← Фикх малики

Фикх малики · id 1168

الأحكام لعبد الملك بن حبيب

عبد الملك بن حبيب

Полный текст (198 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ويستبرئ أمره، وإن لم يدعها قبل غاصب وادعاها بوجه شبهة خرجت بها من يديه فإنه إن جاء المدعي بشبهة بينة أو أمر ظاهر رأيت أن توقف له وإلا لم أر ذلك. قلت له: فإن رأيت إيقافها أتوقف غلتها معها؟ قال: نعم. قلت: فعلى من رعيتها؟ فقال: على الذي تصير إليه. قال: والرعية هي القنية بمنزلة النفقة والكسوة في الرقيق، وبمنزلة العلوفة في الدواب، إذا أوقفت بالدعوى الظاهرة والبينة أو بدعواها قبل غاصب؛ فإن ذلك كله ما دامت موقوفة على من تصير له. قلت: فمن يعجل ذلك منهما؟ وعلى من ترى الحاكم أن يأمره بالإنفاق عليها منهما إلى أن يتبين له من تصير إليه منهما؟ قال: يجتهد في ذلك، فإن قدر عليها بسلف أو إنفاق من بيت مال وما أشبهه فذلك، وإلا كان أولاهما بأن تؤخذ منه النفقة الذي ملكه فيها قائم لم يزل بعد، ولم تخرج من يده بحكم، فإذا ثبت الاستحقاق أداره به على صاحبه وأعداه. * * * باب غاصب الدار بالسكنى ابن حبيب: وسمعت مطرفًا والمدعي يقولان: من غصب رجلًا سكنى داره ولم يغصبه أصلها فانهدمت من غير فعله فليس عليه إلا كراء ما سكن، وإن انهدمت من فعله فعليه كراء ما سكن وربها مخير؛ إن شاء ضمنه قيمة الدار كلها يوم انهدمت من فعله، وإن شاء ضمنه قيمة ما هدم وأخذ البقعة.

стр. 107

قالا: وإن غصبه أصل الدار فسكنها ثم انهدمت من غير فعله فربها مخير؛ إن شاء ضمنه قيمتها يوم غصبها ولا شيء له من كراء ما سكن ولا من البقعة، وإن شاء فله كراء ما سكن وله البقعة ولا شيء له من قيمة الهدم وإن شاء فله البقعة وقيمة الهدم ولا شيء له من الكراء. وإن هدمها الغاصب فربها مخير؛ إن شاء أخذ قيمتها يوم غضبها، إن شاء فله كراء ما سكن وقيمة ما هدم والبقعة. وسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي مثله كله. * * * باب غصب الجارية ابن حبيب: وسمعت مطرفًا وابن الماجشون يقولان ـ فيمن غصب رجلًا جارية ثم باعها في سوق المسلمين، فأخذها المشتري، ثم أتى ربها فاستحقها ـ فإنه مخير على الغاصب في وجهين؛ إن شاء أخذ منه قيمتها يوم غضبها، وإن شاء فالثمن الذي به باعها، فإن أخذ الثمن أو القيمة مضت الجارية للمشتري. وإن أبى المستحق أخذ الثمن أو القيمة من الغاصب وأراد جاريته فإن مالكًا كان يقول: إن شاء أخذ جاريته وأخذ قيمة ولدها من أبيهم، قيمتهم يوم يستحقهم، وإن شاء أخذ قيمة الجارية من المشتري، قيمتها يوم يستحقها، وأخذ أيضًا قيمة ولدها. ثم رجع مالك عن ذلك يوم استحقت أم ولده [ ..... ] وقال: لا

стр. 108

أرى في هذا على المشتري إلا قيمة الجارية يوم وطئها، ولا أرى عليه في أولاده قيمة. فرأيت مطرفًا والمصريين أخذوا بقوله الأول، ورأيت ابن الماجشون ومن مضى من المدنيين: ابن دينار وابن أبي حازم والمغيرة وابن كنانة أخذوا بقوله الآخر، وبه نقول، وحكم يومئذ مالك به. قال لي مطرف وابن الماجشون: فإذا أخذ من المشتري قيمة الجارية رجع على البائع بالثمن الذي كان دفع إليه فقط. قالا: وإن ماتت الأمة عند المشتري قبل أن يستحقها المستحق وبقي ولدها فليس له على قول مالك الأول على المشتري من قيمتها شيء، وله عليه قيمة ولده منها، قيمتهم يوم استحق أمهم الميتة. وأما في قوله الآخر فليس له من قيمة الولد شيء، وله قيمة الأم حية كانت أو ميتة، قيمتها يوم وطئها، لأنه يومئذ ضمنها وبضمانه إياها يومئذ سقطت عنه قيمة الولد، لأن كل من وطيء جارية بشبهة يدرأ بها عند الحد فيها فهو ضامن لقيمتها، ثم لا شيء عليه من قيمة ولدها. من ذلك: الأب يطأ جارية ولده، والرجل يطأ الأمة له فيها شريك، والرجل يطأ الأمة تحل له، وأشباه هذا كثير. قالا: وإن كره المستحق أخذ قيمتها من المشتري رجع به على الغاصب فأخذ منه الثمن أو القيمة. قالا: وإن وجد ولدها قد ماتوا فليس له ـ في قول مالك الأول ـ من قيمتهم شيء، وإن قتلوا فدياتهم لأبيهم، وقيمتهم عليه للمستحق ـ في قول مالك الأول ـ إلا أن تكون دياتهم أقل من قيمتهم فلا يكون عليه غيرها. قالا: وإن كان المشتري إنما زوجها فولدت فالولد للمستحق مع الأمة، فإن أراد أخذهم وأخذ الأمة في القولين جميعًا، وإن أبى

стр. 109

فليس له على المشتري شيء، ويرجع على الغاصب، فيأخذ منه الثمن أو القيمة. قالا: وإن كانت الأمة إنما ولدت عند الغاصب فسواء ولدت منه أو من زوج زوجه إياها الغاصب، فالمستحق مخير؛ إن شاء أخذ من الغاصب قيمتها يوم غضبها، وإن شاء أخذها وأخذ ولدها كلهم، وعلى الغاصب الحد إذا كان الولد منه. قالا: وإن مات ولدها عند الغاصب ـ منه كانوا أو من زوج ـ ثم استحق المستحق الأمة وأراد أخذها وأخذ قيمة الولد فليس ذلك له، وإنما له قيمتها يوم غصبها أو يأخذها وحدها، وكذلك لو ماتت هي وبقي ولدها فأراد أخذ الولد لم يكن له غيرهم، وإن أباهم فله قيمة الأم يوم غصبها. قال: وإن وجد الأم عند الغاصب لم تلد، وهي بحالها أو أحسن حالًا، فهو مخير: إن شاء أخذها، وإن شاء تركها وأخذ قيمتها إذا كان الغاصب قد غاب عليها، علم أنه وطئها أو لم يعلم ذلك. وإن وجدها وقد نقصت فأراد أخذها وأخذ ما نقصها فليس ذلك له، وليس له إلا أن يأخذها بعينها أو يدعها ويأخذ قيمتها يوم غصبها، إلا أن يكون نقصانها من شيء صنعه بها الغاصب؛ من قطع يد أو رجل، أو فقء عين، أو شئ جاء من قبل الغاصب، فيكون له حينئذ أن يأخذها ويأخذ ما نقصها الذي بها، أو يدعها ويأخذ قيمتها يوم غضبها، وإن كان ذلك من فعل غير الغاصب فليس له إلا أن يأخذها ناقصة ويتبع الذي فعل بها، أو يدعها ويأخذ قيمتها يوم غضبها ويتبع الغاصب الذي فعل ذلك بها. قالا: وإن وجدها عند مشتر اشتراها وهي بحالها أو أحسن حالًا فهو مخير في ثلاثة أشياء: إن شاء أخذها بعينها، وإن شاء تركها وأخذ الثمن الذي باعها به الغاصب، وإن شاء فالقيمة يوم غصبها الغاصب إذا كان قد غيب عليها، كما فسرنا لك.

стр. 110

وإن وجدها وقد باعها المشتري من آخر، ثم باعها الآخر من آخر أيضًا، وهي بحالها أو أحسن حالًا فهو بالخيار في أخذ أي ثمن شاء من أثمانها التي بيعت بها، وتمضي الجارية لمشتريها، يأخذ ذلك الثمن الذي قبضه، ويرجع الذي أخذ منه الثمن على الذي باعه بالثمن الذي باعه به، وإن شاء المستحق أخذ جاريته، وإن شاء أخذ قيمتها من الغاصب يوم غصبها، وإن كانت بحالها أو أحسن حالًا، إذا كان قد غيب عليها، كما فسرنا لك. وسألت أصبغ عن ذلك كله، فقال لي فيه أجمع مثل قوليهما، إلا أني رأيته أخذ فيما اختلف فيه قول مالك في تلك المسألة بقول مالك الأول وبه أخذ المصريون. * * * باب التعدي في الميراث ابن حبيب: وسألت مطرفًا عن امرأة مات عنها زوجها، وترك أرضًا وبقرًا وغنمًا ودواب فاستعملت ذلك كله زمانًا، وورثة الهالك صغار أو غيب، ما عليها؟ فقال: عليها حظوظهم من كراء ما حرثت من الأرض، واستعملت من البقر، وسخرت من الدواب بعد أن تقاص بالعلف، وما مات من البقر والدواب في عملها فهي لقيمتها ضامنة، وما استعملت من ذلك فدخله نقص أو عيب فأهله مخيرون في أخذه، وما نقصها أو تضمينها إياه بقيمة يوم أخذته وتعدت عليه، وما مات أو نقص في غير عملها ولا سببها

стр. 111

فلا ضمان عليها فيه إذا تركته على حاله. وما احتلبت من ألبان الغنم وأصابت من رسلها مما فيه فضل عن قيامها بها ورعايتها لها فعليها ذلك الفضل، وإن لم يكن فيه فضل فلا شيء عليها. وما رفعت من الزرع فهو لها وإن كان ذلك في أرض الهالك وببقره وبذره، وعليها مكيلة البذر إن أقرت أن ببذره زرعته بعد أن تحلف بالله لما زرعت إلا لنفسها، وإن زعمت أن البذر من طعامها كان القول قولها في يمينها وسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي مثله أجمع. * * * باب الحفر في غصبٍ ابن حبيب: وسألت مطرفًا وابن الماجشون عن غاصب الدار والأرض يحفر فيها حفرًا تضر بالأرض، أيؤمر بردمها إذا استحقها صاحبها؟ فقالا: نعم، عليه ردمها. قلت: فإن كانت مطامر للطعام ينتفع بها ولعملها مؤنة وثمن، أيعطى في ذلك شيء؟ فقالا: لا، لأنه مما لا ثمن له منقوضًا، وهي للمستحق، ولا شيء عليه فيها، وإن استغنى عنها وأحب ردمها أمر الغاصب بردمها على ما أحب أو كره. وسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي مثله.

