Полный текст (1 284 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
هـ- معرفته بالأنساب، وضبط الأعلام:
عند دراسة «طريقة العرض التاريخى» لابن يونس، فيما بعد، سنرى أن السمة الغالبة على تراجم «تاريخ المصريين» هى حرص مؤرخنا على إيراد الأنساب المطوّلة للمترجمين، وذلك يتطلب- بالطبع- ثقافة عالية فى هذا المجال، ومصادر يرجع إليها ابن يونس؛ كى يعرض هذه الأنساب كاملة مضبوطة، بطريقة دقيقة صحيحة. والحق أن مؤرخنا لم يصرح لنا- فيما بقى من تراجم- بموارده التى استقى منها هذه الأنساب، لكنى- بعد الفحص الشامل- وقفت على طريقتين اثنتين، لعلهما من الطرق التى استمد بها ابن يونس مادته فى «الأنساب» ، وهما: الرجوع إلى مصادر هذا الشأن «١» ، وسؤال أهل العلم «٢» .
أعتقد أنه غنىّ عن البيان المطوّل أن نقول: إن الإحاطة بالأنساب، والمعرفة بوجوه ضبط الأعلام من العلوم المساعدة للمؤرخ، خاصة عندما يكتب فى مجال «التراجم» كمؤرخنا ابن يونس. ولعل المطالع بقايا كتاب «تاريخ المصريين» لمؤرخنا، يدرك براعته فى ذلك الشأن، فهو حريص على توضيح ما أشكل من ضبط بعض الأعلام، وذلك بالحروف؛ منعا للبس والشك «٣» ، ويقوم بضبط أسماء بعض بطون القبائل «٤» ، وأحيانا يعرّفنا بأصلها «٥» . ومن مظاهر ثقافته ومعرفته بالأنساب- أيضا- توضيحه ما أبهم من
стр. 1017
أسماء بعض الأعلام الواردة فى النسب «١» ، ودقته فى تحديد نسب المترجمين «٢» .
ومعارفه التاريخية العامة:
ويقصد بذلك محاولة قياس ما لدى مؤرخنا ابن يونس من معلومات عن أحداث التاريخ العام للأمة الإسلامية «السيرة النبوية، وتاريخ الراشدين، والأمويين، والعباسيين، إلى غير ذلك من الأحداث التى مرت بها أمتنا حتى عصر مؤرخنا» . ولا يدخل فى ذلك- بالطبع- تاريخ «مصر الإسلامية» ؛ فمن المسلّم به أن ابن يونس علّامة فى ذلك المجال.
ولما لم يكن بين أيدينا من تراث ابن يونس التاريخى سوى ما تيسر تجميعه من بقايا «تاريخيه» ؛ فإن مجال بحثنا عن تلك الجزئية قد انحصر فى تلك البقايا. ومن ثم، فإن ما لدينا من نصوص لا يكفى للحكم على ثقافته التاريخية العامة على سبيل القطع واليقين؛ لأن ما سجله من تراجم العلماء المصريين موجز ومركز فى معظمه، ويدور حول التاريخ المحلى لمصر. وبالنسبة لتراجم الغرباء الوافدين على مصر، فإنه قد يتطرق- أحيانا- إلى ذكر بعض أحداث التاريخ العام، لكنها مجرد إشارات خاطفة، ليست مقصودة لذاتها، وإنما يلمح إليها مجرد إلماحة، إذا كان للمترجمين علاقة بها.
وعلى كل حال، فإننا نرجح أن تكون لدى مؤرخنا حصيلة جيدة من معارف التاريخ العام؛ إذ لا يعقل تقوقعه فى حيز التاريخ المحلى المصرى، خاصة أن الأخير لا يفهم حق الفهم، إلا فى ضوء الفهم الصحيح لأحداث الأمة ككل. وينضاف- إلى ذلك الملمح المنطقى- ملمح نصّىّ، يتمثل فى الإشارات العديدة الواردة فى كتابى مؤرخنا، تلك التى تفيد معرفته وإلمامه بأحداث التاريخ الإسلامى بعامة.
ومن هذه النماذج ما يلى:
١- فى مجال السيرة النبوية: «إلمامه بالعديد من أحداث السيرة من خلال معرفته
стр. 1018
بتاريخ الصحابة الذين وفدوا على مصر، وشهد الكثير منهم فتحها، واختط بعضهم دورا لهم، وأقاموا بها» «١» .
٢- فى مجال تاريخ الراشدين: «إلمامه وعرضه جوانب من الصراع بين علىّ ومعاوية «٢» ، وتناوله- قبل ذلك- بعض ما يتصل بخلافة عمر بن الخطاب، مثل: أحداث تسلمه بيت المقدس من يد الروم «٣» ، وجانب من سياسته الاقتصادية فى توزيع العطاء «٤» .
٣- فى تاريخ الأمويين: «أشار إلى يوم الخازر «٥» ، ومقتل عمرو بن سعيد بن العاص «٦» ، وجانب من أحداث ثورة ابن الزبير- وقد انضم إليه حنش بن عبد الله الصنعانى- على عبد الملك بن مروان «٧» ، وفتوح حسان بن النعمان بالمغرب «٨» ، وغزو القسطنطينية فى خلافة الوليد على يد «مسلمة بن عبد الملك» «٩» ، ثم أحداث من خلافة عمر بن عبد العزيز فى: طبيعة نظرته إلى عطاء الشعراء «١٠» ، ومجلسه الذي يجلسه بعد صلاة الصبح؛ للنظر فى أمور الرعية «١١» ، وجهوده فى إرسال عشرة من التابعين؛ لتفقيه أهل إفريقية «١٢» .
٤- فى تاريخ العباسيين: «مقتل ابن الحبحاب مع ابن هبيرة بواسط- فى بداية الخلافة العباسية- على يد المنصور العباسى «فى عهد خلافة أخيه السّفّاح سنة ١٣٢ هـ» ١»
، وإنهاء الخليفة المتوكل العباسى محنة خلق القرآن، وإخراجه المحبوسين من
стр. 1019
سجون بغداد «١» .
٥- جانب من «تاريخ عبد الرحمن الداخل» أمير الأندلس، وصلته ب «معاوية بن صالح» ، وتوليته القضاء «٢» .
٦- جانب من «تاريخ الأغالبة فى إفريقية» : من خلال بيان علاقة الأمير إبراهيم بن الأغلب بالقاضى «محمد بن عبد الله بن قيس الكنانىّ» «٣» .
٤- منجزاته العلمية:
ونعنى بذلك: ما خلّفه ابن يونس من تراث منقول ومكتوب، وذلك يتمثل فيما تركه- من بعده- من تلاميذ، أخذوا على يديه علمه، ورووه، وحدّثوا به، مضافا إلى ذلك ما سطّره قلمه، وخطّته يمناه من مؤلفات، نقلت عنها المصادر التالية. ومن هنا ينقسم تناول هذه المنجزات إلى قسمين:
أ- تلاميذه:
من تلاميذ مؤرخنا ابن يونس المصريين، الذين حدّثوا عنه، ونقلوا علمه: ابنه على «٤» ، والحسن بن على بن سوادة الفهمى المصرى «٥» ، وعبد الرحمن بن عمر بن النحاس «٦» ، وعبد الرحمن بن محمد الأزدى «٧» ، وغيرهم.
ومن تلاميذه غير المصريين: عبد الواحد بن محمد بن مسرور البلخىّ «٨» ، وأبو عبد الله
стр. 1020
ابن منده «١» ، ومحمد بن أحمد بن محمد بن يحيى بن مفرّج القرطبى «٢» ، وإبراهيم بن محمد الغافقى قاضى أطرابلس «٣» ، وإسحاق بن إبراهيم البغدادى «٤» ، والحسين بن على الحلبى «٥» ، وجماعة غيرهم من الرّحّالة والمغاربة «٦» .
