Полный текст (637 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
كفاك أنّي تائب واعظ ... في الحجر الصلد عن الزّور
خذ هذه الحكمة عن صخرة ... تبقى إلى النفخة في الصور] «١»
وقال بعض الحكماء: وجدنا الناس قبلنا كانوا أعظم أجساما وأعظم من أجسامهم أحلاما. وأشدّ قوة وأشد بقوتهم امتحانا. وأطول أعمارا وأطول بأعمارهم للأمور اختبارا.
فكان صاحب الدين منهم أبلغ في أمر الدين علما وعملا من صاحب الدين منا. وكان صاحب الدنيا كذلك. ووجدناهم لم يرضوا بما قلّدوا به من الفضل حتى أشركونا معهم بأنفسهم فيما ابتغوا من علم الآخرة والأولى. فكتبوا به الكتب الباقية وكتبوا بها التجارب والفطن وبلغ اهتمامهم بذلك أن الرجل منهم كان يفتح له باب من العلم وكلمة من الصواب وهو بالبلد غير المأهول فيكتبه في صخرة من جبل وعلى باب قصر خراب، ضنّا منه بذلك وكراهية أن يسقط ذلك الباب وتشذ تلك الكلمة على من يأتي بعدهم.
فكتبوا الكتب الباقية من العلم وكان صنيعهم في ذلك صنيع الوالد المشفق على الولد البار. وكانوا يعمدون إلى المواضع المشهورة والأماكن المعروفة التي هي أجدر أن تبقى على وجه الدهر وتبعد من الرءوس فيجعلون منها الشيء من الحكم والباب من العلم كما ٢/٧٥ كتبوا على قبة غمدان وعلى عمود مأرب وعلى ركن المشقّر وعلى سواري الاسكندرية وعلى إيوان الحضر وعلى الأبلق الفرد وعلى الهرمين وعلى باب الرها وعلى باب القيروان وعلى باب سمرقند وعلى صخرة همذان.
المملحة بفراهان:
قالوا: ومن عجائب همذان الملاحة التي برستاق يقال لها فراهان. وهي بحيرة تكون أربعة فراسخ في مثلها. فإذا كانت أيام الخريف واستغنى أهل تلك
стр. 492
الرساتيق عن المياه للزراعة، صوّبت سائر المياه إلى هذه البحيرة، فلا تزال تصب إليها سائر الخريف والشتاء، فإذا كان وقت الربيع واحتاج الناس إلى الماء، قطع عنها فصار [١٢٧ أ] ماؤها كلّه ملحا. فيأخذه الناس ويحمله الأكراد الجابارقة وغيرهم إلى البلدان فيباع.
وزعم ابن الكلبي أن بليناس طلسم هذه البحيرة أن يكون ملحا ما لم يحظر عليها ويمنع الناس. فمتى حظر عليها ومنع الناس منها، نشفت الماء أولا ولم يكن فيها شيء من الملح.
وفي هذا الرستاق قرية يقال لها الفردجان وكان فيها بيت نار عتيق. وهي أحد النيران التي غلت فيها المجوس مثل آذرخره، ونار جم الشيذ وهي الأولى ونار ماجشنسف وهي نار كيخسرو. لأن المجوس غلت في هذه النيران غلوا لا تضبطه العقول فقالوا: ٢/٧٦ كان مع زردشت ملك يشهد له عند كشتاسف أنه رسول ثم عاد نارا.
وأما نار جم الشيذ فهي نار آذرخره، كانت بخوارزم فنقلها أنوشروان إلى الكاريان [في ناحية فارس] «١» . فلما ملكت العرب تخوفت المجوس أن تطفأ فصيروها جزأين: جزء بالكاريان وجزء حمل إلى فسا. لأنهم قالوا إن طفئت واحدة بقيت الأخرى.
وأما آذرجشنسف، نار كيخسرو. فإنها كانت ببرزة من آذربيجان، فنظر أنوشروان في ذلك وفكّر فنقلها إلى الشيز لأنها كانت عظيمة عندهم.
وفي زمزمة المجوس «٢» : إن نار آذر جشنسف يوكّل بها ملك بالبركة،
стр. 493
وبالبركة ملك بجبل يقال له سبلان ملك. وإن هؤلاء الأملاك الثلاثة مأمورون بتأييد أصحاب الجيوش.
فقال أنوشروان: لا يمكنني أن أنقل نار آذرجشنسف والبركة إلى سبلان فأجمعهنّ ثلاثتهن. فإذا فاتني هذا فإني أنقل آذرجشنسف إلى هذه البركة ليتعاون الملكان.
وأمّا نار زردشت فهي بناحية نيسابور ولم تحوّل، وهي أحد الأصول من نيرانهم.
ومما غلت فيه المجوس أيضا، نار آذرجشنسف وهي النار التي بالفراهان.
قال المتوكّلي: فحدّثني بعض المجوس ممن رآها أن مزدق «١» لمّا غلب على قباذ قال: ينبغي أن تبطل النيران كلّها إلّا الثلاث الأوائل وتنقل هذه إليهن. ففعل. فذكر أن نار آذرجشنسف خرجت حتى صارت إلى ماجشنسف بآذربيجان فاختلطت معها فكانوا إذا أضرموها ظهرت نار آذر جشنسف حمراء وظهرت ماجشنسف بيضاء إذا دسموها بالشحم. فلما قتل مزدق ٢/٧٧ ردّ الناس النيران [١٢٧ ب] إلى أماكنها فافتقدوها بآذربيجان. فلم يزالوا يقتفون أثرها حتى وقفوا على أنها رجعت إلى الفردجان. فلم تزل في هذا البيت في هذه القرية إلى سنة اثنين وثمانين ومائتين فإنه صار إليها أبزون «٢» التركي- وكان يتولى قم- فنصب على سور القرية المجانيق والعرادات حتى افتتحها وأخرب سورها وهدم البيت وأطفأ النار وحمل الكانون إلى قم فبطلت النار منذ يومئذ.
وزردشت «٣» شدّد عليهم بالوعيد لمّا رأى من برد بلادهم. ولذلك أمرهم بعبادة النيران، لأن أهل الكلام يزعمون أن زردشت جاء من بلخ فادعى الوحي وأنه
стр. 494
نزل عليه الوحي على جبل يقال له سبلان، وانه حين رأى سكان تلك الناحية الباردة لا يعرفون إلّا الأذى بالبرد ولا يضربون المثل إلّا به ولا يتوعدون إلّا به حتى يقول الرجل لعبد إذا أذنب ذنبا عظيما: لئن عدت إلى مثل هذا لأنزعن ثيابك ولأقيمنك في الريح ولأطرحنك في الثلج.
فلما رأى أن موضع البرد عندهم هذا الموقع، جعل الوعيد بتضاعيفه. ويظن أن ذلك أزجر لهم.
وقال عبد الله بن زياد «١» : كان سبب عبادة النار عند المجوس أنه لمّا ولد المسيح ﵇، رأى الملك الذي كان في وقته للفرس- وقد قيل إنه كان أردشير- كان يرقى نعشا ثم أحرق نجمه. فهاله ذلك وجزع منه، وسأل عن القصة فبلغه خبر المسيح، فأهدى إليه هدية فيها صبر وعسل مع ثلاثة رجال من أهل فارس. فانطلقوا إلى الشام حتى لقوه ودفعوا إليه الهدية، فقبلها. ثم إن المسيح أهدى إلى ملك الفرس ثلاثة أقراص من خبز شعير قربانا مع الرسل وأوصاهم بوصية. فخرجوا من الشام يريدون بلد فارس. فبينا هم في الطريق إذ قال واحد منهم: لو أكل كل واحد منا قرصا من هذه الأقراص فكان يفوز بالفضل الذي فيها، فإن هذا الرجل- يعني المسيح- لم يكن يوجه إلى إلى الملك هذه الأقراص إلّا لفضل عظيم فيها. فتتابع اثنان على ذلك وأكلا قرصيهما. وأبى الثالث أن يفعل. فقالا له: إنّا نخاف على أنفسنا من الملك أن وقف على فعلنا. فإما [١٢٨ أ] أن تأكل قرصك وإما أن نقتلك. قال فإني آكله. وأوهمهم ذلك ثم دفنه. وانطلقوا حتى صاروا إلى صاحبهم فقال لهم: ما الذي قال لكم؟ فعرّفوه ما أوصاهم به. قال:
فأي شيء وجّه معكم؟ قالوا: لم يوجّه معنا شيئا. فقال: كذبتم. ما كان ليردكم بغير شيء. أصدقوني، ما الذي صنعتم بما أعطاكم؟ فصدقوه عن الأمر، وعرّفه الذي لم يأكل القرص ما فعل به ووصف له المكان الذي دفنه فيه. فقال: انطلق بنا حتى تقفنا على الموضع الذي دفنته فيه. فانطلق والملك معه. فلما صارا إلى
стр. 495
الموضع أوقفه عليه. فأمر أن يحفر المكان ويستخرج القرص، ففعلوا ذلك.
فهاجت في وجوههم نار عظيمة منعتهم من استخراجه. فحاولوا ذلك غير مرة وهي تمنعهم. فقال أردشير: بهذه النار أرسلكم. فمن يومئذ عظّمت فارس النار وعبدتها.
ورأينا جماعة من علماء المجوس يدفعون هذا ولا يعترفون به ويزعمون أن تعظيم النار قبل مولد المسيح بالدهر الطويل.
وقال الجاحظ «١» : من المواضع التي عظمت النار لها، أن الله جعلها لبني إسرائيل في موضع امتحان إخلاصهم وتعرّف صدق نياتهم. فكانوا يتقربون بالقربان، فمن كان منهم مخلصا، نزلت نار من قبل السماء حتى تحيط بقربانه فتأكله. ومن لم تأكل النار قربانه، قضوا على صاحبه أنه مذموم القلب فاسد النية.
