Полный текст (637 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
الشمال والصبا وهي الجوزاء والميزان والدلو [١٠٠ أ] وأصحاب تدبيرها زحل والمشتري مشرقين، فلذلك صار الذين في هذه الكور يسجدون للشمس والمشتري وهم يشبهون المجوس وعباداتهم وآدابهم حسنة. ولهم ملاحة وقبول. ماضين للحق، مقتصدين في مجامعة النساء. ويحبون البرّ والصلة. وعامة ذلك من تشريق زحل والمشتري.
فأما الربع الرابع الذي بين الحوت والميزان واليه من المثلثات: السرطان والعقرب والحوت. ومدبّرهم من الكواكب: المريخ والزهرة مغربين. فأسماء الأمم التي في هذا الربع: قونيه وميدنية وإفريقية ومور طلينا وطنجه ومراميه.
فلذلك أهل هذه البلاد يملّكون رجلا وامرأة. فأما الرجل فيملك الرجال، والمرأة تملك النساء. ويحبون مجامعة الإناث وعامة نكاحهم زنى. ويحبون الزينة والمال، ويتزينون بزي النساء من أجل الزهرة. وهم أهل غش وسحر وجرأة [في إلقاء] أنفسهم في المهلكة من أجل المريخ وولايته إياهم.
ونصيب هذا الربع من وسط الأرض وسقى وتمريقى والبرط السفلى واطرز المغرب ومارثها والحبشة والاسطون وهم ما بين الشمال والصبا.
ولهم من المثلثات: التومين والميزان والدلو. ومدبّرهم من الكواكب: زحل والمشتري وعطارد. وهذه الكور قريبة من مدار الكواكب الخمسة الجارية إذا كانت مغربة. ولذلك هم أهل تدين وتعظيم الآلهة. يعرفون حقّها ويحبون النياحة. ولهم آداب كبيرة مختلفة وأديان متفرقة. وإذا ملكوا كانوا أذلّاء جبناء صابرين. وإذا ملكوا كانوا أهل طيب أنفس وعطية كثيرة. وخلقهم على نحو طبيعة أرضهم.
وعامة ذكرانهم ضعفاء مؤنثون يتركون الجماع من حيث ينبغي ويأتون النساء من حيث لا ينبغي لتقريب الزهرة.
وذكروا أن الأرض والماء وسائر الطبائع كرية. وان استدارة الأرض كلها وجبالها وبحارها أربعة وعشرون ألف ميل. وان قطرها وعمقها وعرضها سبعة آلاف وستة وثلاثين. وانهم استدركوا ذلك بأنهم أخذوا ارتفاع القطب الشمالي في مدينتين هما على خط الاستواء مثل مدينة تدمر [١٠٠ ب] والرقة، فوجدوا ارتفاع
стр. 422
القطب في مدينة الرقة خمسة وثلاثين جزءا وثلثا. وارتفاع القطب في مدينة التدمر، أربعة وثلاثين، بينهما زيادة جزء وثلث. ثم مسحوا ما بين الرقة وتدمر فوجدوه سبعة وعشرين ميلا. فعلموا أن لكل جزء وثلث، جزء من أجزاء الفلك الأعظم. فالظاهر من الفلك سبعة وستون «١» ميلا من الأرض، والفلك ثلاثمائة وستون جزءا على ما اتفق عليه علماء الروم والهند وبابل. وإنما قسموه هكذا، لأنهم وجدوا الفلك قد اقتسمته البروج الاثنا عشر، ووجدوا الشمس تقطع كل برج منها في شهر وتقطع البروج في ثلاثمائة وستين يوما. فبهذه القسمة والمقاييس استدركوا علم الساعات والكسوفين. وبها استخرجوا الآلات والاصطرلابات وعليها وضعوا كتبهم.
وقالوا أيضا: الفلك مستدير. واستدلوا بذلك لأنه يدور على محورين وقطبين، اللذين هما القطب الشمالي. والجنوبي فأما أهل البلدان التي مالت إلى ناحية الشمال، فإنهم يرون القطب الشمالي وبنات نعش ولا يرون القطب الجنوبي ولا الكواكب القريبة منه. ولذلك صار سهيل «٢» لا يرى بناحية خراسان ويرى في العراق أياما في السنة. فأما في البلدان الجنوبية فإنه يرى فيها السنة كلها. فمتى مال إلى الناحية الجنوب، غاب عنه القطب الشمالي والكواكب التي تقاربه. وهذه الكواكب التي هي قريبة من القطب تدور حوله دورانا مستديرا مستويا يرى بالعيان مثل الشمس فإنها بالصيف تطلع من وسط المشرق ثم تصعد في الفلك صعودا مستويا، ثم تهبط على مثال ذلك الدور، ثم تغيب تحت الأرض. فتدور هناك مثلما تدور هاهنا حتى تطلع.
وزعموا أن البحر أيضا كريّ مدور. وبرهان ذلك أنك إذا لججت فيه غابت عنك الأرض والجبال شيئا بعد شيء حتى خفي ذلك كله، ولا ترى شيئا من شوامخ الجبال. فإذا أقبلت نحو الساحل، ظهرت [١٠١ أ] لك قلل الجبال وأجسامها شيئا
стр. 423
بعد شيء. فإذا قربت من الساحل، ظهرت الأرض والأشجار. والأرض قسمان:
أحدهما مسكون والآخر غير مسكون. والمسكون منه قسمان: أحدهما مفرط الحر وهو جهة اليمين لأن الشمس تقرب منه فيلتهب هواؤه. والآخر جهة الشمال وهو مفرط البرد لبعد الشمس منه.
فكل مدينة موضوعة في جهة المشرق فهي أشد اعتدالا وأقل اسقاما. لأن الشمس تصفي تلك المياه التي تجري فيها.
والمدن الموضوعة بإزاء المغرب، تكثر أمراض أهلها لأن مياههم كدرة متغيرة، وهواؤهم غليظ، لأنه يبقي تلك الرطوبات فيه فتغلظ مياههم.
والمدن الموضوعة على جهة الجنوب تكون مياهها حارة كدرة متغيرة مالحة لينة تسخن في الصيف وتبرد في الشتاء. وأبدان أهلها رطبة لينة لما يتحلب إليها عن الرطوبات من أرضهم. وتكثر نساؤهم الإسقاط بسبب الرطوبات ولا يقدرون أن يكثروا من الطعام والشراب لضعف رؤوسهم. لأن كثرة ذلك تغمّ أدمغتهم وتغيرها.
وقلما تعرض لهم الحميات الحارة.
والمدن الموضوعة في جهة الشمال على إزائه فإن مياهها فاسدة رطبة ثقيلة النضج. وأهلها أقوياء أشدّاء عراض الصدور دقاق السوق رؤوسهم صحيحة يابسة وأعمارهم طويلة لصحة أبدانهم وكثرة فضول الرءوس. وتكون أخلاقهم وحشية.
ويقل حمل نسائهم، لكنهن لا يسقطن لبرد الماء ويبسه ويلدن بشدة وصعوبة وتتسع لذلك صدورهن. وإنما رقّت سوقهن لارتفاع الحرارة عنها. ويكثرون الأكل ولا يكثرون الشراب.
قال: وسكان ناحية الجنوب سود جعاد دقاق الكعوب كحل العيون سود الشعور خفاف اللحوم. فيهم الحفظ والذكاء والبرّ والطرب والحرص والسرقة.
وسكان ناحية الصبا أقرب شبها بأهل ناحية الجنوب وهم دونهم فيما وصفت. وسكان ناحية الدبور أقرب شبها بأهل ناحية الجنوب وهم دونهم.
وأهل المغرب مختلفون في هيئاتهم، فأما سكان سواحل البحر منهم فقريب
стр. 424
شبههم من سكان ناحية الجنوب. وسكان ناحية الصبا قريب شبههم بناحية الشمال.
وأهل [١٠١ ب] الهند ممتزجون لأن بلادهم من بلاد الشمال والجنوب.
ولذلك حسنت أخلاقهم وأجسامهم ووجوههم واعتدلت. وكذلك من كانت محلته بين الشمال والجنوب وهم أعدل مزاجا وأحسن عقولا.
وأهل مصر أهل غفلة وقلة فطنة.
والبربر الفطنة فيهم فاشية، وليس فيهم كبر ولا لهم مكر.
والروم أهل صلف وتكلف.
وأهل الشام أهل غفلة وسلامة.
وأهل الحجاز أهل معازف ولهو ومداعبة وتأنيث.
وأهل العراق أهل فطنة وغدر.
وأهل الهند أهل غفلة وشجاعة ولين.
وأهل الصين أهل طلب وخفة وجبن وحذق بالصناعات.
وأهل اليمن أهل غفلة وخفة ولين.
وأهل خراسان أهل غفلة وبخل وحرص وشجاعة.
وقال بقراط في كتاب الأهوية والأبدان: إنّ ما كان من الأمصار مقابل شرق الشمس. فرياحه سليمة وماؤه عذب وأهله قلّما يضرهم تغير الهواء. وكان يقول:
المياه التي تنبع من مواضع مشرقة ومن تلاع وروابي، أفضل المياه وأصحها، وهي عذبة. وبلدها أصح البلاد، لا يحتاج إلى كثرة مزج الشراب، ولا سيما الشرقي الصيفي. لأنها تكون براقة طيبة الريح اضطرارا.
وقال فسطوس في كتاب الفلاحة: أصلح مواضع البنيان أن يكون على تلّ أو كبس «١» وثيق ليكون مطلا. وأحقّ ما جعلت إليه أبواب المنازل وأفنيتها وكواها،
стр. 425
المشرق واستقباله الصبا. فإن في ذلك صلاح الأبدان لسرعة طلوع الشمس ومرّها عليهم. وأن توسع البيوت ويرفع سمكها وتكون أبوابها إلى المشرق. لأن ريح الجنوب أشدّ حرا وأثقل وأسقم.
وأصح البلدان ما كانت على رؤوس الجبال والأماكن التي تواجه مهبّ الصبا. وما كان في قعور وأغوار ومواجهة لريح الجنوب أو الدبور، فهي مواضع رديئة مولدة للأمراض.
