Полный текст (637 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
المهدي أمر بمرمّته ونزله أيام مقامه بالري، وهو مطلّ على المسجد الجامع ودار الإمارة.
ويقال إن الذي تولى مرمته وإصلاحه ميسرة التغلبي- وكان من وجوه قواد المهدي- ثم جعل بعد ذلك سجنا ثم خرب. فعمره رافع بن هرثمة في سنة ثمان وسبعين ومائتين ثم خربه أهل الري بعد خروج رافع عنها.
قال «١» : وبالري أهل بيت يعرفون بآل الحريش لهم رفضة وأبنية حسنة. وكان نزولهم الري بعد بناء المدينة المحدثة.
قال: وكانت الري تدعى في الجاهلية أزاري. فيقال إنه خسف بها، وهي على اثني [١٣٩ أ] عشر فرسخا من موضع الري اليوم على طريق الخوار بين المحمدية وهاشمية الري. وفيها أبنية قائمة إلى اليوم تدل على أنها كانت مدينة عظيمة.
وهناك أيضا خراب في رستاق من رساتيق الري يقال له البهزان بينه وبين الري ستة فراسخ، يقال إن الري هناك كانت. وحدثني من رأى أثر الحوانيت والأسواق بها.
ولا يزال الحرّاثون ومن عرفها يجدون قطع الذهب وربما وجدوا اللؤلؤ واليواقيت وغير ذلك من هذا النوع.
والري العتيقة المعروفة قد خربت أيضا. وكان المهدي في حياة المنصور حيث وجهه إلى خراسان، نزل في موضع منها يقال له السيروان وبنى فيها أبنية حسنة بعضها قائم إلى هذا الوقت.
وفي قلعة الفرخان بالري يقول الغطمش الضبي وكان ديوانه هناك فكان لا يعدم في كل يوم أن يصاح بالنفير:
стр. 527
على الجوسق الملعون بالريّ لا بني على رأسه داعي المنيّة يلمع «١» وبالري مات محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة [وعنه أخذوا الفقه] «٢» .
ودخلها سعيد بن جبير فلقيه الضحاك وكتب عنه التفسير.
وكان عمرو بن معديكرب الزبيدي غزا الري فلما انصرف توفي فدفن فوق روزه وقوسنة بموضع يسمى كرمانشاه.
وبها مات الحجاج بن أرطاة النخعي سنة ثمان وأربعين ومائة. وكان شخص إليها مع المهدي.
وبها توفي الكسائي المقري واسمه علي بن حمزة، وكان شخص إليها مع الرشيد وهو يريد خراسان.
وبها مات محمد وأحمد ابنا خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني. وكان موت أحمد بها في ولاية موسى بن بغا سنة سبع وخمسين ومائتين، وموت أخيه محمد في أيام المعتضد والمكتفي مقيم بالري في سنة إحدى وثمانين ومائتين. وكان محمد بن خالد في الوقت الذي اتخذ المعتصم الأتراك، وأخذ الجند والقواد أن يلبس السيوف بمعاليق ويترك الحمائل إلى الايزون من الري، ولا يطأ بساط خليفة ولا يخدم السلطان والأتراك دولة. واحتجب عن الناس. ويقال إنه لبس برقعا فأغمضت الخلفاء له عن ذلك لجلالته وعظيم خطره.
فلم يزل [١٣٩ ب] على ذلك مستترا إلى أيام الموفق. فلما قلّد أحمد بن عبد العزيز حرب رافع وصار المكتفي إلى الري، لقيه محمد بن خالد وأقام مديدة ثم مات.
٢/١٠٧ ولم تزل وظيفة الري اثني عشر ألف ألف درهم حتى اجتاز بها المأمون منصرفه عن خراسان يريد مدينة السلام فلقيه أهلها وشكوا إليه أمرهم وغلظ
стр. 528
وظيفتهم، فأسقط منها ألفي ألف درهم وسجّل بذلك لأهلها.
وقال بعض العلماء: مكتوب في التوراة: الري باب من أبواب الأرض وإليها متجر الخلق.
قال أبو جعفر الجمال: قلت ليحيى بن حديش: سمعت ملك بن مغول يقول: نعم دار الدنيا والآخرة الري. قال: نعم.
وقال الأصمعي: الري عروس الدنيا وإليها متجر الناس وهو أحد بلدان الأرض.
وقال أحمد بن إسحاق «١» : الري طيبة الهواء عجيبة البناء، بلد التجار ومأوى الفجار، وهي عروس الأرض وسكّة الدنيا وواسطة خراسان وجرجان والعراق وطبرستان. ولذلك قال بعض العلماء: أحسن الأرض المخلوقة الري ولها السرّ والسربان، وأحسنها مصنوعة جرجان وإليها تقع تجارات أرمينية وآذربيجان والخزر وبلاد برجان، لأن تجار البحر يسافرون من الشرق إلى الغرب ومن الغرب إلى الشرق فيحملون الديباج والخزّ [الفائق] «٢» من فرنجة إلى الفرما، ثم يركبون إلى القلزم فيحملون ذلك الديباج إلى الصين، ويحملون [الدار صيني والماميران] .
ومتاع الصين كله حتى يصيرون إلى القلزم ثم يتحولون إلى الفرما. وهم [التجار] اليهود الذين يقال لهم الراذانية، يتكلمون بالفارسية والرومية والعربية والإفرنجية.
ويخرجون من الفرما يبيعون المسك والعود وجميع ما معهم من ملك فرنجة. وربما حملوا أمتعتهم إلى قسطنطينية، وربما حملوا الرقيق الأندلسي من إفرنجة إلى أنطاكية، ثم يصيرون إلى بغداد ثم إلى الأبلة.
وأما تجار الصقالبة فإنهم يحملون جلود الخزّ والثعالب من أقصى صقلبة فيجوز [ون] إلى البحر الرومي فيعشرهم صاحب الروم، ٢/١٠٨ ثم يجوزون إلى خليج
стр. 529
الخزر فيعشرهم صاحب الخزر، ثم يصيرون إلى بحر خراسان في هذا البحر الذي يقال له بحر الصقالبة، فربما [١٤٠ أ] خرجوا بجرجان فباعوا جميع ما عندهم ليحمل جميع ذلك إلى الري.
ثم أعجب من هذا، ان جميع ما بلغ إلى طبرستان من ناحية الديلم والجبل والبربر والطيلسان من الرقيق وسائر الأمتعة فإنما هو إلى الري لجلالتها وكبرها وكثرة تجاراتها.
وكان عبيد الله بن زياد قد جعل لعمر بن سعد بن أبي وقاص ولاية الري أن يخرج على الجيش الذي وجهه لقتال الحسين ﵁. فأقبل يميل بين الخروج وولاية الري أو القعود:
أأترك ملك الريّ والريّ رغبتي ... أم ارجع مذموما بقتل حسين
وفي قتله النار التي ليس دونها ... حجاب، وملك الريّ قرة عين
[وقال ابن كربويه الرازي «١» ، وكان أحد أصحاب الحسين بن أحمد العلوي بقزوين:
يا منية هيّجت شوقي وأحزاني ... لا تبعديني فبعد الدار أضناني
إنّي أعيذك بالأجفان يا سكني ... أن تتركيني أخا شجو وأشجان
إذا بعدت يكاد الشوق يقتلني ... حتى إذا طاف طيف منك أحياني
يا جفوة من حبيب أقرحت كبدي ... هلّا رثيت لنائي الدار حيران
دامي الجفون نحيل الجسم محترق ... صبّ أسيف قريح القلب حرّان
٢/١٠٩ أمسى بقزوين مسلوبا عزيمته ... مقسّما بين أشجان وأحزان
стр. 530
أقول يوم تلاقينا وقد سجعت ... حمامتان على غصنين من بان
الآن أعلم أن الغصن لي غصص ... وإنما البان بين عاجل دان
وقمت تخفضني أرض وترفعني ... أخرى وهدّ مسير الليل أركاني
ما لي أنادي فيأبى أن يجيب فتى ... لو كان بالرّيّ لبّاني وفدّاني
يا نفس لا تجزعي من ذاك واشتملي ... ثوب العزاء فإن الغائب الجاني
أنا الّذي غرّه بيتان قالهما ... مضلّل ما له في جهله ثان
لا يمنَعنّك خفض العيش في بلد ... نزوع نفس إلى أهل وأوطان
تلقى بكلّ بلاد أنت ساكنها ... أهلا بأهل وجيرانا بجيران
حتّى تركت لذيذ العيش في بلدي ... فناء داري عن أهلي وإخواني
وشاقني نحو قزوين منى بطلت ... نفت رقادي وأذرت دمع أجفاني
فيا لها حسرة إذ عزّ مطلبها ... لم تبق منّي على روح وجثمان
٢/١١٠ أنا النّذير لكم يا قوم فاستمعوا ... مني مقالة نصح غير خوّان
للموت بالرّيّ خير للمقيم بها ... من الحياة بقزوين وزنجان
أنّى لها كجنان في شوارعها ... يطفحن في كلّ بستان وميدان
أو كالمدينة شطّاها وشارعها ... من المصلّى إلى صحراء أزدان
وهات كالسّربان اليوم مرتبعا ... من باب حرب إلى ساحات عفّان
أنهارها أربع محفوفة زهر ... تحار فيهنّ عينا كلّ إنسان
وشارع السّرّ يمناه ويسرته ... محفّفان بأنهار وأغصان
وقصر إسحاق من فولاد منحدرا ... على الشراك إلى درب الفليسان
وكم بروذة من مستشرف حسن ... إلى المضيق بها من باب باطان
وكم بناهك من دار كلفت بها ... وظبية ترتعي في سفح غدران
وشادن غنج كالبدر صورته ... يميس في حلل تلهو بفتّان
٢/١١١ يا ريّ صلّى عليك الله من بلد ... ولا أغبّك دارّ (؟) القطر هتّان
стр. 531
حيّ الديار بها والساكنين بها ... من النساء ومن شيب وشبّان
إلّا بقايا بغاة الأرض قد جحدوا ... دين المهيمن من كفر وعدوان
كم حلّ عرصة نصراباد قاطبة ... من ابن زانية محض وكشخان
وكم بسكة ساسان إذا ذكروا ... من ابن فاجرة نصّ وقرنان
هم الألى منعوني قرب دارهم ... وباعدوني عن أهلي وخلاني
وشرّدوني عن صحبي وعن ولدي ... حتى لجأت إلى أجبال قصران]
وخراج الري عشرة ألف ألف درهم بالكفاية. ومن الري إلى قزوين ذات اليسار سبعة وعشرون فرسخا. ومن قزوين إلى أبهر اثنا عشر فرسخا. ومن أبهر إلى زنجان خمسة عشر فرسخا.
