← Акыда

Акыда · id 116

ابن حزم وموقفه من الإلهيات عرض ونقد

أحمد بن ناصر الحمد

Полный текст (510 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (١) لأن الله تعالى له صفات لائقة بكماله وجلاله لا تدرك حقيقة كيفيتها يقول تعالى ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (٢)، والمخلوقات لهم صفات مناسبة لحالهم (٣). وعلى هذا فقد ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أن لله ﵎ صورة فيجب علينا الإِيمان بذلك وأن لا نروم إدراك كيفيتها ولا نشبهها بالصورة الجسمية (٤) لأنها صورة خالق غني عما سواه وكل ما سواه مفتقر إليه فصورة الخالق الغني. تناسب كماله وعظمة جلاله (٥) روى أبو هريرة ﵁ "أن الناس قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : هل تضارون في القمر ليلة البدر؟ قالوا لا يا رسول الله، قال فهل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا لا يا رسول الله، قال فإنكم ترونه كذلك يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول من كان يعبد شيئًا فليتبعه فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها شافعوها، أو منافقوها، شك إبراهيم. فيأيتهم الله فيقول أنا ربكم فيقولون هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا

стр. 177

عرفناه فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون، فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه، ويضرب السراط بين ظهري جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيزها، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل ودعوى الرسل يومئذ أللهم سلم سلم "الحديث" (١) وروى أبو سعيد الخدري ﵁ قال: قلنا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تضارون في رؤية الشمس والقمر إذا كانت صحوًا؟ قلنا لا، قال: فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ إلا كما تضارون في رؤيتهما، ثم قال: ينادي مناد ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون، فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم وأصحاب الأوثان مع أوثانهم وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم، حتى يبقى من كان يعبد الله من بر أو فاجر وغبرات من أهل الكتاب ثم يؤتى بجهنم تعرض كأنها سراب، فيقال لليهود ما كنتم تعبدون؟ قالوا كنا نعبد عُزَيرَ ابن الله، فيقال كذبتم لم يكن لله صاحبة ولا ولد فما تريدون، قالوا نريد أن تسقينا فيقال اشربوا فيتساقطون في جهنم، ثم يقال للنصارى ما كنتم تعبدون؟ فيقولون كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال كذبتم لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون فيقولون، نريد أن تسقينا، فيقال اشربوا. فيتساقطون حتى يبقى من كان يعبد الله من برّ أو فاجر فيقال لهم ما يحبسكم وقد ذهب الناس فيقولون: فارقناهم ونحن أحوج منا إليه اليوم وإنا سمعنا مناديا ينادي: ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون، وإنما ننتظر ربنا. قال: فيأتيهم الجبار في صورته التي رأوه فيها أول مرة، فيقول أنا ربكم، فيقولون أنت ربنا فلا يكلمه إلا الأنبياء فيقول هل بينكم وبينه آية تعرفونه؟ فيقولون

стр. 178

الساق، فيكشف عن ساق فيسجد له كل مؤمن، ويبقى من كان يسجد لله رياء وسمعة، فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا "الحديث" (١). فلهذا نقول إن لله ﵎ صورة يعرفها من عبده إذا رآه يوم القيامة وهي صوره تليق بجلاله وعظمته لا تشبه المخلوقات ولا يحيط بها الإِدراك، ولا يعرف كنهها إلا هو تعالى وتقدس عن مشابهة الممكنات. أما القول في الحديث "إن الله خلق آدم على صورته" ونص الحديث برواية أبي هريرة "إذا قاتل أحدكم فليتجنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته" أن الإضافة في قوله "صورته" إضافة ملك يريد الصورة التي تخيرها الله سبحانه ليكون آدم مصورًا عليها وقد ذكر هذا القول ابن حزم فلا داعى لإِعادة تقريره، وقال أبو بكر بن خزيمة: "توهم بعض من لم يتحر العلم أن قوله "على صورته" يريد صورة الرحمن عز ربنا وجل عن أن يكون هذا معنى الخبر بل معنى قوله "خلق آدم على صورته" الهاء في هذا الموضوع كناية عن اسم المضروب. أراد ﷺ أن الله خلى آدم على صورة هذا المضروب الذي أمر الضارب باجتناب وجهه بالضرب" (٢). فإن قيل: إن الحديث روى في إحدى الروايات بلفظ "على صورة

стр. 179

الرحمن فأضاف الصورة إلى الرحمن ﵎ من إضافة صفات الذات. قلنا: إن البيهقي قال بعد ما ساق هذه الرواية: "يحتمل أن يكون لفظ الخبر في الأصل كما رويناه في حديث أبي هريرة" بلفظ على صورته "فأداه بعض الرواة على ما وقع في قلبه من معناه" (١) وهذه الرواية كما روى ابن خزيمة قال: حدثنا يوسف بن موسى قال ثنا جرير عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء بن أبي رباح عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقبحوا الوجه فإن ابن ادم خلق على صورة الرحمن" وروى الثوري هذا الخبر مرسلا غير مسند حدثناه أبو موسى محمد بن المثنى قال: ثناء عبد الرحمن بن مهدي قال ثناء سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن عطا، قال رسول الله ﷺ : "لا يقبح الوجه فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن" (٢). وفي رواة الحديث مقال: قال ابن خزيمة: "والذي عندي في تأويل هذا الخبر إن صح من جهة النقل موصولًا فإن في الخبر عللًا ثلاثًا إحداهن أن الثوري قد خالف الأعمش في إسناده. فأرسل الثوري ولم يقل عن ابن عمر، والثانية أن الأعمش مدلس لم يذكر أنه سمعه من حبيب بن أبي ثابت، والثالثة أن حبيب بن أبي ثابت أيضًا مدلس لم يعلم أنه سمعه من عطاء .. فإن صح هذا الخبر مسندًا - بأن يكون الأعمش قد سمعه من حبيب بن أبي ثابت. وحبيب قد سمعه من عطاء بن أبي رباح وصح أنه عن ابن عمر على ما رواه الأعمش - فمعنى هذا الخبر عندنا أن إضافة الصورة إلى

стр. 180

الرحمن في هذا الخبر إنما هو من إضافه الخلق إليه" (١) فليست الإِضافة في الخبر من إضافة صفات الذات على زعم من توهم ذلك بل إنها إضافة ملك أي الصورة التي تخيرها الله سبحانه ليكون عليها آدم ﵇، وقد سبق ذكرها عند ذكر معنى إضافه الصورة إلى الضمير "الهاء" في قوله "صورته" في الرواية الأولى. ويكون المعنى فإن ابن آدم خلق على الصورة التي خلقها الرحمن حين صور آدم ثم نفخ فيه الروح. والدليل على صحة هذا التأويل. ما روى عنه ﷺ أنه قال: "خلق الله آدم على صورته وطوله ستون ذراعا" (٢) وفي الحديث إشارة إلى أن ادم كان مخلوقًا على صورته كاملًا لم يتنقل في أطوار الخلقه وهي الصورة التي كان عليها بعد الخروج من الجنة، وهي ما علمها أبناؤه، فلم تشوه صورته، ولم تغير خلقته بعدما أخرج من الجنة والله أعلم (٣). يقول ابن قتيبة (٤) "والذي عندي - والله تعالى أعلم - أن الصورة ليست بأعجب من اليدين، والأصابع (٥)، والعين، وإنما وقع الألف

