وبيان الطريق الثاني:
"العناية الإلهية بما يرى في العالم".
إذا نظرنا إلى هذا العالم وجدناه منظمًا مترابطًا سائرًا بهذا النظام المحكم الدقيق في كله وأجزائه، ومقدرًا على الأمر الأتقن والأنفع، وأن جميع الموجودات، موافقة لوجود الإنسان.
وفي النظر إلى الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم وفصول السنة الأربعة ندرك هذه الموافقة، ونراها في الأرض، والماء والنار، والهواء وفي كثير من الحيوانات، والنباتات والجمادات وتظهر العناية الإلهية بموافقة أعضاء الإنسان والحيوان لحياته ومعاشه. يقول تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (١) فإن أقرب شيء إلى الإنسان نفسه، فإذا نظر فيها وجد آثار التدبير فيه ظاهرة، والعناية الإلهية بالغة، ومن أظهر ما يدركه المدرك ما جعل الله في الإنسان من أبواب يجده في أمس الحاجة إليها، وقد هيأها الله ﵎ لتؤدي ما جعل إليها من أعمال، فكملها بما يصونها مما يؤذيها لتؤدي مهمتها وقد وضعها في أماكن على وضع تبدو منه جميلة ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (٢) وهذه الأبواب هي، بابان للسمع، وبابان للبصر، وبابان للشم والتنفس، وباب للكلام والطعام والشراب وللتنفس أيضًا وبابان لخروج الفضلات وفي كل باب من التراكيب والفوائد ما
стр. 142
يطول شرحه. (١)
وفي النظر إلى الحيوانات، والحشرات، وما فيها من الفوائد وما تقوم به من أعمال متقنة منظمة على أوجه دقيقة عجيبة، ومن هذه الحشرات على وجه التمثيل النحل.
يقول ابن القيم: تأمل أحوال النحل، وما فيها من العبر، والآيات فانظر إليها، وإلى اجتهادها في صنعة العسل، وبنائها البيوت المسدسة التي هي من أتم الأشكال وأحسنها استدارة، وأحكمها صنعا، فإذا انضم بعضها إلى بعض لم يكن بينها فرجة ولا خلل، كل هذا بغير مقياس ولا آلة، وتلك من أثر صنع الله وإلهامه إياها وإيحائه إليها كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. (٢) فتأمل كمال طاعتها وحسن ائتمارها لربها، اتخذت بيوتها في هذه الأمكنة الثلاثة في الجبال وفي الشجر وفي بيوت الناس حيث يعرشون، فلا يرى للنحل بيت في غير هذه الثلاثة.
ومن عجيب أمرها أن لها أميرًا يسمى اليعسوب، لا يتم لها رواح ولا إياب إلا به، فهي مؤتمرة لأمره سامعة له مطيعة يدبرها كما يدبر الملك أمر رعيته حتى إنها إذا آوت إلى بيوتها وقف على باب البيت فلا يدع واحدة تزاحم الأخرى، ولا تقدم عليها في العبور بل تعبر بيوتها
стр. 143
واحدة تلو الأخرى بغير تزاحم ولا تصادم ولا تراكم. (١)
فالرائي بهذا - ونحوه مما هو كثير في الحيوانات والحشرات - بعقل وتفكر يدرك أن لها خالقًا بالغ العناية بها أوحى إليها بهذا العمل الذي فيه صلاحها وفوائدها.
ومن تفحص هذه المعاني، وعرفها علم أنها أتت من قبل فاعل قاصد لذلك كله مريد له حيث لا يمكن أن يكون من قبيل المصادفة. وإن في الظاهر من هذا الكون للحواس السليمة لأوضح دلالة على عناية فاعل مختار لما يفعل وهو اللطيف الخبير وقد ذكر في كثير من المواضع من كتابه العزيز عنايته بهذا الإنسان ورعايته له فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣)﴾، (٢) ويقول: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ (٣) ويقول: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾. (٤)
стр. 144
هذه الآيات وغيرها في القران كثير جدًّا يذكر المولى ﵎ فيها عنايته بنا ورعايته لما يصلحنا بما سخر لنا مما به معاشنا وعليه قوام حياتنا من الانتقال إلى الأماكن البعيدة، وحمل الأثقال وتبادل المنافع بين الأقطار بوساطة الفلك في البحر، والأساطيل الجوية في السماء والحيوانات والسيارات على الأرض التي قد مهدت وجعلت ذلولا لتوطأ بالأقدام وتضعرب بالمعاول، وتحمل على ظهرها الأبنية الثقال وقد هيئت لما يراد منها تهيئة تامة، من إخراج الماء والمرعى، وشق الأنهار فيها، وجعل السبل والفجاج فتبارك الله رب العالين، واقتضت العناية الأزلية والحكمة الإلهية أن وضع عليها الجبال وبها أرساها لئلا تميد وليستقو عليها من فوقها من مخلوقاته جل وعلا، وغير هذا مما نعلم أكثر وما لا نعلم من الحكم والمنافع أكثر وأعظم. ولو حاولنا أن نعد نعم الله سبحانه علينا لعيينا يقول سبحانه ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (١) ويظهر مصداق هذا لو أردنا معرفة ما أنعم الله تعالى علينا به من نعمة حاسة من الحواس فقط فكيف بباقي النعم الكثيرة والمستمرة. (٢)
стр. 145
"آيات تجمع بين الدليلين":
ورد في القرآن الكريم كثير من الآيات دالة على الموجود الواجب ، وهي تجمع بين الدليلين السابقين، دليل الخلق، وهو ما ذكرنا إنه أتى للرد على المنكرين للصانع ودليل على العناية الإلهية بالمخلوقات، ومن هذه الآيات قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. (١) فإن قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ تنبيه على دلالة الخلق، وقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ الآية إشارة إلى العناية الإلهية الدالة على الخالق، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ (٢) ففي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ تنبيه على دلالة الخلق. وقوله ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ إلى قوله ﴿اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ تنبيه إلى دلالة العناية الإلهية بالإنسان بما سخر له مما ذكر في الآيتين وغيرهما.
وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤) وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ
стр. 146
تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١) ففي قوله ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾. إلى قوله ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا﴾ تنبيه على دلالة الخلق. وفي قوله ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ ... إلى قوله "وزينة" تنبيه على دلالة العناية، وقوله ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ فيها التنبيه على دلالة الخلق أيضًا. ثم ذكر بعد ذلك عنايته بهذا المخلوق البشري وما هيأ له مما فيه خدمته وصلاحه في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (٢) اشتملت الآيات على بيان عناية المولى جل وعلا بنا ورعايته لنا فمن هذه العناية إنزال الماء الذي منه قوام الحياة وقد عد الله في الآيات بعض تلك المنافع قال تعالى في موضع آخر ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٣) ومن عنايته تسخيره الليل والنهار بالتعاقب للسكون والعمل ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ﴾ أجراهن في السماء لمصالح خلقه وذللهن لمنافعهم
стр. 147
من التدفئة والإضاءة والإهتداء بهن في الأسفار ليلًا ونهارًا وليعلموا بجريهن عدد السنين والحساب ويفصلوا بهن بين الليل والنهار. وذكر سبحانه ما خلق لنا من صنوف النعم المختلفة الألوان في الأرض وما في البحار من لحوم طرية وحلي زكية وهما من أعظم النعم أكلًا ولبسًا. وقد سخر البحر لتجري الفلك فيه بأمره ليسهل الحصول عليهما والانتفاع من غيرهما بالأسفار والاتجار.
ثم ذكر تعالى نعمة عظيمة امتن بها علينا وهي القاء الرواسي في الأرض حتى لا تضطرب فلا يستقر عليها شيء يقول ابن القيم: "لما كانت على وجه الماء كانت تكفأ فيه تكفأ السفينة فاقتضت العناية الأزلية والحكمة الإلهية أن وضع عليها رواسي يثبتها بها لئلا تميد وليستقر عليها الأنام وجعلها ذلولًا". (١) فأجرى فيها الأنهار وسلك فيها الطرق بين الجبال والأودية يقول ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ في سيركم من بلد إلى بلد ومن قطر إلى قطر ومن إقليم إلى إقليم (٢) وجعل العلامات التي يهتدي بها المسافرون في الليل والنهار وفي البر والبحر كالشمس والجبال وغيرهما نهارًا في البر، والشمس نهارًا في البحر، وليلًا بالقمر والنجوم برًا وبحرًا.
ومن الآيات التي تجمع بين دليل الخلق ودليل العناية قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ (٣) ففي إحياء الأرض الميتة بالنبت إشارة إلى الخلق والإيجاد، وفي قوله ﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ "تنبيه على دلالة العناية الإلهية والآيات التي تجمع الدليلين في القرآن كثيرة جدًّا وكلها تتضمن ما عداها من
стр. 148
أدلة فتضمنت إثبات خلق الله ﵎ لكل شيء وعنايته التامة بهذه المخلوقات حتى تستمر وتكون على الوجه الذي أراده . من هذا ندرك أن العالم غير واجب بنفسه وأنه حادث بعد أن لم يكن ومخلوق مفتقر إلى خالق ونستخلص من هذه المقدمات أن غير الواجب بنفسه لا يكون إلا بالواجب بنفسه والحادث لا يكون إلا بالقديم والمخلوق لا يكون إلا بالخالق والمفتقر لا يكون إلا بغني.
فيلزم وجود موجود واجب بنفسه قديم أزلي خالق غني عما سواه ذلك الله رب العالمين. (١)
* * * * *
стр. 149
الفصل الثاني: وحدانية الله
بعد أن بينا الطريقة السليمة - على ما رأينا - في معرفة وجود الموجود الواجب الوجود لذاته الخالق ، نبين طريقة إثبات وحدانية هذا الواجب، ونفي الألوهية عن غيره، وإثباتها له وحده دون سواه، والكلام أولا على مذهب ابن حزم في هذا ثم نقده.
فتكلم أبو محمد على الوحدانية عند ذكره القائلين أن فاعل العالم ومدبره أكثر من واحد، وقد أرجع الفرق القائلة بذلك إلى فرقتين فقال:
"فإحدى الفرقتين تذهب إلى أن العالم غير مدبريه وهم القائلون بتدبير الكواكب السبعة، (١) وأزليتها وهم المجوس (٢). .
стр. 150
وأما الفرقة الثانية، فإنها تذهب إلى أن العالم هو مدبروه لا غيرهم البتة وهم الديصانية، (١) والمزقونية (٢)، والمنانية (٣) القائلون بأزلية الطبائع الأربع (٤) بسائط غير ممتزجة ثم حدث الامتزاج فحدث العالم بامتزاجها" (٥).
ثم استدل على وحدانية فاعل العالم ومدبره فقال:
إن العالم لو كان مخلوقًا لاثنين فصاعدًا لكانا مشتبهين أو مختلفين
стр. 151
ولابد إذ عدم الاشتباه، والاختلاف بين الموجودين محال.
وعلى حال الاشتباه فقد ثبت لهما معان اشتبها فيها كالوجود والفعل وكونهما لم يزالا، ولا يجوز كون هذه الصفات ليست غيرهما لأنها صفات عمتهما فإن كان الاشتباه هو هما فهما شيء واحد.
وعلى حال الاختلاف بينهما وأن كلا منهما غير الآخر فإن كان هذا الاختلاف فيهما هو غيرهما فههنا ثالث وهكذا أيضًا أبدًا، وإن كان الاشتباه هو هما والاختلاف هو هما فالاشتباه هو الاختلاف وهذا محال، إذ لابد من معنى في المختلف ليس اشتباهًا لأنه لا يجوز أن يكون الشيئان مشتبهين بالاختلاف. فإذا ثبت هذا فلابد من اشتباه أو اختلاف هو معنى غيرهما فهو ثالث. وإذا لزم فيهم ثلاثتهم مثل ما لزم في الاثنين من التشابه والاختلاف وهكذا، وهذا يوجب التركيب في كل واحد منهما من ذاته ومن المعنى الذي به أشبه الآخر أوخالفه والمركب محدث فهما محدثان لغيرهما ولابد، وإن ثبت التركيب لواحد منهما فقط وكان الآخر هو الفاعل له فقد عاد الأمر إلى واحد غير مركب ولابد ضرورة.
