Полный текст (637 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
عبد الملك، فلمّا استخلف أبو العبّاس أنفق عليها، ثم كان ينفق خليفة بعد خليفة، فلمّا استخلف المعتصم بالله سجلّ بتلك النفقة سجلا فانقطع الاستئمار وصارت جارية يحتسب بها العمّال فتحسب لهم.
ومن كور فلسطين أيضا عمواس، وكورة لدّ، وكورة يبنا، وكورة يافا، وكورة قيساريّة، وكورة نابلس، وكورة سبسطية، وكورة بيت جبرين، وكورة غزّة، وعسقلان، وسمّيت فلسطين بفيلسين بن كسلوخيم بن صدقيا ابن كنعان بن حام بن نوح النبي ﵇ وقال ابن الكلبيّ في قول الله ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ
قال: هي فلسطين وفي قوله الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ
قال: فلسطين.
وفلسطين بلاد واسعة كثيرة الخير، ويقال: إنها من بناء اليونانيّين، والزيتون التي بها من غرسهم.
وقال النبيّ ﷺ : «أبشركم بالعروسين غزّة وعسقلان» .
وقال عمر بن الخطاب: لولا أن تعطّل الثغور وتضيق عسقلان بأهلها لأخبرتكم بما فيها من الفضل.
وقال عبد الله بن سلام: لكلّ شيء سراة وسراة الشام عسقلان.
وافتتحها معاوية في خلافة عمر بن الخطّاب.
وعن ابن عبّاس قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني أريد العراق، فقال ﷺ : عليك بالشام، فإن الله جلّ وعزّ قد تكفّل لي بالشام وأهله، ثم الزم من الشام عسقلان، فإنه إذا دارت الرحا في أمّتي كان أهل عسقلان في راحة وعافية.
وقال أبو أمامة الباهليّ: قال رسول الله ﷺ : من رابط بعسقلان يوما وليلة ثم مات بعد ذلك بستّين سنة مات شهيدا، ولو مات في أرض الشرك.
وخراج فلسطين خمس مائة ألف دينار.
стр. 142
[وكان منزل نوح ﵇ في جبل الجليل بالقرب من حمص في قرية تدعى سحر، ويقال إن بها فار التنور. وجبل الجليل بالقرب من دمشق أيضا. يقال إن عيسى ﵇ دعا لهذا الجبل أن لا يعدو سبعه ولا يجرب زرعه، وهو جبل يقبل من الحجاز فما كان بفلسطين منه فهو جبل الحمل وما كان بالأردن فهو جبل الجليل، وهو بدمشق لبنان وبحمص سنير، وقال أبو قيس بن الأسلت:
فلولا ربنا كنّا يهودا ... وما دين اليهود بذي شكول
ولولا ربنا كنا نصارى ... مع الرهبان في جبل الجليل
ولكنا خلقنا إذ خلقنا ... حنيف ديننا عن كل جيل] «١»
стр. 143
القول في دمشق
قال الكلبيّ: دمشق بناها دمشق بن فالي بن مالك بن أرفخشذ بن سام بن نوح. وقال الأصمعيّ: أخذت دمشق من دمشقوها أي أسرعوها. وقال كعب في قول الله : وَالتِّينِ
قال: الجبل الذي عليه دمشق وَالزَّيْتُونَ
قال:
الذي عليه بيت المقدس وَطُورِ سِينِينَ
حيث كلّم الله موسى ﵇ وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ
مكّة.
وقال كعب: مربض ثور في دمشق خير من دار عظيمة بحمص. قال في قوله : لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ
قال: دمشق. وقال كعب: معقل المسلمين من الملاحم دمشق، ومعقلهم من الدجّال نهر أبي فطرس، ومن يأجوج ومأجوج الطور.
وقال هارون الرشيد للحسين بن عمّار: ولّيتك دمشق وهي جنّة تحيط بها غدر تتكفّأ أمواجها على رياض كالدراريّ، فما برح بك التعدّي لإرفاقهم أن جعلتها أجرد من الصخر، وأوحش من القفر. قال: والله يا أمير المؤمنين ما قصدت لغير التوفيق من جهته، ولكنّي رأيت أقواما ثقل الحقّ على أعناقهم فتفرّقوا في ميادين التعدّي ورأوا المراغمة بترك العمارة أوقع بإضرار السلطان، وأرادوا بذلك المشقّة على الولاة، وإن سخط أمير المؤمنين فقد أخذ بالحظّ الأوفر من مساءتي. فقال الرشيد: هذا أجزل كلام سمع من خائف.
وقال الأصمعيّ: جنان الدنيا ثلاث: غوطة دمشق، ونهر بلخ، ونهر الأبلّة.
وحشوش الدنيا ثلاثة: الأبلّة، وسيراف، وعمان.
стр. 144
وقال: عروسا الدنيا: الرّيّ ودمشق.
وقال يحيى بن أكثم: ليس في الأرض بقعة أنزه من ثلاث بقاع: قهندز سمرقند، وغوطة دمشق، ونهر الأبلّة.
وقال المدائنيّ: دمشق مدينتها الغوطة، وكورها: إقليم سنير وكورة جبيل، وبيروت، وصيدا، وبثنيّة، وحوران، وجولان، وظاهر البلقاء، وجبرين الغور، وكورة مآب، وكورة جبال، وكورة الشّراة، وبصرى، وعمّان، والجابية، والقريتان، والحولة، والبقاع، والسواحل منها ستّة: صيدا، وبيروت، وأطرابلس، وعرقة، وصور، منبرها إلى دمشق وخراجها إلى الأردنّ، وخراج دمشق أربع مائة ألف ونيّف، ودمشق هي أربعة أخماس صلح وخمس عنوة وهو خمس خالد بن الوليد، وفتحت سنة ١٤، في رجب للنصف منه في خلافة عمر بن الخطّاب. وقال البحتريّ في دمشق:
أمّا دمشق فقد أبدت محاسنها ... وقد وفى لك مطريها بما وعدا
إذا أردت ملأت العين من بلد ... مستحسن وزمان يشبه البلدا
تمسي السّحاب على أجبالها فرقا ... ويصبح النّور في صحرائها بددا
فلست تبصر إلّا واكفا خضلا ... ويانعا خضرا أو طائرا غردا
كأنّما القيظ ولّى بعد جيئته ... أو الرّبيع دنا من بعد ما بعدا
وقال أبو تمّام:
لولا حدائقها وأنّي لا أرى ... عرشا هناك ظننتها بلقيسا
وأرى الزّمان غدا عليك بوجهه ... جذلان بسّاما وكان عبوسا
قد نوّرت تلك البطون وقدست ... تلك الظهور بقربه تقديسا
وقالوا: عجائب الدنيا أربع «١» : قنطرة سنجة، ومنارة الإسكندريّة، وكنيسة
стр. 145
الرّها، ومسجد دمشق. ولمدينة دمشق ستّة أبواب: باب الجابية، وباب الصغير، وباب كيسان، وباب الشرقيّ، وباب توما، وباب الفراديس، هذه التي كانت على عهد الروم ولمّا أراد الوليد بن عبد الملك بناء مسجد دمشق دعا نصارى دمشق فقال: إنّا نريد أن نزيد في مسجدنا كنيستكم هذه، ونعطيكم موضع كنيسة حيث شئتم، فحذّروه ذلك وقالوا: إنّا نجد في كتبنا أنه لا يهدمها أحد إلّا خنق، فقال الوليد: فأنا أوّل من يهدمها. فقام عليها وعليه قباء أصفر فهدمها بيده وهدم الناس معه، ثم زاد في المسجد. فلمّا هدمها كتب إليه ملك الروم أنك هدمت الكنيسة التي رأى أبوك تركها. فإن كان حقّا ما عملت فقد أخطأ أبوك، وإن كان باطلا فقد خالفت أباك، فلم يعرف الوليد جوابا فاستشار الناس وكتب إلى العراق فقال الفرزدق: أجبه يا أمير المؤمنين بقول الله جلّ وعزّ: وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ
- الآية إلى قوله- حُكْماً وَعِلْماً
فكتب إليه الوليد بذلك فلم يجبه.
والوليد «١» ممّن زاد في المساجد وبناها، فبنى المسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد قبا، ومسجد دمشق، وأوّل من حفر المياه في طريق مكّة إلى الشام، وأوّل من عمل البيمارستانات للمرضى، وكان في ذلك أنه خرج حاجّا فمرّ بمسجد النبيّ ﷺ فدخله فرأى بيتا ظاعنا في المسجد شارعا بابه فقال: ما بال هذا البيت؟ فقيل: هذا بيت عليّ بن أبي طالب ﵁ أقرّه رسول الله ﷺ وردم سائر أبواب أصحابه فقال: إن رجلا نلعنه على منابرنا في كلّ جمعة ثم نقرّ بابه ظاعنا في مسجد رسول الله ﷺ من بين الأبواب، اهدم يا غلام. فقال روح بن زنباع الجذاميّ: لا تفعل يا أمير المؤمنين حتى تقدم الشام، ثم تخرج أمرك بتوسيع مساجد الأمصار مثل: مكّة، والمدينة، وبيت المقدس، وتبني بدمشق مسجدا فيدخل هدم بيت عليّ بن أبي طالب فيما يوسّع من مسجد المدينة. فقبل منه وقدم الشام وأخذ في بناء مسجد دمشق، وأنفق عليه خراج المملكة سبع سنين. ليكون ذكرا له، وفرغ من المسجد في ثماني سنين، فلمّا
стр. 146
حمل إليه حساب نفقات مسجد دمشق على ثمانية عشر بعيرا أمر بإحراقها.
قال في كتاب (المسالك والممالك) «١» : أنفق على مسجد دمشق خراج الدنيا ثلاث مرّات، وبلغ ثمن البقل الذي أكله الصنّاع في مدّة أيّام العمل ستّة آلاف دينار، وهذا المسجد مقعد عشرين ألف رجل، وأن فيه ستّمائة سلسلة ذهب للقناديل.
قال زيد بن واقد: وكّلني الوليد على العمّال بمسجد دمشق فوجدنا فيه مغارة فعرّفنا الوليد ذاك، فنزل في الليل فإذا هي كنيسة لطيفة، ثلاثة أذرع في مثلها، وإذا فيها صندوق، وفيه سفط مكتوب عليه هذا رأس يحيى بن زكريّاء، فرأيناه فأمر به الوليد أن يجعل تحت عمود معيّن، فجعل تحت العمود المسقّط الرابع الشرقيّ ويعرف بعمود السكاسك، وقال أبو مهران رأس يحيى بن زكريّاء تحت عمود السكاسك، وقال زيد أيضا: رأيت رأس يحيى بن زكريّاء حين وضع تحت العمود والبشرة والشعرة لم تتغيّر.
قالوا: فمن عجائب مسجد دمشق أن لو بقي الرجل فيها مائة سنة لكان يرى فيها في كلّ وقت أعجوبة لم يرها قبل.