стр. 181

لتلك لمجيئها في القرآن. ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد" (١). فمذهب ابن قتيبة مؤيد لما ذكرنا من إثبات صورة لله تعالى لائقة به كسائر ما ثبت له من الصفات، فلا تشبه الصور المخلوقة تعالى الله وتقدس أن يشابه شيئًا من خلقه. ٣ - المائية (٢): يذهب أبو محمد بن حزم إلى أن لله ﵎ مائية هي أنيته (٣) نفسها، إذ نفى المائية نفي للذات والحقيقة، ويجاب السائل عن مائية الله تعالى: بأنه حق واحد أول خالق لا يشبه شيئًا من خلقه لذا كان جواب موسى ﵇ حين سأله فرعون: "وما رب العالمين قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين" (٤). جوابًا صحيحًا تامًا، ولا جواب لهذا السؤال حتى في علم الله تعالى غيره، لأن الله ﵎ حمده عليه وصدقه فيه، ويستحيل أن يصدقه ويحمده على جواب غير

стр. 182

صحيح (١). هذا المذهب الذي ذهب إليه ابن حزم في ماهية الله تعالى: مذهب صحيح موافق لما ذهب إليه أئمة السنة والجماعة من السلف والخلف (٢). يقول ابن تيمية: "وإذا كان المخلوق المعين، وجوده الذي في الخارج هو نفس ذاته وحقيقته وماهيته التي في الخارج، ليس في الخارج شيئان فالخالق تعالى أولى أن تكون حقيقته هي وجوده الثابت الذي لا يشركه فيه أحد وهو نفس ماهيته التي هي حقيقته الثابتة في نفس الأمر" (٣). فإثبات الماهية لله تعالى إثبات وجود لا إثبات كيفية لأن الكيف بالنسبة لله تعالى وصفاته غير معلوم لأحد فلا يحاط به سبحانه كما قال: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (٤) وقال: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ (٥) أي لا تحيط به (٦). وأما عن قول ابن حزم: "إنه لا جواب لسؤال فرعون إلا ما أجاب به موسى حتى في علم الله تعالى" (٧). فنقول: سؤال فرعون عن الحقيقة، وجواب موسى ﵇ كان بالفاعلية والمؤثرية.

стр. 183

نفي الجواب لهذا السؤال مطلقًا حتى في علم الله تعالى إلا ما أجاب به موسى ﵇ ليس على إطلاقه. أما في علم الله تعالى فهو أعلم بحقيقة نفسه، ولا شك بأن له حقيقة هو أعلم بها لا نعلمها. وأما فيما بيننا فلا جواب إلا ما أجاب به موسى. وبيان ذلك زيادة على ما ذكر ابن حزم من تصديق الله تعالى له. أن السؤال "بما" طلب لتعريف حقيقة الشيء، وتعريف حقيقة الشيء إما أن يكون بتلك الحقيقة نفسها، أو بجزء من أجزائها، أو بشيء خارج عنها، أو بما يتركب من الداخل والخارج. أما تعريف حقيقة الشيء بنفسها فمحال، لأن تعريف الشيء بنفسه لم يفد زيادة على ما هو معلوم فهو تكرار لا تعريف، إذ يلزم أن يكون الشيء معلومًا قبل أن يكون معلومًا وهو محال. وأما تعريفها بالأمور الداخلة فيها فمستحيل ذلك في حق واجب الوجود لأن التعريف بذلك لا يتم إلا إذا كان المعرف مركبًا من أجزاء ويستحيل أن يكون الله تعالى بحاجة إلى غيره أو إلى شيء خارج عن ذاته، ويستحيل لهذا أيضًا التعريف بالأجزاء بالنسبة لواجب الوجود، لأنه ﵎ فرد صمد غني عما سواه. ولما بطل التعريف بتلك الأقسام، ثبت أنه لا يمكن تعريف ماهية واجب الوجود إلا بلوازمه وآثاره واللوازم قد تكون خفية وقد تكون جلية، ولا يجوز تعريف الماهية باللوازم الخفية بل لابد من تعريفها باللوازم الجلية وهو ما أجاب به موسى ﵇ فرعون. (١). فإن قيل: وهل جواب موسى ﵇ لفرعون هو ما سأل عنه؟

стр. 184

قلنا: سؤال فرعون من حيث هو سؤال عن الماهية الاعتبارية (١). فهو يطلب معرفة الماهية وخصوصية الحقيقة وموسى ﵇ أجابه بالفاعلية والمؤثرية وهي لا تفيد الحقيقة المسئول عنها. ولما رأى موسى استنكار فرعون لجوابه تعجبًا من هذا الجواب، كرر الجواب موسى ﵇ بما هو أظهر ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٢) فقال فرعون عند هذا ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ (٣) فهو لا يفهم السؤال فضلًا عن أن يجيب عنه، فكرر الجواب موسى بما هو أوضح من سابقه بقوله ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٤) أي إن كنت من العقلاء، عرفت أنه لا جواب لهذا السؤال من أحد من العالم بالنسبة لله تعالى إلا هذا الجواب لأن حقيقة الباري من حيث هي هي غير معقولة للعالم بل المعقول لهم لوازمه وآثاره سبحانه وهي حقائق ظاهرة تدل بعظمها على أن الفاعل لها فرد صمد قوى قاهر لا يعجزه شيء ولا يحيط به أحد من خلقه تعالى وتقدس. (٥). ٤ - صفات الله تعالى من حيث الإِطلاق العام: يذهب أبو محمد بن حزم إلى نفي إطلاق لفظ الصفات لله تعالى لأنه تعالى لم ينص في كلامه المنزل على الصفات، ولا على لفظ الصفة، ولم يحفظ ذلك عن النبي محمد ﷺ ، ولم يرد

