Полный текст (637 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
أهل الصعيد ولا يستعرفون، فبني ذلك من أهل النوبة. وقيل أمر بعض الملوك أفلاطون فبني بناحية مصر ممّا يلي البرّ حائطا طوله ثلاثون فرسخا ما بين الفرما إلى أسوان حاجزا بينهم وبين الحبشة.
وبالفسطاط صورة امرأة من حجر عظيمة قاعدة، على رأسها إجّانة وعلى كلّ واحدة من ركبتيها درجة إلى غرفة، تسمّى أمّ يزيد الخولانيّة.
وقالوا: البطّ ترعى بمصر كما ترعى الغنم، وبها الثعابين وليس هي في بلد غيرها، وإليها حوّل الله عصا موسى، قال الله : فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ
يعني أنه حوّلها ثعبانا. ومن أعاجيب مصر النمس، وليس ذلك لأحد غيرهم، وهي من عجائب الدنيا، وذلك أنها دويبّة متحرّكة كأنها قديرة، فإذا رأت الثعبان دنت منه، فينطوي الثعبان عليها يريد أن يعضّها ويأكلها، فتزفر زفرة تقدّ الثعبان بقطعتين، وربّما قطعته قطعا، ولولا النمس لأكلت الثعابين أهل مصر، وهي هناك أنفع لأهلها من القنافذ لأهل سجستان، وسجستان بلد كثير الأفاعي وفي شروطهم أن لا يقتل لهم قنفذ ولا يصاد. وبمصر أعجوبة أخرى وهي التمساح، لا يكون إلّا في النيل، ويكون في نهر السند مهران «١» ، فإذا عضّ أوغل أسنانه واختلفت، فلم يدع ما أخذه حتى يقطع بأسنانه ما قبض من شيء، وحنكه الأعلى يتحرّك ولا يتحرّك الأسفل، وليس ذلك في غيره من الدوابّ، ولا يعمل الحديد في جلده، وما بين رأسه وذنبه عظم واحد، وليس يلتوي ولا ينقبض لأنه ليس في ظهره خرز، وإذا انقلب لم يستطع أن يتحرّك، وإذا سفد الذكر الأنثى خرج من النيل فيلقيها على ظهرها ثم يأتيها مثل ما يفعل الرجل بالمرأة، فإذا فرغ أقلبها، وإن أقرّها على ظهرها صيدت، لأنها لا تقدر أن تنقلب، وذنب التمساح حاد جدا، فربّما قتل من الضربة، وربّما جرّ الثور إلى نفسه فيأكله، وله بيض مثل بيض الأوزّ، ويبيض ستّين بيضة، وله ستّون فإذا سفد ففي ستّين مرّة، فإذا خرج التمساح من بيضة خرج مثل الحرذون في خلقه وجسمه، فيعظم حتى يكون عشرة أذرع أو
стр. 107
أكثر، وهو يزيد كلّما عاش، وإن أخذ من جانب حنكه الأيمن، أوّل سنّ في الحنك وعلّق على من به حمّى نافض تركته من ساعته، وربّما دخل اللحم في خلال أسنانه فيفتح فاه، وله صديق من الطير يشبّه بالطيطوى، يجيئه حتى يسقط على شدقه فيخلّل بمنقاره ذلك اللحم، فيكون ذلك طعاما للطير، وترفيها للتمساح لأنه ينقّى ما في أسنانه من اللحم ويحرسه هذا الطائر ما دام ينقّى أسنانه فإن رأى صيّادا أو إنسانا يريده. أو ابن عرس فإنه عدوّه أعلمه ذلك وذلك إن ابن عرس يجيء إلى التمساح وهو نائم ويحبّ النوم على شطّ النهر فيستحمّ في الماء ويتمرّغ في الطين ثم ينتفض حتى يقوم شعره في فم التمساح فيقتله قتلا عنيفا أو يأكل ما في جوفه فلذلك الطير يحرس التمساح وإذا رأى ابن عرس مقبلا أنبه التمساح وآذنه فيهرب التمساح إلى الماء وليس هذا بأعجب من الخلد وهي دابّة عمياء فتخرج من جحرها فتفتح فاها فيتساقط الذبّان في فيها وأشداقها ولا تزال تضمّ فاها على الذبّان وتبلعه حتى تشبع ثم تدخل جحرها وليس هذا بأعجب من طائرين يراهما الناس من أدنى حدود البحر من شقّ البصرة إلى غاية البحر من شق السند أحدهما كبير والآخر صغير يقال لأحدهما جوانكرك ويسمّى الآخر جرشي فلا يزال الصغير يرنّق على رأس الكبير ويعبث به ويطوف حوله ويخرج من بين رجليه ويغمّه ويكربه حتى يتّقيه بذرقة فإذا ذرق الجرشي تلقّاه الجوانكرك فلا يخطئ أقصى حلقه حتى كأنه ردى به في بئر فإذا استوفى ذلك الذرق رجع شبعان ريّان بقوت يومه ومضى ذلك الكبير لطيّته وأمرهما مشهور ظاهر، وأعجوبة أخرى وهو إن الدّخس من دوابّ الماء مما يقايس السمك وليس بسمك يعرض للغريق فيدنو منه حتى يضع الغريق يده على ظهره فيسبح والغريق يذهب معه ويستعين بالاتّكاء عليه والتعلّق به حتى ينجّيه، وهو عند البحريّين مشهور، قالوا ومن ادّهن بشحم حرذون ثم ألقى نفسه على التمساح في الماء صاده والحرذون دويّبة تكون بمصر وزبله ينفع من وجع العين ويقاتل العقرب وإذا ظفر بالجدي أكل أذنه، وأهل مصر يعدّون كون التمساح في النيل من غرائب ما عندهم وهو كثير في خلجان سندان والزنج ولكنهم لا يعرفون له هناك هذا الطائر الذي يخلّل أسنانه، وكون التمساح موصول في نيل
стр. 108
مصر بوادي مهران وهو وادي السند ومن هناك أتاه. وبمصر من العجائب الفرس الذي يكون في النيل يأكل التماسيح وغيره من الدوابّ ويربّي هذا الفرس إذا كان فلوا في البيوت مع النساء والصبيان وفي سنّه شفاء من وجع المعدة. والنوبة والحبشة تتعالج به لأنهم يأكلون الأطعمة الغليظة فيشرفون على الموت من وجع المعدة فيأخذون سنّ هذا ويتعالجون به فيبرؤون وأعفاجه تبرئ من الجنون الذي يأخذ في الأهلّة. ومن عجائب النيل دابّة تسمّى ذا القرن تكون في النيل على أنفها مثل السيف الحادّ تقطع الصخرة إذا ضربتها وربّما قتلت به الفيل.
وأهل مصر يعدّون النيل من أحد عجائبهم وذلك أنه مخالف لجميع الأودية التي عليها ضبع العالم وكلّ سرب ومغيض فإنّما استقباله من ناحية الشمال وليس النيل كذلك لأن مجراه من ناحية الجنوب وليست التماسيح في شيء من هذه الأودية المعروفة لا ترى بالفرات ولا دجلة ولا سيحان ولا جيحان ولا نهر بلخ، ولا فيها من الفساد والدواب الخبيثة، وشرب أهل مصر في البواقيل «١» ،
وقال النبيّ ﷺ : «تغور المياه كلّها وترجع إلى أماكنها، إلّا نهر الأردنّ ونيل مصر والحجرات وعرفات ومنا» .
وقال ابن الكلبيّ: إذا طلع العيّوق غارت المياه كلّها ونقصت إلّا نيل مصر، ويمتدّ النيل لسبع من أيّار. وقال عبد الله بن عمرو: نيل مصر سيّد الأنهار، سخّر الله له كلّ نهر بين المشرق والمغرب، فإذا أراد الله أن يجريه أمر كلّ نهر أن يمدّه، فأمدّته الأنهار بمائها، فإذا فجّر الله به الأرض عيونا وانتهى من جريته إلى ما أراد الله، أوحى الله إلى كلّ ماء أن يرجع إلى عنصره، وفي الخبر أربعة أنهار من الجنّة: النيل، والفرات، وسيحان، وجيحان.
وقال بعضهم: النيل يخرج من خلف خطّ الاستواء من بحيرتين يقال لهما بحيرتا النيل، وهو يطيف أرض الحبشة ويجيء فيمرّ بين بحر القلزم- وهو بحر الفرما- وبين المفازة، فيجيء فيصبّ بدمياط، ويخرج إلى البحر الروميّ المغربيّ، ودمياط على البحر الروميّ المغربيّ. وقال أبو الخطّاب: قال المشتري ابن الأسود: غزوت بلاد أنبية عشرين غزاة، من السوس الأقصى، فرأيت النيل بينه وبين البحر الأجاج
стр. 109
كثيب من رمل، يخرج النيل من تحته. وقال بعض الفلاسفة: أقول إنه قد يكون البحر في موضع من بعض المواضع ثم ينضب الماء عنه حتى يصير أرضا يابسة ثم يعود بحرا، والعلّة في ذلك أن قرار الأرض يشبه أجسام الحيوانات والنبات، وأن لها نهاية وغاية بمنزلة الشباب والهرم ينقص ويزيد، فإذا قربته الشمس حينا طويلا حلّلته فارتفع وجفّ ذلك الموضع، فإذا بعدت الشمس هنة رطب ذلك الموضع وندي واجتمعت فيه المياه من الندى والأمطار، ذكروا أن أرض مصر كانت بحرا، وكذلك جميع الأرض عليها فنضب ذلك الماء قليلا، فجفّت تلك المواضع في مدّة من الزمان، فظهر اليبس وغرس فيه الأشجار وزرع فيه الزرع.
ولما فتحت مصر أتى أهلها عمرو بن العاص حين دخل بوونه، فقالوا: أيّها الأمير لنيلنا هذا سنّة لا يجري إلّا بها، قال: وما ذاك؟ قالوا: إذا كان لاثنتي عشرة ليلة تخلوا من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها فأرضيناهما وجعلنا عليها من الحليّ والحلل والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل. قال عمرو:
إن هذا أمر لا يكون أبدا في الإسلام، وإن الإسلام يهدم ما قبله، فهمّوا بالجلاء فلمّا رأى ذلك عمرو كتب إلى عمرو بن الخطّاب، فكتب إليه أنك قد أصبت وأني قد بعثت إليك بطاقة في داخل كتابي هذا- يعني رقعة- فألقها في النيل، فلمّا قدم كتاب عمر على عمرو أخذ البطاقة ففتحها، فإذا فيها من عبد الله عمر إلى نيل مصر أما بعد: فإن كنت إنما تجري من قبلك فلا تجر، وإن كان الله العزيز الغفّار الواحد القهّار هو الذي يجريك فنسأل الله الواحد القهّار أن يجريك، فألقى البطاقة في النيل قبل الصليب بيوم، وقد تهيّأ أهل مصر للجلاء لأنهم لا تقوم مصلحتهم إلّا بالنيل، فأصبحوا يوم الصليب وقد أجراه الله ستّة عشر ذراعا في ليلة واحدة، وقطع الله تلك السنّة عن أهل مصر، وقال ابن الكلبيّ: كتاب عمر إلى نيل هو الطلسم الأكبر.
ومن عجائب مصر: حشيشة يقال لها الدقس، يتّخذ منها حبال للسفن، تسمّى تلك الحبال القرقس، يؤخذ من القرقس قطعة فيشعل بين أيديهم كالشمع، ثم يطفي فيمكث سائر الليل، فإذا احتاجوا إليه أخذوا طرفه فأداروه كالمخراق
стр. 110
فيشتعل. ومن أعاجيب مصر: الشجرة التي تدعى باليونانيّة المومقس، يرى بالليل من بعيد كأنه حريق، فإذا دنا منه الإنسان لم يجد عنده شيئا بتّة. ومن أعاجيب مصر: الرماد الذي يقال له رماد السنط، وهو خشب يوقد نهارهم كلّه، ولو جمع الإنسان ذلك الرماد لما ملأ راحته. ولهم حجارة الواحات، كلّ من تناول منها حجرا فحرّكه فكأنّما يحرّك مقلة نواتها في جوفها، ولهم القراطيس التي لا يشركهم فيها أحد، ولهم دابّة يقال لها الأسقنقور يهيج الجماع إذا أكل، وفيه أعجوبة أخرى وذلك أن ثلاثة من الحيوان للذكر منها أيران: الأسقنقور والورل والضبّ.
