Полный текст (1 284 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
٥- رواية وردت بصيغة: «من كتاب ابن حارث» «١» . ويلاحظ أن هذه المواضع- فى معظمها- موجودة فى كتاب «أخبار الفقهاء والمحدّثين» للخشنى «٢» .
стр. 1087
أما الموضعان الأخيران اللذان نقلهما مؤرخنا عن «تاريخ المغاربة» «١» ، فإننا نرجح أن هذا الكتاب من تأليف الخشنى أيضا «٢» . وبذلك تكتمل المواضع الأربعة عشر، التى روى فيها مؤرخنا ابن يونس المصرى، عن المؤرخ «الخشنى الأندلسى» .
٢- على بن الحسن بن قديد: نقل عنه مؤرخنا ثمانى روايات «٣» .
٣- ابن عفير: نقل عنه ابن يونس ست روايات «٤» .
٤- أحمد بن يونس بن عبد الأعلى «والد مؤرخنا» «٥» ، ومحمد بن موسى الحضرمى «٦» ، وزياد بن يونس «٧» : لكل ثلاث روايات.
٥- على بن سعيد الرازى «٨» ، وأصبغ الأندلسى «٩» ، ومعارك النّصيرى «١٠» ، وأبو مروان الأندلسى «١١» : لكل روايتان.
стр. 1088
٦- عيسى بن محمد الأندلسى «١» ، وعبد الله بن محمد بن زريق «٢» ، ومحمد بن عبد ابن عامر «٣» ، وحرملة بن يحيى «٤» ، ويونس بن عبد الأعلى «٥» ، وحمزة بن زكريا «٦» ، ويحيى بن عثمان بن صالح «٧» ، وبكر بن أحمد الشعرانى «٨» ، والنسائى «٩» ، ومحمد بن موسى بن النعمان «١٠» ، وأحمد بن على بن رازح «١١» ، وأبو العلاء بن الحسن بن سليمان «١٢» ، والحسن بن على العداس «١٣» ، والطحاوى «١٤» ، وأبو خليفة الرعينى «١٥» ، وأسامة بن أحمد «١٦» ، ومحمد بن أحمد بن أبى الأصبغ «١٧» ، وأبو عبد الله محمد بن محمد بن إدريس الشافعى «١٨» ، وحسن بن محمد المدينى «١٩» ، وعلى بن أحمد بن سليمان «٢٠» ، وإهاب بن مازن النفوسى «٢١» ، وسعية الشّعبانى «٢٢» ، وموسى بن هارون بن
стр. 1089
كامل «١» ، والحسين بن محمد بن الضحاك «٢» ، وربيعة الأعرج «٣» . «لكل رواية واحدة» .
ملاحظات عامة على الموارد الصريحة التقليدية فى تاريخى ابن يونس:
(١) قواعد تحكم مؤرخنا «ابن يونس» عند استقاء مادة كتابيه:
أ- سؤال المترجمين المعاصرين له عند كتابة تراجمهم: عرفنا- من قبل- أن ابن يونس كان حريصا على جمع مادة تراجمه منذ وقت مبكر من حياته «٤» ، ولسنا نغالى إذا قلنا: إنه ترجم لمن لقيهم من العلماء فى بلده مصر «سواء كانوا- أصلا- منها، أم وفدوا إليها» . وقد كان مؤرخنا يتوجه مباشرة بالسؤال إلى الشخصية، التى يترجم لها، فتكون هى مورده فى الوقت ذاته. وعلى ذلك عدة نماذج، يصرح فيها بما أخبره المترجم له عن نفسه، معبّرا عن ذلك بصيغة: «قال لى» ، وهى روايات تتصل بتاريخ الميلاد «٥» ، وتوقيت كتابة الحديث «٦» . هذا بالنسبة للمصريين. وثمة نموذجان فى «تاريخ الغرباء» يذكر فيهما المترجم له تاريخ مولده لابن يونس «٧» .
ب- مطالعة المصادر والأصول: بمعنى أن ابن يونس كان لا يكتفى أحيانا- خاصة إذا رابه أمر- بما يذكره المترجم له، وإنما كان يعود إلى كتبه وأصوله، يطلعه عليها صاحب الترجمة؛ للتأكد من صحة ما يروى. وتوجد عدة أمثلة على ذلك، منها: ما ورد فى إحدى التراجم من قول مؤرخنا: سألته- أى: المترجم له- عن حديث منكر رواه، فأخرجه إلىّ، فرأيته فى أصل كتابه، كما حدّث «٨» .
وقد يبحث بنفسه عن صحة الكلام المروى فى مظانه، مثل: قوله بعد ترجمة مطوّلة:
стр. 1090
«هكذا وجدته- أى: هذا الكلام- فى الدّرج والرّق، الذي حدثنى به محمد بن موسى، عن ابن أبى داود، عن كتاب عمرو بن الحارث» «١» . وكذلك قوله بعد أن ذكر حديثا، اشترك فى روايته أحد المترجمين: «لم أجد هذا الحديث فى غير كتاب ابن عفير. أخرجه لى حسين بن زيد، عن أسد بن سعيد بن كثير بن عفير» «٢» . فهو- إذا- نقّب وفتش عن هذا الحديث فى مصادر عديدة، فلم يجده إلا فى هذا الكتاب المذكور، من طريق اطمأن إليه «عن طريق ابن المؤرخ ابن عفير صاحب الكتاب» .
وقد يتأكد مؤرخنا من صحة المعلومة التى يذكرها فى الترجمة، عن طريق سؤال أحد المتصلين بصاحبة الترجمة، ولا يكتفى بهذا، بل يطلع على الأصول؛ للاستيثاق من ذلك قبل إثباته فى الترجمة. وخير مثال يشهد على ذلك قوله فى ترجمة إحدى النساء: «وقال لى أبو صالح، أحمد بن عبد الرحمن بن القاسم» : إنه سمع منها مع أبيه «عبد الرحمن بن القاسم» ، وأرانى سماعه على كتاب من كتب أبيها بخط أبيه «أبى مسلم» «٣» . ومعنى هذا أن ابن يونس لم يسجل فى الترجمة سماع أبى صالح المذكور من المترجم لها، حتى أطلعه على واحد من كتب والدها- التى كانت تحدّث بها فيما يبدو- وهو بخط والد «أبى صالح» ، وقد كتب عليه، وسجل به سماع «أبى صالح» مع أبيه منها.
ج- الاستيثاق من أهل العلم: وهذه قاعدة أخرى من القواعد التى وضعها ابن يونس لنفسه عند اقتباسه من موارد كتابه، فقد لا يستطيع النقل المباشر عن المترجم؛ لعدم معاصرته إياه، أو لتعذر اللقاء به، وربما لا يقف على الأصول والمصادر التى ينقل منها ما يشاء من معلومات، أو يحقق ما يرى من قضايا، فماذا يفعل إذا؟ إنه يتجه إلى العالمين بالشأن الذي يسأل عنه، ممن يوثق بقولهم، ويكونون على معرفة بالمترجم له.
فمثلا: يسأل أهل بيته عن أصله «٤» ، ويسأل ابنه عن تاريخ وفاة والده «٥» ، ويسأل الحفيد
стр. 1091
عن تاريخ وفاة جده «١» . وأحيانا يسأل أهل العلم والخبرة بالأنساب عامة مثلا، كما ورد بشأن أحد الصحابة «رضوان الله عليهم» «٢» ، أو يسأل أهل بلد المترجم له خاصة عن أصله، ونسبه «٣» . وجدت كل هاتيك النماذج فى «تاريخ المصريين» .
وبخصوص «تاريخ الغرباء» ، فلم أقف إلا على صورتين اثنتين من استيثاق ابن يونس من المعلومات قبل إيرادها فى تراجمه، وذلك عن طريق سؤال أحد أفراد أسرة المترجم له، كأن يسأل الابن عن أصل أسرتهم «٤» ، أو عمن حدّث عنه أبوه «٥» . وقد يسأل أحد العلماء العارفين بالمترجم له «خاصة أنه من الغرباء» «٦» .