فهذا باب مما عظم الله به شأن النار في صدور الناس. ومنه قول الله وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى: إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً. فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى، إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً.
وقال في موضع آخر الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ.
والنار من أكبر الماعون «٢» [وأعظم المرافق] ولو لم يكن فيها إلّا أن الله جل وعز جعلها الزاجرة على المعاصي لكان ذلك مما يزيد في قدرها وفي نباهة ذكرها وقال أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ؟ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ نَحْنُ
стр. 496
[١٢٨ ب] جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ
. وقف عند هذا القول. فإن كنت مؤمنا فتذكر ما فيها من النعمة أولا ثم النقمة آخرا، ثم قوّم مقادير النعم وتصاريفها.
وقد علمنا أن الله قد عذّب الأمم بالغرق والرياح والحاصب والصواعق والخسف وغير ذلك، ولم يبعث عليهم نارا، كما بعث عليهم ماء وريحا وأحجارا. وجعل النار من عقاب الآخرة. ونهى أن يحرق بها شيء من الحيوان والهوام [وقال: لا تعذّبوا بعذاب الله] . فقد عظّمها كما ترى.
وقال يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
. فجعل الشواظ والنحاس وهما النار والدخان من الآية. فلذلك قال على نسق الآية فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ.
ونار أخرى وهي نار إبراهيم ﵇ التي ألقي فيها فجعلها الله عليه بردا وسلاما.
ونار أخرى وهي النار التي كانوا [يستمطرون بها] في الجاهلية فإنهم كانوا إذا تتابعت عليهم الأزمات واحتاجوا إلى الاستمطار، اجتمعوا وجمعوا ما قدروا عليه من البقر، ثم عقدوا في أذنابها السلع والعشر المشدود في أذناب البقر [وأشعلوا فيها النيران] وضجّوا بالبكاء والدعاء والتضرع. فكانوا يرون ذلك من أسباب السقيا لهم. ولذلك قال الشاعر «١» :
لا درّ درّ رجال خاب سعيهم ... يستمطرون لدى الأزمات بالعشر
أجاعل أنت بيقورا مسلّعة ... ذريعة لك بين الله والمطر
ونار أخرى كانوا يوقدونها عند التحالف والتعاقد، فيذكرون منافعها ويدعون الله بالحرمان والمنع من منافعها على الذي ينقض العهد ويخيس العقد. وربما دنوا من النار حتى تكاد تحرقهم. ويهوّلون بذلك على من يخافون غدره. وقال الكميت:
стр. 497
كما شبّ نار الحالفين المهوّل «١»
ونار أخرى يوقدونها خلف المسافر الذي لا يرون أن يعود من سفره.
ونار أخرى وهي نار الحرّتين، وهي نار خالد بن سنان أحد بني مخزوم من بني قطيعة بن عبس- وكان يقال نبي- ولم يكن في بني إسماعيل بن إبراهيم ﵉ نبي قبله. وهو الذي [١٢٩ أ] أطفأ نار الحرة وكانت ببلاد بني عبس حرة تسطع بالنهار دخانا وتتقد بالليل نارا، وربما ندرت منها العنق «٢» فأتت على كل شيء تناله.
وكان أهل تلك الأرض منها في بلاء عظيم حتى بعث الله خالد بن سنان فساقها بعصاه حتى أدخلها بئرا كانت بالحرة، ثم اقتحم معها البئر حتى غيّبها ثم خرج. وقد ذكرنا أخباره في كتاب العجائب.
والمتكلّمون يدفعون أمر خالد ويقولون كان أعرابيا وبريا من أهل شرج وناظرة، ولم يبعث الله نبيا قط من العرب الذين ينزلون البادية ويسكنون بيوت الوبر. وإنما يبعثهم من القرى وساكني المدر. قال خليد عينين العبدي:
وأيّ نبيّ كان في غير قومه ... وهل كان حكم الله إلّا مع النخل
وأهل الكتاب يزعمون أن الله أوصاهم بالنار وقال (لا تطفئوا النار من بيوتي) . فلذلك لا تجد الكنائس وجميع بيوت العبادة تخلو من نار موقدة في سرج وقناديل ليلا ونهارا. وأما المجوس فإنهم لم يرضوا بمصابيح أهل الكتاب حتى اتخذوا للنيران البيوت والسدنة ووقفوا عليها الغلات الكثيرة. وهم يقدمون النار في التعظيم على الماء ويقدمون الماء في التعظيم على الأرض ولا يكادون يذكرون الهواء.
стр. 498
وما زالت السدنة تحتال للناس من جهة النيران بأنواع الحيل كاحتيال رهبان كنيسة القيامة ببيت المقدس بقولهم إنهم في بعض الأعياد يطفئون سائر القناديل التي في البيعة، وإن نارا تنزل من السماء حتى تلهب قنديلا قد جعلوه لذلك، وإن النار التي تلهبه تكون مضيئة ليست لها حرارة، فكلما ألهب منها قنديل آخر أخذت في الاحمرار والحرارة حتى تعود إلى الطبع.
وكما قالت المجوس في آذر جوي وشق حين بنوا الكانون على قيّارة ونفّاطة.
ونيران أخر منها: نار البرق ونار الحباحب وهي اليراعة. واليراعة دودة خضراء تكون في آخر الربيع تطير بالليل كأنها شرارة نار، فإن أخذها آخذ وجعلها في يده ونظر إليها [كانت] «١» كأنها نار. وأهل القرى يجعلونها على جباههم يلعبون بذلك. وهي بالنهار دودة خضراء.
ويقال إن بطلا أراد السلطان معاقبته، فأقامه في ماء بعض النهار [١٢٩ ب] وكانت ليلة باردة كثيرة الثلج. فنظر إلى مصباح في القرية فوضع عينيه عليه، ولم يزل في الحياة حتى خمد المصباح. فلما خمد المصباح مات الرجل من وقته، وكانت حياته بنظره إلى النار.
وذكر الله فضل النار في عدة مواضع من كتابه، من ذلك قوله الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ
. فجعلها أعظم من الماعون معونة وأخفها مؤونة. والماعون الأكبر الماء والنار ثم الكلأ والملح.
والوجه الآخر من الامتنان بالنار قوله يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ ...
الآية. وليس يريد أن إحراق العباد بالنار من والآية ونعمائه، ولكن أراد بالوعيد الصادق، إذ كان في غاية الزجر فهو من النعم السابغة والآلاء العظام.
وكذلك القول في خلق جهنم إنه نعمة عظيمة ومنّة جليلة، إذ كان زاجرا عن نفسه ناهيا، وإلى الجنة داعيا.
стр. 499
ثم بالنار يعيش أصل الأرض من وجوه، فمن ذلك صنيع الشمس في البرد والماء والأرض. ولأنها صلاح جميع الحيوان عند حاجتها إلى دفع عادية البرد، ثم سراجهم الذي يستصبحون وبضيائه يميزون الأمور.
وفي الأرض عيون قار وعيون زئبق وعيون نفط وكبريت، ومعادن ذهب وفضة ورصاص ونحاس وحديد. فلولا ما في بطن الأرض من أجزاء النار، ما ذاب في قعرها جامد ولما انسبك في معادنها شيء من الجواهر، ولما كان لقواها جامع ولخبثها مفرّق «١» .
ثم رجع بنا القول إلى ذكر البلدان.
قالوا: وفي بعض رساتيق همذان عيون ماء تنبع، فإذا جرى من مكانه وزال عن موضعه تحجّر وصار صخرا تبنى به الأبنية.
وقيل أيضا إن الشب اليماني إنما هو ماء يقطر من كهوف في جبال باليمن، فإذا وقع إلى الأرض استحجر وصار شبّا وحمل إلى سائر البلدان. وكذلك النوشاذر ومعدنه كهف بكرمان. وزعموا أنه بخار يتكاثف في ذلك الكهف، فإذا اجتمع خرج إليه السلطان وأهل البلد فجمعوه وأخذ السلطان حصة منه وسلّم الباقي إلى أهل البلد فتوزّعوه على رسوم قد تراضوا بها.
٢/٨٢
ذكر ما خصّ الله تعالى كل بلدة بشيء من الأمتعة دون غيرها
وقال بعض العلماء: لولا أن الله بلطفه خصّ كل بلد من البلدان وأعطى كل إقليم من الأقاليم شيئا قد منعه غيره، [١٣٠ أ] لبطلت التجارات
стр. 500
وذهبت الصناعات ولما تغرب أحد ولا سافر إنسان ولتركوا التهادي فيما بينهم ولذهب الشرى والبيع والأخذ والإعطاء. إلّا أن الله جلّ وتقدس أعطى كل صقع نوعا من الخيرات لم يعطه الصقع الآخر ليسافر هذا إلى بلد هذا، فيحمل متاع أرضه. وهذا إلى مدينة هذا فيحمل عجائب مدينته.
وقيل في قول الله وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها
أنه أراد بها جعله في بلد دون بلد، مثل الكاغذ بسمرقند ٢/٨٣ والقرطاس بمصر.
ولذلك خصّ بلاد الهند بأنواع الطيب والجواهر واليواقيت وأشباه اليواقيت وغير ذلك من الأحجار المثمنة. ولهم أصناف الطيب كالعود والعنبر والكافور والقرنفل والخولنجان والدارصيني وغير ذلك من أنواع الطيب. ولهم الصندل والتوتياء والهليلج وأنواع كثيرة لو ذكرناها لطال بها الخطب ولخرج الكتاب من الغرض الذي قصدناه. ولهم القثاء والخيزران والبقّم والصندل الأحمر والأبيض، ولهم الساج والفلفل. وفي بلادهم الطواويس والفيلة والكركدن.