стр. 112

باب الجلوس على الثوب في الصلاة ابن حبيب: وسألت مطرفًا عن الرجل يجلس على ثوب الرجل في الصلاة، فيقوم صاحب الثوب المجلوس عليه وهو تحت الجالس فينقطع قطعًا شديدًا، هل ترى على الذي جلس عليه ضمان ما انقطع منه؟ قال: لا، وهذا مما لا يجد الناس منه بدا في صلاتهم ومجالسهم. قال: وقال لي أصبغ مثله * * * بابٌ غَصَبَ عبدًا فأقام عليه البينة فمات ابن حبيب: وسألت أصبغ عن رجل اغتصب من رجل عبدًا فباعه، فأتاه سيده فألفاه في يد المشتري، فأقام عليه البينة وعدل بينته، فمات العبد عند المشتري قبل أن يحكم له به. قال: مصيبته من المستحق إذا مات كما وصفت بعد تعديل بينته، وهو كالحكم له، ويرجع المشتري على البائع الغاصب بالثمن، ولا شيء للمستحق على الغاصب، لأنه كان مخيرًا بين الثمن الذي باعه به الغاصب أن يتبع به الغاصب ويمضي البيع للمشتري وبين أخذ قيمته من الغاصب إن كان السيد قد حال بينه وبين أخذ عبده، فلما طلب العبد وأقام البينة عليه كان كالمختار له، وكالتارك للثمن أو القيمة رضًا بالعبد. وسألت ابن الماجشون عن الرجل يعدو على مال الرجل فيبيعه. فقال لي: إن أدركه صاحبه فهو بالخيار؛ إن شاء أخذه، وإن شاء أجاز بيعه وأخذ الثمن من بائعه، وإن أدركه وقد فات فله الأكثر من قيمته

стр. 113

أو الثمن الذي بيع به، يأخذ ذلك من بائعه. قلتُ: فالشقص الذي فيه الشفعة تتداوله أيد بأثمان مختلفة قبل أن يقوم الشفيع يأخذ بشفعته ثم يقوم، أله أن يستشفعه بأي الأثمان شاء وبأي الصفقات أحب؟ فقال: نعم هو مخير في ذلك؛ فإن أخذ بالصفقة الأولى انتقض ما بعدها، وإن أخذ بالثانية انتقضت الثالثة، وذلك أن الشفعة قضي به رسول الله ﷺ للشفيع إن أراده. قلت: فإن أراد الشفيع أن يجعل بعض هؤلاء المشترين كأنما باع له، ويأخذ لنفسه ما فضل من الأثمان التي وقعت بأكثر من الصفقة التي أخذ بشفعتها، واحتج بأنهم قد باعوا ما كان له أن يأخذه إن شاء، كمثل ما لو أن رجلًا باع مال رجل عدا عليه، فأراد رب المال أن يمضيه ويجيز بيعه. فقال: ليس ما ضربت مثلا؛ المتعدي باع مال رب المال، فكان المتعدى عليه بالخيار وأصحاب الشقص المستشفع ليس من هذا، إنما باعوا ما كان لهم وما هو منهم، وعليهم ضمانه، وما الشفيع عليهم فيه بالخيار، إن شاء ترك فلهم إذ لم يستشفعه ما باعوا به ثمنًا، ولمن اشتراه شراء، فليس للشفيع أن يأخذ فضلًا في الثمن الذي باعه به صفقة لم يرد أن يأخذها بشفعته، بل هو إذا لم يرد أخذها مجوز لها لمشتريها، فالفضل لمن جوزه له فافهم هذا.

стр. 114

وسئل ابن الماجشون عن رجل وجد مملوكًا قد أبق من سيده فآجره في عمل، فتلف العبد في ذلك العمل؛ مات أو انكسر، هل يضمنه الذي آجره؟ فقال: إن كان العبد لصديقه فآجره على حسن النظر له والتخفيف عنه لكي لا تجتمع النفقة عليه، وأجره في عمل مثله، وبالحسنة مضى ذلك، ولا ضمان عليه وإلا فهو ضامن. وسئل ابن القاسم عن رجل غصب رجلًا عشرة دنانير فتجر فيها حتى صارت مائة، ثم قام فقال لصاحبه: قد كنت غصبتك عشرة دنانير فتجرت فيها حتى صارت مائة، فهاك عشرتك، وحللني مما فعلت بك. فقال: لا أفعل حتى تقاسمني ربحها، فما ترى؟ فقال: الربح كله للغاصب بضمان العشرة، فإذا ردها طاب له الربح، وما لم يردها لم يطب له ربح ولا غيره. * * * باب الحكم في الإقرار ابن حبيب: وسمعت مطرفًا وابن الماجشون يقولان: كل من أقر عند قوم في مساق حديث يحدثهم، أو شكر به أحدًا أو أثنى به عليه، لما مضى منه السلف وغير ذلك من الحقوق، ثم ادعى المقر له ذلك، وقال: قد أسلفته كما ذكر ولم أقبض. وقال الآخر: قد قضيته، وإنما ذكرت إحسانه إلي وأثنيت به عليه، فلا يلزم ذلك المقر إذا كان على هذه الجهة، ولا ينبغي للقوم أن يشهدوا بذلك، وإن جهلوا فقاموا بذلك على جهته وكما كان مسافة لم يجز للسلطان أن يأخذه بذلك، وهكذا سمعت مالكًا وجميع أصحابنا.

стр. 115

وأخبرني أصبغ عن ابن القاسم أنه سمع مالكًا يقول ذلك في الإقرار له بالسلف على هذه الجهة ـ فيما طال زمانه أو قرب ـ إذا كان إقراره لحي، وإن كان إقراره لميت؛ فإن كان لما قد بعد وطال زمانه فمثل ذلك أيضًا، وإن كان فيما هو قريب وقته أخذ بإقراره، وفرق بين الحي والميت في هذا؛ أن الميت لعله أن يكون عنده ـ لو كان ـ وثيقة بحقه ذلك سوى إقرار هذا، وأن الحي قائم بحجته ومحيي لحقه، سوى إقرار هذا أن كانت بيده من ذلك وثيقة، ألا ترى أن الميت يقول عند موته: لي على فلان كذا وكذا؟ فلا بد أن يحلف فلان ذلك إذا جحد، وإن لم تعرف بينهما مخالطة، وأن الحي يدعي مثل ذلك فلا يحلف له إلا لمخالطة تعرف. * * * باب الرجل يبيع العبد ثم يقر أنه كان ولده ابن حبيب: وسمعت مطرفًا وابن الماجشون يقولان ـ في الرجل يبيع عبده المجهول النسب، فيصير له المال ويتخذ الجواري ويولد له الأولاد، فيقر البائع أنه كان ولده:- إن إقراره جائز، وإنه يرتجع عبده، وكل ولد له من جواريه فيصيرون ولدًا للبائع" بإقراره، ويلحق به نسبهم، ويرد الثمن الذي كان أخذه من المشتري ثمن العبد وحده، ولا شيء عليه للولد؛ لا قيمة ولا غيرها؛ لأنهم ولد العبد من جواريه فهم کمال من ماله وماله كله له ومعه، ليس للمشتري الذي أفاده عند أن ينتزعه منه.

стр. 116

قالا: وكذلك لو مات العبد ثم أقر البائع بأنه كان ولده فإنه يرد الثمن، ويرد إليه ولد العبد وماله، ويصير ولد ولده أحرارًا. وسألت مطرفًا وابن الماجشون عنه لو كان المشتري زوجه جاريته أو جارية غيره فولدت أولادًا، ثم أقر البائع أنه كان ولده. فقالا لي: إذا يرد الثمن الذي كان باعه به، ويرجع العبد وماله فقط، ولا سبيل له إلى الولد، وذلك لأنهم عبيد لسيد الأمة ـ من كان ـ غير أنهم ينسبون إلى أبيهم وجدهم الذي استحق أباهم وهم عبيد كما هم وليس لأبيهم أخذهم لأنهم ليسوا من جاريته ـ كما فسرنا في المسألة الأولى ـ ولا له أن يفتكهم بقيمتهم إلا برضى سيدهم؛ لأنه لم يغر من شيء، فيكون ذلك له كما يكون المغرور بالأمة ينكحها على أنها حرة، هذا إنما زوج الأمة على أنه عبد ثم انكشف أنه حر، والحر قد يتزوج الأمة فلم يحل حال الأمة عما عليه نكحها، وإنما حالت حالته هو. قال: فأعلمت أصبغ بهذا القول، فاستحسنه وقال به. * * * باب الرجل يبيع الأمة ويقر أنها كانت ولدت منه ابن حبيب: وسألت أصبغ عن الرجل يبيع الجارية وهي حامل أو حائل، فتلد عند المشتري، أو يبيعها ومعها ولد، فيدعي البائع في هذا كله أن الولد ولده. فقال لي: أحسن ما سمعت فيه عندي ـ وقد اختلف فيه ـ قول ابن القاسم وروايته؛ أنه إن كان معها ولد يستحقه أن يقبل إقراره وقوله فيها وفي ولده، رائعة كانت أو دنية، كان له وفاء بثمنها أو لم يكن.

