← Фикх малики

Фикх малики · id 1168

الأحكام لعبد الملك بن حبيب

عبد الملك بن حبيب

Полный текст (198 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ليس في موضع انتفاع بالمال بزيادة يريدها قابض المال. * * * باب الحكم في قضاء الرجل في ماله وولده ابن حبيب: وسألت مطرف بن عبد الله وابن الماجشون عما يجوز من فعل الرجل في مال الصغير من ولده، وعما لا يجوز من ذلك، وما يمتنع من فعله وما لا يمتنع؟ فقالا لي: هو يمنع بدءًا من أن يقضي في مال الصغير من ولده إلا بما النظر فيه لولده والتثمير لماله والتوفير عليه فإذا قضى فيه بشئ فذلك يختلف وله وجوه تتصرف بعد وقوعها. أما ما أعطى من مال الصغير من ولده ومتاعه ورقيقه وعقاره فسائغ، وعلى الأب قيمة ذلك عوضًا مما أعطى من مال ولده؛ شرط له العوض يوم أعطى أو لم يشترطه، وذلك إن كان الأب موسرًا يوم أعطى، ولا سبيل للولد إلى المعطى إلا أن يكون الأب قد أعسر من بعد يسره فلم يجد عنده شيئًا، فإن الولد يرجع على المعطى بشيئه ذلك إن كان قائمًا، أو بقيمته إن كان فائتًا، ويرجع بذلك المعطى على الأب فيتبعه به لأنه أعطى عطاء كان له جائزًا أن يعطيه إذا كان ذا مال، وصار عليه لولده قيمته في ماله، فلما لم توجد تلك القيمة كانت له على المعطى إذا كان فوات ما فات عنده بسببه، مثل أن يعتق إن كان عبدًا، أو اتخذ إن كانت جارية، أو يبلى إن كان ثوبًا، أو يفنى إن كان طعامًا أو ما أشبه ذلك، أو يبيع فيأكل الثمن، فأما ما كان من هلاكه بأمر من السماء وما أشبهه فإنه لا يضمن شيئًا.

стр. 142

قال لي مطرف وابن الماجشون: فإن كان الأب يوم أعطى ما أعطى من متاع ولده معسرًا فذلك غير جائز، شرط لولده العوض أو لم يشترط، فإن أدرك قائمًا بيد المعطى رد، وإن كان فائتًا كانت قيمته على الأب إن كان له ـ يوم يقام عليه ـ مال، وإن لم يكن له مال وكان متصل العدم أخذ ذلك من المعطى، ولم يكن له أن يرجع بذلك على الأب ـ لأنه أعطاه ما لم يجز له إعطاؤه حين كان معسرًا ـ بقيمة ما أعطى فهو بمنزلة ما أعطى من مال غير ولده، ثم أخذ ذلك من المعطى، فإنه لا يرجع به على المعطي. قالا: وإن كان الأب حين أعطى ما أعطى من مال ولده معسرًا ثم أيسر ساعة العطية للمعطى، لأنه حين أيسر صار ضامنًا لقيمتها لولده، فساغت للمعطى، فإن قام ولده يطلبها ـ وكانت قائمة ـ فلا سبيل له إليها إن كان للأب مال حينئذ، فإن لم يكن له مال فهو أحق بشيئه إن كان قائمًا، وإن كان فائتًا أخذ القيمة من المعطى إذا كان فوائه بسببه، ورجع المعطى بالقيمة على الأب. قال لي مطرف وابن الماجشون: وما باع الرجل أو رهن لنفسه من متاع ولده بخاص فهو مردود، وإن أشكل ذلك وجهل أن يكون لنفسه ـ فعل ذلك ـ أو لولده، فهو ماض لأنه قد يلي ولده وينفق عليهم من مالهم إن شاء، ويرهن لهم من مالهم، ويبيع لينفق عليهم، فذلك أبدأ جائز حتى يعلم أنه إنما فعل ذلك لنفسه وفي منفعته خاصة، أو لدين كان عليه قديمًا من قبل أن يصير لولده ذلك المال، وما أشبه هذا، فيرد وذلك إذا كان الأب معسرا. فأما إذا كان ذا مال وكان له وفاء بثمن ما باع فبيعه ماض بمنزلة ما أعطى ـ فيما فسرنا لك ـ ويضمن الأب الثمن في ماله. قال لي مطرف وابن الماجشون: وما اشترى لنفسه من رقيقهم وعقارهم وغير ذلك، وأشهد على ذلك، فماض حتى يشهد أن افذي ضمنه

стр. 143

لنفسه به من الثمن بخس بين فيرد كله فيما كان من ذلك على حال تقارب الأثمان وشبهها مضى. قال لي مطرف: وما باع من مال الصغير من ولده فحابي، فإن صغرت المحاباة مضى البيع، وكانت المحاباة في مال الأب لا يكون سبيلها سبيل العطية، وإن عظمت المحاباة حتى يبيع بما لا يباع به رد البيع كله لأنه بيع سفه. قال لي مطرف: وما أعتق من رقيق الصغار من ولده وهو موسر فذلك جائز، وهو ضامن للقيمة في ماله، وإن كان معسرًا فذلك مردود ما لم يطل ذلك جدا، أو يولد للعبد على الحرية، فإني سمعت مالكًا يقول: إذا كان هكذا مضى عتق العبد ولم يرد، وكانت القيمة على الأب يتبع في ذمته. قال لي مطرف: وكذلك ما أصدق النساء من رقيق الصغير من ولده، أو غير ذلك من متاعه، فإن كان موسرًا فذلك ماض وهو ضامن للقيمة في ماله، وإن كان معسرًا فذلك مردود إلى الولد ما لم يبن الأب بالمرأة. فإذا بنى بها قبل الرد مضى ذلك لها، ولم يكن للولد إليه سبيل وإن كان قائمًا بيدها غير فائت، ويتبع أباه بقيمة ذلك في ذمته لأنه بمنزلة ما أعتق من رقيقه وهو معسر، فلم يرد حتى طال أمره وولد له على الحرية فإنه يمضي ويتبع الأب بالقيمة. فسألت ابن الماجشون عن هذه الأوجه الثلاثة، فقال لي: سواء بنى بالمرأة أو لم يبن، وسواء طال أمر العبد المعتق وولد له على الحرية أو لم يولد ولم يطل، وسواء صغرت المحاباة فيما باع من ماله أو عظمت، سبيل ذلك كله سبيل ما أعطى من ماله، إن كان موسرًا مضى وأخذت القيمة من ماله، وإن كان معسرًا رد ذلك كله إلى الولد وكان أحق به ولم يمض عليه من ذلك شيء.

стр. 144

قال: ومن قال بهذا فلم يبعد، إلا أن قول مطرف في ذلك أعدله عندي، وبه أقول. وقد سمعت أصبغ يجيز ذلك كله من فعل الأب بيعه وعتقه وهبته وإصداقه النساء؛ موسرًا كان الأب أو معسرًا، قائمًا كان ذلك أو فائتًا، طال أمر العبد أو لم يطل، بني بالمرأة أو لم يبن، كان البيع لولده أو لنفسه، فذلك كله عندي ماض ويلزم الأب قيمة ذلك في ماله وذمته، إلا أن يكون السلطان تقدم إليه في ذلك ونهاه عنه، فلا يجوز شيء من قضائه فيه بعد ذلك. قال: وهذا عندي شطط، ولا أقول به، وقولي فيه على قول مطرف وابن الماجشون، وقد رجع أصبغ عن بيعه لنفسه فلم يجزه، ورده مثل قول مطرف وابن الماجشون به. * * * باب الحكم في قضاء البكر والسفيه والمولى عليه في أموالهما والحكم في بيعهما وابتياعهما ابن حبيب: حدثني عبد الله بن موسى الكوفي، عن عثمان بن الأسود، أنه سمع عطاء ومجاهدًا يقولان: للبكر خناقان في مالها لا يجوز لها فيه قضاء حتى تدخل بيتها وتلد ولدًا أو يمضي لها سنة. وحدثني مطرف بن عبد الله، عن مالك بن أنس أنه قال: ليس للبكر

стр. 145

جواز في مالها حتى تدخل بيتها ويعرف من حالها. فقلت لمطرف: ما معنى قوله: «ويعرف من حالها»؟ قال: أن يشهد العدول من أهل الاختبار لها أنها صحيحة العقل رشيدة الحال حسنة النظر في المال مصلحة له حابسة على نفسها. قلت له: فإذا شهد بهذا بعد دخولها بيتها، أو كانت معروفة به في بيتها ثم تزوجت، أيجوز لها القضاء في مالها ساعة دخلت بيتها؟ قال: سمعت مالكًا يقول: أحب إلي أن يؤخر جواز قضائها في مالها ما بينها وبين انقضاء السنة. قال لي مطرف: هذا من مالك استحباب، فأما الأمر اللازم فإذا شهد لها بما ذكرت، أو كانت به معروفة قبل النكاح أو بعده، فإن قضاءها في مالها جائز، وإن لم يمض بعد البناء بها إلا شهر. قلت: فإذا لم تكن معروفة بهذا ولا مشهود لها به فلما دخلت بيتها قضت بعتق وصدقة وبيع وغيره بحدثان دخولها بيتها أو بغير حدثانه وأمرها في حالها ورشدها مجهول، لا تعرف برشد ولا سفه على من البينة في ذلك؟ فقال لي: إن كان قضاؤها في مالها وهي مجهولة الحال بحدثان دخولها بيتها فالبينة على رشدها على من يريد إجازة قضائها في مالها وإنفاذه ما بينها وبين السنة من يوم دخلت بيتها وما قارب السنة، وإن كان قضاؤها في مالها بعد السنة فما فوقها فالبينة على من يريد رد قضائها وتغيير فعلها أنها سفيهة أو مختبلة العقل وضعيفة النظر. قال: وسألت عن ذلك ابن الماجشون فقال لي مثله.