وقد خصّ الله أهل الصين بإحكام الصناعات وأعطاهم منها ما لم يعط أحدا، فلهم الحرير الصيني والغضائر الصيني والسروج الصيني وغير ذلك من الآلات المحكمة العجيبة الصنعة المتقنة العمل. ولهم أيضا مسك إلّا أنه ليس بجيد. وقالوا إنما يتغير في البحر لطول المسافة.
ثم الروم وما قد خصهم الله به من العلوم والآداب وما قد أعطوا من الهندسة والفلسفة والحذق بالأبنية والمصانع واتخاذ الحصون وعقد القناطر والجسور وعمل الكيمياء والكساء الرومي والفرفير والبزيون. وفي بلادهم الميعة والمصطكى.
ثم النوبة وما قد خصّوا به من جودة الرمي وما قد انفرد به بلدهم من العجائب. ولهم الخيل العجيبة والنجب التي تسبق الخيل. ولهم الكلاب التي تقاتل الأسد.
وكذلك البجة وفي بلدهم معدن الزبرجد ومعدن الذهب، وزيّهم زي العرب كأنهم من رجال اليمن.
стр. 501
٢/٨٤ ولأهل المغرب البغال البربرية [١٣٠ ب] والجواري الأندلسيات والنمور الزنجية.
ثم ما قد خصّ به أهل مصر، من النيل وعجائب ما فيه من طرائف السمك والتماسيح، ولهم السمك الرعّاد إذا وقع في شبكة الصياد ارتعدت يده ولم يملك من أمره شيئا حتى يخلي هذا النوع من شبكته.
ولهم السقنقور وخاصيته في الجماع لا تدفع. ولهم الثياب الدبيقية والشطوية، والأردية التي تكاد سلوكها تختفي عمن نظر إليها. ويقال إن نساجيها أوسخ الناس وأقذرهم، وهم يأكلون الأطعمة الكريهة الروائح من السموك المملحة واللحوم الغثة ولا يغسلون أيديهم وتنتن روائحهم. وإذا قطعوا الثوب بعد ما قد ناله من وسخهم ودرن أبدانهم ما لا يوصف، وجد في نهاية الحسن وطيب الرائحة.
وكذلك أيضا نساجي الديباج بتستر وحاكة الخز بالسوس على ما وصفنا من القذر والنتن والرائحة الكريهة والوسخ، وتخرج الثياب من أيديهم وهم ينسجون هذه الثياب التي تخفى دقة من الحسن والرائحة بغير أثر ولا تغير. وهذه خاصيته يشكل أمرها على سائر من تفقدها وأراد الوقوف على العلة فيها.
ولهم أيضا ضروب أخر من الثياب، منها المسيّر، وهم أحذق الناس بعمل ثياب الصوف والأكسية.
ولهم البغال المصرية والحمر المرّيسية والثياب التنيسية والاسكندرية.
ولأهل اليمن الحلل اليمانية والثياب السعيدية والبرد العذيبية. والعدنية. وفي بلادهم الورس والكندر. ولهم النجائب المهرية والسيوف اليمانية. وفي بلادهم القردة والنسناس وغير ذلك من أنواع العجائب.
ثم العراق وسط الأرض وخزانة السلطان ودار المملكة.
وما قد أعطي أهل الكوفة من عمل الوشي والخز وغير ذلك من أنواع الثياب
стр. 502
والأمتعة والتمور، فإن فيها من أنواع التمور والقسوب ما قد عدم مثله بالبصرة والأهواز وبغداد والحجاز.
فمن تمورهم الهيرون والنرسيان والقسب العنبري والآزاذ وغير ذلك.
ثم قل في عجائب بغداد التي قد اجتمع فيها ما هو مفرّق في جميع أقاليم الأرض من أنواع [١٣١ أ] التجارات والصناعات. فلهم الذي لا يشركهم فيه أحد:
الثياب المروية والملحم والقيراطي وغير ذلك. ولهم أنواع الزجاج المحكم من الأقداح والأقحاف المخروطة والمجرودة التي تختار على البلور لرقتها وصفاء جوهرها. ولهم الدارشي واللكاء «١» وفيهما أعجوبة لا يوقف عليهما ولا يدرى ما العلة فيها. وذلك أن اللكاء إن عمل في الجانب الذي يعمل فيه الدارشي لم يستو بنفسه ولا يكون منه شيء. ٢/٨٥ وكذلك الدارشي أيضا إن عمل في الجانب الذي يعمل فيه اللكاء انفسد. وقد عمل ذلك غير مرة فكان كما قلنا في الفساد.
ومثل هذه أشياء كثيرة منها القراطيس التي تعمل بمصر فإنها لا تستوي إلّا بمصر دون غيرها من سائر البلدان. وقد نقل صنّاعها المعتصم من مصر إلى سرمرّى، فما استوى لهم منها إلّا شيء رديء ولا يحرّر المكاتبة فيه.
وكذلك أيضا البطيخ الناعوري، فإنه لا يكون جيدا إلّا في ضيعة من ضياع الموصل تعرف بالناعور. وقد حرص المعتضد على أن يستوي ببغداد وحمل مع بذره ترابا من تربته وماء من العين التي تسقيه فلم يفلح. فسأل عن العلة في ذلك، فقيل: التربة. قال: قد حملنا منها. قيل: فالماء. قال: قد أمرنا بحمله في السفن المقيّرة فحمل ولم ينجب. قيل: فهو الموضع. قال: هذا لا حيلة لنا فيه.
ثم ما قد خصت به كور دجلة والسواد وميسان ودستميسان من عمل الستور والبسط.
وقد خصت البصرة من بين البلدان بكثرة النخيل وأنواع الأرطاب والتمور.
стр. 503
وذكر بعضهم «١» أن جماعة من أهل المعرفة بالنخل أحصوا أصناف نخل البصرة دون نخل المدينة ودون نخل اليمامة والبحرين وعمان ٢/٨٦ وفارس وكرمان والكوفة وسوادها وخيبر وذواتها والأهواز وأعمالها، فإذا هي ثلاثمائة وثمانون ضربا من مغلّ معروف وخارجي موصوف وبديع غريب ومثمن شهير.
ثم الأهواز وما قد خصوا به وأعطوا من أنواع السكر وكثرة التمور.
وما بالسوس من جنديسابور من أنواع ثياب الخز والديباج وغير ذلك من أصناف الإبريسم [١٣١ ب] والقز.
ثم الجبل وعجائبه وما قد أعطي أهله من أصناف الفواكه الشتوية والعجائب البديعة. هذا إلى طيب بلدانه وكثرة مياهه واطراد أنهاره ونضارة أشجاره، وما يتخذ فيه من الألبان والشوابير التي يستعزّ بها ملوك العراق ويستظرفونها ويستهدونها.
ولأهل همذان خاصة حذق باتخاذ المرايا والملاعق والمجامر والطبول وغير ذلك من الحديد المذهّب الذي قد فاقوا وفاتوا باتخاذه سائر أهل الأرض.
ولأهل الري المسيّر والمنيّر والحرير. ولهم أشياء يتخذونها من الخشب يفوقون بها سائر الناس، ومنها الأمشاط والخفاف والممالح والمغارف. ولهم الأكسية البيض الطرازية.
ثم بغداد الثانية، أعني إصبهان وما قد أعطي أهلها من طيب الهواء وعذوبة الماء وكثرة الصناعات وأنواع الخير. ولهم الثياب المروية والعتابية والمفحمة ٢/٨٧ والحلل الإبريسمية المنسوجة وغير المنسوجة. والثياب السعيدية «٢» .
стр. 504
ثم فارس وكورها وبلدانها ورساتيقها وما قد خصوا به من اتخاذ الآلات الظريفة من الحديد، حتى قال بعض الحكماء وقد نظر إلى أشياء ظريفة عند بعض الملوك من آلات فارس الحديدية: لقد ألان الله لهؤلاء القوم الحديد وسخّره لهم حتى لقد عملوا ما أرادوا.
وهم أحذق الناس بعمل المجامع والأقفال والمرايا وتطبيع السيف وعمل الدروع والجواشن.
ولهم الثياب الجنابية «١» والسينيزية وغير ذلك.
ولأهل سجستان عمل المشارب السجزية وآلات الشبه والصّفر ولهم الجعاب.
ولأهل طبرستان والديلم وقزوين وزنجان من عمل الأكسية الرويانية والآملية واتخاذ الشستانك «٢» والمناديل وغير ذلك من أنواع ثياب القطن والصوف ما ليس لأحد.
ولأهل فارس أيضا الماورد الجوري والطين السيرافي والأدهان السابورية والثياب الكازرونية.
ولأهل نيسابور الثياب الملحمة والطاهرية، ولهم الفالح والنواخح «٣» وأشياء عجيبة من الثياب ليس لأحد إلّا لهم.
ولأهل مرو الملحم والثياب المروية.
ولأهل مرو الملحم والثياب المروية.
٢/٨٨ وبهراة فواكه ليس في البلدان [١٣٢ أ] شيء مثلها. ولهم الزبيب الكشمهاني ثلاثة ألوان: أحمر وأصفر وأخضر.
وبها بطيخ يقدد ويحمل إلى بغداد. وقد كان من يحمل من بطيخها إلى
стр. 505
الخلفاء لشدة حلاوته. فكان يحمل في قدور نحاس.
ولهم الأشتر غاز والريباس والهليون.
وبخراسان الغوشنة والكليكان والرخبين والملبن. وبها معدن الفيروزج واللازورد. ولهم البنجهير، معدن الفضة. ولهم الحزم القوجية والخيل البخارية.
ولهم الركب المروية ولهم الاشكر والخلنج ولهم الختو.