ب- مؤلفاته:
رغم تعدد نواحى ثقافة مؤرخنا «ابن يونس» ، إلا أننا لم نقف على مؤلفات له «خاصة فى الحديث النبوى الشريف» ، ولم تذكر أى من المصادر التى طالعتها فى ترجمته- على كثرتها- شيئا من ذلك.
وقد انحصرت المؤلفات المنسوبة إليه فى «مجال التاريخ» فقط، وهى ثلاثة «٧» على النحو الآتى:
стр. 1021
١- تاريخ المصريين «١» .
٢- تاريخ الغرباء «٢» .
٣- كتاب «العقيد فى تاريخ الصعيد» «٣» .
ويلاحظ على هذه المصنفات التاريخية ما يلى:
١- أنها جميعا مفقودة، وإن أمكن تجميع الكثير من بقايا الكتابين الأوّلين.
٢- أن هذين المؤلفين تأثر فيهما ابن يونس بثقافته الحديثية تأثرا كبيرا ملحوظا فى كثير من تراجمهما، على نحو ما سنرى تفصيلا، فيما بعد.
٣- أن الكتاب الثالث والأخير لم نعثر على نص واحد منه فى أى من المصادر التى طالعناها. وهذا يلقى ظلالا من الشك حول صحة نسبة هذا الكتاب إلى «مؤرخنا» ، إضافة إلى تفرد «حاج خليفة» بذكره من بين كافّة المصادر الأخرى المتاحة «٤» ، إلى جانب
стр. 1022
أن «تاريخ المصريين» وجدنا ضمن بقاياه تراجم لبعض علماء الصعيد، فهم داخلون- إذن- فى مادته التاريخية، فلا داعى لإفراد كتاب عن هؤلاء، اللهم إلا إذا كانت لدى مؤرخنا مادة معقولة عن أحداث الصعيد، ورجاله، تسمح له بإفراد كتاب عن هؤلاء العلماء المجاهيل، الذين أراد إنصافهم، والتعريف بعلمهم «١» . لكن سكوت المصادر عن مجرد ذكر عنوان الكتاب، وإمكانية الوفاء بهذا الغرض من خلال «تاريخ المصريين» ، يجعلنا- فى النهاية- نرجح أن نسبة هذا الكتاب الأخير إلى مؤرخنا غير صحيحة.
وأخيرا، فإننا نكتفى بهذا الحديث المقتضب عن تلك المؤلفات التاريخية لمؤرخنا «ابن يونس» لحين تفصيل القول فيها عند كتابة «مدخل إلى دراسة تاريخى ابن يونس» .
٥- حول ملامح، وسمات شخصيته:
أعتقد أن من تمام ترجمة الشخصية محاولة الكشف عن سماتها وملامحها الخلقية والخلقية والعقلية، بحيث ينظر إليها القارئ كأنه يراها. وللأسف، فإن شخصية مؤرخنا «ابن يونس» لا نجد فى المصادر المترجمة لها- على كثرتها النسبية- ما يجلّى هذه الملامح، أو حتى يتعرض لها من بعيد. وفى محاولة متواضعة منى، حاولت أن أستشف شيئا من ذلك، عن طريق استنطاق نصوص كتابيه المعروفين؛ كى أخرج منهما ببعض من إشارات خفيفة سريعة عن هذه السمات على النحو الآتى:
стр. 1023
أ- وضوحه وصراحته «١» :
وأعنى بالوضوح والصراحة أن شخصية ابن يونس لا تعرف الالتواء، ولا الغموض، ولا تلبس الحق بالباطل، وإنما تدلف إلى الحقيقة من أخصر طريق، وأيسر سبيل.
وهاكم بعض الأمثلة على ذلك: إذا علم أن لبعض المترجمين روايات، لكنه لم يقف عليها، ولم يجدها، فإنه لا يستنكف عن التصريح بذلك فى مواقف عديدة، مثل قوله: «قد بلغنى أن له حديثا، وما وقعت له رواية عندى» «٢» . وقوله عن آخر:
«حدّث، ولم يقع إلىّ له رواية» «٣» .
وقوله عن ثالث، ورابع: «قيل: إنه روى عن ابن وهب. ولم يقع إلىّ من حديثه شىء» «٤» ، و «ما كتبت عنه شيئا» «٥» .
من المعلوم أن ابن يونس- وكما سنرى فى ملامح منهجه التاريخى- يغلب عليه الاهتمام بتراجم المحدّثين. وفى بعض الأحيان، تذكر مصادره مصرية بعض الشخصيات، لكنه- بعد البحث والتنقيب- لا يقف على أية مرويات حديثية لها فى تلك المصادر، ولا فى غيرها، عندئذ يصرح بذلك، فيقول: «ما علمت له رواية» «٦» ، و «لم أجد لهم عنه رواية» «٧» ، و «لم يقع إلىّ لهما عن أهل مصر حديث» «٨» ، و «لم يقع
стр. 1024
إلىّ له مسند» «١» .
وثمة نمطان أخيران من هذه الأمثلة:
الأول: فى حالة إحساس ابن يونس أن ترجمته للشخصية غير وافية ولا كافية، يقول: «وما أعرفه بغير هذا» «٢» . كأنما يعتذر عن قصور مادة الترجمة، ويعلنها بكل صراحة ووضوح: إن هذا هو مبلغ علمى وجهدى.
الثانى: عند جهله بإحدى جزئيات الترجمة المهمة، مثل: عدم معرفته بتاريخ قدوم المترجم له إلى مصر، كان يبيّن ذلك بكل صراحة، فيقول: «وما عرفنا وقت قدومه» » .
وكذلك إذا جهل نسب المترجم له، ولم يتأكد أنه هو الذي يعرفه، كان يصرح بعجزه عن معرفته «٤» ، وأخيرا، يبلغ ابن يونس ذروة الأمانة العلمية، عندما يشك فى سنة ميلاد أحد المترجمين، فيذكر أن الشك إنما وقع منه هو- لاختلال فى الضبط- لا من مصدر الرواية «يحيى بن بكير» «٥» .
ب- دقّته، وحسن فهمه:
هاتان الصفتان من أهم صفات العالم الحق، والمؤرخ الفذّ؛ ولذلك فقد كان مؤرخنا ابن يونس «﵀» حريصا على التحلّى بهما. وعلى ذلك شواهد عديدة، منها: أنه- بعد البحث والتحرى- كان يقف- بالضبط- على عدد الأحاديث، التى رواها بعض المترجمين، ورغم ذلك لم يكن يقطع- تواضعا ودقة منه- بتلك المعلومة، بل كان يتبعها بقوله: «فيما علمت «٦» ، وفيما أعلم «٧» » . وأحيانا، لا يجد للمترجم له رواية
стр. 1025
حديثية، فيقول: «ليست له رواية نعلمها» «١» ؛ إذ قد يجد غيره روايات لم يقف هو عليها. وقد لا يحدد ما طالع من أحاديث المترجم له، فيعبّر عن ذلك بدقة ظاهرة، فيقول: «وقد رأيت من حديثه» «٢» . وكان ابن يونس يستقصى مظانّ الحديث فى كافة مصادره، فلا يجده- أحيانا- سوى فى كتاب واحد، يقوم بتحديده «٣» . وقد يذكر المعلومة، وهو غير متيقن، فيعبّر عن ذلك بلفظة تناسب ذلك «أحسبه» «٤» .
وأخيرا، فقد كان ابن يونس لا يلحق ببعض المترجمين، وإنما يلقى من يحدّث عنه «٥» ؛ ولذلك كان يتبع الدقة والأمانة الواجبة، فلا يزعم روايته عن المترجم له.
وكذلك كان يفرق- بدقة- بين ذوى الأسماء المتشابهة، وذلك عن طريق علمه الدقيق بالأساتيذ الحديثية «٦» .