وروي عن الصادق ﵁ أنه قال: الري وقزوين وساوة ملعونات مشؤومات.
وقال إسحاق. بن سليمان «١» : ما رأيت بلدا أرفع للخسيس من الري.
وفي أخبار أهل البيت قالوا: إن الري كانت منابت الشؤم وستعود منابت الشؤم.
وفي خبر آخر: الري ملعونة وتربتها تربة ديلمية وهي على بحر عجاج تأبى أن تقول الحق.
وروى محمد بن الريان «٢» عن إسماعيل الرازي قال: قال لي الحسن بن
стр. 532
علي بن فضال: تعرف الدولاب؟ قلت: نعم، أعرفه. قال تعرف شجرة تسمى آزاذ؟ قلت: لا. قال: فروى عن أبي عبد الله جعفر بن محمد ﵁ أنه قال: إذا اتصلت حيطان المدينة بحيطان الدولاب فعندها توقعوا بلاء القوم، ثم تلا قول الله «وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً
» . قال: الري.
وعن أبي عبد الله جعفر بن محمد ﵁: ويل للري من جناحيها.
قيل وأي شيء جناحاها «١» ؟ [١٤٠ ب] قال: طبرستان أحد جناحيها.
وعن محمد الرازي «٢» عن أبيه عن جده أبي إسماعيل، وكان نساجا، فاتخذ ثوبا وجوّده وقصره وحج فأتى أبا عبد الله «٣» ووضعه بين يديه، فأخذه ونظر إليه ونشره وقال: هذا محكم العمل. فقال أبو إسماعيل أنا نسجته يا سيدي بيدي.
فقال له أبو عبد الله: فأنت نساج؟ قال: نعم. [فقال] : مرحبا بنسّاجنا، من أين أنت؟ قال: من أهل الري. قال: أتعرف التل الأحمر؟ قال: لا. قال: هو ناء عن المدينة عند الباب الحديد لا يسلك إلّا عند ارتفاع النهار. أما إن ذلك الموضع سيعمر. ثم قال: أتعرف كناسة الدواب؟ قلت: نعم. قال: فتعرف جبل الطين الأسود؟ قال: لا. قال: الجبل الذي يقال له جبل ليلا. قلت: نعم أعرفه. قال:
فتعرف باب المدينة الحديدي وسورها؟ قلت: نعم. قال: عنده مصارع القوم، يقتل من صحابة [بني] «٤» العباس وشيعتهم ثمانون ألفا منهم ثمانون [ممن] يصلح للخلافة. فقلت له: جعلت فداك، ألك حاجة؟ قال: حاجتي أن تدع هذا العمل.
قلت: فأي شيء أعمل؟ [قال] : كن صيقلا فقلت له: على كبر السن كيف أعمل؟
стр. 533
قال: سهّل الله عليك تعلّمه ونوّر قلبك ويسّره عليك.
قال: فقدمت الري فتعلمته في شهر. فكان يروى عنه الحديث: عن أبي إسماعيل الصيقل عن أبي عبد الله.
وكان الرشيد يقول: الدنيا أربعة «١» منازل، قد نزلت منها ثلاثة. أحدها دمشق والآخر الرقة والثالث الري والرابع سمرقند وأرجو أن أنزله. ولم أر في هذه البلاد الثلاثة التي نزلتها موضعا هو ٢/١١٢ أحسن من السربان لأنه شارع يشتق مدينة الري في وسطه نهر، فهو حسن. عن جانبيه جميعا أشجار ملتفة متصلة وفيما بينها أسواق.
وخطب أمير المؤمنين علي ﵁ يوما فقال في خطبته:
احمدوا الله الذي أحصاكم عددا ووظف لكم مددا في قرارة الدنيا، فإنكم مفارقوها ومنقطعون عنها ومحاسبون بما عملتم فيها. لا تخدعنكم بقاي «٢» لذاتها فإنها ثقيل مطلبها، رنق شربها. غرور حائل وشبح [١٤١ أ] مائل وسنان قاتل، تعزّ مستدبرها وتصرع مستفيدها بغرور شهوتها ومونق لذتها وحبل مدتها، حتى إذا أنس ناقدها وقرّ شاردها، قنصته بأحبلها، فتفلته إلى ضنك المضجع ووحشة المرجع ومجاورة الأموات ومفارقة الأوقات. فهم لا يرجعون ولا يؤذن لهم فيعتذرون. قد ارتهنت الرقاب بسالف الاكتساب، وأحصيت الآثار، وقد خاب من حمل ظلما. فيا لها أمثالا كافية ومواعظ شافية لو صادفت أذنا واعية وقلوبا زاكية وألبابا حازمة وآراء عازمة.
ثم قال: كيف بهم إذا خرج المشرقي، وتحرك المغربي، وحارب السجزي، وتحرك الهجري، وثار الحسيني، وغضب الحسني، وقام العلوي، وبويع الأموي، وخرج الأرمني، وماج الديلم، وضج الطبري، وقدم الهاشمي، ووافى المصري،
стр. 534
وظفر الخراساني، وكفر الكلبي، وبويع الزنجي، ونقض التركي، وغلب الرومي، وخرج القحطاني.
عندها يخرج الروم في ألف ألف ويزيدون. ويهرب الهاشمي من الزوراء وينزلها الخراساني. فالويل لهم من المظفر العلوي، والويل لأهل البصرة والأبلّة والأهواز وواسط من المظفر العلوي أيضا. يقتل بالبصرة مائة ألف ويزيدون، وبواسط مثل ذلك، وهو السفّاح.
وويل للرافقة وقرقيسيا من كلب وقيس. والويل كل الويل للزوراء من السفياني، يقتل في كل يوم واحد مائة ألف أو يزيدون، واليوم الثاني مثل ذلك، واليوم الثالث مثل ذلك في صعيد واحد، لا ينظر الله إليهم ولا يكلمهم ولهم عذاب أليم.
والويل لأهل الكوفة من السفياني، والويل لأهل يثرب من الأبقع، سيبقر بطون النساء ويقتل النفس الزكية.
والويل لأهل مكة من الأصهب ومن صاحب مصر يقتلهم بغير عدد حتى يجري الدماء في وادي العرفات.
والويل لأهل فسطاط مصر من فرعون الثاني وهو السفياني، كيف يقتل النساء ولا يرحم الصبيان والإماء.
والبلية العظمى بصخر الري، يقتل في ذلك الموضع ستون ألفا إلى الباب.
والويل لأهل قزوين من الديلم، يقتل الرجال وتسبى النساء والذراري.
والويل لهمذان من جانب طبرستان، والويل للري من صاحب الديلم والويل لهم من صاحب إصبهان.
في كلام طويل.
وبعث الحجاج إلى وفد كانوا قدموا عليه من الديلم فعرض عليهم الإسلام أو الجزية فأبوا أن يفعلوا شيئا من ذلك. فأمر أن يصوّر لهم بلدهم سهله وجبله وعقابه وغياضه فصوّرت له. فدعا من قبله من الديلم فقال إن بلادكم قد صورت لي
стр. 535
ورأيت فيها مطمعا فاعترفوا بما دعوتكم إليه قبل أن أغزيكم الجنود فأخرب البلاد وأقتل المقاتلة وأسبي الذرية. قالوا: أرنا هذه الصورة التي أطمعتك في بلادنا فأحضرها حتى نظروا إليها. فقالوا: قد صدقك من صوّرها غير أنه لم يصوّر لك الرجال الذين يمنعون هذه العقاب والثنايا، وستعلم ذلك لو تكلفته.
فأغزاهم الجنود وعليهم ابنه محمد بن الحجاج فلم يصنع شيئا غير أنه بنى مسجدا لأهل قزوين ونصب فيه منبرا [وهو مسجد التوث الذي على باب دار قوم يعرفون بالجنيدية. وحكي أن عمّال خالد بن عبد الله القسري لعنوا علي بن أبي طالب على المنبر فقام حبيش بن عبد الله وهو من موالي الجنيد أو بني عمه فاخترط سيفه وارتفع به إلى العامل فقتله وقال: لا نحتملكم على لعن علي بن أبي طالب.
فانقطع بعد ذلك اللعن عنه رضوان الله عليه] «١» .
وقال محمد بن زياد المذحجي: رأيت في مسجد قزوين لوحا مكتوبا مما أمر به محمد بن الحجاج الثقفي. وأنشد جعفر بن عمر بن عبد العزيز:
هل تعرف الأبطال من مريم ... بين سواس فلوى يرثم
فذات أكناف فقيعانها ... فجزع فدفر واف الأحرم (؟)
ما لي وللريّ وأكنافها ... يا قوم بين الترك والديلم
أرض بها الأعجم ذو منطق ... والمرء ذو المنطق كالأعجم
ولما ميّز قباذ إقليمه، وجد أنزه بقاعه بعد أن بدأ بالعراق التي هي سرّة الدنيا والأقاليم، ثلاثة عشر موضعا: المدائن، والسوس، وجنديسابور، وتستر، وسابور، وبلخ، وسمرقند، وباورد، وبطن بنهاوند تسمى روزراور، وما سبندان، ومهر جانقذق، وتل ما سير، وإصبهان والري. وأسرى فواكه إقليمه سبعة مواضع:
المدائن، وسابور، وأرجان، ونهاوند، وماسبندان [١٤٢ أ] وحلوان، والري. وأوبأ بقاع إقليمه ستة مواضع: البندنيجين، وسابور خواست، وبرذعة، وزنجان، وجرجان، والخوار- بطن الري-.
стр. 536
والري سبعة عشر رستاقا منها: [الخوار] ودنباوند، وويمة، وشلمبه [هذه التي فيها المنابر] «١» .
وفي كتاب الطلسمات: إن قباذ وجّه بليناس الرومي إلى الري فاتخذ بها طلسما للغرق فأمنوه، وذلك أنها على بحر عجّاج. واستطابها بليناس فعزم «٢» على المقام بها فآذاه أهلها فاتخذ بها طلسما للنزول فليس يجتاز بها أحد من خراسان إلّا نزلها.