ومن مفاخرهم: شراب العسل وهو هناك يختار على الخمر البابليّ للذّته وطيبه وشدّة أخذه، وموضع الأعجوبة فيه أنه يتّخذ في زمان مدود النيل، ويعمل من ذلك الماء الخاثر الكدر، ولو عمل من الصافي لم يخرج على صفاء هذا ولا جودته، ولا تزيده تلك الكدورة إلّا صفاء وحسنا، ولهم البلسان، ودهن الفجل، ودهن الخردل، ولهم الخيش والريش، ولهم أن كلّ واد في الأرض مخالف لواديهم، لأنه يستقبل الشمال وماؤها يجري من الجنوب، وأعجوبة أخرى أنها لا تمطر مطرا، وأعجوبة أخرى أن اسمها مصر، وعلى اسمها سمّيت الأمصار مثل:
الكوفة والبصرة- وإنّما سمّيت البصرة فسطاطا على التشبيه بفسطاط مصر-.
وقال الكلبيّ: كان لفرعون ما بين مصر إلى مغرب الشمس وهي مملكة إفريقية والأندلس، وإنّما هو مثل أرض واسط أربعون في مثلها وأعجوبة أخرى بمصر وهي الأترجّ، ربّما وضع الرجل الأترجّة بينه وبين صاحبه فلا يرى أحدهما الآخر لكبرها، وبمصر من الأعاجيب السمك الرّعاد، ومن صاد منه سمكة لم تزل يده ترعد وتنتفض ما دام في شبكته وشصّه، وليس هذا بأعجب من الجبل الذي بآمد، يراه جميع أهل البلد فيه صدع فمن انتضى سيفه فأولجه فيه ثم قبض على قبيعته بجميع يديه، اضطرب السيف في يديه وارتعد هو ولو كان أشدّ الناس، وفيه أعجوبة أخرى لأنه متى حكّ بهذا الجبل سيف أو سكين حمل ذلك السكّين الحديد، وجذب الأبر والمسالّ بأكثر من جذب المغناطيس، وأعجوبة أخرى أن ذلك الحجر بعينه لا يجذب الحديد، فإن حكّ عليه سكّين أو حدّ به جذب
стр. 111
الحديد، وفيه أعجوبة أخرى أنه لو بقي مائة سنة لكانت تلك القوّة قائمة فيه، ولو سقي كما تسقى السكاكين، والمغناطيس نفسه إذا حكّ عليه الثوم لم يجذب الحديد، وذلك شبيه بناب الأفعى، لأنهم إذا حشوا فيه حمّاض الأترجّ، ثم عضّ وانقلب لم يكن له سمّ قاتل.
وقد بارك رسول الله ﵇ في بنها قرية مصر. وقال أهل مصر:
اتّخذ يوسف ﵇ الفيّوم بالشرقي في جبل شرب أسفلها وأعلاها ووسطها بماء واحد لا تعدم الثمرة فيها رطبة شتاء ولا صيفا.
قالوا: وإذا جاوزت بلاد غانة إلى أرض مصر انتهيت إلى أمّة من السودان يقال لها كوكو، ثم إلى أمّة يقال لها مرندة، ثم إلى أمّة يقال لها مراوة، ثم إلى واحات مصر بملسانة.
صفة الهرمين
وبمصر، الهرمين «١» الذي يرى أصحابه كأنهم دفنوا حديثا، إلّا أنهم في عمق من الأرض، وهي ثلاثة أهرام، كلّ هرم أربع مائة ذراع طول في أربع مائة ذراع عرض، في سمك أربع مائة ذراع في الهواء، مبنيّة بحجارة المرمر والرخام، غلظ كلّ حجر وطوله وعرضه عشرة أذرع مهندز مهندم، لا يستبين هندامه إلّا الحادّ البصر، منقور في كلّ حجر بالكتاب المسند، يقرأه كلّ من يقرأ المسند، كلّ سحر وكلّ عجب من الطبّ وكلّ طلسم وكلّ خلقة طير. وحدّث بعض المشايخ بمصر أنه قرئ لبعض خلفاء بني العبّاس على الهرمين مكتوب أنّي بنيتهما فمن كان يدّعي قوّة في مله فليهدمهما، فإن الهدم أيسر من البناء، فأرادوا هدمهما فإذا خراج الأرض لا يقوم به فتركوهما. وقال عبد الله بن طاهر: رأيت بمصر من عجائب الدنيا ثلاثة أشياء: النيل، والهرمين، وابن عفير. وكان ابن عفير هذا كثير العلم، واسمه سعيد بن كثير بن عفير. قالوا: ووجد في أهرام مصر حيّة من ذهب في شدقها صفيحة فضّة مكتوب فيها:
стр. 112
إنّي وربّ البدن والقلاص ... عملتها من خالص الرّصاص
وقرئ عليه أيضا: أنّي نقبتها وكسوتها الأنطاع، ثم كسوتها الحبر اليمانية، ثم كسوتها الديباج، فمن ادّعى القوّة في ملكه فليكسها الحصر، فأراد المأمون أن يكسوها الحصر فكان «١» يخرج فيها خراج مصر أجمع.
وبمصر الرمل المحبوس، والطور الذي كلّم الله موسى ﵇ بها، وهو في صحراء التيه فيما بين القلزم وأيلة، وفيها الصّرح الذي لم ير قطّ شيء مثله، وهم يقولون نحن أكثر الناس عبدا وشهدا وقتدا ونقدا، قالوا:
والصوف والكتّان لنا ليس لأحد من أهل البلدان مثلها، وقالوا: ولنا الحمير المريسيّة، والبغال المصريّة، والخيل العتاق، والمطايا من الإبل، قالوا: ولنا الأودية والمراتع التي ليس لأحد مثلها، وربّما خيف على الإبل الهلاك من السمن، لأنها إذا بلغت الغاية في السمن، فربّما انصدعت كراكرها عن شحمة كالسنام، حتى يخرّ البعير ميّتا، قالوا: ولنا الشمع والعسل والريش والخيش، ولنا ضروب الرقيق والجواهر.
وبمصر، الإسكندريّة،
قال النبيّ ﷺ : «خير مسالحكم الإسكندريّة» ،
وهي من بناء الإسكندر وبه سميت، ويروى في قول الله : إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ
قال: هي الإسكندريّة، وقال الحسن البصريّ: لأن أبيت بالإسكندريّة ليلة على فراشي أحبّ إليّ من عبادة سبعين ليلة، كلّ ليلة منها ليلة القدر بمقدارها. وروى زهرة بن معبد القرشيّ قال: قال لي عمر بن عبد العزيز: أين تسكن بمصر؟ قلت:
الفسطاط. قال: تسكن المدينة الخبيثة وتذر الطيّبة. قلت: أين؟ قال:
الإسكندريّة، فإنك تجمع دينا ودنيا وهي طيّبة الموطأ، والذي نفسي بيده لوددت أن قبري فيها ولمّا همّ الإسكندر ببنائها دخل هيكلا لليونانيّين عظيما، فذبح فيه ذبائح كثيرة، وسأل أحبارها أن تبيّن له أمر المدينة هل يتمّ بناؤها، وكيف يكون؟
فرأى في المنام كأن جدار ذلك الهيكل يقول له: إنك تبني مدينة يذهب صوتها في
стр. 113
أقطار الأرض، ويسكنها من الناس ما لا يحصى عددهم، ويختلط الرياح الطيّبة بهوائها، ويثبت حكمة أهلها، ويصرف عنها سورة السموم والحرّ، ويطوى عنها قسوة البرد والزمهرير، ويظعن عنها الشرور حتى لا يصيبها خبل من الشيطان، وإن جلب إليها الملوك والأمم بجنودهم وحاصروها لم يدخل عليها ضرر. فبناها وسمّاها الإسكندريّة، ثم رحل عنها فيقال: إنه مات ببابل وحمل إلى الإسكندريّة فدفن بها ويقال: إنها عملت في ثلاثمائة سنة، وخمّرت نورتها ثلاث سنين، وضربت ثلاثمائة سنة. ولقد غبر أهلها سبعين سنة ما يمشون بالنهار فيها إلّا بخرق سود، فرق أن تذهب أبصارهم من بياض جدرها، وما أسرج فيها أحد سراجا بليل من ضوئها، ومنارة الإسكندريّة على سرطان من زجاج في البحر «١» .
والجوف بمصر وباليمامة وهما جوفان، مثل الطوخ بالعراق، وحلوان بمصر على فرسخ من الفسطاط، وبه نخل كثير والكريون على ثلاثة فراسخ منها.
فأما منارة الإسكندريّة فلها عمودان من نحاس على صورتين أحدهما من زجاج والآخر من نحاس، أما النحاس فعلى صورة عقرب، والزجاج على صورة سرطان، والمنظرة إلى جنبهما ويقال لها المنارة.
وعين الشّمس على ثلاثة فراسخ من الفسطاط ومنف مساكن فرعون بينها وبين عين الشمس ثلاثة فراسخ.
وقد اختلفوا في الإسكندر فزعم بعضهم أنه ذو القرنين، وقال آخرون: ليس هو ذو القرنين ابن فيلفوس، ولكنه لكثرة جولانه في الأرض وطيّه الأقاليم شبّهه من لا علم له بذي القرنين، وبينه وبين ذي القرنين المعمّر صاحب سدّ يأجوج ومأجوج وباني مدينة مرو ومنارة الإسكندريّة المركّزة على سرطان من زجاج، وباني مدينة البهت بالمغرب وتعرف بالبها، وهي مبنيّة من حجر يسمّى حجر البهت، من تطلّع فيها تاه واستغرب ضحكا حتى يتلف نفسه دهر طويل، وذو القرنين المعمّر هو الذي وقف على صاحب الصور حين دخل الظلمات، وبلغ
стр. 114
مكانا لم ينفذ وراءه، فصوّر فرسا من نحاس عليه فارس من نحاس ممسك على عنان فرسه بيسرى يديه، ومادّ يده اليمنى مكتوب فيها بالحميريّة ليس ورائي مسلك، فهذا عمّر عمرا طويلا حتى عاش سبع مائة سنة، وأوتي من كلّ شيء سببا، ورفع إلى السماء وكان يسمّى عيّاشا، والروميّ عمّر عمرا قليلا وكانت سيرته أخبث سيرة.
وقال عطاء بن أبي خالد المخزوميّ: كانت الإسكندريّة بيضاء تضيء بالليل والنهار، فكانوا إذا غربت الشمس لم يخرج منهم واحد من بيته، ومن خرج اختطف، وكان لهم راع يرعى الغنم على شاطئ البحر، وكان يخرج من البحر شيء فيأخذ من غنمه فكّمن له الراعي في بعض المواضع حتى خرج، فإذا جارية فتشبّث بشعرها ومانعته فذهب بها إلى منزله، فآنست بهم فرأتهم لا يخرجون بعد غروب الشمس، فسألتهم عن ذلك فأخبروها أن من خرج في ذلك الوقت اختطف، فعملت لهم الطلسمات وكانت أوّل من وضع الطلسمات بمصر.
ويروى عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: عجائب الدنيا أربع «١» .
مرآة معلّقة بمنارة الإسكندريّة، كان يجلس الجالس تحتها فيرى من بالقسطنطينيّة، وبينهما عرض البحر، وفرس نحاس: عليه راكب من نحاس بأرض الأندلس باسط يده رافعها، عليه مكتوب ليس خلفي مسلك، ولا يطأ تلك البلاد أحد إلّا ابتلعه النمل.
