وكان لكثرة الغزوات التي غزاها السلمون إلى جنوب فرنسا وغيرها من جزر البحر الأبيض وعودتهم بالسبايا وفيها الجواري الحسان التي ثقفت ثقافة أدبية عالية أثر على النفس العربية المرهفة الحس نحو الجمال فانطلقت خواطر الشعراء وجادت قرائح الأدباء وانبثقت العواطف الإنسانية، بعض التزم الجادة، وآخر لم يحكمه زمام العقل وقيود الفكر وجلال الشرع. وقد جمع أبو محمد بن حزم مادة كتابه "طوق الحمامة" من هذا المجتمع الملىء بالعناصر المختلفة فكل ما يقرره فيه مستمد منه، وقد صور هذا أتم تصوير وأحكمه وذكر الوقائع المؤيدة والشاهدة لذلك. ثم إنه ﵀ صورة صادقة للفضيلة الإنسانية في مجتمعه، وكان قلبه يفيض بالأحاسيس نحو الجمال، ولكن في دائرة الحلال لا يعدوها فهو لم يرتكب حرامًا ولم يرتع في مراتع الحرام، وقد أقسم بالأيمان المغلظة أنه لم يحل إزاره على حرام. (١)
وقد عاش المجتمع الأندلسي القرن الرابع الهجري كاملًا في هدوء واستقرار وأمن وازدهار. وكان قمة عهد المسلمين في الأندلس ما قبله صعود انتهى إليه وما بعده انحدار ابتدأ منه وقد عاش المسلمون في هذا القرن حياة عز ورفعة وجاه. وقد رتعوا في بحبوحة من العيش. رغد ورخاء دائم ونعيم مقيم. وقد طغت على المجتمع مظاهر البذخ والترف وتشييد القصور وتحسين الطرقات وتجميل المنتزهات، حيث اتسعت أبواب العيش وكثرة الموارد عندهم حتى إنهم أصبحوا، يستقبحون التسول، وإذا رأوا شخصًا صحيحًا قادرًا
стр. 107
على الخدمة يمارس هذه العادة سبوه وأهانوه فضلا عن أن يتصدقوا عليه. (١)
وقد استمر هذا الرخاء في العيش بعد ذلك رغم ما حدث من الاضطرابات والزعازع السياسية في الأندلس. وقد بقيت قرطبة تقريبًا هي أشد المجتمعات تحفظا وتظاهرا بالدين والتمسك بالأخلاق، يقول المقري عن قرطبة: "ومن محاسنها .. ظرف اللباس، وتظاهر بالدين والمواظبة على الصلاة وتعظيم أهلها لجامعها الأعظم وكسر أواني الخمر حينما تقع عين أحد من أهلها عليها والتستر بأنواع المنكرات والتفاخر بأصالة البيت وبالجندية وبالعلم وهي أكثر بلاد الأندلس كتبا وأهلها أشد الناس اعتناء بخزائن الكتب". (٢) حتى ممن لا يقرأ حيث أصبح وضع المكتبة في البيت مما يتباها فيه أهل تلك البلاد حتى إن بعضهم يشترى الكتاب بأضعاف ما يستحق ليملأ به فراغًا في خزانته.
وبجوار هذا كان اللهو الماجن أحيانًا في متنزهات قرطبة وغيرها من مدن الأندلس وكان القول العابث فيها مستراد ومذهب. (٣) وهذا بلا شك نتيجة لكون السكان من عناصر كثيرة، وقد قضى أبو محمد قرابة عشرين عامًا من حياته الأولى في قرطبة. ويطول بنا المقام لو تتبعنا الوسط الاجتماعي الذي عاش في كنفه ابن حزم بعد ذلك في الحديث، ولكن بحسبنا أن نقول إن هذا الوسط كان حافلًا بشتى مظاهر الاختلاط فمن اختلاط بين الجنسين إلى اختلاف بين
стр. 108
العناصر والسلالات ومن احتكاك بين المسلمين والنصارى إلى صراع بين أصحاب الفرق والمذاهب. ولا شك في أن كل هذه المظاهر المختلفة من الاختلاط قد عملت على تنشيط الحركة الفكرية في أرجاء بلاد الأندلس على الرغم مما صحبها من مظاهر الانحلال الخلقي والتفكك الاجتماعي، وقد قوى واشتد اختلاط المسلمين بالنصارى. لما ضعف شأن الأمراء المسلمين وصاروا يستعينون ببعض النصارى ويدفعون لهم الإتاوات أحيانًا. وكان اختلاط ابن حزم بتلك الجماعات عاملًا قويًّا في تحديد نوع اتجاهه الفكري وصبغ تفكيره بطابع جدلي. وفي الحق أن كل شيء في الأندلس كان يتجه إلى تكوين عالم جليل كابن حزم، إن توافرت الواهب التي تكون كمواهبه والمنزع القوي الذي يكون كمنزعه، وقد توافرت تلك العناصر فكان إمام الأندلس وفقيهها. (١)
ولكن ظاهرة اجتماعية سيطرت على الأندلس كغيرها. وهي اتخاذ الدين وسيلة إلى الدنيا وذريعة إلى الغض من الخصوم، وكان السلاطين لا يعفون عن إثارة الناس على من يحقدون عليه كما كان بعض العلماء أسرع استجابة إلى تهييج الجماهير على من يخالف لهم مذهبًا أو ينافسهم في جاه أو ينتزع منهم سلطة. أو من يخشى إقبال الناس عليه لمواهبه وفضله وكفايته. وقد حصل لأبي محمد بن حزم التشريد من الأوطان من الأمراء والولاة والتخطئة والتجهيل وتحذير الناس منه وتزهيد الطلاب فيه من العلماء فجفته الديار ونفر منه الأصحاب وإن خفت صوته في حياته وبعد وفاته بزمن قليل فقد ظهر واشتد بعد ذلك.
стр. 109
٣ - الأحوال العلمية:
كان الكثير من خلفاء بني أمية في الأندلس من أهل العلم والأدب .. فعبد الرحمن الداخل كان عالمًا وأديبًا شاعرًا. (١) ومحمد بن عبد الرحمن (٢) كان محبًا للعلوم ومؤثرًا لأهل الحديث وقد ناصر بقى بن مخلد (٣) لما دخل الأندلس بكتاب "مصنف" أبي بكر ابن أبي شيبة وأنكر جماعة من أهل الرأي على بقى ما فيه من الخلاف واستشنعوه ومنحوا من قراءته فاتصل بقى بالأمير محمد فاستحضره وإياهم واستحضر الكتاب كله وجعل يتصفحه جزءا جزءا إلى أن أتى على آخره وقد ظنوا أنه يوافقهم في الانكار عليه ثم قال لخازن الكتب هذا كتاب لا تستغنى خزانتنا عنه فانظر في نسخة لنا. ثم قال لبقى أنشر علمك وارو ما عندك من الحديث وإجلس للناس حتى ينتفعوا بك، ونهاهم أن يتعرضوا له. (٤)
فهذا دليل علم واهتمام، وعناية من الخلفاء بالعلم وأهله وحث على طلبه ولم يكن لأهل الأندلس مدارس تعينهم على طلب العلم بل يقرأون جميع العلوم في المساجد بأجرة، فهم يقرأون لأن يعلموا لا لأن يأخذوا جاريًا.
