← Тараджим

Тараджим · id 11686

تاريخ ابن يونس المصرى

ابن يونس المصري

Полный текст (1 284 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

العلمى عليه. ثم إن بعض نقاد الحديث لم يحلّوا الأخذ عنه، ووصفوه بأنه منجم ساحر «١» . ج- توقف النبوغ العلمى فى أسرة المؤرخ «ابن يونس» بوفاة ابنه «علىّ» بكرة يوم الاثنين الثالث من شهر شوال «٢» سنة ٣٩٩ هـ فجأة «٣» ، إذ إنه لم ينجب سوى ابنه «الحسن» الذي كان يكنى به، وكان متخلفا، لم يرث عن أبيه ولا جده حب العلم والاهتمام به، ولم يعرف لمكتبة أبيه العلمية قدرها، وهو الذي أفنى عمره فى تحصيل العلوم، والتأليف فيها، فباع هذا الابن مؤلفات وكتب أبيه بالأرطال فى الصابونين «٤» . ٤- الصّورىّ، وابن الثلّاج: * التعريف ب «الصّورى» «٥» : هو أبو عبد الله، محمد بن على بن عبد الله بن محمد الصورى الحافظ. كان من أحرص الناس على طلب الحديث، وأكثرهم كتبا له، وأحسنهم معرفة به. وحدّث الخطيب أنه لم يسمع الحديث فى صغره، وإنما طلبه على كبر فى السن. طاف البلاد الكثيرة، ومنها: مصر، وبغداد. صحب عبد الغنى بن سعيد، وكتب كلاهما عن الآخر. كان متقنا خيرا ديّنا، يسرد الصوم، ولا يفطر غير العيدين، وأيام التشريق «٦» .

стр. 1052

وكان مشهورا بدقة خطه «صغر حروفه، وكلماته» ، وكان يضرب به المثل فى ذلك «١» . روى عنه الخطيب البغدادى، والقاضى أبو عبد الله الدّامغانى، وغيرهما «٢» . توفى ببغداد يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، ودفن من الغد فى مقبرة جامع المدينة، وحضر الخطيب الصلاة عليه، وكان الصورى قد نيّف على الستين عاما «٣» . * التعريف ب «ابن الثلّاج» : هو أبو القاسم، عبد الله بن محمد بن عبد الله المعروف ب «ابن الثلاج» «٤» . حدث عن أبى القاسم البغوى، وأبى بكر بن أبى داود، ويحيى بن محمد بن صاعد، وغيرهم. ولد سنة ٣٠٧ هـ. حدث عنه أبو العلاء الأزهرى القاضى، والأزهرى، والعتيقى، وغيرهم. توفى فى شهر ربيع الأول من سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، وكان مخلّطا فى الحديث، يدّعى ما لم يسمع، ويضع الحديث «٥» . علاقتهما بنتاج ابن يونس التاريخى: تميز الحافظ الصورى بدقة النقل «٦» ، وتشير النصوص إلى امتلاكه نسخة من كل من «تاريخى ابن يونس، وعليه اعتمد ابن ماكولا، والخطيب البغدادى «٧» فى نقل الكثير من

стр. 1053

المادة التاريخية المرتبطة بالتراجم، الواردة فى مؤلّفى «ابن يونس» . وليس هذا بغريب عليه، وعلى بن الثلاج كذلك، فكلاهما له اهتمام بالتراجم، ولعل لكل منهما مؤلّفا فى ذلك «١» . وبالنسبة لنسخة كليهما من كتابى ابن يونس، فقد تعددت النصوص التى تفيد نقل المؤرخين عنهما. وقد حظيت نسخة الصورى بالقبول غالبا؛ نظرا لخطه المتقن فى نسخته المسموعة «٢» . ويبدو أن نسخة الصورى ذاعت وانتشرت، واهتم الناسخون بنسخها؛ مما أدى إلى اختلاف هذه النسخ فيما بينها أحيانا «٣» . أما نسخة ابن الثلاج، فالظاهر من النصوص أنها كانت أقل جودة ودقة من الصورى؛ نظرا لأفضلية الأخير ودقته «٤» ، وإن اتفقتا أحيانا «٥» ، واختلفتا أخرى «٦» . ونادرا ما كانت نسخة ابن الثلاج تحظى بالقبول دون نسخة الصورى «٧» .

стр. 1054

٥- اهتمام كبار العلماء بالاحتفاظ بنسخ من كتابى مؤرخنا: تتمة للحديث- فى النقطة السابقة- عن «الصورى، وابن الثّلاج» ، نشير إلى أن المصادر أشارت إلى حرص كثير من المؤرخين والمحدّثين على مطالعة «تاريخى ابن يونس» ، بل إن بعضهم كتب نسخته بخط يده. فهناك نسخة المحدّث المصرى «عبد الغنى ابن سعيد ت ٤٠٩ هـ» «١» ، ونسخة السمعانى «ت ٥٦٢ هـ» «٢» ، ونسخة المزّىّ «ت ٧٤٢ هـ» «٣» ، ونسخة الذهبى ومختصره «٤» ، ونسخة العلّامة مغلطاى «ت ٧٦٢ هـ» «٥» ، ونسخة المحدّث المؤرخ «ابن حجر ت ٨٥٢ هـ» «٦» . ٦- دور المؤرخين الأندلسيين فى نقل كتابى «ابن يونس» : هذه الجزئية التى نتناولها- الآن- لها أهمية قصوى فى الكشف عن العلاقة بين مدرستى التأريخ «المصرى، والأندلسى» فى مجال «التراجم» فى القرن الرابع الهجرى، فى حدود حديثنا عن «المؤرخ المصرى ابن يونس» . ونحن- هنا- نبحث فى جزئية محددة، تتعلق بتأثير ابن يونس فى «مؤرخى الأندلس» ، ذلك التأثير الذي تمثل فى اقتباسهم من كتابيه المعروفين، فلما فقد هذان الكتابان، كان هؤلاء المؤرخون الأندلسيون ممن احتفظوا لنا ببقاياهما. وثمة ملاحظة مهمة أشار إليها بعض الباحثين، وهى أن الأندلسيين استمدوا تاريخ بلادهم، وأخبار علمائهم من مؤرخ مصرى، يعدّ آخر المؤرخين المصريين اهتماما بالتاريخ الأندلسى «٧» .

стр. 1055

والآن، نستعرض عددا من مؤرخى الأندلس، موضحين الأسانيد التى نقلوا عن طريقها كتابى ابن يونس، مع ذكر التراجم التى نقلوها عنه فى كتبهم، وذلك على النحو الآتى: أ- ابن مفرّج «ت ٣٨٠ هـ» : سبق أن عرّفنا بهذا المحدث والمؤرخ الأندلسى، وأشرنا إلى مجيئه إلى مصر، وكتابته «تاريخ مصر» لابن يونس عن مؤرخنا «١» . ومن هنا، فقد توقعنا أن نجد لديه- على الأقل- تاريخ «الغرباء» ، فلعله يهتم به؛ لوجود تراجم الأندلسيين به، لكن يبدو أن نسخته عن ابن يونس فقدت، ولم أجد سوى نص وحيد يشير إلى هذه النسخة المفقودة «٢» . ب- ابن الفرضىّ «ت ٤٠٣ هـ» : أورد هذا المؤرخ الأندلسى- عند ذكره مصادر كتابه: «تاريخ العلماء والرواة للعلم بالأندلس» - الطرق، التى وصل بها كتابا مؤرخنا إليه، وهى كالآتى: ١- ما كان فيه عن «أبى سعيد» ، فهو «أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس ابن عبد الأعلى المصرى» ، خرّجته من تاريخه «فى أهل مصر والمغرب» . أخذ ذلك من كتاب، أنفذه إليه أمير المؤمنين «الحكم بن عبد الرحمن، المستنصر بالله، ﵀» «٣» . ٢- عن غير ذلك الكتاب [كتاب المستنصر السابق] ما أخبرنا به يحيى بن مالك العائذى، عن أبى صالح أحمد بن عبد الرحمن بن أبى صالح الحرّانىّ الحافظ، عن أبى سعيد. ٣- «ومنه ما أخبرنى به أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يحيى القاضى، عن أبى