ومنارة من نحاس بأرض عاد، عليها راكب من نحاس، فإذا كان الأشهر الحرم هطل منه الماء، فشربوا منه وسقوا وصبّوا في الحياض والآبار، فإذا انقضت الأشهر الحرم انقطع ذلك الماء.
وشجرة من نحاس: عليها سودانيّة من نحاس بأرض روميّة، فإذا كان أوان الزيتون صفرت السودانيّة التي من نحاس، فتجيء كلّ سودانيّة من الطيارات بثلاث زيتونات زيتونة في منقارها وزيتونتان في رجليها حتى تلقيها على الشجرة فيعصر
стр. 115
أهل روميّة ما يكفيهم لأدامهم وسرجهم إلى قابل.
وبعين شمس من أرض مصر بقايا أساطين كانت هناك، في رأس كلّ أسطوانة طوق من نحاس، يقطر من أحدهما ماء من تحت الطوق إلى نصف الأسطوانة لا يجاوزه ولا ينقطع قطره ليلا ولا نهارا، فموضعه من الأسطوانة أخضر، ولا يصل الماء إلى الأرض، وهو من بناء هوشنك. وبالإسكندريّة موضع فيها سوار وأساطين من حجارة من بقيّة بناء قديم، وفيها سارية تعرف بسارية سليمان ﵇ فيها أعجوبة، وذلك أن الرجل فيها يجيء إليها ومعه زجاج أو خزف أو غير ذلك فيلقيه على السارية ويقول: بحقّ سليمان بن داود إلّا انكسرت فيتفتّت الزجاج والخزف وليس هذا إلّا في هذه السارية، وإن لم يقل بحقّ سليمان لم ينكسر.
وبمصر منف مدينة فرعون، لها سبعون بابا، وحيطان المدينة من حديد وصفر، وفيها كانت الأنهار التي تجري من تحته وهي أربعة.
[انصنا: مدينة قديمة على شرقي النيل بأرض مصر. أهل هذه المدينة مسخوا حجرا فيها رجال ونساء مسخوا حجرا على أعمالهم فالرجل نائم مع زوجته، والقصّاب يقطّع لحمه، والمرأة تخمر عجينها، والصبيّ في المهد، والرغفان في التنور. كلها انقلبت حجرا صلدا] «١» .
ومن كور مصر: منف، ووسيم، ودلاص، وبوصير، والفيّوم، وأهناس، والقيس، وطحا، وأسيوط، وأشمونين، قهفا، البهنسى، هو وقنى، قفط الأقصر، أسنى، أرمنت، سوان، الإسكندريّة، المليدس، الطور، مصيل، قرطسا، خربتا، اليدقون، صاوشباس، تيده، الأفراحون، لوبيا، الأوصية، منوف العليا، منوف السفلى، دمسيس، أتريب، عين شمس، فرخطشا، الجوف الشرقيّ، الجوف الغربيّ.
وبمصر نهر اللاهون، ويقال: إن يوسف ﵇ احتفره وهو يأخذ من
стр. 116
النيل، وآخر عمل مصر من حدّ النوبة أسوان، ودمقلة مدينة النوبة وبينهما مسيرة أربعين ليلة.
ومن عيوب مصر أنها لا تمطر، ويكرهون المطر، والله يقول:
وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ
ومن عيوبها الريح الجنوب التي يدعونها المريسيّة، وذلك أنهم يسمّون أعلى الصعيد إلى بلد النوبة مريس، فإذا هبّت الريح المريسيّة ثلاثة عشر يوما تباعا اشترى أهل مصر الأكفان والحنوط، وأيقنوا بالوباء القاتل والفناء العاجل نسأل الله العافية. ومن عيوبها اختلاف هوائها، لأنه في يوم واحد يختلف عليهم أهوية برد وحرّ، وإذا أجدبوا انقرضوا لأنه ليست لهم ميرة من وجه من الوجوه، والناس من عندهم يمتارون فإذا انقطعت من عندهم فنوا نسأل الله العافية. وهم قتلوا عثمان بن عفّان وعليّ بن أبي طالب وعميرا المأمونيّ. ونساء أهل مصر والقبط ضدّ نساء خراسان، لأن نساء خراسان يلدن أذكارا، ونساء القبط لا يكاد يرى منهن إلّا مئناث، وتلد الاثنين والثلاثة والأربعة، ولا نعلم ناسا في الأرض أكثر ذكرانا من آل أبي طالب.
وتربة مدينة الرسول ﵇ طيّبة والغالية والطيب بها يزداد على العبق وطول الأيّام طيبا، والغالية الثمينة الخطيرة بالأهواز تنقلب في أيّام يسيرة، وحمّاها على الصغير منهم والكبير لا تزايله حتى على المولود ساعة يولد
قال رسول الله ﷺ : «إن مصر ستفتح بعدي فانتجعوها ولا تتّخذوها دارا فإنه يساق إليها أعجل الناس أعمارا»
فحمّاها أخبث من حمّى الأهواز، ووباؤه أشدّ من ذلك.
وقال رسول الله ﷺ : «انتجعوا خيرها واسكنوا غيرها، فإنها معدن السحر والزنا ودار الفاسقين، ولا تغسلوا رؤوسكم بطينها الأسود، فإنه يميت القلب ويكثر الهمّ، ويذهب بالغيرة نعوذ بالله منه» .
قال: وكشف عن حجر بمصر فإذا فيه كتابة:
ويلك يا مصر خرابك سيلك، ملوكك غرباء لا يسود منك فيك ولا منك في غيرك. وقال وهب المعافريّ: إذا رأيتم منبر الفسطاط قد حوّل عن مكانه فتحوّلوا منها. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: ليأتينّ على الناس زمان قتب على جمل دبر خير من دار بمصر، وقال يحيى بن محفوظ: خلق الله العقل وخلق معه المكر
стр. 117
وأسكنه العراق، وخلق المكر وخلق معه الجفاء فأسكنه الشام، وخلق الفقر وخلق معه القنوع وأسكنه الحجاز، وخلق الغناء وخلق معه الذلّ وأسكنه مصر، وقال كعب القرظيّ: خلق الله السرقة تسعة أجزاء سبعة منها في القبط.
ومن عجائب مصر: الشبّ وهو حجر أسود مجدّر يطفو فوق الماء، والأبنوس يرسب في الماء، فأيّ شيء أعجب من خشب يرسب في الماء، وحجر يطفو على الماء؟ وضروب من الخشب ترسب في الماء: الأبنوس، والشيز، والعنّاب، والآهندال، وحجر المغناطيس عجب وإن شأن الألماس لعجب، ومن أعاجيب الحجارة الحصاة التي في صورة النواة، تسبح في الخلّ كأنها سمكة، والخرزة التي تجعل في حقو المرأة لئلّا تحبل، والحجر الذي يوضع على حرف التّنور فيساقط خبز التنّور كلّه، ويدّعون أن كعب الأرنب إذا شدّ بساق الملسوع لم يضرّه.
قال: وخراج مصر وحدها يضعف على جميع خراج الروم، وحمل منها موسى بن عيسى في دولة بني العبّاس ألفي ألف ومائة ألف وثمانين ألف دينار.
وعلى أعلى مصر، النوبة والحبشة والبجة. وكان عثمان صالح النوبة على أربع مائة رأس في السنة،
وفي الخبر قال رسول الله ﷺ : من لم يكن له أخ فليتّخذ أخا من النوبة.
وقال: خير سبيكم النوبة،
وللنوبة كفّ ووفاء وحسن عهد، وبها الأبنوس الأبيض يتّخذ منه الأسرّة، وبها الكركدن وهو مثل العجل، وفي جبهته قرن يقاتل به، وآخر صغير أسفل منه بين عينيه، يقلع به الحشيش ويطعن الأسد بالذي في جبهته فيقتله، وله ظلف كظلف البقر، ويهرب منه الأسد والفيل، وبالنوبة الزرّافة وذكروا أنها بين النمر والناقة، وأن النمر ينزو على الناقة فتلد الزرّافة، ولا تغتذي إلّا بما تستخرجه من البحر، فخلق الباري جلّ وعزّ لها عنقا طويلا لتبلغ الموضع الذي تستخرج منه الغذاء، ومثله في الحيوان فيما يشاكله ويقرب منه في النتاج، كما يلقح الفرس الحمار، والذئب الضبع، والنمر اللبوة، فيخرج من بينهما الفهد، فالزرّافة لها جثّة جمل، ورأس إيّل، وأظلاف بقر، وذنب طير، وليديها ركبتان وليس لرجليها ركبة، وجلدها منمّر، وهو منظر عجيب
стр. 118
وتسمّى بالفارسيّة أشتركا وبلنك أي إنها بين الجمل والثور والنمر والزرّافة في اللغة الجمع، وسمّيت هذه الدابّة لاجتماع هذه المشابة فيها، وذكر بعض الحكماء أن الزرافة نتاجها من فحول شتّى وهذا باطل، لأن الفرس لا يلقح الجمل ولا الجمل يلقح البقرة وبالحبشة دابّة يقال لها الرعقى، تقبض على خرطوم الجمل فتصرعه وتشرب دمه ولا تأكل لحمه.
والنوبة يعقوبيّة، وللصقالبة صلبان- الحمد الله على الإسلام- وكذلك أهل علوا وتكريت والقبط والشام كلّها نصارى يعقوبيّ وملكي، ونسطوريّ، ونيقلائيّ، وركوسيّ، ومرقيونيّ، وصابئ، ومنانيّ- الحمد لله على الإسلام.
والنوبة أصحاب ختان لا تطأ في الحيض، ولا تغتسل من الجنابة، وهم نصارى يعقوبيّة، يهذون الإنجيل، والروم ملكانيّة يقرءون الإنجيل بالجرمقانيّة، وأهل بجة عبّاد أوثان، يحكمون بحكم التورية ودمقلة مدينة النوبة وبها منزل الملك، وهي على ساحل البحر، ولها سبع حيطان وأسفلها بالحجارة، وطول بلادهم مع النيل ثمانون ليلة، وطول علوا إلى بلاد النوبة مع المغرب مسيرة ثلاثة أشهر، ومن دمقلة إلى أسوان أوّل مصر مسيرة أربعين ليلة، ومن أسوان إلى الفسطاط خمس عشرة ليلة ومن أسوان إلى أدنى بلاد النوبة خمس ليال، وفي الشرق من بلاد النوبة البجة ما بين النيل وبحر اليمن، وهو بحر القلزم بمصر، وبحر الجار بالمدينة، وبحر جدّة بمكّة، وبحر اليمن بالشحر، وعمان وفارس والأبلّة وفيما بين أرض النوبة والبجة جبال منيعة، وهم أصحاب أوثان، وفي بلادهم معدن الزبرجد يحفر التراب من معدنه، ثم يغسل فيوجد فيه قطع الزبرجد.
والبجة أصناف: فالنوبة والبجة تسمّي الله بحير، وبالزنجيّة لمكلوجلو، والقبطيّة أبنوذه، وبالبربريّة مذيكش، ومن خلف بلاد علوا أمّة من السودان تدعى تكنة، وهم عراة مثل الزنج وبلادهم تنبت الذهب، وفي بلادهم يفترق النيل، وقد ذكرنا مخرجه، وقالوا: من وراء مخرج النيل الظلمة، وخلف الظلمة مياه تنبت الذهب في تكنة وغانة.
[بلاد التبر: هذه البلاد حرّها شديد جداً. أهلها بالنهار يكونون في السراديب
стр. 119
تحت الأرض، والذهب ينبت في رمل هذه البلاد كما ينبت الجزر بأرضنا. وأهلها يخرجون عند بزوغ الشمس ويقطفون الذهب. وطعامهم الذرة واللوبيا، ولباسهم جلود الحيوانات وأكثر ملبوسهم جلد النمر، والنمر عندهم كثير] «١» .