والصواب أن تتخذ الدور بين الماء والمشرق وأن تكون شرقية، والبساتين غربية. ومن قرب منزله من النهر كان أقل انية ممن [١٠٢ أ] بعد عنه. وقالوا:
لتكن دوركم شرقية وضياعكم غربية. وقال ابن كلدة: جميع خصال الدار، أن تكون على طريق نافذ وماؤها يخرج، وليس عليها متشرّف، وحدودها لها، وتكون بين الماء والسوق. وتصلح أفنيتها لحط الرجال وبلّ الطين وموقف الدواب. وإن كان لها بابان فذلك أمثل.
وكان إياس بن معاوية يقول: شرقي كل بلد خير وأفضل من غربيه.
وكان يقال: الجار ثم الدار، كما الرفيق قبل الطريق.
وقال يحيى بن خالد: دار الرجل دنياه. فينبغي أن يتنوّق في دهليزه فإنه وجه داره ومنزل ضيفه ومجلس صديقه إلى أن يؤذن له. ومستراح خدمه وموضع مؤدب ولده ومنتهى حدّ المستأذن.
ولما قدم موسى بن جعفر على المهدي، كلّمه في ردّ فدك. فقال له: أنا ناظر في ذلك، ولكن أين حدودها؟ قال: أما الأول فعريش مصر. والثاني: دومة الجندل. والثالث: أحد، والرابع: سيف البحر. فقال المهدي: هذه الدنيا كلها.
فقال موسى بن جعفر: هذا كان في أيدي اليهود، فأفاءه الله على رسوله ﷺ «١» .
стр. 426
وكان على رجل من ثقيف دين فطولب به. فقال له الحسن البصري: بع أرضك واقض دينك وأربح نفسك. فقال: يا أبا سعيد! إنا أهل بيت لا نبيع التراب حتى نصل إلى التراب.
وقال عيسى بن بشر الكوفي: أردت شراء دار فسألت جعفر بن محمد ﵁ «١» عن ذلك، فقال: اشترها.
فإن الدار مكرمة.
وفي بعض الخبر قال: من قدم بلدا فأخذ من ترابه وجعله في مائه وشربه، عوفي من وبائه.
وقال قتيبة بن مسلم للحصين بن المنذر: ما السرور؟ قال: امرأة حسناء ودار قوراء وفرس مرتبط بالفناء.
وقيل لرجل بنى دارا وأعظم النفقة عليها: ما أشدّ ما مرّ عليك في بناء هذه الدار؟ قال: أشد ذلك جمعا قائما، الفعلة. وأسهل الأمور النفقة.
وقال بعضهم: سعة الدار تزيد في عقل الرجل، كما أن ضيقها ينقص من عقله. وذلك أن الرجل إذا كان ضيق المسكن فدخل إليه داخل قصف عقله عند حرمه مخافة أن تبدو منهن عورة أو يظهر منهن ما لا يحب ظهوره. فإذا كان واسع المسكن [١٠٢ ب] فجميع عقله معه.
وذكر بهبود بن القردمان أنه لما فرغ من بناء الدار التي بنيت لأنوشروان بالمدينة العتيقة أعلم بذلك فأمر المنجمين باختيار يوم لينتقل إليها فيه. ففعلوا ذلك. فلما دخلها وقد نصب سريره وسدلت ستوره وهيئ له تاجه. فلما استوى
стр. 427
على السرير ورأى بهاءها وحسنها وجلالة فرشها وآلتها، استعبر عند ذلك باكيا لخطرة خطرت بباله من ذكر الموت وقال: إذا كان سرور الدنيا الذي يمنعه فناؤه وكثرة ما ينوبه من العاهات، فكيف بسرور الآخرة مع بقائه وخلوصه من كل مكروه؟ وإن في هذا لعبرة ينبغي أن لا تسقط على ذي حجى فيرفض الكثير الفاني القليل الباقي «١» . وما أحسبنا إلّا ونجد أشرفنا من الدنيا فيما رفضنا من مخفوض مخايلها وأشخصنا الأبصار إلى ما تطأطأ من أعلام غرورها. ونحن أحرياء أن نوجه ذلك جهته، فيكون غفرانا لما بلغته الدنيا فينا من نهمتها.
ثم قال: أيها الناس! إن الذي بلغنا منه بأقصى قدرتنا لا يمتنع من الخراب والبلى بتوزيعنا إياه وفقده إيانا، وان مداه قليل الغناء عند طول الأجل منا.
ثم نادى مناديه ان الملك يعزم على كل من حضر إلّا قام فأخبر بعيب ان عرفه في بناء الملك فأحجم الناس جميعا عن ذلك. فقام رجل ذميم المنظر رث الهيئة فقال: إن الملك قد عزم علينا بما عزم علينا. فلولا التأثم من عزمه لكان موضوعا عاما ما أمر به. فلذلك نستجيز أن نقول ما وافقنا وخالفه. ومن عيوب بنائه، أنه بني في غيطة من الأرض لا تقع عليه العيون حتى تقرب منه. وأولى المواضع ببناء المدن والدور، المشرف من الأرض لتعلو على ما حولها، وتنظر [ها] الوفود من بعد. ومنها: ان منزل نسائه أعلى منازله. وذلك دليل في الطيرة على أن أمر النساء سيعلو على أمور الرجال. ومنها: ان حق صحن الدار أن يعمر بالخدم والحاشية وكثرة من يدخل ويخرج. وهذا الصحن يفضل عن حاشية الملك وخواصه ويتسع عنهم. وأخرى لم أشأ ذكرها. فإن يكن الملك قد عرفها [١٠٣ أ] وإلّا فليعفني من ذكرها. فقال له أنوشروان: كأنك تقول إني لم أنفق فيما عملت من هذا درهما من بيوت أموالنا، وإنما عملت ذلك مما أفاءت علينا أطراف الأسنّة ونحور الخيل من أموال أهل حربنا وأعداء أهل ملتنا المكتنفين لحوزتنا. قال: لئن قال الملك ذلك فما أفاد رسما إلّا بإتلاف رأس من رؤوس أساورته ولا عوض
стр. 428
منهم بما خطر بهم فيه وعرضهم له. فهذا الذي عندي من عيوب هذا البناء.
فقام رجل آخر فقال: قد سمعت مقالة هذا في عيب ما عاب في بناء الملك.
وأنا أقول مثل قوله عن فضل طاعته منه، ورضا منه عنه. فقد بلغ غاية الاسخاط للذي رضاه خلاف رضاها. وإن كان الملك أباه بجهاله بما فيه، فليس بأصغر الخطأين ولا أقلهما فيما ألزمه من وزره. بل لو كان ذلك على معرفة فيما لا يشك فيه من التقصير عن شكره لكان الملك هو الجاني على نفسه. وأشد من هذا وأفحش، ان الملك عسى أن يقول: إني إنما أردت بما شيدت من هذا البناء إعزاز الدين وتفخيم أمره. فلينظر، فإن كان شيء من أمر الدنيا موافقا لأمر الدين، فقد صدق في ظنه. وكذلك العائب له. وإلّا فالعيب في ذلك لازم له دون غيره.
وقام آخر فقال: قد سمعت أيها الملك ما قالا وسبقاني به. وأشد منه وأعيب أن كان خاصّة الملك وأحباؤه لم يجهلوا هذا وأغضوا عليه فلم يؤدّ أحد منهم إليه شيئا من حقه في تبيينه له أو جهلوه ولم يعرفوه. فكل أحد أغنى له وأفصح منهم له وأحق بالموضع الذي وضعهم به. ثم أطرق الناس. فقال الملك خافضا صوته: قد علمنا أن أم الفواحش لم تكن تسوغنا ما هجينا به من مجلسنا هذا حتى يكدّره علينا من طمع في ذلك من وانها «١» فقد لزمته الخبرة والخطأ. ثم سأل عن النفر المتكلمين فإذا هم قوم متظلمون: اثنان من أهل تستر والآخر من أهل أردشير خرة. فأمر بإنصافهم.
وأنشد أبي لمحمد بن القاسم بن يحيى المرتجى في بناء دار [١٠٣ ب]
أتمّها الله من دار وأكملها ... وبالأمان من الآفات ظلّلها
لله ما هي أبهاها وأنبلها ... لله ما هي أحلاها وأشكلها
هذا تلؤلؤها قبل التمام فلو ... تمّت حمت كلّ ذي طرف تأمّلها
الله جلّلها نورا وجمّلها ... وبالحسين فتى الإفضال فضّلها
سبحان خالقه سبحان خالقها ... سبحان من منه بالتشريف سربلها
стр. 429
لم يبق في الدور بل في الأرض من حسن ... إلّا وأصبح مجموعا بها ولها
فالحسن خارجها والحسن داخلها ... والحسن يضحك أعلاها وأسفلها
لو كمّلت صورة من حسنها بشرا ... لكمّلت وهي تمثال ممثلها
كأنها غادة أهدت لمالكها ... عشقا فوشّحها حليا وكلّلها
حبا أعاليها من عسجد بدعا ... صيغت وبالدرّ والمرجان فصّلها
ما يبصر المرء فيها بدعة بعدت ... إلّا رأى حسرة أن لا يقتّلها
كأنّها درة بيضاء أبرزها ... لا تعرف العين أخراها وأوّلها
كأنّها روضة زهراء ناضرة ... جاد الحيا زهرها ليلا فأخضلها
كأنّها جنة الفردوس أنزلها ... إليه ذو العرش إكراما لينزلها
لم يقض في مصر أن تبدو محاسنها ... إلّا ليؤمنها من أن يزلزلها
في بقعة حرة كالمسك تربتها ... فلم يكن لسوى حرّ ليجعلها
لقد حبا داره منه وخوّلها ... فتى يرى الأرض نزرا أن يخوّلها
لم يبنها ويوسّع باب مدخلها ... إلّا يقصدها الراجي ويدخلها
فلن يساويه حر بعد يعدله ... حتى تساويها دار فتعدلها «١»
[١٠٤ أ] وقد () «٢» قوم البناء وذموه ورووا في ذلك أخبارا كثيرة أنا ذاكر بعضها إن شاء الله:
رووا أن النبي ﷺ قال: ما أنفق الرجل من نفقة، إلّا كان خلفها على الله ضامنا لذلك، إلّا ما كان في بنيان أو معصية.
وقال ﵇: إذا أراد الله بعبد هونا، أنفق ماله في البنيان.
стр. 430
وقال عبد الله بن زحر: من كسب مالا حراما، بعث الله عليه منتصرات من الأرض.