стр. 110
وكان حالهم في فنون العلوم هو التحقيق والإنصاف، وهم أحرص الناس على التميز، فالجاهل الذي لم يوفقه الله للعلم يجهد أن يتميز بصنعة، ويربأ بنفسه أن يرى فارغًا عالة على الناس لأن هذا في نهاية القبح.
والعالم عندهم معظم من الخاصة والعامة يشار إليه، ويحال عليه وينبه قدره، وذكره عند الناس، ويكرم في جوار وابتياع حاجة وما أشبه ذلك.
وللفقه عندهم رونق وجاهة، والمنتشر عندهم مذهب الإمام مالك ويقرأون القرآن بالسبع. وكانوا يعنون برواية الحديث، ويتحرون فيها الدقة، وعلم الأصوال عندهم متوسط الحال. والنحو عندهم في نهاية من علو الطبقة. وللشعر عندهم حظ عظيم، وللشعراء من ملوكهم وجاهة. (١) وقد عرفنا حالة الأندلس السياسية من أول القرن الرابع إلى ما بعد النصف من القرن الخامس ورأينا أنها في القرن الرابع في غاية من الازدهار والاستقرار السياسي. وقد اقترن هذا بضروب من الازدهار الفكري وذلك في عهد عبد الرحمن الناصر فهو الذي رفع للعلم صرحًا باذخًا فأغدق العطايا على العلماء وأوسع لهم مجالسه وشجعهم على دراسة سائر العلوم الدينية وغيرها كالرياضيات والفلك، كما أشرك بعضًا من علماء اليهود في الثقافة الأندلسية فبدأت في عهده دراسة التوراة والتلمود في أسبانيا، وتكونت في قصر الخليفة الأندلسي العظيم مكتبة كبرى كانت هي الدليل الواضح على الدرجة العليا التي بلغتها الثقافة الأندلسية في
* * * *
стр. 111
عهده وكان من حظ الأندلس أن دامت خلافته خمسين سنة. (١)
ثم جاء بعده ابنه الحكم وهو أعلم الأمويين وأحكمهم على الإطلاق وقد سار على نهج أبيه وأخاف خصومه فعقدوا معه المعاهدات فتفرغ لتنشيط الحركة العلمية - وكان قد بدأ ازدهارها في عهد أبيه - فكان يكلف بعض أتباعه استنساخ كل الكتب القيمة - قديمة كانت أو حديثة - في سائر مدن الشرق يقول عنه ابن حزم: "كان رفيقًا بالرعية محبًا في العلم. ملأ الأندلس بجميع كتب العلم وأخبرني تليد الفتى وكان على خزانة العلوم بقصر بني مروان بالأندلس أن عدد الفهارس التي كانت فيها تسمية الكتب أربعة وأربعون فهرسة في كل فهرسة خمسون (٢) ورقة ليس فيها إلا ذكر أسماء الدواوين فقط". (٣)
ويقول ابن خلدون: "وكان يبعث في شراء الكتب إلى الأقطار رجالا من التجار ويرسل إليهم الأموال لشرائها حتى جلب منها إلى الأندلس ما لم يعهدوه وبعث في كتاب "الأغاني" إلى مصنفه أبي الفرج الأصفهاني وكان نسبه في بني أمية وأرسل إليه فيه بألف دينار من الذهب العين فبعث إليه بنسخة منه قبل أن يخرج إلى العراق وكذلك
стр. 112
فعل مع القاضي أبي بكر الأبهري. (١) المالكي في شرحه لمختصر بن عبد الحكم (٢) وأمثال ذلك وجمع في داره الحذاق في صناعة النسخ والمهرة في الضبط والاجادة في التجليد فأوعى (٣) من ذلك كله واجتمعت بالأندلس خزائن من الكتب لم تكن لأحد من قبله ولا من بعده". (٤)
ويذكر بعض المؤرخين مبلغ اهتمامه بجمع الكتب الكثيرة والنفيسة حتى قيل إنها تبلغ أربعمائة ألف مجلد وأنهم لا نقلوها أقاموا ستة أشهر في نقلها. فبالطبع لا يأتي هذا الحرص إلا من عالم ذي غرام بالعلم فهو بحق كان في المعرفة بالرجال والأخبار والأنساب أحوذيًا نسيج وحده يؤكد هذا أنه قلما يوجد كتاب من خزائنه الكثيرة إلا وله فيه قراءة أو نظر في أي فن كان ويكتب فيه نسب المؤلف ومولده ووفاته ويأتي من بعد ذلك بغرائب لا تكاد توجد إلا عنده لعنايته بهذا الشأن. (٥)
стр. 113
وقد تسابق الناس على جمع الكتب، والاعتناء بالمكتبات لما رأوا تلك العناية من أمرائهم. حتى ممن ليس عنده معرفة فيشتري الكتاب الحسن الخط والجيد التجليد بأضعاف ما يستحق إذا اضطره إلى ذلك فراغ في خزانته بمقدار ذلك الكتاب. (١)
ولكن ما بعد ارتفاع الشمس في كبد السماء إلا زوالها كما يقال فقد توفي الحكم المستنصر سنة ٣٦٦ هـ وبوفاته انتهى العصر الذهبي للأندلس. فأتى بعده المنصور بن أبي عامر حاجبا للخليفة الصغير المؤيد ابن الحكم. واستبد بالحكم وكان من نتائج هذا الاستبداد أن تعثرت الحضارة الأندلسية في سيرها على أيامه فأحرقت كتب الفلسفة والفلك وغيرها من العلوم التي كانت موجودة في مكتبة القصر بأمره هو نفسه استرضاء منه لجمهور الفقهاء الذين كانوا قد بدأوا يؤلبون عليه العامة. (٢) ولم تستمر الأحوال بعد ابن أبي عامر فجاء عصر الاضطراب والدمار على قرطبة وغيرها ولا شك في أن لهذا الدمار والتخريب أثرًا قويًّا في إتلاف التراث العلمي الموجود. يقول ابن خلدون في الكلام عن مكتبة المستنصر: "ولم تزل هذه الكتب بقصر قرطبة إلى أن بيع أكثرها في حصار البربر، وأمر بإخراجها وبيعها الحاجب واضح من موالي المنصور بن أبي عامر، ونهب ما بقى منها عند دخول البربر قرطبة واقتحامهم إياها عنوة". (٣)
ولكن ليس في نهب هذه الكتب وبيعها ذهابها وليس في تخريب قرطبة قضاء على العلم بل توزعت تلك الكتب التي كانت محصورة في مكتبة القصر، وتفرق العلماء في سائر مدن الأندلس وقراها وكان
стр. 114