وقال كعب: ليبنينّ في دمشق مسجد يبقي بعد خراب الأرض أربعين عاما والمئذنة التي بدمشق كانت ناطمرا للروم في كنيسة يحيى، فلمّا هدم الوليد الكنائس وأدخلها المسجد تركت على حالها، وهدم الوليد عشر كنائس واتّخذها مسجدا، ولمّا ولّي عمر بن عبد العزيز الخلافة قال: إني أرى في مسجد دمشق أموالا أنفقت في غير حقّها، فأنا مستدرك ما استدركت منها، ورادّها إلى بيت المال، أنزع هذا الرخام والفسيفساء وأطيّنه، وأنزع هذه السلاسل وأصيّر بدله حبالا، فاشتدّ ذلك على أهل دمشق فخرج أشرافها إليه وكان فيهم يزيد بن سمعان وخالد بن عبد الله القسريّ، فقال خالد لهم: دعوني والكلام، قالوا: تكلّم، فلمّا
стр. 147
دخلوا عليه قال له خالد: بلغنا أنك هممت بمسجدنا بكذا وكذا. قال: نعم. قال:
والله ما ذلك لك. قال: فلمن ذلك لأمّك الكافرة؟ وكانت أمّه نصرانيّة. فقال: إن تك كافرة ولدت مؤمنا، فاستحيى عمرو قال: صدقت. وورد على عمر رسل الروم فدخلوا مسجد دمشق لينظروا إليها فرفعوا رؤوسهم إلى المسجد، فنكّس رئيس منهم رأسه واصفرّ لونه فقالوا له في ذلك فقال: إنّا كنا معاشر أهل روميّة نتحدّث أن بقاء العرب قليل، فلمّا رأيت ما بنوا علمت أن لهم مدّة سيبلغونها، فأخبر عمر بذلك فقال: أرى مسجدكم هذا غيظا على الكفّار، فترك ما همّ به من أمر المسجد.
والمسجد مبنيّ بالرخام والفسيفساء، مسقّف بالساج، منقوش باللازورد والذهب، والمحراب مرصّع بالجواهر المثمّنة، والحجارة العجيبة.
وبنى معاوية الخضراء بدمشق في زمن عثمان بن عفّان، وأمر على الشام وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، واستخلف وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وتوفي لثمان وسبعين سنة، وهو أوّل من اتّخذ المحاريب والمقاصير والشّرط والحرس والخصيان وأصفى الأموال.
وقد أنكر قوم بناء الدور والأبنية، والنفقة والتبذير عليها، وهذا طلحة بنى داره بالآجرّ والقصّة «١» وأبوابه ساج، وبنى عثمان بن عفّان بالحجارة المنقوشة المطابقة وخشب الصنوبر والساج، وحمل له من البصرة في البحر ومن عدن في البحر، وحمل له القصّة من بطن نخل، وبني الزبير أربعة أدور: دارا بمصر، وأخرى بالإسكندريّة، وأخرى بالكوفة، وأخرى بالبصرة، وأنفق زيد بن ثابت على داره ثلاثين ألف درهم.
وقال كعب الحبر: أربع مدائن من مدائن الجنّة: حمص، ودمشق، وبيت جبرين، وضفار اليمن، وأجناد الشام أربعة: حمص، ودمشق، وفلسطين، والأردنّ.
стр. 148
ولقي كعب رجلا فقال: من أين أقبل الرجل؟ قال: من الشام. قال: أفمن أهله أنت؟ قال: نعم. قال: فلعلّك من الجند الذين ينظر الله إليهم كلّ يوم مرّتين.
قال: وأيّ جند هم؟ قال: جند فلسطين. قال: لا. قال: فلعلّك من الجند الذين يلقون الله في الثياب الخضر. قال: وأيّ جند هم؟ قال: جند الأردنّ. قال: لا.
قال: فلعلّك من الجند الذين يستظلّون تحت العرش يوم لا ظلّ إلا ظلّه. قال:
وأيّ جندهم؟ قال: جند دمشق. قال: لا. قال: فلعلّك من الجند الذين يبعث الله منهم سبعين ألف نبيّ. قال: وأيّ جند هم؟ قال: جند حمص. قال: لا. قال:
فمن أين أنت؟ قال: من قنّسرين. قال: ليست تلك من الشام، تلك قطعة من الجزيرة يفرّق بينهما الفرات.
وخراج حمص ثلاثمائة ألف وأربعون ألف دينار، وأقاليمها كثيرة منها: إقليما سلمية وتدمر.
قال: ولمّا هدم مروان بن محمّد حائط تدمر وصل إلى بيت مجصّص عليه قفل ففتحه فإذا امرأة مستلقية على قفاها، في بعض غدائرها صحيفة نحاس مكتوب عليه: بسمك اللهم أنا تدمر بنت حسّان، أدخل الله الذلّ على من يدخل عليّ في بيتي. قال: فو الله ما ملك مروان بعدها إلّا أيّاما حتى أقبل عبد الله بن عليّ فقتل مروان بن محمّد، وفرّق خيله، واستباح عسكره، فقيل وافق دعاءها.
ويقال: إن مدينة تدمر بناها سليمان بن داود، وكانت عجيبة البناء، كثيرة الصور والتماثيل. ويقال: إنه بنى فيها دارا فيها مقاصير وأروقة وحجرات وإيوانات وغير ذلك، وأن سطح هذه الحجرات والمقاصير وغير ذلك حجر واحد بقطعة واحدة، وهو باق إلى يومنا هذا، وبها صورة جاريتين من حجارة من بقايا صور كانت بها، وقال: فيهما بعض الشعراء «١» :
فتاتي أهل تدمر خبّراني ... ألمّا تسأما طول المقام
قيامكما على غير الحشايا ... على جبل أصمّ من الرّخام
стр. 149
وإنّكما على مرّ اللّيالي ... لأبقى من فروع ابني شمام
وأنشد أبو دلف فيهما لنفسه:
ما صورتان بتدمر قد راعتا ... أهل الحجى وجماعة العشاق
غبرا على طول الزمان ومرّه ... لم يسأما من ألفة وعناق
فليرمينّ الدّهر من نكباته ... شخصيهما منه بسهم فراق
وليبلينّهما الزمان بكرّه ... وتعاقب الإظلام والإشراق
كي يعلم العلماء ألّا دائما ... غير الإله الواحد الخلّاق
وأنشد أبو الحسن العجليّ فيهما:
إنّ اللّتين صيغتا بتدمر ... وكّلتا قلبي بوجد مضمر
صوّرتا في أحسن التصوّر ... لم يرهبا كرّ صروف الأعصر
وتدمر صلحيّة صالح أهلها خالد بن الوليد.
والسواحل من حمص الستّة: كورة اللاذقيّة، وكورة جبلة، وكورة بلنياس، وكورة أنطرطوس، وكورة مرقيّة، وكاسرة، والسّقي، وحبنة، والحولة، وعملوا، ورندك، وقبراثا. وإذا عبرت الفرات جئت إلى خشاف وناعورة، ثم إلى حلب وقنّسرين وكورها، وخراج قنّسرين أربعة آلاف دينار.
وقال مشايخ أنطاكية: كانت ثغور المسلمين أيّام عمر وعثمان أنطاكية والكور التي سمّاها الرشيد العواصم وهي: كورة قورس، والجومة، ومنبج، وأنطاكية وتوزين، وبالس، ورصافة هشام، فكان المسلمون يغزون ما وراءها كغزوهم الروم، وكانت فيما بين الإسكندريّة وطرسوس حصون ومسالح للروم.
وقالوا: حمص من بناء اليونانيّين، وزيتون فلسطين من غرسهم، ومدينة حمص افتتحها خالد بن الوليد صالحهم على مائة وسبعين ألف دينار، وكانت مدينة حمص مفروشة بالصخر، وهي اليوم كذلك.
ومن عجائب حمص: صورة على باب المسجد الجامع بجنب البيعة على
стр. 150
حجر أبيض، أعلى الصورة. صورة إنسان، وأسفلها صورة عقرب، فإذا لدغ العقرب إنسانا فأخذ طينا، ووضعه على تلك الصورة، ثم أدافه بالماء وشربه سكن وجعه وبرئ من ساعته، ويقال: إن تلك الصورة طلسم للعقرب خاصّة، وكان فتح حمص قبل دمشق في أوّل ليلة من رجب سنة أربع عشرة.
وبدمشق لبنان وهو الجبل الذي يكون عليه العبّاد والأبدال، وعليه من كلّ الثمر والفواكه، وفيه عيون كثيرة عذبة، وهو متّصل ببلاد الروم، وعند باب دمشق جيرون، وهي من بناء سليمان بن داود، وهي سقيفة مستطيلة على عمد، وحولها مدينة تطيف بجيرون، قال أبو عبيدة: الجيرون عمود عليه صومعة، وهو من البناء المذكور، ومن البناء المذكور الأبلق الفرد والورد أيضا، قصر بناه سليمان بن داود.
قالوا: وأول من ابتنى حصن المصّيصة في الإسلام عبد الملك بن مروان على يد ابنه عبد الله، ثم بنى عمر بن عبد العزيز بها مسجدا من ناحية كفربيّا، واتّخذ فيها صهريجا وكان اسمه عليه مكتوبا، ثم إن المسجد خرب في خلافة المعتصم، وهو يدعى مسجد الحصن، وشحنوها بالرجال، وبنى المنصور فيها مسجدا جامعا في موضع هيكل كان بها، وجعله مثل مسجد عمر ثلاث مرّات، ثم زاد فيه المأمون أيّام ولاية عبد الله بن طاهر المغرب، وفرض فيها المنصور لألف رجل، وزاد فيها المهديّ ألفي رجل، ولم يعطهم شيئا لأنها قد كانت شحنت بالجند والمطّوعة.
وقال أبو النعمان الأنطاكي: كان الطريق فيما بين أنطاكية والمصّيصة مسبعة، يعرض للناس فيها الأسد، فلمّا كان أيّام الوليد بن عبد الملك شكي ذلك إليه، فوجّه أربعة آلاف جاموس وجاموسة فنفع الله جلّ وعزّ بها.
قال الواقديّ: ولمّا غزا الحسن بن قحطبة الطائيّ بلاد الروم سنة ١٦٣ في أهل خراسان والموصل والشام ومطوّعة العراق والحجاز خرج ممّا يلي طرسوس، فأخبر المهديّ ما في بنائها وتحصينها وشحنتها بالمقاتلة من عظيم الغناء عن الإسلام والكبت للعدوّ، وكان خرج في مرج طرسوس، فركب إلى مدينتها، وهي
стр. 151
يومئذ خراب، فنظر إليها وأطاف بها من جميع جهاتها، وحرز عدّة من يسكنها فوجدهم مائتي ألف، فلمّا كان سنة ١٧١ بلغ الرشيد أن الروم قد ائتمروا بينهم للخروج إلى طرسوس لتحصينها وترتيب المقاتلة بها. فأغزى الصائفة هرثمة بن أعين، وأمر بعمارة طرسوس وبنائها وتمصيرها، ففعل فأجرى أمرها على يدي فرج بن سليم الخادم، فبنى قصبتها ومسجدها، ومسح ما بين النهر إلى النهر، فبلغ ذلك أربعة آلاف خطّة، كلّ خطّة عشرون ذراعا في مثلها، وأقطع أهل طرسوس الخطط في شهر ربيع الآخر سنة ١٧٣، ولمّا كانت سنة ١٨٠ أمر الرشيد ببناء مدينة عين زربة وتحصينها «١» ، وحوّل إليها خلقا من الخراسانيّة وأقطعهم المنازل، وفي سنة ١٨٣ أمر ببناء الهارونيّة، فبنيت وشحنت بالمقاتلة، ونسبت إليه، وأمر الرشيد ببناء مدينة الكنيسة السوداء وتحصينها، وأمر المنصور صالح بن عليّ ببناء ملطية وكانت خرابا، وكان الحسن بن قحطبة أتمّها بأمر المنصور وأعان الفعلة بنفسه وماله، وكان الحسن يقول: من سبق إلى شرفة فله كذا، فجدّ الناس في العمل حتى فرغوا من بناء ملطية ومسجدها في ستّة أشهر، وهم يومئذ سبعون ألفا وبني بها للجند الذين أسكنوها، لكلّ عرّافة بيتان سفليّان وعليّتان، والعرّافة عشرة نفر إلى خمسة عشر رجلا، وبنى لهم مسلحة على ثلاثين ميلا منها، ومسلحة على نهر يدعى قباقب يدفع في الفرات، وأسكنها أربعة آلاف مقاتل من أهل الجزيرة، وزاد كلّ واحد منهم عشرة دنانير، وأقطع الجند المزارع، وبنى حصن قلوذية، وأرض التيه بموضع يقال له حصن منصور أربعون فرسخا.