وقال مروان لأبي هريرة: اكتب لنا شيئا نذكرك به. فقال: تبنون ما لا تسكنون، وتأملون ما لا تدركون، وتجمعون ما لا تأكلون. قال: اكتب لنا غير هذا. قال: ما عندي غيره.
وقال الله في ذم البناء «أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ
» .
ودخل النبي ﷺ المسجد فإذا هو بعبد الله بن رواحة وأبي الدرداء بمساحته. فقال: ما هذا؟ قال: أردنا أن نمسحه ثم نسأل في الأنصار فنبنيه مثل المسجد الذي بالشام. فقال ﵇: خشيبات وثمام وظلّة كظلة موسى، والأمر أعجل من ذلك.
وقال إسحاق بن سويد: كانت المساجد بالقصب مدة، ثم صارت بالرهص حينا، ثم صارت باللبن زمنا، ثم صارت بالآجر. فكان أصحاب القصب خير من أصحاب الرهص «١» ، وأصحاب الرهص خير أصحاب اللبن، وأصحاب اللبن خير من أصحاب الآجر.
وقيل للمسيح: لو اتخذت بيتا جديدا. قال: يكفينا خلقان من كان قبلنا.
وقال حذيفة لسلمان: ألا تبني لك بيتا؟ فكأنه كره ذلك. فقال حذيفة:
رويدا حتى أخبرك أنني أبني لك بيتا إذا اضطجعت فكان رأسك من هذا الجانب ورجلك من الجانب الآخر، وإذا قمت أصاب رأسك سقفه. قال: كأنك كنت في نفسي.
ولما بنى معاوية الخضراء قال لأبي «٢» ذر: كيف ترى هذا البناء؟ قال: إن
стр. 431
كنت بنيته من مال الله، فإنك من الخائنين. وإن كنت بنيته من مالك فإنك من المسرفين.
وكان الثوري يقول: ما أنفقت درهما قط في بناء.
وبلغ عمر أن رجلا من عمّاله يقال [١٠٤ ب] له هارون جصّص بيته. فكتب إليه: إلى هارون بن أم هارون وبيته المجصّص.
وبنى ابن مسعود [بيتا] ، فقال له عمّار: بنيت شديدا وتأمل بعيدا وتموت قريبا.
وبنى رجل بناء عاليا فقال له بعض الزهاد: نزلت حيث رحل الناس وأنشد:
أبعد عاد ترجّون الخلود وهل ... يبقى على الدهر بيت اسّه المدر
إلى الفراق وإن طالت سلامتهم ... يصير كل بني ام وإن كثروا
وبنى رجل دارا فقال للحسن البصري: كيف ترى هذا البناء؟ قال: أما أهل الأرض فغرّوك، وأما أهل السماء فمقتوك.
وقال الحسن لرجل بنى بنيانا عاليا: عمدت إلى رزق الله فجعلته في رأس قصر جبار.
وقال المدائني: لما بنى عبيد الله بن زياد البيضاء بالبصرة أمر وكلاءه أن لا يمنعوا أحدا دخولها وأن يحفظوا كلاما إن تكلم به إنسان. فدخلها أعرابي- وكان فيها تصاوير- فتأمّلها ثم قال: لا ينتفع بها صاحبها، ولا يلبث فيها إلّا قليلا. فأتي به ابن زياد وأخبر بمقالته. فقال له: لم قلت هذا؟ قال: لأني رأيت أسدا كالحا وكلبا نابحا وكبشا ناطحا. فكان الأمر على ما قال. لم يسكنها إلّا يسيرا حتى أخرجه أهل البصرة إلى الشام ولم يعد إليها.
وفي خبر آخر: أنه لما بنى البيضاء أمر أصحابه أن يسمعوا ما يقول الناس.
فجاؤوه برجل فقيل له: إنه قرأ- وهو ينظر إليها-: «أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ
стр. 432
وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ
» . فقال: ما دعاك إلى هذا؟ قال: آية من كتاب عرضت لي. فقال: والله لأعملنّ بك بالآية الثالثة: «وَإِذا بَطَشْتُمْ، بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ
» .
ثم أمر فبني عليه ركن من أركان القصر.
وأنشد لبعضهم.
يا أيّها الباني بناء يفنى ... هل أنت محتال فباني حصنا؟
من حدّث الدهر يكن محبّا ... أم للخراب يا ضعيف يبنى؟
إن كنت لا تبقى فلم تعنّى ... يكفيك بيت أن يكون كنّا
[١٠٥ أ]
أما ترى الدهر الذي قد أخنى ... على بني آدم كيف أفنى؟
السلف الماضين قرنا قرنا ... فلم يذر منهم أبا ولا ابنا
وقال بعض الشعراء وقد نظر إلى قصور آل طاهر بالشاذياخ وقد خربت «١» :
وكان الشاذياخ قصور ملك ... فزال الملك عن ذاك المناخ
وكانت دورهم للهو وقفا ... فصارت للنوائح والصراخ
فعين الشرق باكية عليكم ... وعين الغرب تسعد بانتضاخ
كذاك يكون من صحب التراخي ... فذاك الدهر يعقبه التراخي
وقال () «٢» في ذلك:
فإن يمس وحشا بابه فلربما ... تزاحم أفواجا لديه الركائب
يحيّون بسّاما كأنّ جبينه ... هلال بدا وأنجاب عنه السحائب
وما غائب من غاب يرجى إيابه ... ولكنّ من قد ضمّه القبر غائب
стр. 433
وقال آخر في ذلك «١» :
فتلك قصور الشاذياخ بلاقع ... خراب يباب والميان مزارع
وأضحت خلاء شادمهر وأصبحت ... معطلة في الأرض تلك المصانع
وغنّى مغنّي الدهر في آل طاهر ... بما هو رأي العين في الناس رائع
عفا الملك من أولاد طاهر مثلما ... عفا جشم من أهله فمتالع
وأيامهم كانت لديهم وودائعا ... فأرهقهم دهر فردّ الودائع
وقال آخر في البرامكة:
أوحش النوبهار من بعد جعفر ... ولقد كان بالبرامك يعمر
قل ليحيى أين الكهانة والسحر ... وأين النجوم عن قتل جعفر
أنسيت المقدار أم زاغت الش ... مس عن الوقت حين قمت تقدّر
كيف لم تسحر السيوف فلا ... تعمل في جعفر كما كنت تسحر؟
إنّ يحيى بن خالد وبنيه ... أصبحوا فكرة لمن يتفكّر
وقال آخر منهم:
مررت على ربع ليحيى بن خالد ... وباطنه يشكو الخراب وظاهره
فكادت مغانيه تقول من البلى ... لسائلها عن أهلها مات عامرة
وقال آخر
مررت على دار لظمياء باللوى ... ودار لليلى إنّهنّ قفار
فقلت لها يا دار غيّرك البلى ... وعصران ليل مرة ونهار
فقالت نعم أفنى القرون التي مضت ... وأنت ستفنى والشباب معار
لئن طلن أيام بحزوى لقد أتت ... عليّ ليال بالعقيق قصار
стр. 434
[١٠٥ ب] ومر بعض الكتاب بالدسكرة فرأى ما فيها من البنيان والمصانع والقصور وخان الآجر وحبس كسرى والمدينة فقال «١» :
يا من يأمّ إلى بغداد مجتهدا ... أرح مطيّك بين الحبس والحان
بين القناطر والدساكر والقرى ... فمحلّ كسراها أنوشروان
تنبيك آثار الملوك بأنّهم ... كانوا ذوي بأس ذوي سلطان
ولقد عجبت وفي الزمان عجائب ... ما عاينت عيناي في الإيوان
إيوان كسرى شاهق شرفاته ... عالي الذرى مستوثق الحيطان
ما أن به إلّا الصدى وحمائم ... مخضرة تدعو على الأغصان
بعد النواعم والأوانس بدّلت ... هاما وعقبانا مع الغربان
وتبدّلت بعد الأنيس فما ترى ... إلّا العزيف بها من الجنّان
وقال يحيى بن معاذ: اصرف طرفك في القصور المشيدة والحصون الممردة الأركان، الشاهقة الجدران، وانظر إلى الأبواب المترفة العجيبة البنيان. كيف قد نظمت بكيد المحتالين وإنفاق المشرقين ومهارة الشابزين «٢» . عريضة القواعد، محكمة الوسائد، منيفة الذرى، صعبة المرتقى. للطير في جوانبها وكور، وللقطر في معالمها ندوب. قد أنافت على الأبنية () «٣» وتطاولت على الهضاب بارتفاعها. وأحكمها عاملوها وجردوا فكرهم فيها وبذنوا ذخائرهم فيها وأزاحوا علل مشيديها، وبلغوا أقصى الأمل منها. وجعلوها عدة للدهر وحصنا للزمن. فلا ينالهم فيها عناء. ولا ظفر محاول. فيها العيون الجارية والقباب العالية والحجر السامية. والخرد النواعم والأبكار الفواتن يجررن في عرصاتها الذيول، يسطع منهن ذكي المسك ويعبق العنبر. ترى باطن حيطانها كالو «٤» ذابلة تبرق بماء
стр. 435
الطراة. قد مثل فيها التصاوير من الطير والسباع والبهائم والبسنا «١» المرسلات الشعور الفاتنات الثغور. إذا تأملها الناظر توهمها تنطق بألسنة الابتهاج. فكانت لهم مساكن مدة من الدهر، يكلفون بعمارتها، ويفنون في فنون نعمتها، ويرتعون في صحون عرصتها. حتى إذا قصدتهم العزم بانتزاع «٢» ما في أيديهم من عوارف النعم، وصبحتهم المثل بخواطف التكبر. فأسلمتهم إلى مدة الفناء ونزعتهم من البقاء. فعادت القصور خلاء لا أنيس فيها ولا ديّار بها. قد أخذ الخراب في أطرافها. واستحالت إلى تحير القصد محارتها. وتنكرت له الأيام مترجمة عما تؤول إليه عواقب أمرها. فللرياح فيها هتيف، وللجن بها عزيف. تصفقها هوج الأعاصير، وتنبت في أغراضها أسهم الدمار. يوقد رمتها عين البلى. وتناولتها يد الفناء. يحار الطرف في حجراتها، وتعجب الأفكار من عرضاتها. لا أنيس فيها ولا أحد يخبر عنها، ولا عالم ينبيك عن أهلها، ولا يحدثك عن سكانها. يرتاع قلبك إذا دخلتها، وتخفق جوانحك متى تأملتها ويسترهن اعتبارك [١٠٦ أ] نقوش طيقانها وأصباغ حيطانها بعد ما كانت قرة عين الناظرين، عادت عبرة للمتأملين.