стр. 120
القول في المغرب
أسفل الأرض من الفسطاط إلى برقة ستّمائة وستّون ميلا. وبرقة مدينة حسناء في صحراء، وهي صلحيّة صالح عليها عمرو بن العاص وجبر أهلها على الجزية، وهي خصبة ممتّعة، ومن برقة إلى القيروان مدينة إفريقية ستّمائة وثمانية وثلاثون ميلا، وسمّيت بأفريقش بن أبرهة الرائش، وهو الذي بناها، وإفريقية افتتحها عقبة بن نافع بن عبد القيس الفهريّ ﵀ وجّهه معاوية وهي الآن في يدي ابن الأغلب «١» ، وفي يديه أيضا: قابس، وجلولاء، وسبيطلة مدينة جرجير الملك وكان روميا، وبينها وبين القيروان سبعون ميلا- وزرود، وقفصة، وقصطلية، ومدينة الزاب، وودّان، وضفرجيل، وزغوان، وتونس، وبينها وبين إفريقية مرحلتان على البغال، واسم مدينة تونس قرطاجنّة، وهي على ساحل البحر، يحيط بسورها أحد وعشرون ألف ذراع، ومن مدينة تونس إلى الأندلس ستّة فراسخ، وإلى قرطبة مدينة الأندلس مسيرة خمسة أيّام.
وفي يدي الرّستميّ الإباضيّ، وهو أفلح بن عبد الوهّاب بن عبد الرحمن بن رستم من الفرس، يسلّم عليه بالخلافة بقيروة، وسلمة، وسلمية، وتاهرت، وما والاها، وبين إفريقية وتاهرت مسيرة شهر على الإبل، ومدينة سبتة إلى جانب الخضراء.
وملك سبتة اليان وفي يدي ابن صفير البربريّ خلقاية إلى وادي الرمل ووادي الزيتون وقصر الأسود بن الهيثم إلى أطرابلس.
стр. 121
وفي يدي الخارجيّ الصّفريّ مدينة كبيرة تدعى درعة، فيها معدن الفضّة، وهي ممّا يلي الحبشة في ناحية الجنوب، ومدينة تدعى زيز.
وفي يدي إبراهيم بن محمّد بن محمود البربريّ المعتزليّ مدينة تلي تاهرت تدعى أيزرج.
وفي يدي ولد إدريس بن إدريس بن عبد الله بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب ﵁ مدينة تلمسين، ومن تاهرت إليها مسيرة خمسة وعشرين يوما عمران كلّه، وطنجة، وفاس وبها منزله، وو ليلة، ومدركة، ومتروكة، ومدينة زفور، وغزّة، وغميرة، والحاجر وماجراجرا، وفنكور، والخضراء، وأوراس، وما يتّصل ببلاد زاغي بن زاغي، وطنجة خلف تاهرت بأربع وعشرين ليلة، وخلف طنجة السّوس الأدنى، وخلف السوس الأدنى السوس الأقصى على بحر اليمن في شرقيّ النيل، ومدينة السوس الأقصى تدعى طرقلة، ومدينة الأندلس تدعى قرطبة، وبلاد أنبية من السوس الأقصى على مسيرة سبعين ليلة في براريّ ومفاوز، وأهلها وأهل لمطة أصحاب الدرق، ينقعونها في اللبن حولا مجرّدا، فينبو عنها السيف وإن قطع السيف منها شيئا نشب السيف في الدرقة، ولم يمكن أن ينزع من الدرقة، والدرقة اللّمطيّة ليس عليها قياس.
وكان سبب خروج إدريس ووقوعه إلى هذه النواحي ما حكاه صالح بن عليّ «١» قال: أخبرنا مشايخنا أن إدريس بن عبد الله بن حسن الطالبيّ أفلت من وقعة العبّاسيّين بالطالبيّين بفخّ مكّة، وذلك في خلافة الهادي، فوقع بمصر وعلى بريدها يومئذ واضح مولى المنصور، وكان رافضيّا فحمله على البريد إلى أرض المغرب، فوقع بأرض طنجة بمدينة يقال لها وليلة، فاستجاب له من بها وبأعراضها من الناس، فلمّا استخلف الرشيد أعلم بذلك فضرب عنق واضح وصلبه، ودسّ إلى إدريس الشمّاخ اليماني مولى المهديّ، وكتب له كتابا إلى
стр. 122
إبراهيم بن الأغلب عامله على إفريقية، فخرج حتى وصل إلى وليلة، وذكر أنه متطبّب وأنه من أوليائهم، فاطمأنّ إليه إدريس وأنس به، فشكا إليه إدريس علّة في أسنانه، فأعطاه سنونا مسموما ليلا، وأمره أن يستنّ به عند طلوع الفجر، وهرب من الليل، فلمّا طلع الفجر استنّ إدريس بالسنون فقتله وطلب الشمّاخ فلم يظفر به، وقدم على إبراهيم بن الأغلب فأخبره بما كان منه، ولحقت الأخبار بعد مقدمه بموته فكتب بذلك إلى الرشيد فولّى الشمّاخ بريد مصر، ثم ملك من بعد إدريس ابنه، وإلى هذه الغاية هي ثابتة في ولده.
وفي يدي محمّد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أميّة ما وراء بحر الأندلس، وفي يديه قرطبة وبينها وبين الساحل مسيرة خمس ليال، ومن ساحل قرطبة إلى أربونة آخر الأندلس ممّا يلي فرنجة ألف ميل، وطليطلة وبها كان ينزل الملك، ومن طليطلة إلى قرطبة عشرون ليلة، وللأندلس أربعون مدينة، ويجاور الأندلس فرنجة وما والاها من بلاد الشرك، والأندلس مسيرة أكثر من شهر في شهر، وهي خصبة كثيرة الخير والفواكه وممّا يلي الشمال والروم فرنجة، والأندلس افتتحها طارق بن زياد وموسى بن نصير، فأصاب بها مائدة سليمان ﵇ فيها جواهر لم ير خلق مثلها فقطع طارق قائمة من قوائم المائدة وصيّر مكانها أخرى لا تشبهها، فلمّا قدموا بها على الوليد بن عبد الملك وكان موسى وجّهها إليه فقال طارق: أنا أصبتها فكذّبه موسى فقال طارق للوليد: ادع بالمائدة فنظر إلى قائمته فإذا هي لا تشبه القوائم، فقال طارق: سله عنها، فسأله فقال: كذا أصبتها فأخرج طارق إليه القائمة فصدّقه الوليد وقوّمت المائدة مائتي ألف دينار.
ومن العجائب بيتان وجدا بالأندلس عند فتحها في مدينة الملوك، في أحدهما عدد تيجان لملوكها، وفي هذا البيت وجد مائدة سليمان بن داود ﵇ ، وعلى البيت الآخر أربعة وعشرون قفلا، كلّما ملك منهم ملك زاد عليه قفلا، ولا يدرون ما في البيت حتى ملك لدريق، وهو آخر ملوكهم فقال: لا بدّ أن أعرف ما في هذا البيت، وتوهّم أن فيه مالا، فاجتمعت الأساقفة والشمامسة
стр. 123
وأعظموا ذلك عليه فأبى فقالوا له: انظر ما يخطر ببالك من مال تراه فيه، فنحن ندفعه إليك ولا تفتحه، فعصاهم وفتح الباب فإذا في البيت تصاوير العرب على خيولهم بعمائمهم ونعالهم وقسيّهم ونبلهم، فدخلت العرب بلدهم في السنة التي فتح فيها ذلك البيت، وكان ملك الأندلس حين فتحت يسمّى لوذريق من أهل إصبهان، وبأصبهان يسمّى أهل قرطبة الأسبان، ويسلّم على الأمويّ بها السلام عليك يا ابن الخلائف، وذلك أنهم لا يرون اسم الخلافة إلّا لمن ملك الحرمين.
أعراض البربر: هوارة، وزنانة، وضريسة، ومغيلة وورفجومة، وأحياء كثيرة، فدوابّ هوارة غاية في الفراهة، وكانت دار البرابرة فلسطين وملكهم جالوت، فلمّا قتله داود انتقلت البربر إلى المغرب، ثم انتشرت إلى السوس الأدنى خلف طنجة، والسوس الأقصى وهي من مدينة قمونية من موضع القيروان على ألفين وخمسين ميلا، وكرهت البربر نزول المدائن فنزلوا الجبال والرمال وبرجان وبلدان الصقالب. والإبر، شمالي الأندلس.
والذي يجيء من هذه الناحية الخدم الصقالبة، والغلمان الروميّة والأفرنجيّة والجواري الأندلسيّات، وجلود الخزّ والوبر والسمّور، ومن الطيب الميعة والمصطكي، ويقع من بحرهم البسّذ، وهو الذي تسمّيه العامّة المرجان «١» ، ولهم الخيل العراب، والإبل العراب، والقسيّ العربيّة، وهم أهل غفلة وقلّة فطنة،
وقال رسول الله ﷺ : نساء البربر خير من رجالهم بعث إليهم نبيّ فقتلوه، فتولّت النساء دفنه، والحدّة عشرة أجزاء تسعة منها في البربر وجزء في الناس.
[ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: ما تحت أديم السماء ولا على الأرض خلق شر من البربر، ولئن أتصدق بعلامة سوطي في سبيل الله أحب إليّ من أن أعتق رقبة بربري] «٢» .
стр. 124
قالوا: وبلاد طنجة مدينتها وليلة، والغالب عليها المعتزلة، وعميدهم اليوم إسحاق بن محمّد بن عبد الحميد، وهو صاحب إدريس بن إدريس، وإدريس موافق له، وأمّ إدريس بربريّة مولّدة، وبربر أخواله، واسم أمّ إدريس كنز، وهي التي كانت تتولّى طعامه وطبيخه خوفا من السمّ. ومن وليلة إلى طنجة إلى ناحيتي مدينة السوس الأدنى مسيرة عشرين ليلة، وليس في بلادهم نخل، ولا كرم، ولا زيتون. ولهم القمح، والشعير، والأغنام، والرماك، والبقر، والعسل، وليس لهم قطن ولا كتّان، لباسهم الصوف، وزرعهم على ماء السماء، ومن آخر مدينة السوس إلى آخر طرقلة مدينة السوس الأقصى شهران، وليس وراء طرقلة أنس.
ومن عجائبهم وادي الرمل ومدينة البهت، وهي في بعض مفاوزها، قال:
ولمّا فرغ الإسكندر من فتح مصر أخذ متيامنا نحو المغرب حتى انتهى إلى أمّة من بني إسرائيل قوم موسى بمدينة لهم وكانوا عبّادا أتقياء، فلمّا انتهى إلى تخوم أرضهم بلغهم وروده عليهم فاجتمع عظماؤهم وأحبارهم وكتبوا إليه: بسم الله ذي الطول والمنّ، من البرجمانيّين الفقيرين إلى الله وذوي التواضع لله إلى الإسكندر المغترّ بالدنيا، أما بعد فقد بلغنا مسيرك إلينا، فإن كنت محاربا كما حاربت غيرنا لتأخذ من دنيانا، فارجع فما لك عندنا طائلة، ولا لك في قتالنا نفع، لأنّا أناس مساكين، ليست لنا أموال، ولا للملوك في أرضنا أرب، وإن كنت إنما تقصد نحونا لتطلب العلم فارغب إلى الله أن يفقّهك ويهديك، مع علمنا أنك لا تحبّ ذلك، لأن انهماكك في طلب الدنيا بلا فكرة في زوالها وانقطاعها عنك، يدلّ أنك غير راغب فيها، فأما نحن فقد خلّينا الدنيا ورفضناها، ورغبنا في الآخرة وتشوّقناها، فانصرف أيّها العبد عنّا، ولا تؤذينا وتخرّب بلادنا، ولا أرب لك فينا.