وقال الحجّاج بن يوسف لزادان فرّوخ: أخبرني عن العرب والأمصار.
فقال: أصلح الله الأمير، أنا بالعجم أبصر مني بالعرب. قال: لتخبرني. قال: فسل عمّا بدا لك. قال: أخبرني عن أهل الكوفة. قال: نزلوا بحضرة أهل السواد فأخذوا من ضيافتهم وسماحتهم. قال: فأهل البصرة. قال: نزلوا بحضرة الخوز.
فأخذوا من مكرهم وبخلهم. قال: فأهل الحجاز. قال: نزلوا بحضرة السودان.
стр. 152
فأخذوا من ضيافتهم وسماحتهم. قال: فأهل البصرة. قال: نزلوا بحضرة الخوز.
فأخذوا من مكرهم وبخلهم. قال: فأهل الحجاز. قال: نزلوا بحضرة السودان فأخذوا من حمقة عقولهم وطربهم، فغضب الحجّاج فقال له: أعزّك الله لست حجازيّا، إنما أنت رجل من أهل الشام. قال: فأخبرني عن أهل الشام. قال: نزلوا بحضرة الروم فأخذوا من ترفّقهم وصناعتهم وشجاعتهم.
ويقال: ريف الدنيا من السمك ما بين ماهيرويان إلى عمان، وريف الدنيا من التمر ما بين اليمن إلى البصرة وهجر، وريف الدنيا من الزيتون فلسطين إلى قنّسرين.
وقال المدائنيّ: قدم وفد من العراق على معاوية بن أبي سفيان فيهم صعصعة بن صوحان العبديّ، فقال معاوية: مرحبا بكم وأهلا، قدمتم خير مقدم، وقدمتم على خير خليفة، وهو جنّة لكم، وقدمتم الأرض المقدّسة، وقدمتم أرض المحشر والمنشر، وقدمتم أرضا بها قبور الأنبياء. فقال صعصعة: أما قولك يا معاوية قدمتم خير مقدم فذاك من قدم على الله والله عنه راض، وأما قولك قدمتم على خليفتكم وهو جنّة لكم فكيف بالجنّة إذا احترقت، وأما قولك قدمتم الأرض المقدّسة، فإن الأرض لا تقدّس أهلها لكن أهلها يقدّسونها، وأما قولك قدمتم أرض الحشر والمنشر فإن بعد الأرض لا ينفع كافرا ولا يضرّ مؤمنا، وأما قولك قدمتم أرض الأنبياء بها قبور الأنبياء فإن من مات بها من الفراعنة أكثر ممّن مات فيها من الأنبياء. فقال معاوية: اسكت لا أرض لك. قال: ولا لك يا معاوية، الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتّقين. قال معاوية: يا صعصعة إني كنت لأبغض أن أراك خطيبا. قال: وأنا والله يا معاوية أبغض أن أراك أميرا.
قالوا: ودومة الجندل شاميّة، وهي فصل ما بين العراق والشام، وهي على سبع مراحل من دمشق.
قال: ولمّا فتح أنوشروان قنّسرين ومنبج وحلب وأنطاكية وحمص ودمشق وإيلياء استحسن أنطاكية وبناءها، فلمّا انصرف إلى العراق بنى مدينة على مثال أنطاكية بأسواقها وشوارعها ودورها وسمّاها زندخسره، وهي التي تسمّيها العرب
стр. 153
روميّة، وأمر أن يدخل إليها سبي أنطاكية فلمّا دخلوها لم ينكروا من منازلهم شيئا، فانطلق كلّ رجل منهم إلى منزلة إلّا رجلا اسكافا، كان على بابه بأنطاكية شجرة فرصاد، فلم يرها على بابه بروميّة، فتحيّر ساعة، ثم اقتحم الدار فوجدها مثل داره، فلمّا رأى ملك الروم ما قد فتحه كسرى من مدائنه وادعه ووجّه كسرى رجلا من مرازبته إلى أرض الروم يقبض الأتاوة.
وقال عمرو بن بحر: ربّ بلد يستحيل فيه العطر، وتذهب رائحته كقصبة الأهواز «١» .
وقد كان هارون الرشيد همّ بالمقام بأنطاكية وكره أهلها ذلك، فقال شيخ منهم وصدقة: ليست من بلادك يا أمير المؤمنين، قال: وكيف؟ قال: لأن الطيب الفاخر يتغيّر فيها حتى لا ينتفع منه بكبير شيء، والسلاح يصدأ فيها ولو كان من قلعة الهند.
وقالوا: سيحان بأذنة، وجيحان بالمصّيصة، والبردان ويسمّى الغضبان بطرسوس، وجيحون نهر بلخ.
وقال ابن شوذب: تغور المياه قبل يوم القيامة إلّا بئر زمزم ونهر الأردنّ وهو الذي قال الله : إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ.
وكور الأردنّ: طبريّة، والسامرة، وبيسان، وفحل، وكورة جرش، وعكّا، وكورة قدس، وكورة صور. وخراج الأردنّ ثلاثمائة ألف وخمسون ألف دينار، من الطبريّة إلى اللّجّون عشرون ميلا، ثم إلى القلنسوة عشرون ميلا، ثم إلى الرملة مدينة فلسطين أربعة وعشرون ميلا وهي على الجادّة فحاجّ الشام والثغور ينزلونها «٢» .
ومدينة اللجّون: فيها صخرة عظيمة مدوّرة خارج المدينة، وعلى الصخرة قبّة زعموا أنها مسجد إبراهيم ﵇ يخرج من تحت الصخرة ماء كثير،
стр. 154
وذكروا أن إبراهيم ضرب بعصاه هذه الصخرة فخرج منها من الماء ما يتّسع فيه أهل المدينة ورساتيقهم إلى يومنا هذا.
قالوا: ولنا الزيت والزيتون الذي ليس في شيء من البلدان أكثر منه في بلادنا، وقال الله : مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ
ومن أبنيتهم العجيبة لدّ، وحدّثني رجل قال: قلت لأهل لدّ هذا بنته الشياطين لسليمان، قال: أنتم إذا جلّ في صدوركم البنيان أضفتموه إلى الجنّ والشياطين، هذا قبل مولد سليمان ﵇ بدهور كثيرة.
وعلى سبعة أميال من منبج حمّة. عليها قبّة تسمّى المدير، وعلى شفير الحمّة صورة رجل من حجر أسود، تزعم النساء أن كلّ من لا تلد تحكّ فرجها بأنف الصورة فيولد لها، وفيها حمّام يقال له حمّام الصّوابي فيه صورة رجل حجر يخرج ماء الحمّام من إحليله.
قالوا: ومن عجائبنا تفّاح لبنان، وفيه أعجوبة وذلك أنه يحمل التفّاح من لبنان، وهو تفّاح جبل عذى لا طعم له ولا رائحة، فإذا توسّط نهر البليخ فاحت رائحته، وهذا شبيه بالذريرة التي بنهاوند، فإن بها قصبا يتّخذ منه الذريرة، فليست له رائحة بتّة حتى يجاز بها ثنيّة الرّكاب، وهي من نهاوند على فراسخ كثيرة، فإذا جازت الثنيّة فاحت رائحته وحمل منها إلى البلدان، وبشيراز شجرة تفّاح، التفّاحة منها نصفها حلو في غاية الحلاوة، ونصف حامض في غاية الحموضة، وليس بفارس كلّها من هذا النوع إلّا هذه الشجرة الواحدة.
قالوا: من عجائب الشام أربعة أشياء: بحيرة الطبريّة، والبحيرة المنتنة، وأحجار بعلبك، ومنارة الإسكندريّة.
فأما أحجار بعلبكّ فإن فيها حجرا على خمسة عشر ذراعا أقلّ وأكثر ارتفاعه في السماء عشرة أذرع في عرض خمسة عشر ذراعا في طول خمسة وأربعين ذراعا هذا حجر واحد في حائط.
стр. 155
وأما منارة الإسكندريّة فإنه يصعد إليها رجل على برذون حتى يبلغ أعلاها، وهي مبنيّة على سرطان من زجاج.
وأما بحيرة الطبريّة فإنه يشرع إليها وينتفع بها للغسالات، فإذا منع منها هذا أنتنت.
والبحيرة المنتنة لا يغرق فيها شيء، وكلّ شيء يقع فيها فإنما يطفو على رأس الماء.
ومن عيوب الشام كثرة طواعينها، والناس يقولون: حمّى خيبر وطواعين الشام ودماميل الجزيرة وجرب الزنج وطحال البحرين.
قالوا: ومن أقام بالموصل حولا وجد في قوّته فضلا، ومن أطال الصوم بالمصّيصة خيف عليه الجنون، ومن قدم من شقّ العراق إلى بلاد الزنج لم يزل حزينا ما أقام بها، فإن أكثر من شرب نبيذها وشرب ماء النارجيل صار كالمعتوه «١» .
وقال أبو هريرة: أنا لبراغيث الشام أخوف مني لغيرها.
وقالوا في قول الله : وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ
قال: من فلسطين.