стр. 117

وإن لم يكن معها ولد فانظر؛ فإن كانت رائعة يتهم في استتباعها واسترجاعها بهذا لم يقبل قوله؛ موسرًا كان أو معسرًا، وإن كانت دنية لا يتهم في مثلها قبل قوله، إلا أن يكون معسرًا بثمنها قد أعتقها قبل إقراره بولادتها منه مضى عتقها ولم يصدق في قوله فيها، رائعة كانت أو دنية، كان معه ولد أو لم يكن. وأما الولد فإقراره به جائز موسرًا كان أو معسرًا، أعتقه المشتري أو لم يعتقه. ولحوق النسب أولى وأثبت من ولاء الذي كان أعتقه، كان وحده أو مع أمه، وأما عتق الأمة فلا يرده على حال لقول البائع: إنها قد ولدت مني، كان معها ولد أو لم يكن، وبعض الثمن عليها على ولدها إذا كان باعها ومعها الولد، أو باعها حاملا فولدت عند المشتري، فما أصاب الولد من الثمن رجع به المبتاع على البائع. قلت له: فكيف تكون قيمة الولد في الحصاص إذا كان إنما باعها حاملًا؛ أقيمته يوم ولد أم قيمته يوم أقر به؟ لأنه هو الذي غر وأدخل ذلك على نفسه، ولا يكون أحسن حالًا من الذي يبتاع الجارية فتلد منه ثم يستحقها سيدها أمته فيأخذها ويأخذ قيمة ولدها من أبيه قيمته يوم استحقت الأمة وليس يوم ولدته. فقال لي: لا يشبهه، لأن ولد المستحقة إذا مات قبل ذلك لا يلزم أباه قيمته وأن ولد هذا المقر إذا مات ثم أقر بهذا غرم حصته من الثمن. وسألت عنهما ابن الماجشون، فقال لي: إن كان إقراره بمسيسها قد شهد عليه وسمع منه قبل بيعها فهي مردودة إليه بعدما كان مليا اتهم فيها أو لم يتهم، كان معها ولد أو لم يكن، كانت قد أعتقت أو لم تعتق؛ لأنها بمنزلة أم ولد بيعت. ولو كانت هي ادعت ذلك دونه لكان لا قول لها حيا كان أو ميتًا،

стр. 118

وإن لم يكن سمع منه الإقرار بمسيسها قبل بيعها فانظر؛ فإن كان لا ولد معها وكانت دنية وكان مليا قبل قوله. وإن كانت رائعة يتهم في مثلها لم يقبل قوله. وإن كان مليا قبل قوله ما كانت الأمة رائعة أو دنية. وإن كان معدمًا لم يقبل قوله وإن كانت دنية. وإن كان معها ولد يستلحقه وكان مليا قبل قوله فيها إلا بما ينوبها من الثمن؛ رائعة كانت أو دنية. وإن كان المشتري أعتقها وولدها قبل استلحاق البائع إياها كان الولاء للمستلحق في الولد، وكان لاحقًا بأبيه في النسب، يوارث أباه وذوي رحمه، فإذا انقطعوا ورثه مولاه، وهو يرجع عليه بما ينوبه من الثمن لاستلحاقه إياه وإقراره بأنه ولده، وأما الأمة فلا ترد إليه بعد العتق إلا أن يكون إقراره بمسيسها قد شهد عليه قبل بيعه إياها. قال: وهو أحسن ما فيه عندي. وسمعت ابن الماجشون يقول: من أقر في مرضه لرجل بحق، فقال: لفلان عندي عشرة دنانير وشيء، أو مائة دينار وشيء، ثم مات ولم يسأل عن قوله «وشيء» ما أراد به سقط الشيء لأنه مجهول وثبت العدد الذي بين. وكذلك لو أن قومًا شهدوا بذلك لرجل على رجل فلم يعرفوا كم الشيء ثبت العدد الذي سموا وسقط ذلك الشيء؛ لأنه مجهول بعد أن يحلف المشهود عليه. قال ابن الماجشون: ومن أقر في مرضه فقال: لفلان عندي عشرة دنانير إلا شيئًا، أو مائة دينار إلا شيئًا، أو ألف دينار إلا شيئًا، ثم مات ولم

стр. 119

يسأل عن قوله: «إلا شيئًا» كم هو؛ فإن هذا يجعل على ما يتصرف في كلام الناس، ويحسن في لفظهم، ويجري في قولهم، إلا أن الله جل وعز قال: ﴿فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما﴾ [العنكبوت: ١٤] فخذه بما يحسن من كلام الناس ويجري بينهم، وارم به الأقصى من ذلك، فقد يحسن في الألف إلا (شيئًا أن) يكون إلا خمسين وإلا سبعين وإلا ثمانين وإلا تسعين ـ وهو الأقصى ـ ولا يكون إلا مائة، لا تجد أحدًا يقول له عندي ألف إلا مائة، هذا محال فاحمله على أقصى ذلك، وأقصاه عندنا تسعون في الألف. وإذا قال: له عندي عشرة آلاف إلا شيئًا، فاطرح بإلا مائة، فإنه أقصى ذلك في الكلام. وإذا قال له: عندي مائة إلا شيئًا فاطرح بإلا تسعة، فإنه أقصى الشيء؛ لأنه قد يقال: له عندي مائة إلا درهم، وإلا ثلاثة، وإلا خمسة، إلى تسعة وهو الأقصى، ولا يقول أحد إلا عشرة، لأنه يقول: له عندي تسعون. إن شاء. قال: وإذا قال له: عندي درهم إلا شيئًا، أو درهمان إلا شيئًا، فاطرح بإلا ثلث درهم، وهو الأقصى في مثل هذا، ما بينك وبين الخمسة عشر لا يحسن هاهنا في قوله إلا شيئًا إلا أن يكون درهما. فأما في العشرين والثلاثين والأربعين فعلى قدر ما يجتهد فيها المجتهد أن يكون، إلا درهما وإلا درهمين وإلا ثلاثة في الثلاثين والأربعين والخمسين، وأربعة فيما فوق ذلك، ولا نراه خمسة ولا أكثر.

стр. 120

وإذا قال: له عندي خمسة وتسعون درهمًا إلا شيئًا، أو خمسة ومائة درهم إلا شيئا، فلا تجعل الشك بإلا في الجملة كلها ولا في النيف؛ لأنا قد علمنا أنه حين أضاف مع الجملة أن الجملة صحيحة عنده، وإنما يشك في النيف، فيطرح ثلث درهم من النيف كله فقط، وقس بهذا المعنى الذي وصفت لك تهتد إن شاء الله. وسمعت ابن الماجشون يقول ـ في الرجل يقول عند القوم: أسلفني فلان مائة دينار فقضيته ـ إنه مصدق، ولو قالها عند السلطان لم يصدق حتى يأتي بالمخرج، وفرق بين ذلك أنه ما كان من إجرائه إنما جره الحديث والقصة والخبر على حال الشكر أو الذم، فلا يؤخذ به أحد. من ذلك أن يقول: لقد أسلفني فلان فأحسن مبايعتي أو أساء مبايعتي حتى قضيته، فيبلغ ذلك الرجل فيقول لهذا: أسلفتك وما اقتضيت منك فهات ما أقررت لي به. فلا يكون ذلك عليه. ولو كان رجل ناكر رجلًا ثم تقاعدا عند السلطان، فقال: قد أسلفني وقضيته. كان عليه المخرج؛ لأن هذا أقر بحق وادعى بقضاء في موضع الإقرار والدعوى والإنكار والفصل بالبينات. وسألت مطرفًا عن ذلك فقال لي مثله. وقال لي أصبغ مثل ذلك أيضًا. وسألت ابن الماجشون عن المولى المعتق الثابت الولاء يقر بأخ في حياته وصحته، يقول هذا: ولدنا جميعًا في الإسلام، ثم فرقنا البيع ونحن صغيران، فالآن حين اجتمعنا، ويقر له أخوه الآخر بذلك برهة، ثم يموت المولى المعتق، فيريد أخوه أن يرثه بذلك الإقرار الذي كان منه في

