت إليها.
وفيها اليوم ٣ جوامع للخطبة: جامع عدوة الأندلس، وهو جامع كبير متقن البناء، يقال إن ابن عامر زاد فيه، وجامع عدوة القرويين، جامع كبير أكبر من جامع الأندلس، وزيد فى «ج» هذه المدة فى هذا الجامع باب كبير مشرف جميل المنظر، [و] من جهة الجوف سقاية متقنة البناء ملاصقة له، ماؤها من الوادى، وجلب لها ماء عين هو فى أيام الحر فى نهاية البرودة، وفى أيام البرد فيها بعض الحرارة. وكذلك صنعت فى جوف جامع القرويين سقاية متقنة البناء، ومياه جارية مع عتبة الباب الجوفى «د» ، وفوارة فى بيلة «ر» مرتفعة نصف قامة داخل
стр. 193
الصحن «ا» ، وزيد فيه من جهة الغرب باب كبير، مرتفع البناء عالى السناء يسمى باب النجارين «ب» ، كل ذلك فى حدود سنة ٥٧٨ [- ١١٩١] ، فكملت منافع هذا الجامع المكرم وشرفت حومته بما شرفه الله تعالى به. وكذلك بقصبة السلطان جامع شريف معظم فيه الخطبة، وأحدثها فيه هذا الأمر العزيز- أدام الله اعتلاءه- لأن القصبة منحازة عن البلد «ج» بسور، فوجب أن يكون فيها جامع وفى كل عدوة شريعة لخطبة العيدين. ومدينة فاس كثيرة الخصب والرخاء، كثيرة البساتين والمزدرعات والفواكه، وجميع الثمار، ولها أقطار واسعة متصلة العمائر. وعدوة القرويين من هذه المدينة أكثرها بساتين وأشجار ومياه وعيون من عدوة الأندلس، وكلاهما خصبة «د» عظيمة القدر، جليلة الخطر ويقال إن رجال عدوة الأندلس أشجع «ر» وأنجد من رجال عدوة القرويين، ونساؤهم أجمل من نساء القرويين، ورجال عدوة القرويين أجمل من رجال عدوة الأندلس. ويقال إن بعدوة الأندلس تفاح حلو يعرف بالأطرابلسى، جليل حسن الطعم والرائحة، يصلح بها ولا يصلح بعدوة القرويين. وكذلك بعدوة القرويين أترج جليل، يجود بها ولا يجود بعدوة الأندلس، وكذلك سميد عدوة الأندلس أطيب من سميد عدوة القرويين. وهذه المدينة قصبة بلاد المغرب، بل وبلاد المشرق والأندلس، لا سيما فى هذا الأمر العزيز- أيد الله دوامه- ومنها يتجهّز إلى بلاد السودان وإلى بلاد المشرق، ومنها يحمل النحاس الأصقر إلى جميع الآفاق. قال الناظر هذه المدينة العظيمة، لما كانت على هذا الوضع المتقدم، وفاضت عليها بركة الواضع لها، وهو إدريس بن إدريس العلوى الفاطمى رضه، ترتب على هذا اتساع مكاسب «س» أهلها، ورغد عيشهم، وكثرة تنعمهم، لجمال المدينة، وعظم حماماتها «ص» وكثرتها، وهى أصل التنعيم. قال الشاعر:
إذا زفر الحمام، واشتد غيضه ... وهاجت لو اعيج به وحميم «ط»
رأيت نعيما فى الحميم «ع» وراحة ... وذاك غريب فى الجحيم نعيم
стр. 194
فعطفت نفوس أربابها، وشمخت أنوفهم، وكبرت هممهم. وكان فيها من الولاة الملثمين رجال عظماء، عقلاء فضلاء، بادروا إلى مخاطبة الخليفة أمير المؤمنين رضه «ا» ، وتساعدوا مع الوالى المتصرف بها «ب» ، فأدخلوا الموحدين أعزهم الله، يوم الاثنين فى العشر الأول من ذى حجة سنة ٥٤٠ [٢٣ مايو ١١٤٥] ، «١» وسلمت لهم أملاكهم وأموالهم، ولم تزل أحوالهم تنعم، «ج» وأموالهم تتزايد مع الأمن والدعة والسكون فى ظل أمن هذا الأمر العالى بهدى الله. ومن شأن النفوس استدعاء الخيرات لذواتها، وجلب المكاسب والمنافع والمحاماة عليها، والرغبة فى تحصيلها، وهذا كله من دواعى الشح «د» ، والبخل، والمنع، وقلة الجود، وترك البذل، ولو كان الجود موجودا مع استجلاب المنافع الجسمانية، لما تمكن تحصيلها لطالبها، للمتابعة اللازمة بين الضدين. فلما أحس بهذا من له نباهة، وخاصة الأدباء أظهروا أساليب القوم وأفشوها «ر» وخلدوا فيهم «س» عجائب القبائح، مثلما «ص» فعل أبو بكر البكى «ط» «٢» عفا الله عنه، فمن أعجب ما حكى الشيخ العالم الصوفى الزاهد أبو الحسن بن حرزهم رحمة الله عليه، عتبه على ما خلده فيهم من القبائح، فأطرق البكى ساعة وأنشده.
رأيت جنان «ع» عدن فى منامى ... وحور العين فى أسنى لباس
فقلت بما أحصل «ف» بعض هذا ... فقال «ك» إذا هجوت لأهل فاس
فدع عنك الصلاح وكل بر ... فهجوهم يؤمن كل باس
стр. 195
فانظر يا أخى تحديه وتهديه إلى استنزال الشيخ الزاهد «ا» بذكره لجنان عدن، وحور العين، إلى أن أصغى له حتى دس فى سمعه هذه الإبرة، وسرت إلى فهمه هذه السمعة الفاسدة، ولو كان عمل الشرّ «ب» مهلكا لفاعله لمجرد لهلك البكى لحينه بأقل منظوماته فيهم «ج» ، لأن نفوس أهل المغرب مجبولة على الاستنصار، وقيل الحقد مغربى «د» . وعلى الحقيقة فلا يجب أن يعاب أحد بشىء وضع فى جبلته «ر» وإنما يعاب المرء بما يحمله عليه نظره السيئ «س» الفكرة وتخلقه العقربى «ص» الكسبى. فهؤلاء قوم وضعوا فى مدينة عظيمة النعيم، رغدة المعايش، ومن شأن النفوس جلب المنافع لذاتها، وتحصيل شهواتها ولذاتها، فهم يتأبدون على التحصيل لجميع منافعهم الشهوانية الجسمانية، فمن كان مثلهم طلبهم بأن يسهموه منها وقدمنا [أن] المنع الجبلى فى طباع البشر، كما فى دفع المطالب له، فلزم طرده وزجره، فنتج من هذا تخليد هذه الشناعات «ط» ، وقبلتها النفوس المناسبة لها فخلدت، ولو كان الذي يطلبهم «ع» غير «ف» مثلهم، لما عرج ولا ألتفت إليهم، وهو كما قيل:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا «ك» سعيه ... فالناس أعداء له «ل» وخصوم
كضرائر «م» الحسناء قلن لوجهها ... حسدا وبغيا إنه لدميم
وذكرنا أنه كان فى الدولة اللمتونية رجال فضلاء، عقلاء علماء حلماء، وشهرتهم فيها أغنت عن ذكرهم «ن» . لكنى أردت أن أذكر شيئا من المدح، وأوصاف المدح والخير، وشيئا من الذم وأوصاف المذمومين، فمن محبيهم أبو بكر البكى، فهو ممن مدحهم، والجوزى، وغيرهم من الأحباء؛
стр. 196
وممن هجاهم كثيرا وأكثرت الرواة لذلك. وقد قدمت السبب فى ذلك أن من شأن النفوس استدعاء الخيرات لذواتها، وجلب المكاسب والمنافع، والمحاماة عليها، والرغبة فى تحصيلها، وهذا كله من دواعى البخل والمنع وقلة الجود، وترك البذل. قال الشاعر:
قوم إذا أكلوا أخفوا كلامهم ... واستوثقوا برتاج الباب فى الدار
قوم إذا استنبح «ا» الأضياف كلبهم ... قالوا لأمهم بولى على النار «١»
قال المؤلف، وموضع «ب» وادى فاس بوادى سبو على ٣ أميال من المدينة «ج» . وهذا الوادى نهر عظيم من أعظم أنهار بلاد المغرب، ومنبعه من جبل فى بلاد بنى وارتين «د» ، ورأس العين فى بئر «ر» غامضة يهاب الدخول فيها، وهى دهسة عظيمة لا يدرك لها قعر «س» . وللبربر المجاورين لذلك الموضع «ص» تجارب منها أن المريض إذا أرادوا أن يعلموا هل هو يستريح أو يموت، حملوه لرأس العين بذلك الموضع المهول، فيغطسونه «ص» فيه حتى يقرب أن يطفى، ثم يخرجونه، فإن خرج على فمه دم فيستبشرون بحياته، وإن لم يخرج من فمه دم، أيقنوا بهلاكه؛ وهذا عندهم متعارف «ط» لا ينكر.
