← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11685

البلدان لابن الفقيه

ابن الفقيه

Полный текст (637 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وريحه» . ومنه يكون الثلج والثلج يجمع الحسن في العين والكرم في البياض والصفاء وحسن الوقع من النفس. ومن فضل الجبل «٢» على العراق أنك لو قلت لمريض قد نقه من علته ببغداد في أيام حزيران وتموز وبناحية الكوفة والبصرة: ما تشتهي؟ لقال: أشتهي شربة ماء بارد أو قطعة ثلج أو جليد. وقد أقسموا بالماء. قال الشاعر: غضبى فلا والله يا أهلها ... لا أشرب البارد أو ترضى وسمى الله أصل الماء غيثا بعد أن قال «وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ » . وقال وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً. ومن الماء زمزم وهو شفاء للأدواء. ومنه ما يكون دواء من الأدواء الغليظة كالحمّات «٣» . وبهمذان حمّات كثيرة نافعة من الأدواء الغليظة مثل النقرس والجرب والرياح المستصعبة وغير ذلك فينفعها منفعة تامة. ٢/٤٣ منها ماء حمّة أروند ولويذان وحمة سارقين «٤» . وحمة دار نبهان وماء آست وعبد الله آباد وماء بذين وماء سامين «٥» وغير ذلك. وقالوا: أحسن الأشياء: صفو هواء وعذوبة ماء وخضرة كلاء. وقالوا: أفضل المياه ماء السماء إذا أخذ في ثوب نظيف. ثم ما وقع على جبل فاجتمع على صخرة. ثم ماء الغدران العظام. ثم الماء المستنقع في الصحارى إذا لم يكن فيه عشب. ثم ماء القناة ثم ماء الحوض الكثير العمق. ثم ماء العيون

стр. 457

وما ينحدر من الجبال والماء الجاري النقي جيد من كل شيء. وهو جيد للحمى والزكي وجيد للمزاج والبلغم. وقالوا: لولا أن ماء همذان متفرق وهي أنهار كثيرة، في أقطارها، لكان إذا اجتمع ماؤها مثل دجلة والفرات. وقال تيادوس «١» : الماء حياة كل شيء وهلاك كل شيء وغضارة كل شيء وكاسف بال كل شيء. فأما قوله حياة كل شيء، فبه يحيا الإنسان الذي لم يخلق الله أشرف صنعة منه، والنبات والشجر وكل مأكول من الثمر وغيره. وهو غضارة هذه الأشياء ونضرتها. وأما كسوف بال كل شيء، فإذا أخذ منه الماء تغيرت نضرته وذاك كسوف باله. وأما هلاك كل شيء. فإن الغرق منه وكثرة شربه تورث الأدواء كما أن الاقتصاد فيه يذهب كل داء. وماء السماء إذا أخذ في شيء انتقي وصفّي [١١٥ أ] وشرب منه صاحب السل واليرقان نفعهما. وإذا أخذ منه في جلم قبل أن يقع إلى الأرض وشربه من أراد الذكاء زاد في حفظه وذكائه. وإن أخذ ماء السماء وخلط مع العسل والمصطكى وشرب نفع من البهق. وماء البرد إذا أخذ وألقي على قصب فارسي مخرق واستيك به نفع من الحفر والقلح وأذهب بذلك وصلّب الأسنان. وماء الثلج إذا أخذ مع عرق إنسان ثم سقي به من الكزاز سكن فيه. وإذا أخذ مع لبن الإبل وسقي من به خفقان الفؤاد سكّنه. وإن خلط به زبد البحر ثم طلي به على الجرب، ذهب به. وإن أخذ مع رماد الزيتون فطلي بهما البهق الأسود نفعه. وإن أخذ ماء البئر أول ما ينبع ثم شربه من سقي السم، كان نافعا له، وإن أخذ أيضا ثم فتّ فيه خبز من حنطة حديثة وجعل فيه قند وأكله من به وجع الفؤاد نفعه. وأول ما يظهر من العين عند حفرها فهو نافع من الجنوب والوسواس.

стр. 458

وإن ظهرت عين في سبخة فطرح فيها الاسفيل «١» المشوي وأصل الكبد كان دواء للمجذومين. والعيون الكبريتية تنفع من الجرب. وماء البحر إذا أخذ مع السنبل المدقوق و () «٢» ودلك به اللسان قطع البخر وطيّب رائحة الفم. وأنشد لأبي صالح الحذّاء من شعر طويل كتب به إلى ابنه- وكان غائبا- يذكر له طيب هواء همذان وحسنها ونزهتها ٢/٤٤ وعذوبة مائها ويشوّقه إليها: فارحل إلينا رحلة تنجلي ... منّا غيابات لمحزون فقد هدت سورة أيّامنا ... وانسلخت أيام تشرين وجاءنا الشهر الذي صفّدت ... فيه عفاريت الشياطين وطاب للسارين وجه السرى ... في طرق الريّ وقزوين والدهر في تقويم ساعاته ... كدرهم أبيض موزون هذا وبنت الكرم قد أكملت ... عدّتها في القار والطين عذراء ياقوتتها أبرزت ... تخطب من خدر الدهاقين قوم تراهم فترى أنّهم ... تجار عطر في الدكاكين والطير قد حنّت إلى عشّها ... بكلّ ألوان التزايين قد أقبلت واردة أرضنا ... يقدمها سرب الشفانين من بعد أن أفحمها عجمة ... غنّت بلحن غير ملحون [١١٥ ب] ٢/٤٥ ترنّمت في الجوّ قمريّها ... تترى بترجيع الرواشين

стр. 459

والورق من ذكر فواخيتها ... تسعدها خضر الوراشين تبكي على فرقة ألّافها ... شجوا بدمع غير مهتون وقد بدا أروند يبدي لنا ... من سفحه كلّ التحاسين تزينت غرّة إقباله ... بوشيه أحسن تزيين وانحسرت منه رؤوس الربى ... عن ناضر أخضر مشحون والقبج من حافاته أوردت ... فراخها خوف الشواهين وللظبا سرب إذا أقبلت ... من فجّه كالخرّد العين والشاء تثغوا بين حملانها ... قد أمنت كيد السراحين والماء يجري من متون الصفا ... على الخزامى والرياحين نسيمها عند هبوب الصبا ... أطيب من نفحة نسرين والله يسقي الريّ غيثا به ... من كان من سكّان رامين إنّ لهم من فرط شكري بما ... صانوك أجرا غير ممنون أجر الألى صانوا إمام الهدى ... أعني عليّا يوم صفين ٢/٤٦ فهاكها مكنونة صغتها ... حليا لعرض لك مكنون أبكار ألفاظ وما بكر ما ... يهدى من الألفاظ كالعون تمّت ثمانين وتأريخها ... في سنة الإحدى وتسعين وقال آخر: تذكّرت أروندا وطيب نسيمه ... فقلت بقلب للفراق سليم سقى الله أروندا ومن في جواره ... ومن حلّه من ظاعن ومقيم وأيّامنا إذ نحن في الدار جيرة ... وإذ دهرنا بالوصل غير ذميم «١» وقال آخر:

стр. 460

سقيا لأروند ما أهنى المصيف به ... ظل ظليل وماء ينقع الكبدا وتربة كسحيق المسك نكهتها ... وجيرة كبحور تقذف الزبدا وقال آخر: قالوا ترى النيل في مصر فتألفه ... إذا ترامى على آذيّه الزبد ٢/٤٧ فقلت أحسن من نيل بمصركم ... ماء العيون على الرضواض يطّرد في جانبيه رياض الزهر زيّنها ... نسيم نوّارها والطائر الغرد ترى الخزامى يناغي الأقحوان بها ... عند الغدوّ كما ناغى أبا ولد وأنشد لوهب الهمداني: ألقى الربيع على أروندنا خلعا ... خضرا وخلعته البيضاء قد خلعا [١١٦ أ] كساه ثوبا من النوّار تنسجه ... أيدي الربى روضها خفضا ومرتفعا «١» ملاءة نسجتها ديمة فلها ... بدائع جمة قد فاقت البدعا لها رقائق حسن ليس يفهمها ... ماذا جواهرها إلّا الذي صنعا صفر وخضر وحمر ليس يشبه ذا ... هذا ولا ذاك هذا عند ما طلعا للماء فيه خرير رجع نغمته ... في الروض ترجيع نشوان إذا سجعا ترى حدائقها كالبيض لامعة ... بين الأقاحي فضاء في الرياض معا إذا بكت مزنة من فوقها ضحكت ... شقائق أخرجت من سمطها خلعا ٢/٤٨ طور منيف عليه شملة نسجت ... خضراء فارتفعت فيه كما ارتفعا إذا الشمال عليه جرّ أذيله ... حسبته سوق عطر بينها وضعا فانظر إلى بطن أروند البهيّ ترى ... بابا إليه من الفردوس قد شرعا

стр. 461

واسمع إذا قرقرت قمرية طربا ... وهاج ورشانه في سفحه ودعا والثاغيات بها تدعو هوالعها ... فكلّ ثاغية قد أرقدت هلعا من لم يكن في ذرى أروند معتكفا ... فذاك عن صحبة اللذات قد خدعا ويقال إن أكثر الجبال ماؤها من أسفلها إلّا أروند فإن ماءه في أعلاه ومنابعه في ذروته. وأنشد لبعضهم في أروند: أودى الشتاء وهاج كلّ مغرّد ... وبدت معالم للربيع الأغيد عكفت على أروند كلّ سحابة ... سوداء مظلمة كلون الإثمد تبكي مدامعها ويضحك ثغرها ... عن شرق كالكوكب المتوقّد هملت بما حملت فألبست الربى ... من نسجها حللا وإن لم تعقد من كلّ أخضر كالحرير وفاقع ... غضّ وأحمر ساطع ومورّد شملت عصابة نوره هام الثرى ... فتعمّمت منها هضاب الفدفد صارت عيونا للزبى لما بكت ... فيها السحاب بأعين لم تجمد ٢/٤٩ وكأنها قمر وقد طلعت لها ... شمس الضحى من جوهر متبدّد حسنت فحسّنت الثرى ببدائع ... حسرت مساوي للشتاء الأنكد شربت من الوسميّ أول صوبه ... ومن الزلال البارد المتطرّد وكأنما لبس البقاع معصفرا ... منها ووشّح صدره بمورّد نفت الصّبا عنه القذى بنسيمها ... فكأنه لمعان متن مهنّد [١١٦ ب] وكانوا يقولون: شتاء بغداد، وربيع همذان ومصيف أصفهان وخريف الري «١» . وقالت الحكماء: أحسن الأرض مخلوقة، الري ولها السن