стр. 121

حياته، ويدفعه المولى عن الميراث لولائه المعروف الظاهر. فقال لي: الإقرار له، وميراثه لمولاه، وليس يلحق نسب أحد من أخ ولا ابن ولا عم ولا ابن عم بمن استلحقه حتى يكون وارثه وموروثه بذلك الاستلحاق إلا استلحاق الوالد لولده فقط، وسواء كان ذلك في الحياة والصحة أو عند الموت، ألا ترى أن الذي يستلحق أحدًا في ميراث أبيه أنه يعطي من نصيبه وميراثه قدر ما كان المستلحق يأخذ منه مما صار إليه لو كان جميع الورثة أقروا به بمثل ذلك لأنه أقر له بمال في يديه يدفعه إليه، ثم لا يكون بذلك بعد ذلك وارثًا للمستحق إن مات، ولا موروثًا له إن مات هو قبله. قلت: فالجد يقر بولد ابنه والابن قد مات، هل يجوز إقراره واستلحاقه؟ فقال لي: لا، من قبل أن الولد نفسه لو كان حيا فأنكر ذلك الولد ابنه المستلحق للجد جاز إنكاره وبطل إقرار الجد واستلحاقه، فلذلك لا يجوز استلحاقه ولد ولد له قد مات، ولا يدرى هل كان يقر بما أقر به الجد أو ينكر، وهو لا يلحق بالجد إلا من بعد لحاقه بابن لجد، ولا يلحق بابن الجد إلا بإقرار من الابن، وهو قد مات، وفات منه موضع إنكاره وإقراره. قلت: فلو كان إنما أقر بولاية لرجل كما أقر لهذا أنه أخوه؟ قال: يلزمه إقراره بالولاء؛ لأنه حق أقر به سواء كان ذلك في صحة أو مرض إذا كان لم يكن يعرف قبل ذلك أنه أخوه إلا بهذا الإقرار الحادث. وسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي مثل قول ابن الماجشون، وقال:

стр. 122

سواء كان إقراره في صحة أو مرض، إلا أن يموت المقر ولا وارث له بنسب ولا ولاء إلا هذ المقر به، فيرث ويكون هو أحق بذلك إذا لم يدفعه احد. قلت: المسلمون يدفعونه عنه لأنهم هم يرثون من لا وارث له؟ قال: إنما يرثون من لا وارث له، وهذا قد أقر بهذا أنه وارثه، وأنه أحق بميراثه، فهو له دون المسلمين في جميع هذه الوجوه التي ذكرت من الجد في ولد ولده، ومن المولى في أخيه، ومن غيره، وقد سمعت ابن القاسم يقول: ـ في الرجل يقول عند موته: فلان أخي ولا وارث لي غيره ثم يموت ـ إنه يرثه إذا لم يكن له ورثة سواه يعرفون بقرابة أو ولاء. ابن حبيب: ومعنى هذا أنه لم يكن يعرف في حياته بخلاف ذلك أو كان أمرهما مجهولًا، فأما إذا كانا يعرفان جميعًا في حياته بغير القرابة ثم أقر عند موته أو في صحته بأنه أخوه فلا ميراث له، لأن هذا استلحاق به، والاستلحاق لا يكون إلا في الولد. فسألت مطرفًا وابن الماجشون عمن أعتق عبدًا كان بيده وفي خدمته، ثم أتى رجل يدعيه عبدًا له، فأقر له به المعتق، وقال: العبد عبدك وقد ظلمتك حقك. فقالا: لا يقبل قوله في رد عتق العبد حتى يثبت ذلك للمدعي بالبينة العادلة، ولكن لا بد أن يغرم هذا المعتق لهذ المدعي قيمة العبد يوم أعتقه أو يوم أخذه منه بغير حق إن كان من ذلك تفاوت، ولا يرد عتقه بقوله وإقراره. قالا: وأيسر من العتق أن لو كان وهبه لرجل ثم أقر به لآخر لما نقض هبته، ولكن يغرم قيمته للمقر له، وكذلك لو باعه من رجل ثم أقر به لآخر لم ينقض بيعه بقوله وإقراره، ولكن يغرم للمقر له الأكثر من القيمة أو الثمن، وكذلك سمعت مالكًا يقول في هذا وأشباهه. وسألت عن ذلك ابن عبد الحكم وأصبغ فقالا لي مثله.

стр. 123

وسمعت مطرفًا يقول: قال مالك: من أقر بولد لرشدة فهو مصدق في إقراره واستلحاقه له حتي يستدل على كذبه أو تقوم بينة بخلاف ما قال. فسألت ابن الماجشون عن ذلك، فقال لي: قول مالك وأصحابنا وقولنا ـ وهو الصواب إن شاء الله ـ أن كل من أقر بولد فهو غير لاحق به أبدأ حتى يأتي بسبب يصدق به، ويمكن أن يكون مثل أن تكون أمه أمة كانت له أو ما أشبه ذلك، هو عندنا أبدأ على التكذيب حتى يأتي بما يصدقه. قلت له: أو هو على التصديق حتى يأتي بما يكذبه؟ فقال لي: لا نعرف الذي تقول، وهو خطأ فاحذره. وقول مطرف في ذلك أحب إلي، وبه أقول، وبه رأيت المصريين يقولون، وهي رواية ابن القاسم عن مالك أيضًا إلا أن يدعي ولدًا من أمة يعلم أنه لم يملكها قط بملك ولا نكاح، أو يدعي ولدًا من حرة يعلم أنها لم تكن زوجة له، وما أشبه هذا مما يري أنه كاذب في قوله ومتهم في إقراره، فلا يصدق حتى تشهد البينة على ما قال كما روى ابن الماجشون. قال: وسمعت ابن الماجشون يقول: من أقر بابن على وجه الشبهة من أمة كانت له، أو أنه كان تزوج أمة وكان ذلك معروفًا، أو كان مجهولًا لا يدرى أكان أو لم يكن، فهذا ثابت النسب منه ما لم يكن الابن قد حازه نسب غيره، وكان معلومًا بأن أم الابن لم تكن له بزوجة ولا أمة فيكون قد استبان كذبه، ولا يلحق به نسبه، وهو حينئذ كولد زنًا، وولد الزنا لا يلحق وإن استلحق. قال: وسمعت ابن الماجشون يقول: لا يقر الأخ بأخ ولا يثبت بذلك نسبه.

стр. 124

وسألت أصبغ عن الرجل ينحل ابنته رقيقًا فتتزوج عليها، ثم يدعي الرقيق الحرية فيقر لهم الأب بذلك. فقال لي: إن كان إقراره والابنة في ولايته - دخل بها زوجها أو لم يدخل - بحيث لو ابتغى عتقهم وهو مليء جاز فإقراره لهم جائز، وتؤخذ منه القيمة إن كان مليا، وإن كان معدمًا لم يجز إقراره، وإن كانت الابنة ليست في ولايته مثل أن تكون ثيبًا قبل البناء بها أو بكرًا وقد دخل بها زوجها، وحاز أمرها، فإقراره غير جائز وإن كان مليا، إلا أن تقوم لهم البينة على أنه قد كان أعتقهم وهم في ملكه قبل الهبة فتمضي الشهادة مليا كان أو معدمًا. وسألت أصبغ عن النصراني يسلم ثم يستليط الولد، ويقر أنه زني به في نصرانيته، أترى أن يلحق به؟ ونأخذ فيه اليوم بفعل عمر؟ قال: نعم، يلحق به ويلاط به ما استلاطه، ويحمل في ذلك على حكم عمر. قلت له: فالمرأة المسبية تأتي حاملًا فتلد، ثم يأتي حربي فيسلم فيدعي أنه ولده، أترى أن يجوز إقراره ويلحق به؟ قال: لا، وسواء جاءت به محمولًا أو مولودًا، وهو خلاف النصراني يسلم ثم يقر بولد كان منه زنًا في نصرانيته؛ لأن الرق جرى في ولد هذه المسبية، وهو من حبل الشرك وولادته التي لا يتوارث بها، وإقراره بحملها كإقراره بما قد زايلها من الولد المسبي الذي لا تولد عنه بقولها، وهي لا ترثه ولا يرثها بذلك. قلت لأصبغ: فما تفسير «لا يتوارث بولادة الشرك»، أذلك بالإقرار بغير بينة؟ أم يكون ذلك فيما ثبت بالبينة؛ مثل الأسرى من المسلمين والتجار وشبههم يشهدون على أنسابهم بعضهم من بعض؟ فقال لي: قد كان بعض العلماء يحمله على ظاهر الحديث: «لا يتوارث بولادة الشرك» ولا يلتفت فيه إلى البينة، وليس ذلك عندي كذلك،

стр. 125

إنما عمله عندنا على المجهول أمره، الذي لا يعرف إلا بدعوى أهله أو إقرارهم، وأما ما ثبت من ذلك بالبينة فهو لاحق ووارث، وهو على الحلال حتى يعرف سواه، ألا ترى أنها تسبى حاملًا أو تستأمن حاملًا فتلد عندما تؤمن بلا زوج معروف فيتوارثان بالأب والأم، ويحملان محمل الزوج ومحمل الحلال! فإذا ثبت ذلك بالبينة فهو أولى وأحق وأقطع. وكذلك كان ابن القاسم يقول. فسألت عن ذلك مطرف بن عبد الله وابن الماجشون، فقال لي ابن الماجشون: لا يتوارث بولادة الشرك وإن ثبت ذلك بالبينة وحمله على ظاهر الحديث. وقال لي مطرف مثل قول ابن القاسم وأصبغ. ابن حبيب: وقول ابن الماجشون في ذلك أحب إلي، وبه أقول. وقال: حدثني ابن أبي أويس، عن أبيه، أنه سمع ربيعة وابن هرمز يقولان: مضت السنة في أن ولادة الأعاجم لا يتوارث بها في الإسلام، وإن شهدت البينة العدول على قرابة بعضهم من بعض. قلت لأصبغ: فإن كانوا جماعة تحملوا أو افتتحوا أو أسلموا على دراهم توارثوا على ذلك بقولهم وإقرارهم وما حازوا من أنسابهم؟ قال: نعم، ألا ترى أنه يكون لهم ما حازوا من أموالهم بقولهم، فكذلك ما حازوا من أنسابهم في ذلك. فإن قال قائل: فافتتاحهم مخالف في ذلك لأموالهم؛ فإن الأنساب بالفتح الشامل الفاشي مجوزة، لأنه لا توله والدة عن ولدها بقولها ودعواها، وهما لا يتوارثان به في غير الفتح الفاشي الكثير، فإذا فشا وكثر كان