د- مواضع لا تذكر فيها الموارد: وهذه كثيرة فى كتابيه، ناهيك عن سقوط بعض الموارد من التراجم «٧» .
стр. 1092
ومن المواضع التى أرى أن مؤرخنا لم ير داعيا لإثبات موارد رواياته فيها:
١- معاصرة ابن يونس الحدث، ومشاهدته له بنفسه «١» .
٢- معاصرته للمترجم له، وسماعه منه، وكتابته عنه، فما علمه منه لا يذكر مورده، «٢» وما فاته عنه كتاريخ وفاته- مثلا- سأل عنه أهل العلم، وأثبت مورده فى ذلك «٣» .
٣- ذيوع واشتهار أخبار المترجم له «٤» .
(٢) منهج مؤرخنا عند ذكر الموارد الصريحة فى مؤلّفيه:
١- يلاحظ كثرة وتنوع ألفاظ تحمل الرواية المستخدمة فى كلا الكتابين، وكذلك تعدد أماكن ورودها كالآتى:
أ- أحيانا تأتى فى بداية الرواية، مثل: أخبرنا «٥» ، وحدثنا «٦» ، وقرأت «٧» ، ورأيت «٨» ، وقال «٩» ، وسمعت «١٠» ، وحدثنى «١١» .
стр. 1093
ب- وقد تأتى وسط الرواية، مثل: مولده- فيما قال- فى سنة كذا «١» ، وتوفى- فيما ذكره يحيى بن عثمان بن صالح- سنة كذا «٢» . وكانت وفاته- كما حدثنا على بن قديد، ثم ذكر إسنادا بعده تاريخ الوفاة «٣» .
ج- وقد تأتى بعد انتهاء الاقتباس، مثل: «حدثنا بهذا الخبر علىّ بن الحسن بن قديد، إلى آخر السند» «٤» ، وكذا قال هو فى نسبه، وولائه، وإملائه علىّ «٥» ، وفيما قال يحيى بن بكير «٦» ، وذكره هانئ بن المنذر «٧» ، وكذا كان يقول عمرو بن ثور «٨» ، وذكره سعيد بن عفير فى «أخبار المغرب» «٩» ، وذكره ابن عفير فى «أخبار الأندلس» «١٠» ، و «من كتاب ابن حارث» «١١» .
٢- الاهتمام بإيراد سند بعض الروايات «خاصة عند رواية الأحاديث» «١٢» .
٣- استخدام ابن يونس أكثر من مورد فى صياغة بعض تراجمه «١٣» ، وتكرار المورد الواحد مرتين فى الترجمة الواحدة أحيانا «١٤» ، واستخدام موردين «١٥» ، أو ثلاثة أحيانا «١٦» ،
стр. 1094
فى اقتباس النص الواحد، مع رصد الفارق بينها ما وجد «١» . وهذه الطرق المنهجية المتنوعة فى استخدام الموارد تشير إلى قدرة مؤرخنا على التنظيم والتنسيق فى عرض مادته التاريخية، وعلى الدقة البالغة فى وضع الجزئيات بجوار بعضها، وجعل المتشابهات تحت مواردها، مع إبراز الفرق بين مادتين منقولتين عن موردين مختلفين، اتفقتا فى جانب، واختلفتا فى جانب آخر.
٤- حسن تقسيم مادة بعض التراجم، ومن حيث ذكر المورد، وعدمه «٢» .
٥- وأخيرا، نحاول أن نلتمس منهج مؤرخنا فى الاقتباس «هل كان ينقل بالنص، أو يتصرف فيه؟» .
والحق أن إبراز هذا الجانب المهم المتعلق بالموارد ينحصر فى نقول مؤرخنا من كتاب «أخبار الفقهاء والمحدّثين» . وللأسف- رغم أن الكتاب طبع أخيرا- فإننا لا نستطيع أن نوفى هذا الموضع حقه؛ لأن كتابى ابن يونس مفقودان، ونحن نعتمد فى دراستهما على ما تم تجميعه من بقاياهما، وبقاياهما مرتهنة بما اقتبسته المصادر من أصليهما، والمصادر لم تنقل نصوص تراجمه كاملة غالبا، وإنما اكتفت فى معظم الحالات بنتف يسيرة، يحتاجها مؤلفوها؛ للوفاء بأغراض كتبهم «مثل: رأى ابن يونس فى محدّث ما، أو تاريخ وفاة المترجم له» . ومن هنا كانت المهمة عسيرة للغاية، ويتعذر القيام بها، ولا نجد إزاء ذلك إلا الاكتفاء بإبراز ملاحظتين، هما كل ما يمكن الخروج به من المقارنة بين ما جاء فى «تاريخ الغرباء» ، لمؤرخنا، وأصوله فى «أخبار الفقهاء والمحدّثين» للخشنى، وهما:
أ- أن ما بقى من تلك التراجم لدى ابن يونس إن هو إلا مختصر لما ورد لدى الخشنى «٣» ، وأحيانا يصل إلى درجة السطحية والتهافت «٤» «مما لا أظن لمؤرخنا دخلا به،
стр. 1095
بل هو ما اقتبسه المقتبسون منه» ، وقلما يقترب جدا من صورة الأصل المذكور لدى الخشنى «١» .
ب- يوجد اختلاف حول اسم، ونسب، وتاريخ وفاة بعض المترجمين، لعله من فعل النسّاخ، أو المحققين «٢» .
٢- موارد مجهولة:
وهى على العكس من الموارد الصريحة؛ إذ لا نقف على شخصية المورد تحديدا. ولا شك أن هذه الموارد دون السابقة أهمية ودقة؛ لأنها لا تعطينا الفرصة الحقيقية لتعرّف شخصيات أصحاب هذه الروايات، التى نقل عنها ابن يونس، ومدى صحة النقل عنها، ونوعياتها ثقافيا واجتماعيا. ولا ندرى- تحديدا- سر وجود هذه الموارد لدى رجل مدقّق «محدّث مؤرخ» كابن يونس. ولعل له هدفا دلاليا كما سنرى بعد، وربما نقل هذه الروايات عن مصادر شفهية، تداخلت مع بعضها، فنسيها الرجل، إذ لم تعرف لأصحابها كتب، يرجع إليها، ويعتمد عليها.
ويمكن عرض هذه الموارد موزعة على كتابى مؤرخنا، كما يلى:
أ- فى تاريخ المصريين:
بلغت هذه النوعية من الموارد فى ذلك الكتاب (١٤) موردا، نقل مؤرخنا خلالها (١٣٣ رواية) . يمكن توزيعها على النحو الآتى:
١- يقال: استخدمها مؤرخنا فى (٦٠) رواية «٣» .
стр. 1096
٢- قيل: استخدمها مؤرخنا فى «٢٦ رواية» «١» .
٣- مادة (ذكره) : استخدمها مؤرخنا فى «٢٥ رواية» ، وهى موزعة داخليا كالآتى:
أ- ذكروه فى كتبهم: بها صدّرت «٢٠ رواية» «٢» .
ب- ذكره فى كتبهم: «ثلاث روايات» «٣» .
ح- له ذكر فى كتبهم: «رواية واحدة» «٤» .
د- له ذكر فى أخبارهم: «رواية واحدة» «٥» .
٤- ذكر: بها صدّرت «سبع روايات» «٦» .
٥- رأيت فى بعض الكتب القديمة: بها صدّرت «أربع روايات» «٧» .
٦- بلغنى: بها صدّرت «ثلاث روايات» «٨» .