افتخار الشاميّين على البصريّين وفضل الحبلة على النّخلة
قال أبو عبّاد محمّد بن سلمة البصريّ المعروف بابن العلّاف القارئ: إني لفي يوم من أيّام المعتزّ بالله في ديوان الخراج بسرّمن رأى مع جماعة من قرّاء البصريّين نطالب بأرزاقنا، وفينا عليّ بن أبي ناشر، إذ طلع علينا فتية من كتّاب الأنبار، ومعهم أبو حمران الشاعر، ونحن نصف البصرة وما خصّت به من أرض الصدقة التي لا يسوغ للسلطان الأعظم تبديلها، ولا للعمّال تغييرها، وما فيها من المدّ والجزر والخلجان ومقادير الساعات ومنازل القمر، فقال أبو حمران: ما من بلد إلّا وقد أعطي نوعاً من الفضل يتفرّد به، وضربا من المرافق معدولا عن غيره،
стр. 156
يعجب به أهله، ويطمئنّون إليه في تقريظه، فقلت له مجيبا: لئن قلت ذلك فإنّا لا نعرف مصرا جاهليّا ولا إسلاميّا أفضل من البصرة، ولا أرضا يجري عليها الأتاوة أشرف من أرض الصّدقة، ولا شجرة هي أفضل من النخلة، ولا نعرف بلدا أقرب برّأ من بحر، وحضرا من بدو، وريفا من فلاة، وملّاحا من جمّال، وقانص وحش من صائد سمك، ونجدا من غور من البصرة، فهي واسطة الأرض، وغوصة البحر، ومغيض الأقطار، وقلب الدنيا، ولقد مثّلت الحكماء الأرض بصورة طائر، فجعلوا الجؤجؤ بما فيه من القلب البصرة، والرأس الشام والروم، والجناحين المشرق والمغرب، والذنب السودان، وهم أكثر عددا من البيضان، فكفى بهذا وحده فخرا، فقال أبو حمران:
كلّ فتاة بفتاها معجبه ... والخنفسى في عين أمّه لؤلؤه
وقالت الأعرابيّة وهي تزفّن ابنا لها وتقول:
يا قوم ما لي لا أحبّ حشوده ... وكلّ خنزير يحبّ ولده
فأين أنت يا أخا البصرة عن خصب الشام والجزيرة وعن فضل المسجد الأقصى والبلاد المقدّسة، وعن عذاة داري مصر وربيعة، وعن رفيع قدر الكرمة وعن قول عمرو بن كلثوم:
وعند الله يأتيه دعاها ... إلى أرض يعيش بها الفقير
لأرض الشام وهي حمّى وحبّ ... وزيتون وثمّ نشا العصير
وو الله للرقّة البيضاء وحدها أطيب من البصرة، وللرافقة أغذى من الأبلّة، ولحلب أخصب من الكوفة، وللخم وجذام وأفناء قبائل قضاعة أشرف من بكر وتميم وضبّة، وللحبلة أفضل من النخلة، وللعنب أحلى من الرطبة، وللزبيبة أطيب من التمرة، ولقد خصّ الله بلاد الشام من بركة الزيتون، والعواصم والجزيرة من لذّة التين ومن أنواع الفواكه بما يتهالك في أصغره النخل، ويستبشع معه الرطب والتمر، قال: فقلت لأبي حمران: قد سمعنا نشيدك ووعينا افتخارك، ولا
стр. 157
أحسبك سمعت قول الخليل بن أحمد في وصف البصرة إذ يقول في قصر أنس بن مالك ونهر بن عمرو وادي العقيق:
يا وادي القصر نعم القصر والوادي «١»
وقول ابن أبي عيينة في ذلك «٢» :
يا جنّة فاقت الجنان فما ... تبلغها قيمة ولا ثمن
علقتها فاتّخذتها وطنا ... إنّ فؤادي بذكرها وطن
زوّج حيتانها الضّباب بها ... فانظر وفكّر يا صاح في سفن
وقوله أيضا في أرض البصرة:
يذكّرني الفردوس طورا فأرعوي ... وطورا يواتيني إلى القصف والفتك
لغرس كأبكار الجواري وتربة ... كأنّ ثراها ماء ورد على مسك
وسرب من الغزلان يرتعن حوله ... كما انسلّ منظوم من الدّرّ من سلك
وورقاء تحكي الموصليّ إذا شدت ... بتغريدها أحبب بها وبمن تحكي
فيا طيب ذاك القصر قصرا ونزهة ... بأفيح رحب غير وعر ولا ضنك
وسأل هشام بن عبد الملك خالد بن صفوان عن البصرة فقال: إذا أخبرك يا أمير المؤمنين، يخرج قانصان فيجيء هذا بالطير والظليم، وهذا بالسمك والشبّوط، ونحن أكثر الناس ساجا وعاجا وخزّا وديباجا وبرذونا هملاجا، وجارية مغناجا، بيوتنا الذهب، ونهرنا العجب، أوّله رطب وآخره عطب، فالنحل في
стр. 158
مكاربه كالزيتون عندكم في منابته، ثم هو في أكمامه كذاك في أغصانه، ثم هو في إبّانه كذاك في زمانه، هنّ الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل، الملقحات بالفحل، يخرجن أسفاطا عظاما وأوساطا نظاما، كأنّما ملئت رياطا، ثم تفترّ عن قضبان اللّجين منظومة باللؤلؤ الأخضر، ثم يصير ذهبا منظوما بالزبرجد الأخضر، ثم يصير عسلا معلّقا في الهواء، ليس في قربة ولا سقاء، بعيدا من التراب كالشهد المذاب، ثم يصير في أكيسة الرجال فيستعان به على العيال. وأما نهرنا العجب فإنه يقبل عند حاجتنا إليه ويدبر عند ريّنا منه، وله عباب لا يحجبه، ولا يغلق عنّا دونه حجاب.
فقال هشام: بلدكم أكرم بقاع الأرض يا أخا بني تميم، فلمّا رأى أبو حمران إطراب النشيد في مدح بلدي قطع عليّ كلامي، وعارضني دون مرادي فقال: والله إنّ لنا معكم بنخل بيسان ونواحي الأردنّ لأعظم الشرك في النخل، فما نعبأ به، ولا نراه طائلا فنذكره، وما نصنع بطلب الحجّة من بعد ونحن نجدها من قرب هذا الحسن بن هانئ صاحبكم الذي لا تنكرونه، وخرّيجكم الذي لا تدفعونه يقول في البصرة:
ألا كلّ بصريّ يرى أنّما العلى ... مكمّمة سحق لهنّ جرين
فإن يغرسوا نخلا فإنّ غراسنا ... ضراب وطعن في النّحور سخين
فإن أك بصريّا فإنّ مهاجري ... دمشق ولكنّ الحديث شجون
لإزد عمان بالمهلّب ثروة ... إذا افتخر الأقوام ثم تلين
وبكر ترى أنّ النّبوّة أنزلت ... على مسمع في الرّحم وهو جنين
ولا لمت قيسا في قتيبة بعدها ... وفخرا به إنّ الحديث فنون
وأنشد أبو حمران يصف نفسه لمّا اجتمعوا عليه في المناظرة وهو وحده:
حمول لما حمّلته غير ضيّق ... ذراعا بما ضاق الكرام به مسكا
دعاني فأعطاني مودّة قلبه ... مودّته المثلى وفي ماله الشركا
стр. 159
ثم أشار إلى ابن أبي ناشر فقال:
جندلتان اصطكّتا اصطكاكا ... إنّ الذّليل يكره العراكا
وقد يضرط العير والمكواة في النار، ثم قال أبو حمران: لنا الزيت والزيتون، ولنا عروسا الدنيا غزّة وعسقلان، ومدينة دمشق وهي إرم ذات العماد، ولنا الأرض المقدّسة، وفي بلادنا الجبل الذي كلّم الله عليه موسى ﵇ ، وجبل لبنان من جبالنا، وبيت المقدس من بلادنا، ولنا المدن العجيبة والكور الشريفة مثل: طرسوس والمصّيصة، وملطية، والرملة، وفلسطين، وأنطاكية، وحلب، وصور، وصيدا، وطبريّة، والكرمة أفضل الأشجار والعنب سيّد الثمار، وهي ناعمة الورق، ناضرة الخضرة، غريبة تقطيع الورقة، بديعة الزوايا، مليحة الحروف، حسنة المقادير، كأنما قوّرت من سرقة حرير، واستخرجت من ثوب نسيج، كثيفة الظلّ خفيفة الفيء، لدنة الأغصان، ليّنة الأفنان، خضرة الأطراف، كريمة الأخلاق، سلسلة القياد، رفيعة جوهر الأعواد، لذيذة الجنى، قريبة المجتنى، صغيرة العجمة، رقيقة الجلدة، عذبة المذاق، سهلة المزدرد، كثيرة الماء، فاضلة المخبر على المنظر، شريفة العنصر والجوهر، وكلام كثير لم يستدرك، ثم لا يألف الغربان الناعقات الكرم كإلفها النخل، ولا يعشّش في جوانبها العصافير المؤذية بصيلانة أصواتها عند غناء النّغران وورق العيدان كتعشيشها في الأدقال وأصول الكرانيف والأكراب، ولا يتولّد منها من ضخام الدود وسمجة الحشرات والهوامّ ما يتولّد من الليف، ولا يستكنّ في أثنائه من الذرّ والفراش، ولا يتحصّن فيها من الحيّات والعقارب وعظام العناكب وذوات السموم القاتلة ما يتحصّن في رؤوس النخل، فهذا على هذا والنخل تخلف وتحيل، ولم نر كرمه حالت ولا أخلفت، واسم الكرم مشتقّ من الكرم والكرامة والإكرام والتكرّم، وقد قدّم الله جلّ وعزّ ذكره في كتابه على سائر الأشياء فقال جلّ وعزّ: وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ
فقدّم ذكر الكرم وجعل النخل نداء للزرع، ولله أن يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وقال جلّ وعزّ:
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ
стр. 160
وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً
فجعل الكرم أصلا للجنّتين والنخل من الزوائد، وقال:
وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقاً لِلْعِبادِ
وقال: أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ
فالجنّات حدائق الكرم وقال: فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا
فجعل النخل في ترتيب من الخلق والكرم في مكانه من التقدّم وقال: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ
فهل يعرش من الشجر شيء غير الكرم والجنّة المؤنقة مقصور عليه، والمعروشة المرفوعة العيدان على الخشب والقصب وهي في الفراديس. واحدها فردوس، والحصرم أرفع من البلح، والوكاب أطيب من البسر، والعنب ألذّ من الرّطب، والعجد أقلّ غوائل من التمر، والخمر أنفع من النبيذ، وخلّ الخمر أثقف وأحسن من خلّ الدقل، والطلاء فوق الدّوشاب، والحبلة سيّدة النخلة، لأن الحبلة خير ونفع كلّها، والنخلة شرّ وعرّ وكذلك قال بعض المحدثين:
النّخل عبد وهذا الكرم سيّده ... ومن يقايس بين التّمر والعنب
وذكر أبو إسحاق أنه رأى بمدينة صنعاء عنبا يقال له المختّم، فوزن منه حبّة فوجدها أكثر من أربعة أساتير، والأستار أربعة دراهم، وحمل بعض عمّال الرشيد باليمن إليه في بعض ما حجّ عنقودين في محملين على بعير، وقد يحمّل من جبال أرمينية وآذربيجان أخونة عظيمة جدّا يكون دور بعضها عشرين شبرا من خشب الكرمة. قالوا: وأطيب العنب الجرشيّ، وهو دقيق وله عناقيد تكون ذراعا، ومنه عيون البقر وهو عنب أسود عظام الحبّ، ومنه السّكّر عنب صادق الحلاوة، ومنه أطراف العذارى عنب أسود كأنه بلّوط عنقوده نحو الذراع، ومنه الضّروع عنب أبيض كبار الحبّ قليل الماء عظيم العناقيد، ومنه الكلافيّ منسوب إلى كلاف بلد في شقّ اليمن، ومنه الدّواليّ عنب أسود غير حالك، وهل نحن وإن أطنبنا في ذكر العنب، وأسهبنا في نعت منافعه ومناقبه فمعطوه ما له، أو بالغون به استحقاقه، وموفّوه ما هو له من الخصال المحمودة والخلال المرضيّة، ومن طيب الطعم وشدّة الحلاوة، وكثرة الماء، وعموم النفع ووفور الجسم، وصغر العجم، وكثرة
стр. 161
الأجناس والضروب والأنواع، ولو أن رجلا خرج من بيته مسافرا في عنفوان شبيبته، وحداثة سنّه، واستقرى البلدان صقعا فصقعا، يتتّبع الكروم مصرا فمصرا.