стр. 1056

سعيد» «١» . والآن، نقوم برصد التراجم، التى نقلها «ابن الفرضى» عن «ابن يونس» ، ملاحظين أنها اتخذت الأنماط التالية: أولا- ما نقله ابن الفرضى عن «تاريخ المصريين» «٢» . ثانيا- ما نقله ابن الفرضى عن «تاريخ الغرباء» مباشرة «بأى من الطرق المذكورة سابقا» «٣» . ثالثا- ما لم يصرح ابن الفرضى بنقله عن «تاريخ الغرباء» لكننا رجحنا نقله عنه؛ لعدم نسبته إلى مصدر آخر، رغم تعدد مصادر كتابه، إلى جانب تشابه المادة الموجودة فى الترجمة مع غيرها فى مصادر أندلسية أخرى، صرحت بنسبتها إلى «ابن يونس» «٤» . ج- ابن عبد البر القرطبى «ت ٤٦٣ هـ» : وهو صاحب كتاب «الاستيعاب فى معرفة الأصحاب» . وقد طالع كتاب «تاريخ المصريين» لمؤرخنا، ونقل لنا عددا من تراجم

стр. 1057

الصحابة، صرّح فى إحداها بمصدره الذي رواها عنه «١» . ورغم أن ابن عبد البر ذكر لنا طريقين نقل من خلالهما «تاريخ المصريين» لابن يونس «٢» ، إلا أنه كان يكتفى- فى القدر الذي بقى لنا من تراجم الصحابة المصريين- بذكر ابن يونس وحده من دون سائر رجال الإسناد، الذين نقل عنهم الترجمة «٣» . د- الحميدى (ت ٤٨٨ هـ) ، والضبى (ت ٥٩٩ هـ) : وقد اخترت الجمع بينهما؛ لتشابه تراجم كتابيهما: «الجذوة» ، و «البغية» تشابها يكاد يكون تاما فى كثير من الأحيان، وما ذاك- فى رأيى- إلا لتوحد مصادرهما أحيانا، ونقل الضبى عن الحميدى دون النص على ذلك غالبا «٤» ، وإن ردّ النصوص إلى الحميدى أحيانا «٥» . ومن هنا، فإنى أعتقد أن الضبى- غالبا- تابع للحميدى. أما الحميدى، فقد كان على صلة ب «تاريخ الغرباء» لابن يونس، ورأى أكثر من نسخة منه فى المشرق لدى ابن ماكولا صاحب «الإكمال» «٦» ، ولعل بعضها كان بخط «العلّامة الصورى» «٧» . وقد تركزت المادة المنقولة عن ابن يونس، والواردة فى كتابى: «الحميدى» ،

стр. 1058

«والضبى» فى تراجم «الغرباء» غالبا «١» ، وصرح كلاهما فى عدد من التراجم بذكر ابن يونس «٢» ، وفى البعض الآخر رجحنا نقلهما عن ابن يونس رغم عدم تصريحهما بذلك النقل؛ لوجود هذه المادة التاريخية فى مصادر أخرى صرحت بنسبتها إلى ابن يونس «٣» ،

стр. 1059

أو لنقلهما عن المصدر الأساسى، الذي نقل عنه ابن يونس نفسه، فيذكران المصدر الأصلى، لا الوسيط «١» . هـ- ابن الأبّار «ت ٦٥٨ هـ» : واحتفظ لنا من «تاريخ الغرباء» بعدد من التراجم المنقولة عن ابن يونس بواسطة «ابن الفرضى، والحميدى» ، وذلك فى كتابه: «تكملة كتاب الصلة» «٢» . والمراكشى «ت ٧٠٣ هـ» : ولم أجد- فيما بقى من كتاب الذيل- سوى ترجمة واحدة مأخوذة عن «تاريخ الغرباء» لابن يونس «٣» ، وأخرى مأخوذة عن «تاريخ المصريين» «٤» . وهكذا، استعرضنا- تفصيلا- كيف وصلت إلينا هذه المقادير الهائلة من تراجم كتابى مؤرخنا «ابن يونس» ، وركزنا- تحديدا- على مؤرخى الأندلس؛ كى نبرز أثر مؤرخنا فى مدرسة التأريخ الأندلسى فى القرن الرابع الهجرى، من حيث المادة التاريخية المتصلة ب «التراجم» ، خاصة تراجم «الأندلسيين» . ***

стр. 1060

رابعا، وأخيرا- منهجى فى تجميع بقايا كتابى «ابن يونس» عرفنا فى عرضنا للنقاط الثلاث السابقة- من هذا المدخل المطوّل المهم- الكثير من المعلومات النظرية عن هذين الكتابين المفقودين. وأعتقد أنه قد آن الأوان للاستفادة من كافة ما مضى، وتوظيفه بدقة وحذر فى إعادة بناء هيكل هذين الكتابين، عن طريق تجميع ما تيسر لى من بقاياهما؛ حتى تتم دراسة هذه البقايا، واستخلاص منهج مؤرخنا على ضوئها فيما بعد. ولا شك أن عمليات التجميع تلك جوبهت بعراقيل كثيرة، وعقبات متوالية، وصعوبات جمّة. وكان لابد- حتى نصل إلى غايتنا المرجوة- أن نضع لكل مشكلة حلا، وأن نذلل الصعوبات، ونتخطى العقبات، واحدة تلو الأخرى، وفق منهج محكم، يصل بنا- فى النهاية- إلى إعادة تشكيل الكتابين الضائعين، على نحو أقرب ما يكون من الصورة التى خلّفها عليها مؤرخنا «عليه رحمة الله» . والآن، نعرض هذه الصّعوبات، ومنهجنا فى مواجهتها على الوجه الآتى: الصعوبة الأولى: غزارة وضخامة عدد التراجم المتبقية من كتابى مؤرخنا «خاصة تاريخ المصريين» ، وتوزعها، وتناثر وتمزق أشلائها- وأحيانا أشلاء الترجمة الواحدة- فى بطون المصادر المخطوطة والمطبوعة، وندرة وسطحية المعلومات الواردة داخل كثير من التراجم المتبقية. كيفية مواجهتها: أمكن مواجهة هذه الصعوبة، وتخطى تلك العقبة باتباع الخطوات الآتية: أ- إجراء مسح شامل ودقيق، لأكبر قدر من المصادر المخطوطة، والمطبوعة «١» ،

стр. 1061

التى يغلب على الظن أنها حوت مقتبسات، ونقل مؤلفوها ما تيسر لهم، مما احتاجوا إليه من «تاريخ المصريين» ، و «تاريخ الغرباء» «١» لابن يونس. ولا شك أن هذا العمل استغرق وقتا طويلا، وتطلب جهدا متواصلا، وصبرا دءوبا، ويقظة شديدة فى تتبع النصوص والتراجم؛ للتوقف عند كل إشارة، تتعلق بمؤرخنا «ابن يونس» .

стр. 1062

شملت هذه المصادر نوعيات عديدة من الكتب «كتب التاريخ المحلى، والتاريخ العام، وكتب التراجم والطبقات بكافة أنواعها «لمفسرين، ومحدّثين، وفقهاء، ونحاة ولغويين، وأعيان، وأدباء» ، وكتب الخطط والجغرافية، وتراجم الرجال، والأنساب، وضبط الأعلام، وكتب اللغة، والتفسير، وشروح الحديث» . وقد ساعد هذا الحشد الهائل من المصادر على تجميع قدر كبير من كتابى ابن يونس، يتوافق مع ما وصفه الواصفون من أن «تاريخ المصريين كبير، وتاريخ الغرباء صغير» ؛ إذ بلغ ما تم تجميعه من أولهما «١٤٦١ ترجمة» ، وثانيهما «٧٠٣ ترجمة» . هذه التراجم الكثيرة ستعطينا فرصة نادرة لدراسة منهج مؤرخنا بشكل علمى ومنطقى؛ لأنه كلما ازداد حجم الكتاب، كان رصد ملامحه المنهجية أقرب إلى الصحة، وأبعد عن التهويل والمبالغة؛ لتواتر أسلوبه فى العرض، وتكرار طريقته فى الصياغة، مع تبيّن شخصية المؤلف، واتضاح رؤاه. ورغم كل ما تم تجميعه- وهو غزير غزير- إلا أننى لا أستطيع أن أزعم- ولو مجرد الزعم- أننى جمعت هذين الكتابين المفقودين، بل لا أتجاسر على القول بأننى جمعت معظم الكتابين، وإنما ما تم هو تجميع ما تيسر من بقايا- لا كل بقايا- هذين التاريخين. لا أقول ذلك على سبيل التواضع- على أنه خلق محمود غير مذموم- بل على سبيل تقرير الحقيقة والواقع؛ وذلك لعدة أسباب، منها: ١- أن الإحاطة بكافة نصوص وتراجم هذين المؤلّفين أمر غير ممكن؛ لأنه ليس فى مقدور بشر من جهة، ولأن الباحث قد يكون فاته بعض المصادر- خاصة المخطوطة- التى تحوى مادة لابن يونس من جهة أخرى. ٢- أن هذا العمل التجميعى ممتد ومتواصل، ومرتبط بظهور مخطوطات جديدة فى المستقبل، بها مزيد من مادة هذين الكتابين. ٣- أن هناك نصوصا كثيرة موجودة بين أيدينا الآن، لكن أصحابها لم يصرحوا بنسبتها إلى مصادرها، ويغلب على الظن أنها لمؤرخنا «ابن يونس» ؛ لوجود قرائن موضوعية، وأسلوبية تشير إلى ذلك، لكن عدم وجود نظائر لها فى مصادر أخرى، تصرح بنسبتها إلى مؤرخنا، جعلنا نتردد فى نسبتها إليه، واعتبارها له. فلننتظر- إذا- ظهور مخطوطات جديدة، تؤكد هذا الظن وترجحه، أو تنفيه وتصرفه. ب- الدقة والصبر فى تجميع أجزاء الترجمة الواحدة، واضعين كل جزئية بجوار