стр. 126

كالشهادة، وإذا كانوا قلة جدًا مثل النفر اليسير ـ مثل الخمسة والعشرة ـ لم يکن قولهم وإقرارهم بذلك كالشهادة ولا كالحيازة، ولا يتوارثون إلا بقاطع من الشهادة، سواهم كالسبي سواء، وكذلك أخبرنا ابن القاسم عن مالك. قال: وسألت عن ذلك مطرفًا وابن الماجشون، فقالا لي مثله وهو قول مالك. * * * باب أقر بوارثٍ معه غائب أنه حي ابن حبيب: وسمعت أصبغ يقول ـ في وارث معه وارث غائب أقر هذا الحاضر بحياة الغائب، وقد علم أنه لا علم له بحياته ولا بموته:- أرى أن يؤخذ بإقراره إذا أقر إقرارًا صراحًا مستبصرًا بأن الغائب حي يوم مات هذا الموروث، ثم يوقف القاضي نصيب الغائب يحوزه عليه، أو يقضي منه دينه كما لو كانت البينة بمكان هذا الإقرار ما لم يتلعثم بالشك في إقراره. وسمعت ابن الماجشون يقول ـ فيمن يشهد عليه أن لرجل عليه دنانير، أو قالوا: عليه دراهم لا يعرفون عددها ـ إنه يلزمه أقل عدد جمع الدنانير أو الدراهم وذلك ثلاثة، ويحلف ما عليه له غيرها، فإن أبي أن يحلف حلف الآخر على ما سمى واستحق حقه. وكذلك لو شهد عليه أنه قال له: أعطني الدنانير التي لي عليك. فقال: نعم، ثم أنكر بعد ذلك؛ أنه يلزم أقل عدد الجمع من الدنانير. وسمعت ابن الماجشون يقول ـ فيمن قال لرجل: عنده عشرة دنانير وعشرة آصع حنطة، وزعم الطالب أن له عليه الأمرين جميعًا ـ فإن كان الذي هو أول في لفظه الأكثر فألزمه الأكثر، وإن جعل شكه في الأقل فإن ثبت عليه بالبينة وإلا حلف أنه لم يكن عليه إلا أحدهما.

стр. 127

وكذلك إذا قال: لك عندي مائة دينار أو ألف درهم، أو قال: له عندي درهمان أو درهم؛ ألزمه الأكثر الذي بدأ به، وأجعل شكه الذي اتبع إقراره بالأكثر ندمًا منه عليه كأنه قال لك عندي درهمان أو لا شيء. وإذا بدأ بالأقل ثم أتبعه الأكثر بالشك، مثل أن يقول: له عندي درهم أو درهمان؛ لم يلزمه إلا درهم، وحلف ما كان قوله درهمان إلا شكا. * * * باب الحكم في الصلح ابن حبيب: وسمعت مطرفًا وابن الماجشون يقولان ـ في الوكيل المدير المفوض إليه النظر لمن وكله في كل أموره - لا بأس أن يصالح غرماء الوكيل، إذا كان ذلك وجه النظر له فيها، ويلزم ذلك الموكل بمنزلة صلح الأب والوصي، فأما أن يكون وكيلًا على تقاضي دين مفوض إليه النظر له في ذلك الدين، فلا يجوز صلحه حتى يفوض إليه الصلح فيه. قلت لهما: فإذا صالح الغريم هاهنا حيث لا يجوز الصلح، واشترط عليه إن لم يمض الموكل الصلح فما أعطيتك مردود إلي؟ قالا لي: فالشرط ماض، وهو غير قبض لازم؛ لأنه لعله قضاه بمال تسلفه أو ما أشبه ذلك، وأنه أيضًا إن كان عليه دين فقام غرماؤه ففلسوه دخلوا في ذلك المال بهذا الشرط فضربوا فيه كلهم، ولولا الشرط لم يرد ولم يدخل فيه غريم، وكان سائغًا للموكل، واتبع الغريم بما بقي في ذمته. قال لي مطرف وابن الماجشون: ولو كان الوكيل قد دفع ذكر الحق، أو أمات ما كان حيا من حق الموكل بما كان من الصلح، كان الوكيل ضامنًا لذلك بتعديه بما لم يؤمر به ولم يفوض إليه.

стр. 128

قلت لهما: فلو كان إنما صالح الوكيل عن الغريم بعض من يعنيه أمره بمال نفسه ـ والغريم حي أو ميت - فصالحه بالذي أعطاه من مال نفسه على أن يلحق ذمة الغريم، فلما أبي الموكل إمضاء ذلك ولم يجزه أراد هذا المصالح أن يرجع فيما أعطى من ماله في الصلح. فقالا لي: ذلك له وإن لم يكن اشترط ذلك، وليس يشبه ما صالح به الغريم عن نفسه، ذلك لا يرجع فيه باشتراط، وهذا يرجع وإن لم يشترط؛ لأن الذي له أعطى ماله لم يتم له إلا أن يشاء الموكل إمضاء ذلك، فإن أبي رد إليه ما أعطاه واتبع ذمة غريمه بجميع حقه. وسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي مثله. قال: وسمعت مطرفًا وابن الماجشون يقولان: كل من وكل على تقاضي دين أو خصومة، أو على أمر بعينه وفوض إليه النظر فيه لمن وكله، فلا يجوز صلحه حتى يفوض إليه الصلح فيه، وكل من وكل وكالة تفويض في جميع أمور الموكل؛ ليس في شيء بعينه فذلك يجوز صلحه وإن لم يسم له الصلح. قال: ولا يجوز من الصلح حيث جوزنا الصلح إلا ما كان نظرًا للموكل. وسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي مثل قولهما فيه. وسألت مطرفًا وابن الماجشون عن الصلح يقع بما لا يجوز التبايع به؛ مثل الرجل يدعي على الرجل حقا فينكره، فيصالحه منه على سكنى داره سنة قبل أن يعرف الغلة، أو يدعي قبله شعيرًا فيصالحه بقمح إلى أجل، وما أشبه هذه الوجوه.

стр. 129

فقالا لي: لا يجوز الصلح بشيء مما ذكرت؛ لأنه حرام صراح، والصلح به مفسوخ إن عثر عليه قبل أن يفوت، وإن فات قبل الفسخ صحح بالقيمة على قابضه، كما يصحح البيع الحرام إذا فات ثم رجع على صاحبه في دعواه الأولى، إلا أن يصطلحا آخرًا بما يجوز به الصلح. قال لي مطرف وابن الماجشون: انظر كل ما وقع به الصلح من الحرام الصراح البين فالصلح فيه مفسوخ أبدًا، إلا أن يفوت فيصحح بالقيمة كما وصفنا لك، لقول رسول الله ﷺ : «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالًا». قال لي مطرف: وكل ما وقع به الصلح من الأشياء المكروهة التي ليست بحرام صراح فالصلح بها جائز ماض. وقال لي ابن الماجشون: إن عثر عليه بحدثانه فسخ، وإن طال أمره مضى. قال: وقول مطرف في إجازته: وإن عثر عليه بحدثان أحب إلي إذا لم يكن حرامًا صراحًا، كما قال. وقد رأيت أصبغ بن الفرج يجيزه كله؛ حرامه ومكروهه، وإن عثر عليه بحدثان وقوعه، ويقول: إنما هو عندي كالهبة، ألا ترى أنه لو صالحه

стр. 130

من دعواه بشقص لم تكن فيه شفعة لأنه كالهبة! قال أصبغ: وهذا في الحكم بإجازته، فأما فيما بينه وبين الله فلا يحل له أن يأخذ إلا ما يجوز في التبايع. قال لي أصبغ: وقد حدثنا سفيان بن عيينة، أن علي بن أبي طالب أتي بصلح فقرأه، فقال: هذا حرامه، ولولا أنه صلح لفسخته. وقول مطرف وابن الماجشون أحب ما فيه إلي، وبه أقول، وهو أقوم لحديث رسول الله ﷺ : «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالا». وسألت مطرفًا وابن الماجشون عن قوم تنازعوا في منزل لهم أو غيره، ثم اصطلحوا على أن من أراد منهم البيع لم يبع إلا منهم. فقالا لي: إن كان شرطهم أن لا يبيع الا منهم بما أعطوه من قليل أو كثير لم يصلح ذلك، وكان الصلح منتقضًا أبدًا، ورجعوا إلى رأس أمرهم، وإذا كان شرطهم أنه من أراد البيع منهم عرض ذلك على أصحابه بما يعطي فيه؛ فإن رضوا أخذوا، وإن كرهوا ردوا، وباع من غيرهم إن شاء، لم نر بهذا في الصلح بأسًا، ولو وقع هذا الشرط في البيع ابتداء لم يجز وفسخ إلا أن يفوت، فيرد إلى القيمة إلا أن تكون القيمة أدنى من الثمن فلا ينقص من الثمن. قلت لهما: فإن اشترطوا أن من أراد البيع منهم لم يكن له أن يبيع من فلان لرجل قد كرهوه لقبح جواره؟ قالا: لا بأس به في الصلح والبيع، ولو كان شرطه ألا يبيع إلا من فلان كان بمنزلة قولهم ألا يبيع إلا منا، وقد فسرناه لك.