стр. 146

وسألت عنه أصبغ، وأعلمته به؛ فاستحسنه، وقال به. وسألت مطرفًا عن البكر وما منتهى سنها الذي إذا انتهت إليه جاز لها به القضاء في مالها مع رشد أمرها ورضى حالها وحسن نظرها؟ فقال لي: سمعت مالكًا يقول: لا يجوز للبكر القضاء في شيء من مالها ببيع ولا غيره؛ كان لها ولي، أو لم يكن، حتى تبلغ الأربعين فصاعدا، وهي مع ذلك حسنة العقل والنظر لنفسها ومالها. وقال لي أصبغ: كذلك نقول، وكذلك كان ابن القاسم يرويه عن مالك. فسألت عن ذلك ابن الماجشون. فقال لي: الذي آخذ به في البكر ـ وقد علمت ما جاء فيها ـ فإذا كانت ابنة ثلاثين سنة فصاعدًا وكانت رشيدة الأمر حسنة النظر رضية الحال ولم يكن لها ولي ينظر لها فقضاؤها في الأخذ لنفسها والإعطاء منها بوجه الصواب من بيع أو شراء أو أخذ أو إعطاء أو عتق أو تدبير جائز عليها. وأما التي هي في ولاية ولي ينظر لها من أب أو وصي أو خليفة سلطان فلا أرى شيئًا من أمرها يجوز، وإن كانت في السن والحال على ما وصفنا حتى تعنس أو تنكح. وأول التعنيس عندنا بلوغ الأربعين فصاعدًا، وهذا أحسن ما فيه عندي، وبه أقول، وبه كان ابن وهب يقول، وغيره ممن أرضى. ابن حبيب: وسألت مطرفًا وابن الماجشون عن السفيه يبيع الشيء من ماله قبل أن يولى عليه، هل يجوز بيعه؟ فقالا لي: إن كان لم يزل مذ بلغ الحلم سفيهًا ولم يؤنس منه حال

стр. 147

الرشد التي يخرج بها من الولاية التي سمى الله؛ فبيعه مردود، بمنزلة ما لو باع قبل بلوغه الحلم إذا اتصلت به حال السفه بعد بلوغه الحلم؛ لأن الله ﵎ قال: ﴿إذا بلغوا النكاح فإن ءانستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾ [النساء:٦] فبلوغ النكاح هو بلوغ الحلم، فلم يخرجه الله من الولاية ببلوغ الحلم إلا بالرشد مع الحلم، فهو في ولاية؛ كان له أب أو لم يكن، أوصى له أبوه إلى أحد أو لم يوص، ولى عليه لسلطان أو لم يول، لأنه منذ اطلع إلى الدنيا إنما اطلع إلى حال ولاية من أبيه ثم من السلطان بعد أبيه، لأن السلطان ولي من لا ولي له، وليس ترك السلطان ما ينبغي له تفقده من الأيتام في إقامة الأولياء لهم بالنظر لهم والضبط عليهم بمجيز شيئًا من أمورهم لم يكن يجوز، فبيع مثل هذا عندنا قبل أن يولي السلطان عليه وليا وبعدما ولى واحد، وذلك مردود. قال لي مطرف وابن الماجشون: وأما من خرج ببلوغه الحلم من حد الولاية ـ بما أنس منه من الرشد وظهر منه من حسن النظر وما رجي منه عند ذلك من تماديه في ذلك حتى باع وابتاع وخالط الناس - ثم حدثت له حالة سفه في رأيه ونظره لنفسه، فباع فيها وابتاع وخالط الناس ومضى على حالته الأولى التي كان عليها من خلطة الناس حتى رفع أمره إلى السلطان فأولى عليه فإن بيع مثل هذا قبل الولاية جائز ما لم يكن بيع سفه وخديعة بينة، مثل أن يبيع ثمن ألف دينار بمائة دينار وما أشبه هذا، فيرد مثل هذا، وإن كان قد أفسد الثمن لم يكن عليه منه شيء ولا في ماله وما كان من بيعه مقاربًا، وإن كان فيه غير متقارب فهو ماض لأنه كان من أهل إجازة البيع ببلوغه الحلم وما أنس منه من الرشد، وكان قد خرج بذلك من حد الولاية فلا يكون من أهلها إلا بإعادة السلطان إياه فيها. قال: وهذا أحسن ما سمعت فيه. وقد سألت عنه أصبغ، فقال لي: سمعت ابن القاسم يقول: بيعه قبل

стр. 148

الولاية وبعدها مردود، وكان ابن كنانة يقول: بيعه قبل الولاية جائز وبعد الولاية مردود قولًا مجملًا لم يكن له تفصيل، وما الأمر فيه عندهم لو كشفوا عنه إلا ما فسر لي مطرف وابن الماجشون وهو الحق إن شاء الله. فسألت مطرفًا وابن الماجشون عما باع من متاعه وانتقد ثمنه ثم عثر على ذلك ونظر فيه. فقالا لي: يفسخ البيع ويرد إليه ما باع، ولا يكون عليه من الثمن شيء إلا أن يدرك قائمًا في يديه أو بعضه فيرد إلى صاحبه، ويكون المولى عليه قد أدخله في مصلحته ومنفعته ووفر به من ماله ما لم يكن له بد من إنفاق مثله فيه، فإذا كان الأمر على ذلك نظر له فإن رأى أن رد ما باع خير له اليوم من إبقاء بيعه رد إليه، وأخذ من ماله الثمن يدفع إلى المبتاع، وإن رأى أن إنفاذ بيعه خير له ألزم المبتاع حبسه وأخذ منه تمام قيمته اليوم إن كان في قيمته فضل عن الثمن. قلت لهما: فإن كان المولى عليه إنما أكل الثمن فقط ولم يدخله في مصلحته ومنفعته سوى الأكل له؟ قالا: إذا أكله فهو ساقط عنه على كل حال، ويرد إليه ما باع ولا يحاسب بشيء مما أكل. قال: وسألت أصبغ عن ذلك. فقال لي مثل قولهما فيه. قالا: إلا أن يكون أنفق عليه عند الحاجة منه البينة نفقة معروفة يرى ويتبين أنه لولا ذلك لم يكن بد من أن يباع عليهما مثله من أموالهما للنفقة عليها، وأما ما كان على غير هذا الوجه من الإنفاق والأكل فهو يبطل. وسألت مطرفًا وابن الماجشون عن المولى عليه يبتاع الشيء.

стр. 149

فقالا لي: يفسخ ما ابتاع كما يفسخ ما باع، فإن كان الشيء الذي ابتاع قائمًا بيده رد إلى من باعه منه، وإن كان قد أتلفه لم يكن عليه منه شيء، ولا في ماله، وأخذ الثمن من البائع على كل حال للمولى عليه. قلت لهما: فإن كان ابتاع أمة فأولدها؟ قالا: هذا تفويت منه، بمنزلة ما أكل وبذر، ويؤخذ الثمن كله من البائع للمولى عليه، ولا ترد إليه الأمة أولادها، وإنه الذي عرضها ذلك، ولا يكون في مال المولى عليه ولا في ذمته لها شيء. وسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي مثله. وسألت مطرفًا وابن الماجشون عن البكر أو الصغير أو المولى عليه يبيع أحدهم أو يعتق فلا يطلع على ذلك وليه إلا بعد موته، أيرد ذلك من فعله بعد موته كما يرد لو كان حيا؟ فقالا لي: نعم، لم يزل ذلك مردودًا منذ فعله فموته لا يجيز ذلك، وهو موروث عنه. وكذلك لو تزوج المولى عليه فلم يعلم بذلك وليه حتى مات المولى أنه لا ميراث لامرأته ولا صداق لها أيضًا، بنى بها أو لم يبن بها، لأن ذلك لم يزل مردودًا من فعله حتى يجيزه الولي، فقد انقطع موضع إجازته، وإن كانت المرأة هي التي ماتت وبقي المولى عليه كان موضع النظر له قائمًا لم يفت بعد، ينظر له الولي فإن رأى إجازة نكاحه بغرم صداقه الذي أصدق خيرًا له لما يجر إليه من الميراث فعل وأجاز، وإن رأى رده رده كله. قال لي مطرف: وهكذا سمعت ابن أبي سلمة وابن أبي حازم يقولان، ولا أعلم لمالك خلافه. فسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي: سمعت ابن القاسم يقول في ذلك كله: إنه ماض جائز، لا يرد منه شيء، لأنه أمر قد فات موضع النظر فيه، ومضى الذي كانت به الولاية، وله كان يحبس المال، فلا كلام فيه للورثة لأنهم إنما يرثون ما كان له يوم مات، وهذا لم يكن له مال حتى يرده إليه