٧- صيغ أخر متعددة: «حدثنى بعض أصحابنا» «٩» ، وهكذا نسبه أهل العلم والخبرة ببلدنا «١٠» ، وحدثنى أشياخ من خولان عن آبائهم «١١» ، ولم أزل أسمع شيوخنا يقولون «١٢»
стр. 1097
ونسبوه «١» ، وقال لى من يعرف بطريق «٢» ، ونسبه أهل أسوان «٣» ، ويقول أهل بيته «٤» .
«لكل صيغة رواية واحدة» .
ب- فى تاريخ الغرباء:
بلغت هذه النوعية من الموارد فى ذلك الكتاب (٩ موارد) ، نقل مؤرخنا عن طريقها (٤٣) رواية. ويمكن توزيعها كما يلى:
١- يقال: استخدمت فى نقل (٢١ رواية) «٥» .
٢- قيل: استخدمت فى نقل (١٢ رواية) «٦» .
٣- بلغنى: استخدمت فى نقل (٤ روايات) «٧» .
٤- صيغ أخر متعددة: «ذكر «٨» ، ويحكى «٩» ، وذكروه فى كتبهم «١٠» ، وحدثنى بذلك جماعة من شيوخنا «١١» ، وقرأت فى بعض الكتب القديمة «١٢» ، ونسبوه» «١٣» .
ملاحظات عامة على «الموارد المجهولة» فى تاريخى ابن يونس:
١- فى البداية نقرر أن عدد الموارد المجهولة، والروايات المذكورة بها فى «تاريخ الغرباء» أقل من مثيلاتها فى «تاريخ المصريين» ، كما كان الحال فى «الموارد الصريحة» .
стр. 1098
ولعل ذلك يرجع- بالدرجة الأولى- إلى ضآلة حجم «تاريخ الغرباء» بالقياس إلى «تاريخ المصريين» .
٢- أشهر الصيغ المستخدمة: ذكر، وقيل، ويقال. وهى تأتى- عادة- فى بداية الرواية «١» . وأحيانا قليلة يذكرها مؤرخنا فى نهاية الترجمة، مثل: «فيما قيل «٢» ، وفيما يقال «٣» » . وكذلك وردت صيغة: «حدثنى بذلك جماعة من شيوخنا» فى آخر الترجمة «٤» .
٣- تتنوع حالات استخدام الموارد المجهولة، فتستخدم عند تعدد الروايات وعدم الترجيح «٥» ، أو الشك فى صحة المعلومة المذكورة «٦» ، وإن كانت أحيانا تستخدم فى غير محلها الصحيح «فى مواطن يرجحها ابن يونس» «٧» .
٤- كثرة استخدام الموارد المجهولة داخل الترجمة الواحدة أحيانا «مرتين «٨» ، وثلاث مرات «٩» ، وخمس مرات «١٠» » .
٥- قد يتم الجمع بين مورد صريح وآخر مجهول فى ترجمة واحدة «١١» ، وقد
стр. 1099
يستخدم ابن يونس صيغة من صيغ الموارد المجهولة، ثم يرتاب- فيما يبدو- فى صحة ما سمع، فيعدل عنها إلى «مورد صريح» «١» ، يتمثل فى الشخصية المحورية، التى وقع لها الحدث، فيسمع منها مؤرخنا تفصيلا ما سمعه من قبل من أناس غير محددين؛ حتى يتحقق من صدق ما حكى له.
ثانيا- موارد غير تقليدية:
هذه الموارد دليل على مقدرة مؤرخنا «ابن يونس» على ابتكار وسائل جديدة، يحصل- عن طريقها- على معلومات موثّقة، يسجلها فى كتابيه التاريخيين. ويمكننا تناولها على النحو الآتى:
١- فى تاريخ المصريين:
أ- مطالعة الوثائق فى الديوان «فيما يتعلق بالشهادات، والأنساب» «٢» .
ب- مشاهدة ومعاينة الخطط، والآثار «٣» .
٢- فى تاريخ الغرباء:
أ- مطالعة إحدى وثائق ديوان «الأحباس» «٤» .
стр. 1100
ب- مطالعة تاريخ وفاة أحد المترجمين مكتوبا فوق أحد شواهد القبور «١» .
ويلاحظ على الموارد غير التقليدية فى كتابى مؤرخنا ما يلى:
أ- أنها قليلة جدا بالقياس إلى استخدامه للموارد التقليدية «الصريحة، والمجهولة» .
ب- أنها فى تاريخ المصريين- شأنها شأن الموارد الأخرى- أكثر عددا، وتنوعا منها فى «تاريخ الغرباء» .
ج- أن مؤرخنا لم يحتفظ لنا بنص أية وثيقة من تلك الوثائق التى اطلع عليها، سوى «وثيقة ديوان الأحباس» الواردة فى «تاريخ الغرباء» .
***
стр. 1101
ثالثا- مناقشة بعض المعلومات التاريخية الواردة فى عدد من التراجم
أود فى بداية هذه الجزئية أن أشير إلى أمرين:
الأول- أننا لا نستطيع تناول أحداث كبرى، أو قضايا تاريخية- كما كنا نفعل فى دراسة بعض المصادر- فطبيعة تراجم بقايا كتابى ابن يونس الموجزة غالبا، تجعلنا نتجه إلى النظر فى بعض الجزئيات، التى تستوقفنا، فترجع إلى المصادر الأخرى؛ لنبحث الأمر فى ضوئها، ونرى نصيب ما ذكره مؤرخنا من الصواب، أو الخطأ التاريخى.
الثانى- أننا لو توقفنا أمام كافة الجزئيات لطال الأمر بنا جدا؛ نظرا لكثرة التراجم.
ومن هنا، اكتفينا بتناول بعضها بالدراسة، مع الوضع فى الاعتبار أنه يكمل ذلك ويتكامل معه- على مستوى الكتابين- تعليقاتنا التى نوردها فى حواشى ما تم تجميعه من بقايا الكتابين، بالإضافة إلى ما رجحنا دراسته عند النظر فى منهج «ابن يونس» ، وذلك فيما يتعلق بظاهرة تكرار بعض التراجم بمسميات متقاربة، أو ما يتصل بملاحظاتنا على توقيت بعض الأحداث.
فى تاريخ «المصريين» :
١- دراسة بعض الجزئيات الموجودة فى تراجم عدد من الصحابة:
أ- ما أثير حول صحبة «بسر بن أبى أرطاة» : اختلفت المصادر فى ذلك الأمر ما بين مثبت صحبته للرسول ﷺ ، وناف إياها عنه. ومعلوم أن ابن يونس صرّح بصحبته للرسول ﷺ ، وذكر أنه روى عنه، وشهد فتح مصر، واختط بها «١» . فما حقيقة الأمر بهذا الشأن؟
١- ذكر ابن سعد «٢» رواية للواقدى قال فيها: قبض الرسول ﷺ ، وبسر صغير. ولم يرو عنه أحد من المدنيين أنه سمع الرسول ﷺ . وقد تحول، ونزل الشام. أما الشاميون وغيرهم، فذكروا أنه أدرك الرسول ﷺ ، وروى عنه أحاديث، وصحب معاوية «فهو عثمانى» .
стр. 1102
٢- أفاض ابن عبد البر «١» فى الترجمة له، ونقلها عنه ابن الأثير «٢» . وفى هذه الترجمة ذكر صاحب «الاستيعاب» رأى القائلين بأنه لا صحبة له «ابن معين، وابن حنبل رأيهما من رأى الواقدى السابق» «٣» . وعلّل ابن معين قوله- لا تصح له صحبة- بأنه رجل سوء «إشارة إلى ما ارتكبه من فظائع وجرائم» «٤» . وذكر رأى الدارقطنى بأنه تصح صحبته، لكنه لم تكن له استقامة بعد النبي ﷺ ؛ لقتله الطفلين فى عهد معاوية «٥» . ورجح ابن عبد البر أن القتل حدث باليمن، لا بالمدينة «٦» . وجدير بالذكر أن ابن عبد البر أضاف أن أهل الشام جعلوه أحد من بعثهم عمر مددا لعمرو، ورجح صاحب الاستيعاب أن الذي كان معهم هو خارجة بن حذافة، لا بسر «٧» .