стр. 131

قلت لهما: فإن اشترطوا ألا يبيع من أراد البيع منهم ممن يضر بهم؟ فقالا لي: أما في البيع فلا يجوز، ويفسخ البيع بهذا الشرط، إلا أن يفوت فيصحح بالقيمة كما فسرنا لك، فأما في الصلح فإن عثر عليه بحدثانه فسخ، وإن طال أمره أو باع أحدهم مضى. وسألت أصبغ عن ذلك، فكرهه في البيع والصلح من أول المسألة، وقال: لا يجوز. وقول مطرف وابن الماجشون فيه أحب إلي، وبه أقول. وسألت مطرفًا عن رجل أتى إلى رجل ـ ولأبيه عليه دعوى ـ فقال له: إن أبي قد وكلني على مصالحتك من دعواه قبلك فصالحني، فصالحه، ثم قال المدعى عليه: تذهب إلى أبيك ـ وكان غائبًا ـ فتعرض عليه هذا الصلح وتتوثق من رضاه به، ففعلا فألفياه قد مات، فرجع أحدهما عن الصلح، ورأى أن ذلك له بموت الأب. فقال لي: إن كان على الوكالة بينة وثبتت الوكالة لم يلزم ذلك الورثة إلا أن يشاؤوا، فإن شاؤوا أن يمضوا الصلح، وقالوا: هذا الحق قد صار لنا فنحن نمضي الصلح الذي صالحت به أخانا أيها الخصم. مضى ذلك عليه، وإن أبوا، وأراد الخصم أن يمضيه عليهم لم يكن ذلك له إلا الذي ادعى الوكالة وتولى المصالحة، فإن الخصم يلزمه ذلك إن شاء، وإن شاء لم يلزمه ذلك، ورجع إلى أمره إذا أبي جميع الورثة أن يمضوا ذلك. قال لي مطرف: ولو كان الذي ادعى الوكالة وتولى المصالحة هو وارث أبيه وحده للزمهما جميعًا الصلح ولم يكن لواحد منهما أن عنه. قلت: فلو رضيا جميعًا بمتاركة الصلح والانصراف إلى دعواهما الأولى؟

стр. 132

قال لي: إذا لا يحل ذلك لما فيه من الخطار والقمار؛ لأن الشيء الذي وقع به الصلح قد صار لابن الهالك، وبرئ الآخر من الدعوى وصار الحق الذي كان يدعى قبله، فهما عنده بمنزلة رجلين قال أحدهما لصاحبه: أعطني دينارًا على أن نختصم في ثوبي هذا فإن قضي لك به فهو لك، وإن قضي لي به فالدينار لي، فهذا من أعظم الخطار. قال لي مطرف: وكل مصطلحين تم صلحهما وأشهدا عليه ثم أرادا أن ينقضا الصلح ويرجعا إلى الخصومة لم يجز ذلك؛ لأنه وجه من المخاطرة، ولم ينبغ للحاكم أن يدعهما وذلك. وسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي فيه أجمع مثل قول مطرف. وسألت مطرفًا عن رجل ادعى قبل رجل حقا، وأنكر ذلك المدعى قبله، ثم دعاه فقال: هذا الذي تدعي علي حقًا كان أو غيره هو كما تقول فصالحني، فيقول المدعي: أما أنت فقد أقررت لي ولا أصالحك، ويقول الآخر: ما قلت ذلك إلا على وجه الصلح وما أعلم لك علي حقًا. قال: فالقول قوله، ولا يلزمه إقرار إلا أن يرى أنه قد أقر به إقرارًا بينًا ثم دعاه إلى الصلح. وسألت أصبغ بن الفرج عن ذلك فقال لي مثله. وسألت مطرفًا عن رجل ادعيت قبله سرقة فصالح على الإنكار لها، ثم أتى رجل فأقر أنه الذي سرقها. فقال لي: إن ثبت على إقراره قطع، ثم إن كان مليا أخذ منه المدعى قبله الأول ما صالح به، ويأخذ المسروق منه تمام سرقته، وإن كان عديمًا لم يكن عليه شيء، ولزم الصلح الأول، ولم ينتقض إقرار هذا.

стр. 133

قال: وإن رجع عن إقراره قبل القطع ذرئ عنه القطع، واتبعه المصالح بما صالح به، واتبعه المسروق بتمام سرقته إن كان معدمًا، وإن كان مليا أخذ ذلك منه معجلًا. وسألت أصبغ عن ذلك فقال لي مثله. وسألت مطرفًا وابن الماجشون عن الأب يريد أن يصالح عن ابنته البكر لبعض حقها؛ إما من ميراث من زوج هلك عنها قبل البناء بها، وإما من صداقها منه أو من ميراث من أم أو غير ذلك من الحقوق، هل يجوز ذلك عليها؟ فقالا لي: إن كانت حقوقها في عروض وأصول ودور فلا بأس به أن يصالح عليها بدنانير أو بدراهم، وإن كانت أقل من حقها، وإن لم يكن في حقها دعوى ولا شبهة لبس وفي هذا لها نظر. قالا: وإن أحب أن يضع من حقها على غير هذا الوجه ـ وحقها ظاهر لا دعوى فيه ولا لبس - فذلك غير جائز عليها، ولا لازم لها، وهي ترجع بذلك على من كان ذلك عليه لا على أبيها، ولا يكون للذي كان وضعه الأب عنه أن يرجع به على الأب إلا أن يكون الأب تحمل ذلك لابنته في ماله فترجع به الابنة على أبيها إن كان موسرًا، وإن كان معسرًا رجعت به على الذي كان عليه، ورجع به ذلك على الأب واتبعه به دينًا في ذمته. قلت لهما: فإن كان الأب لم يتحمل ذلك لابنته في ماله إلا أن الذي كان ذلك عليه معدمًا؟ قالا: إذا ترجع بذلك على أبيها؛ لأنه الذي أتلف حقها حين ترك اقتضاءه أو أضاعه.

стр. 134

وسألت أصبغ عن ذلك، فقال لي مثله فيه أجمع. قال: وسمعت مطرفًا وابن الماجشون يقولان ـ في القوم يصطلحون في المواريث تقع بينهم وبعضهم غيب فيضمن الحاضر رضا الغائب إن كره الصلح أو ادعى شيئًا ـ قالا: هذا له ضامن إن ذلك مما لا يجوز الصلح به وذلك مفسوخ. قال: وسألت أصبغ عن ذلك، فقال لي مثله أيضا. وسألت مطرفًا عن الحميل ينكر الحمالة، والمتحمل عنه غائب فيصالحه المتحمل له ببعض الحق، ثم يقدم المتحمل عنه أيرجع عليه المتحمل له ببقية الحق؟ أم لا يكون له شيء لرضاه بالصلح؟ فقال لي: يحلف بالله ما صالح الحميل رضًا بالصلح من جميع حقه ثم يرجع عليه بتمام حقه، إلا أن يكون أشهد أنه إنما يصالح الحميل لإنكاره الحمالة وأنه على حقه على الغريم، فلا يكون عليه يمين. قال: قلت لمطرف: فلو أن لرجل على رجل حقا فجحده، فصالحه على الإنكار ببعض الحق، ثم أقر بعد الصلح أن الذي كان يدعي عليه حق، هل يلزمه غرم ما بقي من حق المدعي؟ قال: نعم، يلزمه ذلك قلت: ولا يشبه هذا قول مالك ـ في الذي يصالح وبينته غائبة أو لا يعرف لنفسه بينة ثم يعثر عليها بعد ذلك ـ أنه لا شيء له والصلح يلزمه؟ فقال لي: لا يشبه به، لأن هذا متماد على إنكاره ولعل عنده للبينة مدفعًا، ولكن الصلح قطع لذلك، والأول مقر بأنه كان جاحدًا لحقه ظالما

стр. 135

له، وقد قال مالك ـ في رجل كان له ذكر حق على رجل فضاع وأنكر غريمه الحق فصالحه على الإنكار، وقد شكا ذهاب ذكر حقه، ثم يجد بعد الصلح ـ إن له أن يرجع عليه ببقية حقه. ولم يجعله مالك كالذي يجد البينة على حقه بعد الصلح. قلت لمطرف: فإن كان هذا الذي ضاع ذكر حقه قال له غريمه: حقك حق، فأت بكتابك فامحه عني وأدفع إليك حقك كله. فيقول الآخر: قد ضاع ذكر حقي، ولكن أصالحك على أن أضع عنك كذا وكذا، ودع طلب محو ذكر الحق فقد ضاع ولا أجده. فيفعل، فيجد ذكر حقه، أترى لهذا أن يرجع ببقية حقه؟ فقال: لا، وليس لهذا أن يرجع بشيء، وليس يشبه هذا الأول. وسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي فيه أجمع مثله. قال: وسمعت مطرفًا يقول قال مالك في الرجل يقول: إن عجلت لي حقي اليوم أو إلى شهر فلك وضيعة كذا وكذا فيعجله للوقت إلا درهمًا أو ما أشبهه من الأمر التافه الذي لا قدر له أن الوضيعة له لازمة. قال مالك: ولو جاء به بعد الوقت باليوم ونحوه لكانت الوضيعة له لازمة أيضًا. قال لي مطرف: ومما يدلك عليه أيضًا قول مالك في الرجل يسلف في الضحايا للأضحى فيأتي بها بعد أيام الأضحى بيوم وما أشبهها أنها له لازمة وإن جاء بها بعد الأضحى بالأيام والأمر البعيد فهو بالخيار، إن شاء قبلها وإن شاء رجع عليه برأس ماله، وسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي: لا أرى الوضيعة تلزمه بنقصان الدرهم ولا بمجاوزة الوقت وإن كان باليوم ونحوه. وقول مطرف فيه أحب إلي وبه أقول. وسألت مطرفًا عن الرجل يحكم له بالحكم على الرجل فيصالح