стр. 1063

الأخرى، مرتبين إياها وفق المنهج العام لمؤرخنا؛ حتى تستقيم على أفضل صورة ممكنة. ج- عند وجود تراجم بها مادة سطحية، وندرة فى المعلومات، فإننا نطرق كل السبل، التى من شأنها الحصول على ما يكملها ويتمها من المصادر الأخرى التى تنسب ذلك إلى مؤرخنا. فإن لم ننجح فى ذلك، فنحن أمام أحد أمرين: إما أن الندرة- أساسا- من مؤرخنا «ابن يونس» ، فنبقى عليها كما هى، ونذكر فى الهامش أنه لا تفاصيل فى المصادر الأخرى تتمها، أو نجد مزيدا من المعلومات بها غير منسوبة إلى مؤرخنا، فنثبتها فى الحاشية؛ جبرا للنقص، وتعويضا عن القصور اللاحق بالترجمة المذكورة فى المتن. الصعوبة الثانية: عدم معرفتنا بالضبط- وللوهلة الأولى- مفهوم «المصريين» ، و «الغرباء» فى عرف مؤرخنا «ابن يونس» ، وعلى أى أساس سنقوم بوضع بعض التراجم فى بقايا كتاب «تاريخ المصريين» ، وعلى أى أساس آخر نضع التراجم الأخرى فى بقايا «تاريخ الغرباء» . كيفية مواجهتها: لا ريب أن عدم عثورنا على مقدمة كتابى ابن يونس- إذا كانت لهما مقدمة فى الأصل- التى يشرح فيها مؤرخنا هذه المفاهيم، عقّد هذه المشكلة، وجعلها من الصعوبة بمكان، ولو وجد هذا التوضيح لأراحنا من هذا العناء. ويضاف- إلى ذلك- أن بعض المصادر كانت تكتفى بذكر ابن يونس عند الاقتباس منه، دون أن تذكر اسم الكتاب الذي اقتبست منه، وقد تذكر له أسماء متعددة مختلطة متداخلة، أو مختصرة موهمة- على نحو ما رأينا ذلك من قبل «١» - مما يجعلنا فى حاجة ماسّة إلى بذل الجهد الأكبر للتمييز بين المصريين والغرباء، وذلك كما يلى: أ- تتبع تراجم الكتابين بعد تجميعها مع الاستعانة بالمصادر الدقيقة، التى تنسب النص إلى مصدره المنقول عنه؛ حتى نضع مفهوم «المصريين» ، و «الغرباء» على ضوء مجموع التراجم ككل «٢» .

стр. 1064

ب- إذا لم نجد من القرائن والأدلة ما يقطع بمكان الترجمة بالضبط «فى المصريين» ، أو «فى الغرباء» ، فإننا نضطر إلى تغليب الظن «١» ، حتى يظهر من النصوص- مستقبلا- ما يؤكد ذلك، أو يعدّله. ج- قد تتكافأ الأدلة، وذلك نادرا ما يحدث هنا، فأثبت الترجمة الواحدة فى كلا الكتابين؛ لعدم القدرة على الترجيح، إلى حين الفصل فى الأمر فيما بعد «٢» . الصعوبة الثالثة: على أى أساس تنظيمى رتّب ابن يونس كتابيه؟ لقد طرح هذا التساؤل- من قبل- أحد الباحثين، وتساءل: أهو على الحروف؟ أم السنين؟ أم الطبقات؟ ثم أجاب عنه قائلا: يبدو من أحد النقول أنه اتبع طريقة الترتيب على المدن؛ مما جعله يكرر بعض التراجم، كأن يذكر صاحب الترجمة فى «البغداديين» ، ثم يذكره فى «الكوفيين» . ثم أحس الباحث أن هذا القول لا ينسحب على الكتابين كليهما، فاستدرك قائلا: ولا شك أن هذا يتعلق- فقط- بكتاب «الغرباء» «٣» .

стр. 1065

كيفية مواجهتها: نبدأ ذلك بالرد على المقولة السابقة فى نقاط محددة هى: أ- استند الباحث- فيما بدا له- إلى أحد النقول عن مؤرخنا «ابن يونس» ، ولم يذكر لنا ذلك النص، وإن كنا نرجح أنه مأخوذ من «تاريخ بغداد» ، باعتباره محل بحثه ودراسته. ولا شك أنه استناد منقوص، وتعميم غير دقيق؛ لأنه حتى يرجح ما رجح لا يكفى الاتكاء على نص واحد من كتاب واحد، وإنما نحتاج إلى مئات التراجم، وعشرات المصادر؛ حتى نستقرئ منهج مؤرخنا فى الترتيب والتنظيم على أساس دقيق صحيح، وهو ما حاولت صنيعه فى مواجهة هذه الصعوبة، التى وقفنا أمامها حائرين متسائلين: كيف نسوق كل هذا الجمّ الغفير من التراجم؟! ب- ليس بصحيح أن ابن يونس رتب «الغرباء» على «المدن» ، ولم يحدث خلال السبعمائة وثلاث تراجم «٧٠٣» ، التى جمعتها أن وجدت هذا الأساس، أو شيئا من ذاك التكرار على الإطلاق. ج- أنه علاوة على خطأ استنتاج الباحث؛ فإن ما وصل إليه- كما قال هو- يتصل بالغرباء، فعلى أى أساس كان ترتيب «تاريخ المصريين» ؟! إزاء ما تقدم، حاولت أن أستكشف الأمر وأستوضحه من خلال استقراء المصادر المختلفة الناقلة عن مؤرخنا، فخرجت بالقواعد الآتية: أ- أن مؤرخنا- بعامة- رتب تراجمه ترتيبا هجائيا «١» ، لكننا لم نقف على تفاصيله، فاجتهدت فى مراعاته فيما جمعت من مادة مراعاة دقيقة؛ حتى يسهل على القارئ مراجعة ما يريد من تراجم. وتصرفت بمنهج خاص بى؛ لعدم وقوفى على موقف ابن يونس، إزاء ما ورد من أسماء مترجمين منسوبين، وغير منسوبين، أيهما نقدّم ومن نؤخر، فاخترت تقديم غير المنسوب «٢» . وبناء على ذلك، فقد جعلت للمترجمين أبوابا

стр. 1066

عامة على حروف الهجاء «الألف، وما بعدها حتى الواو، ثم لام ألف، ثم الياء» ، وجعلت أبوابا خاصة فرعية داخل كل باب، بناء على ما رأيت من نصوص، تقول: «باب خمير» «١» ، و «باب عبد الرحمن» «٢» مثلا وهكذا، وإن كنت ميزته عن الباب الرئيسى، فقلت: «ذكر من اسمه كذا» . ب- وجدت نصا يشير إلى أن «تاريخ المصريين» بدأ فى أوائله بترجمة «أحمد بن خازم المعافرى» ، فتيقنت أن مؤرخنا بدأه ب «ذكر من اسمه أحمد» «٣» ، على سبيل التيمّن والتبرك، ثم ثنّى ببقية الأبواب مراعيا الترتيب. أما فى «الغرباء» ، فلم أجد نصا كهذا، فراعيت الترتيب الهجائى طبقا لذلك من بدايته «٤» . ج- لم أراع عند الترتيب ألفاظ «ابن، وأب، وال» «٥» ، اللهم إلا إذا كانت لفظة «أب» جزءا من اسم المترجم له، مثل: «أبى بكر بن عبد العزيز بن مروان» ، فكنت أعتبرها، ولا أسقطها عند الترتيب «٦» . د- هناك أسماء أعلام متفقة فى الرسم، مختلفة فى الضبط، فكنت أقدم من ضبط أوله بالفتح، على الضم مثلا «قدّمت اسم بحر على بحر» «٧» . هـ- عند وجود أعلام، فى وسط أسمائهم همزة أصلية نبقى عليها، ونراعى ذلك عند الترتيب، مثل: «رئاب» «٨» ، أما إذا كانت زائدة، فإننا نراعى الأصل عند الترتيب «مثل: السائب» «٩» .