وبالتبت، المسك التبتي والدرق التبتية. وزعموا أن كل من دخلها لم يزل ضاحكا مسرورا.
وباليمن العقيق والبجاذي والجزع وغير ذلك.
وبأرمينية: الفرش الأرمني والبسط والستور. فسبحان من أعطى كل بلد نوعا من الخيرات وجنسا من الصناعات ولولا ذلك ما جمعته الملوك من الصفائح اليمانية والقضب الهندية، والرماح البلوصية، والأسنّة الخزرية، والأعمدة الهروية، واللجم الحاربندية، والشعور الصبلية «١» ، والشهاري الأبرازبندية، والبغال الأرمينية، والحمير المريسية، والثياب السعيدية، والكيش الشاشية، والأوتار التركية، والجعاب السجزية، والدرق المغربية، وادبحت «٢» الأندلسية، والدرر العمانية، واليواقيت السرنديبية، والكتان المصرية، والملحم الخراسانية، والوشي الكوفية.
واعلم أن ببلاد المغرب ومصر وببلاد الجبل وخراسان عجائب لا تكون بغيرها. مثل: منارة الاسكندرية، وعمود عين الشمس، والهرمين، وجسر أزنة، وقنطرة سنجة، وكنيسة الرها، والأبلق الفرد، والمشقّر، وغمدان، وبرهوت، وبلهوت، ومدينة الحضر، وأبنية تدمر، وعجائب فامية، ٢/٨٩ والفرس الذي في أقصى المغرب، وما يذكر عن مدينة الصفر، ويحدّث عن قبّة الرصاص، وإيوان المدائن، وتخت شبديز، وأسد همذان، والسمكة والثور بنهاوند، وأبنية إصطخر، وعجائب
стр. 506
رومية، والتمساح، والرّعاد، والسقنقور، وذات الحوافر وغير ذلك من العجائب التي لا تحصى [١٣٢ ب] فتبارك الله أحسن الخالقين.
منارة ذات الحوافر
وكان سنب بناء (ذات الحوافر) بهمذان وهي منارة عالية في رستاق يقال له ونجر بقرية يقال لها أسفجين.
٢/٧٨ وكان السبب في بنائها، أن شابور بن أردشير قال له منجّموه إن ملك هذا سيزول وإنك ستشقى أعواما كثيرة حتى تبلغ إلى حدّ الفقر والمسكنة، ثم يعود إليك الملك. قال: وما علامة رجوعه؟ قالوا: إذا أكلت من خبز الذهب على مائدة حديد، فذاك علامة رجوع ملكك. فاختر أن يكون ذلك في شبيبتك أو في كبرك.
قال فاختار أن يكون في شبيبته. وحدّوا له في ذلك حدّا، فلما بلغ الحدّ اعتزل ملكه ترفعه أرض وتخفضه أخرى إلى أن صار إلى هذه القرية، فتنكر وآجر نفسه من عظيم القرية. وكان معه جراب فيه تاجه وثيابه، فأودعه الرجل الذي آجره نفسه.
فكان يحرث له نهارا ويسقي زرعه ليلا. فإذا فرغ من سقي الزرع طرد الوحش عن الزرع حتى يصبح. فبقي على ذلك سنة. فرأى الرجل منه حذقا ونشاطا وأمانة في كل ما يأمره به. فرغب فيه الرجل واسترجحه فزوّجه بعض بناته. فلمّا حوّلها إليه كان شابور يعتزلها ولا يقربها. فلما أتى لذلك شهر، شكت إلى أبيها فاختلعها منه.
[وبقي شابور يعمل عنده. فلما كان بعد حول آخر سأله أن يتزوج ابنته الوسطى ووصف له جمالها وكمالها وعقلها فتزوجها. فلما حوّلها إليه كان شابور أيضا معتزلا لها ولا يقربها. فلما تمّ لها شهر سألها أبوها عن حالها مع زوجها فاختلعها منه] «١» .
فلما كان حول آخر وهو الثالث، سأله أن يتزوج ابنته الصغيرة. ووصف له جمالها وعقلها وكمالها. فتزوجها، فلما حوّلت إليه، كان شابور معتزلا لها لا
стр. 507
يقربها. فلما تم لها شهر، ٢/٧٩ سألها أبوها عن حالها مع زوجها فأخبرته بأنها معه في أنعم عيش وأسره.
قال: ولما رأى شابور صبرها عليه وحسن خدمتها له، دنا منها فعلقت منه وولدت له ابنا.
فلمّا أتى على شابور أربع سنين، أحب الله أن يردّ ملكه عليه. فاتفق أن كان في القرية عرس اجتمع فيه رجالهم ونساؤهم. وكانت امرأة شابور تحمل طعامه إليه في كل يوم. ففي ذلك اليوم اشتغلت عنه إلى بعد العصر لم تحمل إليه شيئا ولا أصلحت له شيئا. فلما كان بعد العصر ذكرته فبادرت إلى منزلها وطلبت شيئا تحمله إليه فلم تجد إلّا رغيفا واحدا من جاورس «١» ، فحملته إليه وأدنته منه وهو يسقي الزرع وبينها وبينه ساقية ماء. فلما وصلت إليه لم تقدر على عبور الساقية.
فمدّ إليها سابور [١٣٣ أ] المرّ «٢» الذي كان يعمل به، فجعلت الرغيف عليه. فلما وضعه بين يديه وكسره وجده شديد الصفرة ورآه على الحديد فذكر قول المنجمين- وكانوا قد حدّدوا له الوقت- فتأمله فإذا هو قد انقضى. فقال للمرأة: اعلمي أيتها المرأة أني سابور، وقصّ عليها قصته ثم اغتسل في النهر وأخرج شعره من الرباط الذي كان قد ربطه عليه وقال لامرأته: قد تمّ أمري وزال شقائي. وصار إلى منزله وأمرها أن تخرج إليه الجراب الذي فيه تاجه وثيابه، فأخرجته إليه فلبس التاج وثياب الملك. فلما رآه أبو الجارية كفّر له وسجد بين يديه وحيّاه بتحية الملك.
قال: وكان سابور قد عهد إلى وزرائه وعرّفهم ما قد امتحن به من الشقاء وذهاب الملك وأنّ مدة ذلك كذا وكذا سنة، وبيّن لهم الموضع الذي يوافونه إليه عند انقضاء شقائه وزوال البلاء عنه وأعلمهم الساعة التي يقصدونه فيها. فأخذ مقرعة كانت معه ودفعها إلى أبي الجارية وقال له: علّق هذه على باب القرية واصعد السور وانظر ما ترى. ففعل ذلك وصبر ساعة ثم نزل فقال: أرى أيها الملك
стр. 508
خيلا كثيرة يتبع بعضها بعضا. فلم يكن أسرع من أن وافت الخيل شماطيط «١» .
فكان الفارس إذا رأى مقرعة سابور، نزل عن دابته وسجد له، حتى اجتمع خلق من أصحابه ووزرائه، فجلس لهم ودخلوا إليه وحيّوه بتحية الملك. فلما كان بعد أيام جلس يحدث وزراءه ٢/٨٠ فقال له بعضهم: سعدت أيها الملك وعمرت عمرا طويلا، أخبرنا ما الذي أفدته في طول هذه المدة؟ قال: ما استفدت إلّا بقرة واحدة. ثم أحضرها إليهم وقال: ها هي. فمن أراد إكرامي فليكرمها. فأقبل الوزراء والأساورة يلقون عليها ما عليهم من الثياب والحليّ وما معهم من الدراهم والدنانير حتى اجتمع من ذلك ما لا يحصى كثرة. ثم قال لأبي الجارية: دونك جميع هذا المال فخذه لابنتك.
وقال له وزير آخر: أيها الملك المظفر، فما أشدّ شيء مرّ عليك وأصعبه؟
قال: طرد الوحش بالليل عن الزرع، فإنها كانت تعييني وتسهرني وتبلغ مني [١٣٣ ب] فمن أراد سروري فليصطد لي منها ما قدر عليه لأبني من حوافرها بنية يبقى ذكرها على سائر الدهر ومرّ الليالي والأيام.
فتفرق القوم في صيدها. فصادوا منها ما لا يبلغه العدد. فكان يأمر بقلع حوافرها أولا أولا حتى اجتمع من ذلك مثل التل العظيم. فأحضر البنائين وأمرهم أن يبنوا من ذلك منارة عظيمة يكون ارتفاعها خمسين «٢» ذراعا في استدارة ثلاثين ذراعا، وأن يجعلوها مصمتة بالكلس والحجارة، ثم تركب الحوافر حولها نظما من أسفلها إلى أعلاها مسمرة بالمسامير الحديد. ففعل ذلك فصارت كأنها منارة من حوافر.
فلما فرغ صانعها من بنائها جلس شابور يتأملها فاستحسنها واستظرفها وقال للذي بناها- وهو عليها ما نزل عنها بعد-: هل كنت تقدر على بناء أحسن منها؟
قال: نعم. قال: فهل بنيت مثلها لأحد؟ قال: لا. قال: ٢/٨١ فإن أمرك بعض الملوك
стр. 509
بناء أحسن منها، هل في استطاعتك ذلك؟ قال: نعم. قال: والله لأتركنّك لا تبني لأحد مثلها ولا دونها ولا أحسن منها. ثم تركه عليها وانصرف هو وأصحابه سائرين.