وكذلك فعل الله بالعباد وآثاره في البلاد.
قال: وكان السبب في بناء قصر شيرين- وهو أحد عجائب الدنيا- أن أبرويز أمر أن يبنى له باغ «٣» فرسخين في فرسخين. وأن يحصل فيه من كل صيد حتى يتناسل جميعه. ووكل بذلك ألف رجل، وأجرى على كل رجل من كل يوم خمسة أرغفة [من الخبز] «٤» ورطلين لحما ودورق خمر. فأقاموا في عمله وما أمر أن يجعل فيه من الصيد سبع سنين حتى فرغوا من جميع ذلك. فلما تمّ واستحكم صاروا إلى الفلهبد المغني وسألوه أن يخبر الملك بفراغهم مما أمرهم به. فقال:
افعل. ثم عمل صوتا وغناه به بين يدي الملك، وسماه باغ نخجيران أي باغ
стр. 436
الصيد. فطرب الملك عليه وأمر للصناع بمال فجعلوه للفهلبد. فلما سكر أبرويز قال لشيرين: سليني حاجة. قالت: حاجتي أن تصيّر في هذا الباغ نهرين من حجارة تجري فيهما الخمر «١» ، وتبني لي بينهما قصرا لم يبن في مملكتك مثله. فأجابها إلى ذلك. وكان السكر قد عمل فيه، فأنسى ما سألته ولم تجسر على أن تذكّره.
فقالت للفهلبد: ذكره حاجتي وإليك عليّ أن أهب لك ضيعتي بأصبهان. فأجابها إلى ذلك وعمل صوتا أذكره فيه ما وعد شيرين وغناه إياه. فقال: أذكرتني ما كنت قد أنسيته. وأمر ببناء النهرين والقصر. فبني ذلك. ووفت شيرين للفهلبد بضمانها.
فنقل عياله إلى هناك. فلذلك صار من ينتمي إليه بأصبهان.
قال بعض أهل الأدب: قرأت على قصر خراب في المفاوز هذه الأبيات
يا باني القصر كم أنفقت من مال ... على بنائك والبنا بالي (؟)
أطمعت نفسك في سكناه مجتهدا ... فصار منك وممن يقتني خالي
وعاد بعدك قصرا لا أنيس به ... لم يبق منه سوى رسم وأطلال
هذا دليل على توحيد خالقنا ... أرضا (؟) «٢» وينقل من حال إلى حال
[١٠٦ ب] قال: وقرئ على حائط شيرين «٣» .
يا ذا الذي غرّه الدنيا وبهجتها ... وحسن زهرة أنوار البساتين
والدور تخربها طورا وتعمرها ... باللبن والجصّ والآجرّ والطين
والمال تكنزه حرصا وتمنعه ... عن الحقوق التي فيها لمسكين
أما رأيت صروف الدهر ما صنعت ... بالقصر قصر أبرويز وشيرين
أما نظرت إلى إحكام صنعته ... كأنه قطعة من طور سينين
قد صار قفرا خلاء ما به أحد ... إلّا النعام مع الوحشية العين
стр. 437
من بعد ما كان أبرويز أشحنها ... بالدارعين وكتّاب الدواوين
وكلّ ليث شجاع باسل بطل ... كمثل خرّيتها أو مثل شروين
وكلّ رعبوبة بيضاء بهكنة ... تحكي بنغمتها صوت الوراشين
وبالعجائب من ألوان زهرتها ... من بين ورد وخيريّ ونسرين
لم يبق من رسمها إلّا تلؤلؤها ... أو ربع دار عفت من طور عبدين
سبحان من خلق الدنيا ودبّرها ... وأنشأ الخلق من ماء ومن طين
ومرّ معاوية بوادي القرى فتلا هذه الآية أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
ثم قال: نزلت هذه الآية في أهل هذه البلدة وهي بلاد عاد، فأين العيون؟
فجاءنا رجل وقال: صدق الله في قوله. أتحب أن أستخرج العيون؟ قال نعم.
فاستخرج ثمانين عينا. وعرف معاوية ذلك فقال: الله أصدق من معاوية.
وقال محمد بن عيينة المهلبي: البئر التي بالماوية هي بئر عاد، لا يقل ماؤها ولو وردها سائر أهل الأرض. وإياها عني أبو النجم العجلي بقوله:
من نحت عاد في الزمان الأوليّ
وذكر الكلبي قال: بينا قوم من كلب يعرفون ببني عمد الله بن كنانه على ما لهم وقد نحروا جزورا ومعهم زهير بن جناب الكلبي، إذ أقبل رجل من بقايا عاد يقال له عبيد بن مسهر وكان أعظم الناس جسما حتى وقف عليهم فهالهم لمّا نظروا إليه. فقالوا: دونك الركاء فشرب جميعه. ثم وقع نائما. فأقام في نومه سبعة أيام، وهرب القوم فزعا وقد ثبت زهير، فلما استيقظ قال: أين قومك؟ قلت: هربوا من رهبتك. فقال: أما لينفعنك ذلك. قم اركب معي. فركب معه فدلّه على مياه كانت لعاد مندفنة، ولم يكن أحد يعرفها غيره. منها الدمقانة «١» وأثرى ونكب ورج والحالة وغير ذلك. ثم قال عبيد لزهير: أخبرني عن ريحكم. قال: زفزف تسقط
стр. 438
الورق. قال فأخبرني عن مطركم. قال: يزيل العود ويقلب الحجر. قال: بحسب ريحكم يكون مطركم.
قال: والعرب تزعم أن بني زهير بن جناب أقوم العرب مياها. وهي التي أوقف إياهم عليها عبيد بن مسهر العادي.
ولبني غاضرة مياه تعرف بلينة يقال إنها ثلاثمائة عين. ويزعم أهل السير أن سليمان بن داود ﵉، خرج من بيت المقدس يريد الشام فلما صار إلى هذا الموضع الذي يقال له لينة- وهي أرض خشنة- عطش الناس، ولحق أهل العسكر أمر عظيم من ذلك. ووجه سليمان [١٠٧ أ] ﵇ جماعة يطلبون الماء، ونزل في ذلك الموضع لعطش الناس. قال: فبينا هو كذلك إذ نظر إلى شيطان يضحك ويستغرب في الضحك، فغاط سليمان وأمر بقتله. فقال: لم تقتلني يا نبي الله؟ قال: لضحكك والناس مشرفون على الموت. فقال: إنما أضحك لعطشهم وهم على لجة بحر. قال سليمان: وكيف ذلك؟ قال: مرهم أن يحفروا.
فإن الماء على ذراع. فأمرهم بذلك، فحفروا وأنبطوا الماء. وكان رجل قد حفر حفيرة لنفسه. فلما طال على ذلك الدهر، يدفن عامتها وبقي نميرها ما ذكرنا.
وفيها يقول مضرس الأسدي.
لمن الديار غشيتها بالإثمد ... فصفاء لينة كالحمام اللّبّد
ويقال: إنه لم يمت قوم عطشا إلّا على ماء.
ومات قوم من العطش الشجى في أيام الحجاج- والشجيّ منزل من منازل طريق مكة من ناحية البصرة- فاتصل خبرهم بالحجاج فقال: إني أظنهم دعوا الله حين بلغ بهم الجهد، فاحفروا في مكانهم الذي كانوا فيه، فلعل الله أن يسقي الناس. فقال رجل من جلسائه: قد قال الشاعر:
تراءت له بين اللوى وعنيزة ... وبين الشجى مما أحال على الوادي
ما تراءت له إلّا على ماء. فأمر الحجاج عبيدة السلمي أن يحفر بالشجى بئرا. فحفر فأنبط ماء لا ينزح.
стр. 439
وكانت الفلاسفة تقول: أفضل مستنبط المياه ما كان محاطا بشعاب الأودية.
وأمثل منازل السفر ما اتخذ على مجامع الطرق. وأمثل الغيث ما أمرع.
وقال بعض العرب: إن الله أخفى ماء بإرم والبديعة ونعمان وعنلان لعباده المؤمنين. وهذه المياه كلها.
وقال المنصور يوما لجلسائه- وقد تذاكروا البرّ والبحر-: عدوّا أربعة عشر مرحلة من أي موضع شئتم، فإنكم لا تبلغون آخر العدد حتى تصلوا إلى البحر، إن شئتم شرقا وإن شئتم غربا.
وقال السدي: الجبل الذي تطلع الشمس من ورائه، ارتفاعه في السماء ثمانون «١» فرسخا.
وقال [١٠٧ ب] المروزي «٢» : قرأت على المأمون جواب أرسطاطاليس أستاذ الإسكندر إلى الإسكندر فيما أعلمه من فتحه البلدان وجمعه الأموال التي يتعذر عليه حملها، وعجبه من بيت ذهب ظهر له بالهند. فأجابه: إني رأيتك تعجب من عمل عملته أيدي الآدميين، وتترك التعجب من هذا السقف الرفيع الذي هو فوقك وتزيين من زيّنه بالكواكب ونصبه على الحكمة البالغة. فأما البلدان التي افتتحتها، فليكن ملكك إياها بالتودد إلى أهلها. ولا تملكها عليهم بالقهر والبغضاء. فإن طاعة المودة أحمد بدءا وعاقبة من طاعة القهر والاستكراه. وأما الأموال، فليكن حملك إياها في جلد ثور. ففهم عنه الإسكندر ما رمز به إليه في هذه اللقطة ودفن في كل بلد شيئا من الأموال، وأثبت مواضع الكنوز في جلد ثور مدبوغ وحمله إلى الروم.
فهو إلى اليوم باق في خزانة الملك. فربما أمر بإخراجه وانتساخ مواضع منه، وأنفذ قوما من أصحابه وكتبها لهم فاستخرجوها. وأكثر ذلك في الجبال والمواضع التي يخفى أمرها.