وتمتع ابن يونس بنظر ثاقب، وفكر صحيح؛ إذ كان يحسن- فى ذلك الوقت المبكر- فهم وإدراك سبل التعلّم وطرائقه. لقد كان على يقين تام بأن ذلك يقوم على عدة أسس متكاملة لا فكاك منها، وهى «الفهم، والكتابة، والحفظ، والمذاكرة» «٧» وهذا يدل على براعة الفكر التربوى لمؤرخنا ابن يونس، الذي يصلح على الدوام، وبه تستوعب العلوم، ويتم التقدم والازدهار.
стр. 1026
ج- هدوء طبعه وموضوعيته، وعفّة لسانه:
هذه سمة أخرى من سمات شخصية مؤرخنا «ابن يونس» ، وهى ذات أهمية بالغة؛ لأن الهدوء والمنطق العقلانى، والنزاهة فى القول، مما يجب أن يتحلّى به العلماء الحقيقيون. وقد ضرب ابن يونس فى هذا المجال مثلا طيبا، عن طريق ما خطّه قلمه من تعليقات هادئة، لا إسفاف ولا ابتذال فيها، يحكمه- فى ذلك كله- خلق قويم، ولسان عفّ نزيه، وموضوعية لا تعرف التحيز والهوى.
وقد سلك ابن يونس فى هذا الإطار مسالك شتى، منها:
١- أنه كان يفرق جيدا بين المستوى الأخلاقى والمستوى العلمى، فقد يكون الرجل صالحا فاضلا ثقة، لكن علمه لحقه شىء من الاضطراب والضعف «١» ، أو لم يكن على معرفة صحيحة قويمة بعلم معيّن «٢» ، فكان يعطيه حقه من الثناء. وينبّه على ما فى مستواه العلمى من خلل.
٢- أنه كان يعبّر عن المستوى العلمى للمترجم له بصورة هادئة، ومعبّرة فى الوقت ذاته- وبدقة- عن حقيقة حاله، كما فى قوله عن أحد المحدّثين: «ليس بالقوى فى الحديث» «٣» ، وقوله عن آخر: «منكر الحديث» «٤» . وأحيانا يميل إلى أن نكارة المرويات ترجع إلى الراوين عن المترجم له «فقد ينسبون إليه ما لم يحدّث به» «٥» . وقد لا يكون لابن يونس فيه رأى محدد، لكنه طالع تشكيك البعض فى وثاقته، فكان يثبت ذلك
стр. 1027
الرأى بقوله: «تكلموا فيه» «١» .
٣- تبلغ نزاهة وعفة ألفاظ ابن يونس درجة عالية، عندما يترجم لأشخاص ضعفاء فى الحديث، أو حتى ممن حكم عليهم بوضع الأحاديث، فلا نلمح عليه عصبية، ولا نجد إفحاشا ولا سبابا، وإنما نجد دقة فى وصف هؤلاء، دون خروج عن حدود اللياقة والأدب «٢» . وإذا أخطأ البعض، نبّه على ذلك فى هدوء شديد «٣» .
د- حب الصالحين والزهاد:
وأعتقد أن هذه الخلّة تنبع- أساسا- من البيئة، التى نشأ فيها مؤرخنا، فجدّه يونس كان يهتم بحكايات الصالحين والزهّاد «٤» ، وكان معروفا بأنه من ذوى الكرامات «٥» . ولعل مؤرخنا ورث ذلك عن جده «٦» ، وانعكس ذلك على تراجمه فى مظهرين أساسيين:
стр. 1028
أولهما: حرص ابن يونس على البحث عن القيم الأخلاقية فى مترجميه، وإثباتها فى كتابيه، وكثيرا ما يذكر صفات الزهد والعبادة، والصلاح والفضل لمن يستحق الاتصاف بذلك منهم «١» .
ثانيهما: يلاحظ أن الغالب على تراجم ابن يونس الوجازة والقصر، إلا أنه- فى الغالب- يطيل فى تراجم الصالحين والعباد والزهاد، ذاكرا تفاصيل صلاحهم، وزهدهم، وكثرة عبادتهم، وبعض كراماتهم، وبعض نواحى حياتهم «٢» .
هـ- حسه الوطنى الصادق:
وذلك واضح مما ذكرناه- قبلا- عن عدم ارتحاله خارج بلده مصر، واقتصار مؤلّفيه التاريخيين على «علماء بلده، وعلماء البلاد الأخرى الذين قدموا إلى بلده مصر، فأفادوا واستفادوا» . وبالنظر إلى بعض تراجم كتابيه، نلمح نبرة الإعجاب بوطنه، وذلك من خلال الحرص على الترجمة لأناس، تروى عنهم عدة آثار، تمجّد مصر، وتذكر فضائلها، ومظاهر الخير والثراء والنعيم بها، إلى جانب ما تتمتع به من البركة والنماء والجمال منذ أقدم العصور «٣» .
***
стр. 1029
ثالثا وأخيرا- دراسة كتابيه «تاريخ المصريين، وتاريخ الغرباء»
مدخل إلى دراسة كتابى ابن يونس:
بعد أن انتهينا من الترجمة لمؤرخنا ابن يونس وأسرته، نقترب- الآن- شيئا فشيئا من الدراسة التحليلية المنهجية المفصّلة المقارنة لكتابيه: «تاريخ المصريين» ، و «تاريخ الغرباء» . لكنّا- قبل الولوج فى غمار ذلك- رأينا أنه من أساسيات تلك الدراسة التمهيد بهذا المدخل، الذي يتضمن الموضوعات الآتية:
أولا- عنوان الكتابين، وموضوعهما، وتوقيت تأليفهما
١- الكتاب الأول «المتعلق بالمصريين» :
نظرا لفقد هذا الكتاب، وعدم وجوده بين أيدينا، فقد اعتمدنا فى معرفة «عنوانه» على ما أوردته المصادر المتأخرة الناقلة عنه، ملاحظين ما سجلته فى صدر مقتبساتها «غالبا» ، وفى مؤخرتها «نادرا» من عناوين هذا الكتاب. وكذلك ما أوردته بعض تراجم مؤرخنا. وهاكم العناوين الآتية:
أ- «تاريخ مصر» : وهذا هو العنوان الأشهر، الذي تواتر ذكره فى المصادر، وغلب استخدامه فى الإشارة إلى هذا الكتاب. لقد ذكره ابن ماكولا فى «الإكمال» «١» ، والسمعانى فى «الأنساب» «٢» ، والذهبى فى «تاريخ الإسلام» «٣» ، والصفدى فى «الوافى بالوفيات» «٤» ، والإسنوى فى «طبقاته» «٥» ، وابن دقماق فى «الانتصار» «٦» ، والعراقى فى
стр. 1030
«ذيل ميزان الاعتدال» «١» ، والمقريزى فى «الخطط» «٢» ، وابن حجر فى «الإصابة» «٣» ، و «تهذيب التهذيب» «٤» ، والسيوطى فى «بغية الوعاة» «٥» ، والمقرى فى «نفح الطّيب» «٦» ، وغير ذلك «٧» .
ب- «تاريخ المصريين» : وهذه تسمية أخرى لهذا الكتاب، لعلها تتلو السابقة فى الشهرة. وقد وردت لدى ابن الفرضى فى «الألقاب» «٨» ، وابن عبد البر فى «الاستيعاب» «٩» ، والسمعانى- فى بعض مقتسبات- فى «الأنساب» «١٠» ، وابن عساكر فى «مخطوطة تاريخ دمشق» «١١» ، وغيرها.
стр. 1031
ح- التاريخ «تاريخ ابن يونس» : وهو من عناوين الكتاب المذكور، ويستخدم غالبا على سبيل الاختصار. وقد استخدمه السمعانى- أحيانا- فى «الأنساب» «١» ، ومغلطاى فى «مخطوطته» «٢» ، وابن حجر فى «تهذيب التهذيب» «٣» .
د- «تاريخ أهل مصر» : وقد ورد فى مخطوطة «تاريخ دمشق» لابن عساكر «٤» ، وفى «الذيل والتكملة» للمراكشى «٥» .