٣- أما الذهبى، فأورد نص الواقدى المشهور بأن بسرا ولد قبل موت النبي ﷺ بسنتين «٨» ، وقطع بأنه لا صحبة له، وأن هذا هو الصحيح «٩» .
٤- ذكر ابن حجر مختلف الآراء المذكورة حول صحبة بسر «١٠» ، ومسلكه فى كتابه «الإصابة» يشير إلى أنه يرجح صحبته «١١» ، وإن لم يصرح بذلك بطريق مباشرة.
стр. 1103
التعليق:
أ- من الواضح أن أهل المدينة ينفون عنه الصحبة؛ لأفاعيله النكراء بهم. أما الشاميون، فإنهم يشهدون له بالصحبة؛ إعجابا به، فهو من حزبهم.
ب- معظم الآراء الواردة فى هذا الموضوع- خاصة مؤرخى مصر: ابن عبد الحكم، وابن يونس- تثبت له الصحبة. وتستند بعض هذه الآراء إلى وجود حديثين مرويين لبسر، عن النبي ﷺ «١» ، إلى جانب اشتراكه فى أحداث فتنة علىّ ومعاوية، وشهوده وقائع الفتوح الأولى «٢» .
ج- أميل إلى صحة الرأى القائل بصحبته- وقد قال به مؤرخنا ابن يونس- وذلك لقوة أدلة هذا الرأى؛ ولأنه ليس هناك ما يمنع من إثبات الصحبة له، ثم نكوصه على عقبيه بعد ذلك- وهو رأى الدارقطنى- فقد ثبت أن بعض الأصحاب بدّلوا وغيّروا، وأنهم سيذادون عن الحوض يوم القيامة «٣» . ولا شك أن ما ارتكبه بسر يدخله فى زمرة هؤلاء، بل يضعه فى مقدمتهم.
(ب) حول صحبة «جنادة بن أبى أمية الأزدى» : قطع له مؤرخنا ابن يونس بالصحبة «٤» . أما المصادر الأخرى المترجمة له، فبها آراء شتى، نوجزها فيما يلى:
١- جعله ابن سعد فى الطبقة الأولى من أهل الشام بعد الصحابة، وقال عنه: إنه لقى أبا بكر، وعمر، ومعاذا، وحفظ عنهم. وكان صاحب غزو «٥» . وأورد له حديث النهى عن صوم يوم الجمعة مرفوعا إلى النبي ﷺ ، لكنه سمّاه هنا «جنادة الأزدى» «٦» .
стр. 1104
وهذا يعنى أنه يعتبرهما اثنين:
أولهما- تابعى. والثانى- صحابى «١» .
٢- أما ابن عبد البر، فذكر أنهما اثنان صحابيّان «جنادة بن مالك الأزدى الكوفى، وجنادة بن أبى أمية الشامى» «٢» .
٣- تخبط ابن الأثير، فسرد الآراء كلها، وقال: جعلهما ابن منده وابن عبد البر اثنين، وأبو نعيم ثلاثة. وترجم ابن الأثير بالفعل لثلاثة بهذا الاسم «جنادة بن أبى أمية الأزدى» ، و «جنادة بن مالك» ، و «جنادة الأزدى» «٣» .
٤- اكتفى مغلطاى «٤» ، والمزى «٥» بنقل الرأيين الواردين لدى ابن عبد البر.
٥- قطع الذهبى أنه من كبراء التابعين، وأيّد رأى ابن سعد، ورأى أن حديثه الذي يرويه عن الرسول ﷺ حديث مرسل «٦» .
٦- أخيرا، رأى ابن حجر أن الصحبة مقطوع بها ل «جنادة بن أبى أمية الأزدى» ؛ لأنه له حديثان مرويان عن النبي ﷺ «٧» . وهذا هو الراجح عندى أيضا، وهو ما قال به مؤرخنا ابن يونس.
(ج) موقف ابن يونس من تناقض عدد من المصادر فى ترجمة «أحد الصحابة» ، وهو «جعشم الخير» ، أو «جعشم بن خليبة» : اكتفى مؤرخنا فى ترجمته بالنص على مبايعة الرسول ﷺ بيعة الرضوان، وذكر شهوده فتح مصر، واختطاطه بها «٨» . فماذا عن المصادر الأخرى التالية له؟
١- ذكر ابن عبد البر أن الصحابى المذكور قتله «الشريد بن مالك» فى الردة «أى:
стр. 1105
فى حروبها» بعد قتل عكاشة بن محصن «١» .
٢- أضاف ابن ماكولا فى ترجمته: أنه كساه النبي ﷺ قميصه، ونعليه، وأعطاه من شعره، وأنه تزوج آمنة بنت طليق بن سفيان بن أمية بن عبد شمس. قتله الشريد بن مالك «٢» .
٣- لاحظ ابن الأثير التناقض بين الرواية السابقة مجهولة المصدر، التى تحدد تاريخ وفاته، وبين ما ذكره ابن يونس- فى ترجمته- عن شهوده فتح مصر «٣» . وقام مشكورا برفع هذا التعارض بنص، نسبه إلى ابن ماكولا- ليس بين أيدينا الآن فيما راجعت، ولعله من نسخة ابن الأثير من الإكمال- فيه أن جعشم الخير كان زوجا لها قبل الشريد، ولم يكن الشريد قاتلا له «٤» .
٤- أكد ابن حجر صحة ما ذهب إليه ابن الأثير- بالاعتماد على ابن ماكولا- وجعله أقرب إلى الصواب، وجعل «قتله» مصحّفة عن «قبل» ، فيكون الضمير فى الفعل «قتله» ، وتكون كلمتا «فى الردة» - أيضا- من قبيل الوهم، الذي وقع فيه ابن عبد البر «٥» . ويكون نص ابن يونس فى ترجمته خير موجّه ومرشد لابن الأثير ومن بعده؛ لتبيّن هذا الخطأ «٦» .
٥- ويترجح لدىّ ما ذكره ابن الأثير، وابن حجر. ومما يدعم استنتاج ابن حجر أن الشريد بن مالك لم يذكر فى حادثة مقتل «عكاشة بن محصن» ، ومن ثم لم يذكر الصحابى «جعشم الخير» «٧» .
стр. 1106
د- هل ولى الصحابى «فضالة بن عبيد» قضاء مصر؟
أخطأ ابن يونس لما جعل هذا الصحابى يلى قضاء مصر، وبحرها لمعاوية بن أبى سفيان «١» . فالحق أن المصادر التى طالعتها تجمع على أنه كان على قضاء دمشق، وأنه- أساسا- صحابى شامى، له دار بدمشق. وقد ولّاه معاوية هذا المنصب بعد وفاة الصحابى «أبى الدرداء» بمشورة منه «رضى الله عنه» . وقد ذكر معاوية أنه ولّاه ذلك المنصب- وهو متوجه إلى صفين- ليكون سترا له من النار. ولم يكن فضالة على بحر مصر، وإنما كان على رأس جيش شامى، أرسله معاوية فى البحر؛ لغزو الروم «٢» .
٢- حول أحداث مقتل «زهير بن قيس البلوى» ، وتوقيت ذلك:
ذكر ابن يونس أن زهيرا قتل ببرقة سنة ست وسبعين، وأن ظروف ذلك المقتل تتمثل- باختصار- فى مجىء الصريخ إلى الفسطاط بنزول الروم برقة، فأمر عبد العزيز بن مروان زهيرا بالنهوض إليهم. وتذكر الرواية التى يسوقها ابن يونس- وهى ذاتها الموجودة تقريبا لدى ابن عبد الحكم، ولعله نقلها عنه، أو عن تلميذ ابن عبد الحكم وهو ابن قديد، وسقط ذلك المورد من النساخ- أن زهيرا سار على رأس أربعين رجلا فقط، وأراد أن يكف عن القتال، حتى تكتمل جيوشه، لكن غلامه أثار فيه الحميّة، فقاتل بهم حتى قتلوا جميعا «٣» .