وكانت هذه البني قد بناها في فلاة ليس بقربها أحد، وإنما عمرت القرية التي فيها بعد ذلك. فقال: أيها الملك، قد كنت أرجو منك الحباء والكرامة. فإن كنت لا بدّ قاتلي فلي حاجة ما على الملك فيها مشقة. قال: وما هي؟ قال: يأمر الملك أن أعطى خشبا لأعمل لنفسي مكانا أكون فيه حتى يأتيني الموت لئلا تمزقني العقبان والنسور وسائر طيور الجو وجوارحه. قال: أعطوه ما سأل. فأعطي خشبا- وكانت معه آلة النجارة- فعمل لنفسه أجنحة من خشب جعلها مثل الريش وضمّ بعضها إلى بعض. فلما كان في بعض الليالي- وكانت ليلة ذات ريح- شدّها على نفسه [وبسطها حتى] «١» دخل الريح فيها فحملته حتى ألقته إلى الأرض صحيحا لم يصبه شيء. وهرب فلم يقدر عليه. واتصل خبره بسابور فقال: قاتله الله! ما كان أحكمه وأصنع كفيه.
قال: فالمنارة قائمة في هذه القرية إلى يومنا هذا مشهورة المكان. ولشعراء همذان وغيرهم [١٣٤ أ] فيها أشعار لم نكتب شيئا منها لركاكتها وقلة الجيد فيها.
وفي ذلك يقول بعضهم «٢» :
رأيت بناء الناس في كل بلدة ... فلم أر بنيانا كذات الحوافر
بناء عجيبا لم ير الناس مثله ... ولا سمعوه في الدهور الغوابر
ناووس الظبية وقصر بهرام جور
وعلى فراسخ يسيرة من همذان ناووس الظبية وقصر بهرام جور بقرية يقال لها جوهسته. والقصر كله حجر واحد منقور بيوته ومجالسه وخزائنه وغرفه وشرفه
стр. 510
وسائر حيطانه. فإن كان مبنيا من حجارة مهندمة قد لوحك بينها حتى صارت كأنها حجر واحد، لا يتبين منها مجمع حجرين ولا ملتقى صخرتين. فهذا عجب وأمر حسن جدا. وإن كان حجرا واحدا. فكيف نقرت بيوته وخزائنه وممراته ودهاليزه وشرفات سوره. وهذا أعجب وأعظم من أن يكون من حجارة شتى لأنه عظيم جدا كبير المجالس والخزائن والغرف.
وفي مواضع منه كتابة بالفارسية يقرأها من كان يعرف الخط الفارسي. وهي أخبار ملوكهم وشيء من سيرهم وتدبيرهم. وفي كل ركن من أركانه صورة جارية عليها كتابة.
وعلى مقدار نصف فرسخ من هذا القصر، ناووس الظبية، وهو على تل مشرف وحوله عيون كثيرة وأنهار غزيرة.
وكان السبب في أمره أن بهرام جور خرج متصيدا ومعه جارية كانت من أحظى جواريه عنده وأقربهن من قلبه «١» . فلما فرغ من صيده نزل على هذا التل فتغدى ٢/٩٠ وقعد يشرب مع الجارية. فلما أخذ فيه الشراب قال لها: تشهّي عليّ شيئا أبلغك إياه. فنظرت إلى سرب ظباء. فقالت الجارية: ان تجعل بعض ذكورة هذه الظباء مثل الإناث، وتجعل بعض إناثه مثل الذكورة، وترمي ظبية من ظبائه فتصل ظلفها مع أذنها. فورد على بهرام أمر بقي فيه متحيرا ثم قال: إن لم أفعل ذلك عيّرني الملوك وغيرهم من سائر الناس وقالوا امرأة تشهّاها شيئا ثم لم يقدر عليه.
ثم أخذ الجلاهق ورمى الظبية ببندقة فأصاب أذنها، فرفعت ظلفها لتحك أذنها فانتزع سهما فخاط به أذنها مع ظلفها. ثم ركب فرسه إلى السرب فأقبل يرمي [١٣٤ ب] الذكور ذوات القرون بنشّاب له ذو شاخين فيقتلع القرون بذلك، ويرمي الإناث متعمدا رؤوسها فتنبت سهامه فيها فتصير كأنها قرون. فلما بلغ من ذلك ما أرادت الجارية انصرف فذبح الجارية ودفنها مع الظبية وبنى عليهما ناووسا من
стр. 511
حجارة وكتب عليه الخبر [وقال: إنما قتلت الجارية لأنها قصدت تعجيزي وكادت تفضحني] «١» . وهذا الناووس إلى وقتنا هذا معروف مشهور يسمى بناووس الظبية.
أنشدني بعضهم فيه «٢» :
عجبت لبهرام ومن ذات ظبية ... تجوب وتغدو بين قفر السباسب
وبهرام مع حوراء عين كأنّها ... أيا الشمس أصبت بين عشب المغارب
فقالت له الحوراء دونك فأرمها ... وصكّ بسهم من سهام الشصائب
مجامع أذنيها وأسفل ظلفها ... فلا عذر إن خالفت يا ابن الأشاهب
فأرسل سهما صكّ منها الّذي بغت ... وقام إليها مغضبا بالقواضب
وقال آخر في طويلة له:
ولا أرى ملكا تجبو الملوك له ... بالسند والهند والمعمور بالصين
٢/٩١ ولا أرى أردشير الفارسيّ ولا ... كسرى شهنشاه إذ يلهو بشيرين
إذ قالت القينة الورهاء إذ نظرت ... إلى غزال تناغي ربرب العين
ما دون جمعك ظلفيها بنافذة ... سكّا إلى قرنه بهرام يرضيني
فذعّر الملك وارتجّت فرائصه ... من قول صنّاجة قالت بتهجين
فراصد الظّبي حتّى حكّ سامعه ... منه بظلف على قرن وأذنين
فسكّ ظلفيه بالمدرى وسامعه ... بذي غرار طرير النّصل مسنون
[وقال عبد الرحمن بن الأزهر] «٣» : سمعت عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يدعو ويقول: اللهم لا تدركني أبناء الهمذانيات والاصطخريات، وعدّد قرى من قرى فارس الذين معهم قلوب العجم وألسنة العرب.
стр. 512
وذكر بعض أهل العلم أن همذان هذه التي ذكرها عمر ﵁ هي قرية من قرى إصطخر وليست همذان الجبل.
وفي الخبر، أن همذان لا تخرب إلّا بسنابك الخيل.
ويروى عن جعفر بن محمد ﵁ أنه قال: لما قتل الحسين بن علي ﵄ بكت عليه السماء والأرض إلّا أربعة أماكن: دمشق وال ... رة «١» وهمذان وبلخ.
وروي عن كعب أنه قال: نجد في الكتب أن الأرض كلها تخرب قبل الشام بأربعين سنة. فمكة تخربها الحبشة، والمدينة، الجوع. والبصرة، الغرق.
والكوفة، الترك. والجبال، الصواعق. وخراسان بأنواع العذاب.
فمدينة بلخ «٢» تصيبها رجفة ورعدة ثم يغلب عليها الماء فيهلك أهلها.
وأما مدينة الخلم «٣» فتصيبها رجفة تجعل عاليها سافلها.
وأما الترمذ فإن أهلها يفنيهم الطاعون.
وأما الصغانيان وباشجرد «٤» فيفنون بقتل من عدوّ يغلب عليهم.
وأما سمرقند فتغلب عليها بنو قنطوراء «٥» بن كركر فيقتلون أهلها قتلا ذريعا.
وكذلك الشاش وفرغانة وأسبيجاب وخوارزم. فتصير جميع هذه المدن خرابا يبابا كلها كأنها جوف حمار.
وأما بخارا فهي أرض الجبابرة يصيب أهلها نحو ما أصاب خوارزم ثم يموتون جوعا وعطشا.
стр. 513
وأما مرو فيغلب على أهلها الرمل.
٢/٩٢ وأما الهراة فتمطر حيات يكون بها فناء أهلها.
وأما نيسابور فيصيب أهلها رعد [١٣٥ أ] وبرق وظلم فيهلك أكثرهم.
وأما الري فيغلب عليها الديلم [والطبرية] .
وأما آذربيجان وأرمينية فيهلكون بالجيوش والصواعق والحروب، ويلقون من الشدائد ما لا يلقاه غيرهم.
وأما حلوان فتهلك بهلاك بغداد من رياح عواصف وأمطار عظيمة.
وأما الكوفة فيهلكها السفياني.
وأمّا مصر فيهلكها رجل يقال له ناجية من بني جهينة. فويل لأهلها وأهل دمشق وأهل إفريقية وأهل الرملة منه، ويحاول دخول بيت المقدس فيمنعه الله منه.
وأما سجستان فرياح تعصف عليهم أياما ثم تجيئهم ظلمة عظيمة تتبعها هوة عالية تتصدع لها جبالها وقلوبهم فيختلف عامتهم بذلك.
وأما كرمان وإصبهان وفارس فيتلفهم الجراد وجور السلطان.
وخراب السند من قبل الهند.
وخراب التبت من قبل الصين. [وخراب خراسان من قبل التبت] «١» .
وخراب الشام من ملحمة كبيرة تحل بها. وعند خرابها تفتح القسطنطينية على يد رجل من أهل بيت رسول الله ﷺ .
وخراب الأندلس من قبل الزنج «٢» .
وقد قيل إن خراب مصر من انقطاع النيل.
стр. 514
وخراب همذان من الديلم «١» ، يدخلونها فيخربونها فلا همذان بعدها.
والله أعلم.
стр. 515
٢/٩٣
القول في نهاوند
قال أبو المنذر هشام بن السائب الكلبي: سميت نهاوند لأنهم وجدوها كما هي. ويقال إنها من بناء نوح ﵇، وإنما اسمها نوح أوند، فخففت، وقيل نهاوند. وهي أعتق مدينة في الجبل.