فلمّا أتاه الكتاب عزم على إتيانهم في مائة فارس من علماء أصحابه وزهّادهم، وقد كان بينه وبينهم بحر رمل يجري كما يجري الماء، ويسكن كلّ يوم سبت فلا يتحرّك إلى الليل، ومدينتهم تسمّى مقيارات، وحولها تسع قريات، وهم متفرّقون فيها، وأسماؤها: عطروت، وربعون، ويمحون، وقنوا، وحسنون، وبعلى، وسبام، وبنوا، وبنعون، ودورهم مستوية، وليس فيهم رجل أغنى من
стр. 125
الآخر، وقبورهم على أبواب دورهم، فأقام الإسكندر على حافّة ذلك البحر حتى إذا كان يوم السبت سكن ذلك الرمل، فسلكه وسار يومه كلّه إلى اصفرار الشمس، حتى جاز النهر في أصحابه، فاستقبلوه وسلّموا عليه، فلمّا دنا منهم نزل فاجتمع إليه من أفاضلهم وعلمائهم زهاء مائة رجل، فدعوا له بالصلاح فرحّب بهم الإسكندر، ودخل معهم المدينة. فجلس على الأرض، وجلس أولئك الأحبار حوله، ثم قال: ما بال قبوركم على أبواب منازلكم؟ قالوا: ليكون ذكر الموت نصب أعيننا. قال: فهل فيكم مسكين؟ قالوا: ما فينا أحد أغنى من الآخر. قال:
فمن شرّ عباد الله؟ قالوا: من أصلح دنياه وأخرب آخرته. قال: فمن أقسى الناس قلبا؟ قالوا: من أغفل أمر الموت ونسي الحساب والعقاب. قال: فالبرّ أقدم أم البحر؟ قالوا: لا بل البرّ لأن البحر إنما يحول إلى البرّ. قال: فالليل أقدم أم النهار؟ قالوا: بل الليل أقدم لأن الخلق إنما خلقوا في الظلمة في بطون الأمّهات، ثم خرجوا بعد ذلك إلى النور. قال الإسكندر: طوبى لكم، لقد رزقتم زهادة وعلما. قالوا: بل طوبى لمن وقاه الله فتنة الدنيا، وأخرجه منها سالما. قال: فإني أحبّ أن تعظوني. قالوا: وما يغني وعظنا إيّاك مع انهماكك على الدنيا وحرصك عليها بلا فكرة منك في زوالها. قال: فسلوني حوائجكم. قالوا: نسألك الخلد.
قال: هل يقدر على ذلك أحد إلّا الله؟ قالوا: فإن كنت موقنا بالموت فما تصنع بقتل أهل الأرض؟ قال: نعم إني موقن بذلك غير أني لا أملك لنفسي ضرّا ولا نفعا، ثم قال: يا معشر البرجمانيّين إن الله قد خصّكم بالعلم، وحلّاكم بالزهادة، وزيّنكم بالحكمة، وصرف قلوبكم عن الشهوات، فسلوني حكمكم من زهرة الدنيا. قالوا: لا حاجة لنا في شيء من ذلك. قال: فأحبّ أن تقبلوا مني شيئا فإن معي يواقيت وجواهر حسانا. قالوا: أحضره لننظر إليه، فأمر بإخراج أسفاط فيها جواهر مثمّنة، ففتحت فلمّا نظروا إليها قالوا له: أيّها الملك ويعجبك مثل هذا؟
قال: ليس شيء من عرض الدنيا أحبّ إلينا منه. قالوا: فانطلق بنا حتى نريك ما هو أحسن منه وأكثر، وليس عليك فيها مؤونة، فانطلقوا إلى نهر عظيم فيه صنوف الجواهر واليواقيت، وفيه من الجواهر ما لم ير مثله، فقالوا: هذا أكثر أو ما معك؟
стр. 126
قال: بل هذا. فقالوا: بالذي نزع عن قلوبنا الشهوات، ووفّقنا لطاعته، وقوّانا على العبادة، ما تزيّنت امرأة منّا قطّ بشيء من هذا، ولا انتفعنا به بفصّ خاتم. فأقام عندهم إلى السبت الآخر حتى سكن البحر فجازه حتى أتى معسكره فيقال: إنهم القوم الذين ذكرهم الله جلّ وعزّ في كتابه فقال وقوله الحقّ: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ
قال: فلمّا ملك ناشر ينعم تجهّز وسار في جمع لا يحصى عددهم نحو المغرب، حتى إذا بلغ وادي الرمل أراد أن يجوزه فلم يجد مجازا، فأقام إلى يوم السبت، فلمّا سكن الرمل يوم السبت أرسل نفرا من أصحابه وأمرهم أن يقطعوه، ثم يقيموا من ذلك الجانب إلى السبت الآخر، ثم ينصرفوا إليه بخبر ما رأوه، فساروا يرمهم ذلك حتى هجم عليهم الليل قبل أن يقطعوه، فجرى ذلك الرمل فغرقوا فيه، فلمّا رأى ذلك ولم يرجع إليه من أصحابه أحد، أمر بصنم فنصب على حافّة الوادي، وكتب على جبهته: ليس ورائي لامرئ مذهب فلا يتكلّفنّ أحد المضيّ إلى الجانب الآخر، ثم انصرف إلى مملكته.
ومن طرقلة إلى مدينة غانة مسيرة ثلاثة أشهر مفاوز وقفار، وبلاد غانة ينبت فيها الذهب نباتا في الرمل، كما ينبت الجزر ويقطف عند بزوغ الشمس، وطعامهم الذرة واللوبياء، ويسمّون الذرة الدخن، ولباسهم جلود النمور وهي هناك كثيرة.
ومعدن الفضّة والذهب بموضع يقال له تدمير، بينه وبين قرطبة عشرة أيّام، ومعدن الفضّة في أعلى مدينة يقال لها جيّان، وبها معدن الزيبق في موضع يقال له فحص البلّوط، ومن معدن الزيبق إلى قرطبة خمسة أيّام، وأهلها بربر وهم في سلطان الأمويّ.
ويتاخم الشرك أمّة يقال لها علجشكش وهي قريبة من البحر.
وبقرطبة دار الضرب في موضع يقال له باب العطّارين، وليس في دراهمهم مقطّعة، ولهم فلوس يتعاملون بها ستّين فلسا بدرهم، ودراهم تسمّى طبليّا.
وللأمويّ جند وديوان يعطيهم أرزاقهم من العرب والموالي وغيرهم. قرطبة طيّبة الهواء لا يحتاجون في الصيف إلى خبش، وبها عيون وآبار، وعندهم ثلج يقع على جبل يقال له شلير، بينه وبين قرطبة أربعة أيّام، وبقرطبة آبار طيّبة عذبة باردة،
стр. 127
يشربون في الصيف من تلك الآبار لشدّة بردها.
ويروى عن عامر الشّعبيّ قال: إن الله جلّ وعزّ خلق خلقا خلف الأندلس ليس بينهم وبين الأندلس إلّا كما بيننا وبين الأندلس، لا يرون أن الله عصاه أحد، لا يحرثون، ولا يزرعون، ولا يحصدون، على أبوابهم شجر ينبت لهم ما يأكلون منه، وللشجرة أوراق عراض، يوصلون بعضها إلى بعض فيلبسونها، وفي أرضهم الدرّ والياقوت، وفي جبالهم الذهب والفضّة، فأتاهم ذو القرنين فخرجوا إليه فقالوا له: ما جاء بك، تريد أن تملكنا، فو الله ما ملكنا أحد قطّ، وإن كنت تريد المال فخذ. فقال: والله ما واحدة من هاتين أريد، ولكن سألت ربّي أن يسيّرني فيما بين مطلع الشمس إلى مغربها، فهذا حيث جئتكم من المطلع قالوا: هذا المغرب عندك.
وبالأندلس نخل قليل، وبها زيتون كثير، وزيت وقطن وكتّان.
حديث البهت: فمن عجائب الأندلس، البهت، وهي المدينة التي في بعض مفاوزها، ولمّا بلغ عبد الملك بن مروان خبر هذه المدينة وأن فيها كنوزا، كتب إلى موسى بن نصير- وكان عامله على المغرب- يأمره بالمسير إليها، ودفع الكتاب إلى طالب بن مدرك، فسار حتى انتهى إلى مدينة القيروان، وموسى مقيم بها، فأوصل كتاب عبد الملك إليه فلمّا قرأه تجهّز وسار في ألف فارس من أبطال قومه وأشرافهم، وحمل معه من الزاد لأربعة أشهر، ومن الماء لنفسه وأصحابه ما يكفيهم، وأخرج رجالا أدلّاء بذلك الطريق، فسار ثلاثة وأربعين يوما حتى انتهى إليها، فأقام ثلاثا حتى علم كنه علمه، ثم ارتحل إلى البحيرة، وكانت على ميلين من المدينة، وتفهّم أمرها ثم انصرف إلى القيروان، وكتب إلى عبد الملك بن مروان مع طالب بن مدرك، بسم الله الرحمن الرحيم: أصلح الله أمير المؤمنين صلاحا يبلغ به شرف الدنيا والآخرة، أخبرك يا أمير المؤمنين أني تجهّزت لأربعة أشهر، وسرت في مفازة الأندلس في ألف رجل من أصحابي، حتى أوغلت في طرق قد انطمست ومناهل قد اندرست وعفت فيها الآثار، وانقطعت عنها الأخبار، أحاول بلوغ مدينة لم ير الراءون مثلها ولم يسمع السامعون بمثلها، فسرنا ثلاثة
стр. 128
وأربعين يوما فلاح لنا بريق شرف تلك المدينة من مسيرة خمسة أيّام، فهالنا منظرها وامتلأت قلوبنا منها رعبا من عظمها وبعد إقطارها، فلمّا قربنا منها إذا أمرها عجيب هائل، ومنظرها مخيف موجل كأنّ المخلوقين لم يصنعوها، فنزلنا عند ركنها الشرقيّ فصلّينا عشاء الآخرة، ثم بتنا بأرعب ليلة بات بها أحد من المسلمين، فلمّا أصبحنا كبّرنا استئناسا بالصبح وسرورا به، ثم أرسلت رجلا من أصحابي في مائة فارس، وأمرته أن يدور مع سور المدينة ليعرف لنا موضع بابها، فغاب عنّا يومين، ثم أتانا صبيحة يوم الثالث فأخبر أنها مدينة لا باب لها، ولا مسلك إليها، فجمعت أمتعة أصحابي إلى جانب سورها وجعلت بعضها إلى بعض لأنظر من يصعد إليها فيأتيني بخبر ما فيها فلم تبلغ أمتعتنا ربع الحائط لارتفاعه في الهواء فأمرت فاتّخذ سلاليم كثيرة، ووصلت بعضها إلى بعض بالجبال ونضبتها على الحائط، وناديت في المعسكر من يتعرّف لي خبر هذه المدينة، ويصعد هذه السلاليم فله عشرة آلاف درهم، فانتدب رجل من أصحابي فتسنّم السلّم وهو يتعوّذ ويقرأ، فلمّا صار في أعلاها وأشرف على المدينة قهقه ضاحكا، ثم هبط إليها فناديناه: أخبرنا بما رأيت فيها، فلم يجبنا، فجعلنا أيضا لمن يصعد إليها ويأتينا بخبرها وخبر الرجل ألف دينار، فانتدب رجل من حمير وأخذ الدنانير وجعلها في رحله، ثم صعد فلمّا استوى على السور قهقه ضاحكا، ثم نزل إليها فناديناه:
أخبرنا بما وراءك وما الذي ترى فلم يجبنا أحد، حتى صعد ثلاثة رجال كلّهم يقهقه ضاحكا ويتطيّر، فامتنع أصحابي بعد ذلك من الصعود وأشفقوا على أنفسهم، فلمّا يئست من أولئك الرجال ومن معرفة المدينة، رحلت نحو البحيرة، فسرت مع سور المدينة فانتهينا إلى مكان من السور فيه كتابة بالعربية «١» ، فوقفت حتى أمرت باستنساخه وهي:
ليعلم المرء ذو العزّ المنيع ومن ... يرجو الخلود ولا حيّ بمخلود
لو أنّ خلقا ينال الخلد في مهل ... لنال ذاك سليمان بن داود
стр. 129
سالت له العين عين القطر فائضة ... فيها عطاء جليل غير مصرود
وقال للجنّ ابنوا منه لي أثرا ... يبقى إلى الحشر لا يبلى ولا يؤدي
فصيّروه صفاحا ثمّ ميل به ... إلى السماء بأحكام وتجويد
وأفرغوا القطر فوق السور منحدرا ... فصار صلبا شديدا مثل صيخود
وردّ فيها كنوز الأرض قاطبة ... وسوف يظهر يوما غير محدود
لم تبق من بعدها في الملك شارفة ... حتّى يضمّن رمسا بطن أخدود
وصار في قعر بطن الأرض مضطجعا ... مضمّنا بطوابيق الجلاميد
هذا لتعلم أنّ الملك منقطع ... إلا من الله ذي التّقوى وذي الجود
ثم سرت حتى وافيت البحيرة عند مغيب الشمس فإذا هي مقدار ميل في ميل، وهي كثيرة الأمواج، فنظرنا فإذا رجل قائم فناديناه من أنت؟ قال: أنا رجل من الجنّ، وكان سليمان بن داود حبس والدي فوق الماء في «١» هذه البحيرة، فأتيته لأنظر ما حاله، قلنا: فما لك قائما فوق الماء؟ قال: سمعت صوتا فظننته صوت رجل يأتي هذه البحيرة في كل عام مرة فهذا أوان مجيئه. فيصلّي على شاطئ هذه البحيرة أيّاما ويهلّل الله ويمجده، قلنا: فمن تظنّه؟ قال: أظنّه الخضر، ثم غاب عنا، فبتنا تلك الليلة على شاطئ البحيرة، وقد كنت أخرجت معي عدّة من الغوّاصين، فغاصوا في البحيرة فأخرجوا منها حبّا من صفر مطبّقا رأسه بصفر، مسمورا بمسامير من صفر، فأمرت بقلع الصفر فخرج منه رجل من صفر على فرس من صفر بيده مطرد من صفر، فطار في الهواء وهو يقول: يا نبيّ الله لا أعود، ثم غاصوا ثانية وثالثة فأخرجوا عدّة من أولئك، ثم ضجّ أصحابي وخافوا أن ينقطع بهم الزاد، فأمرت بالرحيل وانصرفت بالطريق الذي سلكته، وأقبلت حتى نزلت القيروان، وكتابي منها والحمد لله الذي حفظ لأمير المؤمنين أموره وسلّم له جنده والسلام. فلمّا قرأ عبد الملك بن مروان كتاب موسى بن نصير وكان عنده الزّهريّ قال: ما تظنّ بأولئك الذين صعدوا فوق السور كيف استطيروا؟ قال: أظنّهم خبلوا
стр. 130
فاستطيروا لأن بتلك المدينة جفّا قد وكلوا بها. قال: فمن أولئك الذين خرجوا من الحباب ثم يطيرون؟ قال: أولئك مردة الجنّ الذين حبسهم سليمان بن داود ﵇ في البحار.