стр. 1067

وهناك أعلام غير منسوبين، أسماؤهم كأنها الألقاب، أقوم عند تواليهم بمراعاة الترتيب الهجائى بينهم «١» ، وتقديمهم على الأعلام المنسوبين «٢» . ز- فى «تاريخ المصريين» : بعد انتهاء أبواب المترجمين من «الرجال» ، ذكرت باب «الكنى» «٣» ، ثم باب «النساء» «٤» . أما فى «الغرباء» ، فلم تكن هناك تراجم للنساء «٥» . الصعوبة الرابعة والأخيرة: كيف نظّم، ورتب ابن يونس عناصر تراجمه من الداخل؟ وهذه مشكلة تدخل بنا فى عمق وصلب مادة الكتابين. ومما يصعّبها أن المصادر المقتبسة تأخذ ما يناسب غرضها، ولا تنقل الترجمة كلها إلا نادرا «٦» ، وقد لا يلتزم أصحابها بحروف وألفاظ مؤرخنا، فقد ينقلون بالمعنى مع ما قد يترتب عليه من عدم الدقة فى نقل المادة التاريخية «٧» . ومن العقبات المرتبطة بذلك- أيضا- أن بعض الناقلين لا يحدد بداية ولا نهاية اقتباسه، فلا نستطيع تحديد نص ابن يونس من غيره داخل الترجمة «٨» . وأخيرا، فقد يستخدم أكثر من مصدر فى صياغة الترجمة الواحدة، ولا يحدد مصدر كل جزئية على حدة «٩» ، بالإضافة إلى عدم التزام المصادر الناقلة ترتيب عناصر الترجمة بدقة. كيفية مواجهتها: أ- الاستعانة بالمصادر التى ينقل أصحابها التراجم عن ابن يونس بدقة، سواء فى

стр. 1068

ترتيب عناصر الترجمة، أم فى تحديد بدايتها ونهايتها، أم فى الحفاظ على نقلها بألفاظها. ب- من خلال الاستقراء والمتابعة تبيّن لنا أن مؤرخنا حريص على عرض نسب المترجم له فى «تاريخ المصريين» كاملا، ولا يلتزم بذلك فى «الغرباء» إلا قليلا، ثم يذكر كنيته، وبعض أساتيذه وتلاميذه «أو أيهما» ، ويرصد موقفه من الرواية الحديثية، وقد يذكر رأيه فيه، ثم تاريخ وفاته، وبعده يصفه بوصف خلقىّ يعرفه عنه. وفى «الغرباء» يذكر- غالبا- الإقليم الذي ورد منه إلى مصر فى بدايات ترجمته. ح- عند غياب بعض هذه العناصر أحاول استكمالها باعتبارها منهجا عاما، يتبعه ابن يونس فى تراجمه، وأحاول جعله موافقا لما هو معروف عنه فى منهجه. د- الاجتهاد فى تمييز نص ابن يونس عما سواه من نصوص داخل المصادر الناقلة، مستعينين بما تكوّن لدينا من حصيلة وخبرة بأسلوبه وطريقته فى العرض، ولغته التى يستخدمها، ويصوغ بها ألفاظه.

стр. 1069

دراسة كتابى ابن يونس تقديم: بعد انتهائنا من عرض عناصر «المدخل» السابقة، أصبحنا على بيّنة من طبيعة كتابى مؤرخنا، وحان الوقت لدراسة هذين الكتابين معا «مع المقارنة كلما تهيأت الظروف» . وأرى أن دراستهما تستلزم تناول العناصر التالية: أولا- محتوى الكتابين. ثانيا- موارد كلّ. ثالثا- مناقشة بعض المعلومات التاريخية الواردة فى عدد من التراجم. رابعا- منهج مؤرخنا فى الكتابين. خامسا، وأخيرا- خاتمة. أولا- المحتوى المتصوّر أن أى كتاب يحوى مقدمة، وموضوعا، وخاتمة. فما موقف ابن يونس فى كتابيه من ذلك؟ ١-ماذا عن المقدمة ؟ أ- بخصوص «تاريخ المصريين» ، أتوقع أن يكون ابن يونس أوضح فيها موضوع كتابه، ومنهجه فى ترتيبه. وقد فقدت المقدمة مع أصل الكتاب، ولم أجد منها سوى نص وحيد، أورده لنا ابن حجر «١» ، قال فيه: وقال ابن يونس فى «مقدمة تاريخ مصر» : «وأهل النقل ينكرون أن يكون ابن شماسة سمع من أبى ذر» . وبالنظر إلى هذا النص المبتور من سياقه، لا يستطيع المرء أن يدرك صلته بما يجب أن تكون عليه مقدمة هذا الكتاب. ومن هنا، فإنى يغلب على ظنى أن ابن يونس تناول فى المقدمة الآثار المروية،

стр. 1070

التى تتناول مكانة مصر قديما، وخيراتها وثرواتها، ومظاهر نمائها من زروع وثمار وأنهار، وقناطر، وسدود، وخلج، وغير ذلك من مشاريع دالّة على تقدم أهلها وتحضرهم، ونهضتهم «١» ، فيكون ذلك مدخلا للترجمة لعلمائها فى عصر «الإسلام» ، وفى ظل حكم «المسلمين» ، وربما أتى- خلال ذلك- بأثر من الآثار، التى يرويها ابن شماسة عن أبى ذر، فلم يفت ابن يونس نقل تعليق نقدة الآثار والرجال، بأن ابن شماسة لم يلق أبا ذر، وإنما روى عن أبى بصرة الصحابى، الذي وردت عنه مثل هذه الآثار، الذي قد رواها بدوره عن صحابى آخر هو «أبو ذر» «٢» . ب- أما «تاريخ الغرباء» ، فإننى أتوقع- أيضا- أن يكون مؤرخنا قد وضع له مقدمة، تشرح مقصوده من تأليفه، وتوضح منهجه فى عرض تراجمه، وتبرز مكانة مصر العلمية، حتى غدت كعبة القصّاد وموئل طلاب العلم من مختلف الأقطار. وللأسف الشديد لم أقف على أى نص، يمت بصلة إلى هذه المقدمة. ٢- الفترة الزمنية الممتدة عبر تراجم الكتابين: أ- بالنسبة ل «تاريخ المصريين» ، فقد ورد نص مهم للسمعانى «٣» ، قال فيه: الأئمة والعلماء من مصر أشهر وأكثر من أن يحصيهم العادّ. وقد صنّف أبو سعيد بن يونس بن عبد الأعلى تاريخ «المصريين» ، وذكر رجالها من الصحابة إلى زمانه. ومعنى ذلك: أن الكتاب يترجم لعلماء مصر على امتداد قرابة «ثلاثة قرون، ونصف» ، من سنة «٢٠ هـ- ٣٤٧ هـ» . وأعتقد أن كلام السمعانى النظرى صحيح؛ لموافقته الواقع التطبيقى من خلال ما تم تجميعه من هذا الكتاب، ففيه ترجمة «عمرو بن العاص» «٤» فاتح مصر، وفيه ترجمة آخر المترجمين وفاة «أحمد بن إبراهيم بن محمد بن جامع المصرى» «٥» .