стр. 185

عن أحد من الصحابة ﵃، ولا عن خيار التابعين. ولأن لفظ الصفة في اللغة العربية وفي جميع اللغات عبارة عن معنى محمول في الموصوف بما لا معنى للصفة غير هذا البتة، وهذا أمر لا يجوز إضافته إلى الله تعالى البتة إلا أن يأتي نص بشيء أخبر الله تعالى به عن نفسه فنؤمن به وندري حينئذ أنه اسم علم لا مشتق من صفة أصلًا، وأنه خبر عنه تعالى لا يراد به غيره ولا يرجع منه إلى سواه البتة (١). لهذا فلا يحل لأحد أن ينطق به. يقول ابن حزم: "ولو قلنا إن الإجماع قد تيقن على هذه اللفظة لصدقنا فلا يجوز القول بلفظ الصفات، ولا اعتقاده بل هي بدعة منكرة قال الله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ (٢) " (٣). ومن أدلته على نفي الصفات (٤). قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (٥). هذا المذهب الذي يذهب إليه أبو محمد بن حزم - في عدم إثبات الصفات لله تعالى، وعدم جواز إطلاق لفظ الصفة أو الصفات له تعالى. وجواز تسميته بما سمى به نفسه من غير أن يشتق له من تلك الأسماء صفات. هو في الحقيقة ما ذهب إليه المعتزلة حيت لا يثبتون

стр. 186

لله تعالى صفات قديمة أصلًا، ولا ينفون الأسماء. بل يثبتونها لله تعالى، ويسمونه بها. وإن كان ابن حزم لا يلتزم نفس استدلالهم على النفي. لكنه يتفق معهم في النتيجة، نفي الصفات عن الله تعالى، إذ نفيهم للصفات القديمة فرار من تعدد القدماء مع الله تعالى، لأن القدم أخص صفاته، وفي إثباتها معه مشاركة في الإِلهية - على زعمهم - (١) ونفى ابن حزم لذلك تمشيًا مع مذهبه الظاهري، وإبقاء على ظاهرية الأسماء التي وردت بالنص وجعلها ألفاظًا فارغة عن المعاني بمنزلة أصوات لا تفيد شيئًا، فلا تكون دليلًا على إثبات صفات له لعدم النص الظاهر على ذلك كما يدعى. وقد استدل على النفي بقوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ (٢). والآية لا تدل على ما ذهب إليه والمقصود بالأسماء في الآية معبودات المشركين. فذكر تعالى في سياق الآيات، اللات، والعزى، ومناة. فقيل: إن معنى قوله ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ﴾ أي كونها إناثًا ومعبودات أسماء لا مسمى لها، فإنها ليست بإناث حقيقة، ولا معبودات. وقيل: "أسماء" أي قلتم بعضها عزى ولا عزة لها، وقلتم، إنها آلهة وليست بآلهة (٣).

стр. 187

واستدل بقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (١). وليس فيها دلالة على نفي صفات الله تعالى، وإنما فيها تنزيه الله تعالى وتقديسه عن كل ما لا يليق بصفات الإِلهية، وفي الآية إثبات ما استدل على نفيه ففي قوله "رب العزة" وصفه بكل ما يليق بإلهيته لأن الربوبية إشارة إلى التربية، وهي دالة على كمال الحكمة والرحمة و "العزة" إشارة إلى كمال القدرة، لأن الألف واللام تفيد الاستغراق وإذا كان الكل ملكًا له لم يبق لغيره شيء" (٢). فليس في الآيتين ما يدل على نفي الصفات عن الباري تعالى كما استدل بهما ابن حزم. يقول ابن تيمية عن الظاهرية: - إن الظاهرية مع انتسابهم إلى الحديث والسنة أنكروا القياس الشرعي المأثور عن السلف والأئمة. ودخلوا في الكلام الذي ذمه السلف، والأئمة حتى نفوا حقيقة أسماء الله وصفاته. ويرى ابن تيمية أن إثبات الأسماء دون الصفات سفسطة (٣) في

стр. 188

العقليات وقرمطة (١) في السمعيات (٢). ودليل السفسطة أن المعلوم اضطرارًا الفرق بين الحي، والعليم والملك، والقدوس، والجبار، والمتكبر، والعزيز والغفور ونحو ذلك وأن العبد إذا قال: رب ارحمني، واغفر لي وتب على إنك أنت الرحيم التواب الغفور كان قد أحسن في مناجاته لرب وفي دعائه له، ولو قال رب ارحمني واغفر لي وتب علي إنك أنت الشديد العقاب الجبار المتكبر لم يكن محسنًا في مناجاته. ودليل القرمطة: أن الأسماء إذا كانت أعلامًا جامدة لا تدل على معنى لم يكن فرق فيها بين اسم واسم فعلى هذا لا مانع من تسمية الله تعالى بالميت والعاجز والجاهل، بدل الحي العالم القادر تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، وقد قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣) فأثبت لنفسه الأسماء الحسنى وأمر بالدعاء بها ووعد الملحدين فيها بالجزاء ولو لم يكن فروا فيها لم يلحد أحد في اسم دون اسم ولا ينكر عاقل اسما دون اسم. والله ﵎ له الأسماء الحسنى دون السوآى، وإنما يتميز الاسم الحسن عن الاسم السيء بمعناه فلو كانت كلها بمنزلة الأعلام الجامدات التي لا تدل على

стр. 189

معنى لم تنقسم إلى حسنى وسوآى ولكان يكفي منها اسم واحد يدل على هذه الذات، وكان الباقي لغوًا ليس لذكره فائدة تعالى الله بأسمائه وصفاته عن النقائص والعيوب وتنزه عن أن يكون شيء من ذلك لغوًا (١). ويقال لمن نفى اتصاف الله تعالى بالصفات لماذا لا تنفى الأسماء معها حتى لا يحتج عليك بهذا الإِثبات، لأن هذه الأسامي إذا لزمت ذاتًا من الذوات لزمتها الصفات التي من أجلها وقعت الأسامي، إذ لو جاز أن يكون عالمًا بغير علم أو سميعًا بغير سمع أو بصيرا بغير بصر لجاز أن يكون الجاهل مع عدم العلم عالمًا والأعمى مع فقد البصر بصيرًا والأصم مع غيبوبة السمع سميعا، فلما لم يجز ما ذكر صح أن العالم إنما صار عالمًا لوجود العلم والبصير، والسميع، لوجود السمع، والبصر (٢). فإن قال: كيف أنفى أسماء الله تعالى وقد ذكرها في كتابه؟ قلنا: وقد ورد في كتابه تعالى ذكر العلم، والقوة. فذكر العلم في خمسة مواضع من كتابه منها قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ (٣). وقوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ (٤). وذكر القوة فقال: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٥). وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ (٦) فيلزمك لهذا إثباتهما. فإن قال: أنا لا أنفيهما وقولي فيهما "أن علم الله تعالى وقدرته،