стр. 150

الولي أو يجيزه إن رأى إجازته. وقول مطرف وابن الماجشون وابن أبي سلمة وابن أبي حازم في ذلك أحب إلي، وبه أقول، وإنما أصل ذلك عندهم أن فعل البكر والصغير والكبير السفيه مردود أبدأ حتى يجيزه الولي. وفي قول ابن القاسم وأصبغ هو جائز حتى يرده الولي ومن هاهنا جاء الغلط في قولهما، ألا ترى أنه إنما يجوز بإجازة الولي فإنما يسمى بالإجازة عند إجازة الولي له، وقبل ذلك إنما كان اسمه مردودًا. قال: ثم رجع أصبغ، فأخذ بقول مطرف وابن الماجشون في ذلك. وسألت مطرفًا وابن الماجشون عن المولى عليه إذا أنس منه حسن النظر لنفسه في ماله، وإصابة البيع والابتياع، والحيطة لنفسه، والأخذ لها والإعطاء منها، إلا أنه يشرب النبيذ المسكر، أيخرج هذا من حد الولاية؟ فقال: لا، لأنه ممن لم يؤنس منه الرشد، كما قال الله ﵎: ﴿فإن ءانستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾ [النساء:٦] فليس برشيد من شرب الخمر، ولا يدفع إلى المولى عليه حتى يشهد عليه أنه عدل رضي في جميع حاله حسن النظر في ماله. قلت لهما: فهل يرد بشرب الخمر في الولاية بعد خروجه منها إذا أحدث ذلك، وقد كان أطلق من الولاية رشيدًا في جميع حاله؟ فقالا: يرد بذلك في الولاية، والفرق بين ذلك بين. قال: وهكذا كان ابن كنانة يقول، وغيره من المدنيين، وأما ابن القاسم وأصبغ، فقالا: إذا أنس منه حسن النظر في ماله خرج من الولاية، وإن شرب الخمر وليس يعجبني.

стр. 151

ولا أقول به، وقول المدنيين في ذلك أحب إلي، وقد حدثني المكفوف، عن هشام بن حسان، أنه سمع الحسن يقول في قول الله: ﴿فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾ قال: صلاحًا في حاله ونظرًا في ماله. قال: وسألت مطرفًا وابن الماجشون عمن يولى عليه من الولد الصغير لصغره، والكبير السفيه لسفهه، والمرأة البكر لعزبها، إن هم عفوا فيما نيل من أعراضهم وأبدانهم بالحدود والمشاتم والجراح؛ خطئها وعمدها، أذلك كأموالهم المحجوبة عليهم؟ فقالا لي: بل ذلك من أعظم ما ولي عليه ولي، وما ولي أب من ولده، وليس لهم أن يضعوا شيئًا من ذلك، ولا يعفوا بأبدانهم وأعراضهم، ولا يبيحوا حرم أنفسهم إلا ما كان من النفس إذا أصيبت عمدًا أو خطأ، فإنهم في العفو عن ذلك كالكبير غير المولى عليه بعد موته. قال: وسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي مثل قولهما. وقد كان ابن القاسم يجيز لهم من ذلك في الحياة ما لم يكن مالًا، وليس يعجبني قوله في ذلك، والولي أولى بالنظر لهم في ذلك من أنفسهم كما يلي سائر أمورهم وأموالهم، وإنما الولاية جامعة وليست بمخصوصة في شيء دون شيء، والسفيه سفيه في كل شيء منظور له فيه، والمولى مولى في كل شيء بمنزلة العبد. قال: ولو كان من هذا شيء جائزًا له دون وليه لجاز له النكاح إذا كان لغير غرم مال إلا بعقده، يعقد له ويحمل عقد صداقها، ونفقتها

стр. 152

فذلك لا يجوز إلا بنظر من وليه فيه بحال عاقبته، فذلك عاقبة العار في القذف والشتم والجرح وما أشبهه. قال: وسألت مطرفًا عن الوصي يشتري لليتامي منزلًا بأموالهم ثم يموت، فيقول ذكور اليتامى: نقتسم المنزل؛ للذكر مثل حظ الأنثيين، وكذلك اشتري لنا، ويقول الإناث: بل للذكر مثل حظ الأنثى ولا يدرى كيف اشترى لهم الوصي، فهو بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين اشتري لهم من عرض أموالهم أو بجميعها، علم ذلك أو جهل، فإن كانوا قد ولوا القسم ثم اشتجروا في ذلك حلف بعضهم لبعض على دعواهم، فإن كانوا جميعًا كان ذلك بينهم على مواريثهم للذكر مثل حظ الأنثيين، كما فسرت لك، وإن حلف بعضهم ونكل بعض كان القول قول من حلف، وإن حلفوا جميعًا كان بينهم على دعواهم التي حلفوا، فإن ذكرا وأنثى قسم ذلك بينهما على سبعة أسهم ثلاثة للأنثى وأربعة للذكر، ولأنهما كذلك ادعيا وعليه حلفا، قالت الأنثى: هو بيننا نصفين، فادعت النصف، وقال الذكر: بل هو على الثلث والثلثين، فادعى الثلثين، فنصف وثلثان من ستة سبعة، فهكذا العمل فيما قل منه أو كثر. قال: وسألت أصبغ عن ذلك، فقال لي: إن اشترى لهم من عرض أموالهم فذلك بينهم للذكر مثل حظ الأنثى، وإن اشترى لهم بجميع أموالهم فذلك بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، كما كانت أموالهم. وقول مطرف في ذلك أحب إلى، وبه أقول. وسمعت مطرفًا يقول: من أنفق على يتيم في حجره ـ ولليتيم مال فله أن يأخذه بما أنفق عليه وإن لم يكن وصيا، فإن زعم المنفق أنه أنفق ما أنفق عليه من الطعام سلفًا منه له حلف وكان ذلك له، وإن قال: أنفقته

стр. 153

عليه على سعره يومئذ نظر؛ فإن كان ذلك خيرًا لليتيم قبل منه، وإن كان شرا له لم يعط المنفق إلا الطعام. وسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي مثله. وسألت مطرفًا عن الوصي يبيع للأيتام ما ورثوا عن أبيهم فيقع ذلك المال في يديه ثم تستحق تلك المواريث من أيدي مبتاعيها، هل يرجعون على الوصي؟ أو على الأيتام فيأخذون منهم الثمن إن كان لهم مال؟ أو يتبعونهم إن لم يكن لهم مال؟ فقال لي: لا يتبعون بها، لأن أموالهم قد تلفت، وإنما كان يرجع في أموالهم لو كانت قائمة، فإذ قد تلفت فلا شيء على الأيتام ولا على الوصي. قلت: فلو كانت لهم أموال من عقار أو عروض أو ناض سوى تلك الأثمان التي تلفت، فهل يرجع عليهم في أموالهم؟ فقال: نعم، إذا كانت لهم أموال رجع عليهم؛ تلفت تلك الأثمان أو بقيت أو استنفقوها، وكذلك إذا استنفق الأيتام مال أبيهم ثم طرأ عليهم دين كان على أبيهم، لا يكون عليهم منه إلا أن تكون لهم أموال من عقار أو عروض فيها وفاء. قال: وسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي مثله. قال: وسألت مطرفًا وابن الماجشون عن الرجل يأتي باليتيم الذي قد بلغ إلى السلطان، فيقول: إن أبا هذا أوصى به وبماله إلي، وقد بلغ مبلغ الرضى، فأنا أبرأ إليه بماله فاكتب لي منه براءة، أيجوز ذلك للسلطان وهو لا يعرف أنه وصيه إلا بقوله؟ فقالا لي: لا يكتب له على حال حتى يأتي بشاهدين أن أباه أوصى به إليه بماله، وبأن اليتيم قد بلغ مبلغ الرضا لنفسه وماله، فإن لم يثبت هذين الوجهين جميعًا لم يكتب له، وقال له: أنت بنفسك أعلم؛ فإن شئت فأعطه وإن شئت فاحبس عنه.