ثم إن ما كان أكثر من واحد فهو واقع تحت جنس العدد فهو نوع من أنواعه، والنوع مركب من الجنس والفصل فهو ذو موضوع ومحمول والمركب مع المركب من باب المضاف، وأما الواحد فليس عددًا، لأن العدد مركب من واحد يراد به الفرد وواحد كذلك، وواحد كذلك إلى نهاية العدد المنطوق به، فخاصته أن يوجد عدد آخر مساو له وعدد آخر ليس مساويًا له هذا شيء لا يخلو منه عدد أصلًا فالعدد ليس هو الواحد وهو ليس العدد وإنما العدد مركب من الآحاد التي هي الأفراد.
стр. 152
فالله واحد لم يزل إذ لو لم يكن كذلك لكان من جملة العالم تعالى الله عن ذلك، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (١)، وقال تعالى ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٢)(٣).
ذكرنا في نقد استدلال ابن حزم على وجود الله تعالى أنه تأثر بيعقوب بن إسحق الكندي وبينا هناك ما رأيناه دالًا على ما قلنا.
وهنا عند استدلاله على الوحدانية نرى أيضًا أنه لم يذهب بعيدًا عما ذهب إليه الكندي في الاستدلال على الوحدانية فنجد أن استدلال ابن حزم على الوحدانية مبنى على القواعد التي بنى عليها الكندي دليله إلا أن الأول أعطى استدلاله شيئًا من البسط والتوضيح. ولتوضيح هذا نقدم ملخصًا لدليل الكندي هو:
أن محدث العالم سبحانه واحد لا شريك له ولا تركب في ذاته، ولو فرض أن العالم مخلوق لأكثر من إله لكانوا مركبين من صفة تعمهم ومن صفة أوصفات تميز كلًا منهم، والتسليم بوجود الصفات تسليم بوجود الكثرة في كل إله فيجب أن نقف على العلة في وجود التركيب في كل إله، ولو فرض وجود علة وجب البحث عن علة لهذه العلة وهكذا دواليك ولا يمكن الانتقال في سلسلة العلل فيجب الوقوف عند حد. فيلزمنا القول بوجود إله برىء من كل كثرة أو
стр. 153
تركيب لأن الكثرة في كل الخلق وليست فيه البتة (١).
وبأدنى نظر إلى ما استدل به الكندي وابن حزم يدرك التشابه الكبير بينهما وأنهما دليل واحد.
وقد ذكر ابن حزم في استدلاله: "أن ما كان أكثر من واحد فهو واقع تحت جنس العدد فهو نوع من أنواعه .. الخ. فذكره هذا بهذه العبارات مما يؤيد قولنا بأنه تأثر بالكندى في استدلاله على الوحدانية فذكر الثاني قوانين ليبني عليها استدلاله على تناهي الزمان وبيان حدوثه فمما قال عن خواص الأزلي. أنه لا قوامه من غيره وأنه لا علة له فلا موضوع له ولا محمول ولا فاعل ولا سبب وقال: "فالأزلي لا جنس له لأنه إن كان له جنس فهو نوع والنوع مركب من جنسه المغاير له ولغيره ومن فصل ليس في غيره فله موضوع وهو الجنس القابل لصورته وصورة غيره ومحمول وهو الصورة الخاصة له دون غيره فله موضوع ومحمول" (٢).
فنجد أن ما ذكر ابن حزم عن الجنس هو بعينه ما ذكره الكندي إلا أن الكندي ساقه في بيان منافاة ما دخل تحت الجنس للأزلية، وابن حزم ساقه لبيان أن ما كان أكثر من واحد فهو واقع تحت جنس العدد وما يقع تحت جنس العدد فهو مناف للوحدة لما ذكر.
وهذا المسلك الذي تبعه الإمام ابن حزم في البرهنة على وحدانية الله ﵎ بإثبات ربوبيته واعتقاد أنه وحده خالق العالم مسلك
стр. 154
منطقي لإثبات هذا النوع من التوحيد وليس تحقيق هذا النوع بالدليل هو غاية التوحيد الذي دعت إليه الرسل عليهم الصلاة والسلام وإثبات وحدانية فاعل العالم اقتصارًا على أنه واحد في ذاته لا قسيم له أو لا جزء له وأنه واحد في صفاته لا شبيه له وأنه واحد في أفعاله لا شريك له (١). ليس هو التوحيد الكامل والمقر بهذا النوع من التوحيد فقط لا يكون موحدًا ولا مؤمنًا فإن مشركي العرب كانوا مقرين بأن الله تعالى هو الخالق للسموات والأرض ومن فيهن وما بينهما وكانوا يعبدون غيره فهم مشركون كما أخبر الله عنهم فلم يجعلهم هذا الإقرار موحدين قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ (٣).
فهم قد أثبتوا أن الله خالق الكون كله وأنه ربه وبيده ملكوت كل شيء ولكنهم لم يؤمنوا بأن لا إله إلا هو، لأن الإِقرار بها، إقرار بأنه وحده هو الإِله المستحق للعبادة (٤).
стр. 155
وقد اشتهر عند المتكلمين إثبات الوحدانية بدليل التمانع استنادًا إلى بعض الآيات القرآنية وفيه يحصل إثبات وحدة الصانع وتفرده بالألوهية دون سواه.
ويمكن تقرير هذا الدليل كالآتي:
لو قدرنا وجود إلهين وأراد أحدهما تحريك جسم في وقت معين، وأراد الآخر سكونه في ذلك الوقت - لأن كلًا منهما أمر ممكن في نفسه، وكذا تعليق الإِرادة بكل منهما إذ لا تضاد بين الإِرادتين بل بين المرادين - وقصد كل واحد منهما إلى تنفيذه مراده، فلا يخلو إما أن يقدر حصول المرادين أو انتفاؤهما أو حصول أحدهما، وانتفاء الآخر.