قال الناظر، ويتصيّد فى هذا الوادى الشابل الكثير «ع» ، ويطلع إلى رأس العين أو قرب منه، ويدخل فى هذا الوادى الحوت الكثير، ويتصيد فى بعض الأحيان البورى الكبير «ف» ؛ وذكر الثقات أنه بيع واحد ب ١٣ درهما «ك» ، ورطل كبير منه بدرهم ونصف. ويصل إلى المدينة الحوت الكبير المسمى عندهم بالقرب «ل» يحمله الحمار؛ وأخبرنى الثقة أنه عاين لبيسا
стр. 197
تصيد فيه، زنته ٦٥ رطلا «ا» ، ونازعنى فى القرب والشولى فغلبته «ب» .
وأخبرنى الثقات أنه كان»
بمدينة فاس ومكناسة الحوت الذي يسمى بالشولى، وهو ألذ ما يوجد من أنواع السمك، تصنع منه الألوان بأصناف البقل، فلا تشم له رائحة سمك. ولو كان هذا النهر يخرج فى البطاح، لكانت البلاد التى يسقيها أشرف البلاد وأخصبها، وما أسهل خروجه فى بعض المواضع لو تنبه له الأمر العالى، وهذا لابد منه؛ وهو «د» عنوان فتح ديار مصر، فنيل المغرب مفتاح نيل المشرق، فيظهر العجائب، ونيلها بعد له قيوم «ر» .
قال المؤلف، وبوادى سبو فوق فاس نحو مسيرة يوم، مضيق ما بين جبلين، يسمى ذلك الموضع بتاغيت، معناه بلسانهم الحق «س» ، وذلك المضيق نحو مسيرة يومين، وكان من يسكن بقرب تلك الحوافى، إنما يعبر «ص» الوادى فى زنبيل معلق بين الجانين فى حبل قد شد «ط» طرفاه فى الحافتين، يسع ذلك الزنبيل نفسين وثلاثة، وعلى ذلك المعبر حبل من الضفتين جميعا، فإذا دخل الزنبيل جذبه أهل الضفة الأخرى إليهم، وبين الزنبيل وبين الماء مهوى بعيد. قال الناظر، ورأيت مضيقا فى وادى وانسيفن «ع» بين معدن عرام وبين قلعة مهدى ببلد فزاز «ف» ، ينحدر الوادى كله فى سعة بلاط قدره ٢٠ شبرا «ك» أو نحوها، وعليه قنطرة محدثة وعليها لوح كبير؛ وهذا الوادى هو المعروف بأم ربيع، وهو مثل وادى سبو، ولو عاينه أهل الأمر، أدام الله نصرهم، لأحدثوا عليه قنطرة على قوس واحد مثل قنطرة السيف المشهورة «ل» . وبمثل هذه الآثار تفتخر الملوك، فهى من أعظم منافع البشر. قال الناظر، وبالقرب من مدينة فاس غربى عدوة القرويين، موضع يعرف بالشيخ يقال إنه ساخ «م» بأهله.
стр. 198
وبالقرب منها أيضا قلعة يقال لها قلعة زيد، فيها مسجد «ا» يقال إن عقبة بن نافع بناها، وفيها شجر زيتون، يذكر من يسكن «ب» بقرب ذلك المسجد أن كل دابة من حمار أو ثور أو جمل أو غير ذلك من الدواب، إذا دخله وأكل من ورق الزيتون مات؛ لا يشكون فى ذلك، وهو عندهم متعارف.
وبين مدينة فاس ومدينة تلمسان، مسيرة عشرة أيام فى عمائر متصلة. وقد ذكرنا أن آخر بلاد المغرب الأوسط وأول بلاد المغرب بلاد تازا، وهى جبال عظيمة حصينة كثيرة التين والأعناب وجميع الفواكه، وأكثر شجرها الجوز، وهو يجود «ج» بها كثيرا. ويسكنها قبائل من البربر يعرفون بغياتة «١» وقد بنى ببلاد تازا فى هذه المدة مدينة الرباط «٢» ، وهى مدينة كبيرة فى سفح جبل مشرفة على بسائطه، يشقها جداول المياه العذبة، وعليها سور عظيم، وقد بنى بالجير والحصى، يبقى مع الدهر. وهى فى فسحة على ٦ أميال ما بين جبال ينصب إليها من تلك الجبال مياه كثيرة، وأنهار تسقى جميع بساتينها فى أعلاها وأسفلها، ولها نظر كبير، كثير الزرع وجميع الفواكه والخيرات، ولا أعلم ببلاد المشرق والمغرب بلدا أخصب منها ولا أكثر فوائد. وأسست هذه المدينة من نحو ٢٠ سنة «د» ، فى حين توجه الخليفة رضه إلى فتح بلاد بنى الناصر «ر» وشيدت «س» سنة ٥٦٨ [- ١١٧٢- ١١٧٣] مدينة الرباط على الطريق المار من بلاد المغرب إلى بلاد المشرق، وتسمى مكناسة تازا. ومكناسة قبيلة كثيرة من البربر سكنوا هناك، يسمى الموضع بهم. وتحت مدينة الرباط بنحو الميل بركة كبيرة يذكر أنها تتصل بالبحر من تحت الأرض، وقيل إنه رئى فيها فى بعض الأزمان «ص» دابة من دواب البحر؛ ويقال إن ماء هذه البركة يحمر فى بعض الأوقات حتى يعود كالدم، أخبرنى بذلك رجل من الثقات
стр. 199
الساكنين عليها. قال المؤلف، ومن الجبال المشهورة ببلاد المغرب فازار، وهو جبل كبير تسكنه أمم كثيرة من البربر، ويطردهم الثلج عنه فينزلون إلى ريف البحر الغربى. وهم أهل كسب من الغنم والبقر والخيل؛ وخيل هذا الجبل من أعتق الخيول لصبرها وخدمتها، وهى مدورة القدود «ا» حسنة الخلق والأخلاق؛ ولحوم غنمه أطيب اللحوم وكذلك أسمانها. وفى هذا الجبل أنواع النبات من العقاقير التى تنصرف فى العلاجات الرفيعة، وفيه خشب الأرز العتيق العالى، وهى مأوى القردة «ب» ، عاينتها تثب من الأرزة لأخرى وهى «ج» فى الجو الأعلى. وفى هذا الجبل قلعة كبيرة تنسب للمهدى بن توالى الجيفشى «د» «١» ، وهى فى نهاية المنعة، أقام عليها عسكر اللمتونيين «ر» ٧ أعوام، وبناؤها بالألواح. وإليها كان تغريب المعتمد بن عباد «س» ، فقال متمثلا حزينا بنقض العهود لبلد أهله يهود، وبناؤه عود، وجيرانه قرود، وكان اليهود فى ذلك التاريخ أكثر سكانه «ص» ، لأنهم سوقة فيلجؤون للحصن حيطة على سلعهم.