стр. 440
واجتاز رجل من بني تميم برجل منهم وهو يغرس فسيلا. وكان الغارس شيخا. فقال له: كم أتى عليك من السنين أيها الشيخ؟ قال: قد جاوزت السبعين «١» . قال: فمثلك يعمل ما أرى؟ فأنشأ الشيخ يقول
اغرس فسيلا ونم عنه فسوف ترى ... يوما فسيلك إن عمّرت عيدانا
فالعرق يسري إذا ما نام صاحبه ... وليس يسري إذا ما كان يقظانا
نغرس يا أخا تميم ما ترى. فإن عشنا أكلنا من تمره. وإن متنا خلفناه الأولاد. قال: إنك لبعيد الأمل. قال: اي والله. إني لبعيد الأمل، خائف لقرب الأجل. ولست ممن يفرط في عمران دار لا يدري لعله سيطول مقامه فيها. ومنها يتزود إلى الدار التي لا يدري متى يصير إليها. ولو أنّ من كان قبلنا أخذوا بمثل رأيك ما خلف الوالد لولده شيئا ولا ورث ميتا حيّ.
قال التميمي: فانصرفت عنه وغبرت برهة من الدهر ثم مررت بذلك المكان.
فرأيت نخلا عاليا مثمرا وآخر دونه. وإذا فتيان وأحداث، فقعدت إليهم وقلت [١٠٨ أ] : من غرس هذا النخل؟ قالوا: ذلك الشيخ. فأتيته فسلمت عليه ثم قلت:
أتعرفني؟ فتأملني ثم قال: أحسبك صاحبنا المعنّف لنا على غرس ما ترى. قلت:
أنا والله هو وأنشدته بيته. فعانقني وأقبل يحدثني وقال: إن الله فاعل ما يشاء. فلا يكونن خوفك ماحقا لرجائك ولا بأسك غالبا لطمعك. وإذا الفتيان بنوه وبنو بنيه.
فأقمت في ضيافته أياما وانصرفت.
وقال بعضهم: قرأت على باب قصر خراب «٢» :
كم قد توارث هذا القصر من ملك ... فمات والوارث الباقي على أثر
قال: وقرأت على باب مدينة خراب:
كم من مدائن بالآفاق خالية ... أمست خرابا وذاق الموت بانيها
стр. 441
وقال بعضهم: مررت في ربض أبي يزيد الشروي وقد خرب. وإذا على باب «١» قصره مكتوب:
أفنى جميعهم وخرّب دورهم ... ملك تفرّد بالبقاء عزيز
وقرئ على باب قصر:
نزل الموت منزلا سلب القوم وارتحل
وقال صالح المري: دخلت قصرا بالبصرة وقد باد أهله فرأيت في بعض مجالسه مكتوبا فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا
. وإذا في الجانب الآخر وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
. وفي الجانب الآخر وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا
وفي الرابع فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا.
وقرئ على حائط بيعة بالحيرة: بنيت هذه البيعة والملك عمرو بن المنذر بن الشقيقة، على يدي عمرو بن حيان. فالإله يغفر له خطيئته ويقبل نقلته إلى دار الحق. وأسفل من ذلك مكتوب:
رأينا () «٢» بالإنسان جمّا ... ولا تنجي من الدهر الحدود
ولا تنجي من الآجال أرض ... تحلّ بها ولا قصر مشيد
وحدثنا بعض إخواننا أنه قرأ على باب قصر أشناس بسرمرّى:
هذي منازل أقوام عهدتهم ... في ظلّ عيش خصيب ماله خطر
دارت عليهم صروف الدهر فانتقلوا ... إلى القبور فلا عين ولا أثر
وقرئ على حائط قصر عاديّ: [١٠٨ ب]
يموت الذي يبني ويبقى بناؤه ... ألست ترى بالله في ذاك عبرة
стр. 442
فيا غافلا عن حينه أين من بنى ... مدائن أضحت بعده اليوم مقفرة
رمت بهم الأيام في عرصة البلى ... كأن لم يكونوا زينة الأرض مرة
وما زال هذا الموت يغشى ديارهم ... يكرّ عليهم كرّة بعد كرّة
فأجلاهم عنها سريعا فأصبحت ... مساكنهم في الأرض لحدا وحفرة
وقرئ على باب قصر:
ما حال من قد عمل القصورا ... وبات فيها آمنا مسرورا
ثم غدا في رمسه مقبورا ... يقيم فيه أبدا مأسورا
حتى يرى من قبره محشورا ... إمّا قرير العين أو مثبورا
وعلى آخر:
يا من يشيّد للخراب بناءه ... شيّد بناءك في الثرى وتحصّن
وذكر رجل من الصوفية أنه قرأ على باب قصر في بعض السواحل مكتوبا:
كم كان يعمر هذا القصر من ملك ... سهل المحيّا كريم الخيم والنسب
دارت عليه المنايا في تقلّبها ... فصار مأواه بعد العزّ في الترب
قال: ودخلت قصرا فرأيت قصرا حسنا كثير المجالس. فبينا أنا أدوره إذ دخلت مجلسا ما رأيت أحسن منه وفيه قبر عليه مكتوب:
ولمّا بنيت القصر أمّلت نفعه ... وإنّي فيه باقيا آخر الدهر
فلما استوى والتام بوّأت كارها ... من القصر في بيت هناك وفي قبر
كذلك كان الدهر يفعل قبلنا ... ولكن تجاهلنا وحدنا عن الأمر
قال: ورأيت في مجلس آخر مكتوبا:
جار الزمان علينا بعد غبطتنا ... فلم يغادر لنا في القصر إنسانا
وصار مأوىّ لوحش الأرض تسكنه ... أفناه ريب زمان ثم أفنانا
стр. 443
ولو لم يفدك هذا الكتاب من الأخبار العجيبة والأشعار الظريفة والأمور الغريبة، لكان فيما يفيدك من أخبار البلدان وعجائب الكور والأمصار بلاغا ومقنعا. فكيف وقد أفادك [١٠٩ أ] علم الماضين وأخبار الأولين. وذلك علم المعنيين. ووقفك على الطريقين وأرشدك إلى الأمرين جميعا: حكمة بالغة وموعظة موجزة. تعرفت منه أخبار الماضين، وأبنية من قد سلف من الأولين.
وفي هذا الخبر الذي أثبته هاهنا عبرة لمن اعتبر وفكرة لمن تفكر، ودليل على وحدانية الله تعالى، ومخبر عن آياته وقدرته. فصفّ ذهنك وفرّغ قلبك وأقبل عليه بسمعك وتفكّر فيه، وفيما تضمنته من الأعجوبة. فإن فيه عبرة لأولي الألباب.
قال عبد الرحمن بن محمد بن نصر: سمعت أحمد بن الحسن يذكر عن علي بن عاصم عن أبيه قال: كان الخضر ﵇ يأتي شابا زاهدا من بني إسرائيل فيحدثه كما يأتي الرجل أخاه وصديقه. وكان الشاب خيّرا فاضلا. فبلغ ذلك ملك بني إسرائيل، فأرسل إلى الشام فدعاه وقال: بلغني أن الخضر يأتيك فيحدثك كما يحدث الرجل أخاه. قال الفتى: نعم. قال: فإذا جاء فائتني به.
قال: كيف آتيك به أيها الملك؟ قال: والله لتأتيني به أو لأقتلنّك. قال: أجهد. ثم انصرف الفتى.
فلما كان بعد أيام، أتاه الخضر ﵇ فقال له: إن ملك بني إسرائيل قال لي كذا وكذا. قال الخضر: انطلق بنا إليه. فانطلقا حتى دخلا عليه. فوقف الخضر فقال له الملك: أنت الخضر؟ قال: نعم. فأعظمه وبجله ثم قال له:
حدثني بأعجب ما رأيت في الدنيا. فقال: أعجب ما رأيت، أني مررت بمدينتك هذه، وهي مدينة لم أر على وجه الأرض مثلها حسنا وجمالا وكثرة أهل وأسواق وعمارة، فدنوت من بعض البوابين فقلت: متى بنيت هذه المدينة ومن الذي بناها؟
فقال لي: ما يذكر أحد من الناس متى بنيت ولا من بناها. فتركته ومضيت.
وعبرت عنها خمسمائة عام. ثم اجتزت بها فإذا هي تلول وخرابات ولم أر أحدا أسأله عنها. فعلوت بعض تلك التلول، فإذا أنا براع يرعى غنما فنزلت إليه وسألته عن المدينة ومتى خربت. فقال: ما نعلم أنه كانت هاهنا مدينة قط، ولا نعرف غير
стр. 444
هذه التلول والخرابات، ولا يدرى أي شيء أمرها. فتركته ومضيت. وعبرت خمسمائة عام، ثم مررت بها [١٠٩ ب] فإذا موضعها بحر وقد زالت تلك التلول والخرابات فصارت كلها فيه. وإذا بجماعة يغوصون فيخرجون اللؤلؤ من قراره.
فدنوت من بعضهم وقلت: مذ كم صار هذا البحر هاهنا؟ فضحك ثم قال: سبحان الله. ما زال هذا البحر وهذا المكان منذ كانت الدنيا. فمضيت وغبت خمسمائة عام ثم اجتزت بالموضع فإذا ذاك البحر قد غاض ماؤه وفي مكانه غيضه ملتفة بالقصب والبردي وبين ذلك القصب والبردي مناقع ماء فيها سمك كثير وصيادون يصيدون ذلك السمك في زواريق صغار. فقلت لبعضهم: أكان هاهنا بحر؟ قال: لا. ما كان هاهنا إلّا هذه الآجام وهذه المياه لا غير ذلك. فانصرفت. وعبرت خمسمائة عام ثم اجتزت بالمكان فإذا رمال متصلة بينها حمى. وإذا [هي] أكثر بلاد الله ظباء. فالتمست أن أرى إنسانا، فلم أر إلّا رجلا يصيد تلك الظباء بحبالة له.
فدنوت منه وسألته عن تلك الآجام، فقال: والله ما نعرف ولا آباؤنا وأجدادنا هذا البلد إلّا على ما تراه، وما كانت فيه أجمة ولا شجر ومستنقع قط. فانصرفت متعجبا. وعبرت خمسمائة عام ثم اجتزت به فإذا هو جبل وعر وفيه كهوف يخرج منه الدخان. فلم أر أحدا أسأله عنها إلى أن رأيت رجلا متعسفا فقصدته وسألته عن تلك الرمال فقال: ما نعرف الموضع إلّا على ما ترى. فتركته ومضيت. وغبت خمسمائة عام ثم عدت فإذا مدينتك هذه في تلك المواضع. وإذا هي أحسن ما يراه الناس من قصورها ودورها وحدائقها وأسواقها. فدنوت من بعض البوابين وسألته عنها ومذ كم بنيت فقال: يا هذا! ما نعرف هذه المدينة إلّا كما تراها، ولا حدّثنا أحد من أولينا أنه يعرف ما فيها. فهذا أعجب شيء رأيته فيما أطوفه من البلدان وأخترقه من المفاوز والقفار.