стр. 190

وقوته حق وليس العلم غير القدرة، ولا القدرة غير العلم، وليس ذلك غير الله، ولا يقال إنه الله" (١). قلنا: إن هذا لا يستقيم مع ما ورد في الآيات إذ فيها أن العلم له معنى يخالف معنى القدرة، وتعلقات تخالف تعلقاتها فالعلم يتعلق بالمعلومات، والقدرة تتعلق بالمقدورات فالعلم أعم لتعلقه بالواجب والممكن والمستحيل لأن كل شيء يصلح أن يكون معلومًا (٢). بخلاف القدرة فلا تتعلق إلا بالممكن. ولو كان المفهوم من الصفتين واحدًا لوجب أن يعلم بقدرته، ويقدر بعلمه ويكون من علم الذات مطلقًا علم أن له قدرة، وعلمًا، وليس الأمر كذلك فإن هذه حقائق متنوعة، فإن جعلت هذه الحقيقة هي تلك كان بمنزلة من يقول، إن حقيقة السواد هي حقيقة الطعم، وحقيقة الطعم هي حقيقة اللون وأمثال ذلك مما يجعل الحقائق المتنوعة حقيقة واحدة ومن العلوم أن الجسم ليس هو العرض، والموصوف ليس هو الصفة، والذات ليست هي النعوت فمن قال: إن العالم هو العلم، والعلم هو العالم، والقادر هو القدرة، والقدرة هي القادر، فضلا له بين. وكذا القول. إن القدرة هي العالم وأن العلم هو القادر (٣)، وسيأتي الكلام على العلم والقدرة (٤). أما قولك "ليس ذلك غير الله، ولا يقال إنه الله" فنفى

стр. 191

القول بأنه الله صحيح. أما كون ذلك ليس غير الله فلفظ "الغير" مجمل ونفيه يوهم معنى فاسدًا، وكذا إثباته، فيجب الاستفصال عن المقصود فإن كان القصد بأنه ليس غير الله، أي ليس غيرًا منفصلًا عنه فهذا حق فإن صفات الباري لا تفارق ذاته. ثم إن وجود ذات في الخارج غير متصفة بالصفات محال، بل الذات الموصوفة بصفات الكمال الثابتة لها لا تنفصل عنها، وإنما يعرض للذهن ذات وصفة كل وحده ووجوده في الخارج، محال وهذا بمنزلة من يقول، أثبت إنسانًا لا حيوانًا، ولا ناطقًا، ولا قائمًا بنفسه ولا بغيره، ولا له قدرة، ولا حياة، ولا حركة، ولا سكون أو نحو ذلك، أو يقول أثبت نخله ليس لها ساق، ولا جذع ولا ليف، ولا غير ذلك. فإن هذا يثبت ما لا حقيقة له في الخارج ولا يعقل، لأن لفظ "ذات" في أصل معناها لا تستعمل إلا مضافة أي "ذات وجود" "ذات قدرة" "ذات إرادة" إلى غير ذلك، ولم ترد إلا كذلك كما في قوله تعالى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (١). وقوله: ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (٢). وقول خبيب بن عدي ﵁ حين قدمه كفار قريش للقتل: ولست أبالي حين أفتل مسلمًا ... على أي جنب كان في الله مصرعي

стр. 192

وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك علي أوصال شلو (١) ممزغ (٢) وقول حسان بن ثابت ﵁ حين أنشد النبي ﷺ : شهدت بإذن الله أن محمدًا ... رسول الذي فوق السموات من عل وأن أخا الأحقاف إذ يعذلونه ... يجاهد في ذات الإِله ويعدل (٣) فذات كذا بمعنى صاحبة كذا تأنيث "ذو" هذا أصل معنى الكلمة فلا يتصور انفصال الصفات عن الذات، ووجود ذلك في الذهن شيء فرضى لا حقيقة له كما يفرض عرض يقوم بنفسه لا بغيره، وصفة لا تقوم بغيرها، فما هو قائم بنفسه فلابد له من صفة وما كان صفة فلابد له من قائم بنفسه متصف به، وقد سلم المنازعون أنهم لا يعلمون قائمًا بنفسه لا صفة له سواء سموه جوهرًا أو جسمًا أو غير ذلك. ويقولون: - وجود جوهر معرى عن جميع الأعراض ممتنع (٤).

стр. 193

يقول ابن تيمية: "ولهذا كان السلف والأئمة يسمون نفاة الصفات" معطلة. لأن حقيقة قولهم، تعطيل ذات الله تعالى، وإن كانوا هم لا يعلمون، أن قولهم مستلزم للتعطيل بل يصفونه بالوصفين المتناقضين فيقولون هو موجود قديم واجب ثم ينفون لوازم وجوده، فيكون حقيقة قولهم: موجود ليس بموجود حق ليس بحق، خالق ليس بخالق فينفون عنه النقيضين، إما تصريحًا بنفيهما، وإما إمساكًا عن الإخبار بواحد منهما" (١). وإن كان القصد بنفي "الغير" في قوله "ليس غير الله" نفي الصفة الملازمة للذات فهذا غير صحيح فصفات الله لازمة لذاته، وليست غيرا بهذا الاعتبار لما بينا (٢). فإن قال: أنا لا أقول، إن لله تعالى صفة مطلقًا لا قائمة به ولا منفصلة عنه (٣). قلنا: إذن على هذا فقولك: "إن علم الله ليس غيره" أي ذاته، ونفيك "أنه لا يقال إنه الله" لا معنى له حيث خالفته حقيقة، وهذا عين مذهب أبي الهذيل العلاف (٤). الذي رددت عليه بأنه سمى الله

стр. 194

تعالى من طريق الاستدلال (١). فوقعت فيما فررت منه، وهذا الرأي مأخوذ عن الفلاسفة الذين اعتقدوا أن ذات الله تعالى واحدة لا كثرة فيها بوجه، والصفات هي الذات وليست معاني وراءها قائمة بها وترجع إلى السلوب واللوازم (٢). وقد رد الإمام أبو الحسن الأشعري على من يقول، إن علم الله هو الله فقال: "إذا قلت إن علم الله هو الله فقل يا علم الله اغفر لي وارحمني فإن أبى ذلك لزمته المناقضة، واعلموا يرحمكم الله أن من قال: عالم ولا علم كان مناقضًا كما أن من قال علم ولا عالم كان مناقضًا وكذلك القول في القدرة والقادر، والحياة، والحي والسمع والبصر والسميع والبصير" (٣) وهذا ما ذهب إليه سلف الأمة وأئمتها فهم يثبتون لله تعالى ما ورد من الأسماء ومصادرها لما هو معلوم من أن اسم عالم اشتق من علم وقادر اشتق من قدرة، وحى من حياة وسميع من سمع وبصير من بصر ولا تخلو أسماء الله من أن تكون مشتقة فيفيد كل اسم معناه أو على طريق التلقيب ويتنزه الله ﵎ أن تكون أسماؤه على طريق التلقيب باسم ليس فيه إفادة معناه، وليس مشتقًا من صفة، فإذا قيل: إن الله تعالى عالم قادر فليس ذلك تلقيبًا كما تقول زيد، وعمر على مسمى بهما، وعلى هذا إجماع