حتى يهرم، وصغيرا حتى يبدن لتعرّف أجناسه وإحاطة العلم بأنواعه، بل إقليما واحدا من الأقاليم، وناحية من أقطار الأرض، لأعوزه وغلبه وعزّه وبهره، إذ كان كثرة فنونه واختلاف أنواعه لا يدرك كالسرنابا «١» ، والخمريّ بطسّوج قطربّل، والملاحيّ ببغداذ، والصّقلبيّ والأحمر بسرّمن رأى، والزّراويّ بالكوفة، والحلاوي والبيروزيّ والجرشيّ بالبصرة وأنهارها، والسّمّاقيّ بالأهواز، وعيون البقر بالشام، والمورّقيّ بالبليخ ونهر سعيد، والمختّم بالريّ، والفارسيّ والزّرجون والأسفيذمشك، والسياوشك والناشقينيّ والبازجنك، والخرجج بقزوين، والوفرباي والماني، والماسبذيّ بناحية الجبل، وأهل الطبّ مجمعون على أن العنب أكثر غذاء، وأنقى كيموسا من جميع الفواكه والثمار، وأن الإكثار منه غير ضارّ كضرر التين والخوخ وسائر الفواكه الرطبة، وأنه حارّ رطب على طبع الحياة، قليل الفضول مولّد للدم الصحيح النقيّ، وأنه ملاوم بجميع الطبائع، نافع لجميع الأسنان في كلّ البلدان، والأبيض أقلّ حرارة من الأسود، ولخمريّ قطربّل خاصّيّة في الرائحة عجيبة.
وقال الثقفيّ: أطيب الطعام عنب قطيف أصابه الخريف بوادي ثقيف. وقال خالد بن صفوان: من فاته الرازقيّ في إدباره فحقّ لأهله أن يبكوا عليه.
وقال الرسول ﷺ : كلوا الزبيب فإنه يأكل البلغم، ويطفئ المرّة ويذهب بالنصب، ويشدّ العصب، ويحسن الخلق.
وقالوا: أنفع الأشربة شراب الكرم فإنها أفضل الأشربة، كما أن ثمرتها رأس الثمار، وشجرتها رئيس الأشجار، وإنها دواء لا داء فيه، وخير لا شرّ معه، وأن من أصحّ الدلائل على ذلك وأوضح البرهانات له وصف ربّ العالمين لها باللّذّة،
стр. 162
وإجماع محلّليها ومحرّميها على تقديمها في الطيب، وتفرّدها بطيب النكهة، وصفاء اللون، وسلس المذاقة، وسهولة المجرى، ولذاذة الطعم، وحسن اللون، وذكاء العرف، وحمرة البشرة، وصحّة الجوهر، وطول البقاء على الدهر، وتوليد الفرح والسرور، ونفي الهمّ والغمّ، وعلى أنها تغذو فلا تؤذي، وتنفع ولا تضرّ، وأنها أنفع المشروبات المفرّقة والمركّبة لجميع الأسنان في كلّ البلدان وفي كلّ فصل وزمان، وأنها تشارك المسكرات في منافعها وتنافيها في رذائلها، وأن من أفعالها التي هي لها دون غيرها تنظيف الأبدان ورحض الأبدان، وتوفير المخاخ وتنقية الأمشاج، وتصفية النطفة، وغسل المفاصل الربيسة من الأمشاج القذرة والكيموسات المتّسخة، وأنها تفتح السّدد المنعقدة، وتذيب الفضول الزائدة، وتولد الدم الصحيح الذي هو الحياة، وتسخن الدم الغليظ الجامد الفاسد الذي منه بدو الأدواء الفاحشة، وتذكي النار الغريزيّة، وتقوي الحرارة الطبيعيّة، وتحسن اللون، وتدفئ الكلى، وتدرّ البول، وتغسل المثانة، وتقوي الكبد والمعدة، وتهضم الطعام، وتطرد الرياح، وترقّق البلغم المالح واللّزج، ثم الخمر مع ما قد وصف لها من الطيب والحسن وصار في حيّزها من ذكاء المشمّ وصحّة الجوهر فوق كبار المعجونات في دفع المضارّ وأرفع الإيارجات في تحليل أوصاب الدماغ والأعصاب، وألطف من دهن الخروع في التمشّي في عمق المفاصل، والوغول في العظام، تجانس بنفعها العقاقير المختارة، وتنوب عن السموم المحلّلة، والضمادات المندّدة، والأطلية المقوية، وتجري مع الأدوية النافعة حيث جرت، ولا بدّ للمعجونات الكبار منها إذا ركّبت، فهي أفضل ما غيّر به الماء بعد شرب الأدوية المسهلة، وعند العلاج في الحمية، ولا تذاب الصموغ المتجسّدة، وتماع ألبان النبات الداخلة في المعجونات الرفيعة، نحو الشّليثا والترياق والتياذريطوس والهبطارعان «١» إلّا بها، وبما كان من نوعها من العقيد أو نبيذ الزبيب وخلّ
стр. 163
الخمر، فقالوا: آنس الله ببقائك الأيّام، وعمر بك الآداب، وأحيا بحياتك العلوم.
стр. 164
القول في الجزيرة
سئل الشعبيّ عن الجزيرة جزيرة العرب فقال: ما بين العذيب إلى حضرموت.
وقال الأصمعيّ: جزيرة العرب ما لم تظلّه فارس والروم.
وقال الرياشيّ: جزيرة العرب ما بين نجران إلى العذيب.
وقال أبو عبيدة: جزيرة العرب ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول، وفي العرض ما بين رمل يبرين إلى السّماوة.
وقالوا: الجزيرة ما بين دجلة والفرات والموصل من الجزيرة وكذلك الرّقّة والرافقة.
وقال محمّد بن الحسن: بلاد العرب الذين لا تقبل منهم الجزية، ولا يرضى منهم إلّا بالدخول في الإسلام أو السيف من العذيب إلى أبين عدن فذلك الجزيرة.
قال ابن الأعرابيّ: الجزيرة ما كان فوق بقّة، وإنما سمّيت الجزيرة لأنها تقطع الفرات ودجلة وقد تقطع في البرّ.
وإنما سمّيت الموصل موصلا لأنها وصلت بين الجزيرة والشام، والجزيرة من عمل سميساط إلى بلد ومن الموصل إلى الأردنّ، ويقال سمّيت الموصل لأنها وصلت بين الفرات ودجلة.
ومدينة الموصل بناها محمّد بن مروان، وراوند الموصل بناها راوند بن بيوراسف.
وولّى عمر بن الخطّاب عتبة بن فرقد السّلميّ الموصل سنة عشرين، فقاتله
стр. 165
أهل الحصن فأخذ حصنها الشرقيّ عنوة، وعبر دجلة فصالحه أهل الحصن الآخر على الجزية والأذن لمن أراد الجلاء في الجلاء، ثم فتح المرج وقراه وأرض بانهدرا وداسن وجميع معاقل الأكراد، وأوّل من اختطّ الموصل وأسكنها العرب، ومصّرها هرثمة بن عرفجة البارقيّ، وكان عمر عزل عتبة عن الموصل وولّاها هرثمة، وكان بها الحصن وبيع النصارى ومنازلهم ومحلّة اليهود، فمصّرها هرثمة ثم بنى المسجد الجامع، ثم بنى بعدها الحديثة، وكانت قرية قديمة فيها بيعتان، فمصّرها، وأسكنها قوما من العرب فسمّيت الحديثة، لأنها بعد الموصل، وافتتح عتبة بن فرقد الطيرهان وتكريت، وآمن أهل حصن تكريت على أنفسهم وأموالهم، وسار في كورة باجرمق حتى صار إلى شهرزور «١» .
وتكريت من كور الموصل، وبإزائها في البريّة مدينة الحضر على برّيّة سنجار، وبينها وبين دجلة خمسة عشر فرسخا، وبينها وبين الفرات خمسة عشر فرسخا، وهي مبنيّة بالحجارة البيض، بيوتها وسقفها وأبوابها، وهي على تلّ ولها ستّون برجا كبارا، وبين البرج والبرج تسعة أبراج صغار، على رأس كلّ برج قصر، وأسفله حمّام، وقد حمل عليها نهر الثّرثار، ويشقّ المدينة ثم يخرج، وعلى حافتي الثرثار القرى والجنان، والثرثار يخرج من سنجار ويصبّ في الفرات، ويحمل عليه السفن، وكان ملك الحضر السّاطرون ثم الضّيزن، ويقال: إنه كان على الحضر باب يغلقه رجل ولا يفتحه إلّا خلق كثير، وهو الذي قال فيه عديّ بن زيد:
وأخو الحضر إذ بناه وإذ ... دجلة تجبى إليه والخابور
وقال: الشرقيّ بن قطاميّ: لمّا افترقت قضاعة خرجت فرقة منهم إلى الجزيرة، وعليهم ملك يقال له الضيزن بن جبهلة، أحد الأحلاف، فنزلوا مدينة الحضر، وكان بناؤها، على طلسمين ألّا يهدمها إلّا حمامة ورقاء مطوّقة بحيض امرأة زرقاء، فأخرج ضيزن كلّ امرأة عارك «٢» ، وغزا الضيزن في جميع قضاعة
стр. 166
فأصاب خلقا من أهل شهرزور فقتلهم، وأغار على السواد فأصاب، ماه أخت سابور ذي الأكتاف، فسمع سابور بذلك فخرج وأقام عليهم سنتين، لا يظفر منهم بشيء حتى عركت النّضيرة بنت الضيزن، فأخرجت إلى الربض، فنظر إليها سابور فعشقها وعشقته فقالت له: ما لي عندك أن دللتك على ما تفتح به هذه المدينة قال لها: أجعلك فوق نسائي. قالت: فاعمد إلى حيض امرأة زرقاء فاكتب به في ورقة ثم اجعلها في عنق ورشان وسرّحه، فإذا وقع على القصر أرفضّ بأهله، ففعل فكان كما قالت، فقتل من قضاعة نحو مائتي ألف رجل، وأفنى قبائل كثيرة، وبادت إلى يومنا هذا، فقال الجديّ القضاعيّ:
ألم يحزنك والأنباء تنبي ... بمقتل ضيزن وبني العبيد
ثم إنه خرج بابنة الضيزن حتى عرّس بعين التمر، فلم تنم تلك الليلة، قال لها: ما لك؟ قالت: لم أنم على فراش قطّ أخشن من فراشك هذه. قال: ويلك وهل نامت الملوك على فرش قطّ أوطأ من فرشي؟ قالت: نعم، ونظر فإذا في الفراش ورقة آس وكانت قد التزقت ببطنها، فقال: بما كان أبواك يغذوانك قالت:
بشهد الأبكار ولباب البرّ وصغار المعز فقال سابور: أنت لم تكافئي أبويك على حسن صنيعهما بك، ولم تفي لهما، فكيف تفين لي؟ فشدّت ذوائبها إلى ذنب فرسين جموحين ثم استحضرا فقطّعاها «١» .
стр. 167
ومن الموصل أيضا: الطيرهان، والسنّ، والحديثة، ومرج جهينة، ونينوى وباجلى، والمرج، وبانهدار، وباعذرا، وحبتون، وبانقلى، وحزّة، وبانعاس، والمعله، ورامين، والحناية، وباجرمى، وبابغيش، والداسن، وكفر عزّى، وخراج الموصل أربعة آلاف ألف درهم «١» .
وبالموصل جبل يسمّى شعران، لكثرة أشجاره، ويقال للشجر الشعراء ويقال: بل هو جبل بباجرمى، ويسمّى جبل قنديل وبالفارسيّة تخت شيرويه، وهو من أعمر الجبال، وفيه كمثري والعنب وأنواع الطير وشجر عظام كبار يقطع فيحمل إلى العراق، والثلج فيه قائم في الشتاء والصيف، وإذا خرجت من دقوقا ظهر لك وجه منه يلي الزاب الصغير.