هـ- «تاريخ علماء مصر» : وقد تفرد بذكره- فيما أعلم- الذهبى فى «سير أعلام النبلاء» «٦» .
ملاحظات:
أ- شذّت بعض المصادر، فخلطت بين كتاب «المصريين» ، وكتاب «الغرباء» ، فأطلق البعض على الأول اسم «تاريخ المغرب» ، ونسب إليه ترجمة أحد المصريين «٧» ، بينما أطلق عليه البعض الآخر اسم «تاريخ أهل مصر والمغرب» «٨» .
ب- وكذلك شذّت بعض المراجع المعنية بذكر التاريخ والمؤرخين، فيما عنيت به من ذكر كتب التراث ومؤلّفيه، فسمّت هذا الكتاب ب «كتاب مصر» «٩» .
ج- من الواضح أن المسمّيات الخمسة المذكورة عاليه متداولة فى المصادر الناقلة والمترجمة لابن يونس، على تفاوت بينها فى الاستخدام داخل المصادر عامة، وفى الإطار الداخلى لبعض المصادر خاصة. وقد اخترت منها اسم «تاريخ المصريين» ؛ لأنه
стр. 1032
يتناسب مع طبيعة الكتاب باعتباره كتاب «تراجم» ، وبداخله بعض الأحداث التى تؤرخ للمصريين داخل بلادهم، ومن خلال مشاركتهم فى أحداث الفتوح خارجها. ويضاف إلى ذلك أن عنوان «تاريخ مصر» - على كثرة استخدامه- سيؤدى إلى الخلط بعنوان كتاب آخر هو «الغرباء» ، عند استعمال بعض المصادر له كعنوان مختصر، على نحو ما سنوضح بعد قليل.
حول موضوع كتاب «تاريخ المصريين» ، وتوقيت تأليفه:
الحق أن هاتين الجزئيتين- خاصة الأولى منهما- شائكتان؛ نظرا لضياع الكتاب المشار إليه. فبخصوص الموضوع الذي يتناوله هذا الكتاب، فإننا لا نجد فى بقاياه مقدمة، يشرح لنا فيها مؤرخنا «ابن يونس» :ماذا يقصد من وراء هذا الكتاب؟ وماذا يعنى بهذا العنوان؟ وما الذي سيتناوله فى ضوئه؟ ومن هنا جاءت الصعوبة؛ لأننا مضطرون لتتبع مسلكه فى التراجم المنسوبة إلى هذا الكتاب، ومحاولة استنباط مقصوده من خلالها، مع رصد مدى محافظته والتزامه بهذا المقصود، وذاك الغرض؛ كى نخرج- فى النهاية- بتصور- أقرب إلى الحقيقة- لما عناه بهذا العنوان.
ويمكننا ذكر ما تيسّر لنا من أنماط المصريين، الذين ترجم لهم ابن يونس فى «تاريخ المصريين» كما يلى:
أ- صحابة دخلوا مصر، وشهدوا فتحها، واختطوا بها، أولا «١» ، أو مرّوا بها عند التوجه لغزو إفريقية «٢» .
ب- من ولد بمصر، ولو كان من أصل غير مصرى، ثم عاش بها حتى مات «٣» ، أو
стр. 1033
خرج منها، وأقام بغيرها من البلدان، وتوفى بعيدا عن مصر «١» ، أو عاد ثانية إليها بعد أن نشأ بغيرها «٢» .
ج- من كان من أصل قبطى، وثبت إسلامه «٣» ، أو كان من أصل رومى «غالبا» «٤» .
د- من كان له إدراك «٥» ، أو لم تثبت له صحبة مطلقا «٦» ، أو كان من الأجيال التالية لجيل الصحابة من التابعين، وتابعيهم ومن بعدهم، ممن لهم بيوت وأسر، وخطط فى مصر، ولقّبوا ب «المصرى» ؛ نتيجة ذلك «٧» .
وبالنسبة لتوقيت تأليف كتاب «تاريخ المصريين» ، فإننا لا نستطيع تحديد ذلك بشكل قاطع؛ لعدم وجود نصوص دالّة على ذلك، لكننا لا نعدم أن نجد وسيلة أو أخرى لتقريب هذا الأمر. لقد ذكرنا- فيما مضى- أن مؤرخنا كان طلابا للعلم منذ عهد مبكر من حياته، وأنه ظل يؤلف حتى أواخر عمره «وأوردنا ترجمة أحد المصريين المتوفّين قبل وفاة ابن يونس بشهور معدودة» «٨» . فإذا أضفنا إلى ذلك أن قدرا لا بأس به من مرويات مؤرخنا فى هذا الكتاب مصدره أستاذه وشيخه- تلميذ المؤرخ ابن عبد الحكم- علىّ بن قديد «ت ٣١٢ هـ» ؛ أدركنا تماما أن مؤرخنا بدأ تأليف هذا الكتاب فى
стр. 1034
شبابه»
، وظل يضيف إليه، ويسجل ما يقع تحت يده من مادة تراجمه، حتى منتهى حياته.
٢- الكتاب الثانى «المتعلق بالغرباء» :
يتكرر هنا ما ذكرناه عند حديثنا عن «تاريخ المصريين» ، فالكتاب الذي نحن بصدده مفقود أيضا؛ ولذلك اعتمدنا على المصادر التى اقتبست منه- قبل فقده- بعض مادة تراجمها. وإليكم هذه العناوين:
أ- «تاريخ الغرباء» : وهذا العنوان من أسهل وأوضح العناوين، التى وردت لهذا الكتاب. ومن ميزاته أيضا: أنه يضع حدودا فاصلة بينه، وبين كتاب «تاريخ المصريين» ، فلا يختلط به، ولا يتداخل معه؛ لذلك اخترته، من دون العناوين التالية عند تجميع بقايا هذا الكتاب. وقد ذكره السمعانى فى «الأنساب» «٢» ، والمقريزى فى «الخطط» «٣» .
ب- يوجد عنوانان متقاربان هما: «الغرباء الذين قدموا مصر» . وقد ورد ذكره- أحيانا- فى كتاب «الأنساب» للسمعانى «٤» . والعنوان الآخر: «تاريخ الغرباء القادمين على مصر» . وأورده ابن العديم فى «بغية الطلب» «٥» . ومن الواضح أن كلا العنوانين بمعنى واحد، ولعل التغيير الطفيف فى الألفاظ ناتج عن «النسّاخ» .
ج- وهناك عنوانان آخران متقاربان هما: «تاريخ مصر المختص بالغرباء» . وقد وردت هذه التسمية فى «وفيات الأعيان» لابن خلكان «٦» . أما التسمية الأخرى القريبة منها جدا، فهى «تاريخ مصر للغرباء القادمين على مصر» . وذكره ابن خلكان فى «وفيات
стр. 1035
الأعيان» «١» ، وابن قاضى شهبة فى «مخطوط طبقات النحاة واللغويين» «٢» .
ملاحظات:
١- ذكر السمعانى أكثر من عنوان لهذا الكتاب- خلاف العناوين السابقة- عند اقتباس تراجم بعض الغرباء، وهى عناوين غير صحيحة، وبينها وبين «تاريخ المصريين» تداخل، منها: «تاريخ المصريين» «٣» ، و «التاريخ» «٤» ، و «التاريخ لأهل مصر» «٥» .
٢- ثمة عنوان آخر غير صحيح هو: «تاريخ أهل مصر، وإفريقية، والأندلس» .
وذكره المقرى فى «نفح الطيب» «٦» .
٣- كثيرا ما تختصر المصادر عنوان: «تاريخ مصر المختص بالغرباء» إلى «تاريخ مصر» «٧» . وهذا العنوان الأخير مشكل؛ لأنه يفضى إلى التداخل مع أحد عناوين كتاب «تاريخ المصريين» السابق ذكرها، اللهم إلا إذا كان مضمون الترجمة واضحا فى الدلالة على أن المترجم له من «الغرباء» ، عندئذ يوضع فى الاعتبار أن هذا العنوان، إن هو إلا اختصار للعنوان المطوّل المذكور.