فإن قدر حصول المرادين كان ذلك محالا، إذ يلزم من تقدير حصولهما اجتماع النقيضين. وإن قدر انتفاؤهما كان ذلك محالًا أيضًا، لاستحالة عرو الجسم القابل للحركة والسكون عنهما وهو ممتنع، على أنه لو قدر امتناع المرادين لدل ذلك على نقص كل واحد منهما وخروجهما عن الإِلهية.
وإن قدر حصول مراد أحدهما دون الآخر، فالذي حصل مراده هو الغالب، والذي لم يحصل مراده، مع قصده حصوله هو الممنوع الضعيف المهين، والممنوع المنعوت بالنقص لا يستوجب صفة الإِلهية (١).
стр. 156
وإلى هذا الدليل الإشارة بقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (١)، وقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (٢).
أي لو قدر تعدد الآلهة لانفرد كل منهم بما خلق، وكان كل منهم يطلب قهر الآخر وخلافه فيعلوا بعضهم على بعض فما كان ينتظم الوجود والمشاهد انتظامه يقول تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ (٣) فليس هناك آلهة بل إله واحد لا إله إلا هو سبحانه عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
ودليل التمانع دليل عقلي مبني على السبر والتقسيم، وليس في الآيات ذلك التقسيم، وإنما فيها الإشارة إلى المعنى، وتأييد نتيجة ذلك الدليل، وهي فساد المصنوع عند تعدد الصانع، وقد رد ابن رشد (٤) على من قال بتضمن الآية لدليل التمانع الذي صوره
стр. 157
المتكلمون فقال: "إن ما فهمه المتكلمون من الآية ليس هو الدليل الذي تضمنته حيث قسموا الأمر إلى ثلاثة أقسام وليس في الاية تقسيم فدليلهم هذا هو الذي يعرفه أهل المنطق بالقياس الشرطي المنفصل (١) ويعرفونه هم بدليل السبر والتقسيم.
والدليل الذي تضمنته الآية هو الذي يعرف في صناعة المنطق بالشرطي المتصل (٢). وهو غير المنفصل والفرق بين الدليلين ظاهر. ويكون المعنى في الآية، أنا لو فرضنا وجود أكثر من إله لفسد العالم. لكن هذا الفرض غير صحيح لأن العالم ليس فاسدًا فليس هناك إلا إله واحد سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا (٣).
ويرى بعض المتكلمين أن قوله تعالى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (٤) حجة إقناعية للمسترشد وإن لم تفد إفحامًا للجاحد،
стр. 158
والملازمة بين تعدد الآلهة وفساد السموات والأرض عادية فإن العادة جارية بوجود التمانع والتغالب عند تعدد الحاكم على ما أشير إليه بقوله تعالى "ولعلا بعضهم على بعض" وإلا فإن أريد الفساد بالفعل أي خروجهما عن هذا النظام المشاهد فمجرد التعدد لا يستلزم الفساد لجواز الاتفاق على هذا النظام. وإن أريد إمكان الفساد فلا دليل على انتفائه بل النصوص شاهد بطي السموات وخرابها ورفع هذا النظام الذي يسير به الكون بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (١) ويقول: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ (٢) ويقول. ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٥)﴾ (٣) ويقول: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣)﴾ (٤)، وما معنى هذه الآيات إلا خراب هذا الكون ونظامه وتغيره في يوم القيامة يقول تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (٥) فهو ممكن لا محالة ولا يمكن القول بأن الملازمة قطعية والمراد بفسادهما عدم تكوينهما أي أن وجود أكثر من صانع يوجد بينهم تمانع في الأفعال فلا يكون واحد منهم صانعًا فلم يوجد مصنوع لأن القول بإمكان التمانع لا يستلزم إلا عدم تعدد الصانع لا انتفاء المصنوع على
стр. 159
أنه يرد منع الملازمة إن أريد به عدم التكون بالفعل، ومنع انتفاء اللازم إن أريد به الإمكان فإن قيل مقتضى كلمة "لو" أي انتفاء الثاني في الماضي بسبب انتفاء الأول فيه فلا يفيد الدلالة على أن انتفاء الفساد في الزمان الماضي بسبب انتفاء التعدد قلنا نعم بحسب أصل اللغة كذلك لكن قد يستعمل للاستدلال بانتفاء الجزاء على انتفاء الشرط من غير دلالة على تعيين زمان كما في قولنا لو كان العالم قديما لكان غير متغير والآية من هذا القبيل (١).
والآية دليل على إثبات وحدانية الله ﵎ بإلهيته سواء قررت دلالتها بطريق التمانع، أو بنفي صدور الفعل الواحد عن فاعلين حيث إن الفعلين من نوع واحد إذا اجتمعا على محل واحد فسد المحل ضرورة (٢).
ومما ورد في القرآن الكريم نافيًا الآلهة مع الله ﵎ قوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ (٣).
ويرى بعض الفسرين أن معنى قوله ﴿إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ أي لطلبوا إلى من له الملك والربوبية سبيلًا بالمغالبة كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض" (٤) وهذا القول له وجه من الصحة ويعضده بعض ما قيل في دلالة الآيتين السابقتين.
стр. 160
وقيل المعنى إنه لو كان فيهما آلهة نسبتهم إلى هذا العالم واحدة لوجب أن يكونوا على العرش معه فكان يوجد موجودون متماثلين ينسبون إلى محل واحد نسبة واحدة وهذا لا يصح لأنه إذا اتحدت النسبة اتحد المنسوب والمقصود أنهم لا يجتمعون في النسبة إلى محل واحد كما لا يحلون في محل واحد إذا كانوا ممن شأنهم أن يقوموا بالحل، وإن كان الأمر في نسبة الإله إلى العرش ضد هذه النسبة. (١).