والصواب أن الروم بلغهم- بالقسطنطينية- أن زهيرا سار من برقة إلى إفريقية؛ لقتال كسيلة، فاهتبلوا تلك الفرصة، وخرجوا بمراكبهم من جزيرة صقلية فى أعداد كبيرة، وأغاروا على برقة، فأصابوا منها سبيا ومقتلة عظيمة، ونهبوا نهبا كبيرا. ووافق هذا
стр. 1107
رجوع زهير بعد قتله كسيلة، فكان استشهاده أمام جموع الروم الكثيرة «١» . ويضيف البعض أن زهيرا لما خبر خبرهم، أمر عسكره بالمضى على الطريق، وعدل هو فى خيل كثيرة من فرسان أصحابه، وأراد استنقاذ الأسرى «المستغيثين به من الروم» ، فتردد أصحابه فى القتال أمام الجموع الهائلة من الروم، ثم دارت معركة غير متكافئة، استشهد فيها هو وأصحابه «٢» سنة ٦٩ هـ «٣» ، أو سنة ٧١ هـ على الراجح «٤» .
٣- تناقض فى إحدى التراجم:
ذكر مؤرخنا ابن يونس فى ترجمة «عثمان بن عتيق الغافقى المصرى» «٥» : أنه أول من رحل إلى العراق فى طلب العلم والحديث. وبعدها قال: «يقال: مات قبل أن يبلغ» «٦» .
والحق أن هذه الترجمة لنا عليها اعتراضات وتساؤلات كما يلى:
١- أنه لا يعقل أن يروى عن المترجم له هؤلاء العلماء الكبار «ابن وهب، وإسحاق ابن الفرات، وعثمان بن صالح» ، وهو دون البلوغ!
٢- كيف يرحل إلى العراق؛ طلبا للعلم، ويترك بلده مصر، والمفترض أن الرحلة لا تكون إلا بعد هضم علوم بلده وأحاديث محدّثيها؟!
٣- لم أجد له ذكرا فى «تاريخ بغداد» ، للخطيب البغدادى، وهو المعنىّ بالترجمة لكل من نزل بغداد من طلاب العلم. وأعتقد أن المترجم له (ت ١٨٠، أو ١٨٤ هـ) لو كان نزل غير بغداد من مدن العراق، فإنه لابد أن يمر بعاصمة العلم والثقافة، وحاضرة الخلافة فى القرن الثانى الهجرى، وهو من رجاله.
٤- وإذا كانت الرواية ذكرت أن المترجم له روى عن «عبد القدوس بن حبيب
стр. 1108
الكلاعى» وهو دمشقى سكن بغداد، وبها مات فى عهد المنصور (١٣٦- ١٥٨ هـ) «١» ، فإنى أتساءل: هل يمكن له أن يروى عنه، وهو الذي- حسب كلام الخطيب- توفى قبل ميلاد المترجم له بسنوات؟! إن أبا الطاهر أحمد بن عمرو (١٧٠- ٢٥٠ هـ) «٢» لم يتمكن من الرواية عن المترجم له، وإنما ذكر ابن يونس أنه رآه فقط، فمتى وأين روى عن «عبد القدوس» هذا؟!
٥- من الواضح أن مؤرخنا هنا بين احتمالين:
الأول- أن يكون هناك سقط فى الجملة، وتمامها: «مات قبل أن يبلغ العراق» ، ويكون قد روى عن «عبد القدوس» الدمشقى الأصل فى بلده «دمشق» قبل أن يسكن بغداد.
والثانى- أن يكون ابن يونس قد أدرك هذا التناقض؛ ولذلك صدّر الجملة بلفظة «قيل» الدالة على الشك، وإن كنا نرى أنها لا تكفى لدرء هذا التناقض الواضح فى تلك الترجمة، وكان عليه أن يشفعها بتعليق يشفى الصدور.
أما فى «تاريخ الغرباء» :
فالملاحظات النقدية فيه قليلة جدا؛ نظرا لصغر حجم الكتاب من جهة، وسطحية ووجازة تراجم الكثير من مترجميه من جهة أخرى.
وهاك بعضا من تلك الملاحظات:
١- ذكر مؤرخنا ابن يونس: أن «حوىّ بن حوى» قدم مصر واليا. وليس هذا بصحيح؛ لأن أقصى ما وصل إليه من مناصب فى مصر ولايته خراجها «٣» .
٢- قال ابن يونس: عزل الوليد (٨٦- ٩٦ هـ) أخاه «عبد الله» عن مصر ب «قرة بن شريك» ، أول ما استخلف «أى: سنة ٨٦ هـ» ، وليس هذا بصحيح؛ لأن «عبد الله بن عبد الملك» ولى شئون مصر من سنة (٨٦- ٩٠ هـ) «٤» ، فيكون الوليد عزله بعد أربع سنوات من ولايته خلافة الأمويين.
стр. 1109
٣- أورد ابن يونس رواية تدخل فى إطار «الغيبيات» فى ترجمة «عبد الرحمن بن عمارة بن عقبة» «١» ؛ إذ إنه لا يرى الأحياء ما أفسح للموتى فى قبورهم مد أبصارهم، بل إن هذا مما يدخل فى «عالم البرزخ» ، الذي لا يطالعه إلا الموتى الصالحون أنفسهم.
وكان يجب على ابن يونس التعليق على ذلك، ونقده. ومن الواضح أن المترجم له يفخر بنفسه، إذ ينسب إليها رؤية ما لا يراه الآخرون المصاحبون له.
***
стр. 1110
رابعا- منهج مؤرخنا فى الكتابين
هذه الجزئية من ٣ الجزئيات المهمة فى دراسة تاريخى «ابن يونس» ؛ إذ إنها تقفنا على عقلية الرجل وتفكيره، ومدى قدرته على تنسيق وتنظيم مادته التاريخية، وأسلوبه ولغة عرضه إياها. ومن خلال التعمق فى دراستها سندرك درجة فهمه للتاريخ فهما شاملا، ونتعرف مدى حضور شخصيته عند تناول تراجمه.
والآن، مع أبرز قضايا ذلك المنهج:
أولا- عناصر الترجمة، وطريقته فى العرض التاريخى:
١- النسب «وما يلحق به من ذكر الأصل، والكنية» :
سبق أن عرفنا أن مطالعة كتب «الأنساب» ، ووثائق الديوان فى مصر كان من مكونات مؤرخنا الثقافية. ومن ثم، فقد ظهر ذلك جليا فى كتابه «تاريخ المصريين» على وجه الخصوص؛ إذ رأينا اهتمامه البالغ بذكر نسب المترجمين كاملا، ولو امتد ذلك عبر سطور عديدة، الشيء الذي خفّت حدّته بنسبة كبيرة فى «تاريخ الغرباء» ، الذي نرجح أن مصادره ومعلوماته لم تسعفه، ولم تمده بالمادة الكافية، فأتت نسبة كبيرة منها خالية من النسب المطوّل المعتاد. ولا شك أن معرفة أنساب المترجمين كان يمثل أهمية قصوى بالنسبة لمؤرخ كابن يونس، يمثل علم «الحديث» جانبا مهما من ثقافته، ومثّل المحدّثون نسبة كبيرة من تراجم كتابيه، فمعرفة آباء الرواة وأجدادهم، والقبائل والبطون التى ينتسبون إليها، يسهم فى معرفة بلدانهم، وأماكن انتقالهم ورحلاتهم، وكل ذلك يضع أيدينا على أساتيذهم وتلاميذهم؛ مما يسهم- بشكل فعّال- فى الإلمام بشتى جوانب حياتهم.