стр. 1036
حول موضوع كتاب «تاريخ الغرباء» ، وتوقيت تأليفه:
ينطبق على هذا الكتاب- فى تحديد موضوعه- نفس النهج، الذي اتبعناه فى «تاريخ المصريين» . وقد ذكر روزنثال «١» : أنه لفت نظر ابن يونس- لوضع هذا الكتاب- العلماء، الذين لم يولدوا فى مصر، لكن عاشوا ودرسوا فيها، وأقاموا بها ردحا «٢» من الزمن؛ فلوادى النيل جاذبية عظمى للغرباء معروفة من القدم.
والحق أن الشطر الأول من العبارة صحيح مقبول، لكن الشطر الأخير فيه نظر؛ لأنه ليس كل من ترجم له ابن يونس- كما سنرى- فى «الغرباء» قد أقام بمصر مدة طويلة، كما أن الباعث على الارتحال إلى مصر لم يكن المكث على ضفاف النيل، وإنما السعى لطلب العلم، والتلقى على علماء مصر العظام.
ويمكن أن نذكر بعض أنماط الغرباء الواردين فى الكتاب المذكور كما يلى:
أ- أشخاص قدموا مصر من بلدانهم ليسوا صحابة؛ طلبا للعلم «٣» ، أو أداء لمهمة «٤» ، أو ولاية لمنصب «٥» ، سواء ماتوا بها «٦» ، أم خرجوا عنها، فماتوا بغيرها «٧» . وهؤلاء ولدوا بغير مصر، ويرجعون إلى أصول غير مصرية «٨» .
стр. 1037
ب- من لم يعرف أنه من أهل مصر، فهو داخل فى عداد الغرباء «١» .
ملاحظات:
١- قد يترجم للشخص الواحد أكثر من مرة فى «تاريخ الغرباء» ؛ نظرا للاختلاف حول اسمه. والغالب أن ابن يونس لم يدرك ذلك، فذكره على أنه شخصان مختلفان، لكن المصادر الأندلسية نبّهت على أنه شخص واحد، ذكر فى «كتاب الغرباء» فى موضعين «٢» .
٢- قد يذكر ابن يونس أحد أفراد الأسرة فى «تاريخ الغرباء» ، بينما ترجم لأخيه فى «تاريخ المصريين» «٣» ؛ وذلك تبعا لملقاييس التى وضعها لمن تتم الترجمة لهم فى كلا الكتابين.
٣- ورد فى نص ترجمة أحد «الغرباء» : أنه لم يرحل «٤» . وهذا يضعنا أمام أحد احتمالين: أن ابن يونس خالف مقاييس الترجمة فى «الغرباء» على قدر فهمنا، لما ترجم لشخص لم يأت إلى مصر ولا إلى غيرها، كما ذكر هو نفسه فى كتابه عنه. والاحتمال الآخر- أن هناك استثناء يخص الأندلسيين دون سواهم، إذ يغلب على الظن أن هذا المترجم له- وهو أندلسى- يدخل ضمن محدثى الأندلس، الذين عرف ابن يونس معلومات عنهم، وترجم لهم، عن طريق مراسلة ومكاتبة المؤرخ الأندلسى الشهير «الخشنىّ» ، على نحو ما سنذكر فيما بعد.
ويترجح لدىّ الاحتمال الأخير؛ لأن المترجم له- كما جاء فى ترجمة ابن يونس له- مات فى صدر أيام الأمير عبد الله بن محمد (٢٧٥- ٣٠٠ هـ) «٥» ، فهو- إذن- من محدثى القرن الثالث الهجرى وقد مات قبل مولد ابن يونس نفسه فهو لم يلتق به.
стр. 1038
ويضاف إلى ذلك أن هذه الترجمة وردت لدى «الحميدى» «١» ، و «الضبى» «٢» منسوبة إلى «مؤرخنا ابن يونس» . أما ابن الفرضى، فكان أكثر دقة؛ إذ نسب الترجمة إلى مصدرها الأصيل «الخشنى» ، لا مصدرها الوسيط «ابن يونس» «٣» . أما عن سبب عدم ذكر مؤرخنا مصدر هذه الترجمة «وهو الخشنى» ، فقد يكون ذلك سهوا منه، أو من الناقلين عنه، أو أسقط ذكره بفعل النساخ.
وبالنسبة لتوقيت تأليف ابن يونس كتابه: «تاريخ الغرباء» ، فذلك أمر لا نستطيع تحديده، فشأنه شأن «تاريخ المصريين» ، فلعله امتد عبر حياة ابن يونس العلمية. وترجم مؤرخنا فيه لعلماء معاصرين له، قال عن أحدهم: «فقيه مذكور فى وشقة. لا يزال حيا وقت ذكرى له الآن» «٤» . وللأسف لم نقف على تاريخ ميلاد المترجم له، ولم نعرف توقيت مجيئه إلى مصر، ولا السنة التى كان يسجل فيها ابن يونس ترجمته، وكان لا يزال بها على قيد الحياة. وبناء عليه، فلا زلنا فى حاجة إلى مزيد من المادة العلمية الجديدة، التى قد تتكشف فى قابل الأيام، والتى قد تساعدنا على معرفة بداية تأليف ابن يونس كتابه هذا، وموعد انتهائه منه، وما إذا كان مصاحبا تأليفه «تاريخ المصريين» ، أم كان تاليا له. وعلى كل، فالراجح عندى أنه كان يكتب الكتابين معا، وكلما توفرت له مادة وضعها فى مكانها من الكتابين، وأنه مات قبل أن يعود إلى بعض التراجم بالتكملة والتنقيح، كما سنرى بعد.
***
стр. 1039
ثانيا- فقد الكتابين، ومدى وفاء ابن يونس بتكملة محتوياتهما
ذكرنا- فيما مضى- أن مؤلّفى ابن يونس فى عداد الكتب الضائعة من تراثنا التاريخى «١» . ولا شك أن الأجيال التالية له عرفت لهذا الرجل المؤرخ حقه، وطالعت كتابيه، واستفاد منهما العلماء والمؤرخون التالون أيما استفادة. وقد وصفه ابن خلكان «ت ٦٨١ هـ» بقوله: «كان بأحوال الناس خبيرا، ومطلعا على تواريخهم، عارفا بما يقوله» «٢» .
وقد سكتت المصادر عن الأسباب والظروف، التى ضاع فيها هذان الكتابان المهمان، ولم تشر إلى توقيت فقدهما. ولعل ظروف ضياعهما لا تخرج عن الظروف العامة التى ضاع فيها كثير من تراث أمتنا «من النكبات، والحروب، والثورات والفتن، وغيرها» .
وبخصوص تاريخ ضياعهما، فمن خلال مسحى عشرات المصادر الناقلة عنهما- كما سنرى ذلك تفصيلا فيما بعد- فقد اتضح لى- على قدر ما طالعت- أن آخر المقتبسين منهما- إن كان رجع إلى نسخهما الأصيلة بالفعل- هو المؤرخ الأندلسى «المقرى ت ١٠٤١ هـ» ، وذلك فى كتابه «نفح الطّيب» . ومعنى ذلك أن الكتابين ظلّا موجودين، حتى أواسط القرن الحادى عشر الهجرى تقريبا، ثم اختفيا- بعد ذلك- فى ظروف غامضة.
هذا، وقد وصف لنا المؤرخ المدقق «ابن خلكان» هذين الكتابين وصف من رآهما رأى العين، فقال: جمع لمصر تاريخين: أحدهما- وهو الأكبر «خاص بالمصريين» » .
стр. 1040
والآخر- وهو صغير «١» ، يشمل الغرباء الواردين عليها. ثم عقّب، وأضاف قائلا: «وما أقصر فيهما. وقد ذيّلهما أبو القاسم يحيى بن على الحضرمى، وبنى عليهما» «٢» . فما مدى اكتمال كتابى ابن يونس؟ وهل- حقا، كما يرى ابن خلكان- لم يقصّر فى ذكر تراجمهما؟ ثم ما طبيعة عمل الحضرمى المشار إليه سلفا؟ ذلك ما نجيب عنه فى السطور التالية.