стр. 1071

ب- أما «تاريخ الغرباء» ، ففترته الزمنية أقصر من «سابقه» ؛ لأنه يخلو من تراجم «الصحابة» ، حيث إنه يتعامل مع الأجيال التالية. وفى ضوء ما تم تجميعه من تراجم هذا الكتاب، فإن أقدم شخصية، وردت ترجمتها به هى شخصية «محمد بن أبى بكر» «١» ، وبعده «شرحبيل بن أسميفع الكلاعىّ» المتوفى سنة ٦٧ هـ «٢» ، وآخر الشخصيات وفاة به، حدّد تاريخها بسنة (٣٤٥ هـ) «٣» . ٣- عدد تراجم الكتابين، وأبوابهما: أ- «تاريخ المصريين» : بلغ عدد تراجمه التى تم تجميعها «١٤٦١ ترجمة» «٤» ، منها: «١٤١٨ ترجمة» خاصة ب «الأسماء» «٥» ، موزعة على «٢٩ بابا رئيسيا» بعدد الحروف الهجائية «باب الهمزة، فالباء، فالتاء، حتى اللام ألف، ثم الياء» ، وهذه الأبواب الرئيسية مقسمة إلى «٤٢٢ بابا فرعيا» ، وهى الأبواب المندرجة تحت كل باب رئيسى، ومرتبة على حروف الهجاء «فباب الهمزة يدخل تحته من اسمه أحمد، وإبراهيم، وإسماعيل، وهكذا» . ويلاحظ أن الأبواب الرئيسية تتفاوت طولا وقصرا، فبينما يبلغ حرف «الهمزة» واحدا وأربعين (٤١) بابا فرعيا، بها ١٦٢ «ترجمة» «٦» ، يرتفع باب العين- أكبر أبواب الكتاب- فيضم ٧٧ «بابا فرعيا» ، بها «٣٨٠ ترجمة» «٧» . وفى الوقت نفسه يهبط باب «الظاء» «٨» ، و «اللام ألف» «٩» ، فيشتمل كل منهما على ترجمة وحيدة.

стр. 1072

ثم يأتى- بعد ذلك- باب «الكنى» ، وبه (١٧ بابا) ، تضم (٣٤ ترجمة) «١» . وأخيرا، يأتى باب «النساء» - كباب جديد، لم يسبق إليه لدى ابن عبد الحكم، ولا ابن الربيع الجيزى- وبه (٧ أبواب) ، تضم (٩ تراجم) «٢» . وبذا يكون مجموع تراجم هذين البابين الكبيرين الأخيرين يساوى (٤٣ ترجمة) . ب- «تاريخ الغرباء» : تم تجميع (٧٠٣ ترجمة) من بقايا هذا الكتاب «٣» ، منها: (٦٩٨ ترجمة) خاصة بالأسماء «٤» ، موزعة على (٢٧ بابا رئيسيا) . وهذه الأبواب الرئيسية مقسمة إلى (٢٢١ بابا فرعيا) . وبعد ذلك يأتى باب «الكنى» ، وبه (٤ أبواب) ، بها التراجم الخمس الباقية «٥» . وتجدر الإشارة إلى أن الأبواب الرئيسية هنا- أيضا- تختلف من حيث عدد الأبواب الفرعية، وعدد المترجمين الداخلين تحتها. فمثلا: باب «الهمزة» به (١٦ بابا فرعيا) ، بلغت تراجمها (١٠٧ ترجمة) «٦» ، فى حين بلغت أبواب «حرف العين» - وهو أكبر الحروف من حيث عدد أبوابه- ٤٦ «بابا فرعيا» ، وضمت (١٧٤ ترجمة) «٧» . أما «حرف الميم» ، فرغم أن عدد أبوابه الفرعية واحد وعشرون (٢١) بابا فقط، إلا أن تراجمه هى الأكبر عددا مما سواه (١٧٩ ترجمة) «٨» ؛ لكثرة من اسمه «محمد» به «٩» . ٤- نوعيات المترجمين فى الكتابين «١٠» : أ- لا ريب أن الغالبية العظمى فى «تاريخ المصريين» من أصول عربية، أو ممن دخلوا فى ولاء القبائل العربية المختلفة ، إلا أن هناك أفرادا قليلين جدا، يرجعون إلى أصول

стр. 1073

غير عربية «١» . ويأتى على رأس المترجمين هنا الصحابة «رضوان الله عليهم» ، سواء الذين صرحت التراجم بصحبتهم، ووفادتهم على رسول الله ﷺ ، أم أولئك الذين كانوا على عصره، وأدركوا زمانه، لكنهم لم يروه، ولم يلتقوا به «ويعرفون بأن لهم إدراكا» ، ومنهم من يسلم فى حياة الرسول ﷺ ، أو يسلم بعد وفاته ﷺ ، ويأتى إلى مصر مشاركا فى فتوحها. ب- ويمكن تقسيم نوعيات هؤلاء المترجمين- سوى الصحابة- على النحو التالى: (١) من حيث معارفهم وثقافاتهم: يأتى على رأس هؤلاء «المحدّثون» ، فهم أغلبية على مستوى الكتاب ككل، ولعل ذلك يرجع إلى غلبة الثقافة الحديثية على مؤرخنا «ابن يونس» ، وشيوع رواية الحديث بين معظم طلاب العلم، باعتباره علما يشترك فيه المحدث، والفقيه، والمؤرخ، واللغوى، والنحوى، والأديب، وغيرهم. وترجم ابن يونس- فى كتاب المصريين أيضا- لعدد من أرباب العلوم الأخرى، مثل: الفقهاء «وعبّر عن ذلك أحيانا ب «الفقيه المفتى» ، و «مفرض أهل مصر» ، والقراء، والمفسرين، والنحاة، والأدباء والشعراء، والمؤدّبين، والخطباء، ومفسّرى الرؤى، والمؤرخين. ويلاحظ أن تراجم هؤلاء متفاوتة كثرة وقلة، فمثلا: عدد المفسرين، والنحاة، والأدباء، ومفسرى الرؤى، والزهاد والعبّاد قليل. أما المؤرخون، فلم يعتن ابن يونس بالترجمة لهم إلا نادرا، وعبّر عن أحدهم بأنه «عالم بأخبار مصر» ، والآخر قال عنه: «عالم فى الأخبار» ، وثالث قال عنه: «أخبارى» . فلعل اهتمامه الأساسى بتراجم المحدّثين، وقلة عدد المؤرخين البارزين فى مصر، وعدم استقلالية التاريخ عن الحديث فى عهد المترجمين «٢» ، أسهم فى قلة تراجم هؤلاء؛ إذ ترجم لهم من خلال المحدّثين، والفقهاء. وفى «تاريخ الغرباء» : لم يختلف الأمر عما عليه فى «المصريين» ، فلا جديد فى

стр. 1074

نوعيات المترجمين من حيث معارفهم وعلومهم «١» ، وإنما خلت التراجم المتبقية من «مفسرى الرؤى، والخطباء» . ولم يتغير الموقف فى تراجم المؤرخين، وإن ذكر عن أحدهم أنه صاحب «أخبار، وملاحم» . (٢) من حيث وظائفهم ومناصبهم: ترجم ابن يونس فى «المصريين» لمختلف الطبقات الوظيفية، وللعديد من ذوى المناصب فى مصر، فترجم لعدد من ولاة «مصر» ، ولبعض أمرائها بالنيابة، ولبعض الأمراء المحليين، كأمير أحد الثغور، وأمير برقة، وزويلة، ووالى الإسكندرية، ووالى الرابطة. وترجم لبعض القواد، وولاة البحر فى مصر والشام، والطبقة العليا من جند مصر، وأمير بعث الطالعة، وأمير غزو المغرب، وعارض الجند. وترجم لصاحب الحرس، ولصاحب السوق، ولحاجب الوالى، ولذوى بعض الوظائف الشّرطية، مثل: صاحب «الشّرط» ، و «مختار العسكر، ومختار الجيزة» . وترجم- فيما يبدو- للشخص المنوط به تنفيذ الحدود، وهو «السيّاف» . وعلى مستوى القبائل، والتجمعات الصغيرة ترجم ل «عريف القبيلة، وعريف موالى قريش، وعريف حىّ الحمراء» . واهتم بوظائف تتعلق بالعلم والثقافة، والمساجد، فعرّف ببعض المؤذنين، وب عريف «رئيس» المؤذنين، وبأحد أئمة المسجد الجامع، وبأحد القصاص، وبصاحب القصص، وبورّاق ينسخ المصاحف، وب «معلّم كتّاب» . واهتم بالوظائف المالية، مثل: الترجمة ل «صاحب الخراج» ، وكاتبه، وصاحب الضيافة، وعامل الصدقات. وأولى مؤرخنا «ابن يونس» القضاء والديوان اهتماما خاصا، فترجم لبعض القضاة المهمين فى العاصمة، ولبعض القضاة المحليين فى الأقاليم «مثل: قاضى الإسكندرية، وقاضى إخميم» ، وتناول صاحب «مسائل القاضى» ، وبعض كتّاب القضاة، وبعض الشهود، والكتّاب فى ديوان الجند. وترجم- كذلك- لصاحب «المظالم» . واهتم مؤرخنا أيضا بتراجم عدد من العلماء، الذين كانوا يعملون بحرف بسيطة «٢» ،