وقد اتخذت «الأنساب» فى «تاريخ المصريين» صورا شتّى، منها: ذكر بعض الأنساب مطولة كاملة «١» ، وأحيانا يعنى بضبط بعض ألفاظها «٢» ، أو شرحها «٣» . وقد يأتى النسب
стр. 1111
مختصرا ابتداء «١» ، أو يكتفى ببعضه لسبق ذكره مطوّلا عند الترجمة لأحد أفراد أسرة المترجم له «٢» . وقد يأتى اسم المترجم له فحسب «٣» .
وفى «تاريخ الغرباء» : وإن كانت نسبة التراجم المطوّلة أقل بكثير من المصريين، إلا أن الأنساب اتخذت فيه أنماطا متعددة أيضا «النسب المطوّل «٤» ، والمطول نوعا ما «٥» ، والوسط «٦» ، والقصير «٧» ، والمختصر «٨» ، والاكتفاء باسم المترجم له «فقط» «٩» . ويلاحظ أن ابن يونس كان يخطئ- أحيانا- فى نسبة المترجم له إلى بلده «١٠» .
وإذا كان أصل المترجمين، وكناهم مما نعدّه لاحقا وتابعا للنسب، فإن مؤرخنا كان يحرص- فى معظم تراجمه- على ذكر كنية مترجميه إلا نادرا «١١» . ولما كان أصل المترجمين واضحا من أنسابهم، فإن ابن يونس نادرا ما كان ينص على ذلك الأصل «١٢» .
٢- الأساتيذ والتلاميذ:
وهى من النقاط الأصيلة فى عناصر الترجمة لدى ابن يونس، فيما نرجح. وفى
стр. 1112
ضوء ما تبقى من مادة كتابيه، نلاحظ أن ذكر أساتيذ وتلاميذ المترجمين انتهج فيه مؤرخنا طرقا شتى، منها:
أ- ذكر الأساتيذ، والتلاميذ بكثرة على غير المعتاد «١» .
ب- الاختصار فى ذكرهم «٢» .
ج- الاكتفاء بذكر بعض التلاميذ «٣» .
د- الاكتفاء بذكر بعض الأساتيذ «٤» .
هـ- إغفال ذكر الأساتيذ، والتلاميذ معا «٥» .
والإشارة إلى التلاميذ بصيغة مجهولة» .
ز- التعريف المقتضب بأحد تلاميذ المترجم له «٧» ، وأحيانا يعرّف- باختصار- بأحد أساتيذ المترجم له أيضا «٨» .
ح- وأخيرا، فقد يكتفى ابن يونس بذكر تلميذ واحد للمترجم له «هو ابنه» ، ثم يتعدى ذلك إلى ذكر تلميذ واحد أيضا لابن المترجم له «٩» .
هذه هى أهم الطرق التى استخدمها مؤرخنا فى ذكر أساتيذ وتلاميذ المترجمين فى كتابيه المعروفين، مع شىء من الاجتهاد والاستنتاج فى تجميع ما تيسر من بقايا التراجم.
стр. 1113
ولم أقف على سر استخدام ابن يونس لهذه الطريقة دون تلك فى موضع بعينه، فهو لم يوضح لنا ذلك، والنصوص لا تشى بشىء. وعلى كل، فالغالب على ذكر الأساتيذ والتلاميذ طابع «الاختصار» ، وهو الغالب على كتابى ابن يونس فى تراجمه، كما سنرى بعد.
٣- ثقافة المترجمين، ومؤلفاتهم «إن وجدت» :
ترجم ابن يونس فى كتابيه للكثير من العلماء فى مختلف فروع العلم والمعرفة، لكن القاسم المشترك بين هؤلاء هو رواية الحديث، أو بتعبير أدق كان رصد مؤرخنا وبحثه دوما عن المرويات الحديثية للمترجمين، وكانت عنايته بتراجم المحدّثين هى الغالبة على كتابيه، فلا غرو- حينئذ- أن يكون الاهتمام بالجانب الحديثى هو المسيطر على محتويات تراجمه. وهاك مظاهر ذلك الاهتمام:
أ- درجة حفظ المحدّث المترجم له: يحفظ ويفهم «١» ، ثقة «٢» ، ثقة صالح «٣» ، ثقة مأمون «٤» .
ب- النقد الحديثى لبعض المترجمين: له مناكير «٥» ، لم يكن بذاك «٦» ، حدّث بمناكير «٧» ، له غرائب «٨» ، متروك الحديث «٩» ، كان يضعّف «١٠» .
ح- طغيان ثقافته الحديثية، وغلبتها على أسلوبه، وصياغة تراجمه: فنجد ابن
стр. 1114
يونس يستخدم مصطلحات المحدّثين، وهو يترجم لبعض الفقهاء «١» ، وسمّى رواية فيها شكوى والد وولده إلى عمر بأنها حديث «٢» ، وكذلك سمّى قولا لابن مسعود حديثا «٣» .
د- بحثه- فى المقام الأول- عن الجانب الحديثى، وما إذا كان للمترجم له رواية أو لا، والحرص على إثبات ذلك، سواء كان ذلك فى تراجم الصحابة «٤» ، أم فى تراجم غيرهم «٥» . وكذلك ذكره بعض الأحاديث التى يرويها المترجمون بأسانيدها «٦» ، وحكمه على بعض الأحاديث «٧» ، وتحديده عددا من أحاديث الغرباء فى مصر «٨» .
هـ- وأخيرا، فإنه من خلال تتبع التراجم الواردة فى كتابى مؤرخنا، تبين من المادة المجموعة من بقاياهما أنه نادرا ما يذكر المؤلفات العلمية، التى يدبجها العلماء المترجمون «٩» .
٤- موطن، ومكان إقامة المترجمين:
كان لمؤرخنا «ابن يونس» اهتمام خاص بإبراز خطط المترجمين، والتعريف بها «١٠» ،
стр. 1115
وتحديدها تحديدا جغرافيا دقيقا «١» ، وبيان المكان الأصلى الذي ينسب إليه صاحب الترجمة «٢» . كان ذلك على مستوى تراجم المصريين، الذين نتوقع إدراك مؤرخنا أماكن إقامتهم بمصر إدراكا طيّبا؛ لأنهم بنو وطنه.
أعتقد أن مهمة ابن يونس فى تحديد بلدان المترجمين فى «تاريخ الغرباء» كانت أصعب منها فى «تاريخ المصريين» . ومع ذلك، فقد ألفيناه يولى هذا الأمر اهتمامه أيضا، فإنه بالرغم من خلو بعض بقايا تراجمه من ذكر بلدان المترجمين «٣» ، إلا أنه كان- أحيانا- يذكر أقاليم البعض الآخر «٤» ، ومكان مولدهم، والبلد الذي رجعوا إليه عند مغادرتهم مصر «٥» ، والبلد الأصلى للمترجم له، والمكان الذي تحول إليه وسكنه «٦» .
وكان- فى بعض الأحيان- يرصد تنقلات العلماء بين الأقاليم المختلفة، ويضمّنها تراجمه «٧» ، ويذكر الأقاليم التى استوطنوها بمصر عند رحيلهم إليها» .
وهكذا، كان مؤرخنا يحسن فهم الصلة الوثيقة بين «التاريخ، والجغرافية» ، وكان يعلم أن تراجمه لهؤلاء- مصريين، وغرباء- تكتمل معالمها، وتتضح صورتها بذكر مواطن إقامتهم فى مصر، مع التعريف ببلدانهم الأصلية.
٥- المكانة الاجتماعية:
نظرا لطبيعة تراجم كتابى «ابن يونس» المختصرة، فإننا لا نجد التوضيح الكافى، ولا
стр. 1116
التفصيل الوافى، الذي يضع أيدينا- بالضبط- على عوامل وعلل سمو المنزلة الاجتماعية، وأهم مظاهرها فى «المجتمع المصرى» ، وطبيعة النظرة إلى العلماء المصريين، والغرباء فى مصر من قبل الحكام، والناس.