وأرى بعد هذا القول عن المراد بالآية، وأن الأقرب إلى المراد بها، كما هو الظاهر والله أعلم، أنه لو كان الأمر كما يقول المشركون الزاعمون أن لله شركاء تعبد معه، وتقرب إليه، وتشفع لديه لكان أولئك المعبودون يعبدونه، ويتقربون إليه ويبتغون إليه الوسيلة والقربة فاعبدوه أنتم وحده وهذا كقوله تعالى: "أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة" (٢) فليس لكم حاجة بعبادة غيره ليكون واسطة لكم إليه فإنه لا يحب ذلك ولا يرضاه، وقد نهى عن ذلك على ألسنة جميع رسله وأنبيائه، فدعا إلى عبادته وحده وأنه المتفرد بالإلهية دون غيره قال الله تعالى: "لقد أرسلنا نوحًا إلى قومه فقال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره" (٣). وقال هود ﵇ لقومه: "ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره" (٤). وقال صالح ﵇ لقومه: "ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره" (٥). وقال شعيب ﵇:
стр. 161
﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. (٣). وقال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (٤). ويقول تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ (٥). فهذه دعوة الرسل عامة إلى إخلاص العبادة لله دون سواه (٦).
وقد ذكر الله ﵎ في غير ما آية من كتابه وحدانيته وتفرده بالألوهية دون سواه وأثبت هذه الوحدانية بأدلة تتجه إلى الحس والعقل معًا فبين تفرده بالألوهية عن طريق النظام والعناية والتدبير الموجود في الكون وأن هذه المصنوعات العظيمة المتقنة المسخرة والمهيئة بكل ما فيه قوام الحياة يستحيل صدورها عن أكثر من إله لأن بالتعدد يكون اختلاف المقاصد فلا يتم منها مقصود فيحصل الفساد كما سبق الكلام عن هذا قريبًا.
نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣)﴾ (١) ويقول تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ (٢). وهذا الحصر يدل على نفي الشريك مع الله تعالى وتقدس. ويقول تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣) ويقول تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ (٤).
يبين تعالى في الآيتين عدم الشريك معه إذ لو كان معه شريك لجلب النفع ودفع الضر فبطل الحصر المذكور في الآيتين.
ويقول تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ (٥) فعدم تأثير ما يدعى من دونه بكشف الضر أو إمساك الرحمة إذا أريد من الله دليل على أنه وحده القادر على ذلك والعاجز لا يكون إلهًا يعبد.
وقد بين تعالى تفرده بالألوهية بأنه الخالق لكل شيء كما قال: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٦) إذ لو كان معه آلهة لكان لهم خلق وغير الخالق لا يصلح للإِلهية.
стр. 164
وذكر سبحانه في مواضع كثيرة من كتابه ما يدل على تفرده بالألوهية كما في قوله: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١).
لأن الأول هو الفرد السابق وقوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ (٢) ففي نفيه ﵎ علم الغيب عن سواه ما يدل على عدم الشريك إذ لو كان له شريك لكان عالمًا مثله ثم إن الله تعالى صرح بكلمة "لا إله إلا هو في نحو سبعة وثلاثين موضعًا، وبالوحدانية في نحو سبعة عشر موضعًا من كتابه ذكرنا ونذكر بعض هذه المواضع الدالة على نفي الألوهية عن سواه تعالى (٣).
فالتوحيد الذي جاء به الشرع وبه يكون الإيمان هو توحيد الله تعالى بإفراده بالعبادة وحده دون سواه وتجريد محبته والإِخلاص له وخوفه ورجاؤه والتوكل عليه والرضا به ربًا وإلهًا وواليًا وأن لا يجعل له عدلًا في شيء من الأشياء وهو أحد التوحيدين "الذين عليهما مدار كتاب الله تعالى وبتحقيقهما بعث الله رسوله ﷺ وإليهما دعت الرسل صلوات الله وسلامه عليهم من أولهم إلى آخرهم. وثانيهما التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي المتضمن إثبات صفات الكمال لله وحده وتنزيهه فيها عن التشبيه والتمثيل وتنزيهه عن صفات النقص" (٤) ولا يتم أحد التوحيدين إلا بالآخر. وقد دل القرآن والسنة على كل منهما وعليهما ومما دل على توحيد الله بإفراده بالعبادة قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ
стр. 165
وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (٢)، وجملة سورة الأنعام دالة على هذا النوع من التوحيد، وهذا النوع في الطلب والقصد، والنوع الثاني في الإثبات والمعرفة أي إثبات حقيقة ذات الرب تعالى وصفاته وأفعاله وأسمائه وأنه ليس كمثله شيء في ذلك كله كما أخبر بذلك عن نفسه وأخبر عنه رسول الله ﷺ وهذا النوع في القران كثير جدًّا يقول تعالى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ (٣) ويقول تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٤) ويقول: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥)﴾ والآيات الدالة على هذا النوع كثيرة كما في أول سورة آل عمران، وأول سورة السجدة، وآخر سورة الحشر وغير ذلك.
стр. 166
وقد جاء الكثير من الآيات متضمنا لنوعي التوحيد في غالب سور القرآن الكريم وفي كثير من الأحاديث النبوية يقول تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (١) ويقول: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢) إلى غير ذلك، ويقول جابر بن عبد الله في سياق حديثه في حجة الوداع فأهل رسول الله ﷺ بالتوحيد: "لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك" (٣). والأحاديث في هذا المعنى كثيرة (٤). والقرآن الكريم كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأَهله وجزائهم؛ لأنه إما خبر عن الله وعن أسمائه وصفاته، أو دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دونه، وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته، وهو من مكملات التوحيد، وإما خبر عن إكرامه لأهل توحيده، وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة، وهو جزاء توحيده، وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يفعل بهم في العقبى من العذاب فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد. (٥) فالتوحيد هو أول
стр. 167
دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله ﵎. وأول واجب يجب على المكلف يقول ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله .. الحديث" (١) ثم هو آخر واجب يقول ﷺ : "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" (٢) جعلها الله آخر كلامنا إنه سميع مجيب.