стр. 154

قالا لي: ولو وجده أيضًا قد باع له شيئًا انفسخ بيعه حتى يثبت أنه وصيه كما يصف. قال: وسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي: لا بأس أن يكتب له على إقراره قوله إذا أثبت عنده أنه قد استأهل مثله أخذ ماله. قال: وقول مطرف وابن الماجشون في ذلك أحب إلي، وبه أقول. وسألت مطرفًا عن الأم تبيع على ولدها الأصاغر بعض مالهم، وليست لهم وصية، ولا خليفة عليهم، إلا أنها باعت ذلك في مصلحتهم. فقال لي: الأم في ذلك كغيرها من الأباعد، لا يجوز بيعها، ولكن السلطان ينظر لهم فيه؛ فإن كان إمضاؤه بذلك الثمن خيرًا لهم اليوم أمضاه، وإن كان رده اليوم خيرًا لهم رده، وليس ينظر إلى حاله يومئذ. وسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي مثله. وسمعت مطرفًا يقول: إذا مات الرجل وترك بنين نساء ورجالًا أيتامًا صغارًا، وترك لهم مالًا، فكانت أمهم فقيرة لا شيء لها لزمهم الإنفاق عليها على قدر مواريثهم؛ على الذكر من ذلك مثل حظ الأنثيين، لأن النفقة إنما وقعت عليهم في ميراثهم ومالهم حين ولوا أنفسهم وملكوا أموالهم، كان ذلك عليهم شرعًا سواء، وهذا الذي لم نزل عليه، ورأيت حكامنا يحكمون به. وسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي: ما ذلك عندي إلا واحدًا؛ الذكر والأنثى فيه سواء، صغارًا كانوا أو كبارًا. قال: وقول مطرف في ذلك أحب إلي، وبه أقول. وسألت أصبغ عن البكر ترث عن أبيها المنزل مع إخوتها، ولم يوص بها أبوها إلى أحد، فيقسم إخوتها المنزل من غير أمر السلطان

стр. 155

ويبرزون لها حظها، ثم ينظر فيما فعلوا وقد فات ما في أيديهم أو بناء أو لم يفت. فقال: إن لم يفت فسخ، ورد ما صنعوا، وإن فات بما ذكرت نظر؛ فإن كان فيما فعلوا حظ ونظر ولم يكن عليها فيه وقف ولا غبن مضى ذلك، وكان من السلطان في إمضائه ذلك كقسمة مبتدأة. وإن كان على غير ذلك فسخ، ثم أعيدت القسمة فيه على أنه براح ولم يلتفت إلى ما أحدث فيه من البنيان والغراس ولا البيع، فما صار في سهمها من المبني والمغروس كان لها، ونظر فيمن بناه أو غرسه، فإن كان من إخوتها أو ممن اشترى منهم وهو يعلم بتعديهم في قسم ذلك عليها فليس له إلا قيمته نقضًا، وإن كان بانيه وغارسه ممن لم يعلم التعدي في ذلك كان له عليها قيمته ثابتًا كقيمة ما بني على شبهة. وسألت أصبغ عن السفيه لمولى عليه أو الصغير أو البكر يبيع أحدهم الجارية فتعتق، أو تحمل من مشتريها أو من زوج، أو يبيع أحدهم الغنم فتتناسل، أو الدواب فتتناتج، ثم ينظر في ذلك. فقال: كل ذلك مردود، [ترد الغنم ونسلها والدواب ونتاجها والجارية وولدها إن كان من زوج] وإن كان من مشتريها لم ترد وكانت أم ولده والولد ولده، وكانت عليه قيمتها اليوم أو يوم ابتاعها أي ذلك كان أكثر، ولا يحاسب المشتري بشيء من الثمن الأول، ذلك ساقط عن البكر والصغير والسفيه، إلا أن يكون قائمًا أو في مصلحة لم يكن له منها بد فيحاسب به. وأما العتق فمردود، وفرق بين عتق الجارية وأولادها من مشتريها ما قد مضى من قول أهل العلم في أمهات الأولاد إنهن في غير موضع أحسن

стр. 156

حالًا وأفوت عن الرد من المعتقة، قد يرد الدين العتق ولا يرده الإيلاد، وشبه ذلك كثير. ابن حبيب: كان ابن كنانة يقول: ما أقر به المولى عليه من دين عند موته فهو في ثلث ماله مبدأ على الوصايا. وسألت عن ذلك أصبغ، فاستحسنه ورأى أن يؤخذ به ما لم يكثر ذلك جدًا، وإن وسعه الثلث، لأن الثلث قد يكثر فيكون ألف دينار أو أكثر. وسمعت أصبغ ابن الفرج يقول: لا أرى أن يخرج المولى عليه من ولايته، ولا يجوز للبكر جواز في مالها وإن عنست، إلا بشهادة رجلين عدلين على أن نظرهما في أموالهما حسن، ويكون ذلك مع شهادتهما في تجويز ما قد أعتقا وباعا وقضيا فيه من أموالهما قاطعة ماضية. وسمعت مطرفًا يقول ـ في المولى عليه يقوم له شاهد واحد على حق له قبل رجل ورثه عن أبيه أو صار له بوجه حق:- إنه يقضى له باليمين مع شاهده ذلك، فإن حلف قضى له بحقه وكان في يد وصيه، وإن نكل لم يكن له شيء، ولم تعد اليمين بعد على المدعى عليه، وإن نكل عن اليمين لم يبطل ذلك حقه، ولكن يقال للذي عليه الحق: احلف أنك بريء من هذا الحق. فإن حلف أخذ، حتى يبلغ المولى عليه الرشد، فإذا بلغ قيل له: احلف. فإن حلف قضي له بحقه، وإن نكل المدعى عليه أولًا عن اليمين أخذ منه الحق بنكوله إلى أن يبلغ المولى عليه الرشد، فإن حلف قضى له وإن نكل رده. قال لي مطرف: وكذلك لو كان صغيرًا لم يبلغ الحلم، فقام له شاهد

стр. 157

على حق قبل المشهود عليه، حلف وبرئ إلى بلوغ الصغير الحلم، فإن حلف برئ إلى بلوغ الصغير، وإن نكل أخذ منهما الحق إلى بلوغه في المولى عليه. وكان ابن القاسم وأصبغ يجعلان المولى عليه كالكبير الرشيد؛ إن حلف مع شاهده استحق حقه، وإن نكل بطل حقه، وكانا لا يجعلانه مثل الصغير. وقول ابن كنانة ومطرف في ذلك أحب إلي، وبه أقول وسألت أصبغ عن البكر تبيع بعض عقارها وعروضها وتنفق ذلك على نفسها، أو تبيع ذلك عليها أمها أو بعض أقاربها ـ وهو غير وصي إلا أنه قد أصاب البيع وأنفقه عليها ـ كما كان السلطان يفعل لو رفع ذلك إليه، أترى ذلك جائزًا؟ فقال: أما بيع الشيء الذي له البال مثل العقار الصالح والأمر الكبير من غير العقار فهو مردود على كل حال، فإذا رد نظر السلطان في مدخل الثمن؛ فإن كان دخل في منفعة ونفقة لا بد لها منها ولم يكن عنها محيص أعطى ذلك المشتري من مالها، وإن كان على غير هذا فهو ساقط عنها وعن مالها، وإن كان الذي باعت مما لا بال له ـ مثل الدويرة الخربة أو الدويبة أو الثوب ـ وأدخلت ثمنها في المنفعة التي كان السلطان يفعل مثل ذلك فيها لو رجع ذلك يومئذ إليه، فأراه ماضيًا غير مردود، وإن كان ذلك بذر ودخل في اللذات والشهوات أو لم يعرف أصله فأراه مردودًا على كل حال؛ صغيرًا كان أو كبيرًا؛ لأنه بيع سفيه. قال: وسمعت ابن الماجشون يجيز بيع السفيه الذي ليس في ولاية أحد وشراءه ما لم يكن خارجًا من بيوع المسلمين ولم يكن منه فساد ولا تلف.

стр. 158

وسمعت ابن الماجشون يقول: أجاز مالك وغيره من علمائنا إذا هلك الرجل وله ولد أصاغر ولهم أم أو عم أو أخ رشيد، فقام بولايتهم بغير تولية سلطان ولا وصاة من أبيهم أن يمضي ذلك وأجازوا له عليه ما يجوز للوصي على من أوصى به إليه. وسألت ابن الماجشون عن الرجل يبيع من السفيه بالدين إلى أجل، ويتخذ حميلًا بالثمن، والسفيه مولى عليه، فيرفع إلى السلطان، فيرد ذلك عنه، هل يلزم الحميل ما تحمل به؟ أو يسقط ذلك عنه بسقوطه عن السفيه؟ فقال لي: إن كان ذلك عن جهل من البائع ومن الحميل بحال السفيه فحقه على الحميل، لأن الحميل دخل فيما لو شاء كشفه لنفسه، وإذا دخل البائع في ذلك عن علم منه بطل حقه عن الحميل كما بطل عن السفيه؛ علم ذلك الحميل أو لم يعلم؛ لأن البائع دخل عامدًا في غير بيوع المسلمين. وسألت ابن الماجشون عن الرجل يعامل السفيه المولى عليه بحضرة شهود، فيدفع إليه دنانير في سلعة إلى أجل، ثم إن السفيه اشترى بتلك الدنانير بعينها ـ تعرف ويشهد عليها ـ سلعة من رجل آخر، أو رهنها لرجل، ثم إن المشتري الأول فسخ شراءه لسفه البائع، هل ترى له أن يرجع بالدنانير التي دفعها إلى السفيه على الذي اشترى منه السفيه السلعة، أو على الذي رهنها له، لأنها دنانيره بأعيانها؟ فقال لي: نعم، ذلك له، وهي كدنانير ليتيم اشترى بها من رجل سلعة أفسدها، فلوليه أن يأخذ دنانيره ممن اشترى منه السلعة، ويكون صاحب السلعة هو أضاع سلعته. وسمعت ابن الماجشون يقول ـ في الموصى يدفع إلى يتيمه مالًا ليستخبره ثم ينكر ذلك اليتيم:- إن الوصي مصدق فيما زعم أنه دفعه إليه