في ذلك نشر للعلم والمعرفة في الأندلس - وإن لم يكن كل ذلك إيجابيًا - وقد كان أبو محمد ابن حزم ممن خرج من قرطبة وتجول في مدن الأندلس وقراها - فلم تقترن تلك الاضطرابات بانحلال فكري بل لقد شهدت بلاد الأندلس حتى في عهد الطوائف نهضة علمية كبرى نتيجة للتنافس الشديد بين الدويلات الصغيرة في مضمار العلوم والآداب فما كان أعظم مباهاتهم إلا قول العالم الفلاني عند الملك الفلاني والشاعر الفلاني مختص بالملك الفلاني وليس منهم إلا من بذل وسعه في المكارم. (١) وأقبل المفكرون في هذا الأثناء على وضع المؤلفات القيمة في كل فن وكان من ذلك أن كتب ابن حزم في تاريخ الأديان وعلم النفس متقدمًا في ذلك على مفكري أوروبا وغيرهم بقرون كثيرة. (٢) وكتب أبو مروان ابن حيان والحميدي في تاريخ الأندلس وغيرهم كثير كتبوا في كل فن وإن رسالة ابن حزم في علماء الأندلس تعطي صورة وافية عن العلماء الذين كانوا في بلاد الأندلس وأنهم ليسوا بأقل من العلماء الموجودين في الشرق مرتبة وقد وازن بين بعض المشهورين من العلماء في المشرق والمغرب ويقرر أنه لا يوجد رجل يعد من مفاخر الشرق إلا كان له نظير من مفاخر الأندلس. (٣)
فالحاصل أن العلم لم يضعف بضعف السياسة، ولم يأفل نجم العلماء كما أفل نجم السياسيين، ولا شك أن لاحتكاك المسلمين بالنصارى في الأندلس والاحتكاك بين العناصر والسلالات الأخرى والصراع بين أصحاب الفرق والمذاهب المختلفة أثرًا في تنشيط
стр. 115
الحركة الفكرية في أرجاء بلاد الأندلس على الرغم مما صحبها من مظاهر الصراع والذي نجم عنه ترق في العلوم والآداب، والفنون والصناعات، وقد كانت مدينة قرطبة في أول الأمر مركز ذلك التقدم العلمي وكانت مركز المحدثين والفقهاء والمتكلمين وملتقى الشعراء والأدباء كما كانت في ذلك الوقت أكثر بلاد الأندلس كتبا وأحفلها بالخزائن والمكتبات ثم انتثر كل ذلك في سائر أرجاء الأندلس. وأبو محمد بن حزم ممن عاش الحالتين، فالفترة التي عاش فيها كانت بمثابة فترة انتقال من عهد الخلافة الأموية إلى عهد حكم الطوائف فلم يكن من الغريب على ابن حزم أن يتأثر في تفكيره وأسلوب حياته بما اعتور بلاده من تقلبات وما اختلف عليها من أحداث جعلته لا يستقر بمكان وقد انعكس ذلك على حياته الفكرية فاتسعت آفاقه فألم بالكثير من العلوم والمعارف فهو الإمام المحدث والفقيه المجتهد وهو الأديب الشاعر والفلسفي المنطقي والمؤرخ العالم بالأنساب فكان دوحة وارفة الظلال قد بسقت في مهد العلم ونمت في معدنه وتغذت من نبوعه وبذلك نستطيع أن نقول إنه قد توافرت له أسباب المعرفة كاملة. وكان لما عانى من التشريد والنفي والاشتراك في المؤامرات والتدبيرات التي لم تنجح من جراء الخيانات من ذلك المجتمع عضب اللسان ينازل العلماء والفقهاء ويتحدى بجدله العنيف آراء وعقائد في الفقه والفلسفة والدين فقوبل ذلك من خصومه بالاضطهاد ورموه بالضلال فلم يثن ذلك عزمه ولم يحد من إقدامه فهو المفكر الذي يتحمس لدينه لا تأخذه في الله لومة لائم إلى أن مضى لسبيله. (١)
стр. 116
الباب الثاني الإلهيات
* يشتمل هذا الباب بعد تعريف الإلهيات على خمسة فصول:
الفصل الأول: وجود الله تعالى
الفصل الثاني: وحدانية الله تعالى.
الفصل الثالث: التنزيهات.
الفصل الرابع: الصفات.
الفصل الخامس: أفعال الله تعالى.
* * * *
стр. 117
الإلهيات
الإلهيات جمع إلهية، وهي نسبة للصفة إذ يقال هذا علم إلهي، وصفة إلهية، وإله بيِّن الإلهية. (١) وإله من أله بمعنى عبد فعال بمعنى مفعول، لأنه مألوه أي معبود، بحمع إله على آلهة. (٢)
وإذا أطلق لفظ الإله فالمقصود الله مع أن إله وضع في الأصل لكل معبود، لكن غلب بأل على المعبود الحق. (٣)
والإلهيات اصطلاح يطلق "على كل ما يتعلق بذات الإله وصفاته وأفعاله. (٤)
стр. 118
فصاحب المواقف، (١) في علم الكلام جعل كتابه في ستة مواقف، الموقف الخامس منها في الإلهيات، وتناول في البحث تحت هذا العنوان:
الذات الإلهية، وتنزيهها، والتوحيد، والصفات، وما يجوز عليه سبحانه، وأفعاله، وأسماءه تعالى، وتقدس.
* * **
стр. 119
الفصل الأول وجود الله تعالى
سلك أبو محمد بن حزم ﵀ في الاستدلال على وجود الله تعالى:
أولًا: طريق حدوث العالم.
ثانيًا: الاستدلال بما في الفلك من الآثار المحمولة فيه من نقلة زمانية وحركة دورية إلى غير ذلك مما في المخلوقات من التوافق والاختلاف والإتقان، فقال تحت عنوان: "من قال بأن العالم لم يزل وأنه لا مدبر له"، "لا يخلو العالم من أحد وجهين إما أن يكون لم يزل أو أن يكون محدثًا لم يكن ثم كان فذهبت طائفة إلى أنه لم يزل وهم الدهرية، (١) وذهب سائر الناس إلى أنه محدث". (٢)
وقد ناقش هذه الفرقة "الدهرية" القائلة بقدم العالم فأورد اعتراضاتهم ونقضها واحدًا واحدًا ولم يكتف بابطال حججهم بل أتى بالبراهين الظاهرة والنتائج الموجبة والقضايا الضرورية على إثبات حدوث العالم.
стр. 120
وسنكتفي بإيراد طريقه الإثباتي، دون إيراده اعتراضات الدهرية وردوده عليهم حيث لم يكتف بتلك الردود طريقًا للإثبات بل أورد الحجج والبراهين التي رأى أنها ضرورية لإثبات حدوث العالم بعد أن لم يكن وتحقيق أن له محدثًا لم يزل لا إله إلا هو.