стр. 462

والسريان «١» . وأحسنها مصنوعة، نيسابور ولها حسن الآبار. ومرو ولها الذريق والماجان، ودمشق ولها الغوطة والواديان. ونصيبين ولها هرماس. والصيمرة ولها ما يهوى الحصنان. والبصرة ولها النهران. وفارس ولها شعب بوّان. وشهر زور ولها المستشرف. وباقرحى ولها من هاهنا بستان ومن هاهنا بستان. والمدائن ولها دجلة. والسوس وتستر وهما بين أربعة أنهار: دجيل والمسرقان وماهينان ونرويان. وبلخ ونهاوند وأصفهان. وقال أبو الوفاء الهمذاني في إقبال همذان ومتنزهاتها في شعر طويل: ريّان من ماء الكروم كأنني ... غصن أمالته الصبا فثأوّدا أرمي بعينيّ الرياض وأجتني ... من حليهن لآلئا وزبرجدا ما بين أعلى معوجين ودونها ... متصوّبا طورا وطورا مصعدا وإذا علوت إلى بقاع سنينس ... وأبحت عينيك المراد الأبعدا عاينت أحسن منظر حلّ الندى ... وشماله من نسجه أن ينفدا زهراء قد زهت الرياض بنوره ... لمّا غدا على «٢» الربى متسرّدا حمراء ناصعة صفراء فاقعة ... ومزعفرا في لونه ومورّدا يفترّ مبتسما كأنّ وميضه ... شرر أطارته الصبا فتوقّدا وإذا الغزالة حلّ عقد خمارها ... أهدت له منها ندى متجدّدا نور تنير له الرياض وتغتدي ... تبدو له أسرارهنّ إذا بدا وترى الجنان قد اكتسين نضارة ... وجلين درّا في الغصون منضّدا وقال أيضا [١١٧ أ] : يا للّيالي ترميني بأسهمها ... ومالها ترة عندي ولا ثار إذا اصطفيت خليلا أو أخا ثقة ... لا تنثني منه أو تنأى به الدار

стр. 463

يا أيها المغتدي نحو الجبال له ... فيما هناك لبانات وأوطار اقرء السلام على أروند من جبل ... يهيجني نحوه شوق وتذكار واخصص أماكن فيه كنت أعهدها ... فيهنّ مني علامات وآثار واربع بمرتبع كنّا نلوذ به ... قد أينعت فيه باللّذات أشجار بسفح مرجانة المحسود ساكنها ... روض أريض وماء ثمّ موّار وشعب قرّود فيه كلّ مونقة ... وفيه للهو أشجار وأنهار فسفح ترمن فالدكان مجتمع ... فحيّه كلّما حلّته أمطار مستشرف فيه للأبصار متّسع ... يروقنا زهر فيه وأنوار وفيه للقلب والأسماع ما طلبا ... من السرور إذا غرّدن أطيار يجيب ألحانها منا إذا هزجت ... وغرّدت طربا عود ومزمار تلك البلاد التي تحيا النفوس بها ... لا ما تلهّب في حافاته النار أرض ينعّم أهليها إذا نعموا ... بأن تكنّهم في الأرض آبار مجاراة عبد القاهر والحسين بن أبي سرح في مدح همذان والعراق وذمّهما وكان عبد القاهر بن حمزة الواسطي والحسين بن أبي سرح كثيرا ما يلتقيان ٢/٥٠ فيتجاريان الآداب ويتذاكران العلوم. وكان عبد القاهر لا يزال يذم الجبل وهواءه وأهله وشتاءه، لأنه رجل من أهل العراق. وكان ابن أبي سرح مخالفا له، كثير الذم للعراق والطعن على أهله. فالتقيا يوما عند محمد بن إسحاق الفقيه «١» . وكان يوما شاتيا صادق البرد كثير الثلج. وكان البرد قد بلغ إلى عبد القاهر. فلما دخل وسلم قال: لعن الله الجبل ولعن ساكنيه وخصّ الله همذان من اللعن [١١٧ ب] بأوفره وأكثره. فما أكدر هواءها وأشدّ بردها وأذاها وأكثر مؤونتها وأقل خيرها. قد

стр. 464

سلّط الله عليها الزمهرير الذي يعذب به أهل جهنم، مع ما يحتاج الإنسان منها إليه من الدثار والمؤن المجحفة. فوجوهكم يا أهل همذان متشققة، وأنوفكم سائلة، وأطرافكم خضرة، وثيابكم متّسخة وروائحكم قذرة، ولحاكم دخانية «١» ، وسبلكم منقطعة، والفقر عليكم ظاهر والمستور في بلدكم مهتوك. لأن شتاءكم يهدم الحيطان ويبرز الحصان ويفسد الطرق ويشعث الآطام. فطرقكم وحلة تتهافت فيها الدواب، وتقذر فيها الثياب وتتحطم الإبل وتنخسف فيها الآبار وتغيض المياه، وتكف السطوح وتهيج الرياح العواصف، وتكون فيها الزلازل والخسوف والرعود والبروق والثلوج والدمق. فتنقطع عند ذلك السبل ويكثر الموت وتضيق المعايش. فالناس في جبلكم هذا سائر أيام الشتاء يتوقعون العذاب ويخافون السخطة والعقاب، ثم يسمونه العدو المحاصر والكلب الكلب. ولذلك كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى بعض عمّاله: إنه قد أظلكم الشتاء وهو العدو المحاصر، فاستعدوا له الفراء واستنعلوا الحذاء. وقد قال الشاعر: إذا جاء الشتاء فأدفئوني ... فإن الشيخ يهدمه الشتاء فالشتاء يهدم الحيطان، فكيف الأبدان، لا سيما شتاؤكم الملعون؟ ٢/٥١ ثم فيكم أخلاق الفرس وجفاء العلوج وبخل أهل أصفهان ووقاحة أهل الري وفدامة أهل نهاوند وغلظ طبع أهل همذان. على أن بلدكم هذا أشدّ البلدان بردا وأكثرها ثلجا وأضيقها طرقا وأوعرها مسلكا وأفقرها أهلا. وكان يقال: إن أبرد البلدان ثلاثة: برذعة وقاليقلا وخوارزم. وهذا قول من لم يدخل بلدكم ولم يشاهد شتاءكم. وقد حدثني أبو جعفر محمد بن إسحاق المكتّب قال: لما قدم عبد الله بن المبارك همذان، أوقدت بين يديه، فكان إذا سخن باطن كفّه أصاب ظاهرها البرد. وإذا سخن ظاهرها أصاب باطنها البرد، فقال:

стр. 465

أقول لها ونحن على صلاء ... أما للنار عندك حرّ نار لئن خيّرت في البلدان يوما ... فما همذان عندي بالخيار ثم التفت إلى ابن أبي سرح وقال: يا أبا عبد الله! وهذا والدك يقول: النار في همذان يبرد حرّها ... والبرد في همذان داء مسقم والفقر يكتم في بلاد غيرها ... والفقر في همذان ما لا يكتم قد قال كسرى حين أبصر تلّكم ... همذان، فانصرفوا فتلك جهنّم والدليل على هذا أن الأكاسرة كانت لا تدخل همذان، لأن ٢/٥٢ بناءهم متصل من المدائن إلى أزرميدخت من أسدآباد ولم يجوزوا عقبة أسدآباد. وبلغنا أن كسرى أبرويز همّ بدخول همذان. فلما بلغ موضعا يقال له دوزخ دره ومعناه بالعربية باب جهنم أو كهف جهنم، قال لبعض وزرائه: ما يسمى هذا المكان؟ فعرّفه. فقال: انصرفوا. لا حاجة لنا في دخول مدينة فيها ذكر جهنم. وقال شاعركم وهو وهب بن شاذان الهمذاني: أما آن من همذان الرحيل ... من البلدة الحزنة الجامدة فما في البلاد ولا أهلها ... من الخير من خصلة واحدة يشيب الشباب ولم يهرموا ... بها من ضبابتها الراكدة سألتهم أين أقصى الشتاء ... ومستقبل السنة الواردة فقالوا إلى الجمرة المنتهى ... فقد سقطت جمرة جامدة وقال أيضا: يوم من الزمهرير مقرور ... عليه جبّ الضباب مزرور كأنما حشو جوّه إبر ... وأرضه وجهها قوارير وشمسه حرّة مخدّرة ... تسلّبت حين حمّ مقدور ٢/٥٣ تخال بالوجه من ضبابتها ... إذ أخذت جلدة زنابير

стр. 466

يرى البصير الحديد نظرائه ... منها لأجفانه سمادير وسأل عمر بن الخطاب ﵁ رجلا فقال: من أين أنت؟ فقال: من همذان. قال: أما إنها مدينة همّ وأذى، تجمد قلوب أهلها كما يجمد ماؤها. وقال شاعركم أيضا محمد بن بشار يذم بلدكم ويذكر شدة برده وغلظ طبع أهله وما يحتاجون إليه من المؤن المجحفة الغليظة [١١٨ أ] : أتتك امارات الشتا ودلائله ... ووافاك من برد الخريف أوائله فأصبحت محزونا ودمعي كأنّه ... جمان على الخدين ينثر هامله أمامي صيف رعانيه «١» ... وتيه رحيب جوزه ومجاهله إذا البرد ردّاه رداء كأنه ... ملاء عليه قد تنوّق غاسله وهبّت له ريح الصبا ثم أعقبت ... جنوبا وهبّت بعد ذاك شمائله وجدت فؤادي طائرا من حذاره ... وقلبي كثيبا ما تكفّ بلابله وقال آخر: أتانا الزمان ببرد الشتاء ... وسال به سيله مكفهرّا وهبّت سيول شمال الرياح ... فكزّ الفقير لها واقشعرّا يقرّب من رأسه منكبيه ... ويغدو إلى ناره مشمئرّا وأحجرت الكلب هوج الرياح ... وصرّ بأذنيه للبرد صرّا وفارقت الوحش أوطانها ... إلى كلّ غور يقيهنّ «٢» شرّا وكرّ الولاة على من يكون ... فلم يجد المرء منهم مفرّا وشحّ البخيل على ماله ... وزوّى له حاجبيه وهرّا وقيل لأعرابي دخل همذان ثم انصرف إلى البادية: كيف رأيت همذان؟