بادئ بدء أقرر أن الإحاطة التامة ليست مما يملكه بشر كائنا من كان، مهما جوّد وبذل، وضبط ونقّح. ومن هنا، فلا يمكن أن يكون ابن يونس قد أتى على جميع علماء مصر حتى عصره فى كتاب «تاريخ المصريين» ، وعلى كافة الغرباء فى «تاريخ الغرباء» . إلا أننا نقرر أنه جمع قدرا هائلا من هؤلاء وأولئك. ودليل ذلك- كما سيتضح بعد ذلك- أننى جمعت ما تيسر من بقاياهما، فبلغ مجموع ما جمعته منهما «٢١٦٤ ترجمة» ، القدر الأكبر منها- كما وصف ابن خلكان- داخل فى «تاريخ المصريين» ، الذي بلغ ما جمعته منه «١٤٦١ ترجمة» ، بينما الجزء الباقى- وهو الأصغر- يتمثل فى «تاريخ الغرباء» ، الذي بلغ ما جمعته من بقاياه «٧٠٣ ترجمة» . ولعل هذا الجهد الكبير الذي بذله مؤرخنا، وأنفق فيه الوقت والعمر هو ما عناه ابن خلكان، عندما نفى عنه التقصير.
والآن، نخص العلاقة بين عمل «الحضرمى» «٣» ، وكتابى ابن يونس بشىء من التوضيح والتفصيل فى النقاط الآتية:
أ- من المؤكد أن مؤرخنا لم يستوعب فى كتابيه جميع العلماء المصريين، والغرباء
стр. 1041
الذين نزلوا مصر. ولدينا عدة نماذج صحيحة، صرّح بعض المؤرخين، الذين طالعوا كتابيه بخلوهما من تراجم بعض الشخصيات. فمن المصريين الذين لم يذكرهم ابن يونس فى «تاريخه» : «سعيد بن شبيب المصرى «١» ، وعبد الله بن بشير المصرى «٢» ، ولبدة ابن كعب «٣» ، ومحمد بن الوزير المصرى «٤» ، ووهب الله بن رزق المصرى «٥» . ومن الغرباء: «محمد بن موسى السّرخسىّ» «٦» .
ب- من الملاحظ أن بعض المصادر زعمت عدم ترجمة مؤرخنا «ابن يونس» لبعض الشخصيات، مثل: «رجاء بن أشيم» «٧» ، و «على بن عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة، المشهور ب «علّان» «٨» فى المصريين. و «على بن الحسين بن حرب» القاضى المشهور ب «ابن حربويه» «٩» فى «الغرباء» . وبالتحقق من ذلك ثبت عدم دقة هذه المصادر؛ فقد ترجم ابن يونس للأولين فى «تاريخ المصريين» «١٠» ، وللأخير فى «تاريخ
стр. 1042
الغرباء» «١» .
ج- وأخيرا، فهناك نموذج فريد لترجمة صحابى، ذكر فى إسناد حديث رواه: أنه رواه ابن يونس وغيره من الرواة، عن الزهرى «٢» . ومعنى ذلك أن مؤرخنا ذكر هذا الصحابى فى تراجم «المصريين» ، وأورد له هذا الحديث «٣» . وبالقطع هذا كلام غير صحيح؛ إذ لم يترجم مؤرخنا لهذا الصحابى. والصحيح: أنه رواه يونس بن يزيد «ت ١٥٢ هـ» «٤» ، عن الزهرى «ت ١٢٤ هـ» ، لكن الأمر اختلط على صاحب «الإصابة» .
فابن يونس «ت ٣٤٧ هـ» لا يمكن أن يروى عن الزهرى «ت ١٢٤ هـ» . ويعضد ذلك- أيضا- أن ابن الأثير ذكر من رواة هذا الحديث المذكور يونس الذي أشرنا إليه من قبل «٥» .
د- بناء على ما تقدم، فقد اتضح لنا أن تاريخى ابن يونس كانا فى حاجة إلى من يستدرك عليهما ما فات صاحبهما، وما استجد من تراجم العلماء من بعده. ومن هنا، فإنى أرجح أن ابن الطحّان الحضرمى ذيّل على كتابى ابن يونس «المصريين، والغرباء» ، وأميل إلى أنه لم يفرد ذيلا على كل كتاب منهما «٦» ، وإنما جعل الذيل فى مجلد واحد
стр. 1043
ضم ما استدركه وأضافه من «تراجم المصريين، والغرباء» معا «١» ، جعل له عنوان الغالب منهما، وسمّاه «تاريخ علماء أهل مصر» «٢» . ويشهد بصحة ذلك الرأى التراجم المخطوطة، التى حصلت عليها من «الجزء الأول» منه، وهى ما بقى مخطوطا من هذا الكتاب، فيما أعلم، وتضم تراجم مصريين وغير مصريين وفدوا إلى مصر «٣» . ويضاف إلى ذلك الجزء المخطوط ما تناثر هنا وهناك من تراجم هذا الكتاب- فيما أرجح- مما يدخل فى عداد بقايا المفقود منه «٤» .
***
стр. 1044
ثالثا- كيف وصلت بقايا «تاريخى ابن يونس» إلينا ؟
من خلال مطالعة الكثير من المصادر- مطبوعة، ومخطوطة- تبين لنا أن النصوص المتبقية من كتابى مؤرخنا «ابن يونس» كثيرة؛ ولذلك كان السؤال الذي يطرح نفسه بكل قوة: كيف وصلت إلينا بعد كل هاتيك القرون هذه النصوص الغزيرة؟ والجواب: على يد عدد من تلاميذ ابن يونس، الذين رووا كتابيه، وحصلوا على نسخ مكتوبة منهما، ثم توالى النسخ على يد كتّاب ونسّاخ أثبات ثقات، أسهموا فى انتشار هذين المؤلّفين عبر القرون المتلاحقة، إلى جانب حرص عدد من أبرز العلماء المحدّثين المؤرخين- سواء كانوا مصريين، أم غير مصريين- على الاحتفاظ بنسخ خاصة بهم من هذين الكتابين، حيث قاموا بالاقتباس منهما فى مؤلفاته المختلفة، وقد قدم لنا هؤلاء العلماء- من حيث لا يدرون- خدمة جليلة، عندما غدت هذه المقتبسات هى كل ما تبقى فى عصرنا الحالى من إنتاج «ابن يونس» التاريخى بعد فقد أصوله.
والآن مع التعريف بأهم هؤلاء التلاميذ، وإبراز جهودهم فى نقل كتابى مؤرخنا إلينا:
١- ابن مسرور:
هو أبو الفتح عبد الواحد بن محمد بن أحمد بن مسرور البلخىّ، نزيل مصر. حدث عن أبى بكر أحمد بن سليمان بن زبّان، وعبد الله بن أحمد الفرغانى «١» ، وأبى سعيد بن يونس، وغيرهم. روى عنه عبد الغنى بن سعيد، وأحمد ابن عمر بن سعيد بن قديد، ومحمد بن عبد الرحمن الأزدى، وآخرون «٢» . كان حافظا مكثرا «٣» ، أقام بمصر مدة «٤» ، وكان له كتاب فى «التراجم» ، طالع نسخته المكتوبة بخط المؤلف، ونقل عنها الخطيب البغدادى «٥» . توفى فى سلخ ذى الحجة سنة ٣٧٨ هـ، بعد
стр. 1045
أن نيّف- فما يبدو- على السبعين «١» .
دوره فى نقل كتابى «ابن يونس» :
لعب «ابن مسرور البلخى» دورا جيدا فى نقل عدد من تراجم «تاريخ المصريين» لابن يونس. ويلاحظ أن المحدّث المصرى «عبد الغنى بن سعيد. المتوفى ٤٠٩ هـ» قد احتفظ لنا بهذه المادة العلمية، عن طريق روايته المباشرة عن «ابن مسرور» ، وسجّلها فى كتابيه: «المؤتلف والمختلف» «٢» ، و «مشتبه النسبة» «٣» .