الطريق الأول:
طريق حدوث العالم
في هذا الطريق - قال:
- البرهان الأول: العالم عبارة عن أشخاص بأعراضها وأزمانها والشاهد بالحس والعيان تناهي كل ما في العالم من الأشخاص بأعراضها وأزمانها.
أما تناهي الشخص فظاهر بمساحته - أول جرمه وآخره - وبزمان وجوده. وتناهى العرض المحمول فيه بين بتناهي الحامل له.
وتناهى الزمان موجود باستئناف ما يأتي منه بعد الماضى وفناء كل وقت بعد وجوده، واستئناف اخر يأتي بعده إذ كل زمان فنهايته الآن وهوحد الزمانين فهو نهاية الماضى، وما بعده ابتداء للمستقبل وهكذا أبدا يفنى زمان ويبتدىء آخر وإذا ثبت تناهي الأجزاء التي تركب منها العالم فهو متناهي إذ الكل ليس هو شيئًا غير الأجزاء التي ينحل إليها ويستحيل كون أجزاء الزمان متناهية وذات أول ويكون هو غير
ذي أول وبالله التوفيق. (١)
стр. 121
- البرهان الثاني: العالم موجود بالفعل وكل موجود بالفعل فقد حصره العدد وأحصته طبيعته، (١) وحصر العدد وإحصاء الطبيعة نهاية صحيحة إذ ما لا نهاية له فلا إحصاء له ولا حصر له فإن العالم كله ذو نهاية وسواء في ذلك ما وجد في مدة واحدة أو مدد كثيرة إذ ليست تلك المدد إلا مدة محصاة إلى جنب مدة محصاة فهي مركبة من مدد محصاة، وكل مركب من أشياء فهو تلك الأشياء التي ركب منها فهي كلها مدد محصاة فصح أن ما لا نهاية له فلا سبيل إلى وجوده بالفعل وما لم يوجد إلا بعد ما لا نهاية له فلا سبيل إلى وجوده بالفعل وما لم يوجد إلا بعد ما لا نهاية له فلا سبيل إلى وجوده أبدا إذ أن ما لا نهاية له فلا بعد له والأشياء كلها موجودة بعضها بعد بعض فهي ذات نهاية وقد نبه الله على هذا الدليل وسابقه بقوله: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾. (٢)(٣)
- البرهان الثالث: ثبوت أن للزمان أولًا وأجزاء فنهاية، لأن الزمان هو مدة بقاء الجرم ساكنًا أو متحركًا. ولو فارقه لم يكن الجرم موجودًا، ولا كان الزمان أيضًا موجودًا. وكلاهما موجود ذو أول اذ لو لم يكن له أول يكون به متناهيًا في عدده الآن لكان كل ما زاد فيه ويزيد مما يأتي من الأزمنة فإنه لا يزيد ذلك في عدد الزمان شيئًا وبشهادة الحس أن كل ما وجد من الأعوام على الأبد إلى زماننا هذا هو أكثر من كل ما
стр. 122
وجد من الأعوام على الأبد إلى وقت هجرة رسول الله ﷺ ، ولا شك في أن الزمان مذ كان إلى وقت الهجرة جزء للزمان مذ كان إلى وقتنا هذا، وهو كل له ولما بعده إلى وقتنا هذا. ولا يخلو الحكم في هذه القضية من أحد ثلاثة أوجه إما أن يكون الزمان مذ كان موجودًا إلى وقتنا هذا أكثر من الزمان مذ كان إلى عصر الهجرة. وإما أن يكون أقل منه أو مساويًا له، وعلى الأخيرين يكون الكل أقل من الجزء ومساويًا له وهذا محال. وعلى الأول وهو الذي لا شك فيه فالزمان مذ كان إلى وقت الهجرة ذو نهاية لأنه جزء الزمان إلى وقتنا الحاضر والكل والجزء واقعان في كل ذي أبعاض والعالم ذو أبعاض هكذا توجد حاملاته ومحمولاته وأزمانها فالعالم كل لأبعاضه وأبعاضه أجزاء له، والنهاية كما تقدم لازمة لكل ذي كل وذي أجزاء، وما لا نهاية له فلا سبيل إلى الزيادة فيه، وقد نبه الله تعالى على هذا الدليل وحصره في قوله تعالى: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾. (١)(٢)
- البرهان الرابع: أن ما لا أول له ولا نهاية لا يقع عليه العد والإحصاء وقد أحصى العدد والطبيعة كل ما خلا من العالم حتى بلغ إلينا وحيث ثبت هذا، فالإحصاء منا إلى أولية العالم صحيح موجود بلا شك وإذ ذلك كذلك فللعالم أول ضرورة وبالله التوفيق. (٣)
- البرهان الخامس: أن ما يقع عليه العدد لا سبيل إلى وجود ثان منه إلا بعد أول، ولا ثالث إلا بعد ثان وهكذا أبدًا.
стр. 123
وفي وجودنا جميع الأشياء التي في العالم معدودة إيجاب أنها ثالث بعد ثان، وثان بعد أول وفي صحة هذا وجوب أول ضرورة، وقد نبه الله تعالى على هذا الدليل وعلى الذي قبله وحصرهما في قوله تعالى: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾. (١) والآخر والأول من باب المضاف فالآخر آخر للأول والأول أول للآخر. ولو لم يكن أول لم يكن آخر. (٢)
فثبت بكل ما سبق من البراهين أن العالم ذو أول. وإذا كان ذا أول فلابد ضرورة من أحد ثلاثة أوجه لا رابع لها وهي: إما أن يكون أحدث ذاته وإما أن يكون حدث بغير أن يحدثه غيره، وبغير أن يحدث هو نفسه. وإما أن يكون أحدثه غيره. فإن كان هو أحدث ذاته فلا يخلو من أحد أربعة أوجه لا خامس لها وهي إما أن يكون أحدث ذاته وهو معدوم وهي موجودة. أو أحدث ذاته وهو موجود وهي معدومة أو أحدثها وكلاهما موجود أو أحدثها وكلاهما معدوم وكل هذه الأربعة الأوجه محال ممتنع لا سبيل إلى شيء منها لأن الشيء وذاته هي هو وهو هي وكل ما ذكرنا من الوجوه يوجب أن يكون الشيء غير ذاته وهذا محال وباطل بالمشاهدة والحس. وإن كان خرج عن العدم إلى الوجود بغير أن يخرج هو ذاته أو يخرجه غيره فهو أيضًا محال لأنه لا حال أولى بخروجه إلى الوجود من حال أخرى ولا حال أصلًا هنالك فإذًا لا سبيل إلى خروجه وخروجه مشاهد متيقن فحال الخروج غير حال اللاخروج وحال الخروج هي علة كونه وهذا لازم
стр. 124
في تلك الحال. (١) وهكذا في كل حال فإن تمادي الكلام وجب بما قدمناه اللانهاية، واللانهاية في العالم من مبدأه باطل ممتنع محال. فاذا قد بطل أن يخرج العالم بنفسه وبطل أن يخرج دون أن يخرجه غيره فقد ثبت الوجه الثالث ضرورة اذ لم يبق غيره البتة فلابد من صحته وهو أن العالم أخرجه غيره من العدم إلى الوجود، وهذا المخرج هو الله الواحد ﵎. (٢)
الطريق الثاني:
هو طريق الاستدلال بما في الفلك من الآثار وما في المخلوقات من الدقة والإتقان والتوافق والاختلاف .