стр. 136

المقضي عليه بعد الحكم ببعض الذي قضي له به فيطلب المقضي عليه فسخ القضاء عن نفسه وقطعه بذلك الصلح ويأبى ذلك المقضي له فقال لي: ذلك للمقضي له لأن القضاء وثيقة له في الذي أخذ في الصلح بالقضاء وليوثق المقضي عليه لنفسه في صلحه بكتاب يكون تاريخه بعد تاريخ القضاء ويذكر القضاء في صلحه. قال: وسألت أصبغ عن ذلك فقال لي مثله. وسألت مطرفًا عن الرجل يدعى قبل الرجل حقا ينكره، ثم يدعوه إلى الصلح فيشهد المدعي سرا: إني إنما أصالحه لإنكاره إياي، وإني على حقي بعد الصلح، هل ينفعه ذلك؟ فقال لي: لا ينفعه ذلك، ولا يجوز إشهاد على سر، بخلاف ما يقع به الصلح. والصلح يقطع ذلك، وقد أبطل مالك ما هو أقوى من الشهادة في السر - وذلك أن يجد البينة على أصل حقه ـ ورأى الصلح من البينة. قال لي مطرف: إلا أن يقر المدعى قبله بعد الصلح منه على الإنكار أن حقه كان حقا، فيؤخذ ببقية الحق. وسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي مثله. وسألت مطرفًا وابن الماجشون عن الخصمين يشترط أحدهما لصاحبه إن لم يوافه عند القاضي لأجل يسميه فدعواه باطلة إن كان مدعيًا، أو دعوى صاحبه إن كان حق مع يمينه إن كان مدعى عليه، فيحلفه، هل يلزمه هذا الشرط؟

стр. 137

فقال لي: لا يوجب الشرط حقا لم يجب، ولا يسقط حقا واجبًا وهو باطل. قلت لهما: فالرجل يتعلق بالرجل قد أراد سفرًا يدعي قبله حقا، فيقول له: لا تقطع لي عن سفري، فإذا رجعت فما حلفت عليه فأنت مصدق. أيلزمه ذلك؟ قالا: نعم، ولا تشبه هذه الأولى، لأن الأولى مخاطرة حين قال: إن لم أوافك فأنت مصدق مع يمينك، وهاهنا قال: إذا رجعت فأنت مصدق مع يمينك فذلك كذلك. قال: قلت لهما: فالخصمان يتواعدان للموافاة عند السلطان ـ وهو على بعد منهما ـ ليوم قد سمياه، فيقول أحدهما لصاحبه: إني أخاف أن تخلفني فأعنى وأغرم كراء الدابة. فيقول: إن أخلفتك فعلي كراء الدابة. فيخلفه. فقالا لي: لا يلزمه ما ألزم نفسه من ذلك. وسألت أصبغ عن ذلك كله، فقال لي مثله. وسألت ابن الماجشون عن الرجل يدعي قبل الرجل حقا فيخاصمه فيقضي له عليه، فيصالحه منه على شيء، ثم يرجع القاضي عن قضاء ذلك، هل يرجع هذا بما صالح به؟ فقال لي: نعم، يرجع بذلك عليه كما كان يرجع لو دفع جميع الحق. وسألت عن ذلك مطرفًا، فقال لي: أرى الصلح ماضيًا بينهما، ولا يشبه الصلح أخذه منه ما يحكم له به وذلك يرجع به عليه إذا رجع الحاكم عن حكمه، وأما الصلح فماض، وهو عندي بين. فسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي مثل قول ابن الماجشون. ابن حبيب: وهو أحب إلي، وبه أقول.

стр. 138

وسألت مطرفًا عن الشفيع والمستشفع منه يصطلحان في ترك الشفعة علي أنه متى بلغه أذاه أو أذى ولده فهو على شفعته، أترى هذا الصلح لازمًا لهما؟ فقال: لا أراه لازمًا لواحد منهما ومتى ما طلب الشفيع شفعته أخذها، ومتى ما قام به المشتري إلى السلطان وقفه على الأخذ أو الترك ما لم يطل الزمان، كما قال مالك في شفعة الحاضر، وطول الزمان في ذلك عندنا السنون الكثيرة. وسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي: الصلح جائز والصلح به لازم، ليس لشفيع أن يرجع عنه حتى يأتي الذي استثنى، وإن أراد المستشفع منه أن يدع الصلح، ويوقف له الشفيع على الأخذ أو الترك، كان ذلك له. وإنما ذلك عندي بمنزلة المقذوف يعفو عن حده على أنه إن شتمه ثنية أو آداه فهو راجع فيه، فيريد أن يقوم عليه، فلا يكون ذلك له، وبمنزلة ما لو اشترط الشفيع في صلحهما أنه تارك للشفعة إلا أن يدخل عليه ضررًا بالبيع، فمتى ما باع من غيره فهو على شفعته كان ذلك له. ابن حبيب: وقول أصبغ في هذا أحب إلي، وبه أقول. وسألت مطرفًا عن رجل هلك، فقام ولده الأكابر إلى شريك لأبيهم الهالك، فقالوا: إنه بقي لأبينا عليك مائة دينار من شركتكما. فأنكر، فقال: قد قاررته في حياته وما بقي له علي شيء، وفلان يعلم ذلك، فاصطلحوا على الرضى بما شهد به فلان، فشهد أنه قد حاسبه وأبرأ كل واحد منهما صاحبه، ثم قام عليه الأصاغر من ولد الهالك بعد بلوغهم، فقالوا: المائة التي بقيت لأبينا عليك أدها إلينا؛ فإنه لا يلزمنا صلح إخوتنا على الرضى بالشاهد فأنكرهم، فقيل له: احلف. فنكل ورد اليمين عليهم فحلفوا، أترى

стр. 139

أن يأخذوها كلها ويدخل معهم فيها الأكابر؟ فقال: بل تسقط حظوظ الأكابر منها ويدفع إلى الأصاغر حظوظهم. قلت: ولا ترى هذا إقرارًا منه بها حين نكل عن اليمين؟ قال: لا، ولو كان إقرارًا دخلوا كلهم فيها. قلت: فلو أن الأصاغر والأكابر وجدوا البينة؛ أن المائة باقية عليه، أكان يغرمها كلها؟ قال: لا يغرم منها إلا حظوظ الأصاغر، ولا سبيل إليه في حظوظ الأكابر، وإن قامت عليه بينة، لأنهم صدقوا الشاهد الأول، ورضوا بشهادته. وسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي مثله. ولو أن الأكابر أوصياء الأصاغر سقط حظوظ الأصاغر ولزمهم صلح الأكابر. قال: وبلغني أن رسول الله ﷺ قال: «نعم الصلح الشطر». قال: وسألت ابن الماجشون عن والي اليتيم؛ هل يجوز له أن يصالح عن اليتيم فيما طلب به من حق أو طلب به اليتيم من حق في ماله؟ فقال لي: أما ما طلب به فلا بأس أن يصالح فيه عنه بأن يضع بعضه

стр. 140

ويأخذ بعضه إذا كان لم يستبن أمره، وكان ذلك اجتهاده ونظره، وذلك جائز على اليتيم لازم له. وأما ما طلب هو به أو أبوه في المال الذي ورثه عنه فلا يجوز أن يصالح عنه بأن يعطي بعض ما ادعي عليه من ذلك، ويقطع الدعوى في الجميع قبل استحقاق ذلك على اليتيم، أو في المال الذي ورثه عن أبيه، فإذا استحق ذلك أجمع فعند ذلك يجوز صلحه فيه بأن يعطي منه بعضًا ويحبس بعضًا، أو بأن يفتكه في الصلح ببعض ماله من غير ذلك، وما لم يستحق ما يطلب به فلا يجوز له أن يصالح عنه بدرهم. وسألت أصبغ عن امرأة ماتت وتركت زوجها وأبويها وابنًا لها صغيرًا، ثم إن الأبوين صالحا الزوج في الميراث على أن أخذا كل ما ساقت ابنتهما من عندهما، وأخذ الزوج كل ما أصدقه إياها، ولم يذكر الابن بشيء من ذلك أين ترى ميراثه؟ فقال: أراه الأب فيما أخذ الأب، وأرى الصلح ماضيًا، وذلك إذا أشبه ذلك وقارب، فإذا كان أمرًا فاحشًا رأيت الأمر منتقضًا كله حتى يأخذ الابن ميراثه ثم يرجع الصلح في باقي ذلك على ما اعتدل ورئي إن شاء الله قلت: فإذا كان الأمر غير متفاحش، أيدخل على الابن في ميراثه من النقصان بالصلح ما يدخل على الأب؟ قال: لا، وذلك على الأب وحده، ويوفر للابن ميراثه كله. وسألت أصبغ عن الرجل يكون للرجل عليه مائة دينار، فيأتيه رجل فيقول: إن فلانًا أرسلني إليك، أو وكلني عليك لقبض المائة التي له عندك، فهات الخمسين وأنا أحط عنك الخمسين، فإن فلان لم يمض ذلك فأنا لها ضامن. فقال: إن كان صاحب المال غائبًا بعيد الغيبة فلا يجوز هذا لأنه ضامن للانتفاع بالزيادة، فهو باب من أبواب الربا، وإن كان صاحب المال قريبًا بحيث لا يطول لبث هذا المال في يدي القابض فلا بأس به، لأنه