وعمل طلسما آخر للغلاء فهي أبدا غالية السعر.
ثم كتب بليناس إلى قباذ يخبره بما قد عمل من الطلسمات في بلاده ويستأذنه في المصير إلى خراسان. فكتب إليه قباذ: إن قباذ الأكبر قد طلسم ما وراء الري إلى بلخ وجرجان وسجستان [مائتين وخمسين طلسما] «٣» وليس هناك شيء فأقبل إلينا.
[وقال الشاعر:
الريّ أعلى بلدة أسعارا ... لا درهما تبقي ولا دينارا
تدع الغريب محيّرا في سوقها ... قد تاه ينظر هائما خوّارا
في كلّ يوم ينبغي لغدائه ... أن كان يملك للغداء قنطارا
٢/١١٣ وبها أناس شرّ ناس باعة ... لا يحفظون من الغريب جوارا
سيسوا بكلّ قبيحة فتراهم ... أدهى وأخبث من تحلّى العارا
لا يصدقون وصدق قول فيهم ... عار وكلّ يبغض الأبرارا
إن جئت تسألهم لتسقى شربة ... قالوا إليك تجنّب الأشرارا
فلقد لبسنا العار حتّى ما لنا ... إلّا الفضائح ملبسا وإزارا] «٤»
стр. 537
وفي أخبار فريدون على رواية الفرس: لما أقبل بالبيوراسف من المغرب نحو المشرق ليسجنه [بدنباوند] مرّ بكورة إصبهان- وقد طوى أفريدون أياما لم يذق طعاما- فطلب قوما يمسكونه عليه ريثما يتغدى. فجمع الملك عالما من الناس فلم يقدروا على إمساكه، فأدار سلاسله على جبل من جبال إصبهان وأوثقه بأساطين وسكك من حديد قوية. وتوثق منه حتى ظن أنه قد أحكم ما أراد. حتى إذا جلس على غذائه، اجتذب البيوراسف سلاسله مع تلك الأساطين والسكك واحتمل الجبل يجره بسحره ثم طار به في الهواء، فتبعه أفريدون فما لحقه إلّا بالمدينة المعروفة ببزورند وهي الري. فلما لحقه قمعه بمقمعة من حديد كانت في يده فسقط مغشيا عليه ورسا ذلك الجبل المنقول من إصبهان بمدينة الري. فهو الآن جبلها المطلّ عليها. فلعن أفريدون ذلك الجبل ودعا الله أن لا ينبت عليه شيئا في شتاء ولا صيف وأن لا يثبت عليه ثلج ولا تسرح عليه سارحة تؤمّه ولا أهلية ولا يأتي إليه حيوان.
٢/١١٤ فأجاب الله دعاءه. فهو كذلك [١٤٢ ب] إلى يوم التناد.
ثم قاده من الري نحو محبسه على طريق الخوار، فوافاه وهو يقوده إصبهبد جرجان- وكان رجلا ذا أيد وبطش- فسار معه أياما. وعرضت لأفريدون حاجة فلم يثق بأحد يمسكه عليه فقال الأصبهبد: أيها الملك، أنا أمسكه عليك. فقال:
أخاف أن لا تقوى فتعطب على يده. فقال: أرجو أن يعينني الله عليه بقدرته.
وناوله أفريدون سلاسله وساربه، فلم يلتوي عليه، ومرّ يحجل في قيوده.
فلما غاب أفريدون () «١» فلما أطالا المجاذبة دخلت رجلاه إلى ركبتيه في الأرض، فخدّ في ذلك المكان أخدودا عظيما جرى فيه بعد ذلك الماء فصار نهرا عظيما، وهو اليوم يعرف بوادي خوار، يعرفه أهل تلك الناحية ويسمونه بهندرود.
وطعنه أفريدون وقمعه بمقمعة واحدة من يد الأصبهبد وبارك عليه وزاد في مرتبته وسماه بهند جرجان وخراسان اصبهبد.
стр. 538
ثم حمله إلى كورة دنباوند فسجنه هناك في جبل يسمى جبل الحدّادين في قرية اسمها قرية الحدادين أيضا. ووكل به أرمائيل ومثّل بين يديه في القلة صورة أفريدون وطلسم عليه طلسما وبنى حوله حوانيت رتّب فيها قوما حدادين يضربون مطارقهم نوائب على سنداناتهم ليلا ونهارا شتاء وصيفا لا يفترون عن ذلك وجعله في كهف عظيم في جوف القلة وأثقله بالحديد وجعل على باب الكهف عدة أبواب حديد وأسقط عن سكان هذه القرية الخراج والعشر وجميع النوائب، فليست عليهم مؤونة إلّا ضرب هذه المطارق على سندانات خالية، ويتكلمون على ضربهم بكلام موزون ويهمسون به عند ضربها لئلا يقطع البيوراسف سلاسله وأغلاله فيقال إنه يلحس أغلاله دائما ليلا ونهارا فتدق عن لحسه، فإذا ضرب «١» هؤلاء بالمطارق عادت إلى حالها في الغلظ والوثاقة. ويقال إن الطلسم الذي يمنعه من قطع السلاسل بعد لحسه إياها فهو معمول في ضرب هؤلاء الحدادين بمطارقهم.
ومضى أفريدون- بعد أن حبسه في الكهف واستوثق منه- منصرفا إلى دار مملكته [١٤٣ أ] ووكل أرمائيل بحفظ البيوراسف وطعامه. فكان يذبح له في كل يوم رجلين فيغذي بأدمغتهما حيّتيه اللتين على كتفيه أعواما.
ثم إن أرمائيل تحوّب من ذبح الناس فتلطّف في استنقاذهم واحتساب الأجر في إطلاقهم من القتل، فمضى إلى قرية من قرى دنباوند تسمى مندان فبنى على جبلها أبنية جليلة وقصورا عظيمة وجعل فيها بساتين وعيونا تجري في صحون تلك الدور والبساتين، وبنى في بعض تلك القصور بيتا بخشب الساج والابنوس وصور فيه جميع الصور، فلم يكن لأحد في ناحية المشرق، بناء أشرف منه ارتفاعا وحسنا ودقة نقوش وكثرة عمل وتزاويق وتصاوير وتماثيل.
فما زال ذلك البنيان قائما حتى استنزل المهدي بن المصمغان من القلعة المعروفة بالهيرين- وكان قد أعطاه الأمان- فلما جاء به إلى الري أمر بضرب عنقه.
فلما استخلف الرشيد وصار إلى الري أخبر بمكان ذلك البنيان فصار إليه
стр. 539
حتى وقف عليه وأمر بنقضه وحمله إلى مدينة السلام.
وكان أرمائيل نازلا في قصوره وأبنيته التي بناها فإذا جاءوه بالأسارى من الآفاق ليذبحهم ويأخذ أدمغتهم فيغذي الحيتين، أعتق في كل يوم أسيرا وذبح مكانه كبشا وخلط دماغه بدماغ المقتول وغذا به الحيتين أعواما كثيرة. ثم بدا له في الذبح فكان إذا جاءوه بالأسارى أعتقهم وأسكنهم الجبل الغربي من قرية ميندان «١» فبقي على ذلك من حاله ثلاثين عاما يعتق في كل عام سبعمائة وثلاثين إنسانا- وقرية ميندان على جبلين بينهما واد فيه ماء عذب غزير لا ينقطع شتاء ولا صيفا، وعلى حافتي الوادي عيون تنصب إليه وشجر مثمر- فكان كلما أعتق أسيرا أعطاه دارا وأسكنه الجبل الغربي ٢/١١٥ وأمره أن يزرع لنفسه ما يريد ويبني ما يشاء. فكانوا يفعلون ذلك. وقيض الله لأرمائيل مطلسما ألمّ به فقال: أنا اطلسم الطعام الذي يتغدى به هذا الملعون فيكون يتغلغل في جوفه ويرتفع [١٤٣ ب] إلى صدره ويجري في لهواته فيشبع منه ولا يحتاج إلى غيره أبدا ويجازيك الملك على ذلك.
ما الذي تجازيني عليه؟ قال: سل ما أحببت. قال: إذا أتتك رئاسة الناحية أشركتني فيها معك وفي نعمتك وعقدت بيننا قرابة لا تنقطع. فضمن أرمائيل له ذلك وطلسم مأكول الملعون ومشروبه في جوفه، فهو يتغلغل في صدره إلى بلوغ مدة [أيامه] «٢» .
فلما كان بعد ثلاثين حولا من مملكة أفريذون أنفذ إلى أرمائيل رسولا يأتيه بخبر البيوراسف. فلما وافاه أنزله. أرمائيل معه في قصره. فسأله الرسول عما صنع فأخبره خبر المعتقين من الذبح وإنزاله إياهم الجبل الغربي. ولمّا أمسى أمر المعتقين أن يوقد كل واحد منهم على باب الموضع الذي هو فيه نارا ففعلوا. فقال الرسول: ما هذا؟ قال: هؤلاء المعتقون من الذبح. فقال الرسول بالفارسية: وس
стр. 540
مانا كي ته آزاد كردي؟ أي: كم من أهل بيت قد أعتقتهم؟ وتناهى الخبر إلى أفريدون فسرّ به سرورا شديدا ومضى نحو جبل دنباوند فوقف عليه فلما تقرر عند فعل أرمائيل شرفه ورفع درجته وسماه المصمغان وأقطعه مدينة دنباوند برساتيقها وقراها وعقد له تاجا وأقعده على سرير ذهب. فهم آل المصمغان المعروفون إلى يومنا هذا تلك الناحية.
وكان أفريذون سجن البيوراسف في النصف من ماه مهر وروز مهر، فلما أصبح جعله عيد المهرجان.
ويقال إن طول أفريذون تسعة أرماح- والرمح بباعه ثلاثة أبوع- وعرض عجزه ثلاثة أرماح، وعرض صدره أربعة أرماح، ووسطه رمحان «١» .