- تقرير ذلك:
أن الفلك بكل ما فيه ذوآثار محمولة فيه من نقلة زمانية وحركة دورية في كون كل جزء من أجزائه في مكان الذي يليه والأثر مع المؤثر من باب المضاف فوجب بذلك أنه لابد لهذه الآثار الظاهرة من مؤثر أثرها ولا سبيل إلى أن يكون الفلك أو شيء مما فيه هو المؤثر لأنه يصير هو المؤثر والمؤثر فيه مع أن المؤثر والأثر من باب المضاف أيضًا معنى هذا أن الأثر والمؤثر فيه يقتضيان مؤثرًا ولابد ولم يرد أن الباري تعالى يقع تحت الاضافة فلابد ضرورة من مؤثر ليس مؤثرا فيه وليس هو
стр. 125
شيئًا مما في العالم فهو بالضرورة الخالق الأول الواحد ﵎، هذا إلى ما يرى ويشاهد بالحواس من آثار الصنعة التي لا يشك فيها ذو عقل.
ومن بعض ذلك تراكيب الأفلاك وتداخلها ودوام دورانها على اختلاف مراكزها. ثم أفلاك تداويرها والبون بين حركة أفلاك التداوير والأفلاك الحاملة لها ودوران الأفلاك كلها من غرب إلى شرق ودوران الفلك التاسع (١) الكلي بخلاف ذلك من شرق إلى غرب وإدارته لجميع الأفلاك مع نفسه كذلك فحدث من ذلك حركتان متعارضتان في حركة واحدة فبالضرورة نعلم أن لها محركًا على هذه الوجوه المختلفة.
ومن ذلك تراكيب أعضاء الإنسان والحيوان من إدخال العظام المحدبة في المقعرة وتركيب العضل على تلك المداخل والشد على ذلك بالعصب والعروق صناعة ظاهرة لا شك فيها لا ينقصها إلا رؤية الصانع فقط.
ومن ذلك ما يظهر في الأصباغ الموضوعة في جلود كثير من الحيوان وريشه ووبره وشعره وظفره وقشره على رتبة واحدة ووضع واحد لا تخالف فيه. ومنها ما يأتي مختلفًا. فبالضرورة والحس نعلم أن لذلك صانعًا مختارا يفعل ذلك له كما شاء ويحصيه إحصاء لا يضطرب أبدا عما شاء من ذلك وليس يمكن البتة في حس العقل أن تكون هذه المختلفات المضبوطة ضبطًا لا تفاوت فيه من فعل طبيعة ولابد لها من صانع قاصد إلى صنعه كل ذلك.
стр. 126
ومن ذلك ما يرى في ليف النخل والدوم من النسج المصنوع يقينًا بنيرين (١) وسدى (٢) كالذي يصنعه النساج ما تنقصنا إلا رؤية الصانع فقط وليس هذا البتة من فعل طبيعة ولا بنسج ناسج ولا بناء ولا صانع أصباغ مرتبة. بل هو صنعة صانع مختار قاصد إلى ذلك غير ذي طبيعة لكنه قادر على ما يشاء هذا أمر معلوم بضرورة العقل وأوله يقينًا كما نعلم أن الثلاثة أكثر من الاثنين فصح بكل هذا أن العالم كله محدث وأن له محدثًا هو غيره. وهو الله الخالق الأول الواحد الحق الذي لا يشبه شيئًا من خلقه البتة لا إله إلا هو الواحد القهار. (٣)
إن هذا المسلك الذي سلكه أبو محمد بن حزم في الاستدلال على حدوث العالم - ثم إثبات المحدث له - بتناهي مكوناته. ليس مسلكًا جديدًا فقد قال به يعقوب بن إسحق الكندي، (٤) فبينه في كثير من رسائله، واهتم بعرضه وتفصيله، وقال به أيضًا أبو منصور
стр. 127
الماتريدي. (١) لكن طريقة ابن حزم في البرهنة على حدوث العالم بتناهي أشخاصه بأعراضها وأزمانها كثيرة الشبه بطريقة الكندي. فلعل ابن حزم قد اطلع على فلسفة الكندي وتأثر بها.
يقول الدكتور إحسان عباس: إن هناك صلة بين بعض الأفكار عند الكندي وابن حزم، إلا أن ابن حزم لم يذكر الكندي فيما أعلم. إلا في نقل واحد في كتابه جمهرة أنساب العرب (٢) ثم يذكر بعضًا من وجوه الاتفاق. (٣)
وسأعرض نموذجًا من مسلك الكندي بتناهي بعض مكونات العالم - الجرم - حتى نرى مدى التشابه الكبير بينهما.
يرى الكندي أن العالم، جرم، وزمان وحركة. وجميع هذه متناهية فلا يمكن أن يكون جرم أزليًا ولا غيره مما له كمية، أو كيفية لا نهاية له بالفعل، وأن لا نهاية له إنما هو في القوة. ويعتمد في برهانه هذا على مقدمات بدهية هي:
١ - أن كل الأجرام التي ليس منها شيء أعظم من شيء متساوية.
٢ - والمتساوية أبعاد ما بين نهاياتها متساوية بالفعل والقوة.
стр. 128
٣ - وذا النهاية ليس لا نهاية.
٤ - وكل الأجرام المتساوية إذا زيد على واحد منها جرم كان أعظم منها، وكان أعظم مما كان قبل أن يزاد عليه ذلك الجرم.
٥ - وكل جرمين متناهيى العظم، إذا جمعا كان الجرم الكائن عنهما متناهي العظم، وهذا واجب أيضًا في كل عظم وفي كل ذي عظم.
وبعد هذه المقدمات يسوق بطلان أن يكون جرم لا نهاية له فيقول إنه لو كان هناك جرم لا نهاية له ثم فصل منه جرم متناهي، فإن الباقي إما أن يكون متناهيا أو لا متناهي وعلى التقدير الأول:
إذا رد المفصول من الجرم عليه صار مجموعهما متناهي العظم، وهو الذي كان لا متناهي فهو والحالة هذه متناه لا متناهي وهذا خلف لا يمكن.
وعلى الثاني:
إذا رد المفصول فإما أن يكون أعظم مما كان قبل أن يرد عليه ما فصل منه أو مساويًا له.
فإن كان أعظم فقد صار ما لا نهاية له أعظم مما لا نهاية له، وأصغر الشيئين بعد أعظمهما أو بعد بعضه، فأصغر الجرمين اللذين لا نهاية لهما بعد أعظمهما أو بعد بعضه.