стр. 195

المسلمين. وإذ لم يكن ذلك تلقيبًا وكان مشتقًا من علم فقد وجب إثبات العلم وإن كان ذلك لإفادة معناه فلا يختلف ما هو لإفادة معناه ووجب. كما إذا كان قولي: موجود مفيدا فينا الإِثبات كان الباري تعالى واجبًا إثباته لأنه موجود (١). وقد دل القرآن والسنة على إثبات تلك المصادر، لأن إثبات الأسماء المجردة لا معنى له تعالت أسماء الله أن تكون أعلامًا فارغة عن المعاني يقول ابن القيم: - والرب تعالى يشتق له من أوصافه وأفعاله أسماء ولا يشتق له من مخلوقاته، وكل اسم من أسمائه فهو مشتق من صفة من صفاته أو فعل قائم به، ولو كان يشتق له اسم باعتبار المخلوق المنفصل لسمى طويلًا، وأبيض وغير ذلك لأنه خالق هذه الصفات فلما لم يطلق عليه اسم من ذلك علم أنه يشتق أسماءه من أفعاله وأوصافه القائمة به، وهو سبحانه لا يتصف بما هو مخلوق منفصل عنه ولا يتسمى باسمه، ولهذا كان قول من قال إنه يسمى مريدًا وخالقًا ونحو ذلك بإرادة منفصلة عنه وبخلق منفصل عنه هو المخلوق قولًا باطلًا مخالفًا للعقل والنقل واللغة مع تناقضه في نفسه، فإن اشتق له اسم باعتبار مخلوقاته لزم طرد ذلك في كل صفة أو فعل خلقه، وإن خص ذلك ببعض الأفعال والصفات دون بعض كان تحكمًا لا معنى له. وحقيقة قول هؤلاء إنه لم يقم به إرادة ولا إحسان ولا فعل البتة ومن تجهم منهم نفى حقائق الصفات وقال لم تقم به صفة ثبوتية فنفوا صفاته وردوها إلى السلوب والإِضافة، ونفوا أفعاله وردوها إلى المصنوعات المخلوقات وحقيقة هذا أن أسماءه تعالى ألفاظ فارغة عن المعاني لا حقائق لها وهذا من الإِلحاد فيها وإنكار أن

стр. 196

تكون حسنى وقد قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) وقد دل القرآن والسنة على إثبات مصادر هذه الأسماء له سبحانه وصفًا كقوله تعالى: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ (٢) وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٣) وقوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ (٤) وقوله ﷺ : "لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" (٥) وقول عائشة: "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات" (٦) وقوله ﷺ : "أعوذ برضاك من سخطك" (٧) وقوله: "أعوذ بعزتك الذي لا إله إلا أنت" (٨). ولولا هذه المصادر لانتفت حقائق الأسماء والصفات والأفعال، فإن أفعاله غير صفاته، وأسماءه غير أفعاله وصفاته، فإذا لم يقم به فعل ولا صفة فلا معنى للاسم المجرد، وهو بمنزلة صوت لا يفيد

стр. 197

شيئًا وهذا غاية الإلحاد (١). وحيث تبين أن أسماء الله تعالى مشتقة من وصافه وأفعاله وأن كل اسم يفيد معناه، وأن أسماءه المطلقة كالسميع، والبصير، والغفور، والشكور، والمجيب، والقريب، والرحيم ونحوها، لا يجب أن تتعلق بكل موجود بل يتعلق كل اسم بما يناسبه، ولما كان كل شيء يصلح أن يكون معلومًا كان اسم الله العليم متعلق به (٢). فكل ما دلت عليه أسماؤه فهو مما وصف به نفسه فيجب الإيمان بكل ما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل كما قال سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٣). وهو المسمى نفسه بأسمائه الحسنى وهو بها لم يزل (٤). ولنا أن نعترض على نفاة الصفات، وإثبات الذات المجردة، بأنه يلزمهم إثبات قديم لا يقال له الله، إذ أنهم يثبتون ذاتًا مجردة عن الصفات ومعلوم أن ما ليس بحي ولا عليم ولا قدير فليس هو الله، فمن أثبت ذاتًا مجردة فقد أثبت قديمًا ليس هو الله. فإن قال: أنا أقول إنه لم يزل عليمًا قديرًا. قلنا: إن هذا قول من يثبت الصفات لله تعالى فنفس كونه عالمًا ليس هو كونه قادرًا، وذلك ليس هو كونه ذاتًا متصفة بهذه الصفات

стр. 198

فهذه معان متميزة في العقل ليس هذا هو هذا. فإن قلتم هي قديمة، أثبتم معان قديمة، وإن قلتم إنها شيء واحد جعلتم كل صفة هي الأخرى، والصفة هي الموصوف فجعلتم كونه عالما هو كونه قادرًا، وجعلتم ذلك هو نفس الذات وهذه مكابرة وهذه المعاني هي معاني أسمائه الحسنى وهو بها سبحانه لم يزل وهو المسمى بها نفسه. وقد نفى الدارمي (١) إيمان من لم يعلم أن الذات الإلهية بصفاتها وأسمائها لم تزل ذات واحدة متصفة بالصفات مسماة بالأسماء بقوله: "ولن يدخل الإيمان قلب رجل حتى يعلم أن الله لم يزل إلهًا واحدًا بجميع أسمائه وجميع صفاته لم يحدث له منها شيء كما لم تزل وحدانيته" (٢). وبعد أن بينا عدم استقامة مذهب ابن حزم ومن يذهب مذهبه بنفي الصفات. نشير إلى أن ابن حزم لم يثبت على هذا المذهب فقد قال بخلافه فقد أثبت أن لله تعالى صفات قال في كتابه الأصول والفروع في أثناء رده على الجهمية القائلين بخلق القرآن: "وكلام الله تعالى صفة قديمة من صفاته، ولا توجد صفاته إلا به ولا تبين منه .. وكلام الله لا ينفد ولا ينقطع أبدًا لأن كلامه صفة من صفاته تعالى لا تنفد ولا تنقطع ولا تفارق ذاته والله لم يزل متكلمًا ليس لكلامه أول ولا آخر كما ليس لذاته لا أول ولا آخر وجميع صفاته مثل ذاته وقدرته وعلمه وكلامه ونفسه ووجهه مما وصف به نفسه في كتابه العزيز كل هذه الصفات غير مباينة منه تعالى ولا

стр. 199

متجزئة ولا نافدة ولا منقطعة" (١) وكرر في هذا الرد أن القرآن الكريم كلام الله تعالى غير مخلوق وأنه صفة من صفاته (٢). فإن قيل: إن هذا ليس تناقضا من ابن حزم وإنما كان هذا قوله سابقا ثم رجع عنه: لأن تأليفه لهذا الكتاب متقدم كما يظهر من قوله فيه عند كلامه عن إعجاز القران البلاغي عن أن يأتي أحد بمثله إذ يقول: "ثم عمر الدنيا من البلغاء الذين لا نظائر لهم في الإسلام كثير منذ أربعمائة عام وعشرين عامًا فما منهم أحد تكلف معارضته إلا وافتضح فيه" (٣). قلنا وإن ثبت تقدم هذا القول، وتغير رأي ابن حزم عما فيه فإنه لا يسلم مما ذكرنا من تناقضه، حيث ذكر في كتابه الفصل نحو هذا إذ يقول: "ومن البرهان على أن النزول صفة فعل لا صفة ذات أن الرسول ﷺ علق التنزل المذكور بوقت محدود فصح أنه فعل محدث في ذلك الوقت مفعول حينئذ" (٤) فتناقض ابن حزم في هذه المسألة ثابت، واضطرابه فيها بين فهذا دليل عدم اطمئنانه في النفي والإثبات في مسألة الصفات والله أعلم.