وقال الزّهريّ: لم يبق بالجزيرة موضع قدم إلّا فتح على عهد عمر بن الخطّاب ﵁ ، على يدي عياض بن غنم فتح حرّان، والرّقّة، وقرقيسيا، ونصيبين، وسنجار، وآمد، وميّافارقين، وكفرتوثا، وطور عبدين، وحصن ماردين، ودارا، وقردى، وبزبدى، وأرزن.
والرّقّة: واسطة ديار مضر، ولم يكن للرّافقة أثر، وإنّما بناها المنصور سنة مائة وخمس وخمسين على بناء مدينته ببغداذ، ورتّب فيها جندا من أهل خراسان.
قال الكنانيّ في قول الله إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي
قال: إلى حرّان.
وفي قوله إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي
قال: إلى حرّان. قال كعب في قوله :
وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ
قال: حرّان. وقوله أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً
قال: حرَّان،
وقال رسول الله ﷺ : «رفعت ليلة أسري بي فرأيت مدينة فأعجبتني فقلت: يا جبريل ما هذه المدينة؟ فقال: نصيبين. فقلت:
стр. 168
اللهمّ اعجل فتحها واجعل فيها بركة للمسلمين» .
ومن مدنها: الرّها، وسميساط، وسروج، ورأس كيفا، والأرض البيضاء، وتلّ موزن، والرّوابي، والمازحين، والمديبر، والرّصافة، وكفر حجر، والجزيرة، وتقدير خراج ديار مضر ألف ألف وستّمائة ألف درهم.
ومن عمل الفرات قرقيسيا، وهي على الفرات، وعلى الرّحبة، وعلى الخابور، وهيت وعانات والحديثة والزاب. ومن كور الخابور: الصّوّر، والغدير، وماكسين، والشمسانيّة، والسّكير، وعرابان، وطابان، وتنينير العليا، وتنينير السفلى، وشاعا، وهذه المدن على الخابور.
فأما كور ديار ربيعة: فنصيبين، وأرزن، وآمد، ورأس العين، وميّافارقين، قال الشاعر:
بآمد مرّة وبرأس عين ... وأحيانا بميّافارقينا
ومن الموصل إلى بلد سبعة فراسخ، ومن نصيبين إلى أرزن ذات اليمين سبعة وثلاثون فرسخا، ومن آمد إلى الرّقة أربعة وخمسون فرسخا، وخراج ديار ربيعة سبعة آلاف ألف وسبع مائة ألف درهم «١» .
ومن عجائب الجزيرة كنيسة الرّها، والروم تقول: ما من بناء بالحجارة أبهى من كنيسة الرها، ولا بناء بالخشب أبهى من كنيسة منبج، لأنها بطاقات من خشب العنّاب، ولا بناء بالرخام أبهى من قسيان أنطاكية، ولا بناء بطاقات الحجارة أبهى من كنيسة حمص. وقالوا: إن حول مدينة الرها ثلاثمائة وستّين ديرا، وكان بالرها صورة امرأة يقال لها هيلانة قاعدة على كرسيّ لم ير في جسمها وجمالها مثلها، فعشقها رجل فمرض من حبّها، فجاء أبوه فسكر رأسها، فلمّا نظر إليها الفتى تسلّى عنها.
стр. 169
قالوا: ومن عجائبنا: الجبل الذي بآمد، يراه جميع أهل البلدة فيه صدع، فمن انتضى سيفه فأولجه فيه وقبض على قبيعته بجميع يديه اضطرب السيف في يديه، وأرعد القابض. وإن كان أشدّ الناس. وفيه أعجوبة أخرى: أنه متى يحكّ بذلك الجبل سكّين، أو حديد، أو سيف، حمل ذلك السيف والسكّين الحديد وجذب الإبر والمسالّ بأكثر من جذب المغناطيس. وأعجوبة أخرى: أن ذلك الحجر نفسه لا يجذب الحديد فإن حكّ عليه سكّين، أو سيف جذب الحديد. وفيه أعجوبة أخرى: وذلك أنه لو بقي مائة سنة لكانت تلك القوّة قائمة فيه.
وبالرقّة دهن الخطّارة، وفيه أعجوبة وذلك أنه لا يتّخذ إلّا في حانوت بها معروف، فإن اتّخذ في غيره من الحوانيت فسد وخاصّيّته أنه نافع للرياح والنقرس.
قالوا: ومخرج الخابور من رأس العين، ويستمدّ من الهرماس، ويصبّ في الفرات، ومخرج الثرثار من الهرماس، ويمرّ بالحضر، ويصبّ في دجلة قالوا:
ولنا الأفراس الجزيريّة.
وسأل معاوية ابن الكوّاء «١» . عن أهل الكوفة فقال: أبحث الناس عن صغيرة وأضيعهم لكبيرة، قال: فأخبرني عن أهل البصرة. قال: غنم وردن جميعا، وصدرن شتّى. قال: فأخبرني عن أهل الحجاز. قال: أسرع الناس إلى فتنة، وأضعفهم فيها، وأقلّهم غناء. قال: فأخبرني عن أهل الموصل. قال: قلادة أمة فيها من كلّ خرزة. قال: فأخبرني عن أهل الجزيرة. قال: كناسة بين المصرين، ثم سكت معاوية. فقال ابن الكوّاء: لتسألني أو لأخبرنّ أو ما عنه تحيد، قال:
أخبرني عن أهل الشام قال: أطوع الناس لمخلوق، وأعصاهم لخالق لا يدرون ما بعده.
стр. 170
وقال الهيثم بن عديّ: كانت دار إياد ظهر الكوفة ودير الأعور ودير قرّة ودير الأعور هو دير الجماجم.
وقال الأصمعيّ: كانت قريش تسأل في الجاهليّة عن خصب باعربايا وهي الموصل لقدرها عندهم، ولم ينلهم في خصبها شيء قطّ، وعن ريف الجزيرة وما يليها، لأنها تعدل في الخصب باعربايا، وفي التمر البصرة وفي السمك عمان.
وخراج كور الجزيرة وديار ربيعة تسعة آلاف ألف وسبع مائة ألف وخمسة عشر ألفا وثمان مائة درهم. أرزن: ألف ألف وستّة وخمسون ألفا. آمد: ألف ألف ومائة وخمسون ألفا، ديار ربيعة: ميّار فارقين: ثمان مائة ألف وستّة وخمسون ألفا. وكذلك سائر المدن مثل: ماردين، ودارا، وبلد، وسنجار، وقردى، وبزبدى، وطور عبدين، ورأس العين، وقد أجمل خراجها. ديار مضر: حرّان سبع مائة ألف وأربعون ألفا. الرّها: ألف ألف وثلاثمائة ألف درهم. سميساط ألف ألف درهم. سروج: ستّمائة ألف درهم. قريات الفرات: ستّون ألف درهم. رأس كيفا: ثلاثمائة ألف وخمسون ألف درهم. أرض البيضاء: مائة ألف وخمسون ألف درهم. الرقّة: مائة ألف درهم وستّون ألف درهم. الرافقة والرّوابي: سبعة وخمسون ألف درهم. المازحين والمديبر: مائة ألف وخمسة وثمانون ألف درهم
.
стр. 171
القول في الروم
وإنما ذكرنا الروم في هذا الموضع لأنها تحاذي الشام والجزيرة.
قال يحيى بن خالد البرمكيّ: الملوك خمسة: ملك الأثاث، وملك الدوابّ، وملك المال، وملك الفيلة، وملك الإكسير. فأما ملك الأثاث فملك الصين، وملك الدوابّ ملك الترك، وملك المال ملك العرب، وملك الفيلة ملك الهند، وملك الإكسير فملك الروم. فأرض الروم غربيّة دبوريّة، وهي من أنطاكية إلى صقليّة، ومن قسطنطنيّة إلى توليّة. والغالب عليهم روميّ وصقلبيّ، والأندلس صقالبة، والروم كلّهم: نصارى ملكانيّة، ويقرءون الإنجيل بالجرمقانيّة، وهم أصحاب بقر وخيل وشاء، ويحكمون بحكم التوراة، وهم أهل صناعات وحكم وطبّ، وهم أحذق الأمّة بالتصاوير، يصوّر مصوّرهم الإنسان حتى لا يغادر منه شيئا، ثم لا يرضى بذلك حتى يصيّره شابّا وإن شاء كهلا، وإن شاء شيخا، ثم لا يرضى بذلك حتى يجعله جميلا ثم يجعله حلوا ثم لا يرضى حتى يصيّره ضاحكا وباكيا، ثم يفصل بين ضحك الشامت وضحك الخجل، وبين المستغرق والمبتسم والمسرور وضحك الهاذي، ويركّب صورة في صورة، ولمّا توادع قباذ وقيصر ملك الروم أهدى إليه قيصر هدايا كثيرة، فكان فيما أهدى إليه تمثال جارية من ذهب، كان إذا كان وقتا من الليل يسمع لها ترنّم لا يطنّ على أذن أحد إلّا أرقده، وفسطاط عظيم من كيمخار، وسفط جوهر.
وأوفد بعض الخلفاء عمارة بن حمزة «١» ، إلى ملك الروم، وكتب يتوعّده
стр. 172
بالخيل والرجال، قال عمارة، فانتهيت إلى مكان يحجب منه الرجل على مسافة بعيدة، فجلست حتى أتى الأذن، فسرت إلى مكان آخر فجلست حتى أتى الأذن ثلاث مرّات، ثم وصلت إلى داره فأدخلت دارا، وإذا على طريقي أسدان عن جنبي الطريق، وطريقي عليهما لا أجد من ذلك بدّا، فقلت: لا بدّ من الموت، فلن أموت عاجزا فحملت نفسي فلمّا صرت بينهما سكنا فجزت ودخلت دارا أخرى، وإذا سيفان يختلفان على طريقي، فحزرت أنه لو مرّ بينهما ذبابة لقطّعاها، فقلت:
الذي سلّمني من الأسدين يسلّمني من السيفين، فاستخرت الله ومضيت، فلمّا صرت بينهما سكنا، ثم دخلت دارا ثالثة وفيها الملك فلمّا صرت إلى بهوه، إذا هو في بهو فسيح أكاد أن لا أبصره لبعد مسافة البصر بيني وبينه، فمشيت حتى انتهيت إلى قدر ثلثة فغشيتني سحابة حمراء لم أبصر شيئا فجلست مكاني ساعة، ثم تجلّت عني فقمت فمشيت، فلمّا بلغت نحو الثلثين غشيتني سحابة خضراء فغشي بصري منها، فجلست حتى تجلّت، ثم قمت فمشيت فانتهيت إلى الملك فسلّمت عليه، والترجمان بيني وبينه، فأدّيت الرسالة وأوصلت الكتاب، فأمرني بالجلوس وسألني عن الخليفة وعن أشياء من أمر الأقاليم، ثم أمر بمنزل وإقامة ما أحتاج إليه، وأمرني بالانصراف والبكور عليه، فكنت لأغبّه وآنس بي، فركبت معه يوما فانتهينا إلى حائط عليه باب وحفظه، فدخلنا فإذا أصول طرفاء فقال: أتعرف هذه الشجرة؟
فقلت: لا، وظننت أن عنده فيها معنى، فقال: هذه شجرة ينفع دخانها من الخراج وتمرئ الطعام، فقلت في نفسي: لو يعلم أنها ببلادنا حطب الأراذل منا، ثم مضى إلى حائط آخر عليه باب وحفظه، فدخل ودخلنا معه فإذا مقدار قفيز من أرض فيه كبر، فقال: أتعرف هذا؟ قلت: لا، وظننت به ظنّي الأوّل فقال: هذا نبت وهو جوارشن، وينفع من أصابه الحرق «١» ، ويدخل في أدوية الجراحات.