أما بالنسبة لدوره، الذي لعبه فى الاحتفاظ بقدر من مادة «تاريخ الغرباء» لابن يونس، فهو دور كبير؛ لغزارة النصوص المنقولة عن طريقه، إلا أننى سأرجئ الإشارة إلى ذلك، لحين الحديث عن العلّامة «الصّورىّ» ؛ باعتباره المصدر المباشر الذي نقل عنه الخطيب البغدادى ما تيسر له من مادة «تاريخ الغرباء» لمؤرخنا، مرورا ب «الأزدى» ، ثم أستاذه «ابن مسرور» تلميذ ابن يونس. فهناك نتحدث عن «الصورى، وابن مسرور» معا، ونضم إليهما قرين الصورى المعروف ب «ابن الثلّاج» .
٢- ابن منده «٤» :
يمكننا التعريف بهذا المؤرخ ذى الدور المتميز فى نقل منجزات مؤرخنا التاريخية، فيما يلى: هو محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده الأصبهانى. رحل، وطوّف الدنيا؛ طلبا للعلم، وجمع وصنّف المصنّفات «٥» . حدث عن
стр. 1046
عبد الله بن جعفر بن محمد بن الورد «١» ، وعبد الله بن إسحاق الأطرابلسى «٢» ، وأبى سعيد بن يونس «٣» ، والحسن بن يوسف الطرائفى المصرى «٤» . روى عنه أبو عبد الله الحاكم، وهو من شيوخه، وحمزة السهمى، وأبو نعيم الأصبهانى «٥» ، والعالمة الواعظة عائشة بنت الحسن بن إبراهيم الأصبهانية «٦» ، وغيرهم.
أقام بمصر سنتين «٧» ، وصنّف «التاريخ» ، و «الشيوخ» «٨» . له كتب أخرى، منها:
«دلائل النبوة» ، و «الصحابة» «٩» ، و «النساء» «١٠» ، و «الأسماء والكنى» «١١» . وكان ثقة حافظا «١٢» ، إلا أن «أبا نعيم» كان كثير الحطّ عليه، والنقد له، لكن هذا الكلام لا يوجب ضعفه؛ لأنه من باب كلام الأقران بعضهم فى بعض «١٣» . ولد سنة إحدى- أو اثنتى- عشرة وثلاثمائة، وتوفى سلخ ذى القعدة سنة خمس وتسعين وثلاثمائة «ت ٣٩٥ هـ» «١٤» .
стр. 1047
وجدير بالذكر أن ابن منده جالس مؤرخنا ابن يونس عند مقامه بمصر، وحضر مجالس علمه، وروى عنه كتابيه التاريخيين «١» ؛ بدليل أنه روى العديد من مادتهما، بل كتب نسخة منهما «٢» ، أعتقد أنها كانت الأساس الذي اعتمد عليه المؤرخون- من بعده- فى نقل التراجم الواردة فى كتابى ابن يونس، مثل: «ابن عساكر ت ٥٧١ هـ «٣» ، وابن الأثير ت ٦٣٠ هـ «٤» ، وابن النجار ت ٦٤٣ هـ «٥» ، وابن العديم ت ٦٦٠ هـ «٦» » .
٣- علىّ بن عبد الرحمن بن أحمد بن يونس «٧» :
واضح أنه ابن مؤرخنا «أبى سعيد
стр. 1048
ابن يونس» وهو الوحيد الذي اهتمت به المصادر والمراجع المختلفة من دون أبنائه الآخرين، إن كان له غيره، وغير ابنه الأكبر- فيما نرجح- الذي كنى به، ولا ندرى عنه شيئا.
ونستطيع تركيز وتلخيص ما ذكرته المصادر والمراجع المختلفة عنه من الناحية التى كانت محور ارتكاز اهتمامها، ثم نثنّى بإلقاء الضوء على الناحية التى تهمنا، وذلك على النحو الآتى:
أ- إذا كان «أبو سعيد بن يونس» محدّث مصر وحافظها، ومؤرخها الذي يعوّل عليه فى معرفة رجالها وتاريخها، وعلمائها؛ فإن ابنه «عليا» كان بارعا متفننا فى علوم شتى، تأتى على رأسها علوم الرياضيات والفلك والنجوم «١» ، وهو المشهور ب «المنجّم المصرى» صاحب «الزّيج الحاكمى» «٢» المعروف ب «زيج ابن يونس» ، وهو الذي كان مؤلّفا فى
стр. 1049
أربعة مجلدات، لم ير أطول منها. وكان قد ابتدأ عمله فى عصر «العزيز» ، وأكمله فى عهد «الحاكم» «١» .
ب- كان علىّ- إلى جانب براعته العلمية والتنجيمية- له معرفة بالموسيقى، فكان يضرب على العود «٢» ، وكان له شعر كثير بارع حسن «٣» . ولا شك أنه كان ذا منزلة مرموقة فى دولة العبيديين فى مصر، وقبله أحد قضاتها «محمد بن النعمان» كأحد الشهود المعدّلين «٤» . هذا عن الجانب الجاد الإيجابى من شخصيته.
ج- ومن ناحية أخرى، فإن المصادر تتناقل وصف جانب هزلى سلبى فى شخصية علىّ، إذ تصفه بالبلاهة والغفلة «٥» ، والسحر والشعوذة، وأنه كانت له إصابات عجيبة تضل الجهلة «٦» . وتضيف المصادر أنه لبس- مرة- ثياب النساء، وضرب بالعود، وبخّر، وأخذ يرصد الزّهرة من فوق جبل المقطم «٧» . هذا هو الجانب الأول، الذي ركزت عليه المصادر. وأعتقد أن ما وصف به من هزل مبالغ فيه، ولا يتفق مع الحياة العلمية والمنجزات الرياضية والفلكية التى تمت على يديه «٨» . ولعل سنيّة المؤرخين الذين ترجموا له، وعداءهم للعبيديين، واصطدام التنجيم بالعقيدة الصحيحة، جعلهم يصفونه بهذه
стр. 1050
الأوصاف، التى قد يكون لها أساس نابع من غرابة شخصيات المخترعين والمكتشفين، لكنها بولغ فى عرضها ووصفها؛ نتيجة للأسباب السالف ذكرها.
أما الجانب الآخر الذي يهمنا، فيتمثل فيما يلى:
أ- يبدو أن مؤرخنا «ابن يونس» عنى بابنه «علىّ» منذ صغره، فكان يصطحبه معه إلى مجالس المحدّثين «١» ، إذ كان حريصا- فيما يبدو- على أن يتلقى علوم العربية والشريعة «خاصة الحديث، والتاريخ» ، بحيث يكون امتدادا له.
ب- أعتقد أن ابن يونس نجح فى القيام بواجبه تجاه ابنه، الذي بلغتنا بعض تراجم كتابى: «تاريخ المصريين» «٢» ، و «تاريخ الغرباء» «٣» عن طريقه. ولكنى أعتقد- أيضا- أن مؤرخنا «ابن يونس» رحل عن الوجود، وخلّف ابنه «عليّا» فى مقتبل العمر «٤» ، فلم يجد من يواصل المسير به فى نفس اتجاه أبيه، فنحا نحوا آخر «تجاه العلوم الرياضية، والفلكية» ، ولعل قدراته كانت تتوافق مع طبيعة هذه العلوم، فتوقفت معارفه الحديثية والتاريخية عند الحدود التى وصل إليها فى حياة والده، أو لم يقم بتنميتها؛ لغلبة الاتجاه
стр. 1051
العلمى عليه. ثم إن بعض نقاد الحديث لم يحلّوا الأخذ عنه، ووصفوه بأنه منجم ساحر «١» .