فوثب الملك عن سريره فسجد للخضر. فقال له: ارفع رأسك واسجد للذي خلقني وخلقك. فقال: أريد أن أصحبك وأخلي ما أنا فيه من الملك. فقال: لا تقدر على ذلك. لأني اليوم هاهنا وغدا ببيت المقدس وبعد غد بمكة. ولكن إن أردت العبادة فاصحب هذا الفتى وكن معه.
стр. 445
قال: فترك [١١٠ أ] الملك مملكته وخرج هو والشاب يسيحان في الأرض.
وأنشد لبعضهم [في] الزمان:
ولربّ حصن قد تخرّم أهله ... ريب الزمان فبابه مسدود
عدت المنون عليهم من فوقهم ... والقوم فيه آمنون هجود
فتفرقت أجيادهم وجنودهم ... عنهم فكلّهم هناك شديد
لم يدفعوا عنهم وإنّ سلاحهم ... متيسّر بفنائهم موجود
من نسج داود النبيّ أعدّها ... للحرب يوم أعدّها داود
لو أنهم سئلوا القتال لقاتلوا ... ولنيل منهم فيهم المجهود
فابتزّهم ريب المنون نفوسهم ... قسرا وإنّ حماتهم لشهود
حلّوا بطون الأرض بعد ظهورها ... ومضى بهم سفر هناك بعيد
صارت نساؤهم حلائل غيرهم ... خلفت عليهم سفلة وعبيد
فأسمع وأبصر أين عاد أصبحت ... أخلت منازلها وأين ثمود
أين الذين بنوا فأصبح ما بنوا ... فيه الأفرور أو شيد «١»
وقال خالد بن عمير بن الخباب السلمي: كنا مع مسلمة بن عبد الملك في غزوة قسطنطينية فخرج إلينا في بعض الأيام رجل من الروم يدعو إلى المبارزة فخرجت إليه فلم أر فارسا كان مثله. تجاولنا عامة يومنا فلم يظفر واحد منّا بصاحبه. ثم تداعينا إلى المصارعة، فصارعت منه أشدّ الناس. فصرعني وجلس على صدري ليذبحني- وكان رسن دابته مشدودا في عاتقه- وانه ليعالجني للذبح إذ حاصت دابته حيصة جرّته عني ووقع من على صدري وبادرت إليه وجلست على صدره فنفست به عن القتل، وأخذته أسيرا وجئت به إلى مسلمة فساءله فلم يجبه بحرف وكان أجسم الرجال وأعظمهم. فأراد أن يبعث إلى هشام وهو يومئذ [١١٠ ب] بحرّان. فقلت: دلّني الوفادة به. قال: إنك لأحق الناس بذلك. فبعث
стр. 446
به معي، فأقبلت أكلمه وهو لا يكلمني حتى انتهينا إلى موضع من ديار مضر يعرف بالجريش وتل محرى فقال لي: ما يقال لهذا المكان؟ قلت: الجريش وتل محرى.
فقال:
ثوى بين الجريش وتل محرى ... فوارس من نمارة غير ميل
فلا جزعون إن ضرّاء نابت ... ولا فرحون بالخير القليل
فإذا هو أفصح الناس. ثم سكت فكلّمناه وهو لا يجيبنا. فلما صرنا إلى الرها قال: دعوني أصلي في بيعتها. قلنا دونك فصلي. فلما صرنا إلى حران قال:
أما إنها أول مدينة بنيت بعد بابل. ثم قال: دعوني أستحمّ في حمامها وأطلي.
فتركناه. فخرج إلينا كأنه برطيل فضة بياضا وعظما. فأدخلته إلى هشام وأخبرته جميع قصته. فقال له من أنت؟ قال: رجل من إياد ثم أحد بني حذافة. فقال له:
أراك غريبا، لك جمال وفصاحة فأسلم تحقن دمك. قال: إن لي ببلاد الروم أولادا. فقال: ونفك أولادك ونحسن عطاءك. قال: ما كنت لأرجع عن ديني.
فأقبل به وأدبر فأبي. فقال دونك فاضرب عنقه. فضربت عنقه
.
стр. 447
٢/٣٥
القول في همذان
قال أبو المنذر هشام بن السائب الكلبي: سميت همذان بهمذان بن الفلوج بن سام بن نوح ﵇. وهمذان وإصبهان أخوان، بنى أحدهما إصبهان والآخر همذان. فسميت كل مدينة منهما باسم بانيها. وسميت نهاوند لأنهم وجدوها كما هي. ويقال إنها من بناء نوح ﵇. وإنما هي نوح أوند. أي أنها من بناء نوح وهي أعتق مدينة بالجبل.
قال: وقرأ عليّ بعض النصارى كتابا بالسريانية فيه أخبار الملوك والبلدان، فترجمه لي وذكر أن الذي بنى همذان ملك يقال له كرميس بن حليمون. وذكر بعض الفرس أن اسم همذان مقلوب. إنما هو ناذمه ومعناه المحبوبة.
وروي عن شعبة قال: الجبال عسكر وهمذان معمعتها وهي أعذبها ماء وأطيبها هواء.
وقال ربيعة بن [١١١ أ] عثمان: كان فتح همذان في جمادى الأولى على رأس ستة أشهر من مقتل عمر بن الخطاب ﵁. وكان الذي فتحها المغيرة بن شعبة في سنة أربع وعشرين من الهجرة.
وفي خبر آخر قال: وجه المغيرة بن شعبة «١» - وهو عامل عمر بن الخطاب على الكوفة بعد عزل عمار بن ياسر عنها- جرير بن عبد الله البجلي إلى همذان في سنة ثلاث وعشرين، فقاتله أهلها وأصيبت عينه بسهم فذهبت. فقال احتسبها عند الله الذي زين بها وجهي ٢/٣٦ ونوّر لي ما شاء ثم سلبنيها في سبيله.
стр. 448
وجرى أمر همذان على مثل صلح نهاوند وذلك في آخر سنة ثلاث وعشرين.
وقال بعض علماء الفرس: كانت همذان أكبر مدينة بالجبل وكانت أربعة فراسخ في مثلها. وكان طولها من الجبل إلى قرية يقال لها زينوآباد. وكان صنف الفاخرانيين بها وصنف الصيارفة بسيجاباد «١» .
وكان القصر الخراب الذي بسيجاباد تكون فيه الخزائن والأموال. وكان صنف البزازين بقرية يقال لها بريشقان «٢» . فيقال إن بخت نصر لما غلب على الأرض وأخرب بيت المقدس، بعث إليها قائدا يقال له صقلاب في خمسمائة ألف رجل. فأناخ عليها وأقام يحارب أهلها مدة وهو لا يقدر عليها. فلما أعيته الحيلة فيها وعزم على الانصراف استشار أصحابه. فقالوا له: الرأي أن تكتب إلى بخت نصر تعلمه أمرك وتستأذنه في الانصراف. فكتب إليه: أمّا بعد، فإني وردت على مدينة حصينة كثيرة الأهل منيعة واسعة الأنهار ملتفة الأشجار كثيرة المقاتلة. وقد رمت فتحها فلم أقدر عليها. وقد ضجر أصحابي المقام وضاقت عليهم الميرة والعلوفة. فإن أذن لي الملك بالانصراف، انصرف.
فلما ورد الكتاب على بخت نصر كتب إليه: أما بعد، فقد فهمت كتابك وقد رأيت أن تصوّر لي المدينة بجبالها وعيونها وطرقها وقراها ومنبع مياهها وتنفذ إليّ ذلك حتى يأتيك أمري.
ففعل صقلاب ما أمر به. وصور له المدينة وأنفذ الصورة إليه وهو ببابل.
فلما وقف عليها جمع الحكماء وقال: أجيلوا الرأي في هذه الصورة وانظروا من أين تفتح هذه المدينة. فأجمعوا على أن تسدّ عيونها [١١١ ب] حولا ثم يفتح السد ويرسل على المدينة فإنها تغرق. فكتب بخت نصر إلى صقلاب بذلك وأمره بما قاله الحكماء. ففعل ذلك. فلما كان عند الحول ٢/٣٧ فتح الماء وأرسله على المدينة فهدم سورها وغرق أكثرها ودخلها صقلاب، فقتل المقاتلة وسبى الذرية وأقام بها
стр. 449
فوقع في أصحابه الطاعون فمات عامتهم حتى لم يبق منهم إلّا القليل. ودفنوا في أحواض من خزف فقبورهم معروفة إلى وقتنا هذا في المحال والسكك.
ولم تزل همذان خرابا حتى كانت حرب دارا بن دارا والإسكندر. فإن دارا استشار أصحابه في أمره لمّا أظلّه الإسكندر، فأشاروا عليه بمحاربته بعد أن يحرز حرمه وأمواله وخزائنه بمكان منيع لا يوصل إليه ويتجرد هو للقتال. فقال: انظروا موضعا حريزا حصينا لذلك. فقالوا له: إن من وراء الماهين جبالا لا ترام، وهي شبيهة بالسد. وهناك رسم مدينة عتيقة قد خربت وباد وهلك أهلها وحولها جبال شامخة يقال لها همذان: فالرأي للملك أن يبعث إليها من يأمره ببنائها وإحكامها وأن يجعل في وسطها حصنا يكون للحرم والخزائن والعيال والأموال، وتبنى حول الحصن دور لعيال القواد والخاصة والمرازبة. ثم يوكل بالمدينة اثنا عشر ألف رجل من خاصة الملك وثقاته يحمونها ويقاتلون عنها متى رامها أحد. فأمر ببناء همذان وبنى في وسطها قصرا عظيما مشرفا له ثلاثة أوجه وسماه ساروق وجعل فيه ألف مخبأ لخزائنه وأمواله وأغلق عليه ثمانية أبواب حديد، كل باب في ارتفاع اثني عشر ذراعا. ثم أمر بأهله وولده وخزائنه فحوّلوا إليها وأسكنوها. وجعل في وسط القصر قصرا آخر صيّر فيه خواص حرمه ٢/٣٨ وأحرز أمواله في تلك المخابئ. ووكّل بالمدينة اثني عشر ألف رجل وجعلهم حرسا عليها.