* * * * *
стр. 168
الفصل الثالث التنزيهات
* الكلام في هذا الفصل على:
١ - الجسمية، والعرضية، والزمانية، والمكانية، والحركة.
٢ - الصورة.
٣ - الماهية.
٤ - صفات الله تعالى.
٥ - أسماء الله تعالى.
стр. 169
١ - الجسمية، والعرضية، والزمانية والمكانية والحركة .
يرى أبو محمد بن حزم أن من توحيد الله تعالى ونفي التشبيه عنه نفي الجسمية، والعرضية، والزمانية، والمكانية، والحركة.
فقال لنفي الجسمية: إنه لم يأت نص بتسميته تعالى جسمًا، ولم يقم البرهان بتسميته بذلك بل البرهان مانع منه. ولو أتانا نص بتسميته تعالى جسمًا لوجب علينا القول بذلك. (١).
والبرهان المانع من تسميته تعالى جسمًا كما قال: "لا يوجد في العالم إلا جسم أو عرض وكلاهما يقتضي بطبيعته وجود محدث له فبالضرورة نعلم أنه لو كان محدثها جسمًا أو عرضا لكان يقتضي فاعلًا فعله ولا بد فوجب بالضرورة أن فاعل الجسم والعرض ليس جسمًا ولا عرضًا وهذا برهان يضطر إليه كل ذي حس بضرورة العقل ولا بد وأيضًا فلو كان الباري "جسمًا لاقتضى ذلك ضرورة أن يكون له زمان ومكان هما غيره، وهذا إبطال التوحيد وإيجاب الشرك معه تعالى لشيئين سواه، وإيجاب أشياء معه غير مخلوقة وهذا كفر" (٢).
واستدل على نفي المكان عنه تعالى بقوله سبحانه: ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ (٣). وقال إن هذا يوجب ضرورة أنه تعالى لا في مكان إذ لو كان في المكان لكان المكان محيطًا به من جهة "ما" أو من جهات. وهذا منتف عن الباري تعالى بنص الآية المذكورة، والمكان شيء بلا
стр. 170
شك فلا يجوز أن يكون شيء في مكان ويكون هو محيطًا بمكانه، هذا محال في العقل يعلم امتناعه ضرورة. (١).
واستدل على نفي الزمان والمكان عنه تعالى بقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ (٣) والزمان والمكان مخلوقان قد كان تعالى دونهما.
والمكان إنما هو للأجسام. والزمان هو مدة كل ساكن أو متحرك أو محمول في ساكن أو متحرك وكل هذا مبعد عن الله (٤).
وقد أبطل قول من وصف الله بالجسمية والحركة والصورة بقوله: إن الضرورة توجب أن كل متحرك فذو حركة، وأن الحركة لمتحرك بها وهذا من باب الإِضافة، فلو كان كل محرك متحركًا لوجب وجود أفعال لا أوائل لها وهذا باطل. فوجب ضرورة، وجود محرك ليس متحركًا ضرورة ولا بد، وهو الباري تعالى محرك المتحركات لا إله إلا هو، وكل ذي حركة فهو ذو عرض محمول فيه فصح أنه تعالى ليس جسمًا ولا متحركًا وبالله التوفيق (٥).
إن رأي ابن حزم بأن من التوحيد ونفي التشبيه نفي الجسمية، والعرضية والزمانية، والمكانية، والحركة. نفيًا مطلقًا، ليس من التوحيد الذي جاء به الرسول ﷺ . فما جاء به ﵊ لم يكن يتضمن شيئًا من هذا النفي وإنما تضمن
стр. 171
إثبات الإِلهية لله وحده بأن يشهد أن لا إله إلا الله، ولا يعبد إلا إياه ولا يتوكل إلا عليه ولا يوالى إلا له، ولا يعادى إلا فيه ولا يعمل إلا لأجله - وقد بينا هذا التوحيد بأدلته عند الكلام على الوحدانية (١).
وتوحيد الرسل يتضمن إثبات الرسل ما أثبته تعالى لنفسه من الأسماء والصفات، ونفي ما نفاه عن نفسه (٢).
والتوحيد بهذا المعنى الذي قال به ابن حزم - تجريد الذات - مأخوذ عن الفلاسفة فهم الذين يثبتون ذاتا منزهة عن الكثرة، ويرون في إثبات الصفات تكثيرًا لها فينفونها ويرجعونها إلى السلوب (٣).
وكان الأليق بابن حزم والذي يتمشى مع مذهبه - الأخذ بالظاهر وعدم وصف الله وتسميته إلا بما ورد - أن لا ينفي عنه تعالى ما لم ينفه عن نفسه، ولم ينفه عنه رسوله ﷺ ولا صحابته، لأن التوحيد بهذا النفي لم يرد لا في الكتاب ولا في السنة، ولو التزم مذهبه لما نفى عن الله تعالى ما لم ينفه عن نفسه.
والذي يذهب إليه سلف الأمة وأئمتها - في الجسمية، والعرضية والزمانية، والمكانية - عدم إطلاق هذه الألفاظ نفيًا وإثباتًا لأنه بدعة، لما في إثباتها، ونفيها من التلبيس والإيهام، بل لابد من الاستفسار، والاستفصال عند الإطلاق، فإن كان المعنى الراد
стр. 172
صحيحًا موافقًا لما ورد في الكتاب وفي السنة قبل وإلا رد (١).
وقد أجاب الإمام أحمد ﵁ أبا عيسى برغوث (٢)، حين ناظره في القران وألزمه، بأنه إذا أثبت لله كلامًا غير مخلوق لزم أن يكون جسمًا، بأن هذا اللفظ مجمل لا يدرى مقصود المتكلم، ولم يرد به النص، وليس لأحد أن يلزم الناس أن ينطقوا به، أو يأخذوا بمدلوله - وقال أحمد: - إني لا أقول إنه جسم، ولا ليس بجسم: لأن كلا الأمرين بدعة محدثة في الإِسلام. فهو سبحانه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد.