стр. 141

ليس في موضع انتفاع بالمال بزيادة يريدها قابض المال. * * * باب الحكم في قضاء الرجل في ماله وولده ابن حبيب: وسألت مطرف بن عبد الله وابن الماجشون عما يجوز من فعل الرجل في مال الصغير من ولده، وعما لا يجوز من ذلك، وما يمتنع من فعله وما لا يمتنع؟ فقالا لي: هو يمنع بدءًا من أن يقضي في مال الصغير من ولده إلا بما النظر فيه لولده والتثمير لماله والتوفير عليه فإذا قضى فيه بشئ فذلك يختلف وله وجوه تتصرف بعد وقوعها. أما ما أعطى من مال الصغير من ولده ومتاعه ورقيقه وعقاره فسائغ، وعلى الأب قيمة ذلك عوضًا مما أعطى من مال ولده؛ شرط له العوض يوم أعطى أو لم يشترطه، وذلك إن كان الأب موسرًا يوم أعطى، ولا سبيل للولد إلى المعطى إلا أن يكون الأب قد أعسر من بعد يسره فلم يجد عنده شيئًا، فإن الولد يرجع على المعطى بشيئه ذلك إن كان قائمًا، أو بقيمته إن كان فائتًا، ويرجع بذلك المعطى على الأب فيتبعه به لأنه أعطى عطاء كان له جائزًا أن يعطيه إذا كان ذا مال، وصار عليه لولده قيمته في ماله، فلما لم توجد تلك القيمة كانت له على المعطى إذا كان فوات ما فات عنده بسببه، مثل أن يعتق إن كان عبدًا، أو اتخذ إن كانت جارية، أو يبلى إن كان ثوبًا، أو يفنى إن كان طعامًا أو ما أشبه ذلك، أو يبيع فيأكل الثمن، فأما ما كان من هلاكه بأمر من السماء وما أشبهه فإنه لا يضمن شيئًا.

стр. 142

قال لي مطرف وابن الماجشون: فإن كان الأب يوم أعطى ما أعطى من متاع ولده معسرًا فذلك غير جائز، شرط لولده العوض أو لم يشترط، فإن أدرك قائمًا بيد المعطى رد، وإن كان فائتًا كانت قيمته على الأب إن كان له ـ يوم يقام عليه ـ مال، وإن لم يكن له مال وكان متصل العدم أخذ ذلك من المعطى، ولم يكن له أن يرجع بذلك على الأب ـ لأنه أعطاه ما لم يجز له إعطاؤه حين كان معسرًا ـ بقيمة ما أعطى فهو بمنزلة ما أعطى من مال غير ولده، ثم أخذ ذلك من المعطى، فإنه لا يرجع به على المعطي. قالا: وإن كان الأب حين أعطى ما أعطى من مال ولده معسرًا ثم أيسر ساعة العطية للمعطى، لأنه حين أيسر صار ضامنًا لقيمتها لولده، فساغت للمعطى، فإن قام ولده يطلبها ـ وكانت قائمة ـ فلا سبيل له إليها إن كان للأب مال حينئذ، فإن لم يكن له مال فهو أحق بشيئه إن كان قائمًا، وإن كان فائتًا أخذ القيمة من المعطى إذا كان فوائه بسببه، ورجع المعطى بالقيمة على الأب. قال لي مطرف وابن الماجشون: وما باع الرجل أو رهن لنفسه من متاع ولده بخاص فهو مردود، وإن أشكل ذلك وجهل أن يكون لنفسه ـ فعل ذلك ـ أو لولده، فهو ماض لأنه قد يلي ولده وينفق عليهم من مالهم إن شاء، ويرهن لهم من مالهم، ويبيع لينفق عليهم، فذلك أبدأ جائز حتى يعلم أنه إنما فعل ذلك لنفسه وفي منفعته خاصة، أو لدين كان عليه قديمًا من قبل أن يصير لولده ذلك المال، وما أشبه هذا، فيرد وذلك إذا كان الأب معسرا. فأما إذا كان ذا مال وكان له وفاء بثمن ما باع فبيعه ماض بمنزلة ما أعطى ـ فيما فسرنا لك ـ ويضمن الأب الثمن في ماله. قال لي مطرف وابن الماجشون: وما اشترى لنفسه من رقيقهم وعقارهم وغير ذلك، وأشهد على ذلك، فماض حتى يشهد أن افذي ضمنه

стр. 143

لنفسه به من الثمن بخس بين فيرد كله فيما كان من ذلك على حال تقارب الأثمان وشبهها مضى. قال لي مطرف: وما باع من مال الصغير من ولده فحابي، فإن صغرت المحاباة مضى البيع، وكانت المحاباة في مال الأب لا يكون سبيلها سبيل العطية، وإن عظمت المحاباة حتى يبيع بما لا يباع به رد البيع كله لأنه بيع سفه. قال لي مطرف: وما أعتق من رقيق الصغار من ولده وهو موسر فذلك جائز، وهو ضامن للقيمة في ماله، وإن كان معسرًا فذلك مردود ما لم يطل ذلك جدا، أو يولد للعبد على الحرية، فإني سمعت مالكًا يقول: إذا كان هكذا مضى عتق العبد ولم يرد، وكانت القيمة على الأب يتبع في ذمته. قال لي مطرف: وكذلك ما أصدق النساء من رقيق الصغير من ولده، أو غير ذلك من متاعه، فإن كان موسرًا فذلك ماض وهو ضامن للقيمة في ماله، وإن كان معسرًا فذلك مردود إلى الولد ما لم يبن الأب بالمرأة. فإذا بنى بها قبل الرد مضى ذلك لها، ولم يكن للولد إليه سبيل وإن كان قائمًا بيدها غير فائت، ويتبع أباه بقيمة ذلك في ذمته لأنه بمنزلة ما أعتق من رقيقه وهو معسر، فلم يرد حتى طال أمره وولد له على الحرية فإنه يمضي ويتبع الأب بالقيمة. فسألت ابن الماجشون عن هذه الأوجه الثلاثة، فقال لي: سواء بنى بالمرأة أو لم يبن، وسواء طال أمر العبد المعتق وولد له على الحرية أو لم يولد ولم يطل، وسواء صغرت المحاباة فيما باع من ماله أو عظمت، سبيل ذلك كله سبيل ما أعطى من ماله، إن كان موسرًا مضى وأخذت القيمة من ماله، وإن كان معسرًا رد ذلك كله إلى الولد وكان أحق به ولم يمض عليه من ذلك شيء.

стр. 144

قال: ومن قال بهذا فلم يبعد، إلا أن قول مطرف في ذلك أعدله عندي، وبه أقول. وقد سمعت أصبغ يجيز ذلك كله من فعل الأب بيعه وعتقه وهبته وإصداقه النساء؛ موسرًا كان الأب أو معسرًا، قائمًا كان ذلك أو فائتًا، طال أمر العبد أو لم يطل، بني بالمرأة أو لم يبن، كان البيع لولده أو لنفسه، فذلك كله عندي ماض ويلزم الأب قيمة ذلك في ماله وذمته، إلا أن يكون السلطان تقدم إليه في ذلك ونهاه عنه، فلا يجوز شيء من قضائه فيه بعد ذلك. قال: وهذا عندي شطط، ولا أقول به، وقولي فيه على قول مطرف وابن الماجشون، وقد رجع أصبغ عن بيعه لنفسه فلم يجزه، ورده مثل قول مطرف وابن الماجشون به. * * * باب الحكم في قضاء البكر والسفيه والمولى عليه في أموالهما والحكم في بيعهما وابتياعهما ابن حبيب: حدثني عبد الله بن موسى الكوفي، عن عثمان بن الأسود، أنه سمع عطاء ومجاهدًا يقولان: للبكر خناقان في مالها لا يجوز لها فيه قضاء حتى تدخل بيتها وتلد ولدًا أو يمضي لها سنة. وحدثني مطرف بن عبد الله، عن مالك بن أنس أنه قال: ليس للبكر

стр. 145

جواز في مالها حتى تدخل بيتها ويعرف من حالها. فقلت لمطرف: ما معنى قوله: «ويعرف من حالها»؟ قال: أن يشهد العدول من أهل الاختبار لها أنها صحيحة العقل رشيدة الحال حسنة النظر في المال مصلحة له حابسة على نفسها. قلت له: فإذا شهد بهذا بعد دخولها بيتها، أو كانت معروفة به في بيتها ثم تزوجت، أيجوز لها القضاء في مالها ساعة دخلت بيتها؟ قال: سمعت مالكًا يقول: أحب إلي أن يؤخر جواز قضائها في مالها ما بينها وبين انقضاء السنة. قال لي مطرف: هذا من مالك استحباب، فأما الأمر اللازم فإذا شهد لها بما ذكرت، أو كانت به معروفة قبل النكاح أو بعده، فإن قضاءها في مالها جائز، وإن لم يمض بعد البناء بها إلا شهر. قلت: فإذا لم تكن معروفة بهذا ولا مشهود لها به فلما دخلت بيتها قضت بعتق وصدقة وبيع وغيره بحدثان دخولها بيتها أو بغير حدثانه وأمرها في حالها ورشدها مجهول، لا تعرف برشد ولا سفه على من البينة في ذلك؟ فقال لي: إن كان قضاؤها في مالها وهي مجهولة الحال بحدثان دخولها بيتها فالبينة على رشدها على من يريد إجازة قضائها في مالها وإنفاذه ما بينها وبين السنة من يوم دخلت بيتها وما قارب السنة، وإن كان قضاؤها في مالها بعد السنة فما فوقها فالبينة على من يريد رد قضائها وتغيير فعلها أنها سفيهة أو مختبلة العقل وضعيفة النظر. قال: وسألت عن ذلك ابن الماجشون فقال لي مثله.
следующие страницы →