стр. 1075

يقتاتون منها؛ ربما لعدم وجود رواتب ثابتة لهم، تغنيهم عن امتهان هذه الأعمال، وتفرغهم لتحصيل العلم. ومن هذه الأعمال ما يلى: «نفّاط فى البحر، ودبّاغ، وبزّاز، وفرّاء، وصبّاغ الخيل، ومختار الخيل، والعسّال، واللوّاز، والخيّاش، والقلّاء، والضرّاب، والحذّاء، والطحّان، والتمّار، والتاجر، والصوّاف، وأخيرا بواب الإسكندرية «وهذه مرتبطة بأحداث الفتح، وهى مهنة أحد الروم الذين ساعدوا فى فتح الإسكندرية» . وفى «تاريخ الغرباء» : اهتم بمناصب جديدة، فبالإضافة للترجمة لبعض ولاة مصر الوافدين عليها من خارجها؛ ترجم لبعض ولاة «إفريقية، والأندلس» . وترجم لأحد الخلفاء «مروان بن الحكم» ، ولولى عهد عبد الملك «عمرو بن سعيد بن العاص» . وفى مجال القضاء اهتم بقضاة الأندلس، وببعض الغرباء الذين ولّوا بمصر قضاء بعض الأقاليم، مثل: قضاء تنيس، وبعض قضاة الأندلس. وأشار إلى «ولاية أحدهم قضاء الرملة من قبل» ، وترجم لمن ولى القضاء بمصر بالإنابة، وذكر بعض الشهود، وترجم لحاجب القاضى. وأضاف- فى هذا الكتاب- الاهتمام بترجمة صاحب «الخراج» ، ووالى ديوان «الأحباس» ، وأحد الوزراء، وصاحب «شرطة الفسطاط» ، ووالى الحسبة، ووالى العشور، وصاحب المكس، وصاحب المقياس، وصاحب الصلاة بالأندلس، وبعض من ولى بحر إفريقية، ومن ولى غزو البحر بمصر، وبعض المؤدّبين بجامع الفسطاط وغيره، وعرّف بأحد الجند المتميزين «سمّاه الجند المقدّم» . وكذلك ترجم لأحد الأطباء، والوعاظ. وإلى جانب ما تقدم من جديد، ترجم لبعض ذوى المناصب التقليدية المعروفة، ممن اهتم بهم- أيضا- فى «المصريين» ، مثل: إمام الجامع، والقصاص. ومن الحرف البسيطة التى زاولها بعض الغرباء، الذين وفدوا إلى مصر: «دلّال يبيع البزّ، وورّاق، وصائغ، وعطّار، وتاجر، ووشّاء، وجبّاب، ونخّاس، وسكّرى، ومن يقوم بعمل المراوح، والقبّيطة، وبائع الكندر» . (٣) من حيث البلدان والأقاليم التى يقيم بها، أو يرحل إليها، أو ينسب إليها المترجمون «١» : أ- لا ريب أن المترجمين فى «تاريخ المصريين» أقام كثير منهم فى حاضرة مصر

стр. 1076

«الفسطاط» ، لكن بعضهم أقام فى أقاليم وبلدان أخرى فى مصر على سبيل الاستقرار، أو الزيارة والارتحال، أو توجه إليها فبلغته بها الوفاة بعد مقام طويل أو قصير. ويدل اهتمام ابن يونس بعلماء المناطق النائية- «خاصة الصعيد، وأسوان» - على رحابة أفق مؤرخنا، واتساع وشمولية نظرته، وإحاطته ومعرفته بكافة علماء مصر حتى فى القرى والأرياف النائية، ولعله كان يعرف أخبارهم بالرحلة الداخلية إليهم، أو بمكاتبتهم ومراسلتهم. أقول: من هذه البلدان: الجيزة، وطهرمس «من قرى الجيزة» ، والعسكر، والحمراء بالفسطاط، والفيوم، والبرلس، وسخا، وتنيس، ورشيد، والإسكندرية، ودميرة، وقرية الحرس، والأشمونين، وبركوت، وشبشير، والبهنسا، وطحا، وإخميم، ودلاص «بالصعيد» ، وقفط، وقمّن، وبويط، والبلينا بالصعيد، وأسوان. ب- وفى «تاريخ الغرباء» : اعتنى مؤرخنا «ابن يونس» بذكر البلدان الإسلامية التى قدم منها المترجمون إلى مصر، وأحيانا كان يشير إلى أصولهم، إن كانوا ينتمون- فى الأصل- إلى غير هذه الأقاليم، التى وفدوا منها. ويلاحظ أن ابن يونس كان يذكر إقليم المترجم له عامة فى بعض الأحيان، كأن يقول: شامىّ، مغربى، أندلسى «وعلى الأخيرة أمثلة كثيرة» ، وكذلك «توجد أمثلة كثيرة على نسبة المترجمين إلى «إفريقية» عامة. وإلى جانب ما تقدم، فقد اهتم مؤرخنا بتحديد هذه الأقاليم فى مواطن عديدة، كالآتى: ١- فى العراق: ذكر بغداد «كثيرا» ، وبعدها البصرة، ثم بلدان «واسط، والأنبار، وسامراء، وبلد، وكلواذى» . ٢- فى الشام: دمشق «ورد منها علماء كثيرون» ، وعسقلان، والبلقاء، وأيلة، وفلسطين، وحمص، والرملة، وحرّان، وقنّسرين، والمصيّصة، والأردن، وقرقيسيا، وطرسوس، ورأس العين، وصور، والرّها، وأنطاكية. ٣- فى الأندلس: قرطبة، وإلبيرة، وتدمير، وسرقسطة، وجيّان، وبجّانة، وقبرة، ومنية عجب، ولورقة، ومالقة، وطرطوشة، وإشبيلية، ووادى الحجارة، وبيرة، وجيّان، والجزيرة الخضراء، وبطليوس، ولاردة، وماردة، وإستجة، ووشقة، وشذونة، وطليطلة، وبيّانة، وريّة، وألمرية، وتطيلة.

стр. 1077

٤- فى المشرق وبلاد ما وراء النهر: خراسان، ومرو، وفسا، ونيسابور، وأصبهان، وقزوين، وسمرقند، وسرّ «بالرّىّ» ، وقمّ، والسند، والرّى، وجنديسابور وبوشنج، وبخارى، ودولاب، وطبرستان، وطهران، وتستر، وبردعة، وبلخ، وجوزجان، والدّينور، والشاش، وفارس، وباورد. ٥- فى إفريقية، والمغرب: أطرابلس، وبرقة، وتونس، والقيروان، وقفصة، وطبنة، وسوسة، وبجاية. ٦- فى الحجاز: المدينة «وورد منها علماء كثيرون إلى مصر» ، ومكة، ووادى القرى. ٧- فى اليمن: حضرموت، واليمامة، وصنعاء. ٨- وأخيرا من بلاد الروم: أرمينية، وجزيرة إقريطش. وماذا عن أماكن إقامة «الغرباء» فى مصر؟ لا شك أن الإقامة كانت فى حاضرة «الفسطاط» غالبا، ثم بعد ذلك يتنقل هؤلاء الوافدون إلى قرى وأقاليم مصر المختلفة، ترحالا، أو استقرارا حتى الوفاة، أو لبعض الوقت. وهذه البلدان هى: «العسكر، والجيزة، والقلزم، والفيوم، وبلبيس، وتنيس، والبرلس، ودمياط، ودميرة، والإسكندرية، وإخميم، وقوص» . وأخيرا، فإننا لا ندرى ما إذا كان لكتابى مؤرخنا خاتمة أو لا؛ إذ لم نعثر على أى نص يشير إلى شىء من ذلك على الإطلاق. والمرجح لدىّ أن كلا الكتابين خلوا من الخاتمة؛ لسببين اثنين هما: الأول- أن ابن يونس- فيما نرجح- ظل يكتب كتابه حتى أواخر حياته، وأعتقد أنه كان ينوى العود إلى عدد من تراجمه بالتنقيح والتمحيص والاستكمال، لكن يد القدر كانت أسرع إليه، فغادر دنيانا، وبعض التراجم يحتاج إلى إعادة نظر. والثانى- أنه لو افترض أنه أكمل الكتاب، فإن كتب التراجم تنتهى بانتهاء ما لدى مؤلفها من مادة، تتعلق بتراجم شخصيات الباب الأخير منها، حسب المنهج المتبع فى الترتيب «آخر المصريين: النساء، وآخر الغرباء: الكنى» . ***