стр. 467

فقال: أما نهارها فرقّاص وأما ليلهم فحمّال. يعني أنهم بالنهار يرقصون لتدفأ أرجلهم، وبالليل حمّالون لكثرة دثارهم. ووقع أعرابي إلى همذان في الربيع فاستطاب الزمان وأنس بالأشجار والأنهار. فلما جاء الشتاء، ورد عليه ما لم يعهده من البرد والأذى فقال: بهمذان شقيت أموري ... عند انقضاء الصيف والحرور جاءت بشرّ شرّ من عقور ... ورمت الآفاق بالهرير والثلج مقرون بزمهرير ... لولا شعار العاقر النزور أمّ الكبير وأبو الصغير ... لم يدف إنسان من التخصير ولقد سمعت شيخا من علمائكم وذوي المعرفة منكم أنه يقول: يربح أهل همذان إذا كان يوم في الشتاء صافيا له شمس حارة، مائة ألف درهم، لأنهم لا يحتاجون فيه إلى الوقود. وقيمته في همذان ورساتيقها في كل يوم مائة ألف درهم. وقيل لابنة الخسّ: أيما أشدّ الشتاء أم الصيف؟ فقالت: من يجعل الأذى كالزمانة. وقيل لأعرابي: ما غاية البرد عندكم؟ فقال: إذا كانت السماء نقية والأرض ندية والريح شامية فلا تسأل عن أهل البريّة. وقد جاء في الخبر أن همذان تخرب لقلة الحطب. ودخل أعرابي همذان. فلما رأى هواءها وسمع كلام أهلها، ذكر بلاده وقال: وكيف أجيب داعيكم ودوني ... جبال الثلج مشرفة الرعان ٢/٥٤ بلاد شكلها من غير شكل ... وألسنها مخالفة لساني وأسماء النساء بها زنان ... وأقرب بالزنان من الزواني ودخل بعض الأعراب الجبل في الشتاء فجعل أنفه

стр. 468

يرعم «١» . فرفع يده ووجأه فقال: لا والذي جلّ وعلا، ما رأيت عضوا أنتن منك. إذا جمد كل شيء فأنت تذوب، وإذا ذاب كل شيء فأنت تجمد. أبيت إلّا خلافا. وقال شاعركم وهو أحمد بن بشار «٢» . لقد أتى همذان البرد فانطلق «٣» ... وارحل على شعب شمل غير متفق بئس اعتياض الفتى أرض الجبال له ... من العراق وباب الرزق لم يضق أما الملوك فقد أودت سراتهم ... والغابرون بها في شيمة السوق ولا مقام على عيش ترنّقه ... أيدي الخطوب وشرّ العيش ذو الرنق قد كنت أذكر شيئا من محاسنها ... أيام لي فنن كاس من الورق فاليوم لا بدّ من نعتي مساوئها ... كما يغصّ بها الثاوي على شرق لا خير فيها ولا في أن تقيم بها ... ولا تقلبت بين التبر والورق أرض يعذب أهلوها ثمانية ... من الشهور ٢/٥٥ كما عذّبت بالرهق تبلى حياتك ما تمنى بنافعة ... إلّا كما انتفع المجروض بالرمق فإن رضيت بثلث العمر فارض به ... على شرائط من يقنع بها يبق إذا زوى البقل هاجت في بلادهم ... من جربيائهم نشّافة العرق تبشّر الناس بالبلوى وتنذرهم ... ما لا يداوى بلبس الدرع والدرق تلفّهم في عجاج لا تقوم لها ... قوائم الفيل قبل المأقط الشبق لا يملك المرء فيها كور عمّته ... حتى تطيّرها من فرط مخترق فإن تكلّم لاقته بمسكنة ... ملء الخياشيم والأفواه والحدق فعندها ذهبت ألوانهم جزعا ... واستقبلوا الجمع واستولوا على العلق حتى تفاجئهم شهباء معضلة ... تستوعب الناس في سربالها اليقق

стр. 469

خطب بها غير هين من خطوبهم ... كالخنق ما منه من ملجا لمختنق أمّا الغني فمحصور يكابدها ... طول الشتاء مع اليربوع في نفق يقول أطبق وأسبل يا غلام ... وأرخ الستر واعجل بردّ الباب واندفق وأوقدوا بتنانير تذكّرهم ... نار الجحيم بها من يصل يحترق والمحلقون بها سبحان ربّهم ... ماذا يقاسون طول الليل من أرق تنسدّ أبوابهم بالثلج فهو لهم ... دون الرتاج رتاج غير منطبق والأرض تصبح والدنيا لها طبق ... تحار فيه عيون الناس في الطرق حتى إذا استحكمت بردا غدا طبق ... من الضباب فقد أوفى على طبق ينهلّ منها عليهم دائبا ديما ... بالزمهرير عذابا صبّ من أفق صبغ الثياب إذا حلّ الشتاء بها ... صبغ المآتم للحسّانة الفنق والذئب ليس إذا أمسى بمحتشم ... من أن يخالط أهل الدار والنسق ٢/٥٦ فويل من كان في حيطانه قصر ... ولم يخصّ رتاج الباب بالغلق يدعو الثبور على صبيانه فرقا ... بعد العشاء ويدعوه من الفرق وصاحب النسك ما تهدا فرائصه ... والمستغيث بشرب الخمر في غرق أما الصلاة فودّعها سوى طلل ... أقوى وأقفر من سلمى بذي العمق تمسي وتصبح والشيطان في قرن ... مستمسكا من حبال الدين بالرمق والماء كالثلج والأنهار جامدة ... والأرض أضراسها تلقاك بالدبق حتى كأنّ قرون العفر ناتئة ... تحت المواطئ والأقدام في الطرق والناس بيض اللحى تهمي أنوفهم ... فوق الشوارب كالمصدوم ذي البلق تسعين يوما وعشرا أكلمت مائة ... يدعون ليلة متّت ليلة السدق كأنهم عسكر هاج الحريق بهم ... فهم يموجون والضوضاء في فرق ٢/٥٧ كأنهم حين أفضوا في ثيابهم ... خلف الغرابيل أوهاها من الخرق فما ترى بعدها يلقون من عذب ... من الوحول التي طمّت على اللثق

стр. 470

والمشي شهرين بالميزان قد زهقت ... نفوسهم فرقا من خشية الزلق فكلّ غاد بها أو رائح عجل ... يمشي على أهلها غضبان ذا حنق قوم غذاؤهم الألبان مذ خلقوا ... فما لهم غيرها من مطعم أرنق لا يعبق الطيب في أصداغ نسوتهم ... ولا جلودهم تبتّل من عرق فهم غلاظ جفاة في طباعهم ... إلّا تعلّة منسوب إلى الحمق أفنيت عمري بها حولين من قدر ... لم أقو منها على دفع ولم أطلق فلما بلغ عبد القاهر هذا المكان، التفت إليه ابن أبي سرح فقال: لقد أكثرت في المقال وأسرفت في الذم وأطلت القلت وطوّلت الخطبة. ولولا ما أجزت إليه من سوء المقال وكثرة الهذيان لكنا عن مجاوبتك بمعزل وعن محاورتك في شغل. فمهما كان فينا- يا أبا علي أكرمك الله- وفي هوائنا وأرضنا وبلدنا وصقعنا. فليس فينا جفاء النبط وعجر فيه أهل [١١٩ أ] السواد، وأخلاق الخوز، وغدر أهل الكوفة، ودقة نظر أهل البصرة، وبخل أهل الأهواز، وسوء معاشرة أهل بغداد وشدة حيلهم، وجفاء أهل الجزيرة، وغباوة أهل الشام. وأهل الجبل قد سلموا من شدة حرّ البصرة، ومن كثرة ذباب بغداد، ومن بقّ البطائح، وبراغيث الكوفة، وتغير هواء مصر، ومن جرارات الأهواز وسمائمها، ٢/٥٨ ومن عقارب نصيبين، وثعابين مصر، ومن أفاعي سجستان. وهل الخصب والخير والنعمة والدعة والأكل والشرب إلّا في الشتاء الذي تغيب فيه الهوام وتنحجر الحشرات ويموت الذباب ويهلك البعوض ويبرد الماء ويصفو الجوّ ويطيب فيه العناق، ويظهر فيه الفرش والكسوة والنعمة والملوكية والسرو «١» والخرمية. وإذا ميزت الأقاليم صقعا صقعا وبلدا بلدا وكورة كورة وطسوجا طسوجا، علمت أنه لا يخلو بلد من البلدان ولا إقليم من الأقاليم في شرق الأرض وغربها

стр. 471

وبرها وبحرها وسهلها وجبلها من حرّ وبرد أربعة أشهر. ولذلك قال أبو دلف: إني امرؤ كسروي الفعال ... أصيف الجبال وأشتو العراقا وألبس للحرب أثوابها ... وأعتنق الدار عين اعتناقا فاختار بفضل رأيه وجودة تمييزه أن يصيف الجبال ليسلم من سمائم العراق وذبابه وهوامّه وحشراته وسخونة مائه وهوائه. واختار أن يشتو بالعراق ليسلم من زمهرير الجبال وكثرة أنديتها ووحولها وثلوجها. وقد قال أيضا في غير هذا المعنى. بل في ضدّه لسبب دعاه إلى ذلك: ألم تر حين حال الزمان ... أصيف العراق وأشتو الجبالا سموم المصيف وبرد الشتاء ... حنانيك حالا أزالتك حالا فصبرا على حدث النائبات ... فإن الخطوب تذلّ الرجالا «١» والسبب الذي لأجله قال هذه الأبيات أنه لمّا قال القافية التي كتبناها قبلها اتصلت بعبد الله بن طاهر- وكان سيىء الرأي بأبي دلف- فقال: ألم تر أنا جلبنا العناق ... إلى أرض بابل قبّا عتاقا [١١٩ ب] فما زلن يعسفن بالدار عين ... طورا حزونا وطورا رفاقا إلى أن وردن بأدوائها ... قلوب رجال أرادوا النفاقا وأنت أبا دلف ناعم ... تصيف الجبال وتشتو العراقا ٢/٥٩ فلما وقف أبو دلف على هذه الأبيات آلى على نفسه أن لا يصيف إلّا ببغداد ولا يشتو إلّا بالجبل. فإذا صحّ لك ما قلنا وتبين ما حكينا، ثم ميّزت وتفكرت ونظرت وأنصفت. علمت أن البرد أصلح من الحرّ. لأنك إذا أضفت البرد وهو الجبال إلى ما يقاسيه