стр. 200

٥ - أسماء الله تعالى: يلتزم ابن حزم في أسماء الله تعالى ما ورد بالنص فيثبت لله تعالى من الأسماء ما سمى به نفسه لقوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ (١) فمنع تعالى أن يسمى إلا بأسمائه الحسنى. وأخبر أن من سماه بغيرها قد ألحد. والأسماء بالألف واللام لا تكون إلا معهودة ولا معروف في ذلك إلا ما نص الله تعالى عليه ومن ادعى زيادة على ذلك كلف البرهان على ما ادعى، ولا سبيل إليه، ومن لا برهان له فهو كاذب في قوله ودعواه. والذي ورد أن لله عز جل تسعة وتسعين اسمًا مائة غير واحد وهي أسماؤه الحسنى من زاد شيئًا من عند نفسه فقد ألحد في أسمائه وهي الأسماء المذكورة في القرآن والسنة. يقول ﷺ : "إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة - وفي بعض طرق الحديث - إنه وتر يحب الوتر" (٢). وقال تعالى: " ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ

стр. 201

الخالق البارىء المصور له الأسماء الحسنى" (١) فلا يحل لأحد أن يشتق لله تعالى اسمًا لم يسم به نفسه برهان ذلك أنه تعالى قال: " ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥)﴾ " (٢) وقال: " ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)﴾ " (٣) وقال: " ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾ " (٤). فلا يحل لأحد أن يسميه البناء، ولا الكياد، ولا الماكر، ولا المتجبر، ولا المستكبر، لا على أنه المجازي بذلك، ولا على وجه أصلًا، ومن ادعى غير هذا فقد ألحد في أسمائه تعالى: وتناقض وقال على الله تعالى الكذب وما لا برهان له به (٥). لا نوافق ابن حزم على اطلاق قوله في أسماء الله تعالى. أما تسمية الله بما ورد: - فلا ينكر مسلم أن الله تعالى يسمى بما سمى به نفسه، ويدعى بأسمائه الحسنى لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٦) ولقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٧) فقد أثبت أن له الأسماء الحسنى، وأمر بالدعاء بها فظاهر هذا أن له جميع الأسماء الحسنى بحيث لا يجوز نفيها عنه كما فعل الكفار. وأمر بدعائه مسمى بها دون غيرها. وأما عدم الاشتقاق له من أسمائه اسمًا فغير مسلم.

стр. 202

يقول ابن تيمية: "ويفرق بين دعائه والإخبار عنه فلا يدعى إلا بالأسماء الحسنى وأما الإخبار عنه فلا يكون باسم سيء لكن قد يكون باسم حسن، أو باسم ليس بشيء وإن لم يحكم بحسنه .. وإن كانت أسماء المخلوق فيها ما يدل على نقصه وحدوثه، وأسماء الله ليس فيها ما يدل على نقص ولا حدوث بل فيها الأحسن الذي يدل على الكمال وهي التي يدعى بها. وإن كان إذا أخبر عنه يخبر باسم حسن أو باسم لا ينفي الحسن ولا يجب أن يكون حسنًا، (١) وأما في الأسماء المأثورة فما من اسم إلا وهو بدل على معنى حسن" (٢). ويقول الرازي: "لله تعالى أن يسمى نفسه بما اختار وليس لأحد أن يسميه بما يوهم النقص من غير ورود الشرع به" (٣). وقد وقع الاتفاق على جواز إطلاق أسماء عليه ﵎ ليست من الأسماء الحسنى، لكن معناها حق مثل المريد، والمتكلم، والموجود، والشيء والذات، والأزلي، والأبدي، وغيرها، وقد دلت عليها الأسماء الحسنى الواردة بالنص (٤). يقول أبو يعلى: "ويجوز أن يسمى الله تعالى بكل اسم ثبت له

стр. 203

معناه في اللغة ودل العقل والتوقيف (١) عليه إلا أن يمنع من ذلك سمع وتوقيف" (٢). وقد فصل أبو حامد الغزالي فيما يطلق على الله تعالى من الأسماء والصفات بأن ما يرجع منها إلى الاسم (٣)، فموقوف على الإذن، وما يرجع إلى الوصف فلا يقف على الإذن بل الصادق منه مباح دون الكاذب (٤). وأرى أن هذا المذهب هو مذهب من يجيز تسمية الله تعالى بكل ما ثبت له معناه في اللغة، وصحح العقل إثباته له، لأن من يجيز تسمية الله بذلك لا يسمى الله تعالى بأسماء هي أعلام فارغة عن المعاني وإنما يسميه بما ثبت له معناه في اللغة ودل العقل والتوقيف عليه أي دل على معناه ما ورد من أسماء الله تعالى في الكتاب والسنة، فهذا الإثبات يرجع إلى الوصف، وتفصيل الغزالي هذا هو تفصيل لمذهب المجيزين فحقيقة القولين واحدة. ويناقض ابن حزم مذهبه - عدم تسمية الله تعالى إلا بما ورد -

стр. 204

فيثبت الذات لله تعالى (١) من غير أن يستند بذلك إلى نص ظاهر كما هو مذهبه الأخذ بظواهر النصوص، وعدم جواز تسمية الله تعالى بما ثبت له معناه في اللغة ودل العقل على جواز إثبات ذلك المعنى له لتضمنه كمالًا لا نقص فيه وإمكان اتصاف الله تعالى به كما هو رأى كثير من أئمة أهل السنة، فقد نقل عن الإمام أحمد بن حنبل أنه يسمى الله تعالى "دليلًا" (٢) والدليل على صحة هذه التسمية هو أن "الدليل" هو الهادي، لأنه ﵎ هو الذي هدى خلقه إلى معرفته، وربوبيته، وهدى عباده إلى صراطه المستقيم كما قال: "يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم" (٣) وهدى مخلوقاته إلى ما لابد لهم منه في حياتهم وقضاء حاجاتهم يقول تعالى: "الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى" (٤) ويقول: "والذي قدر فهدى" (٥) (٦) ويستدل أبو يعلى على جواز تسمية الله تعالى بالدليل بأن "الدليل" هو الرشد إلى المطلوب وهذا من صفاته سبحانه لأنه يرشد إلى الخير قال تعالى: " ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ " (٧). (٨). تجويز تسمية الله تعالى بما يرجع إلى الوصف، لأنه خبر عن أمر والخبر ينقسم إلى صدق وكذب، والشرع قد دل على تحريم الكذب