وذكر بعض مشايخ همذان أنها أعتق مدينة بالجبل واستدلوا على ذلك من بقية بناء قديم باق إلى اليوم. وهو طاق عظيم شاهق لا يدرى من بناه وللعامة فيه أخبار عامية يذكرون [١١٢ أ] أنهم وجدوا في هذا الطاق حجرا مكتوب عليه: من إصطخر غدونا وفي هذا الطاق قلنا وبالشام مبيتنا. ويزعمون أن بعض أصحاب سليمان بن داود كتبه. وان سليمان بن داود ﵇ اجتاز بهذا المكان فرأى غرابا ساقطا عليه- ويقال إن الغراب يعيش ألف سنة- فقال له سليمان: خبرني خبر هذا الطاق ومن بناه. فقال: أنا هاهنا منذ ستمائة سنة، وأقام أبي قبلي هاهنا ألف سنة وجدّي قبل ذلك بألف سنة، وهو على حالته كذا وجدناه ما تغيّر منه
стр. 450
شيء «١» .
وأخبر بعض أصحاب الأخبار أنهم وجدوا في بعض المخابئ التي في القصر المعروف بساروق، رقعة فيها كتابة بالفارسية فترجمت فكانت: وظّف الملك على أهل مرو لبناء هذه المدينة من الطين كذا وكذا ألف وقر.
قال: وإذا تفقدت طين المدينة ونظرت إلى أبنيتها القديمة رأيت الطين مختلفا ما بين أبيض وأحمر وأسود وغير ذلك.
وزعموا أن الملوك كانت توظّف على رعاياها حمل الطين في وقت والماء في وقت والآجر والحجارة في وقت إلى ما يبنونه من المدن ليعرفوا بذلك سمعهم وطاعتهم.
وعن بعض أهل همذان قال: قدمت على جعفر بن محمد الصادق ﵁ فقال لي: من أين أنت؟ قلت: من الجبل. قال: من أي مدينة؟ قلت: من مدينة همذان. قال: أتعرف جبلها الذي يقال له راوند؟ قلت: جعلني الله فداك إنما يقال له أروند. قال: نعم. أما إن فيه عين من عيون الجنة.
قال: فأهل البلد يرون أنها الحمّة التي على قلّة الجبل. وذلك أنّ ماءها يخرج في وقت من أوقات السنة معلوم، ومنبعه من شق في صخرة. وهو ماء عذب شديد البرد يشرب منه الواحد في اليوم والليلة مائة رطل وأكثر ولا يرتوي لكثرة ما يشرب منه، بل ينفعه. فإذا تجاوزت أيامه المعدودة التي يخرج فيها، ذهب إلى وقته من العام المقبل لا يزيد يوما ولا ينقص يوما في خروجه وانقطاعه.
وقال محمد بن بشار يذكر أروند في شعر طويل [١١٢ ب] :
٢/٣٩
ولقد أقول تيامني وتشاءمي ... وتواصلي ديما على همذان
بلد نبات الزعفران ترابه ... وشرابه عسل بماء قنان
سقيا لأوجه من سقيت لذكرهم ... ماء الجوى بزجاجة الأحزان
стр. 451
كاد الفؤاد يطير ممّا شفّه ... شوقا بأجنحة من الخفقان
فكسا الربيع بلاد أهلك روضة ... تفترّ عن نفل وعن حوذان
حتى تعانق من خزاماك الذرى ... بالجلهتين شقائق النعمان
وإذا تبجّست الثلوج تبجّست ... عن كوثر شبم وعن حيوان
متسلسلين على مذانب تلعة ... تثغو الجداء بها مع الحملان
وقال أيضا
تزيّنت الدنيا وطابت جنانها ... وناح على أغصانها ورشانها
وأمرعت القيعان واخضرّ نبتّها ... وقام على الوزن السواء زمانها
وجاءت جنود من قرى الهند لم تكن ... لتأتي إلّا حين يأتي أوانها «١»
مسوّرة دعج العيون كأنما ... لغات بنات الهند يحكي لسانها
لعمرك ما في الأرض شيء نلذّه ... من العيش إلّا فوقه همذانها
إذا استقبل الصيف الربيع وأعشبت ... شماريخ من أروند شمّ قنانها
وهاج عليهم بالعراق وأرضه ... هواجر يشوي أهلها لهبانها
سقتك ذرى أروند من سيح ذائب ... من الثلج أنهارا عذابا رعانها
ترى الماء مستنا على ظهر صخرة ... ينابيع يزهي حسنها واستنانها
كأنّ بها شوبا من الجنّة التي ... يفيض على سكّانها حيوانها
فيا ساقيي كأسي اصبحاني مدامة ... على روضة يشفي المحبّ جنانها
مكللة بالنور تحكي مضاحكا ... شقائقها في غاية الحسن بأنها
كأنّ عروس الحيّ بثّت خلالها ... قلائد ياقوت زهاها اقترانها
تهاويل من حمر وصفر كأنّها ... ثنايا العذارى ضاحكا أقحوانها
وقال أيضا [١١٣ أ] :
стр. 452
سقيا لظلّك يا أروند من جبل ... وإن رميناك بالهجران والملل
هل يعلم الناس ما كلّفتني حججا ... من حبّ مائك إذ يشفي من العلل
لا زلت تكسى على الأنوار أردية ... من ناضر أنق أو ناعم خضل
حتى تزور العذارى كلّ شارقة ... أفياء سفحك يستصبين ذا الغزل
وأنت في حلل والجوّ في حلل ... والبيض في حلل والروض في حلل
وقالوا: أطيب البلدان ما طاب هواؤه وعذب ماؤه وكثر كلأه. والماء مزاج الروح وصفي النفس وقوام الأبدان الناطق وغير الناطق بمجانسته لها ومعادلته إياها.
ومن فضيلته أن كل شراب وإن رقّ وصفا وعذب وحلا فليس بعوض عنه ولا مغن عنه، بل يطيب بمزاجه ويعذب بمخالطته حتى يجري في العروق بلطافته، وينساب في المفاصل برقّته. مع خاصيته في ريّ الظمأ وإطفائه ضرام نار الحشا. ولولاه ما عرف فضل البستان على الجنان، ولكان وغيره سيّان. ولقد جعلته العرب مثلا فقال القطامي:
فهنّ ينبذن من قول يصبن به ... مواقع الماء من ذي الغلّة الصادي
وقال آخر:
أمانيّ من سعدى عذاب كأنّما ... سقتك بها سعدى على ظمأ بردا
٢/٤٠ وذكر أبو جعفر محبرة النديم «١» أنه حمل للموفق عند خروجه إلى الجبل من ماء دجلة ألف خماسية «٢» . فلما وافى همذان، وصف له ماؤها فشرب منه واستطابه وترك ماء دجلة، وجعله شرابه.
وطلب «٣» الشعبي على مائدة قتيبة بن مسلم- وقد قيل غيره- ماء، فلم يدر
стр. 453
اللبن يريد أم العسل أم الماء. فقيل له: أي الأشربة تريد؟ فقال: أعزّها مفقودا وأهونها موجودا. فقال قتيبة: اسقوه ماء.
وكان أبو العتاهية عند بعض الملوك فشرب منهم رجل ماء وقال:
برد الماء وطابا
فقال أبو العتاهية:
حبّذا الماء شرابا
وقال الله مفخما لأمر الماء أَنْهارٌ
[١١٣ ب] مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ
. ألا ترى أنه لم يذكره بغير السلامة من التغيير، إذ كان [الماء] متى كان خالصا لم يحتج أن يشرب بشيء. غريب في خلقته من الصفاء والعذوبة والبرد والطيب والحسن.
قال عدي بن زيد:
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصّان بالماء اعتصاري
وفي قول الله ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ
قال: عن الماء البارد في الصيف وعن الحار في الشتاء.
٢/٤١ وقالوا في النظر إلى الماء الدائم والجاري ما قالوا.
وجاء في الأثر: من كان به مرض فليأخذ درهما حلالا وليشتر عسلا ثم ليشربه بماء السماء، فإنه يبرأ بإذن الله.
والريف هو الماء عند العرب.
وما ظنك بشراب إذا ملح وخبث «١» أثمر العنبر وولد الدر، وإذا صفا وطاب أحيا الأنفس. وقال الله يلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ. فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها
. لأن الزجاج أكثر ما يخرج به أن يقال كأنه الماء الجاري.
стр. 454
وقال الله تعالى وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ.
ويقال إنه ليس شيء إلّا وفيه ماء أو قد أصابه ماء أو قد خلق من ماء.
والنطفة تسمى ماء والماء يسمى نطفة.
وقال الله وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ
. وقال ابن عباس: السماء موج.
وقال الله تعالى وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ. وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ. رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ.
وحين اجتهدوا في تسمية امرأة بالجمال والحسن والصفاء والبياض قالوا:
ابنة ماء السماء. وقالوا: المنذر بن ماء السماء. ويقولون: لونه له طلاوة وماء.