стр. 472

أهل عمان وأهل البصرة وسيراف وبغداد من أذى السمائم من الهواء الكدر الغليظ والماء السخن الزعاق وكثرة الذباب والجعلان والخنافس والحيات والعقارب والجرّارات والنمل والبعوض والبق والجرجس وغير ذلك مما يطول ذكره، علمت أن العيش عيشنا والنعمة نعمتنا. وملوك الجبل لا يعدون العيش عيشا والنعمة نعمة إلّا في أيام الشتاء. لأنهم يفرشون من الفراش أسراه ويلبسون من الثياب أحسنها وأدفأها. ويلبسون الثعالب البيض والسود والحمر والفنك والسمور والقاقم والحواصل والوشق والدلق والفراء اليمانية. ويفرشون الخز الرقم والأرمني المحفور والميساني والقطوع والديباج والمرعز والسوسنجرد. ولهم المضارب والأبنية والستارات والسرادقات والقباب التركية وأثواب عدن وثياب نيسابور ومرو وأصفهان، والنعمة عندنا في الشتاء أظهر والخير أكثر. ولولا الشتاء وثلجه وبرده وريحه ومطره ٢/٦٠ لما نبت لنا في الصيف زرع ولا ذرّ ضرع ولا أخضر شجر ولا اجتني ثمر. ولذلك قال الشاعر: لولا الشتاء ولولا قبح منظره ... لما بدا من ربيع منظر حسن وفي الشتاء يستلذ الملوك شرب المدام لطول الليل وقلة الهوام. والشراب صديق النفس وحياة الأبدان والسبب إلى الزيادة في الأعمار وصحة الأجسام، وباعث الحرارة الغريزية ومرطّب الأعضاء اليابسة وطارد الهم والفكر، والزائد في ارتفاع الهمة. وله اتخذت القصور [١٢٠ أ] المشيدة والمجالس المنجدة والنمارق الممهدة، هذا في الشتاء. فإذا جاء الربيع، فلنا الأفياء الحسنة والرياض الخضرة والجنان المتصلة والمياه المطّردة والأرواح الطيبة والمواضع النزهة. ثم لنا من الأنوار والزهر في الرياض والغدران ما لا يكون في بلادكم ولا يعرف عندكم. حتى لقد جهد ملوككم وكتّابكم وذوو النعمة منكم أن يغرسوه في بساتينهم وجناتهم، فلم يستو ذاك لهم ولا أفلح عندهم. من ذلك: الزعفران

стр. 473

والزردلال والجاولال والكيستج والسحالة والكركيس والنستر والندير والسوسن آزاد وغير ذلك من الأنوار الجبلية التي لا تكون إلّا في بلادنا. ومما هو لنا دونكم ٢/٦١ وينبت في بلادنا لا بلادكم، الريباس وهو من أنفع ما يؤكل. ويقال إنه يقوم مقام السكنجبين. ولنا أنواع من الفواكه ليست لكم. وإذا حمل إليكم شيء منها تفتخرون به وتتهادونه، منها: الكمثرى النهاوندي والصيني والتفاح الشيري. ولنا أيضا أشياء تتخذ من الألبان ليست لكم. بل هي مستطرف عندكم. منها اللور وشيران وأنواع الشوارير والكشك المعمول باللبن. وإذا دخل الكاتب أو العامل همذان ثم انصرف عنها إلى بلدة وسئل عما فيها قال: إذا كان خبزك من حنطة أزناو مع خبر المهروان ولحم الشراهين، فلا تسأل عن شيء آخر. وحسبك فضيلة بشيء. ينادى على الخبز بالحرمين: مكة والمدينة. في أيام الموسم والناس مجتمعون من كل فج عميق: المهرواني، المهرواني. ولقد دخل بها المعتضد، فوصف له ما يتخذ بها من الألبان فأكل منه واستطابه. فلما انصرف إلى العراق، أمر أن يحمل إليه منه. فكان يوجه به مع الفرانقيين «١» وأصحاب البرد. ولما ميّز قباد إقليم بلده، وجد أنزه بقاعه ثلاثة عشر موضعا: المدائن والسوس وجنديسابور وتستر وسابور وإصبهان والري وبلخ وسمرقند وباورد وماسبندان ومهرجانقذق وتل ماشير وبطنا بنهاوند تسمى روذراور. وهي ثلاثة فراسخ فيها ثلاثة وتسعون قرية متصلة مع جنان ملتفة وأنهار مطّردة. نباتها الزعفران وأشجارها جميع الفواكه: العنب والرمان والجوز واللوز والتفاح والكمثرى وغير ذلك.

стр. 474

٢/٦٢ ولقد قال بعض الدمشقيين ممن قد جال الآفاق ودار البلدان: دخلت غوطة دمشق وأبلّة البصرة واسكندرية مصر وصنعاء اليمن. ورأيت خورنق الكوفة والبرية المسماة خد العذراء وحافتي دجلة والفرات وبغداد وباب الطاق وباب [١٢٠ ب] الكرخ مع سائر الأسواق. وشاهدت شبديز قرميسين وزرنروذ إصبهان وجنديسابور الأهواز. ودخلت شابور فارس، ونظرت إلى شعب بوّان وماجان مرو وسريان الري ومستشرف باكرخى. وشاهدت سمرقند والصغد وبلخ. فما رأيت بلدا أطيب ولا أعذب ماء ولا أكثر خيرا من إقبال همذان. وما ظنك ببلد حشيشه الريحان والزعفران وشرابه العسل والسمنان وثمره العنب والرمان. قال الشاعر: بلد نبات الزعفران ترابه ... وشرابه عسل بماء قنان قال: فلما بلغ ابن أبي سرح هذا المكان قال له صاحب المنزل: يا أبا عبد الله! وأفرطت وقلت في الجبل عاله وعليّه. وهذا وقت ضيق وقد حضرت الصلاة. والصواب قطع هذه المفاخرة وترك هذه المناظرة. فقال: قد قطعت ذلك، وإن عاد عدنا. ثم قام وهو يقول: إن عادت العقرب عدنا لها ... وكانت النعل لها حاضرة وقال بعض الشعراء «١» : وبالقوس لمّا حلّت الشمس أظلمت ... وأطبق أروند على همذان وهبّت رياح الزمهرير فأحرقت ... بها كلّ ذي جنس من الحيوان فما أن ترى شيئا بها غير جامد ... مع النفط والنفّاط والقطران ترى الناس بين السوق والدور جمّدا ... عداهم من الترداد والجولان فطرقهم والدور مطموسة بهم ... يزيدهم طمسا ٢/٦٣ وليس بفان

стр. 475

ترى الطير في جوّ السماء معلّقا ... من البرد ممنوعا من الطيران وتجمد بين الحائطين كلابهم ... وكانت تباري الخيل يوم رهان وليس يقي من بردها جلد ثعلب ... بخوارزم مدبوغ بغير تواني ولا جلد سمّور ولا الفنك الذي ... يوقّى به المقرور حرّ عمان وليس يقيهم منه لفح جهنّم ... وما لهم بالزمهرير يدان أما مهربا من ذا العذار فقد وهت ... عظامي ولا تشعر به القدمان إلى الكرج الحسناء دار أميرنا ... فنوسعها حمدا بكلّ لسان مباركة حفّت بخصب ونعمة ... بماء عيون عذبة وجنان فأهل التقى والبرّ والفضل أهلها ... وليس لهم في المشرقين مدان ذكر حب الأوطان ولولا اختلاف شهوات الناس لما اختاروا من الأسماء إلّا أحسنها ومن البلدان إلّا أغذاها ومن الأمصار إلّا أوسطها. ولو كانوا كذلك لتناحروا على البلدان الغذية ولتقاتلوا على الأمصار المتوسطة، ولما وسعتهم بلاد ولا تمّ بينهم صلح. ٢/٦٤ إلّا أن رضاهم بأوطانهم، واغتباطهم بمساقط رؤوسهم مانع لهم. والقناعة ببلدانهم وإن كانت الطبيعة مجبولة عليه. وكيف لا يكونون كذلك وأنت لو حوّلت ساكني الآجام إلى الفيافي، وساكني السهل إلى الجبال، وساكني الجبال إلى السهل والبحار، وساكني أهل العمد إلى المدر، لأذاب قلوبهم وأخنى عليهم فرط النزاع. بل لو نقلت أهل القفار إلى العمران وحوّلت من في جزائر البحار إلى المدن، لم تجدهم راضين بذلك ولا قانعين. بل كنت تجدهم يحنون إلى أوطانهم ويتذكرون بلدانهم. وقد قيل في الأمثال: عمّر الله البلدان بحب الأوطان الرجال. وقال عبد الله بن الزبير: ليس الناس بشيء من أقسامهم أقنع منهم بأوطانهم.