وإن كان بعده فهو بعد بعضه لا محالة، فأصغرهما مساو بعض أعظمهما والمتساويان هما اللذان متشابهاتهما أبعاد ما بين نهاياتهما واحدة فهما إذن ذو نهايات.
стр. 129
فالذي لا نهاية له الأصغر متناه، وهذا خلف لا يمكن فليس أحدهما أعظم من الآخر.
وإن كان مساويًا له فقد زيد على جرم جرم فلم يزد شيئًا وهذا المزيد جزؤه، فمعنى هذا أن الجزء مثل الكل وهذا خلف لا يمكن فقد تبين أنه لا يمكن أن يكون جرم لا نهاية له.
وعلى هذا النهج يسير الكندي في بيان تناهي كل الكميات.
والزمان كمية فليس يمكن أن يكون زمان لا نهاية له بالفعل بل هو ذو مبدأ ونهاية، وكل الأشياء المحمولة في المتناهي متناهية اضطرارًا فكل محمول في الجرم من كم، أو مكان أو حركة، أو زمان الذي هو مفصول بالحركة فمتناه أيضًا، (١) ويمكن أن يقام عليه الدليل الذي أقيم في بيان تناهي الجرم.
أرى أن هذا القدر كاف في بيان تشابه مسلك ابن حزم بمسلك الكندي، فالطريق الذي بين به الكندي تناهى الجرم هو الذي بين به ابن حزم تناهي الزمان حيث إنه يصدق على كل ما يمكن أن يقال فيه أنه لا متناهى.
والكندي يرى أن الجرم والحركة، والزمان متلازمة. (٢) وهذا ما نراه واضحًا في البرهان الثالث من البراهين التي أقامها ابن حزم لبيان حدوث العالم، وهو في بيان تناهي الزمان.
стр. 130
ثم إن نتيجة هذا الدليل الذي ساقه ابن حزم - تابعًا فيه الكندي على ما أرى - على حدوث العالم بتناهي مكوناته، وإثبات المحدث له وهو الله ﵎، هي نتيجة دليل الجوهر والغرض التي يستدل بها المتكلمون، أو بكل واحد منهما إما بإمكانه، أو بحدوثه بناء على أن علة الحاجة عندهم، إما الحدوث وحده، أو الإمكان مع الحدوث شرطًا أو شطرًا. (١) وهي أيضًا نتيجة دليل الإمكان الذي يستدل به بعض المتكلمين مع اختلاف في طرق الإثبات بين مسلك ابن حزم وبينهم.
وقد تواصلوا بتلك الأدلة إلى النتيجة المرجوة، وإن لم تسلم لهم كل طرق الاستدلال.
أما دليل ابن حزم - وإن لم يقتصر عليه - فهو دليل رياضي سليم.
مع أن فيه تطويلًا يغني عنه بالوصول إلى تلك النتيجة الاستدلال بالممكنات بطريقة مختصرة سليمة هي أن يقال:
إننا نشاهد من حدوث الحوادث حدوث الحيوان والنبات وغيرها، وهي ليست ممتنعة حيث وجدت، ولا واجبة الوجود بنفسها لأنها كانت معدومة، ثم وجدت فعدمها ينفي وجوبها، ووجودها ينفي امتناعها، فحدوثها دليل على المحدث لها المخالف لما هي عليه وهو الله ﵎. (٢) وهذه الطريقة عقلية صحيحة، وشرعية دل القرآن عليها وهدى الناس إليها وبينها وأرشد إليها. يقول تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ
стр. 131
مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾، (١) وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ (٢) وقال: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾. (٣) والآيات على هذا النحو كثيرة. فكون الشارع استدل به وأمر أن يستدل به وبينه واحتج به فهو دليل شرعي.
وهو عقلي لأن بالعقل تعلم صحته فان نفس كون الإنسان حادثًا بعد أن لم يكون ومولودًا ومخلوقًا من نطفة ثم من علقة هذا لم يعلم بمجرد خبر الرسول ﷺ بل هذا يعلمه الناس كلهم بعقولهم سواء أخبر به أو لم يخبر. (٤)
أما الطريق الثاني الذي استدل به ابن حزم على وجود الله:
فهو الطريق الذي جاء في القرآن الكريم في غير ما موضع منه وهو إثبات وجود الله عن طريق بيان عظمته وهيمنته وتدبيره، وقدرته على كل ما في العالم وبيان عنايته ورعايته وإحكامه المحكم وإبداعه المتقن لكل ما يسرى في العالم من قوانين ونواميس.
стр. 132
فاستدل ابن حزم بما في الفلك من نقلة زمانية وحركة دورية وما في المخلوقات من الدقة والاتفاق وما فيها من التوافق والاختلاف.
وهو موافق للمنهج القرآني في استدلاله، وهذا الدليل هو أقوى الأدلة وأوضحها على وجود الله تعالى، ثم هو أسهلها، وقد استخدمه الأقدمون ولا يزال المحدثون يستخدمونه، وقد استدل بهذا الدليل على هذا النهج قبل ابن حزم من المسلمين الكندي، (١) وأبو منصور الماتريدي. (٢) ولكن تطبيق ابن حزم الاستدلال على ما في الكون شبيه بما ذهب إليه أفلاطون، (٣) وأرسطو، (٤) من فلاسفة اليونان عن استدلالهم على وجود الله. فقد توصل أفلاطون عند ربطه بين العلة ومعلولها، أو بين العقل والمادة إلى استنتاج ظاهرتين أساسيتين في هذا الوجود هما:
стр. 133
١ - الحركة الجارية في هذا الوجود.
٢ - النظام البادىء في كل جزء من أجزائه.
ومنهما استمد الاستدلال على وجود الله تعالى. حيث قال عن دلالة الحركة:
إن الحركات سبع، حركة دائرية، وحركة من اليمين إلى اليسار وبالعكس ومن أمام إلى خلف وبالعكس. ومن أعلى إلى أسفل وبالعكس.
والأولى هي التي تخص العالم وهي منظمة لا يستطيعها العالم بذاته، فهي معلولة لعلة عاقلة هي الله، والست الباقية طبيعية، ومنع العالم من أن يجرى بها لأنها لا تتضمن له العناية والنظام.
ويقول عن النظام:
إن ما يبدو في هذا العالم آية فنية، ولا يمكن أن يكون هذا النظام البادىء فيما بين الأشياء على وجه الاجمال، وفيما بينها على وجه التفصيل نتيجة علل اتفاقية لكنه صنع عقل توخى الخير ورتب له الأسباب الكفيلة بإيصاله عن قصد وإرادة (١). فنجد أن أفلاطون قاده منطق التفكير إلى إدراك الألوهية والإعتراف بوجود إله مدبر لهذا الكون البديع الصنع. وقد أحال أرسطو كل ما يجري في العالم من حركات إلى علة أولى ونسبه إلى محرك أول. يحرك ولا يتحرك ضرورة أنه دائم الفعل في غيره دون أن ينفعل هو بغيره وماهية هذا المحرك:
١ - أن ليس جسمًا، فليس بمكان.