ومن نظر مدينة فاس إلى جهة «ط» الغرب مدينة مكناسة الزيتون «٢» :
وهى أربعة مدن وقرى كثيرة «ع» متصلة بالمدن والحصون. المدن منها تاقرارات «ف» وتفسيره المحلة، وهو محدث البناء وهو مشرف على بطاح وبقاع مملوءة نفيضات «ك» الثمار، وأكثرها الزيتون فسميت به. وهذه المدينة عليها سور كبير وأبراج عظيمة، وهى مدينة جليلة فيها أسواق حفيلة، وأحدث فيها الأمر العالى- أيد الله دوامه- بحائر عظيمة فى نهاية من الاتساع، وجلب لها ماء نهرها، وأمر بغرسها زيتونا وكروما،
стр. 200
فزينها أكثر زيت فى جميع المغرب. وبعده «ا» زيت النظر الكبير المسمى ببنى بسيل ومغيلة وجهاتها، وفيها اليوم تسع خطب: فى الحصن «ب» خطبة، وفى المدينة المسماة السوق القديم «ج» خطبة، وفى تاورا «د» خطبة، وفى أولاد عطوش خطبة، وفى أولاد برنوس «ر» خطبة، وفى بنى موسى خطبة، وفى بنى زياد، وفى بنى ورزيعة «س» وفى بنى مروان، ونحن فى سنة ٥٨٧ [- ١١٩١] .
وهى من البلاد العتيقة المجيدة لو كان بها «ص» خدمة لغلاتها، فإن أرضها كريمة، طيبة المزارع كثيرة المياه، وبركات هذا الأمر العالى تعيش «ط» الموتى فكيف من فطر على الحياة «ع» الطبيعية. وهى من عز بلاد المغرب لها أنظار واسعة، وقرى عامرة، وعمائر متصلة، تشقها الأنهار والمياه السائحة والعيون الكثيرة، وتطحن عليها الأرحية، وتحم «ف» بها الحمامات، إلا أن فى صبيانها دعارة «ك» وسفاهة لأنهم أكثرهم حاكة يصنعون أشغالهم فى بيوتهم، فإذا خرجوا إلى الفضاء الواسع حركتهم طباعهم الذميمة، فلا يعرفون إلا تجرد الشررة، سيما من كان منهم يجد زعامة فى نفسه أو نجدة فى بدنه. وميتها طعمة للجرذان «ل» .
قال المؤلف، ومن المدن المعمورة والعمائر من فاس إلى طنجة بلد جنيارة «١» : وفيه قرى كثيرة عامرة زرعا وضرعا فى جبل سهل أبيض مثل الطيلسان، ويسمى الجبل الأشهب، وقل ما تخلف أرض جنيارة لا فى خصب ولا فى جدب «م» . سأل رجل أراد أن يقتنى «ن» ضيعة ببلاد المغرب شيخا من العارفين، فقال له: عليك ببلد جنيارة فإنها مثل الدجاجة إن أصابها ديك أتت بالديك «هـ» ، وإن لم يصبها ديك أتت بالبيض، تحتك بالغبار وتلد. ومنه إلى نهر ردات مرحلة، وهو نهر كبير فى أصل جبل وفى أعلاه.
стр. 201
مدينة- كرت «ا» «١» : وكانت مدينة كبيرة حصينة كثيرة الخير على نظر كبير، يعمرها قبائل من البربر يقال لهم بياتة، وهى اليوم قرية عامرة.
ثم منها إلى مدينة البصرة «٢» ، مدينة كبيرة على ربوة مشرفة على بسائط ونظر واسع، كثيرة الزرع والضرع ليس بتلك النواحى أوسع مرعى منها، وبكثرة ألبانها كانت تعرف ببصرة الألبان «ب» . وتعرف أيضا ببصرة الكتان، لأن أهلها كانوا يتبايعون بالكتان؛ وكانت تعرف بالحمراء لحمرة تربيتها. وكان عليها سور مبنى بالحجارة والطوب يحمر من بعيد، وكانت لها ١٠ أبواب. ونساؤها مخصوصات بالجمال الفائق، والحسن الرائق، لم يكن ببلاد المغرب أجمل منهن.
مدينة قصر صنهاجة «٣» : وهى على تل وتحته نهر لكس «ج» تدخله المراكب، وتعرف بقصر عبد الكريم، وكان من أشياخ كتامة القاطنين هناك فرأس فيهم وأستوطن ذلك الموضع. وكانت فيه آثار قديمة، فبنى فيه دارا سميت قصرا لعدم القصور بتلك الجهات، وأحدث الأمر العالى فى موضعه فى هذه المدة فندقين عجبين، وتمدن هذا الموضع، وشرف وقصده التجار وأستوطنوه. ومصب «د» واديه فى البحر على ١٥ ميلا أو نحوها؛ على المدخل حصن كبير قديم يسمى تشمّس قدمنا ذكره «ر» . وكان إدريس بن القاسم بن ابراهيم العلوى «س» قد أحيار سمه «ص» وأظهره فهو إلى الآن معمور ويسكنه المتعيشون من البحر، وهو كثير الأمراض وبى الهواء «ط» وخم الماء، ومنه تشحن المراكب بالزرع.
стр. 202
قلعة ابن جندوب «ا» «١» : وكانت مدينة كبيرة فيها أسواق، ولها جنات وأشجار، وهى كثيرة الزرع والضرع ومنها إلى طنجة وقد ذكرناها.
قال المؤلف، وهذه البلاد كلها فى هذا الأمر العزيز بحمد الله مشحونة بالعمائر، متصلة المحارث والمزارع فى السهول والجبال، منها جبل زالغ وهو مشرف على مدينة فاس، كان فيه حصن بناه المظفر بن «ب» المنصور بن أبى عامر.