وفلان ليس في وجهه ماء. ٢/٤٢ وردني فلان ووجهي بمائه. قال الشاعر:
ماء الحياء يجول في وجناته
ووصف الراجز جملا كريما فقال:
أراك في ماء المهاري منقع
وقالت أم فروة في صفة الماء:
وما ماء مزن أيّ ماء تقوله ... تحدّر من غرّ طوال الذوائب
بمنعرج أو بطن واد تحدّبت ... عليه رياح الصيف من كلّ جانب
[١١٤ أ]
نفى نسم الريح القذى عن متونه ... فما أن به عيب تراه لعائب «١»
والأبيضان: الماء واللبن. والأسودان التمر والماء. وسواد العراق، ماؤه
стр. 455
الكثير. والماء إذا كان له عمق اشتد سواده في العين. وقال العكلي في صفة ماء:
عاوده من ذكر سلمى عوّده ... والليل داج مطلخم اسوده
فبتّ ليلي ساهرا ما أرقده ... مرتفعا أو قائما ما أقعده
حتى إذا الليل تولّى كبده ... وانكبّ للغور انكبابا فرقده
وحثّه حاد كمشي يطرده ... أغرّ أجلى مغرب مجرّده
أصبح بالقلب جوىّ ما يبرده ... ماء غمام في الرصاف مقلده
زلّ به عن رأس نيق صدده ... عن ظهر صفوان مزل مجسده
[حتى إذا السيل تناهى مدده ... وشكّد الماء الذي يشكّده]
بين نعامى ودبور تلهده ... كلّ نسيم من صبا تستورده
كأنّما يشهده أو يفقده ... فهو شفاء الصاد مما يعمده
وقال جرير:
لو شئت قد نقع الفؤاد بشربة ... تجد الحوائم لا يجدن مقيلا
بالعذب في وسط الفلاة مقيله ... قصر الأباطح لا يزال ظليلا
قالوا: وفي الماء، أن أطيب شراب عمل وركّب مثل الجلاب والسكنجبين والبنفسج وغير ذلك مما يشرب من الانبجات والأفشرجات «١» فإن تمام لذته وغاية طعمه أن يجرع شاربه بعد شربه إياه جرعا من الماء يغسل بها فمه ويطيب بها نفسه. فهو في هذا الموضع كالخلّة والحمض جميعا، وهو تسويغ الطعام في المريء. وهو الموصل الغذاء في الأعضاء. فالماء يشرب صرفا وممزوجا والأشربة لا تشرب صرفا ولا ينتفع بها إلّا بممازجته. وهو بعد طهور الأبدان وغسول الأدران. وقالوا: هو كالماء الذي يطهر كل شيء ولا ينجسه شيء. ولذلك
قال النبي ﷺ : الماء لا ينجسه [١١٤ ب] شيء إلّا ما ظهر في طعمه
стр. 456
وريحه» .
ومنه يكون الثلج والثلج يجمع الحسن في العين والكرم في البياض والصفاء وحسن الوقع من النفس. ومن فضل الجبل «٢» على العراق أنك لو قلت لمريض قد نقه من علته ببغداد في أيام حزيران وتموز وبناحية الكوفة والبصرة: ما تشتهي؟
لقال: أشتهي شربة ماء بارد أو قطعة ثلج أو جليد. وقد أقسموا بالماء. قال الشاعر:
غضبى فلا والله يا أهلها ... لا أشرب البارد أو ترضى
وسمى الله أصل الماء غيثا بعد أن قال «وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ
» .
وقال وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً.
ومن الماء زمزم وهو شفاء للأدواء. ومنه ما يكون دواء من الأدواء الغليظة كالحمّات «٣» .
وبهمذان حمّات كثيرة نافعة من الأدواء الغليظة مثل النقرس والجرب والرياح المستصعبة وغير ذلك فينفعها منفعة تامة. ٢/٤٣ منها ماء حمّة أروند ولويذان وحمة سارقين «٤» . وحمة دار نبهان وماء آست وعبد الله آباد وماء بذين وماء سامين «٥» وغير ذلك.
وقالوا: أحسن الأشياء: صفو هواء وعذوبة ماء وخضرة كلاء.
وقالوا: أفضل المياه ماء السماء إذا أخذ في ثوب نظيف. ثم ما وقع على جبل فاجتمع على صخرة. ثم ماء الغدران العظام. ثم الماء المستنقع في الصحارى إذا لم يكن فيه عشب. ثم ماء القناة ثم ماء الحوض الكثير العمق. ثم ماء العيون
стр. 457
وما ينحدر من الجبال والماء الجاري النقي جيد من كل شيء. وهو جيد للحمى والزكي وجيد للمزاج والبلغم.
وقالوا: لولا أن ماء همذان متفرق وهي أنهار كثيرة، في أقطارها، لكان إذا اجتمع ماؤها مثل دجلة والفرات.
وقال تيادوس «١» : الماء حياة كل شيء وهلاك كل شيء وغضارة كل شيء وكاسف بال كل شيء. فأما قوله حياة كل شيء، فبه يحيا الإنسان الذي لم يخلق الله أشرف صنعة منه، والنبات والشجر وكل مأكول من الثمر وغيره. وهو غضارة هذه الأشياء ونضرتها. وأما كسوف بال كل شيء، فإذا أخذ منه الماء تغيرت نضرته وذاك كسوف باله. وأما هلاك كل شيء. فإن الغرق منه وكثرة شربه تورث الأدواء كما أن الاقتصاد فيه يذهب كل داء.
وماء السماء إذا أخذ في شيء انتقي وصفّي [١١٥ أ] وشرب منه صاحب السل واليرقان نفعهما. وإذا أخذ منه في جلم قبل أن يقع إلى الأرض وشربه من أراد الذكاء زاد في حفظه وذكائه.
وإن أخذ ماء السماء وخلط مع العسل والمصطكى وشرب نفع من البهق.
وماء البرد إذا أخذ وألقي على قصب فارسي مخرق واستيك به نفع من الحفر والقلح وأذهب بذلك وصلّب الأسنان.
وماء الثلج إذا أخذ مع عرق إنسان ثم سقي به من الكزاز سكن فيه. وإذا أخذ مع لبن الإبل وسقي من به خفقان الفؤاد سكّنه. وإن خلط به زبد البحر ثم طلي به على الجرب، ذهب به. وإن أخذ مع رماد الزيتون فطلي بهما البهق الأسود نفعه.
وإن أخذ ماء البئر أول ما ينبع ثم شربه من سقي السم، كان نافعا له، وإن أخذ أيضا ثم فتّ فيه خبز من حنطة حديثة وجعل فيه قند وأكله من به وجع الفؤاد نفعه. وأول ما يظهر من العين عند حفرها فهو نافع من الجنوب والوسواس.
стр. 458
وإن ظهرت عين في سبخة فطرح فيها الاسفيل «١» المشوي وأصل الكبد كان دواء للمجذومين. والعيون الكبريتية تنفع من الجرب.
وماء البحر إذا أخذ مع السنبل المدقوق و () «٢» ودلك به اللسان قطع البخر وطيّب رائحة الفم.
وأنشد لأبي صالح الحذّاء من شعر طويل كتب به إلى ابنه- وكان غائبا- يذكر له طيب هواء همذان وحسنها ونزهتها ٢/٤٤ وعذوبة مائها ويشوّقه إليها:
فارحل إلينا رحلة تنجلي ... منّا غيابات لمحزون
فقد هدت سورة أيّامنا ... وانسلخت أيام تشرين
وجاءنا الشهر الذي صفّدت ... فيه عفاريت الشياطين
وطاب للسارين وجه السرى ... في طرق الريّ وقزوين
والدهر في تقويم ساعاته ... كدرهم أبيض موزون
هذا وبنت الكرم قد أكملت ... عدّتها في القار والطين
عذراء ياقوتتها أبرزت ... تخطب من خدر الدهاقين
قوم تراهم فترى أنّهم ... تجار عطر في الدكاكين
والطير قد حنّت إلى عشّها ... بكلّ ألوان التزايين
قد أقبلت واردة أرضنا ... يقدمها سرب الشفانين
من بعد أن أفحمها عجمة ... غنّت بلحن غير ملحون
[١١٥ ب] ٢/٤٥
ترنّمت في الجوّ قمريّها ... تترى بترجيع الرواشين
стр. 459
والورق من ذكر فواخيتها ... تسعدها خضر الوراشين
تبكي على فرقة ألّافها ... شجوا بدمع غير مهتون
وقد بدا أروند يبدي لنا ... من سفحه كلّ التحاسين
تزينت غرّة إقباله ... بوشيه أحسن تزيين
وانحسرت منه رؤوس الربى ... عن ناضر أخضر مشحون
والقبج من حافاته أوردت ... فراخها خوف الشواهين
وللظبا سرب إذا أقبلت ... من فجّه كالخرّد العين
والشاء تثغوا بين حملانها ... قد أمنت كيد السراحين
والماء يجري من متون الصفا ... على الخزامى والرياحين
نسيمها عند هبوب الصبا ... أطيب من نفحة نسرين
والله يسقي الريّ غيثا به ... من كان من سكّان رامين
إنّ لهم من فرط شكري بما ... صانوك أجرا غير ممنون
أجر الألى صانوا إمام الهدى ... أعني عليّا يوم صفين
٢/٤٦ فهاكها مكنونة صغتها ... حليا لعرض لك مكنون
أبكار ألفاظ وما بكر ما ... يهدى من الألفاظ كالعون
تمّت ثمانين وتأريخها ... في سنة الإحدى وتسعين
وقال آخر:
تذكّرت أروندا وطيب نسيمه ... فقلت بقلب للفراق سليم
سقى الله أروندا ومن في جواره ... ومن حلّه من ظاعن ومقيم
وأيّامنا إذ نحن في الدار جيرة ... وإذ دهرنا بالوصل غير ذميم «١»
وقال آخر:
стр. 460
سقيا لأروند ما أهنى المصيف به ... ظل ظليل وماء ينقع الكبدا
وتربة كسحيق المسك نكهتها ... وجيرة كبحور تقذف الزبدا
وقال آخر:
قالوا ترى النيل في مصر فتألفه ... إذا ترامى على آذيّه الزبد
٢/٤٧ فقلت أحسن من نيل بمصركم ... ماء العيون على الرضواض يطّرد
في جانبيه رياض الزهر زيّنها ... نسيم نوّارها والطائر الغرد
ترى الخزامى يناغي الأقحوان بها ... عند الغدوّ كما ناغى أبا ولد
وأنشد لوهب الهمداني:
ألقى الربيع على أروندنا خلعا ... خضرا وخلعته البيضاء قد خلعا
[١١٦ أ]
كساه ثوبا من النوّار تنسجه ... أيدي الربى روضها خفضا ومرتفعا «١»
ملاءة نسجتها ديمة فلها ... بدائع جمة قد فاقت البدعا
لها رقائق حسن ليس يفهمها ... ماذا جواهرها إلّا الذي صنعا
صفر وخضر وحمر ليس يشبه ذا ... هذا ولا ذاك هذا عند ما طلعا
للماء فيه خرير رجع نغمته ... في الروض ترجيع نشوان إذا سجعا
ترى حدائقها كالبيض لامعة ... بين الأقاحي فضاء في الرياض معا
إذا بكت مزنة من فوقها ضحكت ... شقائق أخرجت من سمطها خلعا
٢/٤٨ طور منيف عليه شملة نسجت ... خضراء فارتفعت فيه كما ارتفعا
إذا الشمال عليه جرّ أذيله ... حسبته سوق عطر بينها وضعا
فانظر إلى بطن أروند البهيّ ترى ... بابا إليه من الفردوس قد شرعا
следующие страницы →