стр. 476

وقال معاوية في قوم من أهل اليمن رجعوا إلى بلادهم بعد أن أنزلهم من الشام منزلا خصبا وفرض لهم في شرف العطاء: هؤلاء () «١» أوطانهم بقطيعة أنفسهم. وقد قال الله تعالى «وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ » . فقرن الضنّ منهم بالأوطان إلى الضن [١٢٠ ب] منهم بالأنفس. وزوّجت أعرابية في الحضر وأسكنت قصرا. فحنّت إلى البدو وقالت: للبس عباءة وتقرّ عيني ... أحبّ إليّ من لبس الشفوف وبيت تخفق الأرواح فيه ... أحبّ إليّ من قصر منيف وبكر تتبع الأضعان نضو ... أحبّ إليّ من بغل رؤوف وكلب ينيح الأضياف ليلا ... أحبّ إليّ من ديك عيوف وبناحية الجنوب جزيرة يقال لها تاران، ينزلها قوم يقال لهم بنو خدّان «٢» ، معاشهم صيد السمك وليس لهم ماء عذب ولا زرع ولا شجر. وبيوتهم من السفن المنكسرة وعظام السمك. يستطعمون الخبز ويستعذبون الماء ممن يجتاز بهم في الدهر الطويل. وربما أقاموا السنين الكثيرة لا يمرّ بهم إنسان. فإذا قيل لهم: أي شيء مقامكم في هذا البلد؟ قالوا: اليطن، اليطن، يريدون الوطن. وكذلك قالوا: من لطف النفس أن تكون ٢/٦٥ إلى مولدها مشتاقة وإلى مسقط رأسها تواقة. وقال بعض الحكماء: حرمة بلدك عليك كحرمة أبويك. إذ كان غذاؤك منهما وغذاؤهما منه.

стр. 477

وقالوا: أرض الرجل ظئره وداره مهده. وأحب البلدان بالتوق إليه بلد منحك حليبه رضاعة. وقال آخر: إذا كان السبع يحنّ إلى أوطانه. فالإنسان أولى بالحنين إلى مكانه. وقال بقراط: فطرة الإنسان معجونة بحب الوطن. وكان أيضا يقول: يغذى كل عليل بأطعمة أرضه. فإن النفس تتطلع إلى غذائها. وقال الشاعر: تحنّ قلوصي من غداة إلى نجد ... ولم ينسها أوطانها قدم العهد وقد هجت نصبا من تذكّر ما مضى ... وأغذيتني لو كان هذا الهوى يغذي وذكّرتني قوما أحنّ إليهم ... وأشتاقهم في القرب منهم وفي البعد أولئك قوم لو لجأت إليهم ... لكنت مكان السيف من وسط اليد ودخل بعض الأعراب الحضر فاشتاق إلى البدو وقال: لعمري لنور الأقحوان بحائل ... ونور الخزامى في ألاء وعرفج [١٢١ ب] أحبّ إلينا يا حميد بن مالك ... من الورد والخيري ودهن البنفسج وأكل يرابيع وضبّ وأرنب ... أحبّ إلينا من سماني وتدرج ونص القلاص الصهب تدمى أنوفها ... يجبن بنا ما بين قوّ فمنعج أحبّ إلينا من سفين بدجلة ... ودرب متى ما يظلم الليل يرتج وقدم خالد بن فريص الهجيمي الأهواز، فلما رأى حرّها وأذاها لحق إلى بلده وقال: نظرت وقد حال القرى دون منظري ... وقد عمّمت أجبالها بالعياطل

стр. 478

ألمحة برق أم شبا النار شبّها ... مقالون لم يستصحبوا بالقبائل وما نفحة من خالص المسك علّيت ... بأطيب من أرواح تلك المنازل إذا ما خزاماها جرى في فروعها ... بمذعورة (؟) أو بلّة بالأصائل وقال آخر: خليليّ قوما واشرفا القصر فانظرا ... بأعيننا هل تؤنسان لنا نجدا؟ وإنّي لأخشى إن علوناه علوة ... ونشرف بأن نزداد ويحكما وجدا وقال آخر: ألا أيها الركب المحثّون هل لكم ... بأهل العقيق والمنازل من علم؟ فقالوا: نعم، تلك الطلول كعهدها ... تلوح. وما يغني سؤالك عن علم فقلت: بلى، إن الفؤاد يهيجه ... تذكّر أوطان الأحبّة والحرم وشكا قوم من أهل خضرة «١» - وهي على ثلاث مراحل من المدينة. وكان اسمها عقرة فسماها النبي خضرة- إلى عمر بن الخطاب ﵁، وباء أرضهم فقالوا: لو تركتموها. فقالوا: معاشنا ومعاش آبائنا ووطننا. فسأل عمر ﵁ الحارث بن كلدة. فقال الحارث: البلاد الوبيّة ذات الأدغال والبعوض عش الأوباء. ولكن ليخرج أهلها منها إلى ما يقاربهم من الأرض [١٢٢ أ] العذية إلى تربيع النجم وليأكلوا البصل والكراث ويباكروا السمن العربي فيشربوه وليشمّوا الطيب ولا يمشون حفاة. ولا ينامون بالنهار. فإني أرجو أن يسلموا. قال: فأمرهم عمر بذلك وأنشد: أقول وفوق البحر تحتي سفينة ... تميل على الأعطاف كلّ مميل ألا أيّها الركب الذين دليلهم ... سهيل اليماني دون كلّ دليل ألمّوا بأهل الأبرقين فسلّموا ... وذاك لأهل الأبرقين قليل

стр. 479

بأهلي أهل الأبرقين وجيرة ... سأهجرهم لا عن قلى فأطيل ألا هل إلى سرح ألفت ظلاله ... وتكليم أهل الأبرقين سبيل؟ وقال الفضل بن إسحاق «١» : لقيت أعرابيا فقلت: ممن الرجل؟ فقال: من بني أسد. قال: فمن أين أقبلت؟ قال: من هذه البادية. قلت: فأين مسكنك؟ قال: مساقط الحمى، حمى ضرية بأرض [لعمر الله] ما نريد بها بدلا، ولا عنها حولا. قد نفحتها العدوات وحفتها الفلوات. فلا يملولح ترابها ولا يمعر جنابها. ليس لها أذى ولا قذى [ولا عك ولا موم] ولا حمّى. فنحن فيها بأرفه عيش وأوسعه. قلت: وما طعامكم؟ قال: بخ بخ. عيشنا والله عيش تعلل جاذبه (؟) وطعامنا أطيب طعام وأهنأه وامرأة: الفت والهبيد والفطس والصلب والعنكف [والظهر] والعلهز والذآنين [والطراثيث] والعراجين والحسلة والضباب. وربما أكلنا القد واشتوينا الجلد. فما نرى أن أحدا أخصب منا. فالحمد لله على ما بسط من الرزق ورزق من حسن الدعة. أو ما سمعت بقول قائلنا وقد كان عالما بلذائذ العيش وطيبه: إذا ما أصبنا كلّ يوم مذيقة ... وخمس تميرات صغار كوانز فنحن ملوك الناس شرقا ومغربا ... ونحن أسود الناس عند الهزاهز وكم متمنّ عيشة لا ينالها ... ولو ناله أضحى به جدّ فائز [١٢٢ ب] الفث: نبات أسود. والعنكث: نبت. والذآنين. والحسل: ولد الضب. وقال بعضهم: من امارات العاقل ألفه لإخوانه وحنينه إلى أوطانه.

стр. 480

وقال أعرابي وقد سئل عن بلده: كيف لا أشتاق إلى رملة كنت رضيع غمامها وربيب طعامها. وقالوا: السرور لزوم الأوطان وتآلف الجيران ومنادمة الإخوان. وأنشدني صديق لي: كفى حزنا أنّي ببغداد نازل ... وقلبي بأكناف الحجاز رهين إذا عنّ ركب للحجاز استفزّني ... إلى من بأكناف الحجاز حنين وتالله ما فارقتهم قاليا لهم ... ولكنّ ما يقضى فسوف يكون وقال آخر: بأكناف الحجاز هوى دفين ... يؤرّقني وقد هدت العيون أحنّ إلى الحجاز وساكنيه ... حنين الإلف فارقه القرين وأبكي حين يهدأ كلّ خلق ... بكاء بين زفرته أنين وما جاران مؤتلفان إلّا ... ستفرق بين جمعهما المنون وأنشد لأبي هلال الأسدي: أشاقتك الشمائل والجنوب ... ومن علو الرياح لها هبوب أتتك بنفحة من شيح نجد ... تضوّع والعرار بها مشوب ومن بستان إبراهيم غنّت ... حمائم تحتها فنن رطيب فقلت لها وقيت سهام رام ... ورقط الريش «١» مطعمها القلوب كما هيجت ذا طرب حزينا «٢» ... إلى أوطانه فبكى الغريب وقالوا: إذا أردت أن تعلم وفاء الرجل ودوام عهده، فانظر إلى حنينه إلى أوطانه وتشوقه إلى إخوانه وبكائه على ما مضى من زمانه.

стр. 481

وقالوا: أكرم الخيل أجزعها من السوط، وأكيس الصبيان أشدّهم بغضا لكتّاب، وأكرم الصبايا أشدّها ولها إلى أولادها. وأكرم الإبل أشدها حنينا إلى [١٢٣ أ] أعطانها، وأكرم المهارة أشدها ملازمة لأمهاتها. وخير الناس أحب الناس للناس. وأفضل المماليك، الصغار لأنهم أسرع طاعة وأسرع قبولا. وروي عن حليف بن جعفر الربعي «١» قال: أردت الخروج إلى أخوالي بخراسان. فقلت: والله لا خرجت حتى أجدّد لي على سيدي [عهدا] «٢» . فدخل. فو الله ما كان بين دخوله وخروجه إلّا لمحة لامح، فدخلت وسلمت فردّ السلام ورحب. فبأبي هو وأمي. ما رأيت أحدا أنس إلى أوليائه ومحبيه وشيعته منه. فضاحكني سرورا منه بي. ثم قال: ما جاء بك يا حليف؟ قلت: بأبي أنت وأمي، إني أردت الخروج إلى خراسان لزيارة أخوالي. وإني جئت مستشيرا فأشر عليّ، وأوجز وأطل. فأنت أولى مني بنفسي، لعلي أتعظ بموعظتك ووصيتك، أن تداركني عند آناء الليل والنهار فتنجيني من الموبقات وتردّ عني المعضلات. فقال ﵇: أما إنك لتجاوز النهر الأغر والبلدة الملعونة، شرارها شرار الخلق، وخيارها كالتمر المعلق فوق عراجين النخل أمّا الناظر لا يناله من بعد. هيهات لا يدركه إلّا بفراق التراقي. فإذا جاوزتها فلا تأسفنّ عليها. هذه بغداد. يوشك أن يبعث الله فيها غلاما منا أهل البيت «٣» ولن يؤمن من أهلها إلّا القليل. أما إنك ستجاوزها إلى بلد تقطع دونه آكاما وأودية حتى تبلغ مدينة يقال لها حلوان، شرارها كالذر وخيارها كالدر. يدفع الله من شرارها بخيارها. أما إنك ستجاوز منها عقبة كؤودا تشرف على مدينة يقال لها همذان، شرارها شرار الخلق وخيارها كالشمس بين الغيم، إذا غابت لم يعرف مكانها وإذا