стр. 1078

ثانيا- الموارد فى بداية الحديث عن الموارد، التى استقى منها مؤرخنا «ابن يونس» مادة، نحب التذكير بأن ما سنذكره من «موارد» ، إنما يتعلق بالنصوص التى تيسر تجميعها من بقايا كتابى مؤرخنا، فهى دراسة فى ضوء ذلك، ولا تعد الكلمة الأخيرة فى هذا الشأن؛ لأن بقية الكتابين ليست بين أيدينا. تنقسم هذه الموارد- على مستوى الكتابين معا- إلى ما يلى: أولا- موارد تقليدية: وهى الموارد المألوفة للكافّة، وفيها ينقل مؤرخنا عن كتب مدونة، أو يروى روايات شفهية، نقلت إليه سماعا. وهذا النوع من الموارد ينقسم إلى: ١- موارد صريحة: وفيها نعرف اسم المورد الذي نقل عنه مؤرخنا بصراحة ووضوح. وهى على النحو الآتى: أ- فى تاريخ المصريين: استخدم ابن يونس- فى الجزء الذي جمعته من بقاياه- ستين موردا صريحا نقل عنها (٢٢٣ رواية) موزعة على النحو الآتى: ١- سعيد بن كثير بن عفير «١» : نقل عنه مؤرخنا إحدى وخمسين رواية «٢» .

стр. 1079

٢- يحيى بن عثمان بن صالح «١» ، وعلى بن الحسن بن خلف بن قديد «٢» : ذكر ابن يونس لكل منهما خمس عشرة رواية «٣» . ٣- أحمد بن يحيى بن الوزير «٤» : أورد له مؤرخنا أربع عشرة رواية «٥» . ٤- يحيى بن عبد الله بن بكير «٦» ، وأحمد بن يونس بن عبد الأعلى «والد مؤرخنا» «٧» : ذكر لكل منهما إحدى عشرة رواية «٨» .

стр. 1080

٥- أحمد بن شعيب بن على النسائى «١» : نقل عنه مؤرخنا عشر روايات «٢» . ٦- الحسن بن على العدّاس «٣» : نقل عنه ابن يونس تسع روايات «٤» . ٧- هانئ بن المنذر «٥» : له فى كتاب ابن يونس سبع روايات «٦» . ٨- أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوى «٧» : روى عنه ابن يونس ست روايات «٨» . ٩- عبد الله بن لهيعة «٩» ، وعبد الله بن وهب «١٠» : ذكر ابن يونس لكل منهما

стр. 1081

خمس روايات «١» . ١٠- ربيعة الأعرج: أورد له ابن يونس أربع روايات «٢» . ١١- عمرو بن الحارث «٣» ، والليث بن سعد «٤» ، وأحمد بن على بن رازح، وحرملة ابن يحيى «٥» : لكل ثلاث روايات. ١٢- سلامة بن عمر المرادى» ، والواقدى «٧» ، ومحمد بن عاصم بن ياسين «٨» ، ومحمد بن أبى عدى «٩» ، وجبلة بن محمد بن كريز الصدفى «١٠» : «لكلّ روايتان» .

стр. 1082

١٣- القاسم بن محمد بن الحارث بن شهاب «١» ، والمسور الخولانى الشاعر «٢» ، وفتح ابن حماد المهدى «٣» ، وعبد الله بن محمد بن جعفر القزوينى القاضى «٤» ، وابن فضال «٥» ، ويعقوب بن الوليد الأيلى «٦» ، وأبو عمر «٧» ، وإبراهيم بن محمد الضحاك «٨» ، وموسى بن هارون بن كامل «٩» ، وكهمس بن معمر «١٠» ، وعبد العزيز بن ميسرة «١١» ، وأحمد بن يحيى بن أيوب «١٢» ، ولهيعة بن عيسى «١٣» ، وعبد بن سعيد «١٤» ، وعمرو بن ثور «١٥» ، وعاصم بن رازح بن رحب الخولانى «١٦» ، وأحمد بن محمد بن الحارث «١٧» ، والضحاك بن شرحبيل «١٨» ، ومحمد بن موسى «١٩» ، وأحمد بن إبراهيم بن حكم المعافرى «٢٠» ، وعمرو بن أبى الطاهر «٢١» ، وعلى بن أحمد بن سليمان «٢٢» ، وعبد الوهاب

стр. 1083

ابن سعيد بن عثمان «١» ، وعبد الحكم بن أحمد بن محمد بن سلام «٢» ، ومحمد بن إبراهيم بن علىّ «٣» ، وأبو صالح أحمد بن عبد الرحمن «٤» ، ومحمد بن زبّان بن حبيب «٥» ، والحسن بن على بن يوسف «٦» ، ومحمد بن سحنون «٧» ، وعلى بن سعيد الرازى «٨» ، وأحمد بن داود بن أبى صالح الحرانى «٩» ، وابن مفرّج «١٠» ، وشجرة بن عبد الله «١١» ، والبخارى «١٢» ، ومحمد بن أحمد بن رشدين «١٣» ، وأبو عبد الرحمن المقرئ «١٤» ، والعباس بن محمد البصرى «١٥» ، والهيثم بن عدى «١٦» . ب- فى تاريخ الغرباء: استخدم مؤرخنا «ابن يونس» - فيما تم تجميعه من بقايا هذا الكتاب- خمسة وثلاثين (٣٥) موردا صريحا، نقل عنها (٧٠ رواية) ، موزعة كما يلى:

стр. 1084

١- الخشنىّ: أخص هذا المورد- دون سواه- بشىء من التوضيح؛ لبيان مدى صلته بمؤرخنا «ابن يونس» ، على اعتبار أنه مؤرخ أندلسى، عن طريقه نلقى الضوء على العلاقة بين مؤرخى الإقليمين، وسأكتفى- هنا- ببيان الصلة بينهما فقط، أما الترجمة للخشنى، فستأتى عند دراسة كتابه: «أخبار الفقهاء والمحدّثين» فى عمل علمى آخر. أعتقد أن الحميدى «١» أقدم مؤرخ- فيما أعلم- تناول هذه العلاقة، وعنه نقل ياقوت من بعده «٢» ، فذكر أنه يرجح أن كلا المؤرخين «المصرى، والأندلسى» لم يلتقيا، وإن تعاصرا، ووقف ابن يونس على كتاب «الخشنى» ، ونقل عنه- فى «تاريخه» - وفيات جماعة من أهل الأندلس ممن مات قبل الثلاثمائة وبعدها بمدة. وأضاف قائلا: وقد أفصح أبو سعيد باسمه، ونسبه فى موضعين من «التاريخ» ، فى باب «السين» ، وفى باب «النون» . وفى غير هذين المكانين، كان ابن يونس يقول فيما يورده عنه من ذلك: ذكره الخشنى فى «كتابه» . والحق أنى قمت بتحقيق هذا الكلام؛ للتأكد من مدى صحته، فكانت لى هذه الملاحظات: أ- فيما يتعلق بوسيلة الاتصال بين ابن يونس (ت ٣٤٧ هـ) ، والخشنى (ت ٣٧١ هـ) ، فأعتقد أنها كانت المراسلة؛ إذ يغلب على الظن أن الخشنى لم يرحل إلى مصر، ولم يلتق بمؤرخنا، رغم تعاصرهما. وربما وقف ابن يونس على نسخة من كتاب الخشنى «أخبار الفقهاء والمحدّثين» استعان بها فى الترجمة لعلماء الأندلس، عن طريق طلاب العلم والعلماء الأندلسيين، الذين كانت تموج بهم مصر فى القرن الرابع الهجرى «٣» . ب- كتاب «التاريخ» المنسوب إلى ابن يونس فى نص الحميدى يقصد به «تاريخ الغرباء» ؛ لأنه المعنىّ بالترجمة لغير المصريين. ج- ليست نقول ابن يونس عن الخشنى مقتصرة على تواريخ وفيات الأندلسيين، بل