وقال محمد بن إبراهيم بن نافع: كنت مقيما بطبرستان في خدمة موسى بن حفص الطبري «٢» أيام خلافة المأمون إذ ورد علينا قائد من قواد المأمون في مائة وخمسين فارسا ومعه كتاب المأمون إلى موسى بن حفص ٢/١١٦ يأمره بالشخوص معه إلى موضع البيوراسف [بقرية الحدادة في سنة ٢١٧] حتى يقف عليه ويتفحص عن خبره ويكتب إليه بصحة الأمر [١٤٤ أ] فيه.
قال: فوافينا قرية الحدادين، فلما قربنا من الجبل الذي هو فيه، إذا نحن بدويبة في عظيم البغال. فلما رأتنا صعدت في الجبل. قال: وإذا طيور بيض كبار أكبر من النعام في خلق الفصلان. وإذا قلة الجبل مغشاة بالثلج، وإذا دود وعظام مثل الجذوع تنحط من ذلك الثلج، فإذا انفصلت الدودة عن الثلج وانحدرت إلى القرار وانسابت على الحجارة انفقأت فسال من جوفها مثل الساقية. فإذا كان ذلك
стр. 541
نهضت تلك الطيور إلى جلود هذا الدود فأكلتها.
فلم تزل العسكر في القرية أياما يرومون الوصول إلى موضع البيوراسف ولا يهتدون لموضع الجبل في الصعود. فبينا هم كذلك إذ أتاهم شيخ قد نيف على مائة سنة فسائلهم عما قدموا له، فعرّفوه الخبر، وإذا على الجبل حوانيت كثيرة فيها قوم من الحدادين حول تلك القلّة عليهم نوائب يضربون مطارقهم على سنداناتهم ساعة بعد ساعة ويتكلمون عليها بكلام يهجسون به موزون عند ضربهم، لا يفترون ليلا ولا نهارا. فسألوا الشيخ عن الخبر، فقال لهم: هذه الحوانيت وضرب هؤلاء على السندانات، طلسم على البيوراسف لئلا ينحل عن وثاقه، وإنه لدائب بلحس سلاسله وأغلاله، فإذا ضربت هذه المطارق عادت أغلاله وسلاسله إلى ما كانت عليه من الغلظ. فإن أحببتم الوقوف على صحة هذا الحيوان المحبوس في هذه القلة حتى لا يتخالجكم فيه ريب أريتكم برهان ذلك. فقال له القائد: ما جئت لغير هذا الذي وصفت. فأحضر الشيخ سلما مخروزا محكما من الصرم وسككا من سكك الحديد وجمع شباب القرية حتى صعد منهم من صعد على تلك السلّم من قرار القلّة إلى مقدار مائة ذراع في الجبل ثم أراهم في الجانب الشرقي من القلة عند مطلع الشمس جوبة عظيمة وعليها أسكفة باب حديد عليه مسامير من حديد مذهبة مكتوب عليها [١٤٤ ب] بالفارسية ما أنفق على كل مسمار وفوق الأسكفة ٢/١١٧ كتابة تخبر أن على القلة سبعة أبواب من حديد، على كل باب أربعة أقفال قد كتب على بعض المسامير: لهذا الحيوان أمد يجري إلى غايته ونهاية لا يعدوها، فلا يعرض خلق لفتح شيء منها فيهجم من هذا الملعون على ما لا يقوم له أهل الأرض ولا حيلة لأحد عما يريد.
فقال القائد «١» : ويحكم حيوان منذ آلاف من السنين يبقى بغير قوت؟ فقال الشيخ: طعامه القديم الذي تغدى به مطلسم في جوفه، فهو يتغلغل في صدره ويرتفع إلى لهواته حتى تمتلأ منه، وقد منع من إخراجه. فذلك غذاؤه. فانصرفوا
стр. 542
ولم يجدوا شيئا وكتب بخبره إلى المأمون فكتب أن لا تعرض له.
وعن رجل من كلب قال: كان الضحاك أشد الناس غيرة، فركب يوما إلى الصيد فجاء أفريذون في خيله فدخل داره واحتوى عليه وعلى نسائه. وبلغ ذلك الضحاك فوافى منزله. فلما نظر إلى أفريذون في داره مع نسائه أدركته الغيرة فغشى عليه وسقط عن دابته. ووثب أفريذون فأوثقه ثم تتبع عماله فأخذهم وغلب على ملكه وذلك ماه مهر وروز مهر، فصيره يوم المهرجان. فقالت الأعاجم مهريان لقتل من كان يذبح في كل يوم واتخذوه عيدا. وأخذ المصمغان وقال: إنك كنت شرّ عماله وكنت صاحب الذبح، فأذبحك كما كنت تذبح الناس. فقال: إن لي بلاء.
قال: وما هو؟ قال: كان يأمرني بذبح اثنين في كل يوم فكنت أذبح واحدا وأعتق الآخر. قال: وكيف نعلم صحة ما ذكرت؟ قال: اركب معي حتى أريك إياهم.
فركب معه وسار حتى أشرف على جبال الديلم والشور فنظر إلى عالم قد توالدوا وتناسلوا. ٢/١١٨ فقال: هؤلاء كلهم عتقائي. فقال أفريذون: وس ما ناكي ته آزاد كردي؟
كم من أهل بيت أعتقتهم؟ اذهب فقد ملكتك عليهم. فأعطاه مملكة دنباوند. فلم يزل الضحاك [١٤٥ أ] عنده موثقا ستة أشهر ثم قتله يوم النيروز فقالت الأعاجم:
امروز نوروزي اي استقبلنا الدهر بيوم جديد. فاتخذوه عيدا.
وعن القاسم بن سلمان «١» قال: أبجد وهوّز وحطي كلمن وسعفص وقرشت ثخذ ضظغ، كانوا ملوكا جبابرة ففكر قرشت يوما فقال: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
، فجعله الله اژدها، فله سبعة رؤوس «٢» . فهو الذي بدنباوند محبوس.
وزعم بعض أهل العلم: إن المحبوس بجبل دنباوند صخر الجني الذي أخذ خاتم سليمان بن داود ﵉ لما ردّ الله على سليمان ملكه، حبس صخرا في جبل دنباوند.
стр. 543
ولأبي تمام من شعر طويل يمدح به الافشين ويقول إنه مثل أفريذون وأن بابك الخرمي مثل الضحاك:
ما نال ما قد نال فرعون ولا ... هامان في الدنيا ولا قارون
بل كان كالضحّاك في سطواته ... بالعالمين وأنت أفريذون
وقال علي بن ربن كاتب المازيار: وجّهنا جماعة من أهل طبرستان «١» إلى جبل دنباوند- وهو جبل عظيم شاهق في الهواء يرى من رأس مائة فرسخ وعلى رأسه أبدا مثل السحاب المتراكم لا ينحسر عنه في الصيف ولا في الشتاء، ويخرج من أسفله نهر ماؤه أصفر كبريتي تزعم جهّال الفرس أنه بول البيوراسف- فذكروا أنهم صعدوا إلى رأسه خمسة أيام وخمس ليال فوجدوا نفس قلّته تكاد تكون مائة جريب مساحة «٢» . على أن الناظر ينظر إليها من أسفل الجبل مثل رأس القبة المخروطة. قالوا: وجدنا عليها رملا تغيب فيه الأقدام، وانهم لم يروا عليها دابة ولا أثرا لشيء. وان سائر ما يطير في الجو لا يبلغها، وان البرد فيها شديد والريح عظيمة الهبوب والعصوف، وانهم عدوّا في قلتها سبعين كورة «٣» [يخرج] «٤» منها الدخان الكبريتي، وانه كان معهم رجل من أهل تلك الناحية فعرّفهم أن ذلك الدخان تنفّس البيوراسف، ورأوا حول كل ثقب من تلك الكوى كبريتا أصفر [١٤٥ ب] كأنه الذهب ٢/١١٩ وحملوا معهم شيئا منه حتى نظرنا إليه. وزعموا أنهم رأوا الجبال حوله مثل التلال، وأنهم رأوا البحر مثل النهر الصغير، وبين البحر وهذا الجبل نحو عشرين فرسخا.
стр. 544
٢/١٢٠
القول في قزوين وأبهر وزنجان
قال بكر بن الهيثم: كان حصن قزوين يسمى بالفارسية كشوين [ومعناه الحدّ المحفوظ] «١» . قال وبينه وبين الديلم جبل كانت ملوك فارس تجعل فيه رابطة من الأساورة يدفعون الديلم إذا لم تكن بينهم هدنة، ويحفظون بلدهم من اللصوص.
[ويقال: إنهم نزلوا قرية يقال لها سسين فقالوا: جش اين. ثم دخلوا قرية يقال لها فاسقين فقالوا: بس اين. ثم دخلوا قرية سروين، فأندر صاحب الجيش قال: سروين] «٢» .
قال: وكانت دستبى مقسومة بين الري وهمذان. فقسم منها يدعى دستبى الرازي وهو مقدار تسعين قرية، منها ما قد حازه السلطان [أعزه الله] «٣» في هذا الوقت واستخلصه لنفسه. ومنها ما هو في الري، قوم تغلبوا عليه.
قال وكان سبب [حيزه] «٤» دخول اذكوتكين بن ساتكين التركي قزوين وتغلبه عليها في سنة ست وستين ومائتين، وأسره محمد بن الفضل بن محمد بن سنان العجلي رئيس قزوين وكبيرها، أنه تقلد البلد، فلما صار إليه أظهر العدل والنصفة
стр. 545
أياما ثم أزالها عن ذلك وقبض على جماعة من وجوه البلدان وأخذ ضياعهم وأموالهم.
٢/١٢١ وقسم منها يدعى الهمذاني. وكان عامل همذان في وقت افتتاح الخراج ينفذ خليفته إلى قرية من قرى دستبى يقال لها اسفنقان «١» فيجبي خراجها ويحمله إلى همدان. فما زال الأمر كذلك حتى كورت قزوين وزنجان.
[وكان العدل بقزوين من جهة طاهر بن الحسين، والجور بهمذان من قبل موالي المعتصم بالله أمير المؤمنين، فتظلم رجل يقال له محمد بن ميسرة من رجل آخر من أهل قزوين يدعى أحمد بن النصر بن سعيد، فوجّه وفده إلى نيسابور يسأل الكتّاب في نقل رستاق نسا وسلقانروذ إلى قزوين. فكتب صاحب خراسان بذلك فنقلت إلى قزوين] «٢» .