[بيرة: جزيرة فيها اثنتا عشرة مدينة وملكها مسلم يقال له في هذا الوقت سودان بن يوسف، وهي في أيدي المسلمين منذ دهر، وأهلها يغزون الروم والروم يغزونهم، ومنها يتوجه إلى القيروان] «١» .
стр. 131
القول في الشام
قال: سمّيت الشام شاما لأنها شأمة للكعبة، وقالوا: سمّيت لشامات بها حمر وسود، وقال ابن الأعرابيّ: إذا جزت جبلي طيّء- يقال لأحدهما سلمى وللآخر أجأ- فقد أشأمت حتى تجوز غزّة ودمشق وفلسطين والأردنّ وقنسرين من عمل العراق. وقالوا: الشام من الكوفة إلى الرملة، ومن بالس إلى أيلة. وقال عبد الله بن عمرو: قسم الخير عشرة أجزاء فجعل منها تسعة أعشار في الشام، وجزء في سائر الأرضين. وقال وهب الذماريّ: إن الله جلّ وعزّ أوحى إلى الشام أني باركتك وقدّستك، وجعلت فيك مقامي، وإليك محشر خلقي، فاتّسعي لهم كما يتّسع الرّحم، إن وضع فيه اثنان وسعهما، وإن وضع ثلاثة وسعهم، وعيني عليك من أوّل السنين إلى آخر الدهر، من عدم فيك المال لم يعدم فيك الخبز والزيت.
وروى جبير بن نفير الحضرميّ قال: شكت الشام إلى ربّها فقالت: يا ربّ فضّلت الأرضين عليّ بالجبال والأنهار وتركتني كظهر الحمار، فأوحى الله إليها أن المسكين يشبع فيك، وعيني عليك ويدي إليك، وفي خبر آخر قال:
قال رسول الله ﷺ : الشام صفوة الله من بلاده، وإليه يجتبي صفوته من عباده، يا أهل اليمن عليكم بالشام فإن صفوة الله من الأرض الشام.
وقال الحجّاج لابن القرّيّة: أخبرني عن مكران. قال: ماؤها وشل، وتمرها دقل، وسهلها جبل، ولصّها بطل، إن كثر بها الجيش جاعوا، وإن قلّوا ضاعوا.
قال: فأخبرني عن خراسان. قال: ماؤها جامد، وعدوّها جاهد، وبأسهم شديد، وشرّهم عنيد. قال: فأخبرني عن اليمن. قال: أرض العرب وأهل بيوتات
стр. 132
وحسب. قال: فأخبرني عن عمان. قال: حرّها شديد، وصيدها عتيد، وأهلها بهائم، ليس بها رائم. قال: فأخبرني عن البحرين. قال: كناسة بين مصرين كثيرة جبالها، جهلة رجالها. قال: فأخبرني عن مكّة. قال: رجالهم علماء، وفيهم جفاء، ونساؤها كساة عراة. قال: فأخبرني عن المدينة. قال: رسخ العلم فيها ثمّ علا وانتشر منها في الآفاق. قال: فأخبرني عن اليمامة. قال: أهل جفاء وجلد وثروة وعدد وصبر ونكر. قال: فأخبرني عن البصرة. قال: حرّها شديد، وماؤها مالح، وحربها صالح، مأوى كلّ تاجر وطريق كل عابر. قال: فأخبرني عن واسط. قال: جنّة بين حماة وكنّة تحسدانها، ودجلة والزاب يتباريان عليها. قال:
فأخبرني عن الكوفة قال: سفلت عن برد الشام وارتفعت عن حرّ اليمن، فطاب ليلها وكثر خيرها. قال: فأخبرني عن الشام. قال: عروس في نسوة جلوس كلّهن يزفنها ويرفدنها.
وقال عديّ بن كعب في قوله: وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ
قال: الشام.
стр. 133
القول في بيت المقدس
قال في قول الله : وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ
قال: بيت المقدس. وقال مقاتل بن سليمان في قول الله تعالى وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ
قال: هي بيت المقدس. وقوله:
وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ
قال: إلى بيت المقدس. وقوله: إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
قال: بيت المقدس. وشدّد الله ملك داود بها، وسخّر الله له الجبال والطير يسبّحن ببيت المقدس، ووهب الله له سليمان بها، وغفر لسليمان ذنبه، وفهّمه الحكمة في بيت المقدس، وكانت أنبياء بني إسرائيل تقرّب بها، واصطفى الله مريم بها على نساء العالمين، وآتى الله يحيى الحكمة بها، وسرّة الأرض بيت المقدس. وفي الخبر: من صلّى في بيت المقدس فكأنّما صلّى في السماء، وتزفّ الكعبة بجميع حجّاجها يوم القيامة إلى بيت المقدس، ويقول لها: مرحبا بالزائر والمزور، وتزفّ مساجد الله كلّها إلى البيت المقدس، وأوّل ما انحسر عنه الطوفان صخرة بيت المقدس، وينفخ في الصور يوم القيامة بها، ويحشر الله الخلائق إليها، وتزفّ الجنّة عند بيت المقدس، وباب السماء مفتوح على بيت المقدس، ويغفر الله لمن أتى إلى بيت المقدس، ويخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه.
قال الله لموسى: انطلق إلى بيت المقدس فإنّ بها نوري، وناري. وتكفّل الله لمن أتاها أن لا يفوته الرزق.
وقال رسول الله ﷺ لنا: ستهاجرون هجرة إلى مهاجر إبراهيم- يعني بيت المقدس- فمن صلّى في بيت المقدس ركعتين خرج من ذنوبه مثل يوم ولدته أمّه، وكان له بكلّ شعرة في جسده مائة نور عند الله ، وحشره الله يوم القيامة مع الأنبياء. وقال لسليمان بن
стр. 134
داود حين فرغ من بنائها. سلني أعطك قال: يا ربّ أسألك أن تغفر لي ذنبي. قال الله : لك ذلك. قال: يا ربّ وأسألك من جاء إلى هذا البيت لا يريد إلا الصلاة فيه أن تخرجه من ذنوبه كيوم ولدته أمّه. قال جلّ وعزّ: ولك ذلك. قال:
وأسألك من جاءه فقيرا أن تغنيه، أو سقيما أن تشفيه. قال: ذلك لك. قال:
وأسألك أن تكون عينك عليها إلى يوم القيامة. قال: ولك ذلك.
وقال رسول الله ﷺ : «لا تشدّ الرحال إلى أفضل من ثلاثة مساجد مسجد الحرام ومسجدي ومسجد بيت المقدس، وصلاة في بيت المقدس خير من ألف صلاة في سواه، ومن صبر على لأوائها وشدّتها جاءه الله برزقه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن يساره ومن فوقه ومن تحته فأكل رغدا ثم دخل الجنّة، وهي أوّل أرض بارك الله جلّ وعزّ فيها، وبشّر الله إبراهيم وسارة بإسحاق بها، وبشّر الله جلّ وعزّ زكريّاء بيحيى بها، وتسوّر الملائكة المحراب على داود بها، ويمنع الدجّال عدوّ الله أن يدخلها، ويهلك يأجوج ومأجوج حول بيت المقدس، وأوصى آدم أن يدفن بها، إسحاق ويعقوب، وحمل يعقوب من أرض مصر إليها، ودفنت مريم بها، وبها موضع الصراط ووادي جهنّم والسّكينة، وإليها المحشر والمنشر، وتاب الله جلّ وعزّ على داود بها، وصدّق إبراهيم الرؤيا بها، وكلّم عيسى الناس في المهد بها، وتقاد الجنّة والنار إليها يوم القيامة.
وقال كعب: من زار بيت المقدس دخل الجنّة وزاره جميع الأنبياء وغبطوه ومن صام يوما ببيت المقدس كان له براءة من النار، وما من ماء عذب إلّا يخرج من تحت الصخرة التي بيت المقدس. وقال ابن عبّاس في قوله وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً
قال: أربعة أنهار: سيحان وجيحان والفرات والنيل الذي بمصر، فأما سيحان فدجلة، وأما جيحان فنهر بلخ، وأما الفرات فبالكوفة قال.
وقال كعب: كان لسليمان بن داود النبي ﷺ سبع مائة سرّيّة وثلاث مائة محصنة «١» ، وأن الله أوحى إليه أن يبني بيت المقدس فكان يعمله بالجنّ
стр. 135
والأنس، فكان طعامهم الذي يطعمهم كلّ يوم من اللحم ستّين ألف شاة وعشرين ألف عجل وعشرين ألف فدّان، والذي يصلح لذلك من الحنطة.
وقال كعب: هبط آدم بالهند فخرّ ساجدا، فوقعت جبهته على صخرة بيت المقدس.
وقال كعب: لا تسمّوها إيلياء ولكنها بيت المقدس، إنما إيلياء امرأة بنت بيت المقدس.