وبأن هذه الحجة ليست شرعية، فلا يجب على الناس إجابة من دعا إلى موجبها، وإنما هي بدعة، لا يعرف مقصود المتكلم بها إلا بعد الاستفصال والاستفسار، فلا هي معروفة في الشرع، ولا معروفة بالعقل إن لم يستفسر المتكلم بها (٣).
وما احتج به ابن حزم من البراهين على نفي الجسمية، والعرضية والزمانية والمكانية، والحركة، فلن نتعرض لنقضه، لأنا لا نقول بإثبات تلك الأشياء التي نفاها، وإنما نلتزم في ذلك ما يوافق الكتاب
стр. 173
والسنة، ونترك الألفاظ المبتدعة التي تحتمل أكثر من معنى فإن تبين أن المراد من ذلك اللفظ صحيح قبل. وإن تبين خلافه رد. فإذا كان مرادهم بنفي الجسم مثلًا. ما يدل عليه اللفظ لغة، وهو البدن الكثيف الذي لا يسمى في اللغة جسم سواه، أو أنه المركب من الأجزاء المنفردة، أو من المادة والصورة، أو مما يقبل الانقسام، أو التفريق، والانفصال، أو ما كان مفرقًا فاجتمع. فالله ﵎ منزه عن الجسمية بهذه المعاني فهو أحد صمد، وكل هذه المعاني منتفية عنه ﵎.
وإن كان المراد بالجسم، ما يشار إليه، أو ما يرى بالأبصار أو ما كان ذاتًا متصفة بصفات الكمال، من العلم، والقدرة والحياة، والسمع، والبصر، وغير ذلك من الصفات فهذا غير صحيح ولا يقبل نفي الجسمية بهذا المعنى (١).
وعلى هذا النحو القول في الزمانية والمكانية، والحركة، ونحو ذلك مما هو محتمل. فيستفصل عن المراد فإن كان مما ثبت لله عنه أوعن رسوله ﷺ قبل، وإن كان بخلاف ذلك لم يقبل.
стр. 174
٢ - الصورة:
يذهب أبو محمد إلى نفي أن يكون لله تعالى صورة لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (١) حيث إنه تعالى لا يتمثل في صورة شيء مما خلق إذ لو حصل ذلك لكان مثلًا له وهو يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
ثم إن الضرورة توجب أن الصورة في المتصور لمتصور بها، وهذا من باب الإِضافة، فلو كان كل مصمور متصورًا لوجب وجود أفعال لا أوائل لها وهذا باطل. فوجب ضرورة وجود مصور ليس متصورًا ضرورة ولابد وهو الباري تعالى مصور المصورات لا إله إلا هو (٢).
والقول في الحديث الثابت "خلق الله آدم على صورته" (٣). إن الإِضافة في الحديث إضافة ملك يريد الصورة التي تخيرها الله ليكون آدم مصورًا عليها، وكل فاضل في طبقته فإنه ينسب إلى الله كما تقول بيت الله عن الكعبة، وروح الله لجبريل وعيسى وناقة الله لناقة صالح. والبيوت والأرواح والنوق كلها لله تعالى (٤).
لقد أطلق ابن حزم "نفي الصورة عن الله تعالى" صراحة استدلالًا بقوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٥) والاية دليل على نفي أن يكون له تعالى وتقدس مثل ومن يقول إن له مثلًا فقد ضل نعوذ بالله
стр. 175
من الضلال، ولا تدل على نفي ما ثبت له ﵎ من أسماء أو صفات أما قوله في الحديث الصحيح "خلق الله آدم على صورته" فله وجه نبينه قريبًا إن شاء الله تعالى. ونقول لقد اتفق سلف الأمة على أن الله تعالى يوصف بما وصف به نفسه لأنه أعلم بنفسه يقول تعالى ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ (١) وبما وصفه به رسوله ﷺ لأنه لا يصف الله تعالى بعد الله أعلم بالله من رسوله ﷺ وقد قال تعالى في حقه ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٢) فيجب الإِيمان بما وصف الله به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ من غير تشبيه لصفات الباري تعالى بصفات خلقه، يدل على هذا قوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٣) وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٤) وقوله: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ (٥) وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (٦) وقوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٧) ومن ظن أن صفة الخالق تشبه شيئًا من صفات خلقه فهو ضال جاهل، وقد بين تعالى اتصافه بالصفات بعد نفي مماثلتها لشيء بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٨) بعد قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وهذه إشارة للخلق أن لا ينفوا عنه تعالى صفة سمعه وبصره بحجة أن في الخلق من يسمع ويبصر فيكون في الإثبات تشبيهًا بل عليهم إثبات ذلك على أساس
стр. 176
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (١) لأن الله تعالى له صفات لائقة بكماله وجلاله لا تدرك حقيقة كيفيتها يقول تعالى ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (٢)، والمخلوقات لهم صفات مناسبة لحالهم (٣).