وعلى كل، فإنه- من خلال ما تم تجميعه- يمكن التقاط بعض الإشارات الخفيفة.
فعلى مستوى «تاريخ المصريين» ، ذكر ابن يونس أن لبعض المترجمين مكانة لدى الحكام فى مصر «١» ، ولبعضهم مكانة متميزة لدى الخلفاء خارجها «٢» ، سواء عرفت ملامح تلك المكانة، أم لم تعرف «٣» . وبعضهم كان شريفا بمصر فى أيامه، وأجلّ أهل بلده، ومن أهل النعم «٤» . والبعض استمد مكانته من رئاسته فى قومه، وفخامة قصره، وكثرة أتباعه وغلمانه «٥» . وأخيرا، فإن بعض العلماء لم يكن من الأغنياء؛ زهادة وتعففا «٦» .
وبخصوص العلماء الغرباء بمصر، فقد حظى عدد منهم بمكانة اجتماعية سامية لدى الناس «٧» ، وبعضهم كانت له منزلته لدى السلطان والعامة «٨» ، والبعض الآخر عدّ من وجوه أهل مصر بعد إقامته بها، حتى إنه جالس الخليفة المأمون بعد مجيئه إلى مصر «٩» .
стр. 1117
٦- تواريخ مهمة تتصل بالمترجمين:
وهذا هو عنصر «التوقيت» ، وله أهميته القصوى فى تراجم «ابن يونس» ؛ لأنه يعرفنا العصر الذي عاش فيه المترجمون، والتواريخ المهمة المتصلة بمواليدهم ووفياتهم، وتلقيهم العلم، ورحلاتهم، وتواريخ ولايتهم مناصبهم- إن وجدت- وتواريخ عزلهم، إلى غير ذلك مما يحتاج إلى معرفته المحدّث والمؤرخ على حد سواء.
ويمكن استعراض أهم الصور التى وردت بخصوص «التوقيت» ، فيما يلى:
١- ذكر تاريخ ميلاد المترجمين «١» ، وسقوطه أحيانا «٢» .
٢- ذكر تاريخ الوفاة بدقة وتفصيل «٣» ، ويكتفى- أحيانا- بإيراد شهر وسنة الوفاة «٤» .
٣- الإشارة إلى الوفاة بلفظ عام «٥» ، أو ذكر تاريخ تقريبى لها «فى يوم الوفاة «٦» ، أو عامها» «٧» .
٤- ذكر أكثر من تاريخ وفاة للمترجم له «٨» .
٥- تعدد تواريخ الوفاة لأكثر من شخص، يرد ذكرهم فى الترجمة الواحدة «٩» .
стр. 1118
٦- ذكر وفاة المترجم له، ومن صلّى عليه «١» ، والاهتمام بذكر مكان الوفاة «٢» .
٧- الاهتمام- أحيانا- بذكر زمان الوفاة، وتوقيت الدفن «٣» ، ومكانه «٤» .
٨- مكان إيراد تاريخ الوفاة «قبل ذكر بعض سمات المترجم له الخلقية غالبا «٥» ، وفى نهاية الترجمة أحيانا» «٦» .
٩- هناك مواضع يغفل فيها ابن يونس النص على تاريخ الوفاة «٧» ، وأماكن يهمل فيها التوقيت تماما «٨» .
١٠- صيغ جديدة يستخدمها ابن يونس فى بعض مواضع التوقيت «٩» .
ملاحظات:
أ- لا يقف اهتمام مؤرخنا فى التوقيت عند تواريخ الميلاد والوفيات فحسب، وإنما كان يهتم- أيضا- بتواريخ بعض الشهادات القضائية «١٠» ، وتاريخ أحد الفتوح الأولى فى مصر «١١» ، ووقت دخول بعض الصحابة إلى مصر «١٢» .
стр. 1119
ب- التفت مؤرخنا فى «تاريخ الغرباء» إلى ما يتلاءم مع طبيعة تراجمه، فذكر تاريخ القدوم إلى مصر «١» ، وتاريخ خروج بعض الغرباء من بلدهم «٢» ، ومدة المكث بمصر «٣» ، ومكان وزمان وفاة الغرباء بعد الخروج من مصر «٤» .
ج- الاهتمام بذكر عمر المترجم له صراحة «٥» ، أو تلميحا «٦» ، وبيان مقدار ما بينه وبين والده من سنوات «٧» . وأيضا الاهتمام بتاريخ ولاية المنصب «٨» ، أو تاريخ العزل «٩» ، وقد يذكر مدة ولاية المنصب حتى الوفاة، ويذكر تاريخ الوفاة «١٠» .
د- أخطأ مؤرخنا ابن يونس، وخانته دقته فى تحديد عدد من تواريخ وفيات بعض المترجمين، مثل: «جعثل بن هاعان» «١١» ، و «حبيب بن أبى عبيدة» «١٢» ، و «عبد الرحمن ابن عبد الحميد المهرى» «١٣» ، وذلك فى «تاريخ المصريين» . أما فى «تاريخ الغرباء» فقد
стр. 1120
وقع فى عدة أخطاء؛ أحدها من النساخ لا منه فيما أرجح «١» ، والباقى يتعلق بتاريخ قدوم بعض الغرباء إلى مصر «٢» ، وتواريخ وفياتهم «٣» ، ومدة ولاية أحد الولاة على مصر «٤» ، وتاريخ عزل أحد القضاة فى مصر «٥» .
٧- بعض السمات الخلقيّة، والخلقيّة:
حرص مؤرخنا على تتمة الصورة، التى يحاول رسمها لمترجميه، حتى كأننا نراهم رأى العين. ومن هنا ألفيناه- ما أسعفته المادة- يذكر ما تيسر من ملامح شخصياتهم الخلقيّة والخلقية. والذي يلفت النظر حقّا أن ما يأتى به من صفات خلقية مركز ومقتضب فى كلمة أو كلمتين عامة، وغالبا ما يرد ذكر ذلك بعد تاريخ وفاة المترجم له؛ مما يشير إلى معنى خفىّ، يريد مؤرخنا الإيحاء به بطريق غير مباشرة، ألا وهو أن ما يبقى أثره وذكره للمرء بعد وفاته، إنما هو العمل الصالح، والذكر الطيب. أما الخلق الردىء، فإنه يمسى عارا يصم صاحبه على مر العصور والدهور.
لقد ركز ابن يونس فى كتابيه- إلى جانب سرد بعض الصفات الخلقيّة «٦» - على إيراد الصفات الخلقيّة الطيبة غالبا «٧» ؛ كى تكون نبراسا يسير الناس على ضوئها، ويتأسون بها.
стр. 1121
وسلك مؤرخنا مسلكا آخر، يدل على وعيه بغرض وهدف التاريخ الأخلاقى، فقام- من خلال التراجم، وبطريقة غير مباشرة- بعرض الكثير من الروايات التاريخية الداخلة فى صلب تراجمه، لكن لها مدلولات أخلاقية رائعة، مثل: «الدعوة إلى العدل المطلق فى تطبيق الأحكام «١» ، والدعوة إلى التعلم والتفقه، فبهما يمكن أن يصل الإنسان إلى مراتب العلماء «٢» ، والوفاء للجار والذّود عن حماه «٣» ، ورحمة الكبير بالصغير، وترفع الغنى عما بأيدى الفقير» «٤» ، إلى غير ذلك من المبادئ القويمة الفاضلة.
ملاحظات حول عناصر الترجمة السابقة:
أ- هذه العناصر السبعة السالف ذكرها تمثل- عامة- العناصر الرئيسية، التى كان يتكرر ورودها فى كثير من تراجم مؤرخنا فى كتابيه.
ب- أن هناك عنصرا نادر الذكر فى التراجم، وهو «معتقد المترجم له» «٥» ؛ ولذلك آثرت عدم النص عليه فيما مضى.