ثم إلى عقبة الأفارق، ثم إلى نهر سبو حيث محجة القوافل، وهو نحو ال ٣٠ ميلا فى عمائر متصلة، وقرى حصينة مانعة كثيرة الزرع والضرع، ثم من نهر سبو إلى نهر ورغة إلى قصر كتامة المذكور فى عمائر متصلة. وطريق أخرى على جبل غمارة، وذلك أنك إذا أقمت من وادى سبو، أخذت على يمينك فى عمائر متصلة إلى مدينة تاودا «٢» ، وكانت مدينة كبيرة أسسها الملثمون، ليملكوا منها جبل عمارة لتتابع نفاقه عليهم، وكان يسكنها ولاة المغرب منهم بالعسكر. وكانت فى أيامهم معمورة بالمبانى الحسان والقصور المنيعة. وهى على وادى ورغة وحواليها قبائل، وهى على قطر واسع كثير الزرع والضرع، وعليها جبل منيف فيه حصن كبير من بناء الملثمين «ج» يسمى أمرجوا، وهو مبنى بالحجارة والجير لا يقدر أحد على هدم شئ منه إلا بالمشقة؛ وفى أعلى الجبل الماء الكثير. وجبل غمارة «٣» من أخصب جبال المغرب، وهو من الجبال المشهورة، يسكنه قبائل كثيرة من غمارة وهم أمم لا تحصى؛ وفى هذا الجبل بسائط كثيرة لا تحصى للحرث، ومدن قديمة، وآثار كثيرة للأوائل، تنبئ أن عمارته قديمة أزلية. وطول هذا الجبل مسيرة ٦ أيام وعرضه نحو ٣ أيام، وهو الآن كثير العمارة تشقه الأنهار والمياه السائحة، ففيه غياض وأودية ومنتزهات لا توجد فى غيره من الأماكن، وهو كثير الأعناب والفواكه
стр. 203
والعسل والضرع؛ وفيه جبال قد لحقت بأعنان السماء علوا، وحصون كثيرة تمتنع فيها غمارة، وتنفق على الولاة، بذلك عرفوا حتى كسر الأمر العزيز شوكتهم، وأباد شرارهم واستأصل شأفتهم. ولأهل هذا الجبل مذاهب شتى، وسير مختلفة، وقد تنبأ عندهم إنسان يعرف بحاميم بن من الله ولقب بالمفترى «ا» «١» . والجبل الذي تنبأ فيه ينسب إليه وهو جبل حاميم على مقربة من تيطاوان، وأجابه بشر كثير من غمارة، وأقروا بنبوته. ووضع لهم قرآنا بل شريعة أستهواهم برخصها، فرد لهم الصلاة صلاتين عند طلوع الشمس وعند غروبها، يسجدون على ظهور أكفهم «ب» . ووضع لهم قرآنا بلسانهم تفسيره: خلنى من الذنوب يا من يخلى النظر ينظر فى الدنيا، خلنى من الذنوب يا من أخرج من موسى من البحر. وفيه «ج» : آمنت بحاميم وآمنت بأبى يخلف وهو والد حاميم واسمه من الله، وفيه «ج» : آمنت بتاليت «د» ، وكانت عمة حاميم كاهنة ساحرة. وكان لحاميم أخت تسمى دبّو «ر» ، وكانت ساحرة كاهنة وكانوا يستغيثون بها فى كل حرب وضيق. وكان حاميم فرض عليهم صوم يوم الخميس كله، وصوم يوم الأربعاء إلى الظهر، فمن أكل فيهما غرم ٥ أثوار لحاميم. ووضع لجميعهم صوم ٢٧ يوما «س» من رمضان، وجعل عيدهم فى ثانى يوم فطرهم، وفرض عليهم الزكاة العشر من كل شىء، وأسقط عنهم الحج والطهر والوضوء؛ وأحل لهم أكل أنثى الخنازير وقال لهم إنما حرم قرآن محمد «ص» الذكر، وحرم عليهم الحوت حتى يذّكى، وحرم بيض كل طائر «ط» . ونظم عبد الله الكفيف «ع» الطنجى يهجوه:
стр. 204
وقالوا افتراء إن حاميم مرسل ... إليهم بدين واضح الحق باهر
فقلت كذبتم بدد الله شملكم ... فما هو إلا عاهر وابن عاهر
فإن كان حاميم رسولا فإننى ... بإرسال حاميم لأول كافر
روى عن عجوز ذات إفك «ا» ذميمة ... تقارن فى أسحارها كل ساحر
أحاديث إفك حاك إبليس نسجها ... يسرّونها كتما وبئس السرائر
وجهز إليه الناصر المروانى من قرطبة عسكرا، فالتقت معه بأحواز طنجة سنة ٣١٥ [- ٩٢٧] فهزم وقتل لعنه الله، وحمل رأسه لقرطبة.
ويقال إنه كان فى بعض جبال مجسكة من بلاد غمارة «ب» رجل كان من السحرة المهرة يعرف بأبى كسيّة، وكان أهل موضعه يسمعون «ج» منه ولا يعصونه طرفة عين؛ فإن عصاه أحد منهم أو خالفه، حول كساه الذي يلتحف به فيصيب ذلك الإنسان فى ماله أو بدنه أو كليهما صائبة وعاهة، وإن كانوا جماعة أصابهم مثل ذلك، وكان يخيل إليهم كأن برقة تلوح من تحت كسائه. ولبنيه اليوم وعقبه فى تلك الناحية مزية وحظوة على من سواهم.
ومن عجائب غمارة أن عندهم قوما يعرفون بالرقّادة، يغشى على الرجل منهم يومين وثلاثة فلا يتحرك ولا يستيقظ، ولو بلغ به أقصى مبلغ من العذاب حتى يقطع قطعا، فإذا أستيقظ من غشيته كان كالسكران طول يومه لا يتجه لشئ ولا يخبر بشيء، فإذا كان بعد يوم، وصح «د» ، أتى بعجائب وغرائب مما يكون فى ذلك العام من خصب أو جدب أو فتنة أو هدنة، وغير ذلك من الكوائن والأحداث، وهذا عندهم مستفيض مشهور.
وكان ببلد غمارة المواربة مشهورة متعارفة يفتخر بها نساؤهم «ر» ، وذلك أن الرجل إذا دخل بامرأته البكر واربها شبان أهل ناحيتها، فإن رأوها جميلة حسنة احتملوها وأمسكوها عن زوجها شهرا أو أكثر ثم ردوها، وربما فعل ذلك مرارا على قدر جمالها ومقدار الرغبة فيها. ولا يتم إكرام الضيف عندهم إلا بأن يؤنسه بنسائهم الأيامى منهن: يبيت الرجل مع ضيفه أخته إذا كانت ثيبا أو ابنته أو من لم تكن ذات زوج من نسائه. وهم يرغبون فى الرجل الجميل أو الشجاع أن يأخذوا منه نسلا، ولا يتركون ذا عاهة يستقر ببلدهم،
стр. 205
ويقولون إنه يفسد النسل. وبلد غمارة جميل كبير، وكانت لهم فيما سلف شعور طوال يسد لونها «ا» كشعور النساء، ويتخذوها ضفائر ويطيبونها ويهتمون بها كثيرا حتى دخل الإسلام بلادهم وتخللها فألجأتهم الضرورة إلى التشمر والتوعر فى الجبال الشامخة فحلقوا رؤوسهم، وورث ذلك الأبناء عن الآباء «ب» .