قال: كانت وقعة نهاوند سنة إحدى وعشرين. ويقال إن حذيفة حاصر نهاوند فكان يقاتل أهلها. فقاتلهم يوما قتالا شديدا. فاتبع سماك بن عبيد العبسي رجلا منهم ليقتله فلما رهقه ألقى سلاحه واستسلم، فأخذه أسيرا. فأقبل يتكلم بالفارسية، فأحضروا ترجمانا فقال: يقول: اذهبوا بي إلى أميركم حتى أصالحه على المدينة وأؤدي إليه [١٣٥ ب] الجزية وأعطيك أنت ما شئت فقد مننت عليّ إذ لم تقتلني. فقال له ما اسمك؟ قال: دينار.
فانطلقوا به إلى حذيفة فصالحه على الخراج والجزية من أهل نهاوند على أموالهم وأنفسهم وذراريهم وسميت نهاوند يومئذ ماه دينار «١» .
وقال المبارك بن سعيد عن أبيه قال: نهاوند فتوح أهل الكوفة، والدينور من فتوح أهل البصرة. فلما كثر الناس بالكوفة احتاجوا إلى أن يزادوا من النواحي التي قد صولح على خراجها، ٢/٩٤ فصيرت لهم الدينور، وعوّض أهل البصرة نهاوند لأنها قرية من إصبهان، فصار فضل ما بين خراج الدينور ونهاوند لأهل الكوفة، فسميت نهاوند ماه البصرة والدينور ماه الكوفة [وذلك في أيام معاوية بن أبي سفيان] «٢» .
стр. 516
وعلى جبل نهاوند طلسمان «١» وهما صورة سمكة وثور من ثلج، لا يذوبان في شتاء ولا صيف. يقال إنهما للماء لئلا يقلّ بنهاوند. فماؤهما نصفان: إليها، والنصف الآخر إلى دينور واليشتر «٢» .
стр. 517
٢/٩٦
القول في إصبهان
وأما إصبهان فقال ابن الكلبي: سميت أصفهان بأصفهان بن الفلوج بن سام بن نوح.
وحدّث ابن عيينة قال: سمعت ابن شبرمة يقول له: يوم وليلة بالحيرة خير من دواء سنة. فحدثت بهذا الحديث محمد بن موسى بن الوزير، قال: نوم ليلة بأصبهان خير من دواء سنتين.
ويروى عن سعيد بن المسيب أنه قال: لو لم أكن من قريش لأحببت أن أكون من فارس ثم من إصبهان «١» .
[وقال الكلبي: وكان جد أبي دلف، القاسم بن عيسى بن إدريس بن معقل العجلي يعالج العطر ويجلب الغنم. فقدم الجبل في عدة من أهله فنزلوا قرية من قرى همذان، فأثروا واتخذوا الضياع. ٢/٩٧ ووثب إدريس بن معقل على رجل من التجار كان عليه مال فخنقه وأخذ ماله. فحمل إلى الكوفة وحبس بها في ولاية يوسف بن عمر الثقفي العراق، في زمن هشام بن عبد الملك. ثم إن عيسى بن إدريس نزل الكرج، وغلب عليها وبنى حصنها، وقويت حال أبي دلف وعظم شأنه عند السلطان، فكبّر الحصن وزاد فيه وسماها الكرج. فقيل كرج أبي دلف.
فالكرج اليوم مصر من الأمصار. وكانت من قبل من رستاق إصبهان. فهي اليوم مفردة برأسها تسمى الإيغارين] «٢» .
стр. 518
ولما ارتحلت اليهود من بيت المقدس هاربين من بخت نصر، حملوا معهم من تراب بيت المقدس ومائه فكانوا لا ينزلون منزلا ولا يدخلون مدينة إلّا وزنوا ماءها وترابها. فما زالوا حتى دخلوا أرض إصبهان، فنزلوا ووزنوا الماء والطين الذي في ذلك المكان فكان مثل الذي معهم من تراب بيت المقدس ومائه. فعندها اطمأنوا وأخذوا في الأبنية والعمارات وتوالدوا وتناسلوا وسمي المكان بعد ذلك.
باليهودية وفيه يعرف إلى هذا الوقت.
فأما مدينة إصبهان فاسمها جيّ وبناها الإسكندر على مجرّ حيّة [١٣٦ أ] .
فالبناء قائم إلى يومنا هذا معوج.
٢/٩٨ ويقال إنه كان بنى سورها مرارا كثيرة، مربعا ومدوّرا فكان إذا فرغ منه تساقط وغيره من أبنية البلد. فآلى على نفسه أن لا يبرح أو يبنيها. فرأى في بعض الأيام حية قد جاءت فدارت حول السور مسرعة ثم انصرفت. فأمر أن يرسم السور على مجرّها. ففعل ذلك فثبت البناء ولم يقع.
وإصبهان من فتوح أبي موسى الأشعري في أيام عمر بن الخطاب ﵁.
وقال الشعبي: لما انهزم يزدجرد من المدائن صار إلى نهاوند. فلما انهزم منها انتخب من عسكره ألف أسوار وألف خبّاز وألف طباخ وألف صاحب حلواء «١» ثم مضى حتى نزل مرو. فلما قتل بها صارت الأساورة إلى بلخ، فأهلها أشجع أهل خراسان. وصار الطباخون إلى هراة. فأهلها أحذق الناس بألوان الطبخ. وأقام الخبازون بمرو فأهلها أجود الناس خبزا، ولهم ضروب منه لا توجد في غير بلدهم. وصار صاحب الحلوى إلى إصبهان، فهم أحذق الناس باتخاذ الحلوى.
وقال الهيثم بن عدي: لم يكن بفارس أقوى من أهل كورتين: واحدة سهلية وأخرى جبلية. أمّا السهلية فكسكر، وأما الجبلية فأصبهان. وكان خراج كل كورة
стр. 519
اثني عشر ألف ألف مثقال. وكانت مساحة إصبهان ثمانين فرسخا في مثلها. وهي ستة عشر رستاقا في كل رستاق ثلاثمائة وستون قرية قديمة سوى المحدثة. وهي جي وماربين، والنجان، والبراءان، وبرخوار، ورويدشت، وأردستان، وكروان، وبرزاريذ، وفريدين، وقهستان، وقامدار، وجرم كاسان والتيمرة الكبرى والتيمرة الصغرى، ومكاهن الداخلة.
قال: وخراج إصبهان وقم بستة عشر ألف ألف درهم بالكفاية على أنه لا مؤونة على السلطان. وكان [١٣٦ ب] كيكاوس الملك ملّك عليها جودرز في زمن الفرس.
٢/٩٩
قمّ
ويقال: إن الذي بنى مدينة قم، قمسار بن لهراسف.
وروى أبو موسى الأشعري قال: سألت علي بن أبي طالب ﵁ عن أسلم المدن وخير المواضع عند نزول الفتنة وإظهار السيف. فقال: أسلم المواضع يومئذ أرض الجبل. فإذا اضطربت خراسان ووقعت الحرب بين جرجان وطبرستان فأسلم المواضع يومئذ قصبة قم، تلك التي يخرج منها أنصار خير الناس أبا وأما وجدّا وجدة وعما وعمة، تلك التي تسمى الزهراء، بها قدم جبريل يوم نزل إلى قوم لوط. وهو الموضع الذي ينبع منه الماء الذي من شرب منه أمن من الداء العضال.
ومن ذلك الماء عجن المسيح الطير الذي يعمل منه كهيئة الطير. ومنه يغتسل المهدي «١» . وخرج كبش إبراهيم ﵇، وعصا موسى وخاتم سليمان ﵈.
هي أعظم المدن شأنا وأكبرها سلطانا، فيها الأمن والخصب والعز والسطوة والظفر وصحة الأهل وطيب الهواء.
٢/١٠٠ وبقم من الرساتيق والطساسيج: طسوج لنجروذ، وطسوج روذبار، وطسوج
стр. 520
ابرشتيجان، وطسوج سجاران، وطسوج سراجه، وطسوج وراكروذ.
رستاق الجبل، رستاق ساوه. رستاق جرّى [وسيا، وسوميلادجرد] وغير ما ذكرنا من الطساسيج والرساتيق. [وأخبرني محمد بن أبي مريم قال:] مبلغ خراج قم ومما في ذلك من الاحتسابات وما على آل عجل ومن في ناحيتهم وعلى أهل الأطراف من الورق: ثلاثة آلاف ألف ومائتا ألف وعشرون ألف وثلاثون درهما.
[وما على الضياع المنقولة إلى هذه الكورة: مائتا ألف وعشرون ألفا وثلاثمائة وثلاثون درهما] . فجميع ذلك ثلاثة آلاف ألف وأربعمائة ألف وثلاثة وأربعون ألفا وثلاثمائة وثلاثون درهما. [قيمتها على صرف سبعة عشر بدينار: مائتا ألف وألفان وخمسمائة وتسعة وأربعون دينارا] «١» .
ولمّا أمر قباذ بليناس بأن يطلسم آفات بلاده، مضى إلى قم فاتخذ آبارا بإزاء ملاحتها إلى جانب شجرة الملاحة طلسما ليدوم جريان عين الملاحة ولا ينقطع ما لم يحظر عليه. فإن حظر أو منع الناس جفّ ولم يجر.
وهذه العين يجري ماؤها، كلما بعد عنها جمد وصار ملحا، فجاء يأخذه أهل تلك البلاد.
وعمل فيها طلسما آخر ليخفي معدن ذهب وفضة كانا هناك، لأن الفلاحين كانوا يشتغلون. بهما عن أعمالهم.
وعمل طلسما آخر للحيات والعقارب، وكان أهلها يلقون من ذلك أذى شديدا، فانحازت إلى جبل بالقرب منها فما يقدر أحد إلى هذا الوقت يجتاز فيه من كثرة الحيّات والعقارب.
ثم مضى إلى فراهان وفيها سبخة تبتلع البعير بحمله والفرس براكبه. فاتخذ حولها طلسمين فاستراح المجتازون فيها من الغرق.