стр. 159

مضمونًا ذلك له في حسابه إلى ما أنفقه عليه إذا علم أن اليتيم قد كان يتجر. وسئل ابن الماجشون عن يتيمة زوجها وليها فلما دخل بها زوجها كرهته، واختلعت منه، وأعطته كل شيء أعطاها، ولم يعلم بذلك وليها، ثم علم فأراد أن يأخذ من زوجها ما كان أخذه منها، هل يكون ذلك له؟ فقال: يمضي الخلع، وينزع وليها منه كل ما أعطته، لأنه لم يكن لها أن تعطيه شيئًا من مالها؛ لا بإذنه ولا بغير إذنه، حتى يجوز أمرها، وتملك مالها وذلك بعد أن تمضي لها سنة من ابتنائه بها أو تلد ولدًا ونحوه من القدر. وسئل ابن الماجشون عن المرأة التي قد بلغت، إلا أنها عند أبويها، يكون لها الرشد والصلاح، ويكون لها المال، فتريد أن تصل بعض قرابتها وتعتق، هل يجوز ذلك؟ فقال: أما البكر التي لها أب فلا يجوز ذلك لها، وإن كانت هذه حالها؛ لأنها بعد في ولاية أبيها، ألا ترى أن نكاحه إياها يجوز عليها؟ وأما البكر التي لا أب لها ولا وصي، وهي بحال رشد وصلاح، فإذا بلغت الثلاثين سنة وكان مالها بيدها، فأرى أمرها جائزًا. وأما ذات الزوج يكون لها المال فتريد أن تهب منه وتصل وتتصدق وتعتق، فانظر أين مالها؛ فإن كان مالها بيدها فأمرها جائز ـ وإن لم تبلغ الثلاثين سنة ـ إذا كانت قد أقامت بعد بناء زوجها بها السنة أو نحوها، أو كانت قد ولدته، فإن كان مالها عند أبيها أو عند وصيها فلا يجوز لها شيء من القضاء فيه حتى تلي نفسها ومالها. * * *

стр. 160

باب الحكم في قضاء المرأة ذات الزوج في مالها ابن حبيب: وسألت مطرفًا وابن الماجشون عن قضاء المرأة ذات الزوج في مالها بالعتق والصدقة والهبة، ما الذي يجوز لها من ذلك مما لا يجوز؟ فقالا لي: قد جاء الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تقضي في مالها إلا بإذن زوجها». وجاء عنه صلوات الله عليه أنه قال: «لا يجوز لإمرأة قضاء في ذي بال من مالها إلا بإذن زوجها». فرأى أهل العلم عندنا أن ذا بال من مال ما جاوز الثلث فصاعدًا، فأجازوا لها القضاء في الثلث من مالها فما دونه، وقالوا: لا تكون أسوأ حالًا في مالها من المريض في ماله، وقد أجاز له ﷺ الثلث يتقرب به إلى الله، ويقضي فيه بما أحب، فلم يزل الحكم هذا ببلد رسول الله ﷺ ودار الهجرة والسنة، وحكم به عمر بن عبد العزيز، وقاله مالك. قال: فسألت مطرفًا وابن الماجشون عما قضت به المرأة في أكثر من

стр. 161

ثلث مالها بالعتق والصدقة، أهو جائز أبدأ حتى يرده الزوج؟ أم هو مردود حتى يجيزه الزوج؟ فقالا لي: بل هو مردود حتى يجيزه الزوج. قلت لهما: فلم لا تكون في ذلك كالغريم ذي الدين المحيط بماله فيما أعتق وأعطى أن ذلك جائز حتى يرده الغرماء، فكذلك ينبغي أن يكون ما قضت به المرأة في الكثير من مالها جائزًا حتى يرده الزوج، وأعلمتهما أن ابن القاسم قد روى ذلك عن مالك. فقالا لي: ما علمنا مالكًا قاله قط، ولا غيره، ولا تشبه المرأة في مالها الغريم في ماله من قبل أن الغريم أعتق وأعطى ما ملكه بيده وأمره إليه، وأن الغرماء لا يجوز لهم رد ما فعل إلا من بعد إثبات بينات وتحقيق أيمان على حقوقهم وما يقومون به من ديونهم، فكان أمر الغريم أبدًا على الإجازة حتى يثبت هؤلاء ما أثبتوا مما يريدون به رد فعله ومنعه منه، وأما الزوج فهو زوج قد ثبت وعرف لا يكلف تحقيق أمره ولا إثبات ما يجب له بالرد، لأنه حين صار زوجًا ثابتًا قد مضى له الرد فيما فعلت ولزمها منه الإذن، فيما أرادت فعله بقضاء من رسول الله ﷺ ؛ لأنه قال صلوات الله عليه: «لا يجوز لامرأة قضاء في ذي بال من مالها إلا بإذن زوجها» فهذا بيان ما أردت، وما عنه سألت، وهو الأمر عندنا، لا يلفتنك عنه شيء مما ذكرت لنا. قلت لمطرف وابن الماجشون: فلو قضت المرأة في الكثير من مالها بالعتق والصدقة، فلم يعلم الزوج بذلك حتى تأيمت، أو علم به فرده فلم يخرجه من ملكها ببيع ولا غيره حتى تأيمت وهو بيدها، أكان ذلك ماضيًا من فعلها؟ فقالا: أما إذا تأيمت فذلك يمضي عليها ويكون كأنها ابتدأته الآن؛ لأنها مقرة بفعله وأن الذي من أجله كان مردودًا قد زايلته وزايلها بالموت أو

стр. 162

الفراق، وصارت مالكة أمرها كله، فمضى عليها فعلها فيه، ولا تكون في ذلك أسوأ حالًا من العبد المرقوق الذي لا يجوز له قضاء في شيء من ماله وإن يسر خطبه إلا بإذن سيده، فهوي عتق بغير إذن سيده، ويعطي من ماله فلا يعلم به سيده حتى يعتق ذلك العبد ويملك نفسه وماله، فيمضي ذلك عليه، وكذلك الذي يؤاجر العبد سنة ثم يعتقه، أو يخدم العبد سنة ثم يعتقه، أو يعتق وعليه دين مغترق، فيرده الغرماء ثم يسير والعبد في يده، وتنقضي السنة التي هي أجل الإجارة أو الخدمة، فإن العبد يعتق في هذا كله، فكذلك الزوج إذا مات أو طلق، والعبد في يد المرأة عتق، لأن هذا العقد كله لم يرد لسفه، وإنما رد لحرمة غير المعتق فإذا مضى من من أجله رد عتق بالحكم. قالا: وإذا لم يعلم الزوج بما فعلت امرأته في مالها من عتق أو عطية حتى ماتت، أو السيد أيضًا لم يعلم بما فعل عبده من عتق أو عطية حتى مات؛ فإن ذلك مردود بمنزلة ما لو علما ذلك في حياتهما، لأن الميراث لهما فيه، والمال الذي كان منه الإذن إليهما في الحياة باق، فحقهما فيه بعد الموت كحقهما فيه في الحياة. وسألت عن ذلك كله أصبغ، فقال لي [مثل قول] ابن القاسم أن قضاء المرأة في الكثير من مالها جائز أبدأ حتى يرده الزوج. وكان ابن القاسم يقول: وإن لم يعلم الزوج بما قضت فيه من عتق أو عطية حتى تأيمت أو ماتت فذلك ماض في التأيم والموت جميعًا. قال: قال لي أصبغ: وبقول ابن القاسم أقول في الموت، وأما في التأيم فالقول الذي حكيته عن مطرف وابن الماجشون في ذلك أحب إلي وأبين عندي، وبه أقول وأخذ إن كان ماضيًا عليها في التأيم، ومردود في

стр. 163

الموت، وإنما اختلفوا في الموت واجتمعوا على أنه ماض عليها في التأيم. وكان ابن القاسم يحكم به عليها إذا كان الزوج لم يعلم به ولم يرده حتى تأيمت، ولا يحكم به عليها إذا كان الزوج قد رده حين علم، وهو واحد عند مطرف وابن الماجشون وأصبغ. وهم يمضون ذلك عليها بالحكم، لأن ذلك الرد ليس هو عندهم ردا للعتق، إنما هو رد للضرر والقضاء منها مع زوجها، فإذا بقي العبد في يدها حتى ملكت أمره لزمها ما كانت قد ألزمته نفسها بالحكم، وبه أقول. واجتمعوا على أن الهبة ليست كالعتق إذا ردت الهبة برد الزوج ثم تأيمت لم يلزمها إمضاؤها، وإذا لم ترد حتى تأيمت فهي ماضية. واجتمعوا على أنها تقضي في العبد بما أحبت قبل أن تتأيم إذا كان قد رده الزوج. قال: وكان ابن القاسم يذكر عن مالك أنه قال: إذا أعتقت المرأة ذات الزوج ثلث عبدها أو أمتها ـ ولا مال لها غيره ـ جاز ذلك، وإن أعتقته كله لم يجز منه شيء، وذلك بمنزلة ما لو أعطت ثلث مالها جاز ذلك، ولو أعطت مالها كله لم يجز منه شيء. فسألت عن ذلك مطرفًا وابن الماجشون، فقالا لي: قد كان ابن أبي حازم يقول هذا، ولسنا نقوله، وهو عندنا وهم بين؛ من أجل أنها إذا أعتقت ثلث عبدها ولا مال لها غيره فكأنما أعتقته كله لا يجوز عتق شيء منه، وليس يشبه ذلك إعطاءها ثلث مالها من قبل أن رسول الله ﷺ قال: «من أعتق شركًا له في عبد، فكان له مال يحمل قيمة العبد قوم العبد قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد».