قال المؤلف، ومن المدن والعمائر من مدينة فاس إلى سجلماسة حرسها الله، مدينة صفروى «١» : وهى مدينة لطيفة قديمة عليها سور، ذات أنهار ومياه جارية ولها جنات كثيرة الفواكه والأعناب، وأكثر شجرها اللوز ومنها يحمل إلى فاس وغيرها. ومنها إلى فاس «ج» مرحلة، ومنها إلى تاسغمرت «د» وهو بلد خصب فيه قرى كثيرة وعمائر متصلة، ومنه يدخل إلى بلاد سجلماسة بعد أيام. ولها طريق آخر من قابس إلى لواتة مدين، وهو بلد خصيب على نهر سبو، وله قصبة منيعة، منها إلى فاس مرحلة؛ ثم إلى مغيلة القاط «٢» ، وهو حصن كبير له سوق حافلة وجامع، وهو كثير الأنهار ومنه يحمل التين المزبب إلى مدينة فاس وغيرها؛ ومنه إلى مطماطة أمكسور «٣» ، وهو بلد كبير على نهر ملوية، كثير الزرع والضرع. ونهر ملوية كبير مشهور فى أنهار بلاد المغرب، وعليه نظر واسع، وفيه قرى كثيرة، وعمائر متصلة تسقى كلها من نهر ملوية، وبعده نظر سجلماسة. وكانت مدينة فاس دار مملكة بنى إدريس العلويين، وملكوا منها بلاد المغرب إلى أقصى بلاد السوس طاعة فى معصية، وكانت فى أيامهم دولة برغواطة الذين تدينوا بديانة الغوى صالح بن طريف البرباطى، وسيأتى ذكره بعد هذا. وملك العلويون بعض بلاد الأندلس، وتسموا فيها بأمير المؤمنين، وخطب لهم فيها بالإمامة «ر» .
стр. 206
دخول العلويين بلاد الغرب
ذكر أبو الحسن على بن محمد بن سليمان النوفلى «١» أن إدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن على بن أبى طالب رضه انهزم فى وقيعة فخ سنة ١٦٩ [- ٧٨٦] ، فاستتر مدة، وألح السلطان فى طلبه وضاقت عليه المذاهب، ورغب فى الهروب من بلاد المشرق فخرج معه راشد، وكان من موالى العلويين، وأصله من البربر ليثويه «ا» فى قومه، ويأمن من عدوه. وكان «ب» راشد عاقلا شجاعا أبدا، ذا فهم ولطف وحزم، فخرج به فى غمار الحاج وغيرّ زيه وألبسه مدرعة من وحش الثياب وصيّره كالغلام يخدمه، وإن أمره أو نهاه أسرع. فسار به مستخفيا من موضع إلى موضع حتى قربا من بلاد إفريقية، فترك الدخول به فى بلاد إفريقية «ج» ، وسار به إلى بلاد البربر حتى انتهى إلى بلاد فاس وطنجة، فنزل به فى مدينة وليلى «٢» ، وكانت مدينة رومية قديمة بطرف جبل زرهون فى الغرب منه؛ وتسمى الآن تيسرة. فنزل بها على اسحاق بن محمد بن عبد الحميد الأوربى، وكانت أوربة آن ذاك من أعظم قبائل بلاد المغرب، وكانت لها «د» مدن كثيرة منها مدينة سكوما «٣» ، وكانت على مقربة من فاس، وكانت مدينة عظيمة لم يكن بالغرب أعظم منها. يقال إن موسى بن نصير لما دخل بلاد المغرب، نازل مدينة سكوما وحصرها حتى افتتحها عنوة، وأخذ فيها سبيا كثيرا، وكتب إلى أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك بن مروان يقول له: قد بعثت إليك بسبى مدينة سكوما، وهو مائة ألف رأس «ر» ؛ قيل فكتب إليه الوليد بن عبد الملك: ويحك أظنها من بعض كذباتك، فإن كنت صادقا، فهذا حشر الأمم؛ وكذلك يقال إنه قتل فيها ما لا يحصى له عدد «س» . وكان اسحاق
стр. 207
ابن محمد الأوربى معتزلى المذهب فوافقه إدريس على مذهبه، وأقام عنده، وأمر اسحاق قبيلته بطاعته وتعظيمه. وكان ذلك فى خلافة هارون الرشيد أمير المؤمنين، فوصله خبره، فغمه ذلك، فشكا ذلك إلى يحيى بن خالد، فقال له أنا أكفيك خبره يا أمير المؤمنين. ثم أرسل إلى سليمان بن جرير الجزيرى «ا» وكان رجلا من ربيعة متكلما ممن يرى رأى اليزيدية متعصبا لآل أبى طالب، وكان جلدا شجاعا، أحد شياطين الإنس وكانت له إمامة فى اليزيدية، وهو الذي جمع الرشيد بينه وبين هشام بن عبد الحكم حين ناظره في أمر الإمامة، ولذلك قصة طويلة. قال فأرغبه يحيى بن خالد فى المال ووعده عن نفسه وعن أمير المؤمنين بمواعد عظيمة، ودعاه إلى قتل إدريس، والتلطف فى أمره.
فأجابه إلى ذلك وأعطاه مالا جزيلا ودفع إليه قارورة فيها غالية مسمومة، ووجه معه رجلا من ثقاته. فانطلق سليمان مع صاحبه، فلم يزالا يتغلغلان فى البلاد حتى وصل إلى إدريس، وكان إدريس عالما برياسة سليمان باليزيدية «ب» ، فلما وصل إليه قال: إنما جئتك بنفسى وحملتها على ما حملتها عليه لمذهبى فيكم أهل البيت، فجئتك لا فى حاجة إليك إلا لأنصرك بنفسى؛ فسرّ «ج» إدريس بقوله، وقبله أحسن قبول، فأحسن نزله وأكرم مثواه وأنس به. فكان سليمان يجلس فى مجالس البربر ويظهر الدعاء إلى ولد رسول الله ﷺ ، ويحتج لأهل البيت كاحتجاجه بالعراق. فأعجب ذلك إدريس منه، ومكث عنده مدة، وهو يطلب الغرة فيه ويرتصد الفرصة فى أمره، فدخل عليه سليمان ومعه القارورة، فلما انبسط إليه إدريس وأخلى له وجهه، قال له سليمان:
جعلنى الله فداك، هذه القارورة فيها غالية رفيعة أو صلتها معى وأعلم أنه ليس ببلدك طيب فجئتك بها، ووضعها بين يديه؛ ففتحها إدريس وشمها وتخلق بها. وقيل أخرج سكينا، وقطع به تفاحة، وأعطاه النصف الذي يلى الجهة المسمومة من السكين، ثم انصرف سليمان إلى صاحبه وقال له قم، قد تم مرادنا لنا، وقد كان أعد فرسين فركباهما، وخرجا يطلبان «د» النجاة. فلما وصل السم إلى خياشيم إدريس، وتغلغل فى دماغه سقط مغشيا عليه لا يعقل، ولا يدرى من يحتضر به من أهله وحاشيته ما شأنه. قال فبعثوا إلى راشد فجاء مسرعا
стр. 208
وتشاغل فى معالجته، وتحيروا فى أمره. وقطع سليمان مع صاحبه بلادا كثيرة فى تلك المدة، قيل فبقى إدريس فى غشيته عامة نهاره وليله، تضرب عروقه حتى مات رضى الله عنه. فتبين لهم أمر سليمان بن جرير، قال فركب راشد فى طلبه مع جماعة من أصحابه فجد السير حتى لحقهما وجده، لأن فرسه صبر أكثر من خيل أصحابه فأدركهما؛ فشد عليهما راشد، ففر صاحب سليمان ولم يغن شيئا، فضرب راشد سليمان ثلاث ضربات بالسيف على وجهه ورأسه، كل ذلك لا يصيب مقتلا، مع دفع سليمان عن نفسه، وعجز فرس راشد عن إدراكه. فلما رجع عنه راشد، نزل فعصب جراحاته، وسار حتى لحق بالمشرق. قال أبو الحسن النوفلى: فحدثنى من رآه بالعراق بعد ذلك مكتع اليد. قال النوفلى: كانت مدة إدريس الواصل من المشرق التى أجابته فيها البربر إلى أن مات بوليلى سنة ١٧٥ [- ٧٩١] «١» ثلاثة أعوام وستة أشهر.