وقال كعب: من أتى بيت المقدس يسأل الله فيها حاجة لا يسأله غيرها إلّا أعطاه الله إيّاها
وقالت ميمونة مولاة رسول الله ﷺ قلت لرسول الله ﷺ أفتنا عن بيت المقدس. قال: نعم المصلّى، هو أرض المحشر وأرض المنشر ايتوه فصلّوا فيه، فإنّ الصلاة فيه كألف صلاة. قلت: بأبي وأمي أنت من لم يطق أن يأتيه؟ قال: فليهد إليه زيتا يسرج فيه. فإنه من أهدى إليه كان كمن صلّى فيه.
وقال كعب: دخلت امرأة الجنّة في مغزل شعر أهدته إلى بيت المقدس.
وعن ابن عبّاس قال: بيت المقدس بنته الأنبياء وعمرته الأنبياء، ما فيه موضع شبر إلّا وقد صلّى فيه نبيّ وقام عليه ملك.
وقال فضيل بن عياض: لمّا صرفت القبلة نحو الكعبة قالت صخرة بيت المقدس: إلهي لم أزل قبلة لعبادك حتى بعثت خير خلقك فصرفت قبلتهم عني، فقال: أبشري فإني واضع عليك عرشي، وحاشر إليك خلقي، وقاض عليك أمري وناشر منك خلقي.
وقال وهب: أهل بيت المقدس جيران الله ، وحقّ على الله ألا يعذّب جيرانه.
وقال كعب: من زار بيت المقدس شوقا إليها دخل الجنّة، ومن صلّى فيه ركعتين خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه، وأعطي قلبا شاكرا ولسانا ذاكرا، ومن تصدّق فيها بدرهم كان فداءه من النار، ومن صام فيها يوما واحدا كتبت له براءة من النار.
стр. 136
وقال كعب: قرأت في التورية أن الله جلّ وعزّ يقول للصخرة: أنت عرشي الأدنى، منك ارتفعت إلى السماء، ومن تحتك بسطت الأرض، ومن أحبّك أحبّني ومن أبغضك أبغضني ومن مات فيك فكأنّما مات في السماء. أنا جاعل لمن يسكنك أن لا يفوته الخبز والزيت أيّام حياته وكلّ ماء عذب من تحتك يخرج، لا تذهب الأيّام حتى يزفّ إليك البيت الحرام. وكلّ بيت يذكر فيه اسمي، يحفّون بك كما يحفّ الركب بالعروس.
وقال بعضهم: ردّ الله جلّ وعزّ على سليمان ملكه بعسقلان، فمشى إلى بيت المقدس على قدميه تواضعا لله وشكرا، ويقول الله لبيت المقدس: أنت نصب عيني لا أنساك، أنت مني بمنزلة الولد من والديه، فيك جنّتي وناري، وإليك محشري، وفيك موضع ميزاني.
وقال يحيى بن كثير: لا تقوم الساعة حتى يضرب على بيت المقدس سبع حيطان: حائط من ذهب، وحائط من فضّة، وحائط من لؤلؤ، وحائط من ياقوت، وحائط من زبرجد، وحائط من نور.
وبيت المقدس افتتحه عمر بن الخطّاب ﵁ .
وعن وهب بن منبّه قال: أمر إسحاق ابنه يعقوب ألّا ينكح امرأة من الكنعانيّين، وأن ينكح من بنات خاله لابان، وكان مسكنه الفدان «١» ، فتوجّه إليه يعقوب فأدركه في بعض الطريق تعب، فبات متوسّدا حجرا، فرأى فيما يرى النائم كأنّ سلّما منصوبا إلى باب السماء عند رأسه، والملائكة تنزل منه وتعرج فيه، وأوحى الله إليه أنّي أنا الله لا إله إلّا أنا إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، وقد ورّثتك هذه الأرض المقدّسة وذرّيّتك من بعدك، وباركت فيك وفيهم، وجعلت فيكم الكتاب والحكم والنبوّة، ثم أنا معك حتى أردّك إلى هذا المكان، فأجعله بيتا تعبدني فيه وذرّيّتك، فيقال: إن ذلك بيت المقدس، ومات عنه داود ﵇ فلم يتمّ بناءه، وأتمّه سليمان، فأخرجه
стр. 137
بخت نصّر، فمرّ عليه شعيا فرآه خرابا فقال: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ
وابتناه ملك من ملوك فارس يقال له كوشك.
وقال وهب بن منبّه: لمّا أراد الله جلّ وعزّ أن يبني بيت المقدس ألقى على لسان داود فقال: يا ربّ ما هذا البيت؟ فأوحى الله إليه: يا داود هذا محلّة رسلي. وأهل مناجاتي، وأقرب الأرض إلى فصل القضاء يوم القيامة، ضمنت ألّا يأتيه عبد كثرت ذنوبه وخطاياه إلّا غفرت له، ولا يستغفرني إلا غفرت له وتبت عليه، قال: يا ربّ وارزقني أن آتية. فأوحى الله إليه: يا داود لا يخالط من التبست كفّاه بالدنيا. قال: يا ربّ أما قبلت توبتي وأعطيتني رضائي، فأوحى الله إليه: أن البيت طاهر طهّرته من الذنوب، وغسلته من الخطايا، فلذلك منعتك بناءه حتى يجرى بناؤه على يدي نبيّ من أنبيائي تقي الكفّين، وقد كان داود أسّس أساس المسجد حتى ارتفعت الجدر، فأوحى الله جلّ وعزّ إليه يأمره أن يمسك عن البناء، ويعلمه أن الذي يتولّى بناءه من بعده ابنه سليمان وأنه قد جعل له اسم ذلك البناء وبشّره بما يعطي سليمان بعده من عظيم الملك، فلمّا أوحى الله جلّ وعزّ إلى داود بذلك أمسك عن البناء، فلمّا توفّي داود وملك سليمان أمر ببناء البيت، وأمر أن يجري في كل سنة من البر عشرون ألف كرّ، ومن الزيت عشرون ألف كرّ زيتون، وكان له سبعون ألف رجل أصحاب مساح ومرور، وثمانون ألف رجل ممن ينحت الحجارة، فبناه بالحجارة، وبطّنه بألواح من خشب مزخرف، وبطّن البيت الذي كان يقرّب فيه بصفائح من ذهب، ووضع في البيت الذي كان يقرّب فيه مثال ملكين من خشب منقوشين، وألبسهما صفائح الذهب، وجعلها عن يمين المذبح وعن يساره في الحائط، واتّخذ له أبوابا منقوشة بالذهب، واستتمّ عمله في ثلاث عشرة سنة، ثم وجّه إلى الصين فأتي برجل يعمل الشبه والنحاس، فاتّخذ أمتعة للبيت لا تحصى عددا، واتّخذ عمودين من نحاس، طول كلّ واحد ثمانية عشر ذراعا في غلظ اثني عشر ذراعا، واتخذ على رأسهما إجّانتين كل واحدة في طول خمسة أذرع، واتّخذ لهما أغطية وسلاسل، وعلّق فيهما أربع مائة رمّانة شبه صفّين، يقابل بعضها بعضا، واتّخذ حوضا من نحاس، يحمله اثنا عشر ثورا
стр. 138
مستديرا مع تماثيل وعجائب، وفصّص سقوفه وحيطانه بألوان الياقوت وسائر الجواهر، فلمّا فرغ من بنائه اتّخذ سليمان ذلك اليوم عيدا في كلّ سنة، وجمع عظماء بني إسرائيل وأحبارهم فأعلمهم أنه بناه لله جلّ وعزّ، وأن كلّ شيء فيه خالص لله، ثم قام على الصخرة رافعا يديه إلى الله جلّ وعزّ وحمده ومجّده وقال:
اللهمّ أنت قوّيتني على بناء هذا المسجد، وأعنتني عليه، وسخّرت لي الجنّ والشياطين والريح والطير، اللهمّ أوزعني شكر نعمتك عليّ وعبادتك وأعنّي، وتوفّني على ملّتك، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي ذلك، اللهمّ إني أسألك لمن دخل هذا المسجد خمس خصال فاستجبها لي يا إله العالمين، لا يطلبه مذنب بطلب التوبة إلّا غفرت له ذنبه وتبت عليه، ولا يدخله خائف إلّا أمّنت روعته وخوفه ووقّيته شرّ ما يخاف ويحذر، ولا يدخله سقيم إلّا وهبت له الشفاء والعافية، ولا يدخله فقير يطلب من فضلك إلّا أغنيته ورزقته من حيث لا يحتسب من حلال رزقك، والخامسة يا ربّ لا تصرف بصرك عمن يدخله حتى يخرج منه إلّا من أراد إلحادا وظلما يا ربّ العالمين.
ويقال: إن طول مسجد بيت المقدس ألف ذراع وعرضه سبع مائة ذراع، وفيه أربعة آلاف خشبة، وسبع مائة عمود، وخمس مائة سلسلة نحاس، ويسرج فيه كلّ ليلة ألف وستّمائة قنديل، وفيه من الخدم مائة وأربعون خادما، وفي كل شهر له مائة قسط زيت، وله من الحصر في كلّ سنة ثمان مائة ألف ذراع، وفيه خمسة وعشرون ألف حبّ للماء، وفيه ستّة عشر تابوتاً للمصاحف المسبّلة، وفيها مصاحف لا يستقلّها الرجل، وفيه أربعة «١» منابر للمطوّعة وواحد للمرتزقة، وله أربع «٢» مياضئ، وعلى سطوح المسجد مكان الطين خمس «٣» وأربعون ألف صحيفة رصاص، وعلى يمين المحراب بلاطة سوداء مكتوب فيها خلقة محمّد ﷺ ، وفي ظهر القبلة في حجر أبيض كتابة بسم الله الرحمن الرحيم محمّد رسول
стр. 139
الله نصره حمزة وداخل المسجد ثلاث مقاصير للنساء طول كل مقصورة سبعون ذراعا، وفيه خمسون بابا داخلا وخارجا، ووسط المسجد دكّان طوله ثلاثمائة ذراع في خمسين ومائة ذراع وارتفاعه تسعة أذرع، وله ستّ درجات إلى الصخرة، والصخرة وسط هذا الدكّان وهي مائة ذراع في مائة ذراع ارتفاعها سبعون ذراعا ودورها ثلاثمائة وستّون ذراعا، يسرج فيها كلّ ليلة ثلاثمائة قنديل، وبها أربعة أبواب مطبّقة، على كل باب أربعة أبواب، وعلى كل باب دكّانة مرخّمة، وحجر الصخرة ثلاثة وثلاثون ذراعا في سبعة وعشرين ذراعا، تحتها مغارة يصلّي فيها الناس يسعها تسعة وستّون نفسا، وفرش القبّة رخام أبيض، وسقوفها بالذهب الأحمر، في دور حيطانها وفي أعلاها ستّة وخمسون بابا مزجّجة بأنواع الزجاج، والباب ستّة أذرع في ستّة أشبار، والقبّة بناها عبد الملك بن مروان على اثني عشر ركنا وثلاثين عمودا، وهي قبّة على قبّة، عليها صفائح الرصاص وصفائح النحاس مذهّبة، جدرها من داخل وخارج ملبّس بالرخام الأبيض ومن شرقيّ قبّة الصخرة قبّة السلسلة على عشرين عمودا رخاما، ملبّسة بصفائح الرصاص، وأمامها مصلّى الخضر ﵇ وهو وسط المسجد، وفي الشامي قبّة النبي ﷺ ومقام جبريل ﵇ ، وعند الصخرة قبّة المعراج، وفيه من الأبواب: باب داود، وباب حطّة، وباب النبيّ، وباب التوبة- وفيه محراب مريم- وباب الوادي، وباب الرحمة، ومحراب زكريّاء، وأبواب الأسباط، ومغارة إبراهيم، ومحراب يعقوب، وباب دار أمّ خالد، ومن خارج المسجد على باب المدينة في الغرب محراب داود، ومربط البراق في ركن منارة القبلة، وعين سلوان في قبلة المسجد، وطور زيتا «١» مشرف على المسجد، وفيما بينهما وادي جهنّم، ومنه رفع عيسى (عليه
стр. 140
السلام) ، وعليه ينصب الصراط، وفيه مصلّى عمر بن الخطّاب، وفيه قبور الأنبياء، وبيت لحم على فرسخ من المدينة، وهو موضع ولد فيه عيسى، ومسجد إبراهيم على خمسة عشر ميلا، وفيه قبر إبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف وسارة ونعل النبيّ ﷺ عند الإمام.