قال: ولما زال ملك العجم وفتحت البلدان، ولي المغيرة بن شعبة الكوفة وولي جرير بن عبد الله همذان وولي البراء بن عازب قزوين، وأمر أن يغزو الديلم.
وكان مغزاهم قبل ذلك من دستبى. فسار البراء بن عازب ومعه حنظلة بن زيد الخيل حتى أتى أبهر، فأقام على حصنها- وهو حصن منيع بناه شابور ذو الأكتاف.
[١٤٦ أ]- وشابور أيضا بنى مدينة قزوين، ويقال إنه بنى حصن أبهر على عيون سدّها بجلود البقر والصوف واتخذ عليها دكة ثم بنى الحصن عليها-.
قال: ولما نزل عليه البراء، قاتله أهل الحصن أياما ثم طلبوا الأمان فآمنهم على مثل ما آمن حذيفة بن اليمان أهل نهاوند.
ثم سار إلى قزوين فأناح عليها، فطلبوا الصلح فعرض عليهم ما أعطى أهل أبهر من الشرائط ٢/١٢٢ فقبلوا جميع ذلك إلّا الجزية فإنهم نفروا منها. فقال: لا بدّ منها.
стр. 546
فلما رأوا ذلك أسلموا «١» وأقاموا بمكانهم فصارت أرضهم عشرية.
فرتّب البراء فيهم خمسمائة رجل من المسلمين منهم: طلحة بن خويلد الأسدي وميسرة العائذي وجماعة من بني تغلب [على دستبى وقزوين، فتناسلوا هناك فأولادهم وأولاد أولادهم إلى اليوم فيها، قد توارثوا الضياع- وكانت قبالة من السلطان في أيديهم الخمسين السنة والأقل والأكثر- إذ كانت] «٢» أرضين وضياعا لا حق فيها لأحد. فعمروها وأجروا أنهارها وحفروا آبارها فسمّوا تنّاءها.
وكان نزولهم على ما نزل عليه أساورة البصرة على أن يكونوا مع من شاءوا. وصار جماعة منهم إلى الكوفة وحالفوا زهرة بن حوية، فسمّوا حمراء الديلم، وأقام أكثرهم بمكانهم فهم هناك إلى وقتنا هذا.
قال: وأنشدني رجل من أهل قزوين لجدّ أبيه- وكان ممن قدم مع البراء بن عازب لقتال الديلم-:
قد تعلم الديلم من تحارب ... لمّا آتى في جيشه ابن عازب
بأنّ ظن المشركين خائب ... فكم قطعنا في دجى الغياهب
من جبل وعر ومن سباسب ثم غزى البراء الديلم حتى أدوا الجزية. وغزا الجيل والببر والطيلسان وفتح زنجان عنوة.
وولي الوليد بن عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية الكوفة [لعثمان بن عفان، فغزا الديلم مما يلي قزوين، وغزا آذربيجان وجيلان وموقان والببر وطيلسان] «٣» ثم انصرف.
стр. 547
٢/١٢٣ وولي سعيد بن العاص بن أمية بعد الوليد، فغزا الديلم ومصر وقزوين فصارت مغزى أهل الكوفة.
وكان موسى الهادي لما صار إلى الري أتى قزوين وأمر ببناء مدينة إزاءها فهي تعرف بمدينة موسى. وابتاع أرضا تدعى رستم آباذ فجعلها وقفا على مصالح المدينة. وكان عمرو الرومي يتولاها، ثم تولاها من بعده محمد بن عمرو. وكان مبارك التركي بنى حصنا بها وسماه المباركية وبه قوم من مواليه.
وحدث محمد بن هارون الأصبهاني «١» قال: اجتاز الرشيد بهمذان وهو يريد [١٤٦ ب] خراسان، فاعترضه أهل قزوين وأخبروه بمكانهم من بلد العدو وعنائهم في مجاهدتهم وسألوه النظر لهم وتخفيف ما يلزمهم من عشر غلاتهم في القصبة، فسار إلى قزوين ودخلها وبنى مسجد جامعها واسمه إلى اليوم مكتوب على بابه في لوح حجر. وابتاع بها حوانيت ومستغلات وأوقفها على مصالح المدينة وعمارة قبتها وسورها فهي تنفق عليها ويبنى منها ما استرمّ بغلتها إلى هذا الوقت.
قال: وصعد في بعض الأيام القبة التي على باب المدينة وهي عالية جدا، فأشرف على الأسواق، ووقع النفير في ذلك الوقت، فنظر إلى أهلها وقد أغلقوا حوانيتهم وأخذوا سيوفهم وتراسهم وجميع أسلحتهم وخرجوا على راياتهم وساروا نحو العدو. فاستحسن ذلك منهم وأشفق عليهم وقال: هؤلاء قوم مجاهدون يجب أن ننظر لهم. فاستشار خواصه في ذلك، فكل واحد منهم أشار بما عنده فقال هو:
أصلح ما يعمل بهؤلاء أن يحط عنهم الخراج وتجعل لهم وظيفة القصبة. فجعلها عشرة آلاف درهم في كل سنة مقاطعة.
وكان القاسم بن الرشيد «٢» ولي جرجان وطبرستان وقزوين، فألجأ إليه أهل
стр. 548
زنجان ضياعهم تعززا به ودفعا لمكروه الصعاليك وظلم العمال عنهم وكتبوا له عليها الأشرية «١» وصاروا له فلاحين.
وكان القاقزان عشريا لأن أهله أسلموا عليه وأحيوه بعد الإسلام، فألجأوه أيضا إلى القاسم على أن جعلوا له عشرا ثانيا سوى عشر بيت المال ٢/١٢٤ فصار في الضياع أيضا.
ولم تزل دستبى على قسميها: بعضها إلى الري وبعضها إلى همذان إلى أن سعى رجل من ساكني قزوين من بني تميم يقال له حنظلة بن خالد ويكنى أبا مالك، في أمرها، حتى صيرت كلها إلى قزوين. فسمعه رجل من أهل قزوين وهو يقول: كوّرتها وأنا أبو مالك. فقال له بل أتلفتها وأنت أبو هالك «٢» .
وقد روت الحشوية في فضائلها أخبارا كثيرة لا يصححها الثقات والحفاظ [وأنا أوردها هنا] «٣» لتكون فائدة في الكتاب.
قال أبو مجالد الصنعاني: قزوين وعسقلان العروسان [١٤٧ أ] شهداؤهما تزف إلى الله يوم القيامة.
وروي عن أبي هريرة [وابن عباس] «٤» قال: كنا عند رسول الله ﷺ يوما فرفع بصره إلى السماء كأنه يتوقع شيئا ثم بكى حتى جرت دموعه على خده وجعلت تقطر من أطراف لحيته وهو يقول: رحم الله إخواني بقزوين- ثلاث مرات-. قلنا: يا رسول الله، من إخوانك بقزوين الذين رققت لذكرهم وترحّمت عليهم، وما قزوين هذه؟ قال: هي مدينة من أرض الديلم وستفتح عليكم ويكون بها رباط.
стр. 549
فمن أدرك ذلك فليأخذ نصيبه من فضل رباطها، فإنه يستشهد فيها قوم يعدلون شهداء بدر «١» .
قال الحسن في قوله قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ
قال: الديلم.
وقال عمار بن عبد الله «٢» : سألت أبا عبد الله ﵁ عن قتال الديلم فقال: ومن أحق بالقتال منهم؟ هم الذين قال الله تعالى [فيهم] «٣» قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ.
وعن مجاهد في قول الله تعالى فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ
قال:
الروم والديلم.
وبعث الحجاج إلى وفد الديلم فكانوا قد جاءوه فأرادهم على أن يسلموا فأبوا. فطالبهم بالجزية فامتنعوا فأمر أن يصور له بلدهم، سهله وجبله وعقابه وغياضه وأنهاره وطرقه وبنائه، فصوّر له ذلك. فقال لهم: إن بلادكم قد صورت لي بطرقها وعقابها وأنهارها وجبالها وسهولها، ٢/١٢٥ وقد رأيت فيها مطمعا، فأقرّوا لي بما دعوتكم إليه وإلّا أغزيتكم الجنود فأخربت بلدكم وقتلت رجالكم وسبيت الذراري والنساء. فقالوا: أرنا الصورة التي أطمعتك فينا وفي بلدنا. فدعا بالصورة، فلما نظروا إليها قالوا: قد صدقك الذي صورها لك غير أنه لم يصور الرجال الذين يمنعون هذه العقاب والجبال والطرق. وستعلم حقيقة ذلك لو قصدت البلد. فلم يلتفت إلى قولهم وأنفذ إليهم عسكرا عليه ابنه محمد بن الحجاج، فلم يصنع شيئا وانصرف إلى قزوين فبنى بها مسجدا ونصب فيها منبرا.
قال محمد بن زياد المذحجي: رأيت في مسجد قزوين لوحا فيه مكتوب:
ممّا [١٤٧ ب] أمر به محمد بن الحجاج.
стр. 550
وهذا المسجد الذي بناه محمد بن الحجاج هو المسجد الذي على باب دار بني الجنيد، وكان يسمى مسجد التوث «١» . فلم يزل قائما إلى أن بني للرشيد مسجدها الجامع.
وحكى قوم من مشايخ أهل قزوين أنهم لحقوا عمال خالد بن عبد الله القسري وهم ينالون من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ على منبر قزوين، وأن رجلا من عبد القيس [حبيش بن عبد الله وهو من موالي الجنيد أو بني عمه] «٢» يسمع ذلك يوما، فاخترط سيفه ورقى إلى الذي على المنبر وقد نال منه، فقتله وقال: [لا نحتملكم على لعن علي بن أبي طالب] «٣» فانقطع من ذلك [إلى] اليوم.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: ستفتح عليكم الآفاق وتفتح عليكم مدينة لها قزوين، من رابط فيها أربعين ليلة كان له في الجنة عمود من ذهب أحمر له سبعون ألف مصراع من ذهب، في كل باب منها زوجة من الحور العين «٤» .
ولما أراد علي بن أبي طالب ﵁ المسير إلى صفين قال: من أحب منكم أن يخرج معنا في وجهنا هذا وإلّا فليأت قزوين فإنها باب من أبواب الجنة.
قال فخرج الربيع بن خثيم إليها في أربعة آلاف. فلم يزل مقيما بها حتى انقضى أمر صفين.