ج- توقف النبوغ العلمى فى أسرة المؤرخ «ابن يونس» بوفاة ابنه «علىّ» بكرة يوم الاثنين الثالث من شهر شوال «٢» سنة ٣٩٩ هـ فجأة «٣» ، إذ إنه لم ينجب سوى ابنه «الحسن» الذي كان يكنى به، وكان متخلفا، لم يرث عن أبيه ولا جده حب العلم والاهتمام به، ولم يعرف لمكتبة أبيه العلمية قدرها، وهو الذي أفنى عمره فى تحصيل العلوم، والتأليف فيها، فباع هذا الابن مؤلفات وكتب أبيه بالأرطال فى الصابونين «٤» .
٤- الصّورىّ، وابن الثلّاج:
* التعريف ب «الصّورى» «٥» :
هو أبو عبد الله، محمد بن على بن عبد الله بن محمد الصورى الحافظ. كان من أحرص الناس على طلب الحديث، وأكثرهم كتبا له، وأحسنهم معرفة به. وحدّث الخطيب أنه لم يسمع الحديث فى صغره، وإنما طلبه على كبر فى السن. طاف البلاد الكثيرة، ومنها: مصر، وبغداد. صحب عبد الغنى بن سعيد، وكتب كلاهما عن الآخر. كان متقنا خيرا ديّنا، يسرد الصوم، ولا يفطر غير العيدين، وأيام التشريق «٦» .
стр. 1052
وكان مشهورا بدقة خطه «صغر حروفه، وكلماته» ، وكان يضرب به المثل فى ذلك «١» .
روى عنه الخطيب البغدادى، والقاضى أبو عبد الله الدّامغانى، وغيرهما «٢» . توفى ببغداد يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، ودفن من الغد فى مقبرة جامع المدينة، وحضر الخطيب الصلاة عليه، وكان الصورى قد نيّف على الستين عاما «٣» .
* التعريف ب «ابن الثلّاج» :
هو أبو القاسم، عبد الله بن محمد بن عبد الله المعروف ب «ابن الثلاج» «٤» . حدث عن أبى القاسم البغوى، وأبى بكر بن أبى داود، ويحيى بن محمد بن صاعد، وغيرهم. ولد سنة ٣٠٧ هـ. حدث عنه أبو العلاء الأزهرى القاضى، والأزهرى، والعتيقى، وغيرهم. توفى فى شهر ربيع الأول من سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، وكان مخلّطا فى الحديث، يدّعى ما لم يسمع، ويضع الحديث «٥» .
علاقتهما بنتاج ابن يونس التاريخى:
تميز الحافظ الصورى بدقة النقل «٦» ، وتشير النصوص إلى امتلاكه نسخة من كل من «تاريخى ابن يونس، وعليه اعتمد ابن ماكولا، والخطيب البغدادى «٧» فى نقل الكثير من
стр. 1053
المادة التاريخية المرتبطة بالتراجم، الواردة فى مؤلّفى «ابن يونس» . وليس هذا بغريب عليه، وعلى بن الثلاج كذلك، فكلاهما له اهتمام بالتراجم، ولعل لكل منهما مؤلّفا فى ذلك «١» .
وبالنسبة لنسخة كليهما من كتابى ابن يونس، فقد تعددت النصوص التى تفيد نقل المؤرخين عنهما. وقد حظيت نسخة الصورى بالقبول غالبا؛ نظرا لخطه المتقن فى نسخته المسموعة «٢» . ويبدو أن نسخة الصورى ذاعت وانتشرت، واهتم الناسخون بنسخها؛ مما أدى إلى اختلاف هذه النسخ فيما بينها أحيانا «٣» . أما نسخة ابن الثلاج، فالظاهر من النصوص أنها كانت أقل جودة ودقة من الصورى؛ نظرا لأفضلية الأخير ودقته «٤» ، وإن اتفقتا أحيانا «٥» ، واختلفتا أخرى «٦» . ونادرا ما كانت نسخة ابن الثلاج تحظى بالقبول دون نسخة الصورى «٧» .
стр. 1054
٥- اهتمام كبار العلماء بالاحتفاظ بنسخ من كتابى مؤرخنا:
تتمة للحديث- فى النقطة السابقة- عن «الصورى، وابن الثّلاج» ، نشير إلى أن المصادر أشارت إلى حرص كثير من المؤرخين والمحدّثين على مطالعة «تاريخى ابن يونس» ، بل إن بعضهم كتب نسخته بخط يده. فهناك نسخة المحدّث المصرى «عبد الغنى ابن سعيد ت ٤٠٩ هـ» «١» ، ونسخة السمعانى «ت ٥٦٢ هـ» «٢» ، ونسخة المزّىّ «ت ٧٤٢ هـ» «٣» ، ونسخة الذهبى ومختصره «٤» ، ونسخة العلّامة مغلطاى «ت ٧٦٢ هـ» «٥» ، ونسخة المحدّث المؤرخ «ابن حجر ت ٨٥٢ هـ» «٦» .
٦- دور المؤرخين الأندلسيين فى نقل كتابى «ابن يونس» :
هذه الجزئية التى نتناولها- الآن- لها أهمية قصوى فى الكشف عن العلاقة بين مدرستى التأريخ «المصرى، والأندلسى» فى مجال «التراجم» فى القرن الرابع الهجرى، فى حدود حديثنا عن «المؤرخ المصرى ابن يونس» . ونحن- هنا- نبحث فى جزئية محددة، تتعلق بتأثير ابن يونس فى «مؤرخى الأندلس» ، ذلك التأثير الذي تمثل فى اقتباسهم من كتابيه المعروفين، فلما فقد هذان الكتابان، كان هؤلاء المؤرخون الأندلسيون ممن احتفظوا لنا ببقاياهما.
وثمة ملاحظة مهمة أشار إليها بعض الباحثين، وهى أن الأندلسيين استمدوا تاريخ بلادهم، وأخبار علمائهم من مؤرخ مصرى، يعدّ آخر المؤرخين المصريين اهتماما بالتاريخ الأندلسى «٧» .
стр. 1055
والآن، نستعرض عددا من مؤرخى الأندلس، موضحين الأسانيد التى نقلوا عن طريقها كتابى ابن يونس، مع ذكر التراجم التى نقلوها عنه فى كتبهم، وذلك على النحو الآتى:
أ- ابن مفرّج «ت ٣٨٠ هـ» : سبق أن عرّفنا بهذا المحدث والمؤرخ الأندلسى، وأشرنا إلى مجيئه إلى مصر، وكتابته «تاريخ مصر» لابن يونس عن مؤرخنا «١» . ومن هنا، فقد توقعنا أن نجد لديه- على الأقل- تاريخ «الغرباء» ، فلعله يهتم به؛ لوجود تراجم الأندلسيين به، لكن يبدو أن نسخته عن ابن يونس فقدت، ولم أجد سوى نص وحيد يشير إلى هذه النسخة المفقودة «٢» .
ب- ابن الفرضىّ «ت ٤٠٣ هـ» : أورد هذا المؤرخ الأندلسى- عند ذكره مصادر كتابه: «تاريخ العلماء والرواة للعلم بالأندلس» - الطرق، التى وصل بها كتابا مؤرخنا إليه، وهى كالآتى:
١- ما كان فيه عن «أبى سعيد» ، فهو «أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس ابن عبد الأعلى المصرى» ، خرّجته من تاريخه «فى أهل مصر والمغرب» . أخذ ذلك من كتاب، أنفذه إليه أمير المؤمنين «الحكم بن عبد الرحمن، المستنصر بالله، ﵀» «٣» .
٢- عن غير ذلك الكتاب [كتاب المستنصر السابق] ما أخبرنا به يحيى بن مالك العائذى، عن أبى صالح أحمد بن عبد الرحمن بن أبى صالح الحرّانىّ الحافظ، عن أبى سعيد.
٣- «ومنه ما أخبرنى به أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يحيى القاضى، عن أبى
следующие страницы →