стр. 164

قالا: فكان ذو العبد وحده الذي لا شريك له فيه إذا أعتق بعضه أولى بإعتاق ما بقي منه عليه؛ لما قال رسول اللہ ﷺ ، فلما لم يستطع أن يمضي على المرأة ذات الزوج عتقه كله لمكان زوجها، صار ما أعتقت فيه باطلًا إذا فعلت ما هو خلاف لما أمرها به رسول اللہ ﷺ ، فرددنا عتق ما أعتقت، وكذلك لو كان العبد بينها وبين غيرها فأعتقت نصيبها منه ولا مال لها غيره، فإنه لا تقويم عليها، ولا عتق لما أعتقت منه، وقد سمعنا مالكًا يقول هذا كله، وقاله جميع أصحابنا: المغيرة، وابن دينار، وغيرهم، فإن روي لمالك خلاف هذا فهو وهم، فلا تقبله. وقاله ابن نافع وأشهب، إلا أن أصبغ قال لي: إذا أعتقت ثلث عبدها أو عبدًا بينها وبين غيرها ولا مال لها غيره استتم عليها عتقه كله، إلا أن يرد ذلك الزوج فيرد كله. ولم يخالفهم أصبغ إلا في أنه يرى قضاء المرأة في مالها كله بالعتق وغيره جائزًا إلا أن يرده الزوج. ومطرف وابن الماجشون يريان أن ذلك غير جائز إلا أن يجيزه الزوج، ويحتجان بقول رسول الله ﷺ : «لا يجوز لامرأة قضاء في ذي بال من مالها إلا بإذنه زوجها». قالا: فقد رده رسول الله ﷺ ما لم يأذن الزوج، وإذنه إجازته. قال: وبه أقول. وسألت مطرفًا وابن الماجشون عن المرأة ذات الزوج يكون لها رقيق لا مال لها سواهم، فتعتق أثلاثهم. قالا لي: لا يجوز ذلك، وهو بمنزلة ما وصفنا لك في إعتاقها ثلث عبدها الواحد.

стр. 165

قلت لهما: فلو أعتقت ثلثهم ولم تقل أثلاثهم؟ فقالا لي: إذا يجوز ذلك على حال ما نخبرك؛ اقسمهم أثلاثًا بالقيمة ثم أقرع بينهم، فإن خرج في الثلث عبد تام أعتقته، وعبد غيره أعتقته أيضًا، فإن بقي من تمام الثلث شيء لا يتم أن يكون بعدًا تاما لم يجز عتق ذلك، ورددناه بمنزلة ما لو ابتدأت ذلك في عبد واحد لا مال لها سواه، فافهم. وقاله لي أصبغ. وسألت مطرفًا وابن الماجشون عن المرأة ذات الزوج تدبر عبدها ولا مال لها غيره. فأخبرني مطرف أنه سمع مالكًا يقول: ذلك جائز لها، وماض على زوجها، لا رد له في ذلك ولا كلام، من أجل أنها لم تخرج عبدها من يدها بعتق ولا عطية، وإنما منعت نفسها بيعه فقط، ونفعه كله في خدمته، وجميع شأنه بحال ما كان لها ولزوجه، وقد كان لها أن تمتنع من بيعه إن شاءت بغير تدبير، ولا يكون لزوجها أن يكرهها على البيع. أما ابن الماجشون، فقال لي: لا يكون تدبيرها إياه جائزًا إذا لم يكن لها مال غيره، إلا أن يجيزه زوجها، وهو بمنزلة ما لو أعتقته كله لأن التدبير عقد من العتق ومنع من البيع - إن أرادته ـ فسبيله عندي سبيل ما لو أعتقته بتلًا، فلا أراه جائزًا. وقول مطرف في ذلك عن مالك أحب إلي، وبه أقول وآخذ؛ لأن المدبر إنما يخرج من ثلثها بعد موتها، وقد كان لها أن توصي بذلك له عند موتها، فهي وإن دبرته كله فإنما يرجع إلى ثلثها، وثلثها لها في حياتها وبعد موتها.

стр. 166

وكذلك قال لي أصبغ بن الفرج، وكان ابن القاسم يقوله أيضًا ويرويه عن مالك كرواية مطرف. وسمعت ابن الماجشون يقول: إذا قضت المرأة ذات الزوج في مالها باكثر من ثلثه بصدقة أو عطية أو كفالة فإنا نرد من ذلك ما زاد على الثلث ويمضي منه الثلث، ولسنا نفعل ذلك في العتق ولكنا نرده كله، لأنا إن رددنا منه ما زاد على الثلث وأمضينا لها الثلث فأجرينا ذلك في كل عبد كان ذلك خلاف ما أمر به رسول الله ﷺ ؛ أنه لا يجوز عتق بعض عبد وإرقاق بعضه وهو في ملك وحد. قلت: وهذا قول مالك؟ قال: نعم وجميع أصحابنا؟ فسألت عن ذلك مطرفًا، فقال لي: ما سمعت مالكًا فرق بين عتقها وصدقتها، وإنما تعطي الثلث من ذلك إذا اقتصرت عليه. قال لي أصبغ عن ابن القاسم مثل قول مطرف. وقول ابن [الماجشون] في ذلك أحب إلي، وبه أقول، وهو الصواب إن شاء الله. قال: وسمعت مطرفًا وابن الماجشون يقولان: قال مالك: إذا تصدقت المرأة أو وهبت ثلث مالها أو أقل على وجه السفه أو الضرار بزوجها لم يجز منه قليل ولا كثير ورد كله إذا تبين أنه ضرار بزوجها. قالا لي: وبه نقول. وبه أقول، وهو أحب ما فيه إلي، وقد ذكره أشهب عن مالك أيضًا، وأما ابن القاسم فكان يجيز لها ثلثها تفعل فيه ما أحبت ـ وإن التمست به الضرار بزوجها ـ وكان يقول: ليست في الثلث بمضرة.

стр. 167

ورأيت أصبغ يقول به. والقول الآخر أحب إلي، وبه أقول. وسمعت مطرفًا وابن الماجشون يقولان: تنفق المرأة ذات الزوج على أبويها وتكسوهما وتخدمهما وإن جاوز ذلك ثلث مالها، وليس لزوجها أن يمنعها من ذلك، وسنة الإنفاق في هذا أغلب من سنة رد الزوج على امرأته والقضاء في أكثر من ثلثها، لأن هذا حكم يحكم به عليها وإن كرهت هي الإنفاق، ألا ترى أن ذلك يلزم الصغير والبكر وهما لا يجوز لهما القضاء في أموالهما! وسألت أصبغ عن ذلك، فقال لي مثله. وسألت أصبغ بن الفرج عن المرأة ذات الزوج تعتق رأسًا من رقيقها، ثم رأسًا، ثم رأسًا، وزوجها غائب فيقدم، فيريد رد ذلك. فقال لي: ينظر؛ فإن كان عتقها متواترًا يشبه أن تكون إنما نصبت لتفرقته كي يجوز ذلك لها ـ مثل ألا يكون بين ذلك إلا اليوم واليومان وأشباه ذلك ـ فمحمله كله عندنا على الفور الواحد من عتقها، ينظر في جميع ما أعتقت فإن حملهم ثلثها مضى عتقهم، وإن لم يحملهم الثلث جميعًا ردوا كلهم، ولا ينظر في ذلك إلى تبعيضها. قال: وإن كان بين ذلك نبذ مثل الشهر والشهرين ونحو ذلك نظرت في أول الأمر ممن أعتقت، فإن كان الثلث فأدنى جاز ورد ما بعده، وإن كان في الثاني مع الأول سعة للثلث كان أمرها عندي فيمن بعد الأول على الإضرار، وإن كان بين ذلك أمر متفاوت جدًا؛ مثل الستة الأشهر وما فوقها، فنرى ذلك عتقًا مبتدأ يبتدأ لها فيه الثلث.