стр. 482

طلعت اهتدي إليها لحسنها. أولياء الله في شواهق جبالها. هل رأيت يا حليف طالب خير إلّا ناله؟ وهل رأيت مجانبا للشر إلّا أقصي عنه؟ كل حزب بما لديهم فرحون. كل نفس بما كسبت رهينة. ألم تر يا حليف أعمى يمشي على ظهر طريق مستقيم؟ ألم تر أعجم ينطق بالحق؟ قال حليف: بلى. قال: تلك يكشفها النور. يهدي الله لنوره من يشاء [١٢٣ ب] ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتفكرون. أما إنك ستجاوز منها جبالا وأودية حتى تشرف على مدينة يقال لها الري. إذا ذكرت القرى فنسيها الله ولا ذكرها. فإن بها مصارع الأخيار. والله لأهلها- إلّا بعضهم- أشدّ حنقا علينا من كفرة بني إسرائيل على موسى ﵇. يقتل فيها رجالنا ويستحلّ بها شتمنا. أفلهم فينا ثأر فيقيدونا بثأرهم؟ أم لهم قبلنا حق فيطالبونا بحقهم. منعوا حق الله من مال الله قسرا ومنعونا خمس الله فلم ننازعهم. أفحكم الجاهلية يبغون؟ الله بيننا وبينهم عند إقامة الميزان الذي لا يبخس فيه حق المحقين عند جحود المبطلين. فو الله لا تزال تلك العصابة على هذا حتى يبعث الله عليهم نقما منا أهل البيت يقوم. لا خلاق لهم. تقتل فيها رجالهم وتفنى أموالهم وتسبى ذراريهم ويتواتر الشرّ عليهم. سمعت جدي صلى الله عليه بأثره عن النبي ﷺ أنه قال: هيهات هيهات معاشر الأمّة! لتأمرنّ بالمعروف وتنهون عن المنكر أو ليسلطنّ الله عليكم شراركم. فعندها يدعو خياركم فلا يستجاب لهم. [هاتوا برهانا] «١» ويحكم كبرهاننا. فإن لم تأتوا ببرهان فقولوا صدقت. فإن الله لا يستحيي من الحق. وإن الله لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا. ويحك يا حليف فهذه الري فلا تسكنها، ودار البلاء فلا تلجها. وإذا قاربتها فحد عنها فإنها مصرع البلاء. أما إنك ستجاوز منها أودية حتى تشرف على مدينة مدت إليها أعناقها

стр. 483

الشياطين من الجن والإنس يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا. أولئك أهل نيسابور. أنساك الله ولا ذكّرك الاعتذار. وإن أعلام بيض «١» . سيميت بها قلوب الفجار كما يذوب الملح في الماء. فعند ذلك فليسكنها الأبرار من أوليائنا. صحبك الله يا حليف حيثما توجهت. وقال ابن عياش: كانت الفرس تقسّط على آذربيجان وطبرستان ودباوند وقرميسين ومهرجانقذق [١٢٤ أ] وقومس وحلوان والري وهمذان. ولم تكن إصبهان تدخل في هذا التقسيط ثلاثين ألف درهم. وقبّل عبيد الله بن سليمان في سنة أربع وثمانين [ومائتين من التنّائين] بمائة وسبعين ألف دينار بالكفاية على أن لا مؤونة على السلطان. وهي ٢/٦٦ أربعة وعشرون رستاقا منها: همذان. فراوار. وقهبايه وأنارمرج وشنسار وشراة العليا وشراة الميانج والاسفيدحان وقجر وأنانجر وأرغير والمفازة والأجم والأعلم وأزنارد وسمين روذ وسرد روذ، ومهروان واسفنداباد وكوزر دره ساوة. وكان منها نسا وسلقانرود وخرقان. ثم نقلت إلى قزوين وهي سبعمائة وستين قرية. وعملها من باب الكرج إلى سيسر طولا. وعرضها من عقبة أسدآباد إلى ساوة «٢» . وحدّث زياد بن عبد الرحمن البلخي عن أشياخ من أهل سيسر، أنها سميت بهذا الاسم لأنها في انخفاض من الأرض بين رؤوس آكام ثلاثين. فقيل ثلاثون رأسا. وكانت سيسر تدعى صدخانية لكثرة عيونها ومنابعها. ولم تزل وما والاها مراعي لمواشي الأكراد وغيرهم حتى أنفذ المهدي إليها مولىّ له يعرف بسليمان بن قيراط- وأبوه صاحب الصحراء التي تسمى صحراء قيراط ببغداد- ومعه شريك له اسمه سلام ويعرف بالطيفوري- وكان طيفور مولى المنصور فوهبه للمهدي- ثم إن الصعاليك والدعّار انتشروا بالجبل وجعلوا هذه الناحية لهم ملجأ. فكانوا يقطعون ويأوون إليها، فلا يطلبون لأنها من حدّ همذان إلى الدينور وآذربيجان. فكتب

стр. 484

سليمان بن قيراط وشريكه إلى المهدي يعرفانه ما قد اجتمع في أيديهم من الأغنام والمواشي والدواب التي في المروج والحيطان. فوجّه إليهما جيشا وأمرهما ببناء حصن يأويان إليه مع الأغنام والمواشي والدواب. فبنيا مدينة سيسر وحصّناها وأسكناها الناس. ٢/٦٧ ثم ضمّ السلطان إليه رستاقا من الدينور يقال له ما ينمرج ورستاقا آخر يقال له الجوذمة من آذربيجان من كورة برزة [١٢٤ ب] وولاها عاملا مفردا. فلم يزل على ذلك إلى أيام الرشيد. فإن الصعاليك كثروا بهذه الناحية وزاد أمرهم. وكان حصن سيسر قد تشعّث. فعرف الرشيد ذلك. فأمر ببناءها وتحصينها ورتّب فيها ألف رجل [من أصحاب خاقان الحارثي السغدي- وفيها اليوم قوم من أولادهم] «١» . فلما كان في آخر أيام الرشيد تغلّب مرة بن أبي مرّة العجلي عليها، فحاول عثمان الأودي مغالبته فلم يقدر عليه [وعلى ما كان في يده من آذربيجان] «٢» . ولم يزل مرة بن أبي مرة يؤدي الخراج عن سيسر في أيام الأمين على مقاطعة معلومة إلى أن وقعت الفتنة فمنع ما قوطع عليه. فلما استقر الأمر للمأمون أخذت من مرة وأخرجت عن يده وجعلت في ضياع الخلافة. ومن العجائب التي بهمذان: أسد من حجر على باب المدينة يقال إنه طلسم للبرد من عمل بليناس صاحب الطلسمات حين وجّهه قباد الأكبر لمّا أراد أن يطلسم آفات البلاد. ويقال إن الفارس كان يغرق بفرسه في الثلج بهمذان لكثرة ثلوجها وبردها. [فعمل بها الأسد وهي صورة أسد عظيم من حجارة بحذاء أروند جبلها المطلّ عليها] «٣» ٢/٦٨ قلّ ثلجها وصلح أمرها. وعمل أيضا على يمين الأسد طلسما للحيات فقلّت. وآخر للعقارب فنقصت وآخر للغرق فأمنوه. وآخر للبراغيث فهي قليلة جدا بهمذان.

стр. 485

ولمّا عمل بليناس هذه الطلسمات بهمذان استهان به أهلها ولم يلتفتوا إليه فاتخذ على جبلهم الذي يقال له أروند طلسما مشرفا على المدينة للجفاء والغلظ فهم أجفى الناس وأغلظهم طبعا. وعمل آخر للغدر، فهم أغدر الناس. ولذلك حوّلت الملوك الخزائن عنها خوفا من غدر أهلها. واتخذ طلسما آخر للحروب والعساكر لتكثر بها فليست تخلو من عسكر أو حرب. قال: وأنشدني محمد بن أحمد المعروف بابن الحاجب لنفسه في الأسد الذي على باب همذان: ألا أيها الليث الطويل مقامه ... على نوب الأيام والحدثان أقمت فما تنوي البراح بحيلة ... كأنّك بوّاب على همذان أطالب ذحل أنت من عند أهلها ... أبن لي بحق واقع ببيان أراك على الأيام تزداد جدّة ... كأنّك منها آخذ بأمان [١٢٥ أ] أقبلك كان الدهر أم كنت قبله ... فنعلم، أم ربيّتما بلبان؟ وهل أنتما ضدّان كل تفرّدت ... به نسبة أم أنتما أخوان؟ بقيت فما تفنى وأفنيت عالما ... سطا بهم موت بكلّ مكان فلو كنت ذا نطق جلست محدّثا ... ٢/٦٩ فحدثتنا عن أهل كلّ زمان ولو كنت ذا روح تطالب مأكلا ... لأفنيت أكلا سائر الحيوان أجنّبت شرّ الموت أم أنت منظر ... وإبليس حتى يبعث الثقلان؟ فلا هرما تخشى ولا الموت تتّقي ... بمضرب سيف أو شباة سنان وعما قليل سوف تلحق من مضى ... وجسمك أبقى من حرا وأبان