قال أبو الحسن: ومات إدريس ولا ولد له وترك جارية من جواريه حبلى، فقام راشد بأمر البربر حتى ولدت الجارية غلاما فسماه باسم أبيه، وقام بأمره، وأحسن تأديبه. وتوفى راشد فقام بأمر الغلام أبو خالد يزيد بن الياس، وأخذ له بيعة البربر سنة ١٩٢ [- ٨٠٨] «٢» ؛ ثم مشى إدريس بن إدريس نحو فاس فاستوطنها واتخذها دار مملكة. وتوفى إدريس بن إدريس وهو ابن ٣٣ سنة، وكانت منيته بحبّة عنب اختنق بها، فلم يزل مفتوح الفم سائل اللعاب حتى مات.
وترك من الولد ١٢ ذكرا، فكان المتولى للأمر من بعده ابنه محمد بن إدريس، فاستوطن مدينة فاس؛ وفرق البلاد على إخوانه، وفعل ذلك برأى جدته كنزة أم إدريس. ويقال إنه خالف عليه بعض إخوانه، وكانت بينهم حروب يطول وصفها. ثم توارث الملك بنو إدريس بالمغرب، يأخذه الخلف عن السلف؛ وجاز منهم إلى جزيرة الأندلس على بن حمود «ا» . وكان فيما يذكر يميل إلى الفتوة، فاغتاله فتيان من الصقالبة فى حمام قرطبة فقتلوه «٣» ،
стр. 209
وقتلوا به. وترك من الولد يحيى وإدريس، فولى عهده يحيى وكان صاحب بلاد المغرب: فاس وغيرها، وجعل إدريس بمدينة مالقة. فلما قتل على بن حمود وكان الابنان غائبين، استدعى البربر أخاه القاسم بن حمود، وأدخلوه القصر بقرطبة، وبايعه الناس وخطب له بالخلافة، فوصل الجند إلى ابن أخيه يحيى وهو بالمغرب، فأنف من ذلك لما كان عهد إليه أبوه، فبعث إلى أخيه إدريس بمالقة «ا» وجاز إليه فتركه مستخلفا بمدينة فاس وبلاد المغرب، وعبر يحيى إلى الأندلس لطلب حقه عند عمه القاسم. فلما قرب من قرطبة هرب عمه القاسم وبويع يحيى بقرطبة ويسمى بالمعتلى؛ ثم إن البربر اضطربوا فهرب من قرطبة إلى ما لقة، ورجع عمه القاسم إلى قرطبة وتسمى بالمأمون.
ثم أخرجه ابن أخيه يحيى من قرطبة مرة ثانية، فمشى إلى إشبيلية، وسكن بها حتى أخرجه محمد بن عباد؛ فسار إلى شريش، ونزل عليه يحيى، وحصره بها حتى أخذه بها مع بنيه وسجنه. واستوثق الأمر ليحيى بن على حتى قتل سنة ٤٢٧ [- ١٠٣٦] ، وقام زناتة على أخيه إدريس بالمغرب، وملكوا مدينة فاس وغيرها فسكن إدريس بسبته، فلما وصله موت أخيه يحيى خطب له بالخلافة وتسمى بالعزيز بالله، ثم عبر البحر إلى مالقة، وخطب له بالخلافة فيها، ثم اتصلت الفتن حتى انقطعت دولة بنى إدريس من بلاد المغرب.
ذكر ارتداد برغواطة «١» ومن دخل معهم من قبائل البربر فى «ب» الإسلام، والسبب «ج» فى ذلك
قال الناظر، دخل بلاد تامسنا رجل اسمه صالح بن طريف، وأصله من برباط الأندلس يهودى النسب من سبط شمعون، وكان رحل إلى المشرق، وقرأ على غيلان القدرى ورأى من السحر كثيرا، فدخل إلى بلاد تامسنا، فوجد فيها من زناتة قوما جهالا، وكان ذلك سنة ١٢٣ [- ٧٤١] . فأظهر الإسلام والنسك حتى استفز عقولهم، فولوه على أنفسهم، فلما ولى شرع الديانة التى أخذوها عنه، وأنا أذكرها.
стр. 210
قال المسعودى والبكرى «ا» وغيرهما من المؤرخين إنه كان يقول إنه صالح المؤمنين الذي ذكره الله فى قرآن محمد. وعهد صالح إلى ابنه إلياس بديانته وعلم شرائعه وفقهه فى دينه، وأمره بألا يظهر الديانة حتى يظهر أمره وينتشر ذكره فيقتل حينئذ من خالفه، وأمره بموالاة أمراء الأندلس. وخرج صالح إلى المشرق ووعد ابنه أنه يرجع فى دولة السابع من ملوكهم، وزعم أنه المهدى الأكبر الذي يكون فى آخر الزمان لقتال الدجال، وأن عيسى بن مريم يصلى خلفه، وأنه يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا.
وذكر فى ذلك كلاما نسبه إلى موسى، وإلى سطيح الكاهن وإلى ابن عباس وزعم أن اسمه بالعربى صالح وكذلك فى السريانى، وأوربا بالعبرانى وورى ورابا بالبربرى. وتأول قول رسول الله ﷺ : «لا نبى بعدى» فأوله بضم الياء «ب» من نبى، وقال اسمي لا وأنا نبى بعده. فولى إلياس الأمر بعد خروج أبيه إلى المشرق بدعوة الإسلام وكتم الشريعة التى عهد إليه أبوه خوفا وتقية، ولم يظهر شيئا من ديانته إلى سنة ٧٣ [١] [٧٨٩- ٧٩٠] ، فكان ملكه ٥٠ سنة. فولى بعده ابنه يونس، فأظهر ديانتهم ودعا إليها، وقتل من خالفها إلى أن مات سنة ٧٥ [١] [- ٧٩١- ٧٩٢] ، فولى بعده أبو عفير معاد بن يونس ابن الياس بن صالح بن طريف، وأظهروا ديانتهم واشتدت شوكته، وكانت له وقائع كثيرة فى البربر؛ وكانت له من الزوجات ٤٤ زوجة. ومات أبو عفير سنة ٢٣٠ [- ٨٤٤- ٨٤٥] وولى ابنه أبو جعفر حفص، ولم يزالوا يتداولون هذه الديانة إلى غزو عبد الله بن ياسين الجزولى إياهم، فملك منهم سبعة وفنيت دولتهم سنة ٤٩٩ [- ١٠٥٧] . ولما كان أصل هذا الشيخ الملعون من برباط قيل لكل من دخل فى دينه برباطى فأحالتها العرب بألسنتها فقالت برغواطى، فمن أجل هذا سموا برغواطة، وإنما أصلهم زناتة وهم أعلم عباد الله بالسحر مما أخذوا عن أسلافهم.