وعلى هذا فقد ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أن لله ﵎ صورة فيجب علينا الإِيمان بذلك وأن لا نروم إدراك كيفيتها ولا نشبهها بالصورة الجسمية (٤) لأنها صورة خالق غني عما سواه وكل ما سواه مفتقر إليه فصورة الخالق الغني. تناسب كماله وعظمة جلاله (٥) روى أبو هريرة ﵁ "أن الناس قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : هل تضارون في القمر ليلة البدر؟ قالوا لا يا رسول الله، قال فهل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا لا يا رسول الله، قال فإنكم ترونه كذلك يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول من كان يعبد شيئًا فليتبعه فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها شافعوها، أو منافقوها، شك إبراهيم. فيأيتهم الله فيقول أنا ربكم فيقولون هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا
стр. 177
عرفناه فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون، فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه، ويضرب السراط بين ظهري جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيزها، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل ودعوى الرسل يومئذ أللهم سلم سلم "الحديث" (١) وروى أبو سعيد الخدري ﵁ قال: قلنا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تضارون في رؤية الشمس والقمر إذا كانت صحوًا؟ قلنا لا، قال: فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ إلا كما تضارون في رؤيتهما، ثم قال: ينادي مناد ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون، فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم وأصحاب الأوثان مع أوثانهم وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم، حتى يبقى من كان يعبد الله من بر أو فاجر وغبرات من أهل الكتاب ثم يؤتى بجهنم تعرض كأنها سراب، فيقال لليهود ما كنتم تعبدون؟ قالوا كنا نعبد عُزَيرَ ابن الله، فيقال كذبتم لم يكن لله صاحبة ولا ولد فما تريدون، قالوا نريد أن تسقينا فيقال اشربوا فيتساقطون في جهنم، ثم يقال للنصارى ما كنتم تعبدون؟ فيقولون كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال كذبتم لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون فيقولون، نريد أن تسقينا، فيقال اشربوا. فيتساقطون حتى يبقى من كان يعبد الله من برّ أو فاجر فيقال لهم ما يحبسكم وقد ذهب الناس فيقولون: فارقناهم ونحن أحوج منا إليه اليوم وإنا سمعنا مناديا ينادي: ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون، وإنما ننتظر ربنا. قال: فيأتيهم الجبار في صورته التي رأوه فيها أول مرة، فيقول أنا ربكم، فيقولون أنت ربنا فلا يكلمه إلا الأنبياء فيقول هل بينكم وبينه آية تعرفونه؟ فيقولون
стр. 178
الساق، فيكشف عن ساق فيسجد له كل مؤمن، ويبقى من كان يسجد لله رياء وسمعة، فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا "الحديث" (١).
فلهذا نقول إن لله ﵎ صورة يعرفها من عبده إذا رآه يوم القيامة وهي صوره تليق بجلاله وعظمته لا تشبه المخلوقات ولا يحيط بها الإِدراك، ولا يعرف كنهها إلا هو تعالى وتقدس عن مشابهة الممكنات.
أما القول في الحديث "إن الله خلق آدم على صورته" ونص الحديث برواية أبي هريرة "إذا قاتل أحدكم فليتجنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته" أن الإضافة في قوله "صورته" إضافة ملك يريد الصورة التي تخيرها الله سبحانه ليكون آدم مصورًا عليها وقد ذكر هذا القول ابن حزم فلا داعى لإِعادة تقريره، وقال أبو بكر بن خزيمة: "توهم بعض من لم يتحر العلم أن قوله "على صورته" يريد صورة الرحمن عز ربنا وجل عن أن يكون هذا معنى الخبر بل معنى قوله "خلق آدم على صورته" الهاء في هذا الموضوع كناية عن اسم المضروب.
أراد ﷺ أن الله خلى آدم على صورة هذا المضروب الذي أمر الضارب باجتناب وجهه بالضرب" (٢).
فإن قيل: إن الحديث روى في إحدى الروايات بلفظ "على صورة
стр. 179
الرحمن فأضاف الصورة إلى الرحمن ﵎ من إضافة صفات الذات. قلنا: إن البيهقي قال بعد ما ساق هذه الرواية: "يحتمل أن يكون لفظ الخبر في الأصل كما رويناه في حديث أبي هريرة" بلفظ على صورته "فأداه بعض الرواة على ما وقع في قلبه من معناه" (١) وهذه الرواية كما روى ابن خزيمة قال: حدثنا يوسف بن موسى قال ثنا جرير عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء بن أبي رباح عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقبحوا الوجه فإن ابن ادم خلق على صورة الرحمن" وروى الثوري هذا الخبر مرسلا غير مسند حدثناه أبو موسى محمد بن المثنى قال: ثناء عبد الرحمن بن مهدي قال ثناء سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن عطا، قال رسول الله ﷺ : "لا يقبح الوجه فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن" (٢).
وفي رواة الحديث مقال: قال ابن خزيمة: "والذي عندي في تأويل هذا الخبر إن صح من جهة النقل موصولًا فإن في الخبر عللًا ثلاثًا إحداهن أن الثوري قد خالف الأعمش في إسناده. فأرسل الثوري ولم يقل عن ابن عمر، والثانية أن الأعمش مدلس لم يذكر أنه سمعه من حبيب بن أبي ثابت، والثالثة أن حبيب بن أبي ثابت أيضًا مدلس لم يعلم أنه سمعه من عطاء .. فإن صح هذا الخبر مسندًا - بأن يكون الأعمش قد سمعه من حبيب بن أبي ثابت. وحبيب قد سمعه من عطاء بن أبي رباح وصح أنه عن ابن عمر على ما رواه الأعمش - فمعنى هذا الخبر عندنا أن إضافة الصورة إلى
стр. 180
الرحمن في هذا الخبر إنما هو من إضافه الخلق إليه" (١) فليست الإِضافة في الخبر من إضافة صفات الذات على زعم من توهم ذلك بل إنها إضافة ملك أي الصورة التي تخيرها الله سبحانه ليكون عليها آدم ﵇، وقد سبق ذكرها عند ذكر معنى إضافه الصورة إلى الضمير "الهاء" في قوله "صورته" في الرواية الأولى.
ويكون المعنى فإن ابن آدم خلق على الصورة التي خلقها الرحمن حين صور آدم ثم نفخ فيه الروح. والدليل على صحة هذا التأويل. ما روى عنه ﷺ أنه قال: "خلق الله آدم على صورته وطوله ستون ذراعا" (٢) وفي الحديث إشارة إلى أن ادم كان مخلوقًا على صورته كاملًا لم يتنقل في أطوار الخلقه وهي الصورة التي كان عليها بعد الخروج من الجنة، وهي ما علمها أبناؤه، فلم تشوه صورته، ولم تغير خلقته بعدما أخرج من الجنة والله أعلم (٣).
يقول ابن قتيبة (٤) "والذي عندي - والله تعالى أعلم - أن الصورة ليست بأعجب من اليدين، والأصابع (٥)، والعين، وإنما وقع الألف