وكانت سلسلة قضاء الخصوم من اتّخاذ سليمان، وكان ممّا اتّخذ أيضا ببيت المقدس من الأعاجيب أن نصب في زاوية من زوايا المسجد عصا ابنوس، فكان من مسّها من أولاد الأنبياء لم يضرّه مسّها ومن مسّها من غيرهم احترقت يده، فلم يزل كذلك على ما بناه سليمان حتى غزا بخت نصّر، فخرّب بيت المقدس، ونقض المسجد، وأخذ ما كان في سقوفه من الذهب والفضّة والجواهر، فحمله معه إلى دار مملكته بالعراق، وبقي بيت المقدس خرابا حتى مرّ به شعيا النبيّ ورآه خرابا، وهو الذي قال الله أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها
وابتناه بعد ذلك ملك من ملوك فارس يقال له كوشك «١» .
وبين بيت المقدس والرّملة ثمانية عشر ميلا، وهي من كورة فلسطين، وكانت دار ملك داود وسليمان ورحبعم بن سليمان وولد سليمان، ولمّا ملك الوليد بن عبد الملك ولّى سليمان بن عبد الملك جند فلسطين، فنزل لدّا ثم أحدث مدينة الرملة ومصرها، وكان أوّل ما بنى فيها قصره، والدار التي تعرف بدار الصبّاغين، وجعل في الدار صهريجا متوسّطا لها، ثم اختطّ المسجد وبناه، وأذن للناس في البناء فبنوا، واحتفر لأهل الرملة قناتهم التي تدعى برده، واحتفر أيضا آبارا عذبة، وولّى النفقة على بنائه بالرملة ومسجد الجامع كاتبا له نصرانيّا من أهل لدّ يقال له البطريق بن بكا، ولم تكن مدينة الرملة قبل سليمان، وكان موضعها رملة وصارت دار الصبّاغين لورثه صالح بن عليّ بن عبد الله بن عبّاس، لأنها قبضت عن بني أميّة، وكانت بنو أميّة تنفق على آبار الرملة وقناتها بعد سليمان بن
стр. 141
عبد الملك، فلمّا استخلف أبو العبّاس أنفق عليها، ثم كان ينفق خليفة بعد خليفة، فلمّا استخلف المعتصم بالله سجلّ بتلك النفقة سجلا فانقطع الاستئمار وصارت جارية يحتسب بها العمّال فتحسب لهم.
ومن كور فلسطين أيضا عمواس، وكورة لدّ، وكورة يبنا، وكورة يافا، وكورة قيساريّة، وكورة نابلس، وكورة سبسطية، وكورة بيت جبرين، وكورة غزّة، وعسقلان، وسمّيت فلسطين بفيلسين بن كسلوخيم بن صدقيا ابن كنعان بن حام بن نوح النبي ﵇ وقال ابن الكلبيّ في قول الله ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ
قال: هي فلسطين وفي قوله الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ
قال: فلسطين.
وفلسطين بلاد واسعة كثيرة الخير، ويقال: إنها من بناء اليونانيّين، والزيتون التي بها من غرسهم.
وقال النبيّ ﷺ : «أبشركم بالعروسين غزّة وعسقلان» .
وقال عمر بن الخطاب: لولا أن تعطّل الثغور وتضيق عسقلان بأهلها لأخبرتكم بما فيها من الفضل.
وقال عبد الله بن سلام: لكلّ شيء سراة وسراة الشام عسقلان.
وافتتحها معاوية في خلافة عمر بن الخطّاب.
وعن ابن عبّاس قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني أريد العراق، فقال ﷺ : عليك بالشام، فإن الله جلّ وعزّ قد تكفّل لي بالشام وأهله، ثم الزم من الشام عسقلان، فإنه إذا دارت الرحا في أمّتي كان أهل عسقلان في راحة وعافية.
وقال أبو أمامة الباهليّ: قال رسول الله ﷺ : من رابط بعسقلان يوما وليلة ثم مات بعد ذلك بستّين سنة مات شهيدا، ولو مات في أرض الشرك.
وخراج فلسطين خمس مائة ألف دينار.
стр. 142
[وكان منزل نوح ﵇ في جبل الجليل بالقرب من حمص في قرية تدعى سحر، ويقال إن بها فار التنور. وجبل الجليل بالقرب من دمشق أيضا. يقال إن عيسى ﵇ دعا لهذا الجبل أن لا يعدو سبعه ولا يجرب زرعه، وهو جبل يقبل من الحجاز فما كان بفلسطين منه فهو جبل الحمل وما كان بالأردن فهو جبل الجليل، وهو بدمشق لبنان وبحمص سنير، وقال أبو قيس بن الأسلت:
فلولا ربنا كنّا يهودا ... وما دين اليهود بذي شكول
ولولا ربنا كنا نصارى ... مع الرهبان في جبل الجليل
ولكنا خلقنا إذ خلقنا ... حنيف ديننا عن كل جيل] «١»
стр. 143
القول في دمشق
قال الكلبيّ: دمشق بناها دمشق بن فالي بن مالك بن أرفخشذ بن سام بن نوح. وقال الأصمعيّ: أخذت دمشق من دمشقوها أي أسرعوها. وقال كعب في قول الله : وَالتِّينِ
قال: الجبل الذي عليه دمشق وَالزَّيْتُونَ
قال:
الذي عليه بيت المقدس وَطُورِ سِينِينَ
حيث كلّم الله موسى ﵇ وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ
مكّة.
وقال كعب: مربض ثور في دمشق خير من دار عظيمة بحمص. قال في قوله : لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ
قال: دمشق. وقال كعب: معقل المسلمين من الملاحم دمشق، ومعقلهم من الدجّال نهر أبي فطرس، ومن يأجوج ومأجوج الطور.
وقال هارون الرشيد للحسين بن عمّار: ولّيتك دمشق وهي جنّة تحيط بها غدر تتكفّأ أمواجها على رياض كالدراريّ، فما برح بك التعدّي لإرفاقهم أن جعلتها أجرد من الصخر، وأوحش من القفر. قال: والله يا أمير المؤمنين ما قصدت لغير التوفيق من جهته، ولكنّي رأيت أقواما ثقل الحقّ على أعناقهم فتفرّقوا في ميادين التعدّي ورأوا المراغمة بترك العمارة أوقع بإضرار السلطان، وأرادوا بذلك المشقّة على الولاة، وإن سخط أمير المؤمنين فقد أخذ بالحظّ الأوفر من مساءتي. فقال الرشيد: هذا أجزل كلام سمع من خائف.
وقال الأصمعيّ: جنان الدنيا ثلاث: غوطة دمشق، ونهر بلخ، ونهر الأبلّة.
وحشوش الدنيا ثلاثة: الأبلّة، وسيراف، وعمان.
стр. 144
وقال: عروسا الدنيا: الرّيّ ودمشق.
وقال يحيى بن أكثم: ليس في الأرض بقعة أنزه من ثلاث بقاع: قهندز سمرقند، وغوطة دمشق، ونهر الأبلّة.
وقال المدائنيّ: دمشق مدينتها الغوطة، وكورها: إقليم سنير وكورة جبيل، وبيروت، وصيدا، وبثنيّة، وحوران، وجولان، وظاهر البلقاء، وجبرين الغور، وكورة مآب، وكورة جبال، وكورة الشّراة، وبصرى، وعمّان، والجابية، والقريتان، والحولة، والبقاع، والسواحل منها ستّة: صيدا، وبيروت، وأطرابلس، وعرقة، وصور، منبرها إلى دمشق وخراجها إلى الأردنّ، وخراج دمشق أربع مائة ألف ونيّف، ودمشق هي أربعة أخماس صلح وخمس عنوة وهو خمس خالد بن الوليد، وفتحت سنة ١٤، في رجب للنصف منه في خلافة عمر بن الخطّاب. وقال البحتريّ في دمشق:
أمّا دمشق فقد أبدت محاسنها ... وقد وفى لك مطريها بما وعدا
إذا أردت ملأت العين من بلد ... مستحسن وزمان يشبه البلدا
تمسي السّحاب على أجبالها فرقا ... ويصبح النّور في صحرائها بددا
فلست تبصر إلّا واكفا خضلا ... ويانعا خضرا أو طائرا غردا
كأنّما القيظ ولّى بعد جيئته ... أو الرّبيع دنا من بعد ما بعدا
وقال أبو تمّام:
لولا حدائقها وأنّي لا أرى ... عرشا هناك ظننتها بلقيسا
وأرى الزّمان غدا عليك بوجهه ... جذلان بسّاما وكان عبوسا
قد نوّرت تلك البطون وقدست ... تلك الظهور بقربه تقديسا
وقالوا: عجائب الدنيا أربع «١» : قنطرة سنجة، ومنارة الإسكندريّة، وكنيسة
стр. 145
الرّها، ومسجد دمشق. ولمدينة دمشق ستّة أبواب: باب الجابية، وباب الصغير، وباب كيسان، وباب الشرقيّ، وباب توما، وباب الفراديس، هذه التي كانت على عهد الروم ولمّا أراد الوليد بن عبد الملك بناء مسجد دمشق دعا نصارى دمشق فقال: إنّا نريد أن نزيد في مسجدنا كنيستكم هذه، ونعطيكم موضع كنيسة حيث شئتم، فحذّروه ذلك وقالوا: إنّا نجد في كتبنا أنه لا يهدمها أحد إلّا خنق، فقال الوليد: فأنا أوّل من يهدمها. فقام عليها وعليه قباء أصفر فهدمها بيده وهدم الناس معه، ثم زاد في المسجد. فلمّا هدمها كتب إليه ملك الروم أنك هدمت الكنيسة التي رأى أبوك تركها. فإن كان حقّا ما عملت فقد أخطأ أبوك، وإن كان باطلا فقد خالفت أباك، فلم يعرف الوليد جوابا فاستشار الناس وكتب إلى العراق فقال الفرزدق: أجبه يا أمير المؤمنين بقول الله جلّ وعزّ: وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ
- الآية إلى قوله- حُكْماً وَعِلْماً
فكتب إليه الوليد بذلك فلم يجبه.
والوليد «١» ممّن زاد في المساجد وبناها، فبنى المسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد قبا، ومسجد دمشق، وأوّل من حفر المياه في طريق مكّة إلى الشام، وأوّل من عمل البيمارستانات للمرضى، وكان في ذلك أنه خرج حاجّا فمرّ بمسجد النبيّ ﷺ فدخله فرأى بيتا ظاعنا في المسجد شارعا بابه فقال: ما بال هذا البيت؟ فقيل: هذا بيت عليّ بن أبي طالب ﵁ أقرّه رسول الله ﷺ وردم سائر أبواب أصحابه فقال: إن رجلا نلعنه على منابرنا في كلّ جمعة ثم نقرّ بابه ظاعنا في مسجد رسول الله ﷺ من بين الأبواب، اهدم يا غلام. فقال روح بن زنباع الجذاميّ: لا تفعل يا أمير المؤمنين حتى تقدم الشام، ثم تخرج أمرك بتوسيع مساجد الأمصار مثل: مكّة، والمدينة، وبيت المقدس، وتبني بدمشق مسجدا فيدخل هدم بيت عليّ بن أبي طالب فيما يوسّع من مسجد المدينة. فقبل منه وقدم الشام وأخذ في بناء مسجد دمشق، وأنفق عليه خراج المملكة سبع سنين. ليكون ذكرا له، وفرغ من المسجد في ثماني سنين، فلمّا
следующие страницы →