ويروى أن النبي ﷺ قال: والذي نفسي بيده ليقاتلنّ قوم بقزوين لو أقسموا على الله لأبرّ اقسامهم.
ويروى أن النبي ﷺ قال: مثل قزوين في الأرض مثل جنة عدن في الجنان.
стр. 551
وروي أن سعيد بن جبير قدم قزوين وهو متوار من الحجاج فبات بها ليلة ثم خرج منها وقال: ليجتهد عباد المسجد أن يدركوا مثل ليلتي هذه
.
стр. 552
٢/١٤٦
القول في طبرستان
قال: الببر والطيلسان والطالقان وخراسان- إلّا أهل خوارزم- من ولد اشتق بن إبراهيم ﵇. والكوفان والخزر والشور والاقليس من الديلم وهم بنو كماشج بن يافث بن نوح ﵇. وسميت جبالهم على أسمائهم إلّا الإيلام- جنس من الديلم- فإنهم من ولد بابيل بن ضبة بن أد، وموقان وجبالها وهم أهل طبرستان من ولد كماشج بن يافث بن نوح ﵇ [١٤٨ أ] قال:
وحدثني أبو حامد أحمد بن جعفر المستملي «١» [قال] حدثني عبد الله بن عمرو بن بشير البلخي [قال] حدثني أبي. قال: اجتمع في حبوس كسرى خلق كثير لم ير أن يقتلهم، فشاور فيهم فقيل: غرّبهم. فقال: انظروا موضعا أحبسهم فيه. فطلبوا ونقبوا البلاد فوقعوا على جبل طبرستان، فأخبروه بذلك، فوجّه بهم إلى ذلك الجبل وخلّاهم فيه وأخذ عليهم الباب- وهو يومئذ جبل لا ساكن فيه- ثم تركهم حولا.
فلما كان بعد الحول، وجّه إليهم من يقف على خبرهم. فأشرف عليهم رسوله وكلمهم فإذا هم أحياء ٢/١٤٧ فسألهم: ما الذي تريدون؟ - وكان الجبل أشبا كثير الشجر- فقالوا: طبرها، طبرها. أي نريد فأسا نقطع بها الشجر ونتخذ بيوتا. فأخبر كسرى بذلك، فأمر أن يبعث إليهم ما طلبوا. ثم أمهلهم حولا آخر ثم أرسل إليهم فسألهم عن حالهم- فوجدهم قد اتخذوا بيوتا- فقالوا: زنان، زنان. أي نريد نساء. فأخبر بذلك. فأتى بمن في حبوسه من النساء فبعث بهن إليهم، فتناسلوا. فعرّب الناس هذه الكلمة فقالوا: طبرستان. وإنما هي طبرزنان أي الفؤوس والنساء.
ومدينة طبرستان آمل [وبها منزلا الولاة]- وهي أكبر مدنها- ثم ممطير،
стр. 553
وبينها وبين آمل ستة فراسخ. ثم ترنجة «١» وهي من ممطير على ستة فراسخ. ثم سارية، ثم طميس- وهي من سارية على ستة عشر فرسخا- هذا آخر حدّ طبرستان من ناحية خراسان وجرجان.
ومن ناحية الديلم على خمسة فراسخ مدينة يقال لها ناتل فإذا جزت ناتل فشالوس وهي ثغر الجبل. هذه مدن السهل.
فأمّا مدن الجبل منها فمدينة يقال لها الكلار وهي أيضا ثغر الجبل. ثم تليها مدينة صغيرة ٢/١٤٨ يقال لها سعيدآباذ فيها منبر. ثم الرويان وهي أكبر مدن الجبل. ثم في الجبل من ناحية حدود خراسان مدينة يقال لها تمار وشرز ودهستان. فإذا جزت الأزر وقعت في جبال ونداد هرمز. فإذا جزت هذه الجبال، وقعت في جبال شروين وهي مملكة ابن قارن. ثم الديلم ثم جيلان.
فلم تزل طبرستان في يد ولد العباس يجبون خراجها ويولون أعمالها إلى أن كانت سنة ثمان وأربعين ومائتين، فخرجت من أيديهم ودخلها [١٤٨ ب] العلوية في هذه السنة.
وقال البلاذري «٢» : كور طبرستان ثمان كور: سارية وبها منزل العامل. وإنما صارت منزل العامل في أيام الطاهرية، وقبل ذلك كان منزل العامل بآمل. وجعلها أيضا الحسن بن زيد ومحمد بن زيد العلوي دار مقامهما.
ومن رساتيق آمل: آرم خاست الأعلى وآرم خاست الأسفل، والميروان والاصبهبذ ونامية وطميس.
وبين سارية وشلنبة على طريق الجبال، ثلاثون فرسخا، وعامتها من جرجان وبعضها من خراسان.
وبين سارية ونامية والميروان عشرة فراسخ.
стр. 554
وبين سارية والبحر ثلاثة فراسخ.
وبين آمل وسارية ثمانية عشر فرسخا.
وبين آمل والري اثنا عشر فرسخا.
وبين آمل وشالوس وهي إلى ناحية جيلان، عشرون فرسخا.
وبين الجبال والرويان اثنا عشر فرسخا.
ومن مدن الرويان: شالوس، والأرز، والشرز، وونداشورج، ثم جيلان.
وطول طبرستان من جرجان إلى الرويان ستة وثلاثون فرسخا، وعرضها عشرون فرسخا، في يدي السكن من ذلك سنة ونام ستة وثلاثون فرسخا في عرض ستة عشر فرسخا والعرض من الجبل إلى البحر.
وأول من دفعت إليه السفوح، شروين [بن سهراب] «١» وكانت قبل ذلك في أيدي الجند الذين كانوا ينزلون المسالح وغيرهم من المسلمين فأخرجها من أيدي المسلمين وأنزلت فيها قواد الجروية وأبناؤهم. فلم تزل في أيديهم إلى أن قدم الحرشي فطردهم عنها، وأراد مسحها وخرج فعسكر في مصلّى آمل ووجّه المساح، فخرجوا عليهم وقتلوا القائد الموجه معه ثم كتب «٢» إلى الرشيد في ذلك فقام الرشيد بنفسه إلى الري ودعا بنداد هرمز وشيروين. فخرج بنداد هرمز عن السفوح وسلمها وضياعه التي في السهل وصار إلى الرشيد في الأمان، فصيّره اصبهبذ خراسان، ووجه عبد الله بن مالك الخزاعي فحازها وردّها إلى القواد وأصحاب المسالح. فلما ولي المأمون أخذها منهم [١٤٩ أ] وردّها إلى أصحابه.
٢/١٤٩ والمسالح فيما بين أول طبرستان إلى حدّ الديلم، إحدى وثلاثون مسلحة ما بين المائتين إلى ألفي رجل.
وأول مدن طبرستان مما يلي جرجان، طميش وهي على حدّ جرجان وعليها
стр. 555
درب عظيم ليس يقدر أحد من أهل طبرستان أن يخرج منها إلى جرجان إلّا في ذلك الدرب لأنه حائط ممدود من الجبل إلى جوف البحر من آجر وجص. وكان كسرى أنوشروان بناه ليحول بين الترك وبين الغارة على طبرستان.
وفي طميس خلق كثير من الناس ومسجد جماعة ومنبر وقائد مرتّب في ألفي رجل.
وبعدها في السهل مدينة المهروان وفيها أيضا منبر ومسجد وقائد في ألف رجل.
وبعدها قصبة سارية، وفيها منبر ومسجد. وخارج المدينة ألف جريب أرض لبنداد هرمزد على باب مدينة سارية مما كان ابتاعه من الصوافي في أيام بيعت.
فكان الذي تولّى بيعها مهاجر بن يزيد وإلى طبرستان.
وبعدها مدينة آمل وفيها قائد في ألفي رجل وفيها يعمل الفرش الطبري، وفيها خلق كثير من الناس وبها منبر ومسجد.
وبعدها ممطير فيها منبر ومسجد. وبين ممطير وآمل رساتيق وقرى وعمارة كثيرة.
وزعم أن الرويان ليست من طبرستان وإنما هي كورة مفردة برأسها، وبلاد واسعة تحيط بها جبال عظيمة وممالك كثيرة وأنهار مطردة وبساتين متسقة وعمارات متصلة. وكانت فيما مضى من مملكة الديلم فافتتحها عمر بن العلاء صاحب الجوسق «١» بالري وبنى فيها مدينة وجعل لها منبرا.
وفيما بين جبال الرويان والديلم رساتيق وقرى. يخرج من القرية ما بين أربعمائة إلى ألف رجل، ويخرج من جميعها أكثر من خمسين ألف مقاتل. ٢/١٥٠ وخراجها على ما وظّف عليها الرشيد أربعمائة ألف وخمسون ألف درهم.
стр. 556
وفي بلاد الرويان مدينة يقال لها كجو «١» بها مستقر الوالي.
وجبال الرويان متصلة بجبال الري وضياعها، ويدخل إليها مما يلي الري.
وبين مدينة الري وشالوس ثمانية فراسخ.
وعلى حدّ من حدود الديلم مدينة يقال [١٤٩ ب] لها شالوس أيضا في نحر العدو. وفيها منبر ومسجد، وبإزائها مقابل كجو مدينة يقال لها الكبيرة وفيها أيضا منبر.
ومن مدينة شالوس إلى مدينة محدثة في بلاد الديلم يقال لها الطالقان فيها مسجد ومنبر، أربعة عشر فرسخا.
وسفوح هذا الجبل متصلة بالبحر، فيها المستأمنة الذين استأمنوا إلى عمرو بن العلاء، وفيها قوم لهم ديانة قد بنوا المساجد وتزوج إليهم أهل شالوس وهم يغزون مع ولاة طبرستان الديلم ويدلّون على عوراتهم.
وبنيت هذه المدينة في أيام المأمون وأنفق عليها ألف ألف درهم، ووكل بحفظها عباد بن أترب، فضمّ إليه طائفة من العرب وهم إلى اليوم بها قبائل، منهم آل عباد وأهل موسى والشعبانية. ووراء هؤلاء قوم من الديلم لم يعطوا طاعة قط، وقراهم وجبالهم متصلة بجبال أرمينية ولباب الأبواب.