стр. 521
ولما ملك طهمورث بنى بأرض إصبهان في رستاق ماربين ورويدشت.
وفي ملك فيروز بن يزدجرد بن بهرام أقحط الناس ولم يمطروا سبع سنين.
فاتصل بفيروز أن رجلا مات في قرية [جوانق] من بعض الرساتيق، فخشي أن يكون مات جوعا. فأنفذ نقيبه إلى دار ذلك الرجل ففتشها ووجد فيها ثلاثة جرابي كبار مملوءة حنطة فأخبر الملك بذلك، ٢/١٠١ فأعطاه أربعة آلاف درهم وقال: الحمد لله الذي قطع المطر عن أهل مملكتي سبع سنين ولم يمت إنسان منهم جوعا.
[وكانت جوانق ماهية، وكانت لقوم لهم أخطار، فسألوا فيروز أن يصير جوانق إلى إصبهان ففعل ذلك] «١» . ثم مطر الناس ماه فروردين وروز آبان فصبوا الماء بعضهم على بعض فصارت سنّة إلى اليوم في الصب بعضهم على بعض في ماه وهمذان وإصبهان والدينور وهذه الناحية.
وواد بها [يسمى] زرن روذ يخرج من قرية يقال لها بناكان يمر بقرية يقال لها در ثم إلى قرية يقال لها دنبه. وتصب إلى هذه القرية مياه كثيرة، فيكثر الماء هناك ويعظم أمره ويسقي الرساتيق والقرى ثم يغور في رمل [في آخرها] ويخرج بكرمان على ستين فرسخا من الموضع الذي يغور فيه فيسقي أرض كرمان ثم يصب في البحر الشرقي. وكانت معرفتهم بهذا الماء الذي يغور في الرمل وهو الذي يخرج بكرمان. فاستدلّوا بذلك على ما ذكرنا.
ولبعضهم في عذوبة ماء إصبهان:
لست آسى من إصبهان على شيء ... سوى مائها الرحيق الزلال
ونسيم الصبا ومخترق الريح ... وجوّ صاف على كل حال
ولها الزعفران والعسل الماذيّ ... والصافنات تحت الجلال
وقال آخر [١٣٧ ب] :
لست آسى بأصبهان لشيء ... أنا أبكي عليه عند رحيلي
стр. 522
غير ماء يكون بالمسجد الجا ... مع صاف مروّق مبذول
وقال بعضهم: رأيت في غرفة ببعض الخانات التي في طريق إصبهان مكتوبا:
قبّح السالكون في طلب الرّ ... زق على ايذج إلى أصبهان
ليت من زارها فعاد إليها ... قد رماه الإله بالخذلان
ويقال إن بليناس لما أراد دخول إصبهان ليطلسم آفات مدينتها، اجتاز ببعض رساتيقها وقد أضرّ الماء بزروع أهله، ٢/١٠٢ فشكوا ذلك إليه، فاتخذ لهم طلسما في جوف بئر إذا احتاجوا إلى الماء فاضت بماء غزير. فإذا استغنوا منه، تراجع إلى البئر وغار فيها حتى يحتاجوا إليه فيخرج.
ثم اتخذ بأصبهان طلسما للهوام فقلّت.
واتخذ بروذدشت طلسما لينضب ماؤهم في الصيف ويفيض عليهم في الشتاء فيضرّ بهم ويؤذيهم. وذلك أنهم أغضبوه.
وعمل طلسمين أحدهما تحت باب من أبواب المدينة، والآخر إلى جانب شجرة بينها وبين المدينة فرسخ. فإذا فتح ذلك الباب وقع الوباء في أهل المدينة، وإذا قطع غصن من أغصان تلك الشجرة ارتفع الوباء.
وعمل طلسما للفجور وفساد النساء، فليس الزنى ببلد من البلدان أظهر منه بها. وإنما دعاه إلى ذلك أن أهلها أفسدوا غلامه. ثم لم يقنع بذلك حتى عمل على طرقهم وهي سبع طرق، سبع طلسمات للخوف، فطرقهم مخوفة أبدا.
ويقال: لم يبن بالجصّ والآجر بناء أبهى من إيوان كسرى الذي بالمدائن، ولا بالحجارة أحسن من قصر شيرين. وبازرميدخت أيضا بناء عجيب. ولا بني باللبن والطين أبهى ولا أحسن ولا أعجب من بناء بأصبهان في رستاق من رساتيقها يقال له نيمور.
وبأصبهان قرية يقال لها انباجن، عند أهلها خرزة [خضراء آسمانجونية]
стр. 523
يزعمون أنها طلسم للبرد. فإذا كان أيام الربيع وخافوا على [١٣٨ أ] زروعهم وثمارهم البرد، أخرجوا تلك الخرزة ٢/١٠٣ ونصبوها على قناة في موضع معروف عندهم فيسمع من جوفها دويّ كدويّ الريح. فيقال إن البرد ليجيء في صحاريهم وفي الغامر من أراضيهم، ولا يصيب العامر من أرضهم وزروعهم شيء. وزعموا أن الخرزة آسمانجونية تضرب إلى خضرة «١» .
وقال زياد بن رباح: دخل رجل على الحسن البصري فقال له: من أين أنت؟
قال: من أهل إصبهان. قال: الهرب ثم الهرب من بين يهودي ومجوسي وآكل ربى.
وأنشد لمنصور بن باذان:
فما أنا من مدينة أهل جيّ ... ولا من قرية القوم اليهود
وما أنا عن رجالهم براض ... ولا لنسائهم بالمستزيد
ويقال: لو فتّش نسب رجل فيها من التجار والتنّاء لم يكن بدّ من أن تجد في أصله ونسبه حائكا أو يهوديا «٢» .
وذكر بعض من قد جال في البلدان وشاهد المدن أنه لم ير مدينة أكثر من زان ولا زانية من أهل إصبهان.
[وأنشد أبو محمد العبدي لنفسه «٣» :
لمن طلل تعاجم عن جوابي ... لقد فصحت دموعك بانسكاب
قف العبرات إنّ دما ودمعا ... يصوب بربعهم فمن الصواب
стр. 524
ألم يحزنك من ولعان دهر ... تعنّته بأطلال الرّباب
ليالي من أحبّ إذ الليالي ... بقربهم كأيّام الشباب
فأبدلني النّوى من حسن ليلي ... ليالي مثل أيّام الكلاب
على بلد أصبهان وساكنيها ... لعائن والدّمار على الكلاب
٢/١٠٤ ولا صبّ الصّبا يوما إليها ... ليسحب ذيل غادية السّحاب
أحاول دهرها بالسيف طورا ... وطورا بالبلاغة والحساب
فلا في ذاك يفلح قدح نجح ... ولا في ذين يغنم باكتساب
وكيف ينال مثلي النّجح فيها ... وقد شحنت بأولاد القحاب]
وفي بعض الخبر أن الدجّال يخرج من إصبهان. وفي الحديث أن آدم ﵇ لما أهبط من الجنة أهبط بالهند على جبل سرنديب، وأهبطت حواء بجدّة وإبليس [اللعين] بميسان والحية بأصبهان.
وزعم بعض أصحاب الأخبار أنه لم ير في مدن الجبل مدينة أعذب ماء ولا أقل هواما ولا أطيب هواء ولا أصح تربة من إصبهان.
وذكروا أن الحنطة وسائر الحبوب ربما أقامت في البيوت والأهراء سنة وأكثر فلا تتغير ولا تفسد، وكذلك أيضا جميع الفواكه والمأكولات ولا تغير فيها القدور المطبوخة ولو أقامت أياما كثيرة.
فأما الميت فإنه يبقى في قبره المدة الطويلة والسنين الكثيرة لا يبلى، لصحة التربة وطيب الندرة.
ولهم الثياب العتابي والسعيدي والوشي وأنواع الثياب القطنية والملحم وغير ذلك. والملح الأصبهاني موصوف في جميع بلدان الدنيا وكذلك الأشنان. والله أعلم بالصواب [١٣٨ ب] .
стр. 525
٢/١٠٥
القول في الري والدنباوند
قال ابن الكلبي: سميت الريّ برويّ من بني بيلان بن إصبهان بن فلوج بن سام. قال: وكان في موضع المدينة بستان. فخرجت بنت روي يوما إليه فإذا هي بدراجة تأكل تينا فقالت: بورأنجير. يعني أن الدراجة تأكل تينا. فاسم المدينة في القديم بورأنجير. ويغيرونه أهل الري فيقولون بهزويد.
وقال لوط بن يحيى «١» : كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى عمار بن ياسر- وهو عامله على الكوفة- بعد شهرين من فتح نهاوند يأمره أن يبعث عروة بن زيد الخيل الطائي إلى الري ودستبى في ثمانية آلاف، ففعل. وسار عروة لذلك.
فجمعت له الديلم، وأمدّهم أهل الري، وقاتلوه فأظهره الله عليهم فقتلهم واجتاحهم.
وقال جعفر بن محمد الرازي «٢» : لما قدم المهدي الريّ في خلافة المنصور، بنى مدينة الري التي بها الناس اليوم وجعل حولها خندقا ٢/١٠٦ وبنى فيها مسجدا جامعا.
وجرى ذلك على يد عامر بن الخصيب، وكتب اسمه على حائطها. وتمم عليه سنة ثمان وخمسين ومائة وجعل لها فصيلا يطيف به فارقين آخر وسماها المحمدية.
فأهل الري يدعون المدينة الداخلة: المدينة. ويسمون الفصيل: المدينة الخارجة.
والحصن المعروف بالزنبدي في داخل المدينة المعروفة بالمحمدية. وقد كان
стр. 526
المهدي أمر بمرمّته ونزله أيام مقامه بالري، وهو مطلّ على المسجد الجامع ودار الإمارة.