стр. 168

وهذا أحسن ما سمعت فيه. قال: وسألت أصبغ بن الفرج عن المرأة تريد أن تتصدق بشوارها - وهو أدنى من ثلث مالها ـ فيمنعها زوجها من ذلك، ويقول: لا تعري بيتي. قال: تمضي صدقتها بذلك، وترد مثله من مالها تشور به بيتها لزوجها على ما أحبت أم كرهت، بمنزلة التي تتصدق بالصداق قبل ابتناء زوجها بها وهي ثيب، فيمضي ذلك إذا كان أقل من ثلثها، وتجعل مثله من مالها تشور به بيتها وتتجهز به لزوجها. قال: وحدثني الأويسي عن القاسم الغمري، عن نافع، أن صفية بنت أبي عبيد كانت إذا أرادت أن تعتق لم تفعل شيئًا حتى تستأذن ابن عمر، وكان ابن عمر لا يمنعها. وسمعت ابن الماجشون يقول في المرأة تقر في الكثير من جهازها أنه لأهلها جملوها به، وهم يدعون ذلك كما قالته المرأة، ويكذبها الزوج. فقال: إذا كان ذلك من إقرارها على غير وجه العطية فلا كلام لزوجها فيه؛ كان أكثر من ثلث مالها أو أقل، وإذا كان على وجه العطية فذلك يرجع إلى الثلث. * * *

стр. 169

باب جامع الأحكام ابن حبيب: سألت مطرفًا عن المرأة تشتكي ضرورة زوجها بها -وهي في البادية - فتسأل السلطان أن يسكنها مع زوجها الحاضرة. فقال: ليس ذلك لها، لا تشاء إذا امرأة أن ترحل إلى الحاضرة من القرى والبادية إلا قالت ذلك بشكواها، وإن كره زوجها، ولكن السلطان ينهاه عن ضررها وأذاها، فإن عادت بالشكوى وتظاهر ذلك منها نظر؛ فإن كان معه في قريته من يجوز قوله وشهادته أمرهم فتفقدوا أذاه لها وما تشتكي من ضرورته في أحايين ذلك، وعندما يقع الشر بينهم، فإن ظهر لهم أنه المضر بها أو الظالم لها رفعوا ذلك إلى السلطان فزجر وأدب وسجن، وعاقبه بما يرى من الحق، وإن لم يتبين لهم شيء زجرها عن شكواها وردها إلى بر زوجها وطاعته صاغرة. قال: وإن لم يكن في جوارهم رجال يقبل قولهم في مثل هذا ويستأنيهم السلطان إلى نظرهم وتفقدهم واطلاعهم على حقيقة أمرها وقد تظاهرت شكواها ـ قال السلطان للزوج: لا بد أن تسكن بها في جوار ناس يعلمون ذلك لها، أو أنك غير مؤذ لها، فانظر أين تريد السكني بها. فحيث ما أراد الزوج واختار الموضع الذي يوافقه ولا يضر به في صنعته أمره فسكن بها هنالك ـ وإن كان ذلك في البادية ـ في جوار موضعه وكل جيرته، بمثل ما وصفت لك أولًا، وليس عليه أن يضمه إلى الحاضرة إلا أن لا يجد حوله من البادية من يضمه إليه ويسكنها عندهم وتكون الحاضرة أقرب إليه فيضمها إلى الحاضرة، أو يكون كان في طرف من الحاضرة -وليس حولهم ناس يرضى قولهم ـ أو يكون منفردًا، فإنه يضمه أيضًا إذا

стр. 170

تظاهرت شكاتها إلى ناس وموضع يتبين فيه ما شكت. وقد تكون أيضًا منفردة من الجماعة فتشتكي الوحدة وإن لم تشتك الضرورة فيلزمه أن يرحلها إلى الموضع المأنوس، إلا أن تكون نكحته على ذلك من حاله وعرفته به، فلا تنتقل عما رضيت به. وسألت أصبغ عن مثل ما سألت عنه مطرفًا من ذلك كله فقال لي مثل قوله. وسألت مطرفًا وابن الماجشون عن المرضى؛ هل للإمام أن يخرجهم عن الحاضرة، وعن القرى، وعن المساجد والأسواق؟ فقالا لي: أما الواحد والنفر القليل فلا يخرجون عن الحاضرة، ولا عن قرية، ولا عن سوق، ولا عن مسجد جامع ولا غير جامع، وقد بلغنا أن عمر بن الخطاب لقي امرأة وهي بذلك المرض، وهي تطوف بالبيت فقال لها: «يا أمة الله، لو جلست في بيتك كان خيرًا لك» ولم يعزم عليها بالأمر بذلك ولا النهي عما نهاها عنه. قالا: وبلغنا أيضًا أن معيقيب الدوسي كان له ذلك المرض، وكان عمر قد جعله على بيت المال، وكان يجالسه ويواكله، وكان إذا وضع الطعام قال عمر: «يا معيقيب كل مما يليك»، فهذا يدلك ـ على القليل -

стр. 171

أنهم لا يخرجون، فإذا كثر في الحاضرة رأينا أن يتخذوا لأنفسهم موضعًا كما صنع مرضى مكة، فإنهم كما رأيت عند التنعيم، ذلك منزلهم وبه جماعتهم. قال: ولا نرى أن يمنعوا في ذلك من الأسواق لتجاراتهم وابتياع حاجاتهم والتطوف للمسألة، إذا لم يكن إمام يجري عليهم أرزاقهم من فيء المسلمين. ولا نرى أن يمنعوا من المساجد الجامعة لشهود الجمعة المفروضة، لأنها على من قوي منهم على شهودها كما هي على غيرهم، فأما لغير الجمع المفروضة فلا بأس أن يمنعوا، إلا الواحد بعد الواحد، وما أشبه ذلك. وكذلك المساجد المخصوصة يمنعون منها لما في ذلك من الإذاية بأهلها إلا الواحد بعد الواحد. قالا: وأما مرضى القرى فإنهم لا يخرجون عنها -وإن كثروا - إلا أنهم ممنوعون من أذاهم في مسجدهم إذا شكوا ضرر ذلك بهم، وإن كانت موردة القرية واحدة أمروا أن يتخذوا لأنفسهم صحيحًا يستقي لهم، ولا يؤذوا أهل القرية في موردهم بوضوئهم واغتسالهم فيها، فإن لم يقدروا على ذلك كان على الإمام أن يخدمهم من بيت المال خادمًا يستقي لهم، فإن لم يكن إمام يفعل ذلك، ولم يقدروا على صحيح يستقي لهم لم يمنعوا من الاستقاء، ولم يتركوا يموتون عطشًا. وإن كانت موردة القرية نهرًا نحوا إلى ناحية يستقون منها غير موضع الجماعة المورود. وسألت أصبغ عن ذلك كله، فقال لي مثل قولهما فيه أجمع، إلا أنه

стр. 172

قال: ليس على مرضى الحواضر الخروج منها إلى ناحية بقضاء يحكم به عليهم، ولكن إن كفوا مؤناتهم - كالإمام العدل يجري ذلك عليهم - منعوا من مخالطة الناس إن شاؤوا، وأمروا بلزوم بيوتهم، وإن شاؤوا بالتنحي ناحية ذلك إليهم. والحكم عليهم بتنحيهم ناحية إذا كثروا أعجب إلي، وهو الذي عليه الناس في الأمصار كلها. وسألت مطرفًا عن القناع؛ هل للإمام أن ينهي عنه؟ فقال لي: القناع محدث، ما كان عندنا حتى أتانا من العراق، وإنما كان النساء يخرجن حواسر عن وجوههن، وذلك مثل الدنية من النساء والصفراء والعجوز وما أشبههن، فإذا كانت المرأة لها القدر والحال خرجت مستورة بالستر، فأما القناع فلم يكن يعرف عندنا على حال إلا منذ قريب أتانا من قبل العراق فدخل فيه نساؤنا، ولقد أعان ذلك ذوات السفه من النساء على السفه. قلت: فما ترى أن يمنعن من ذلك؟ قال: قد تنتفع به المرأة المضطرة إلى الخروج وتستتر به حتى تبلغ حاجتها ـ والأمر كثير شامل، وما رأيت مالكًا ولا غيره نهى عن ذلك عندنا، إلا ما كان من الإماء، فإن مالكًا كان يكره ما أحدث الإماء من تقنيع رؤوسهن، وكان يرى أن ينهاهن الإمام عن ذلك ويكشف رؤوسهن. ولقد كانت الأئمة تفعل ذلك عندنا؛ كانت ترسل الشرط فحيثما وجد أمة قنعت رأسها وإن حسرت عن وجهها نزعت القناع، كيلا يتشبهن بالحرائر، وهو الذي جاء عن عمر بن الخطاب. قال: وأكره أن يكشفن شيئًا من أجسادهن، وأرى أن يمنعن من ذلك.

стр. 173

وسألت أصبغ عن ذلك، فقال لي مثله. وسألت مطرفًا عن الملقوط يلتقطه النصراني. فقال: ينزع منه ولا يترك في يديه خيفة أن ينصره أو يدرس أمره فيسترقه. وقال أصبغ مثله. وسألت مطرفًا عن رجل استجهل رجلًا عند سلطان متعد فضربه وأغرمه، ثم انتصف المستجهل من مستجهله عند سلطان غيره، أترى أن يغرمه ما أغرم بسببه؟ قال: لا، ولكن أرى عليه العقوبة. وسألت أصبغ عن ذلك، فقال لي مثله. وسألت مطرفًا عن الرجل يموت فتقوم امرأته بكتاب صداقها فتأخذ به ما كان بقي عليه، فيريد ورثة الرجل أخذ الكتاب منها وقطعه عنهم عند دفعهم إليها ما كان لها فيه، وتأبى هي ذلك، وتقول له: أدفع بعد اليوم من دفعني عما أخذت. فقال لي: يؤخذ منها ويقطع عن الورثة. فسألت عن ذلك أصبغ، فقال لي: لا أرى أن يؤخذ منها ولا يقطع، لما فيه من المنفعة، به يثبت نكاحها، وبه تأخذ ميراثها، وبه تدفع بعد اليوم من دفعها عما ورثت، فلا أرى ذلك عليها. قلت: فلو كانت إنما قامت بكتاب فيه ما كان بقي عليه من صداقها، ليس هو كتاب نكاحها؟