فقلت في نفسي: لو يعلم هذا أن عندنا لا يكون إلّا في أخرب المواضع والمفاوز،
стр. 173
وأنه مباح لمن أراده، فلمّا آنست به قلت: أيها الملك أريد أن أسأل عن شيء قال:
سل عما بدا لك. قلت: إني رأيت أسدين وسيفين وسحابتين كان من قصّتهما كيت وكيت، ولم أعرف السبب. قال: أما الأسدان والسيفان فإنهما حيلة تحتال لمن ورد علينا من رسل الملوك لنروّعهم بذلك، وإذا قرب الرجل منهم سكنت كما رأيت، وأما السحابتان فإني أعلمك خبرهما، ثم ضرب بيده إلى ثني فراشة فاستخرج قطعة ياقوت أحمر كالنعل، فإذا السحابة قد غشيتنا من ضوءها ثم ردّها واستخرج أختها من زمرّد أخضر فغشيتنا السحابة الخضراء، فلمّا أزف خروجي وأجاب عن الكتاب قال: امض بنا إلى قصري فخرجنا حتى انتهينا إلى قصر عليه حفظة فدخلنا فإذا بيوت مختومة، فأمر بباب منها ففتح، فإذا جرب بيض منضّدة حوالي البيت، ثم قال: أشر إلى ما شئت منها، فأشرت إلى جراب منها فأمر ببرنيّة فملئت منها، ثم أمر بختمها، ثم استفتح بابا آخر كالأول في طوله، فإذا جرب حمر فقال: أشر إلى ما شئت منها، فأشرت إلى جراب منها فملئت منه برنيّة ثم ختمها وانصرفنا إلى القصر، فدعا بكير ومنفاخ ورطل نحاس ورطل رصاص، فأمر بأحدهما فأذيب، وأمر أن يلقى عليه من الدواء الأبيض ما يحمل ظفر الإبهام، ثم أفرغه فخرج فضّة بيضاء، ثم أذيب النحاس وألقي عليه من الأحمر مثل ذلك فخرج ذهبا أحمر فقال: أعلم صاحبك أن هذا مالي، وأما الخيل والرجال فإنك تعلم أنهم أكثر وأكبر، فقال عمارة: فحدّثت المنصور بهذا الحديث، فكان هذا الذي حداه على طلب الكيمياء. قال عمارة: وأعجب ما رأيت في مجلسه أنه كان إذا أراد أن يصرف الناس خرجت في ظهر كلّ رجل كفّ من الحائط فيدفعه فيعلم أنه قد أمر بالقيام.
وقال سيف بن عمر: كان ملك الروم الأوّل من آل بالع بن بعور، وبنى قرية دنحب، ثم ملك بعده يوبب بن زرح، ثم ملك بعده هوشم، ونزل التّيمن، ثم ملك بعده هدد بن بدد الذي قتل المدنيّين، ثم ملك سمل بن مسرق، ثم عدّة كثيرة.
وقال حذيفة: كان على الروم ملك يقال له مورق سيّء السيرة، فاجتمع إليه
стр. 174
من المؤمنين اثنان وسبعون رجلا على أن يأمروه بالمعروف وينهوه عن المنكر فانتدب منهم رجلان لذلك فكلّماه فأمر بهما ليصلبا، فاجتمع السبعون فقال بعضهم لبعض: نقضتم العهد وأسلمتم إخوانكم للقتل، وأمركم الآن أشدّ من أمركم الأوّل، فائتمروا ليأخذوا السلاح ويفتكوا لمورق. حتى يقتلوه، فلمّا أبرز المورق بالرجلين شدّوا عليه فقتلوه، ونادوا: أيّها النّاس لا بأس فإنما غضبنا لله، فاجتمع إليهم الناس وقالوا لهم: قد قلّدناكم أمورنا، فولّوا من أنفسكم من شئتم، فملّكوا عليه رجلا يقال له فوق، فهو الذي ضرب الدنانير الفوقيّة، ثم ملك فوق وكان سيّء السيرة، فأرادت الروم أن تخلعه، فعمد إلى خزائنهم وأموالهم فرمى بها في البحر، وشحن منها السفن، وأسرعها تحملها الريح حتى جاءت بها إلى الشام، وكان شهر براز غلاما لكسرى على الشام، فخرج إلى الساحل فرأى السفن، فأمر بها فأخذت واستخرج ما فيها من الأموال، فسمّى ذلك المال كنج باذاورد، فبطلت أموال الروم منذ حينئذ، فليس في الأرض روميّ له عطاء أكثر من خمسة دنانير وعشرة دنانير هذا للشريف منهم فهم إلى يومنا هذا على هذا.
وقال ابن دأب «١» عن موسى بن عقبة قال: كان عبادة بن الصامت يحدّث أن بعض الخلفاء بعثه وهشام بن العاص ونعيم بن عبد الله إلى ملك الروم يدعوه إلى الإسلام، قال: فخرجنا حتى جئنا جبلة ابن الأيهم الغسّانيّ وهو بالغوطة، فأدخلنا إليه فإذا هو على فرش مع السقف، فأجلسنا بعيدا فأرسل إلينا رسولا نكلّمه، فقلنا لا والله لا كلّمناه برسول، فأدنينا منه فكلّمه هشام ودعاه إلى الله، فإذا عليه ثياب سود فقال له هشام: ما هذه المسوح التي لبستها؟ قال: لبستها وعليّ نذر ألّا أنزعها حتى أخرجكم من الشام، قلنا: والله لنخرجنّك من فرشك ومن دار مملكتك ونملك الملك الأعظم إن شاء الله،
أخبرنا بذلك نبيّنا ﷺ ، قال: إذا أنتم السّمراء. قلنا: وما السمراء؟ قال: الذين يصومون النهار ويقومون الليل. قلنا:
فنحن والله هم. قال: وكيف صومكم؟ فأخبرناه بذلك. قال: فرطن لأصحابه
стр. 175
وقال: قوموا وعلاه سواد
ثم بعث معنا رسولا إلى ملك الروم، فلمّا دنونا من مدينته قال الذين معنا: إن دوابّنا هذه لا تدخل مدينة الملك، وكنّا على رواحل فإن شئتم حملناكم على براذين وبغال، قلنا: لا والله لا ندخل إلّا عليها، فأرسلوا إلى الملك أنهم يأبون، فأرسل أن خلّوا عنهم، فدخلنا معتمّين علينا السيوف على الرواحل، وإذا غرفة مفتوحة ينظر منها إلينا، وأقبلنا حتى أنخنا تحت الغرفة، قلنا:
لا إله إلّا الله والله أكبر، قال: والله يعلم لقد انتفضت الغرفة حتى كأنها عذق سعفة ضربها الريح، وأرسل أنه ليس لكم أن تجهروا بدينكم على بابي، فأرسل أن ادخلوا فدخلنا، فإذا عليه ثياب حمر، وإذا كلّ شيء عنده أحمر، والبطارقة حوله فدنونا منه، فإذا هو يفصح العربيّة، فقال لنا وضحك: ما منعكم أن تحيّوني بتحيّة نبيّكم؟ فإن ذلك أجمل بكم، قلنا: تحيّتنا لا تحلّ لك، وتحيّتك التي تحيّا بها لا تحلّ لنا. قال: وما هي؟ قلنا السلام عليك. قال: فما تحيّون ملككم؟ قلنا: بهذا نحيّيه. قال: فكيف يردّ عليكم؟ قلنا: كما نقول له. قال: أفما يرثكم؟ قلنا: لا إنما يرث منا الأقرب فالأقرب. قال: وكذلك ملككم؟ قلنا: نعم. قال: فما صومكم وصلاتكم؟ فوصفنا له. قال: فما أعظم كلامكم؟ قلنا: لا إله إلّا الله والله أكبر، فالله يعلم أنه انتفض سقفه حتى ظنّ هو وأصحابه أن سيسقط عليهم، ثم قال: هذه الكلمة هي التي نفضت الغرفة؟ قلنا: نعم. قال: وكلّما قلتموها نفضت سقوفكم؟ قلنا: لا. قال: فإذا قلتموها في بلاد عدوّكم تفعل ذلك؟ قلنا: لا، قلنا: وما رأيناها صنعت ذلك إلّا عندك. قال: ما أحسن الصدق، أما أني وددت أني خرجت إليكم من نصف ملكي، وأنكم كلّما قلتموها ينفض كلّ شيء. قلنا:
ولم ذاك؟ قال: كان ذاك أيسر لشأنها وأجدر ألّا يكون نبوّة، وأن يكون من حيلة الناس. قال: فما كلمتكم التي تقولون لا إله إلّا الله ليس معه غيره. قلنا: نعم.
قال: والله أكبر أكبر من كلّ شيء؟ قلنا: نعم. ثم سألنا سؤالا شافيا وخرجنا من عنده، وقد أمر لنا بمنزل حسن، ونزل كثير فمكثنا ثلاثا، ثم أرسل إلينا ليلا فدخلنا عليه، فإذا ليس عنده أحد فاستعادنا القول، فأعدنا عليه، ودعا بشيء كهيئة الرّبعة العظيمة مذهّبة فيها بيوت صغار، عليها أبواب، ففتح بيتا فأخرج منه خرقة سوداء
стр. 176
حريرا، فنشرها فإذا فيها صورة، وإذا رجل ضخم العينين، عظيم الأليتين، طويل العنق، فقال: أتدرون من هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا آدم ﵇ ، ثم فتح بيتا آخر فأخرج منه خرقة سوداء فنشرها، فإذا صورة بيضاء فإذا رجل له شعر كشعر القبط، أحمر العينين، عظيم الهامة، قال: أتدرون من هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا نوح ﵇ ، ثم فتح بيتا آخر فاستخرج خرقة مثل الأوليين، فإذا صورة بيضاء شديدة البياض، وإذا رجل حسن العينين، طويل الخدّ، شارع الأنف، مختلط شيب الرأس أبيض اللحية، والله لكأنه يتبسّم، قال: أتعرفون هذا؟ قلنا:
لا. قال: هذا إبراهيم ﵇ ، ثم أخرج خرقة سوداء مثلها، فنشرها فإذا صورة وإذا والله رسول الله ﷺ قال: أتعرفون هذا؟ قلنا: نعم، وبكينا وقلنا: هذا نبيّنا محمّد ﷺ فالله يعلم أنه قام قائما ثم جلس فقال: الله لهو هو، قلنا: والله لهو هو، كأنّا ننظر إليه حيّا، فأمسك ساعة ينظر ثم قال: أما والله إنه آخر البيوت ولكني عجلته لكم لأعلم ما عندكم، فأعاده وفتح بيتا آخر فأخرج خرقة سوداء فإذا فيها صورة صحماء أدماء رجل كثير الشعر جعد قطط، غائر العينين، حديد النظر، عابس، متراكب الأسنان، مقلّص الشفة، وإلى جنبه صورة شبيه به غير أنه مدوّر الرأس عظيم الجبين في عينه قبل، فقال: هذا موسى وأخوه هارون، ثم فتح بابا آخر فاستخرج خرقة سوداء فإذا فيها صورة بيضاء أشبه ما خلق الله بصورة امرأة عجيزة وساقا، قال: هذا داود ﵇ ، ثم استخرج خرقة سوداء فيها صورة بيضاء، فإذا رجل أوقص طويل الرجلين قصير الظهر وإذا هو راكب على فرس لكلّ شيء منه جناح، قال: أتعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا سليمان، وهذه الريح تحته، ثم أخرج لنا خرقة سوداء فيها صورة صفراء وإذا رجل شديد سواد الشعر سبطه كثيرة حسن الوجه والعينين مشتبه كلّ شيء، قال: أتعرفون هذا؟ قلنا: لا.