ج- أن هذه العناصر تنطبق أكثر ما تنطبق على الأسماء «٦» ، دون «الكنى» ، و «النساء» ؛ لأن البابين الأخيرين تتسم تراجمهما- غالبا- بالاختصار الشديد، وندرة المعلومات، بخاصة ذلك الباب، الذي ابتدعه ابن يونس «باب النساء» «٧» .
стр. 1122
ملاحظات منهجية على طريقة العرض التاريخى فى كتابى ابن يونس:
بعد أن أنجزنا- فيما مضى- وصف عناصر تراجم مؤرخنا، متوخين الأمانة فى عرض هذه العناصر، كما أوردها فى مجموع تراجمه، نلقى- الآن- نظرة نقدية منهجية على هذه العناصر؛ كى نخرج بملاحظاتنا المنهجية عليها.
* أولا- التباين:
وهو الاختلاف بين رأى ابن يونس، الذي يسرده فى مضمون الترجمة ومتنها، وبين الوارد فى رأس الترجمة. ولعله اتضح من هذا المعنى أن التباين منحصر فى لفظة، ترد فى نسب المترجم له، يثبتها ابن يونس على خلاف ما يرى، ثم يبين ما يرجحه داخل الترجمة «١» . وقد كان الأولى- فى نظرى- أن يثبت النسب الصحيح، ثم يشير إلى وجود رأى آخر- داخل الترجمة- لا يرجحه، وهو ما انتهجه- بالفعل- فى إحدى التراجم «٢» . والظاهر أنهما منهجان متبعان يشبهان مسلكى المحققين فى العصر الحاضر، فبعضهم يورد اللفظة الراجحة فى المتن، ويشير إلى «المرجوح» فى الحاشية، والبعض يعكس الوضع، فيحافظ على اللفظة الخاطئة كما هى فى المخطوط، ويوردها بالمتن، ويعلق عليها ويذكر تصويبها بالحاشية.
стр. 1123
* ثانيا- التكرار:
وهو يعنى تعدد تراجم الشخصية الواحدة بأنساب متعددة متقاربة، أو متباينة، أو تداخل محتوى بعض التراجم التى يشترك مترجموها فى الاسم، أو فى جزء من النسب، ويختلفون فيما وراء ذلك «١» . فهذه حالات أربع، تحتاج إلى إيراد نماذج توضيحية لها:
أ- الأنساب المتعددة المتقاربة: مثل الترجمة ل «عامر الحجرىّ» فى موضع «٢» ، ثم الترجمة له فى موضع آخر، وقد ذكر به منسوبا «عبد الله بن جابر الحجرى» ، وكنى ب «أبى عامر» «٣» . فهما شخص واحد، تكررت الترجمة له على هذا النحو، وتشابهت محتوياتها إلى حد كبير، ونصّ ابن يونس فى الموضع الأول منها أن الصواب هو «أبو عامر الحجرى» ، على ما مر فى جزئية «التباين» السابقة «٤» . وكذلك فى موضعين آخرين ب «تاريخ الغرباء» «٥» .
ب- الأنساب المتباينة: ترجم فى «تاريخ الغرباء» لإحدى الشخصيات باسم «محمد ابن سعيد بن عبد الله» «٦» ، ثم عاد، وترجم له فى موضع آخر باسم «محمد بن يحيى
стр. 1124
السبئى» «١» . فلعلها ترجمة واحدة، تكمل إحداها الأخرى.
ج- تراجم مشتركة فى الاسم: فقد ترجم ابن يونس لصحابى باسم «أبيض» ، ولم ينسبه، وذكر أنه صحابى مصرى، دخل إفريقية. وذكر حديثا فى تسمية الرسول ﷺ إياه باسم «أبيض» بدلا من «أسود» «٢» . وفى الترجمة التالية ترجم ل «أبيض بن حمّال السّبائى» بترجمة، تتفق فى محتواها مع السابقة، لا تفترق سوى فى اسم صاحبها المنسوب. وفى نهايتها قال ابن يونس: أظنه هذا «٣» ، بمعنى: أن المترجم له فى الترجمة السابقة هو هذا الذي سمّاه الرسول ﷺ أبيض، فكأن الترجمة الأولى زائدة ولا داعى لها، فالترجمة الحالية تغنى عنها «٤» . ثم أورد مؤرخنا ترجمة ثالثة باسم «أبيض بن هانئ ابن معاوية» «٥» ، وتختلف فى محتواها المقتضب عما سبقها.
وهكذا، رأينا تذبذب ابن يونس، وعدم ثباته على رأى قاطع، فالترجمتان الأوليان متداخلتان، ولم يستطع القطع فى نسبة الحديث إلى أيهما، فتعبيره بصيغة «الظن» يدل على تأرجحه بين الاحتمالين.
أما المصادر الأخرى فالاستيعاب لم يترجم إلا ل «أبيض بن حمّال» ، وذكر فى ترجمته حديث تغيير الرسول ﷺ اسم «أسود» إلى «أبيض» ، وعلّق قائلا: فلا أدرى أهو هذا، أم غيره «٦» .
وبالنسبة لابن حجر، فذكر «ترجمة أبيض» غير منسوب، على نحو ما ذكر ابن يونس، ثم ذكر «أبيض آخر» - هكذا سمّاه- ولم ينسبه، وقال: يحتمل أنه هو الذي قبله «٧» . وواضح قصور نظرة ابن حجر، واختلاط الأمر عليه. ونختم بابن الأثير،
стр. 1125
فرأيه جديد، وله وجاهته، إذ إنه فصل فى القضية بوضوح، فجعل «أبيض» غير المنسوب هو الصحابى الذي غيّر الرسول ﷺ اسمه، ونزل مصر «١» ، على نحو ما جاء لدى ابن يونس. أما «أبيض بن حمّال» ، فلم يغيّر الرسول ﷺ اسمه، ولا يصح نسبة الحديث الوارد فى حقه؛ لأن هذا الصحابى- كما هو واضح من نسبه- يمنى، عاد إلى «مأرب» من أرض اليمن، بعد لقائه رسول الله ﷺ ، ولم يثبت نزوله مصر «٢» . هذا هو الرأى الصائب فى نظرى، وهو يصحح خطأ ابن يونس، ويقطع فيما ظنه، وتردد فيه.
د- تراجم مشتركة فى جزء من النسب: وأوضح مثال على ذلك: أن مؤرخنا ترجم ل «عبد الله بن مالك بن أبى الأسحم ... الرعينى، ثم الجيشانى» ، وهو من كبار التابعين، وتوفى سنة ٧٧ هـ «٣» . وبعده ترجم ل «عبد الله بن مالك اليحصبى المقرئ» ، وذكر أنه هو «أبو تميم الجيشانى» «٤» ، أى: السابق ذكره فى الترجمة الماضية. وأخيرا، ذكر «ترجمة عبد الله بن مالك بن عبد الله بن سيف التجيبى» ، وهو شيخ القراءات فى عصره. توفى سنة ٣٠٧ هـ «٥» .
وأعتقد أن ابن يونس نجح فى التفرقة بين الترجمتين الأوليين معا، والترجمة الثالثة، لكن يثور سؤال مفاده: لم جعل للترجمتين الأوليين ترجمتين منفصلتين، رغم اعترافه أنهما لشخص واحد؟! والجواب: تعمّد ذلك؛ لسبب مجهول لنا غير معلوم. فالأولى أن يضم الترجمتين معا؛ أمنا للبس. ولعله لم يتمكن من مراجعتهما وتنقيحهما. فلا صحة لما يذكره ابن حجر من أن ابن يونس ما ترجم إلا لأبى تميم فحسب، ولم ينبّه على أنهما واحد «٦» ، فذلك يدحضه نقل الذهبى، عن ابن يونس «٧» ، بل ما ذكره ابن
следующие страницы →