ويقال إن الذي تولى مرمته وإصلاحه ميسرة التغلبي- وكان من وجوه قواد المهدي- ثم جعل بعد ذلك سجنا ثم خرب. فعمره رافع بن هرثمة في سنة ثمان وسبعين ومائتين ثم خربه أهل الري بعد خروج رافع عنها.
قال «١» : وبالري أهل بيت يعرفون بآل الحريش لهم رفضة وأبنية حسنة. وكان نزولهم الري بعد بناء المدينة المحدثة.
قال: وكانت الري تدعى في الجاهلية أزاري. فيقال إنه خسف بها، وهي على اثني [١٣٩ أ] عشر فرسخا من موضع الري اليوم على طريق الخوار بين المحمدية وهاشمية الري. وفيها أبنية قائمة إلى اليوم تدل على أنها كانت مدينة عظيمة.
وهناك أيضا خراب في رستاق من رساتيق الري يقال له البهزان بينه وبين الري ستة فراسخ، يقال إن الري هناك كانت. وحدثني من رأى أثر الحوانيت والأسواق بها.
ولا يزال الحرّاثون ومن عرفها يجدون قطع الذهب وربما وجدوا اللؤلؤ واليواقيت وغير ذلك من هذا النوع.
والري العتيقة المعروفة قد خربت أيضا. وكان المهدي في حياة المنصور حيث وجهه إلى خراسان، نزل في موضع منها يقال له السيروان وبنى فيها أبنية حسنة بعضها قائم إلى هذا الوقت.
وفي قلعة الفرخان بالري يقول الغطمش الضبي وكان ديوانه هناك فكان لا يعدم في كل يوم أن يصاح بالنفير:
стр. 527
على الجوسق الملعون بالريّ لا بني على رأسه داعي المنيّة يلمع «١» وبالري مات محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة [وعنه أخذوا الفقه] «٢» .
ودخلها سعيد بن جبير فلقيه الضحاك وكتب عنه التفسير.
وكان عمرو بن معديكرب الزبيدي غزا الري فلما انصرف توفي فدفن فوق روزه وقوسنة بموضع يسمى كرمانشاه.
وبها مات الحجاج بن أرطاة النخعي سنة ثمان وأربعين ومائة. وكان شخص إليها مع المهدي.
وبها توفي الكسائي المقري واسمه علي بن حمزة، وكان شخص إليها مع الرشيد وهو يريد خراسان.
وبها مات محمد وأحمد ابنا خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني. وكان موت أحمد بها في ولاية موسى بن بغا سنة سبع وخمسين ومائتين، وموت أخيه محمد في أيام المعتضد والمكتفي مقيم بالري في سنة إحدى وثمانين ومائتين. وكان محمد بن خالد في الوقت الذي اتخذ المعتصم الأتراك، وأخذ الجند والقواد أن يلبس السيوف بمعاليق ويترك الحمائل إلى الايزون من الري، ولا يطأ بساط خليفة ولا يخدم السلطان والأتراك دولة. واحتجب عن الناس. ويقال إنه لبس برقعا فأغمضت الخلفاء له عن ذلك لجلالته وعظيم خطره.
فلم يزل [١٣٩ ب] على ذلك مستترا إلى أيام الموفق. فلما قلّد أحمد بن عبد العزيز حرب رافع وصار المكتفي إلى الري، لقيه محمد بن خالد وأقام مديدة ثم مات.
٢/١٠٧ ولم تزل وظيفة الري اثني عشر ألف ألف درهم حتى اجتاز بها المأمون منصرفه عن خراسان يريد مدينة السلام فلقيه أهلها وشكوا إليه أمرهم وغلظ
стр. 528
وظيفتهم، فأسقط منها ألفي ألف درهم وسجّل بذلك لأهلها.
وقال بعض العلماء: مكتوب في التوراة: الري باب من أبواب الأرض وإليها متجر الخلق.
قال أبو جعفر الجمال: قلت ليحيى بن حديش: سمعت ملك بن مغول يقول: نعم دار الدنيا والآخرة الري. قال: نعم.
وقال الأصمعي: الري عروس الدنيا وإليها متجر الناس وهو أحد بلدان الأرض.
وقال أحمد بن إسحاق «١» : الري طيبة الهواء عجيبة البناء، بلد التجار ومأوى الفجار، وهي عروس الأرض وسكّة الدنيا وواسطة خراسان وجرجان والعراق وطبرستان. ولذلك قال بعض العلماء: أحسن الأرض المخلوقة الري ولها السرّ والسربان، وأحسنها مصنوعة جرجان وإليها تقع تجارات أرمينية وآذربيجان والخزر وبلاد برجان، لأن تجار البحر يسافرون من الشرق إلى الغرب ومن الغرب إلى الشرق فيحملون الديباج والخزّ [الفائق] «٢» من فرنجة إلى الفرما، ثم يركبون إلى القلزم فيحملون ذلك الديباج إلى الصين، ويحملون [الدار صيني والماميران] .
ومتاع الصين كله حتى يصيرون إلى القلزم ثم يتحولون إلى الفرما. وهم [التجار] اليهود الذين يقال لهم الراذانية، يتكلمون بالفارسية والرومية والعربية والإفرنجية.
ويخرجون من الفرما يبيعون المسك والعود وجميع ما معهم من ملك فرنجة. وربما حملوا أمتعتهم إلى قسطنطينية، وربما حملوا الرقيق الأندلسي من إفرنجة إلى أنطاكية، ثم يصيرون إلى بغداد ثم إلى الأبلة.
وأما تجار الصقالبة فإنهم يحملون جلود الخزّ والثعالب من أقصى صقلبة فيجوز [ون] إلى البحر الرومي فيعشرهم صاحب الروم، ٢/١٠٨ ثم يجوزون إلى خليج
стр. 529
الخزر فيعشرهم صاحب الخزر، ثم يصيرون إلى بحر خراسان في هذا البحر الذي يقال له بحر الصقالبة، فربما [١٤٠ أ] خرجوا بجرجان فباعوا جميع ما عندهم ليحمل جميع ذلك إلى الري.
ثم أعجب من هذا، ان جميع ما بلغ إلى طبرستان من ناحية الديلم والجبل والبربر والطيلسان من الرقيق وسائر الأمتعة فإنما هو إلى الري لجلالتها وكبرها وكثرة تجاراتها.
وكان عبيد الله بن زياد قد جعل لعمر بن سعد بن أبي وقاص ولاية الري أن يخرج على الجيش الذي وجهه لقتال الحسين ﵁. فأقبل يميل بين الخروج وولاية الري أو القعود:
أأترك ملك الريّ والريّ رغبتي ... أم ارجع مذموما بقتل حسين
وفي قتله النار التي ليس دونها ... حجاب، وملك الريّ قرة عين
[وقال ابن كربويه الرازي «١» ، وكان أحد أصحاب الحسين بن أحمد العلوي بقزوين:
يا منية هيّجت شوقي وأحزاني ... لا تبعديني فبعد الدار أضناني
إنّي أعيذك بالأجفان يا سكني ... أن تتركيني أخا شجو وأشجان
إذا بعدت يكاد الشوق يقتلني ... حتى إذا طاف طيف منك أحياني
يا جفوة من حبيب أقرحت كبدي ... هلّا رثيت لنائي الدار حيران
دامي الجفون نحيل الجسم محترق ... صبّ أسيف قريح القلب حرّان
٢/١٠٩ أمسى بقزوين مسلوبا عزيمته ... مقسّما بين أشجان وأحزان
стр. 530
أقول يوم تلاقينا وقد سجعت ... حمامتان على غصنين من بان
الآن أعلم أن الغصن لي غصص ... وإنما البان بين عاجل دان
وقمت تخفضني أرض وترفعني ... أخرى وهدّ مسير الليل أركاني
ما لي أنادي فيأبى أن يجيب فتى ... لو كان بالرّيّ لبّاني وفدّاني
يا نفس لا تجزعي من ذاك واشتملي ... ثوب العزاء فإن الغائب الجاني
أنا الّذي غرّه بيتان قالهما ... مضلّل ما له في جهله ثان
لا يمنَعنّك خفض العيش في بلد ... نزوع نفس إلى أهل وأوطان
تلقى بكلّ بلاد أنت ساكنها ... أهلا بأهل وجيرانا بجيران
حتّى تركت لذيذ العيش في بلدي ... فناء داري عن أهلي وإخواني
وشاقني نحو قزوين منى بطلت ... نفت رقادي وأذرت دمع أجفاني
فيا لها حسرة إذ عزّ مطلبها ... لم تبق منّي على روح وجثمان
٢/١١٠ أنا النّذير لكم يا قوم فاستمعوا ... مني مقالة نصح غير خوّان
للموت بالرّيّ خير للمقيم بها ... من الحياة بقزوين وزنجان
أنّى لها كجنان في شوارعها ... يطفحن في كلّ بستان وميدان
أو كالمدينة شطّاها وشارعها ... من المصلّى إلى صحراء أزدان
وهات كالسّربان اليوم مرتبعا ... من باب حرب إلى ساحات عفّان
أنهارها أربع محفوفة زهر ... تحار فيهنّ عينا كلّ إنسان
وشارع السّرّ يمناه ويسرته ... محفّفان بأنهار وأغصان
وقصر إسحاق من فولاد منحدرا ... على الشراك إلى درب الفليسان
وكم بروذة من مستشرف حسن ... إلى المضيق بها من باب باطان
وكم بناهك من دار كلفت بها ... وظبية ترتعي في سفح غدران
وشادن غنج كالبدر صورته ... يميس في حلل تلهو بفتّان
٢/١١١ يا ريّ صلّى عليك الله من بلد ... ولا أغبّك دارّ (؟) القطر هتّان
следующие страницы →