стр. 205

في الأصل. والكذب حرام إلا بعارض، ودل على إباحة الصدق، فالصدق حلال إلا بعارض ولا يجوز أن نصف الله تعالى بما يوهم النقص البتة فأما ما لا يوهم نقصًا أو يدل على مدح فذلك مطلق، ومباح بالدليل الذي أباح الصدق مع السلامة عن العوارض المحرمة ولذلك قد يمنع من إطلاق لفظ فإذا قرن به قرينة جاز إطلاقه، فلا يقال لله تعالى "يامذل" ويمال يامعز يامذل فإنه إذا جمع بينهما كان وصف مدح إذ يدل على أن طرفي الأمور بيده وغير هذا كثير (١). وقد استدل ابن حزم على منع تسمية الله تعالى إلا بالأسماء الحسنى بقوله تعالى: "ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه" (٢) وليس في الآية دلالة على أنه ليس له ﵎ من الأسماء إلا هذه الأسماء، وإنما فيها الأمر بدعائه سبحانه بالأسماء الحسنى دون الاخبار عن حصر أسمائه فيها، وليس الإلحاد فيها الزيادة كما يقول. وإنما هو إما تسميته تعالى بما لا يجوز أن يسمى به، أو بلفظ لايعرف معناه، لأنه ربما كان غير لائق بجلال الله وعظمته، أو الجور عن الحق والعدول عنه، أو تكذيب الأسماء وجعلها لا تدل على معان وقيل غير ذلك (٣). ومما استدل به ابن حزم على منع اشتقاق اسم لله تعالى لم يسم به

стр. 206

نفسه قوله تعالى: " ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥)﴾ " (١) وقوله " ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)﴾ " (٢) وقوله " ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾ " (٣) فقال: ولا يحل لأحد أن يسميه البناء ولا الكياد، ولا الماكر، ولا المتجبر، ولا المستكبر، لا على أنه المجازى بذلك ولا على وجه أصلًا. وتلك الآيات ونحوها مما ورد في القرآن الكريم مثل قوله تعالى " ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ " (٤) وقوله: " ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ " (٥) وقوله: " ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ " (٦) وقوله: " ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ " (٧) وغير هذا في القرآن كثير، والأسماء المشتقة من هذه الأفعال يحيل العقل معانيها في اللغة على الله تعالى، وقد وردت على طريق الجزاء فلا يشتق لله تعالى من هذه أسماء وما في معناها مما فيه إيهام معنى لا يجوز على الله تعالى (٨). ولا يطرد هذا فيما ليس فيه إيهام معنى لا يجوز على الله تعالى. فيشتق له من أسمائه الحسنى صفات لأنها تقتضي المدح والثناء بنفسها فما اشتق منها فهي دالة عليه ودلالته دلالتها. وأما الحديث الذي استدل به ابن حزم على أن أسماء الله تعالى تسعة وتسعون اسما فقط. ويذكر أن الزيادة من الإِلحاد فيها. فهذا

стр. 207

غير مسلم وقد وقع الاتفاق على إثبات أسماء لله ليست مما ثبت بالسمع وقد مر ذكرها قريبًا، فلا داعي لإعادتها، ولما بينا من أن أسامي الله تعالى مشتقة من صفاته فالصفات ثابتة له ولقوله ﷺ في دعاء الكرب "اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك. أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري، وجلاء حزني وذهاب همي وغمي" (١). وقوله ﷺ في حديث الشفاعة: "فأقوم قآتي تحت العرش فأقع ساجدًا لربي ، ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده. وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي .. الحديث" (٢). وفي قوله ﷺ في الحديث الأول "استأثرت به في علم الغيب عندك" وقوله في الحديث الثاني "ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي" دليل على أن أسماء الله وصفاته غير محصورة فيما وردت به

стр. 208

الروايات المشهورة. لأن الذي استأثر الله به في علم الغيب عنده غير هذا الوارد المعروف، وحمد الله والثثاء عليه بأسمائه وصفاته المعروفة يجرى على ألسنة أنبياء الله ورسله وعباده المؤمنين، وما يفتح الله على محمد ﷺ من الدعاء بذكر المحامد عند الشفاعة غير هذا لأنه ﷺ قال: "لم يفتح على أحد قبلي" ولا يكون الدعاء بغير أسماء الله وصفاته، فهي زائدة على التسعة والتسعين ولا يجوز حصرها عليها لأنها محامده، ومدائحه وفواضله وهي غير متناهية، والحديث الوارد في ذكر "التسعة والتسعين" يشتمل على قضية واحدة لا على قضيتين، وهذا كقول القائل: إن لزيد ألف درهم مثلا أعدها للصدقة، وهذا لا يدل على أنه ليس عنده من الدراهم أكثر من ألف درهم، وإنما دلالته أن الذي أعده من الدراهم للصدقة ألف درهم. وكذلك الذي له ألف عبد مثلًا فيقول القائل، إن لفلان تسعة وتسعين عبدا من استظهر بهم لم تقاومه الأعداء فيكون التخصيص لأجل حصول "الاستظهار بهم إما لمزيد قوتهم أو لكفاية ذلك العدد في دفع الأعداء من غير حاجة إلى زيادة لا لاختصاص الوجود بهم إذ هم أكثر من ذلك بكثير. وعلى قول من يجعل الأسامي غير زائدة على التسعة والتسعين فالحديث يشتمل على قضيتين: الأولى: إن لله تسعة وتسعين اسمًا، والثانية أن من أحصاها دخل الجنة. وعلى هذا فلو اقتصر على القضية الأولى كان الكلام تامًا، وعلى المذهب الأول لا يمكن الاقتصار على ذكر القضية الأولى وهذا ما نراه راجحًا، ويبعد حمل الحديث على قضيتين أن في حمله منع أن يكون - من الأسامي ما استأثر الله به في علم الغيب عنده، وهذا يخالف قول الرسول ﷺ في دعاء الكرب. ويؤدي إلى أن يختص بالإحصاء نبي أو ولي