٢ - أنه يحرك كغاية.
стр. 134
٣ - أنه معقول ومعشوق.
فيقول: إن كل متحرك لابد له من محرك، ولا يستمر الأمر إلى ما لا نهاية بل لابد من محرك أزلي يحرك ولا يتحرك، أو يفعل في غيره، ولا ينفعل بغيره، وإلا لما كان أولًا، وذلك هو "الله" ولكنه لا يقول، إن هذا المحرك خالق للعالم، ولم يكن تحريكه له حقيقيًا، وإنما هو تحريك بالشوق، أي أنه يشتهي أن يحيا حياة شبيهة بحياة المحرك ما أمكن فلا يستطيع لأنه مادي فيحاكيه بالتحرك محاولة للوصول إلى الكمال. (١)
هذا ملخص لما استدل به أفلاطون، وأرسطو على وجود الله تعالى رأينا عرضه ليتضح ما قلنا من التشابه في تطبيق ابن حزم استدلاله بما في الكون على وجود الله تعالى، وما استدل به أفلاطون وأرسطو ونعرف مدى تأثره بهما.
فقول ابن حزم في حركة الأفلاك ودورانها وعناية الله بتركيب أعضاء الإنسان وغيره مما يشاهد بالحواس من الأصباغ الموضوعة في جلود كثير من الحيوان وريشه ووبره في اتفاق واختلاف مضبوط (٢).
شبيه بما ذكرنا من استدلال أفلاطون بالحركة، والجمال الظاهر في الكون على العلة العاقلة التي هي "الله" وهذا ظاهر عند النظر في الأدلة.
стр. 135
وقول ابن حزم: - إن الفلك بما فيه من النقلة الزمانية والحركة الدورية .. وإن الأثر مع المؤثر من باب المضاف فلابد لهذه الآثار من مؤثر أثرها ولا يتسلسل ذلك. (١)
وهذه هي طريقة أرسطو في استدلاله على "المحرك الأول" والتشابه ظاهر في طريقة الاستدلال. ولكن ابن حزم وإن تأثر بأرسطو فلم يقتف أثره تمامًا لأنه يختلف عنه من حيث إن الأخير لا يرى أن الله خالق للعالم، وإنما هو علة له، ويستتبع مذهبه أيضًا أن الله لا يعلم العالم ولا يعنى به، (٢) لذلك صرح الأول في دليله بالخلق فقال: "فلابد ضرورة من مؤثر ليس مؤثرًا فيه وليس هو شيئًا مما في العالم فهو بالضرورة الخالق الأول الواحد ﵎" (٣)
فقد جمع ابن حزم بين قولي أفلاطون، وأرسطو، وقد تأثر في هذا الجمع بالكندي (٤)
ومما يؤيد تأثر ابن حزم بالأفكار اليونانية القديمة ما ذكر من أن
* * * * *
стр. 136
الأفلاك تسعة، (١) وهذه نظرية قد أبطلت. (٢)
بعد عرض استدلال ابن حزم على وجود الله تعالى وبيان هل كان من استنتاجه، أو مما سبق إليه. ومدى تأثره بمن سبقه. وهل تلك الأدلة صحيحة وسليمة، أو غيرها أولى منها - حسب علمنا - بقى ذكر الطريق الذي نراه الأولى في الإستدلال على الموجود الواجب الوجود لذاته، وقد سبقت الإشارة إلى هذا الدليل، وهو دليل ابن حزم الثاني، وقلت إنه موافق للمنهج القرآني في استدلاله على إثبات الصانع، وقد بين استدلاله وطبقه على مظاهر الكون وأن من تاملها عرف أنه موجود بعد العدم، وأن له موجدًا قادرًا عليمًا حكيمًا، ثم بآثار الصنعة التي لا يشك فيها ذو عقل فإن كل فعل لابد له من فاعل وكل مصنوع لابد له من صانع وهذا حق لا مراء فيه.
ويجب أن نزيد على هذا ونوضحه فنقول ولا قوة إلا بالله:
إن إثبات وجود الله ﵎ من حيثما هو موجود لم يكن من الأهداف القرآنية، ولم يكن ذلك هدفًا من أهداف الرسول صلى الله
стр. 137
عليه وسلم أو أحد أصحابه، لأن الإيمان بوجود الله ﵎ أمر فطرت عليه القلوب أعظم من فطرتها على الإقرار بغيره من الموجودات، فهو سبحانه أبين وأظهر من أن يجهل فيطلب الدليل على وجوده.
يقول ابن القيم: "سمعت شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية قدس الله روحه يقول: كيف يطلب الدليل على من هو دليل على كل شيء؟ وكان كثيرًا ما يتمثل بهذا البيت:
وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل (١)
ومعلوم أن وجود الرب تعالى أظهر للعقول والفطر من وجود النهار ومن لم ير ذلك في عقله وفطرته فليتهمهما". (٢)
ولكن قد وجد من انحرفت فطرهم فقالوا بأن العالم لم يزل وهم الدهرية.
وقد رد القران الكريم على هؤلاء بما يضطر العقول إلى الإعتراف بالحق والرجوع إلى الصواب.
ومما سبق ندرك أن الإستدلال في القرآن على وجود الله ﵎ أتى من طريقين، ليس الهدف منهما هو الإستدلال على وجوده تعالى فدلالتهما عليه استنتاجًا:
стр. 138
أحدهما: الرد على من انحرفت فطرهم.
وثانيهما: ما سبقت الإشارة إليه، وهو من طريق نصوص جاءت لبيان عظمة الله وتدبيره المحكم وعنايته التامة بكل صغيرة وكبيرة وبيان ما في العالم من تناسق وتضامن وانسجام وترابط بين أجزائه ووحداته.
الطريق الأول:
الرد على من انحرفت فطرهم:
هؤلاء هم من أنكروا الخالق ﵎. وقالوا إن الله تعالى لم يخلقهم ابتداء، ولا يعيدهم مآلًا، وإنما الحياة بالطبع والفناء بالدهر يقول تعالى عنهم: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ (١) أي ما ثم خالق ولا مميت فالحياة والموت عندهم عبارة عن تركب الطبائع المحسوسة في العالم السفلي وتحللها، فالجامع هو الطبع والمهلك هو الدهر فكذبهم الله ﵎ بقوله ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ (٢) أي أن نسبتهم الحياة والموت للطبع والدهر قول بغير علم مبني على الظن والتخمين، لأن من كان طلبه وجدان الحق يكفيه النظر إلى حدوث الحياة في الأجسام الجمادية دليلا على أن هناك موجدًا للحياة ومنعما بها وهو الله ﵎، وإن ظهور الحياة في حد ذاته دليل كاف للإقناع بوجود الله
يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١) ويقول: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ (٢) ويقول: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. (٣)
هذه الآيات ونظائرها في القران كثيرة جدًّا، يثبت الله ﵎ بها الدلالة الضرورية من الخلق على الخالق بالنظر في ملكوت السموات والأرض حيث إن معرفة جواهر الأشياء، والوقوف على الاختراع الحقيقي في الموجودات يهب معرفة المخترع حقًّا، وهو الخالق لكل شيء ابتداء وإعادة، وحده لا شريك له، ويؤكد جل ثناؤه هذا بمبادئ مقررة تضطر المتفكر بها إلى الاعتراف بأن الشيء لا يمكن أن يوجد من غير موجد، ولا أن يوجد نفسه بقوله: "أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون". (٤) أي لا هذا ولا هذا بل الله هو الذي أنشأهم بعد أن لم يكونوا شيئًا مذكورًا (٥).