وأما الضلال الذي شرع لهم فإنهم يقرون بعد الإقرار بالنبين بنبوة صالح ابن طريف ومن يتولى الأمر من بعده، وأن الكلام الذي وضع لهم وحى من الله لا يشكون فيه؛ ويصومون رجب، ويأكلون رمضان، وأن الفروض عليهم
стр. 211
خمس صلوات بالليل و ٥ صلوات بالنهار؛ وأن الأضحية واجبة فى ١١ من المحرم؛ وفى الوضوء غسل السرة والخاصرتين، ثم الاستنجاء ثم المضمضة ثم غسل الوجه ثم غسل العنق والقفا ثم غسل الذراعين من المنكبين وغسل الرأس ٣ مرات، ومسح الأذنين ثم غسل الرجلين؛ وبعض صلاتهم إنما يسجدون وبعضها على هيئة صلاتنا. ويسجدون ٥ سجدات، ويرفعون جباههم وأيديهم عن الأرض ويضع يده اليمنى على اليسرى ويقولون باسم باكش «ا» تفسيره: باسم الله؛ مقر ياكش مقريتجتن، تفسيره: العظيم الله العظيم الأعمال.
ويضعون أيديهم مبسوطة على الأرض طول ما يشتهون، ويقرءون نصف قراءتهم فى وقوفهم، ونصفا فى ركوعهم، ويقولون فى تسليمهم بالبربرية:
الله فوقنا لم يغب عنه شئ فى السماء ولا فى الأرض، ثم يقولون بعد التسليم:
الواحد الله، وردام ياكش معناه: لا شئ مثله. ويأخذون فى الزكاة العشر من جميع الثمار ولا يأخذون من المسلمين شيئا؛ ويتزوج الرجل من النساء «ب» ما قدر عليه، ولا يتزوج من بنات عمه إلا ما يحلوا من النساء ويطلقون ويراجعون.
ويقتلون السارق الذي عندهم، وعلى من قتل فدية من البقر، ورأس كل حيوان عندهم حرام، والحوت لا يؤكل حتى يذكى، ويرجم الزانى عندهم، كان بإقرار أو بشبهة. والديكة عندهم حرام، والدجاجة مكروهة إذا اضطر إليها. ولا إقامة للصلاة عندهم، ويقتدون فى الأوقات بصياح الديكة؛ ويبصق فى أيديهم فيتلقونه تبركا به ويحملونه إلى مرضاهم فيستشفون به.
وكان الضلال الذي وضع لهم هذا ٨٠ سورة منسوبة بأسماء النبيين وغيرهم ففيها: سورة آدم وسائر النبيين المشهورين، وفيها سورة أيوب، وسورة يونس وسورة فرعون، وسورة الديك وسورة الحجل، وسورة الجرادة وسورة الجمل، وسورة هاروت وسورة ماروت، وسورة الحشر، وسورة غرائب الدنيا، فيها علمهم؛ وصلوات الله وسلامه على أنبيائه ورسله وملائكته تتجدد إلى يوم الدين.
стр. 212
ذكر كلمات هى استفتاح كتابهم؛ فمما ترجم منه: بسم الله الذي أرسل رسله إلى الناس وهو الذي بين لهم مع أخباره علم إبليس، أبى الله أن يعلم إبليس ما علم الله رسله من شئ، ويقلب الألسن فى الأقولة ليس يقلب الألسن فى الأقولة إلا لا إله إلا الله، بقضائه نطق اللسان الذي أرسل الله بالحق إلى الناس، وبه استقام الحق وأنار. محمد كان حين عاش استقام الناس للدين فلما مات فسد الدين، كذب من يقول إن الحق استقام وليس ثمّ رسول. وهى سورة طويلة، ولولا خروج الكتاب عن قصدنا لذكرنا قراءتهم، وشرحنا ديانتهم وبيّنا كفرهم.
ذكر القبائل الداخلين فى هذه الديانة: برغواطة، وجراوة، وزغاوة، وزواغة، والبرانس، وبنو أبى قاض، ونجطة، وبنو واعم، ومطغرة، وبنو يوزغ، وبنو دمر، ومطماطة، وبنو واكست، وبنو تاسليت.
ومن تدين لهم من المسلمين: زناتة الجبال، وبنو تليت، وبنو وانسيت، وبنو تانيت. ولم يزالوا على تلك الديانة إلى عام ٤٥٢ [- ١٠٦٠] .
مدينة تادلا «١» : هى مدينة قديمة فيها آثار للأول، وبنى فيها الملثمون حصنا عظيما منيفا، وهو الآن معمور، فيه الأسواق والجامع. والبلد كله كثير الخيرات والأرزاق، وأحاطت به القبائل من كل الجهات، فهو حقيق بالمملكة؛ والأمر العزيز أدام الله دوامه ملتفت له محتاط عليه.
مدينة ثليث «٢» : هى مبسوطة بين القبائل القبيلة، وعليها تمر القوافل، وفيها حصن منيع رتبت فيه الجند، وعمره الوالى، وحوله الأعناب الكثيرة والثمار، والمياه المطردة، والعمائر.
مدينة سجلماسة «٣» : مدينة عظيمة من أعظم مدن المغرب، وهى على طرف الصحراء لا يعرف فى قبليها ولا غربيها عمران؛ بينها وبين غانة صحراء
стр. 213
مسيرة شهرين فى رمال وجبال غير عامرة قليلة الماء، يسكنها قوم من مسوفة رحالون لا يستقر بهم مكان، ليس لهم مدن ولا عمارة يأوون إليها إلا وادى درعة وبينه وبين سجلماسة ٥ أيام. ومدينة سجلماسة محدثة بنيت سنة ١٤٠ [- ٧٥٧- ٧٥٨] ، أسسها مدرار بن عبد الله وكان رجلا من أهل الحديث، يقال إنه لقى بإفريقية عكرمة مولى بن عباس وسمع منه؛ وكان صاحب ماشية وكان كثيرا ما ينتجع سجلماسة وكان الموضع سوقا يجتمع فيه بربر تلك النواحى.
فاجتمع إلى مدار قوم من الصّفرية فلما بلغوا ٤٠ رجلا قدموا على أنفسهم مدرارا وشرعوا فى بناء سجلماسة فبنوها ثم سورها «ا» أبو المنصور بن أبى القاسم ابن مدرار، ولم يشركه فى الإنفاق فى بنائه أحد. أنفق فيه مدى ألف مدّ طعاما.
وذكر آخرون أن رجلا حدادا اسمه مدرار وكان من ربضية قرطبة خرج من الأندلس عند وقعة الربض فنزل منزلا بقرب سجلماسة، وموضع سجلماسة إذا ذاك سوق البربر بتلك النواحى، فأنشأ بها مدرار خيمة وسكنها فبنى الناس حوله، فكان ذلك أصل عمارتها، وكان رجلا أسود وأولاده قد هجوا بذلك.