стр. 209

ممن أوتي الاسم الأعظم حتى يتم العدد وإلا فيكون ما أحصى وراء ذلك ناقصًا عن العدد، وإن كان الاسم الأعظم خارجًا عن العدد بطل به الحصر. ونقول إن المقصود بالتسعة والتسعين اسمًا من أسماء الله، أسماء معينة إذ لو لم تتعين لم تظهر فائدة الحصر والتخصيص واختصت بهذه المزية مع أن هناك غيرها، وكلها أسماء لله، لأن الأسامي يجوز أن تتفاوت فضيلتها لتفاوت معانيها في الجلال والشرف فيكون هذا العدد منها يجمع أنواعًا من المعاني المنبئة عن الجلال لا تكون في غيرها فاختصت من أجل ذلك بزيادة الشرف (١). وإن قيل: وهل اسم الله الأعظم داخل في التسعة والتسعين أم لا؟ قلنا: الراجح عندنا أنه داخل فيها لأنها تجمع المعاني المنبئة عن جلال الله وعظمته فلا يكون غيرها أفضل منها، ولا يقال إنه مما استأثر الله به، لأنه لو كان كذلك لا عرفه أحد. فإن قيل: كيف يكون داخلًا فيها وهي مشهورة، والاسم الأعظم يختص بمعرفته نبي أو ولي وهو سبب كرامات عظيمة لمن عرفه. قلنا: لا يلزم من دخول الاسم الأعظم في التسعة والتسعين معرفته بعينه منها فلا يهتدي إليه كل أحد، ثم إن الأسماء الحسنى لم يرد ذكر عددها في خبر صحيح يقول ابن تيمية: "والحديث الذي في

стр. 210

عدد الأسماء الحسنى الذي يذكر فيه المنتقم، وذكر في سياقه البر التواب، المنتقم العفو الرؤوف، ليس هو عند أهل المعرفة بالحديث، من كلام النبي ﷺ ، بل هذا ذكره الوليد بن مسلم (١) عن بعض شيوخه، ولهذا لم يروه أحد من أهل الكتب المشهورة إلا الترمذي، رواه من طريق الوليد بن مسلم بسياق، ورواه غيره باختلاف في الأسماء، وفى ترتيبها يبين أنه ليس من كلام النبي ﷺ ، وسائر من روى هذا الحديث عن أبي هريرة عن الأعرج (٢). ثم عن أبي الزناد (٣) لم يذكروا أعيان الأسماء بل ذكروا قوله ﷺ : "إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة" وهكذا أخرجه أهل الصحيح

стр. 211

كالبخاري ومسلم وغيرهما. ولكن روى عدد الأسماء من طريق أخرى من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة ورواه ابن ماجة وإسناده ضعيف يعلم أهل الحديث أنه ليس من كلام النبي ﷺ " (١). وإن قيل: فما سبب تخصيص هذا العدد، ولم لم يبلغ مائة؟ قلنا: فيه احتمالان. أحدهما: أن يقال إن المعاني الشريفة بلغت هذا المبلغ لا لأن العدد مقصود. الثاني: أن السبب فيه ما ذكره رسول الله ﷺ قال: "مائة إلا واحدا، والله وتر يحب الوتر". إلا أن هذا يدل على أن هذه الأسامي هي التسمية الإرادية الاختيارية لا من حيث انحصار صفات الشرف فيها، لأن ذلك يكون لذاته لا بإرادة (٢).

стр. 212

الفصل الرابع الصفات يشتمل هذا الفصل بعد التمهيد في تقسيم الصفات على: ١ - الحياة. ٢ - العلم. ٣ - القدرة. ٤ - الإرادة. ٥ - الكلام. ٦ - السمع والبصر. ٧ - العز والعزة والكبرياء. ٨ - النفس والذات. ٩ - الوجه. ١٠ - العين. ١١ - اليد. ١٢ - الأصابع. ١٣ - الجنب. ١٤ - الساق. ١٥ - القدم. ١٦ - الاستواء. ١٧ - النزول. ١٨ - الرؤية.

стр. 213

التمهيد للعلماء طرق مختلفة في تقسيم الصفات الإِلهية. فالسلف يقسمونها إلى قسمين: صفات ذاتية، وصفات فعلية. فالصفات الذاتية هي الملازمة للذات المقدسة فلا تنفك عنها وهي قسمان: سمعية وعقلية: كالقدرة، والإرادة، والعلم ... وخبرية: كالوجه واليدين، والعين ... والصفات الفعلية: هي الأمور المتعلقة بمشيئة الله وإرادته يفعلها متى شاء، وإذا شاء كيف شاء، وهي قسمان أيضًا: - سمعية وعقلية: كالخلق والرزق والاعطاء والمنع ... وخبرية: كالمجيء، والنزول، والاستواء (١) ... وجمهور الأشاعرة يقسمون الصفات إلى أربعة أقسام: نفسية، وسلبية، ومعان، ومعنوية. فالنفسية يعرفونها: بأنها هي الوصف الدال على الذات دون معنى زائد عليه. وهي الوجود.

стр. 214

والسلبية: ويقصد بها الصفات التي تنفي عن الله تعالى ما لا يليق بجلاله، كالقدم، والبقاء. وصفات المعاني: ويقصد بها ما يدل على معنى زائد على الذات وهي الصفات السبع، الحياة والقدرة، والإرادة، والعلم، والكلام، والسمع، والبصر. والمعنوية: ويقصد بها الأحوال الثابتة للذات إذا قامت بها المعاني، عند من يثبت الأحوال (١). أما ابن حزم فليس لديه تقسيم للصفات وعند الكلام عليها يعنون بقوله: "الكلام في العلم، الكلام في سميع وبصير" ونحو ذلك فحرصنا أن نعرض مذهبه كما هو قبل أن نبدأ بنقده. فلم نتعرض لهذه المسالة. ١ - الحياة يذهب أبو محمد بن حزم إلى تسمية الله ﵎ "بالحي" لورود النص بذلك كما قال تعالى: " ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾ " (٢) وقوله: " ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ " (٣) وغيرهما من الآيات.

стр. 215

ويقول: إن النص لم يأت بإثبات أن له حياة فلا نقول بذلك. ثم إنه تعالى لو كان حيًّا بحياة لم تزل، وهي غيره لوجب ضرورة أن يكون تعالى مؤلفًا مركبًا من ذاته وحياته، وسائر صفاته فيكون كثيرًا لا واحدًا وهذا إبطال الإسلام (١). لما كان أبو محمد بن حزم يلتزم بإثبات ما ورد الله ﵎ من الأسماء بألفاظها الواردة بحرفيتها إثباتًا مجردًا، دون إثبات ما تدل عليه تلك الأسماء من الصفات أثبت أن الله حي، دون أن يقول بأن له حياة لعدم ورود ذلك بالنص الصريح. وقد بينا عند الكلام على اتصاف الله بالصفات أن قول سلف الأمة إثبات ما ورد من الأسماء، وما تدل عليه من صفات خلافًا لمن نفى ذلك كابن حزم ولا نكررما سبق فليراجع هناك (٢). والذي نقول هنا: إن الله جل وعلا صفة حياة حقيقية لازمة لذاته لائقة بكماله وجلاله (٣). يقول البيهقي: فهو حي "الله" وله حياة يباين بها صفة من ليس بحي" (٤). واستدل القائلون بأن الله تعالى حياة بما ورد في القرآن الكريم من
следующие страницы →