ثم القرية التي تجتمع فيها الولاة ومنها يغزون الديلم يقال لها مزن وكان مستقر بنداسفجان أخي بنداد هرمزد بها.
وكان المازيار بن قارن لما فرغ من قتل عمومته وأكابر ولد بنداسفجان وقوادهم، لم يمكنه قتل ولد شروين بن سهراب لكثرة مالهم ورجالهم، ولأن مستقرهم من جبال طبرستان مما يلي بلاد قومس. وكان بين جبال شروين وجبال
стр. 557
بنداد هرمزد وبنداسفجان، دروب ومضايق ممتنعة، وفي تلك الدروب تسلك القوافل للتجارات إلى طبرستان.
فأظهر المازيار لولد شروين من البرّ والإكرام والحيل بما أنسوا به واطمأنوا إليه. وكان إذا قدم عليه القادم منهم برّه ووصله وحمله وكساه.
٢/١٥١ ثم إنه أظهر غزو الديلم وذكر أنه يقيم على بلدهم حتى يفتحه. وبنى المساجد في مدنه وعمل بفريم منبرا ومكث على ذلك سنة أو نحوها ثم كتب إلى عامل خراسان يسأله أن يبعث إليه بألفي بعير لحمل السلاح ولغيره لغزو الديلم، فلم يشك أنه مجمع على ذلك. وكتب إلى ولد شروين يسألهم أن يخرجوا معه.
وأمر بإخراج منبر إلى آرم وأمر الناس أن يجتمعوا فاجتمعوا وحضر ولد شروين، فخطبهم الفقيه. فلما فرغ [١٥٠ أ] [من الخطبة أمره بالانصراف إلى سارية، وأمر من حضر من ولد شروين وغيرهم أن يحضروا منزله فحضروا مستبشرين، فلما صاروا إلى منزله وحضر طعامه، أمر بأخذ سلاحهم وقتلهم جميعا. وترك الخروج إلى الديلم، ثم وجه في هذا الوقت بالسري قائدا في عشرين ألف رجل ودفع إليهم المرور والمعاول وأمر القائد أن يسير حتى ينتهي إلى الديلم وقال: أمّا أن تخرجوا إلى طاعتي أو تدفعون إليّ رهائنكم وإلّا قتلتكم وقلعت منازلكم.
فأعطوه الطاعة ودفعوا إليه الرهائن، ٢/١٥٢ ثم أمر أولئك المستأمنة أن يخرج منهم عشرة آلاف رجل فيخربوا مدينة الرئاسة ففعلوا ذلك.
وهؤلاء المستأمنة في رستاق عظيم يقال له مزن. وإلى هذا الموضع كان انتهى عمرو بن العلاء. ومنه كانت تغزو ولاة طبرستان الديلم. وهم يتصلون بالديلم وقزوين والباب الأبواب وبلاد بابك.
وهؤلاء المستأمنة ان رأوا للمسلمين قوة كانوا معهم، وإن رأوا للعدو قوة كانوا معهم.
وبعد هذا الموضع جبل يتصل بقزوين وبلاد بابك يكون نحوا من عشرين
стр. 558
فرسخا إلى حيث انتهى الولاة وعرفاء الديلم. وما وراء ذلك لم يوصل إليه فيخبر عنه.
وكانت طبرستان في الحصانة والمنعة على ما هي عليه، وكانت ملوك فارس تولّيها رجلا ويسمّونه الأصبهبذ، فلم يزالوا على ذلك حتى جاء الإسلام وافتتحت الممالك المتّصلة بطبرستان، فكان صاحب طبرستان يصالح على الشيء اليسير، فيقبل منه لصعوبة المسلك إليها وخشونتها حتى ولّى عثمان بن عفّان سعيد بن العاص بن أميّة الكوفة سنة ٢٩، فكتب مرزبان طوس إليه وإلى عبد الله بن عامر بن كريز وهو على البصرة يدعوهما إلى خراسان على أن يملّك عليها أيّهما غلب وظفر، فسبق ابن عامر وخرج سعيد فغزا طبرستان ومعه في غزاته الحسن والحسين أبناء عليّ بن أبي طالب ﵇ ، ففتح سعيد من طبرستان طميش ونامية وصالح ملك جرجان على مائتي ألف درهم بغليّة وافية ٢/١٥٣ فكان يؤدّيها إلى غزاة المسلمين، وافتتح أيضا من طبرستان الرّويان ودنباوند، وأعطاه أهل الجبال مالا، ثم ولي معاوية فولّى طبرستان مصقلة بن هبيرة بن شبل، فتوغّل بمن معه في بلاد طبرستان، فلمّا جاوز المضايق أخذها العدوّ عليهم ودهدهوا الصخور على رؤوسهم فهلكوا أجمعين وهلك مصقلة فضرب الناس به المثل، فقالوا: حتى يرجع مصقلة من طبرستان.
ثم إن عبيد الله بن زياد بن أبي سفيان ولّى محمّد ابن الأشعث الكنديّ طبرستان فصالحهم وعقد لهم عقدا، ثم أمهلوه حتى دخل وأخذ عليه المضيق وقتل ابنه أبو بكر وفضخوه ثم نجا، فكان المسلمون يغزون ذلك الثغر وهم حذرون من التوغّل في أرض العدوّ.
ثم ولى يزيد بن المهلّب خراسان وسار يريد طبرستان، فاستجاش اصبهبذ الديلم وقاتله يزيد، ثم إنه صالحه على أربعة آلاف ألف درهم وسبع مائة ألف درهم مثاقيل في كلّ سنة وأربع مائة وقر زعفران، وان يخرجوا أربع مائة رجل على رأس كلّ رجل ترس وجام فضّة ونمرقة حرير وفتح يزيد الرّويان ودنباوند على مال وثياب وآنية.
стр. 559
ولم يزل أهل] «١» طبرستان يؤدون هذا الصلح مرة ويمتنعون أخرى ويحاربون ويسالمون. فلما كان أيام مروان بن محمد، غدروا ونقضوا ومنعوا ما كانوا يحملونه. فلما صارت الخلافة إلى بني العباس [استخلف أبو العباس أمير المؤمنين، فوجّه إليهم عامله ٢/١٥٤ فصالحوه ثم إنهم غدروا أيضا ونقضوا وقتلوا المسلمين في خلافة المنصور] فوجّه إليهم خازم بن خزيمة التميمي وروح بن حاتم ومعهما مرزوق أبو الخصيب. فسألهما مرزوق حين ضاق عليهم الأمر وصعب أن يضرباه ويحلقا رأسه ولحيته ليوقع الحيلة على الاصبهبذ. ففعلا ذلك وهرب بمواطاة منهما إلى الاصبهبذ فقال له: إن هذين الرجلين استغشاني. فإنهما لما أشرت عليهما أن لا يقصدا بلدك وعرفتهما صعوبة وخشونة طرقه وعقابه ففعلا بي ما ترى. فإن قبلت انقطاعي إليك وأنزلتني المنزلة التي استحقها منك دللتك على عورات العرب وكنت يدا معك عليهم، وإن لم تقبل نصحي واتهمتني انصرفت عنك إلى غيرك من الملوك.
فقبله الاصبهبذ وأحسن إليه واستخصه وأظهر الثقة به والمشاورة له. فكان يريه أنه له ناصح ومشفق عليه. فلما اطلع على أموره وعوراته كتب إلى خازم وروح بما احتاجا إلى معرفته واحتال لباب القلعة حتى فتحه وأدخل المسلمين إليها فملكوها.
وكان عمرو بن العلاء جزارا من أهل الري فجمع جمعا وقاتل الديلم فأبلى بلاء حسنا فأوفده [جهور بن مرار العجلي] إلى المنصور فقوّده [وجيّشه] وجعل له منزله. وتراقت به الأمور حتى ولي طبرستان واستشهد في خلافة المهدي.
وافتتح محمد بن موسى بن حفص بن عمرو بن العلاء ومازيار بن قارن جبال شروين من طبرستان، وهي من أمنع الجبال وأصعبها وأكثرها شجرا وغياضا. وكان فتحهما إياها في أيام المأمون. فقلد المأمون عند ذلك مازيار، طبرستان والرويان ودنباوند وسماه محمدا وجعل له مرتبة الاصفهبذ. فلم يزل واليا عليها حتى توفي
стр. 560
المأمون واستخلف المعتصم، فأقرّه عليها ولم يعزله عنها. فأقام على الطاعة مدة ثم غدر وخالف وذلك [١٥٠ ب] بعد ست سنين [وأشهر] من خلافة المعتصم.
فكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر- وهو عامله على ٢/١٥٥ خراسان والري وقومس وجرجان- يأمره بمحاربته. فوجه إليه عبد الله، الحسن بن الحسين [عمّه] في جماعة من رجال خراسان. ووجه المعتصم محمد بن إبراهيم بن مصعب في خلق من جند الحضرة، فلما قصدته العساكر، خرج إلى الحسن بن الحسين بغير عهد ولا عقد، فأخذه وحمله إلى سرمرى في سنة خمس وعشرين ومائتين فضرب بالسياط بين يدي المعتصم حتى مات وصلب في سنة خمس وعشرين ومائتين مع بابك على العقبة التي بحضرة مجلس الشرطة. وافتتحت طبرستان وتقلدها عبد الله بن طاهر، وطاهر بن عبد الله بعده «١» .
وكان صاحبها قبل ذلك في أيام المنصور وبعدها، إذا أحس من عامل خراسان بضعف لم يعطه الطاعة ولم يعطه الصلح الذي فورق عليه. فلما قتل المنصور أبا مسلم وفعل تلك الأفعال، هابه اصبهبذ خراسان وكتب إليه بالطاعة ووجه رسوله بالهدايا فقبل المنصور ذلك منه وبرّ رسوله وألطفه وأقام بالحضرة يكاتب صاحبه بما يحتاج إلى علمه.
وكان الاصبهبذ يوجه بالهدايا والألطاف في النيروز والمهرجان. وطالت أيام المنصور على الاصبهبذ فكتب إلى رسوله بالانصراف إليه وأمسك أن يبعث بما كان به من الهدايا. فلما خالف عبد الرحمن بن عبد الجبار على المنصور وجه إليه أبا عون القائد ومعه أبو الخصيب. فلما ظفرا بعبد الجبار وأسراه، كتب المنصور إلى أبي الخصيب بولايته قومس وجرجان وطبرستان ويكون دخوله من طريق جرجان.