* * * *
стр. 141
وبيان الطريق الثاني:
"العناية الإلهية بما يرى في العالم".
إذا نظرنا إلى هذا العالم وجدناه منظمًا مترابطًا سائرًا بهذا النظام المحكم الدقيق في كله وأجزائه، ومقدرًا على الأمر الأتقن والأنفع، وأن جميع الموجودات، موافقة لوجود الإنسان.
وفي النظر إلى الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم وفصول السنة الأربعة ندرك هذه الموافقة، ونراها في الأرض، والماء والنار، والهواء وفي كثير من الحيوانات، والنباتات والجمادات وتظهر العناية الإلهية بموافقة أعضاء الإنسان والحيوان لحياته ومعاشه. يقول تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (١) فإن أقرب شيء إلى الإنسان نفسه، فإذا نظر فيها وجد آثار التدبير فيه ظاهرة، والعناية الإلهية بالغة، ومن أظهر ما يدركه المدرك ما جعل الله في الإنسان من أبواب يجده في أمس الحاجة إليها، وقد هيأها الله ﵎ لتؤدي ما جعل إليها من أعمال، فكملها بما يصونها مما يؤذيها لتؤدي مهمتها وقد وضعها في أماكن على وضع تبدو منه جميلة ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (٢) وهذه الأبواب هي، بابان للسمع، وبابان للبصر، وبابان للشم والتنفس، وباب للكلام والطعام والشراب وللتنفس أيضًا وبابان لخروج الفضلات وفي كل باب من التراكيب والفوائد ما
стр. 142
يطول شرحه. (١)
وفي النظر إلى الحيوانات، والحشرات، وما فيها من الفوائد وما تقوم به من أعمال متقنة منظمة على أوجه دقيقة عجيبة، ومن هذه الحشرات على وجه التمثيل النحل.
يقول ابن القيم: تأمل أحوال النحل، وما فيها من العبر، والآيات فانظر إليها، وإلى اجتهادها في صنعة العسل، وبنائها البيوت المسدسة التي هي من أتم الأشكال وأحسنها استدارة، وأحكمها صنعا، فإذا انضم بعضها إلى بعض لم يكن بينها فرجة ولا خلل، كل هذا بغير مقياس ولا آلة، وتلك من أثر صنع الله وإلهامه إياها وإيحائه إليها كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. (٢) فتأمل كمال طاعتها وحسن ائتمارها لربها، اتخذت بيوتها في هذه الأمكنة الثلاثة في الجبال وفي الشجر وفي بيوت الناس حيث يعرشون، فلا يرى للنحل بيت في غير هذه الثلاثة.
ومن عجيب أمرها أن لها أميرًا يسمى اليعسوب، لا يتم لها رواح ولا إياب إلا به، فهي مؤتمرة لأمره سامعة له مطيعة يدبرها كما يدبر الملك أمر رعيته حتى إنها إذا آوت إلى بيوتها وقف على باب البيت فلا يدع واحدة تزاحم الأخرى، ولا تقدم عليها في العبور بل تعبر بيوتها
стр. 143
واحدة تلو الأخرى بغير تزاحم ولا تصادم ولا تراكم. (١)
فالرائي بهذا - ونحوه مما هو كثير في الحيوانات والحشرات - بعقل وتفكر يدرك أن لها خالقًا بالغ العناية بها أوحى إليها بهذا العمل الذي فيه صلاحها وفوائدها.
ومن تفحص هذه المعاني، وعرفها علم أنها أتت من قبل فاعل قاصد لذلك كله مريد له حيث لا يمكن أن يكون من قبيل المصادفة. وإن في الظاهر من هذا الكون للحواس السليمة لأوضح دلالة على عناية فاعل مختار لما يفعل وهو اللطيف الخبير وقد ذكر في كثير من المواضع من كتابه العزيز عنايته بهذا الإنسان ورعايته له فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣)﴾، (٢) ويقول: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ (٣) ويقول: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾. (٤)
стр. 144
هذه الآيات وغيرها في القران كثير جدًّا يذكر المولى ﵎ فيها عنايته بنا ورعايته لما يصلحنا بما سخر لنا مما به معاشنا وعليه قوام حياتنا من الانتقال إلى الأماكن البعيدة، وحمل الأثقال وتبادل المنافع بين الأقطار بوساطة الفلك في البحر، والأساطيل الجوية في السماء والحيوانات والسيارات على الأرض التي قد مهدت وجعلت ذلولا لتوطأ بالأقدام وتضعرب بالمعاول، وتحمل على ظهرها الأبنية الثقال وقد هيئت لما يراد منها تهيئة تامة، من إخراج الماء والمرعى، وشق الأنهار فيها، وجعل السبل والفجاج فتبارك الله رب العالين، واقتضت العناية الأزلية والحكمة الإلهية أن وضع عليها الجبال وبها أرساها لئلا تميد وليستقو عليها من فوقها من مخلوقاته جل وعلا، وغير هذا مما نعلم أكثر وما لا نعلم من الحكم والمنافع أكثر وأعظم. ولو حاولنا أن نعد نعم الله سبحانه علينا لعيينا يقول سبحانه ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (١) ويظهر مصداق هذا لو أردنا معرفة ما أنعم الله تعالى علينا به من نعمة حاسة من الحواس فقط فكيف بباقي النعم الكثيرة والمستمرة. (٢)
стр. 145
"آيات تجمع بين الدليلين":
ورد في القرآن الكريم كثير من الآيات دالة على الموجود الواجب ، وهي تجمع بين الدليلين السابقين، دليل الخلق، وهو ما ذكرنا إنه أتى للرد على المنكرين للصانع ودليل على العناية الإلهية بالمخلوقات، ومن هذه الآيات قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. (١) فإن قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ تنبيه على دلالة الخلق، وقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ الآية إشارة إلى العناية الإلهية الدالة على الخالق، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ (٢) ففي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ تنبيه على دلالة الخلق. وقوله ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ إلى قوله ﴿اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ تنبيه إلى دلالة العناية الإلهية بالإنسان بما سخر له مما ذكر في الآيتين وغيرهما.
وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤) وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