стр. 486

وأنشدني أبو محمد عبد الله بن محمد بن زنجويه يذكر فيها الأسد وكل صورة مشهورة في الأرض «١» : أأرقت للبرق اللّموع اللّائح ... وحمائم فوق الغصون نوائح أم شاقك الطّيف الملمّ ببينه ... فظللت ترعى كلّ نجم لائح أم قد ذهلت بليث غاب رائع ... مذ كان عن همذان ليس بنازح موف على صمّ الصّخور كأنّه ... يبغي الوثوب على الغزال السانح في الصّيف تحرقه السّموم وبعدها ... برد الشتاء بزمهرير لافح وإذا الرّياح عصفن من أروندنا ... خلت الهرير بمثل ترس الرامح وإذا الرّعود تتابعت بسحابة ... لقي الزماهر بالمجنّ الكالح ٢/٧٠ وإذا الربيع تتابعت أنواؤه ... وتنفّست أنواره بروائح ألفيته متبسّما لنسيمها ... ومحيّيا أروند فعل مصافح لو كان يفهم عنك خبّر بالذي ... أفنى الدّهور وكلّ أمر فادح ولقال إنّ المرء ينقذه التّقى ... ونجاته قصد الطريق الواضح تمضي الدّهور وما يروم فريسة ... فعل الطمرّ الكسرويّ القارح شبديز إذ هو واقف في طاقه ... يعلوه برويز بحسن واضح ما إن تراه عليه في غلوائه ... يوم الهياج ولا الطمرّ بسابح برويز عن شبديز ليس ببارح ... والليث عن همذان ليس ببارح وكذا بتدمر صورتان تعانقا ... في الحسن أشبهتا ببنتي ضارح لا يسأمان من القيام وطال ما ... صبرا على صرف الزمان الكادح وبأرض عاد فارس يسقيهم ... بالعين عذبا كالفرات السائح ٢/٧١ فإذا انقضى الشهر الحرام وطفّحت ... تلك الحياض تجفّ عين الرامح

стр. 487

وبأرض وادي الرّمل بين مهامه ... يلقاك قبل الحتف نصح الناصح طرف هنالك باسط بيمينه ... أن ليس بعدي مسلك للسائح وبفارس سابور صوّر عبرة ... فكأنّه يصغي لمدح المادح خذها إليك وقل مقالة عادل ... ليس الضّنين بعلمه كمسامح قد كنت قلت قصيدة سوّغتها ... من رابها بتجالد وتكافح سينيّة فجعلتها حائيّة ... فيها عجائب من صحيح فاتح فإذا أبيت جعلتها ضاديّة ... من جوهريّة ما تجنّ جوانحي] «١» وقد كان المكتفي همّ بنقل الأسد من باب همذان إلى بغداد، وذلك أنه نظر إليه فاستحسنه وكتب إلى عامل البلد [حمد بن محمد] يأمره بذلك. فأجمع وجوه أهل الناحية وقالوا: هذا طلسم لبلدنا من آفات كثيرة ولا يجوز قلعه فيهلك البلد. فكتب العامل بذلك إلى الوزير وقد كان كتب إليه أن قدّر النفقة عليه فإنّا نوجه لحمله الفيلة تحمله على عجل. ٢/٧٢ فلما ورد كتابه على السلطان بانتقاض أهل البلد من ذاك وفي الكتاب أيضا أنه لا يستوي حمله، للجبال والعقاب التي في الطريق لا سيما في الحدود. فأجابه أن أضرب عن حمله. والعامة تزعم أن الأسد مما عملته الجن لسليمان بن داود ﵉. وعلى جبل نهاوند طلسمان وهما صورة ثور وسمكة من ثلج لا يذوبان شتاء ولا صيفا وهما ظاهران مشهوران يراهما الناس. ويقال إنهما للماء حتى لا يقل بنهاوند ما في ذلك الجبل. فأما ذلك الجبل فينقسم نصفين: نصف يأخذ إلى نهاوند ونصف يأخذ في الغرب حتى يسقي رستاقا يعرف برستاق الأشتر. وبنهاوند قصب تتخذ منه ذريرة وهي هذا الحنوط، فما دام بنهاوند وشيء من رساتيقها فهو والخشب بمنزلة واحدة لا رائحة له. فإذا حمل منها وجاوز العقبة [١٢٥ ب] التي يقال لها عقبة الركاب، فاحت رائحته وزالت الخشبية عنه.

стр. 488

وقد ذكر مثل هذا عن التفاح الشامي وأنه يحمل من الشام وليست له رائحة. ولا يزال كذلك يتخذ في الفرات فإذا انحدر فاحت رائحته وذكت. وهي شيء صحيح لا يتمارى فيه اثنان من أمر الذريرة وأمر التفاح. وبنهاوند موضع يقال له وازواز البلاغة [في رستاق الاسفيدهان] «١» فيه حجر فيه ثقب يكون فتحه أكثر من شبر يفور منه الماء في كل يوم مرة أو مرتين. فيخرج وله صوت عظيم وخرير هائل فيسقي أرضين كثيرة، ثم يتراجع حتى يدخل ذلك الثقب وينقطع. وذكر ابن الكلبي أن هذا الحجر مطلسم بسبب الماء لا يخرج إلّا وقت الحاجة ثم يغور حين يستغنى عنه. ويقال إن الأكّار يجيء إليه وقت الحاجة ومعه المرّ فيقف بإزاء الثقب ثم ينقره بالمرّ دفعة أو دفعتين فيفور الماء بدويّ شديد. فإذا سقى ما يريد وبلغ منه حاجته، تراجع إلى الثقب وغار فمه إلى وقت الحاجة إليه. قال: وهذا مشهور بالناحية ينظر إليه كل من أحب ذلك وأراد. وبنهاوند أيضا أعجوبة مشهورة. وهي صخرة عظيمة في جبلهم يقال لها كلان. فمن غاب له غائب أو أبق له آبق أو كان له عليل أو سرق منه شيء جاء إلى الصخرة ونام عندها. فإنه يرى أيّ هذه الأمور أراد على الصورة التي هو عليها من الخير وغيره. ويوجد على حافتي نهرها طين أسود للختم، وهو أجود ما يكون من الطين وأشده سوادا وتعلّكا. يزعم أهل الناحية أن السراطين تخرجه من جوف النهر وتلقيه على حافته ويقولون إنهم لو حفروا في قرار النهر وجوانبه مائة ذراع وأكثر ما وجدوا منه شيئا إلّا ما تخرجه السراطين. وحدثني رجل من أهل الأدب قال: رأيت بنهاوند فتى من الكتّاب وهو شبيه بالساهي فقلت له: ما حالك؟ فقال:

стр. 489

يا طول ليلي بنهاوند ... مفكرا في البثّ والوجد فمرة آخذ في منية ... لا تجلب الخير ولا تجدي ومرة أشد وبصوت إذا ... غنيّته صدّع لي كبدي قد جال هذا الدهر في جولة ... فصرت منها ببروجرد [١٢٦ أ] كأنني في خانها مصحف ... مستوحش في كفّ مرتدّ الحمد لله على كلّ ما ... قدّر من قبلي ومن بعدي وفي رستاق من رساتيق نهاوند قرية يقال لها كنخواست على تلّ لها صورة فرش من الحشيش الأخضر يراه الناس في الشتاء والصيف ناضر الخضرة لا يتغير يقال انها طلسم للكلأ فهي أكثر بلاد الله حشيشا. وبهمذان صخرة عظيمة في موضع يقال له تبنان «١» من دار نبهان. وهذه الصخرة في سفح جبل وقد نقر فيها طاقان مرتفعان يكونان على قامتين وبسطة من الأرض يقال [له] نبشت خزايان. قد نقر في كل واحد من هذين الطاقين مثل الألواح في كل واحد منها عشرون سطرا منقورة مكتوبة بكتابة تعرف بالكشتج. فيقال إن الإسكندر اجتاز بهمذان ونظر إلى هذه الصخرة وحسنها وارتفاعها وملاستها في سفح هذا الجبل، فأمر بنقر الطاقين فيها وكتب ما هو مكتوب. وقد ذكر جماعة من علماء الناحية أنهم لا يعلمون من عمل الطاقين وكتب الكتابة لأنها قديمة. وان الإسكندر اجتاز بالموضع ونظر إلى الصخرة وما عليها من الكتابة فاستحسن ذلك. وأمر بقراءة ما على اللوح فقرأت وكانت: الصدق ميزان الله الذي يدور عليه العدل. والكذب مكيال الشيطان الذي يدور عليه الجور. وهما يتعالجان «٢» ويتعاقبان ويتعاوران في العباد والبلاد. فإذا رجح الصدق بالكذب رجح

стр. 490

العدل بالجور. وإذا حال الكذب بالصدق، مال الجور بالعدل. فأطبقت الأرض ذنوبا. فقولوا الصدق ولو بمقياس شعرة، فإنه نور من نور الله. واجتنبوا الكذب ولو بمقياس شعرة فإنه عدة من عدد الشيطان. واصدقوا من صدقكم يولد الصدق صدقا. ولا تكذبوا من كذبكم فيولد الكذب كذبا. فإن لهما من طبائعهما وجنسهما لقاحا ولهن حلبا. فحلب الصدق ولقاحه لمن تمسك به النجاة. وحلب الكذب ولقاحه لمن تمسك به الهلكة. وثمرة ذاك داء. وثمرة هذا دواء. فكونوا أيها الحكماء صدّيقين تمتلئ أفواهكم نورا، ولا تكونوا كذابين فتغلب على ألسنتكم اللعنة. ٢/٧٣ فإني افتتحت بالله كلاما كنت به صادقا فمشيت على الماء وافتتحت [١٢٦ ب] بالشيطان كلاما كنت به كاذبا فهويت في الظلمة. فجعلت توبتي من تلك الكذبة عظتي في هذه الصخرة ليتعظ بي متعظ ويأخذ عن تجربتي آخذ. فخذوا هذه الحكمة الناطقة عن هذه الصخرة الصامتة. [ووقفت أنا وعبد الله بن محمد بن زنجويه بن مهران وهو من بنك دهاقنة همذان وأصحاب ساروق وحصنها، فقرأت عليه خبر الإسكندر فأنشدني لنفسه: قدك عن القهوة والحور ... لست مع الشّيب بمعذور تقدمة الموت مشيب فهل ... أنت عن اللهو بمزجور كم لك يا عاقل من عبرة ... لو نفع الحذر لمحذور كتابة في سفح أروندنا ... في صخرة من عهد سابور الصدق ميزان الجواد الذي ... باليسر يأتي بعد معسور والمين مكيال اللّعين الذي ... أخرجنا من معدن الحور يا أيّها الناطق صدقا لقد ... ملي به فوك من النّور وأيّها الشاهد زورا لقد ... هويت في هوّة دردور إنّي افتتحت القول بالله كي ... أمشي على ساحل ممخور ٢/٧٤ فظلت فوق الماء والبحر لي ... والموج في طاعة مأمور وقلت بالشيطان قولا به ... ظللت في ظلمة ديجور