وكتب إلى أبي عون أن يسير إلى طبرستان ويكون دخوله من طريق قومس.
وكان الاصبهبذ في مدينة يقال لها الاصبهبذان بينها وبين البحر أقل من
стр. 561
ميلين، فبلغه خبر [دخول] الجيش، ٢/١٥٦ فهرب إلى الجبل، إلى موضع يقال له الطاق.
وهذا الموضع كان في القديم [١٥١ أ] خزانة لملوك الفرس. وكان أول من اتخذه خزانة، منوجهر، وهو نقب في موضع من جبل صعب السلوك لا يجوزه إلّا الراجل بجهد. وهذا النقب شبيه بالباب الصغير. فإذا دخله الإنسان مشى فيه نحوا من ميل في ظلمة شديدة. ثم يخرج إلى موضع واسع شبيه بالمدينة قد أحاطت بها الجبال من كل جانب، وهي جبال لا يمكن أحد الصعود إلى أقلّها ارتفاعا، ولو استوى له ذلك ما قدر على النزول.
وفي هذه «١» الرحبة الواسعة مغائر وكهوف لا يلحق أمد بعضها، وفي وسطها عين غزيرة الماء تنبع من صخرة ويغور ماؤها في صخرة أخرى، بينهما نحو عشرة أذرع، ولا يعرف أحد لما بعد هذا موضعا.
وكان في أيام ملوك الفرس، يحفظ هذا النقب رجلان معهما سلّم من حبل يدلّونه من الموضع إذا أراد أحدهما النزول في الدهر الطويل. وعندهما جميع ما يحتاجان إليه لسنين كثيرة.
فلم يزل الأمر في هذه النقب وفي هذه الخزانة على ما ذكرنا إلى أن ملك العرب، فحاولوا الصعود إليها فتعذر ذلك، ولم يقدروا عليه إلى أن ولي المازيار طبرستان، فقصد هذا المكان وأقام عليه دهرا حتى استوى صعود رجل من أصحابه إليه. فلما صار إليه دلى حبالا وأصعد قوما فيهم المازيار حتى وقف على ما في تلك الكهوف والمغائر من الأموال والسلاح والكنوز، فوكل بجميع ذلك قيّما من ثقاته وانصرف. فكان الموضع في يده إلى أن أسر ونزل الموكّلون به أو ماتوا، وانقطع السبيل إليه إلى هذه الغاية.
وذكر سليمان بن عبد الله أن إلى جانب هذا الطاق شبيها بالدكان، وانه إن صار إليه إنسان فلطخه بعذرة أو بشيء من سائر الأقذار، ارتفعت في الوقت سحابة عظيمة فمطرت عليه حتى تغسله وتنظفه وتزيل ذلك القذر عنه. وان ذلك شهر في
стр. 562
البلد يعرفه أهله ولا يتمارى فيه اثنان من أهل تلك الناحية في صحته، وانه لا يبقى عليه شيء من الأقذار صيفا ولا شتاء [١٥١ ب] .
قال: ولما هرب الاصبهبذ إلى الطاق وجّه أبو الخصيب في أثره قوادا وجندا، فلمّا أخبر بهم هرب إلى الديلم وعاش بعد هروبه سنة ثم مات.
وأقام أبو الخصيب في البلد ووضع على أهله الخراج والجزية وجعل مقامه بسارية وبنى بها مسجدا جامعا وجعل فيه منبرا، وكذلك بآمل أيضا.
وكانت ولايته سنتين «١» وستة أشهر.
ثم ولى أبو العباس الطوسي.
ثم أبو خزيمة، سنتين.
ثم روح بن حاتم، سنتين وستة أشهر.
ثم خالد بن برمك، خمس سنين [وعمل بها العجائب وظفر بخزائن ملوك فارس في الطاق وبنت المصمغان] «٢» .
ثم عمرو بن العلاء، أربع سنين.
ثم سعيد بن دعلج، سنتين.
ثم عمرو بن العلاء ثانية، سنتين.
ثم تميم بن سنان، ثلاث سنين.
ثم يزيد بن سويد، سنة وأربعة أشهر.
ثم سعيد الحرشي، ستة أشهر.
ثم مقاتل بن صالح، سنة.
ثم سلم بن نافع، ستة أشهر.
ثم جرير بن سنان، أربع سنين وأربعة أشهر.
стр. 563
ثم سليمان بن داود، أربعة أشهر.
ثم هاني بن هاني، سنتين.
ثم حميد بن قحطبة، سنة وستة أشهر.
ثم مقاتل بن صالح أيضا ثانية، ستة أشهر.
ثم إبراهيم بن عثمان ستة أشهر.
ثم سعيد بن سلم، ستة أشهر.
ثم الجنيد بن دعلج، ستة أشهر.
ثم حماد بن عبد العزيز ستة أشهر.
ثم المثنى بن الحجاج بن عبد الملك بن القعقاع، ستة أشهر.
ثم يحيى بن معاذ، تسعة أشهر ثم موسى بن يحيى، تسعة أشهر.
ثم عبد الله بن حازم، سنة وستة أشهر.
ثم سعيد الجوهري، سنة.
ثم مهرويه، سنتين.
ثم عبد الله بن الحرمي، ثلاث أربع سنين.
ثم عبد الله بن مالك، أربع سنين.
ثم موسى بن جعفر، سنتين.
ثم عبد الله بن سعيد، سنتين.
ثم عبد الله بن أبي سعد، سنة.
ثم محمد بن أخيه، سنة.
ثم موسى بن حفص، أربع سنين.
ثم محمد بن موسى، سنتين.
٢/١٥٧ ثم طاهر بن الحسين.
стр. 564
ثم عبد الله بن طاهر.
ثم طاهر بن عبد الله [١٥٢ أ] .
ثم محمد بن طاهر. وكان خليفته عليها سليمان بن عبد الله بن طاهر. فخرج عليه الحسن بن زيد العلوي الحسني في سنة تسع وأربعين ومائتين. فأخرجه عنها وغلب عليها إلى أن مات وقام مكانه أخوه محمد بن زيد «١» .
وذكر أبو يزيد بن أبي عتاب «٢» قال: رأيت فيما يرى النائم سنة ثمان وأربعين ومائتين وأنا بمدينة الري، وقد بتنا على فكر من الاختلاف بين القائلين بالسيف وبين أصحاب الامامة. فقال القائل منا:
قد قال أمير المؤمنين ﵁: الخير بالسيف والخير مع السيف.
فأجابه مجيب: والدين بالسيف، وقد أمر الله نبيه ﷺ أن يقيم الدين بالسيف. ثم تفرّقنا. فلما كان الليل وأخذت مضجعي من النوم، رأيت في منامي كأنّ قائلا يقول:
هذا ابن زيد أتاكم ثائرا حردا ... يقيم بالسيف دينا واهي العمد
يثور بالشرق في شعبان منتضيا ... سيف النبيّ صفيّ الواحد الصمد
فيفتح السهل والأجبال مقتحما ... من الكلار إلى جرجان فالجلد
وآملا ثم شالوسا وغيرهما ... إلى الجزائر من رويان فالبلد
[ويصرف الخيل عنها بعد ثالثة ... من السنين إلى ٢/١٥٨ الزوراء بالعمد]
[فيهدم السور منها ثم ينهبها ... ويقصد الثغر من قزوين بالحرد]
ويملك القطر من حرشاء ساكنه ... ما لاح في الجوّ نجم آخر الأبد
قال: فورد محمد بن رستم الكاري ومحمد بن شهريار الروياني «٣» ، [من آل معدان] الري في سنة خمسين ومائتين- وكانا يريان السيف- فتطلبا رجلا من
стр. 565
العلوية يجعلانه شيخا مقيما بطبرستان ليدفعا جور سليمان بن عبد الله. فما زالا يطلبان ويلتمسان حتى وقع اختيارهما على الحسن بن زيد الحسني ﵁ فبايعاه في شهر رمضان من هذه السنة، وخرجا يوم الاثنين لسبع بقين من شهر رمضان سنة خمسين ومائتين نحو طبرستان. فخطب الحسن بن زيد يوم الفطر بالكلار والرويان ثم أخرج بعد مديدة يسيرة سليمان بن عبد الله [١٥٢ ب] عن البلد لسوء سيرته.
واضطرب أمر آل طاهر بخراسان. واعتلّ الحسن بن زيد، فلما حضرته الوفاة، جعل الأمر من بعده لأخيه محمد بن زيد، فلم يزل عليها حتى دخلت سنة أربع وثمانين، وكان المعتضد كتب إلى عمرو بن الليث الصفار يأمره بالمصير إلى خراسان وأن يطلب رافع بن هرثمة الذي بلغه من معه إلى محمد بن زيد وإنه على أن يبيض «١» . فصار إلى خراسان ولقي رافع بن هرثمة فأوقع به وهزمه وأخذه قريبا من خوارزم فقتله وحمل رأسه إلى مدينة السلام ٢/١٥٩ وصفت خراسان للصفار.
فلما كان في سنة خمس وثمانين ومائتين، كتب المعتضد إلى الصفار يأمره بطلب إسماعيل بن أحمد ويقول في كتابه أن قد وليتك [ما] إليه من العمل. وكتب إلى إسماعيل بمثل ذلك. فسار كل منهما إلى صاحبه والتقوا بناحية نسا وأبيورد فقتل بينهما خلق كثير وانصرف كل منهما إلى بلده. حتى إذا دخلت سنة سبع وثمانين ومائتين سار إسماعيل بن أحمد نحو الصفار وعبر النهر يريده- والصفار في زهاء مائة ألف رجل مقيم بمدينة بلخ- فنزل إسماعيل على باب المدينة وحاصره فيها. فلما أجهده الحصار وضاقت عليه وعلى أصحابه الميرة والعلوفة، خرج إليه، فلما التقيا انهزمت خيل الصفار، وأخذ الصفار أسيرا مع جماعة من وجوه قوّاده فحمل إلى مدينة سمرقند وحبس هناك [ثم بعث إلى بغداد] .
واتصل الخبر بمحمد بن زيد وهو بطبرستان، فطمع في جرجان وسار نحوها ونزل عليها. فردّ إليه إسماعيل رجلا من قواده يعرف بمحمد بن هارون فواقعه على
следующие страницы →