стр. 1085

الترجمة لهم، ولا داعى للتواريخ التى حددها الحميدى، والتى حصر بها من نقل ابن يونس تراجمهم، بأنهم ممن مات قبل الثلاثمائة، وبعدها بمدة؛ لأننا سنرى أن بعضهم توفى قديما (قبل ٣٠٠ هـ بكثير) ، وبعضهم توفى «بعد الثلاثمائة بفترة ليست قليلة» . وكان على الحميدى مراجعة تراجم الأندلسيين- فى «تاريخ الغرباء» - المأخوذة عن الخشنى، وتدقيق النظر فى تواريخ وفياتهم قبل أن يطلق ما أطلق من قول، وكان على «ياقوت» أن يتثبت، ويدقق قبل ترديد قول الحميدى. د- وأخيرا، بالنسبة للصيغة التى استخدمها ابن يونس فى النقل عن كتاب «الخشنى» ، فإنه- فى ضوء ما جمعته من نصوص- تبين لى أن مؤرخنا نقل عن الخشنى فى «تاريخ الغرباء» أربع عشرة رواية، منها اثنتا عشرة رواية، استخدم فيها الصيغ التالية: ١- ٥ روايات استخدم فيها صيغة: «ذكره الخشنى» «١» . ٢- ٤ روايات استخدم فيها صيغة: «ذكره الخشنى فى كتابه» «٢» . ٣- رواية فى باب «الزاى» استخدم فيها صيغة: «ذكره محمد بن حارث» «٣» . وهذا يعنى أن الحميدى- ومن بعده تابعه ياقوت- لم يكن دقيقا، عندما حدّد المواضع التى صرح فيها مؤرخنا باسم «الخشنى» بموضعين اثنين، لم يكن من بينهما باب «الزاى» ؛ مما يدل على أنها أكثر من ذلك «٤» . ٤- رواية وردت فى باب «السين» استخدم فيها صيغة: «ذكره محمد بن حارث الخشنى» «٥» . وهذا لعله هو الموضع الذي حدده الحميدى فى ذلك الباب.

стр. 1086

٥- رواية وردت بصيغة: «من كتاب ابن حارث» «١» . ويلاحظ أن هذه المواضع- فى معظمها- موجودة فى كتاب «أخبار الفقهاء والمحدّثين» للخشنى «٢» .

стр. 1087

أما الموضعان الأخيران اللذان نقلهما مؤرخنا عن «تاريخ المغاربة» «١» ، فإننا نرجح أن هذا الكتاب من تأليف الخشنى أيضا «٢» . وبذلك تكتمل المواضع الأربعة عشر، التى روى فيها مؤرخنا ابن يونس المصرى، عن المؤرخ «الخشنى الأندلسى» . ٢- على بن الحسن بن قديد: نقل عنه مؤرخنا ثمانى روايات «٣» . ٣- ابن عفير: نقل عنه ابن يونس ست روايات «٤» . ٤- أحمد بن يونس بن عبد الأعلى «والد مؤرخنا» «٥» ، ومحمد بن موسى الحضرمى «٦» ، وزياد بن يونس «٧» : لكل ثلاث روايات. ٥- على بن سعيد الرازى «٨» ، وأصبغ الأندلسى «٩» ، ومعارك النّصيرى «١٠» ، وأبو مروان الأندلسى «١١» : لكل روايتان.

стр. 1088

٦- عيسى بن محمد الأندلسى «١» ، وعبد الله بن محمد بن زريق «٢» ، ومحمد بن عبد ابن عامر «٣» ، وحرملة بن يحيى «٤» ، ويونس بن عبد الأعلى «٥» ، وحمزة بن زكريا «٦» ، ويحيى بن عثمان بن صالح «٧» ، وبكر بن أحمد الشعرانى «٨» ، والنسائى «٩» ، ومحمد بن موسى بن النعمان «١٠» ، وأحمد بن على بن رازح «١١» ، وأبو العلاء بن الحسن بن سليمان «١٢» ، والحسن بن على العداس «١٣» ، والطحاوى «١٤» ، وأبو خليفة الرعينى «١٥» ، وأسامة بن أحمد «١٦» ، ومحمد بن أحمد بن أبى الأصبغ «١٧» ، وأبو عبد الله محمد بن محمد بن إدريس الشافعى «١٨» ، وحسن بن محمد المدينى «١٩» ، وعلى بن أحمد بن سليمان «٢٠» ، وإهاب بن مازن النفوسى «٢١» ، وسعية الشّعبانى «٢٢» ، وموسى بن هارون بن

стр. 1089

كامل «١» ، والحسين بن محمد بن الضحاك «٢» ، وربيعة الأعرج «٣» . «لكل رواية واحدة» . ملاحظات عامة على الموارد الصريحة التقليدية فى تاريخى ابن يونس: (١) قواعد تحكم مؤرخنا «ابن يونس» عند استقاء مادة كتابيه: أ- سؤال المترجمين المعاصرين له عند كتابة تراجمهم: عرفنا- من قبل- أن ابن يونس كان حريصا على جمع مادة تراجمه منذ وقت مبكر من حياته «٤» ، ولسنا نغالى إذا قلنا: إنه ترجم لمن لقيهم من العلماء فى بلده مصر «سواء كانوا- أصلا- منها، أم وفدوا إليها» . وقد كان مؤرخنا يتوجه مباشرة بالسؤال إلى الشخصية، التى يترجم لها، فتكون هى مورده فى الوقت ذاته. وعلى ذلك عدة نماذج، يصرح فيها بما أخبره المترجم له عن نفسه، معبّرا عن ذلك بصيغة: «قال لى» ، وهى روايات تتصل بتاريخ الميلاد «٥» ، وتوقيت كتابة الحديث «٦» . هذا بالنسبة للمصريين. وثمة نموذجان فى «تاريخ الغرباء» يذكر فيهما المترجم له تاريخ مولده لابن يونس «٧» . ب- مطالعة المصادر والأصول: بمعنى أن ابن يونس كان لا يكتفى أحيانا- خاصة إذا رابه أمر- بما يذكره المترجم له، وإنما كان يعود إلى كتبه وأصوله، يطلعه عليها صاحب الترجمة؛ للتأكد من صحة ما يروى. وتوجد عدة أمثلة على ذلك، منها: ما ورد فى إحدى التراجم من قول مؤرخنا: سألته- أى: المترجم له- عن حديث منكر رواه، فأخرجه إلىّ، فرأيته فى أصل كتابه، كما حدّث «٨» . وقد يبحث بنفسه عن صحة الكلام المروى فى مظانه، مثل: قوله بعد ترجمة مطوّلة:

стр. 1090

«هكذا وجدته- أى: هذا الكلام- فى الدّرج والرّق، الذي حدثنى به محمد بن موسى، عن ابن أبى داود، عن كتاب عمرو بن الحارث» «١» . وكذلك قوله بعد أن ذكر حديثا، اشترك فى روايته أحد المترجمين: «لم أجد هذا الحديث فى غير كتاب ابن عفير. أخرجه لى حسين بن زيد، عن أسد بن سعيد بن كثير بن عفير» «٢» . فهو- إذا- نقّب وفتش عن هذا الحديث فى مصادر عديدة، فلم يجده إلا فى هذا الكتاب المذكور، من طريق اطمأن إليه «عن طريق ابن المؤرخ ابن عفير صاحب الكتاب» . وقد يتأكد مؤرخنا من صحة المعلومة التى يذكرها فى الترجمة، عن طريق سؤال أحد المتصلين بصاحبة الترجمة، ولا يكتفى بهذا، بل يطلع على الأصول؛ للاستيثاق من ذلك قبل إثباته فى الترجمة. وخير مثال يشهد على ذلك قوله فى ترجمة إحدى النساء: «وقال لى أبو صالح، أحمد بن عبد الرحمن بن القاسم» : إنه سمع منها مع أبيه «عبد الرحمن بن القاسم» ، وأرانى سماعه على كتاب من كتب أبيها بخط أبيه «أبى مسلم» «٣» . ومعنى هذا أن ابن يونس لم يسجل فى الترجمة سماع أبى صالح المذكور من المترجم لها، حتى أطلعه على واحد من كتب والدها- التى كانت تحدّث بها فيما يبدو- وهو بخط والد «أبى صالح» ، وقد كتب عليه، وسجل به سماع «أبى صالح» مع أبيه منها. ج- الاستيثاق من أهل العلم: وهذه قاعدة أخرى من القواعد التى وضعها ابن يونس لنفسه عند اقتباسه من موارد كتابه، فقد لا يستطيع النقل المباشر عن المترجم؛ لعدم معاصرته إياه، أو لتعذر اللقاء به، وربما لا يقف على الأصول والمصادر التى ينقل منها ما يشاء من معلومات، أو يحقق ما يرى من قضايا، فماذا يفعل إذا؟ إنه يتجه إلى العالمين بالشأن الذي يسأل عنه، ممن يوثق بقولهم، ويكونون على معرفة بالمترجم له. فمثلا: يسأل أهل بيته عن أصله «٤» ، ويسأل ابنه عن تاريخ وفاة والده «٥» ، ويسأل الحفيد
следующие страницы →