ولمدينة سجلماسة ١٢ بابا، ولها بساتين وهى كثيرة النخل والأعناب وجميع الفواكه، وزبيب عنبها المعرش الذي لا تناله الشمس لا يزبّب إلا فى الظل ويسمى الطلى، وما أصابته منه زبّب فى الشمس. وهى على نهرين من عنصر واحد فى موضع يسمى أكلف «ب» ، وتمده عيون كثيرة، ولهم مزارع كثيرة يسقونها من النهر فى حياض كحياض البساتين؛ وتزرع أرض سجلماسة عاما ويحصد من تلك الزريعة ٣ أعوام لأنه بلد مفرط «ج» الحر شديد القيظ.
فإذا يبس الزرع تناثر عند الحصاد وأرضهم مشققة فيقع ما يتناثر من الحب فى تلك الشقاق، فإذا كان العام الثانى أخرجوا النهر على عادتهم لأن ماء المطر قليل فيها وحرثوا بلا بذر؛ وكذلك العام الثالث. وقمحهم رقيق الحب يسع مدّ النبي ﷺ من قمحهم ٧٥ ألف حبة، وهم يأكلون الزرع إذا خرج شطئه وهو عندهم مستظرف وذلك لغلبة الجدب عندهم. ومن العجيب بمدينة سجلماسة أنها ليس بها ذئاب «د» ولا كلاب لأنهم يسمّنونها ويأكلونها كما يصنع أهل
стр. 214
الجريد: قسطيلية وغيرها. ويسمون الكنافين عندهم المجرمين، والبناؤون عندهم يهود لا يتجاوزون بهم هذه الصناعة؛ وكذلك كانوا ببلاد بنى الناصر.
قال الناظر كان هذا فى الزمان المتقدم، وأما الآن فهم تجار أهل هذه البلاد كلها وأغنياؤها وخاصة بمدينة فاس فإنى عاينت منهم من يقال إن عنده المال الممدود رجالا كثيرين. وقد كان تنبه لهم الأمر العالى أيد الله دوامه سنة ٨٢ [٥] [- ١١٨٦] فلبس «ا» المرتشون وشوش المشوشون وخوف المفتشون، فأرجأ القدر السابق هذا إلى نهاية أمد عزهم وابتداء نكستهم إن شاء الله وذرهم وهى سنة ٥٧١ من «ب» الهجرة. والسبب فى تسخير أهل سجلماسة لليهود فى هاتين الحرفتين الرذيلتين كونهم محبين فى سكنى بلدهم للاكتساب لما علموا أن التبر بها أمكن منه بغيرها من بلاد المغرب لكونها بابا لمعدنه، فهم يعاملون التجاربه ليخدعونهم بالسرقة وأنواع الخدائع. ولما علم منهم أبو عبد الله الداعى ما هم عليه من ذلك عند استخراج عبيد الله من سجن اليسع بن مدرار بها، وكان الذي نص عليه ونم به لليسع يهودى وحكى عبيد الله لأبى عبد الله ما جرى له معه، قتل منهم الأغنياء وأخذ أموالهم بالعذاب، وأمر من شاء أن يقيم منهم بالبلد فى أن يتصرف فى هاتين الخلتين، فمن دخل فى الكنّافين من أصناف الناس سموهم المجرمين لاجترامهم على حرفة موقوفة على اليهود.
وقصروا البناء عليهم خاصة لأنهم خائفون أبدا من أن يخون أحدهم المسلم فيهلكه، فهم ينصحونهم فى البناء ويلازمون الخدمة دون خروج لفرائض الصلوات ولا لغير ذلك من ملازم العبادات، فتأتى خدمتهم موفرة سريعة.
وهم الآن قد مازجوا المسلمين وداخلوهم وهو العز الذي كانوا يرتقبونه فى سالف الأزمان، وبعده الزلة الدانية لهم القاصمة إن شاء الله لظهورهم، المستأصلة لشأفتهم عما قريب كما قدمنا.
ذكر السبب فى ثورة الداعى ودخوله سجلماسة «١» : كان الداعى محققا لوجود الإمام المهدى، جاهلا لزمنه طامعا أن يصادفه لمحبة المرء فى نفسه.
стр. 215
قال الداعى خرجت يوما إلى شاطئ دجلة لأتفرج، فجلست على ضفة النهر أقرأ سورة الكهف فإذا بشيخ حسن الملبس والمركب معه غلام ففرش له على ضفة النهر، فجلس وأنا أقرأ حتى انتهيت إلى قوله تعالى: «حتى إذا لقيا غلاما فقتله» إلى قوله: «فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا» إلى آخر الآية. فقال لى الشيخ: أنت تزعم ممن يقول بالعدل والتوحيد؟ قلت له نعم. قال فكيف تقتل نفسا خشى أن يكون وأن لا يكون؛ فقلت له إنى لعلم هذا لفقير؛ فقال لى سأعلمك إذا التقينا إن شاء الله. ثم ركب دابته وانصرف، فسألت غلامه من هو فقال لى: هو محمد بن اسماعيل بن الحسن بن على بن جعفر بن على ابن موسى بن جعفر بن على الصادق بن على زين العابدين بن الحسين بن على ابن أبى طالب رضه وعن جميعهم. قال الداعى فعند ما سمعت ذلك لم أتمالك أن قبلت رأس الغلام وتعلقت بركاب الشيخ، وضرعت إليه أن يعلمنى السبيل إلى معرفة الإمام؛ فأشار إلى فى الوصول إلى منزله، فسرت معه فأدخلنى ووجدت ولده عبيد الله ومعه أحد عشر رجلا، فقال لهم هذا ثانى عشرتكم. فأنزلنى أرفع منزلة فلما استقربى المجلس قال لى: قدحان وقت ظهور الإمام وهذه الدعاة خارجة إلى الأقطار، وأنا أريد توجهها إلى المغرب لأن جعفر بن محمد الصادق زرع بالمغرب بذرا فأنت تحصده إن شاء الله؛ اذهب إلى مكة فإنك ستجد بها قوما من كتامة فاعرض نفسك لهم فى تعليم أبنائهم؛ فإذا وصلت معهم إلى بلادهم فأعلمهم بظهور الإمام وأن زمانه قدحان وخاطبنا. فإذا استوثق الأمر نهضنا إن شاء الله، ودفع إلى مالا وشيعنى فأنصرفت وأنا متعجب من دعواه، ومرتاب فى أمره. فلما عاينت خروج الدعاة وحدهم احتسبت نفسى من جملتهم، فسرت إلى مكة- كرمها الله- فألفيت كتامة، فعرضت نفسى عليهم، فتلقونى بالقبول، وسرت معهم إلى بلادهم فنزلت فى بجاية بالجبل المعروف ببنى زلدوى. وجعلت أعلم أبناءهم، فقالوا نحن أحوج إلى التعليم منك من أبنائنا فجعل يقول لهم: هذا زمان الإمام المهدى الفاطمى قد حضر، وذلك فى خلافة عبد الله سنة ٢٨٠- ٨٩٣] . وكان الداعى يأخذ صدقانهم، وعشوراتهم وأمرهم بالدعوة إلى ما دعاهم إليه، وقتل من خالفهم الى أن مات الشيخ والد عبيد الله، وهرب الولد فارا إلى مصر، فلم يعلم بدخوله فيها. وقد كانت
следующие страницы →