قال: هذا عيسى ﵇ ، قلنا: ومن أين هذه الصور هكذا؟ فإنّا نعمل أن هذه الصور على ما صوّرت، لأن صورة نبيّنا ﷺ مثله، قال: إن آدم ﵇ سأل ربّه جلّ وعزّ أن يريه أنبياء بنيه، فأنزل عليه صورهم فاستخرجها ذو القرنين من خزانة آدم في مغرب الشمس، فصوّرها دانيال على تلك الصور في
стр. 177
خرق حرير، فهي هذه بعينها، وو الله لوددت أن نفسي تطيب بالخروج من ملكي وأكون عبدا لأشرككم ملكه، ولكن نفسي لا تطيب ثم أجازنا وأحسن جائزتنا وسرّحنا.
قال: ولمّا دخل أنوشروان أرض الروم وخرج منها فقد بها رجلا من متطبّبيه يسمّونه الزرسبيذ، فاشتدّ على أنوشروان ذلك، وغبر الرجل بأرض الروم سنين، حتى عرف كلامهم، وقرأ كتبهم، وعظم شأنه، فلمّا أحكم ما يريد انصرف إلى أنوشروان، فعظّم موقعه لما رجا أن يجده عنده ما يحبّ أن يعرف من حال الروم، فخلا به فسأله عن شدّة ما رأى من بأس القوم ونجدتهم، فقال الزرسبيذ: إنّا لم نزل نسمع من الملك أن النجدة قسم شريف، وقد يجمع قسمه أقساما لا تتمّ إلّا بها، وأنه لا يستحقّ أحد اسم البأس والشدّة إلّا بما يشيّعه من الصبر الذي به يحتمل الإخطار بالنفس، والأنفة التي بها يقدم على ما أقدم به، وحسن الذكر والبصيرة الذي هو ملاك ذلك كلّه، ورباطة الجأش التي بها يوطّن على ما ناله من إحراز المكرمة وحسن الثناء، وقلّ من رأيته فيهم ممن يستحقّ هذه الصفة، وذلك لمخالفتهم دينهم الذي يدينون به.
قال: فكيف حظّهم من العلم؟ فوصفهم بقلّته وزعم أن مفتخرهم إنما يفتخر بكتب الفلاسفة في المنطق، وإنما هي غايتهم، قال: فأين مبلغهم من الطبّ؟ قال:
أما الطبّ فمعرفتهم بالطبائع، والجواهر، وعلاج الحرارة والبرودة، وفضول المرّة والبلغم، بالعقاقير المسمّاة لهم، لا يعرفون غير ذلك ممّا بسط لأهل الهند من علاج الأرواح، والأدواء الغليظة، والرقى، والاستعانة ببعض الأرواح على بعض، قال: فالنجوم؟ قال: قلّ حظّهم منه جدّا، قال كسرى: فما بلغك فيما يدّعيه بعضهم من صنعة الذهب والفضّة، وعن الأصباغ التي يصبغ بها الجوهر، فينقل إلى غير طبائعه، وما حكي لنا عن طلسماتهم؟ قال: كان ذلك من أهمّ أمورهم عندي أن أظفر به، فلم أجد لشيء من ذلك حقيقة، فأما الطلسمات فإنها أمور قديمة، كان على الأرض من قوى بشيء لشيء قد ألّف من الكلام والرقى والعقد على تماثيل قد رأيتها بها، ممّا تقادم عمله في الأزمنة الماضية قبل مخرج عيسى
стр. 178
(﵇ ، فأما اليوم فقد ذهب من يدّعيها وبطل من يعملها.
وفي الخبر «١» : أن الروم لمّا أخربت بيت المقدس كتب الله عليهم السبي في كلّ يوم، فليس يمرّ يوم من أيّام الدهر إلّا وأمّة من الأمم المطيفة بالروم يسبون من الروم سبايا.
وبحر الروم من أنطاكية إلى قسطنطينيّة، ثم يدور آخذا من ناحية الدبور، حتى يخرج خلف الباب والأبواب من ناحية الخزر، حتى يبلغ قيروان إفريقية وأطرابلس إفريقية، حتى يبلغ الأندلس إلى السوس الأقصى إلى جزائر السعادة.
وأرض الروم غربيّة دبوريّة، وهي من أنطاكية إلى صقلّيّة، ومن قسطنطينيّة إلى تولية، الغالب عليها روسيّ وصقلبيّ وأندلسيّ، والصقالبة صنفان: سمر وأدم، وهو ممّا يلي البحر، ومنهم بيض فيهم جمال، وهم في البرّ، ومدينة الملك، قسطنطينيّة، وأنطاكية على ساحل البحر، وفيها مجمع البطارقة، ومن طرسوس إلى خليج قسطنطينيّة مائة ميل، فيه مسجد مسلمة بن عبد الملك حيث حصر قسطنطينيّة، ويمرّ خليج قسطنطينيّة حتى يصبّ إلى بحر الشام، وعرض الخليج بأبدس قدر غلوة، وإذا صار إلى بحر الشام فعرضه عند مصبّه أيضا قدر غلوة، وهناك صخرة عظيمة عليها برج فيه سلسلة تمنع سفن المسلمين من دخول الخليج وعمورية دون الخليج، وبينها وبين قسطنطينيّة ستّون ميلا، وذكر أن بطارقة الروم الذين هم مع الملك اثنا عشر بطريقا بقسطنطينيّة، وأن خيلها أربعة آلاف، ورجّالتها أربعة آلاف.
وروي عن كعب قال: شمتت قسطنطينيّة بخراب بيت المقدس فتعزّزت وتجبّرت فدعيت المستكبرة، وقالت: إن كان عرش ربّي ﷻ على الماء، فقد بنيت على الماء، فوعدها الله العذاب قبل يوم القيامة، فقال الله جلّ وعزّ لها:
وعزّتي وجلالي لأنزعنّ حليك وحريرك وخمرك وخميرك، ولأتركنّك لا يصيح فيك ديك، ولا أجعل لك عامرا إلّا الثعالب وبنات آوى، ولأنزلنّ عليك ثلاث
стр. 179
نيران: نارا من زفت، ونارا من كبريت، ونارا من نفط، ولأتركنّك جلحاء قرعاء لا يحول بينك وبين السماء شيء، وليبلغنّ صوتك عنان السماء، فإنه طال ما أشرك بي فيك، وعبد فيك غيري، وليفترعن فيك جواري ما كدن أن ترى الشمس من حسنهن، ولأسمعنّ خرير البحر صوتك، فلا يعجز من بلغ منكم ذلك أن يمشي إلى بيت بلاطة ملكهم، فإنكم ستجدون فيه كنز اثني عشر ملكا من ملوكهم، كلّهم يزيد فيه ولا ينقص منه، فتقسمون ذلك كيلا بالأترسة قطعا بالفؤوس فتحملون ما استطعتم من كنوزها فتقسمونه بالغدقدونيّة، فيأتيكم آت من قبل الشام أن الدجّال قد خرج، فترفضون ما في أيديكم، فإذا بلغتم الشام وجدتم الأمر باطلا، وإنما هي نفحة كذوب.
قال خالد بن معدان: ليس في الجنّة كلب إلّا كلب أصحاب الكهف، وحمار بلعم، واسم كلب أصحاب الكهف دين، وقال غيره: بل اسمه حمران، واسم الكهف جيرم، وأصحاب الرّقيم بقسطنطينيّة في جبل هناك في شعب وهم ثلاثة عشر رجلا.
وخراج الروم مساحة كلّ مائتي مدى ثلاثة دنانير في كلّ سنة، ويأخذ عشر الغلّات فيصير في الأهراء للجيوش، ويأخذ من اليهود والمجوس من كلّ رجل دينارا في السنة، ويؤخذ له في كلّ بيت يوقد فيه كلّ سنة درهم، وديوانه مقسوم على مائة ألف وعشرين ألف رجل، على كلّ عشرة آلاف رجل بطريق، وأجلّ البطارقة خليفة الملك ووزيره، ثم اللّغثيط صاحب ديوان الخراج، ثم اللغثيط صاحب عرض الكتب، ثم الحاجب وصاحب ديوان البريد، ثم القاضي، ثم صاحب الحرس، ثم المرقّب «١» .
والروم أصحاب بقر وخيل وشاء، ولهم البزيون العجيب، والديباج الروميّ، ولهم من العطر الميعة والمصطكى والجواري الروميّات، والخدم وينبت في قعر
стр. 180
بحرهم البسّذ، وبها القبّة التي من الرصاص وهي في بعض مفاوزها، وذكر بعضهم أنه دخلها وعيان ما فيها، ووجد على لوح بها مكتوب عليه: يا ابن آدم خف الموت، وبادر الفوت، واستكثر من ادّخار صالح الأعمال، واعلم أن ذكر الموت يهون على اللسان، وأن الموت على الفراش أشدّ من ألف ضربة بالسيف، يا ابن آدم داو الموت بالطاعة، واعلم أن ملك الموت رؤوف بأهل الطاعة. يا ابن آدم إن كنت تحبّ نفسك فصنها عن المعاصي، واحملها على التعب الذي يعقبك الراحة، وأعدّ للسفر البعيد زادا، فإنّ من رحل بلا زاد عطب. يا ابن آدم ما أقسى قلبك تعمر دارا تخرب، وتخرب دارا تبقى، يا ابن آدم خذ لنفسك من نفسك، واعرف المذاهب بالأسباب، فإن سبب العقل المداراة، وسبب المزيد الشكر، وسبب زوال النعمة البطر، وسبب المروّة الأنفة، وسبب الأدب المواظبة، وسبب البغضاء الحسد، وسبب المحبّة الهديّة، وسبب الأخوّة البشاشة، وسبب القطيعة المعاتبة، وسبب الفقر إسراف المال، وسبب العداوة المراء، وسبب المحبّة السخاء، وسبب قضاء الحوائج الرفق، وسبب المذلّة مسألة الناس، وسبب الحرمان الكسل، وسبب الريبة مصاحبة الريب، وسبب النبل العفاف، وسبب ثياب العقل المرأة الصالحة، وسبب الغناء قلّة الفساد، وسبب الغضب الصّلف، والخير كلّه يجمعه العقل، ومن لا عقل له ولا حياء فلا خير في صحبته قال: وإذا خوان موضوع هناك من ملح قدر ما يأكل عليه ألف رجل مكتوب عليه: يا ابن آدم قد أكل على هذا الخوان مائة ملك، كلّهم مصاب بعينه اليسرى، فكم كان الأصحّاء؟ يا ابن آدم قد قضم في هذه القبّة مائتا ألف ملك، وقد رام حمل هذا الخوان واللوح ألف ملك فماتوا كلّهم.
قال: فدعاني قيصر فسألني عنه ففسّرته له فبكى ثم قال: لله درّ العرب ما أعظم أحلامها، وأكرم فروعها، ثم وصلني وأحسن جائزتي، ووجّه معي من أخرجني من بلاده.
قال أبو المنذر: سمّيت الروم بني الأصفر لأنه لمّا مات ملكهم لم يبق منهم من يصلح للملك إلّا امرأة، فأجمعوا أن يملّكوا عليهم أوّل طالع من الفجّ فطلع
следующие страницы →