стр. 491

كفاك أنّي تائب واعظ ... في الحجر الصلد عن الزّور خذ هذه الحكمة عن صخرة ... تبقى إلى النفخة في الصور] «١» وقال بعض الحكماء: وجدنا الناس قبلنا كانوا أعظم أجساما وأعظم من أجسامهم أحلاما. وأشدّ قوة وأشد بقوتهم امتحانا. وأطول أعمارا وأطول بأعمارهم للأمور اختبارا. فكان صاحب الدين منهم أبلغ في أمر الدين علما وعملا من صاحب الدين منا. وكان صاحب الدنيا كذلك. ووجدناهم لم يرضوا بما قلّدوا به من الفضل حتى أشركونا معهم بأنفسهم فيما ابتغوا من علم الآخرة والأولى. فكتبوا به الكتب الباقية وكتبوا بها التجارب والفطن وبلغ اهتمامهم بذلك أن الرجل منهم كان يفتح له باب من العلم وكلمة من الصواب وهو بالبلد غير المأهول فيكتبه في صخرة من جبل وعلى باب قصر خراب، ضنّا منه بذلك وكراهية أن يسقط ذلك الباب وتشذ تلك الكلمة على من يأتي بعدهم. فكتبوا الكتب الباقية من العلم وكان صنيعهم في ذلك صنيع الوالد المشفق على الولد البار. وكانوا يعمدون إلى المواضع المشهورة والأماكن المعروفة التي هي أجدر أن تبقى على وجه الدهر وتبعد من الرءوس فيجعلون منها الشيء من الحكم والباب من العلم كما ٢/٧٥ كتبوا على قبة غمدان وعلى عمود مأرب وعلى ركن المشقّر وعلى سواري الاسكندرية وعلى إيوان الحضر وعلى الأبلق الفرد وعلى الهرمين وعلى باب الرها وعلى باب القيروان وعلى باب سمرقند وعلى صخرة همذان. المملحة بفراهان: قالوا: ومن عجائب همذان الملاحة التي برستاق يقال لها فراهان. وهي بحيرة تكون أربعة فراسخ في مثلها. فإذا كانت أيام الخريف واستغنى أهل تلك

стр. 492

الرساتيق عن المياه للزراعة، صوّبت سائر المياه إلى هذه البحيرة، فلا تزال تصب إليها سائر الخريف والشتاء، فإذا كان وقت الربيع واحتاج الناس إلى الماء، قطع عنها فصار [١٢٧ أ] ماؤها كلّه ملحا. فيأخذه الناس ويحمله الأكراد الجابارقة وغيرهم إلى البلدان فيباع. وزعم ابن الكلبي أن بليناس طلسم هذه البحيرة أن يكون ملحا ما لم يحظر عليها ويمنع الناس. فمتى حظر عليها ومنع الناس منها، نشفت الماء أولا ولم يكن فيها شيء من الملح. وفي هذا الرستاق قرية يقال لها الفردجان وكان فيها بيت نار عتيق. وهي أحد النيران التي غلت فيها المجوس مثل آذرخره، ونار جم الشيذ وهي الأولى ونار ماجشنسف وهي نار كيخسرو. لأن المجوس غلت في هذه النيران غلوا لا تضبطه العقول فقالوا: ٢/٧٦ كان مع زردشت ملك يشهد له عند كشتاسف أنه رسول ثم عاد نارا. وأما نار جم الشيذ فهي نار آذرخره، كانت بخوارزم فنقلها أنوشروان إلى الكاريان [في ناحية فارس] «١» . فلما ملكت العرب تخوفت المجوس أن تطفأ فصيروها جزأين: جزء بالكاريان وجزء حمل إلى فسا. لأنهم قالوا إن طفئت واحدة بقيت الأخرى. وأما آذرجشنسف، نار كيخسرو. فإنها كانت ببرزة من آذربيجان، فنظر أنوشروان في ذلك وفكّر فنقلها إلى الشيز لأنها كانت عظيمة عندهم. وفي زمزمة المجوس «٢» : إن نار آذر جشنسف يوكّل بها ملك بالبركة،

стр. 493

وبالبركة ملك بجبل يقال له سبلان ملك. وإن هؤلاء الأملاك الثلاثة مأمورون بتأييد أصحاب الجيوش. فقال أنوشروان: لا يمكنني أن أنقل نار آذرجشنسف والبركة إلى سبلان فأجمعهنّ ثلاثتهن. فإذا فاتني هذا فإني أنقل آذرجشنسف إلى هذه البركة ليتعاون الملكان. وأمّا نار زردشت فهي بناحية نيسابور ولم تحوّل، وهي أحد الأصول من نيرانهم. ومما غلت فيه المجوس أيضا، نار آذرجشنسف وهي النار التي بالفراهان. قال المتوكّلي: فحدّثني بعض المجوس ممن رآها أن مزدق «١» لمّا غلب على قباذ قال: ينبغي أن تبطل النيران كلّها إلّا الثلاث الأوائل وتنقل هذه إليهن. ففعل. فذكر أن نار آذرجشنسف خرجت حتى صارت إلى ماجشنسف بآذربيجان فاختلطت معها فكانوا إذا أضرموها ظهرت نار آذر جشنسف حمراء وظهرت ماجشنسف بيضاء إذا دسموها بالشحم. فلما قتل مزدق ٢/٧٧ ردّ الناس النيران [١٢٧ ب] إلى أماكنها فافتقدوها بآذربيجان. فلم يزالوا يقتفون أثرها حتى وقفوا على أنها رجعت إلى الفردجان. فلم تزل في هذا البيت في هذه القرية إلى سنة اثنين وثمانين ومائتين فإنه صار إليها أبزون «٢» التركي- وكان يتولى قم- فنصب على سور القرية المجانيق والعرادات حتى افتتحها وأخرب سورها وهدم البيت وأطفأ النار وحمل الكانون إلى قم فبطلت النار منذ يومئذ. وزردشت «٣» شدّد عليهم بالوعيد لمّا رأى من برد بلادهم. ولذلك أمرهم بعبادة النيران، لأن أهل الكلام يزعمون أن زردشت جاء من بلخ فادعى الوحي وأنه

стр. 494

نزل عليه الوحي على جبل يقال له سبلان، وانه حين رأى سكان تلك الناحية الباردة لا يعرفون إلّا الأذى بالبرد ولا يضربون المثل إلّا به ولا يتوعدون إلّا به حتى يقول الرجل لعبد إذا أذنب ذنبا عظيما: لئن عدت إلى مثل هذا لأنزعن ثيابك ولأقيمنك في الريح ولأطرحنك في الثلج. فلما رأى أن موضع البرد عندهم هذا الموقع، جعل الوعيد بتضاعيفه. ويظن أن ذلك أزجر لهم. وقال عبد الله بن زياد «١» : كان سبب عبادة النار عند المجوس أنه لمّا ولد المسيح ﵇، رأى الملك الذي كان في وقته للفرس- وقد قيل إنه كان أردشير- كان يرقى نعشا ثم أحرق نجمه. فهاله ذلك وجزع منه، وسأل عن القصة فبلغه خبر المسيح، فأهدى إليه هدية فيها صبر وعسل مع ثلاثة رجال من أهل فارس. فانطلقوا إلى الشام حتى لقوه ودفعوا إليه الهدية، فقبلها. ثم إن المسيح أهدى إلى ملك الفرس ثلاثة أقراص من خبز شعير قربانا مع الرسل وأوصاهم بوصية. فخرجوا من الشام يريدون بلد فارس. فبينا هم في الطريق إذ قال واحد منهم: لو أكل كل واحد منا قرصا من هذه الأقراص فكان يفوز بالفضل الذي فيها، فإن هذا الرجل- يعني المسيح- لم يكن يوجه إلى إلى الملك هذه الأقراص إلّا لفضل عظيم فيها. فتتابع اثنان على ذلك وأكلا قرصيهما. وأبى الثالث أن يفعل. فقالا له: إنّا نخاف على أنفسنا من الملك أن وقف على فعلنا. فإما [١٢٨ أ] أن تأكل قرصك وإما أن نقتلك. قال فإني آكله. وأوهمهم ذلك ثم دفنه. وانطلقوا حتى صاروا إلى صاحبهم فقال لهم: ما الذي قال لكم؟ فعرّفوه ما أوصاهم به. قال: فأي شيء وجّه معكم؟ قالوا: لم يوجّه معنا شيئا. فقال: كذبتم. ما كان ليردكم بغير شيء. أصدقوني، ما الذي صنعتم بما أعطاكم؟ فصدقوه عن الأمر، وعرّفه الذي لم يأكل القرص ما فعل به ووصف له المكان الذي دفنه فيه. فقال: انطلق بنا حتى تقفنا على الموضع الذي دفنته فيه. فانطلق والملك معه. فلما صارا إلى

стр. 495

الموضع أوقفه عليه. فأمر أن يحفر المكان ويستخرج القرص، ففعلوا ذلك. فهاجت في وجوههم نار عظيمة منعتهم من استخراجه. فحاولوا ذلك غير مرة وهي تمنعهم. فقال أردشير: بهذه النار أرسلكم. فمن يومئذ عظّمت فارس النار وعبدتها. ورأينا جماعة من علماء المجوس يدفعون هذا ولا يعترفون به ويزعمون أن تعظيم النار قبل مولد المسيح بالدهر الطويل. وقال الجاحظ «١» : من المواضع التي عظمت النار لها، أن الله جعلها لبني إسرائيل في موضع امتحان إخلاصهم وتعرّف صدق نياتهم. فكانوا يتقربون بالقربان، فمن كان منهم مخلصا، نزلت نار من قبل السماء حتى تحيط بقربانه فتأكله. ومن لم تأكل النار قربانه، قضوا على صاحبه أنه مذموم القلب فاسد النية. فهذا باب مما عظم الله به شأن النار في صدور الناس. ومنه قول الله وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى: إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً. فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى، إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً. وقال في موضع آخر الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ. والنار من أكبر الماعون «٢» [وأعظم المرافق] ولو لم يكن فيها إلّا أن الله جل وعز جعلها الزاجرة على المعاصي لكان ذلك مما يزيد في قدرها وفي نباهة ذكرها وقال أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ؟ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ نَحْنُ
следующие страницы →