стр. 174

فقال لي: إن أخذت نقدًا فأرى أن يؤخذ منها ويقطع عن الورثة، وإن أخذت بذلك منهم أرضًا أو عقارًا من عقاره فلا أرى أن يؤخذ ذلك منها لأن به تدفع بعد اليوم من دفعها عما أخذت في بقية حقها من ذلك العقار وشبهه مما تلتمس التوثق فيه، وعلى الورثة أن يستوثقوا لأنفسهم من البراءة إليها بحقها بالإشهاد وذكر الكتاب الذي بيدها، وهو أحب ما فيها إلي. وسألت مطرفًا عن الشركاء في الدار يحتاج كنيفهم إلى الكنس فيتشاحون في كراء ذلك، أترى أن يحمل عليهم على قدر ما لهم في الدار؟ أم على الجماجم؟ فقال لي: بل على الجماجم، لأنه قد يكون العدد الكثير في البيت الواحد ليس لهم من الدار غيره، ويكون الرجل الواحد بخادمه أو امرأته في العدة من البيوت تكون لهم من الدار، فلو كان على قدر ما لهم في الدار لكان على هذا أكثر مما على هؤلاء، وإنما كنس الكنيف ككنس الزبول تجتمع في دارهم، فعلى كل قوم كنس زبلهم وما هو ناحيتهم. قال: قلت لمطرف: فعلى من كنس الكنيف وطرح قمامة الدار وما اجتمع فيها من الزبول؛ أعلى المكري أم على المكتري؟ فقال: أما قمامة الدار وما اجتمع فيها من الزبول فعلى المتكاري الساكن، وأما كنس الكنيف فيحملان في ذلك على سنة البلد. قال: فسألت عنه أصبغ، فأخبرني عن ابن القاسم وأشهب أنهما قالا: الزبول وكنس الكنوف على المتكاري. وقول مطرف أحب إلي. وسألت أصبغ عن استسقاء النصارى في الجماعة؛ أترى أن يمنعوا من ذلك؟

стр. 175

فقال لي: إن أخرجوا صلبهم وأظهروها منعوا من ذلك، لأن ذلك مما لا يشهر في الجماعة، وكذلك لو أن معلنًا منهم أعلن بشركه وكفره ـ ما ينحلون الله من الصاحبة والولد ـ لمنع من ذلك أشد المنع، كما يمنع من إظهار الزنا وشرب الخمر. وقال: وإن كانوا إنما يخرجون بصلبهم وشركهم ذلك إلى البراري وناحية من الجماعة لم يمنعوا من ذلك، ولو كانوا في الجماعة يستسقون بالعجيج والدعاء فقط لم يمنعوا. وسألت مطرفًا عن الرجل يباع عليه الدين، أتراه أولى به؟ فقال: نعم، سمعت مالكًا يقول: هو أولى به بالثمن الذي بيع به؛ إن كان عينًا فمثله، وإن كان عرضًا فقيمته. قال مالك: وأرى أن يقضى، وكذلك المكاتب هو أولى بكتابته بما بيعت له. وكان ابن القاسم يذكر عن مالك أنه قال: أراه حسنًا، ولا أرى أن يقضى به، ولا أعلم أحدًا من أصحاب مالك قال فيه قول ابن القاسم. وكلهم قال بقول مالك الذي رواه مطرف وابن وهب وأشهب عن ابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ. وحدثني ابن عبد الحكم وعبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن عبيدالله بن أبي جعفر، أن رسول الله ﷺ قال: «من كان عليه دين فبيع فهو أحق به بالثمن الذي بيع به».

стр. 176

وروى ذلك ابن وهب عن رسول الله ﷺ ، وعن علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وعمر بن عبدالعزيز، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وربيعة، وابن شهاب، وأبي الزناد، وغير واحد. وحدثني مطرف عن أبي الزناد، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ قال: «الشفعة في المكاتب والدين». وحدثني الخزامي عن محمد بن عمر، عن عمر بن عبد العزيز، وأبي بكر بن حزم، وعطاء، والزهري، مثله. وحدثني الخزامي عن محمد بن عمر، عن عبدالرحمن بن محمد بن أبي بكر بن حزم، عن عمر بن عبد العزز، أن رسول الله ﷺ قال: «المسلمون على شروطهم؛ ما وافق الحق منها». وحدثني الخزامي عن محمد بن عمر، عن سعيد بن عبد العزيز، عن عبدالرحمن بن غنم، عن عمر بن الخطاب، أنه قال: «المسلمون على

стр. 177

شروطهم عند مقاطع حقوقهم» وحدثني أصبغ، عن السبيع، عن عوف الأعرابي، عن الحسن قال: كان أبو بكر وعمر وعثمان يعزرون في الهجاء. وحدثني أصبغ عن السبيع، عن جبير، عن الضحاك، عن ابن مسعود قال: لا يصلح في هذه الأمة غل ولا صفد ولا مد ولا تجريد. وحدثني أصبغ عن السبيع، عن عوف عن الحسن، قال: قال رجل:

стр. 178

يا رسول الله! ما يجني علي؟ قال: «تجني يمينك على شمالك». وحدثني ابن المغيرة عن الثوري أن شريحًا قال ـ في رجل كان له حق على رجل إلى أجل فتعجله من أهله والذي عليه الدين غائب فجاء وقد حل الحق ـ فقال: يرده إليه بقدر ما تعجله. وحدثني ابن المغيرة عن الثوري، عن منصور، عن إبراهيم النخعي، قال: يستحلف الرجل فيما ادعي على أبيه على علمه. وحدثني أسد بن موسى، عن الحسن بن دينار البصري، قال: إذا مات الذي عليه الدين فالدين حال، وإذا مات الذي له الدين فالدين إلى أجله. وحدثني مطرف، عن أبي حازم، عن ابن الأشج، أن رسول الله ﷺ نهى عن لقطة الحاج. وحدثني إسحاق بن صالح، عن ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، أن رسول الله ﷺ قال: «من كانت له نخل مع رجل فلا يبيعها حتى يعرضها على شريكه».

стр. 179

وحدثني ابن أبي أويس، عن ابن ضميرة، عن أبيه، عن جده، أنه كان يقول: لا تكون الشفعة بين القوم إلا بقدر الشركاء، وإنهم يتشافعون بقدر حصصهم. وحدثني ابن أبي أويس، عن ابن ضميرة، عن أبيه، عن جده، عن علي، أنه قال: اليمين على المدعى عليه، فإن نكل حلف المدعي. وحدثني ابن أبي أويس الأويسي، عن إسماعيل بن عياش، عن أبي بكر ابن أبي مريم، عن أبي أمامة الباهلي، قال: كان مما خطب رسول الله ﷺ في حجة الوداع: «إن الله أعطى لكل ذي حق حقه فلا وصية لوارث، والولد للفراش وللعاهر الحجر، وحسابهم على الله، ومن ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله إلى يوم القيامة، ولا يحل لامرأة أن تنفق من بيت زوجها إلا بإذنه»، قالوا: يا رسول الله، ولا الطعام؟ قال: «ذلك أفضل أموالنا»، ثم قال: «العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والدين مقضي، والزعيم غارم».

стр. 180

وحدثني مطرف والأوسي عن ابن أبي الموالي، عن عبد الله بن الحسن، قال: كنت عند عمر بن عبدالعزيز، فأتي برجل قد جلده عبد الله بن سعد الأيلي ـ صاحب شرطة عمر - فقال عمر: ويلك! ما لهذا الرجل يا بن سعد؟ قال: قتل إنسانًا، فقال عمر: «سبحان الله». قال المطلب بن عبد الله: «سبحان الله» ليس هذا على الناس أن يؤخذوا بما قالوا عند الابتلاء. فأقبل عمر على الرجل، فقال له «ويحك! أقتلت هذا الرجل؟» قال: لا، والله ما قتلته، ولا وجدوني حيث قتل؛ قتل الرجل بثنية البول، ووجدني هذا بالزغابة، فعذبني وبلغ مني ما ترى، فلما رأيت ذلك قلت: نعم، ليريحني بالقتل، والله أعلم ما كنت له بسبيل. فخلى عمر سبيله، ثم أقبل عمر على القوم، فقال: إن أحق الناس ألا يعمل بهذا لأنا، أخبرني أبي أن ناسًا من أهل مضر استعدوه على رجل كان يدخل على نسيبة لهم، وقالوا: غلبنا عليها، فقال لهم عبدالعزيز: «قد أهدرت لكم دمه إن دخل عليها»، فمكث ما شاء الله، ثم إنهم فقدوا المرأة من بيتها، فجاء أصحابها الذين كانوا استعدوا على الرجل إلى عبدالعزيز، فقالوا: أصلحك الله! إن الرجل الذي كنا استعديناك عليه عدا على صاحبتنا فقتلها، فدعاه عبدالعزيز، فسأله، فقال: ما لي والله بشيء من شأنها علم، ولا قربتها منذ نهيتني عنها، فقال صاحب الشرطة خل بيني وبينه أخبرك خبرها، قال: «فشأنك به»، فخرج الرجل من عنده، فعذبه فاعترف أنه قتلها، فجاء به إلى عبدالعزيز، فقال: نعم، فقال: «أبعدك الله!»، وأمر به أن يصلب، فخرجوا به من عنده ليصلبوه، فلما هيأوا خشبة إذا برجل يليح بثوبه فانتظروه، فلما أتاهم قال: هذه المرأة التي تريدون أن تقتلوا
следующие страницы →