← Акыда

Акыда · id 116

ابن حزم وموقفه من الإلهيات عرض ونقد

أحمد بن ناصر الحمد

Полный текст (510 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

كالبخاري ومسلم وغيرهما. ولكن روى عدد الأسماء من طريق أخرى من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة ورواه ابن ماجة وإسناده ضعيف يعلم أهل الحديث أنه ليس من كلام النبي ﷺ " (١). وإن قيل: فما سبب تخصيص هذا العدد، ولم لم يبلغ مائة؟ قلنا: فيه احتمالان. أحدهما: أن يقال إن المعاني الشريفة بلغت هذا المبلغ لا لأن العدد مقصود. الثاني: أن السبب فيه ما ذكره رسول الله ﷺ قال: "مائة إلا واحدا، والله وتر يحب الوتر". إلا أن هذا يدل على أن هذه الأسامي هي التسمية الإرادية الاختيارية لا من حيث انحصار صفات الشرف فيها، لأن ذلك يكون لذاته لا بإرادة (٢).

стр. 212

الفصل الرابع الصفات يشتمل هذا الفصل بعد التمهيد في تقسيم الصفات على: ١ - الحياة. ٢ - العلم. ٣ - القدرة. ٤ - الإرادة. ٥ - الكلام. ٦ - السمع والبصر. ٧ - العز والعزة والكبرياء. ٨ - النفس والذات. ٩ - الوجه. ١٠ - العين. ١١ - اليد. ١٢ - الأصابع. ١٣ - الجنب. ١٤ - الساق. ١٥ - القدم. ١٦ - الاستواء. ١٧ - النزول. ١٨ - الرؤية.

стр. 213

التمهيد للعلماء طرق مختلفة في تقسيم الصفات الإِلهية. فالسلف يقسمونها إلى قسمين: صفات ذاتية، وصفات فعلية. فالصفات الذاتية هي الملازمة للذات المقدسة فلا تنفك عنها وهي قسمان: سمعية وعقلية: كالقدرة، والإرادة، والعلم ... وخبرية: كالوجه واليدين، والعين ... والصفات الفعلية: هي الأمور المتعلقة بمشيئة الله وإرادته يفعلها متى شاء، وإذا شاء كيف شاء، وهي قسمان أيضًا: - سمعية وعقلية: كالخلق والرزق والاعطاء والمنع ... وخبرية: كالمجيء، والنزول، والاستواء (١) ... وجمهور الأشاعرة يقسمون الصفات إلى أربعة أقسام: نفسية، وسلبية، ومعان، ومعنوية. فالنفسية يعرفونها: بأنها هي الوصف الدال على الذات دون معنى زائد عليه. وهي الوجود.

стр. 214

والسلبية: ويقصد بها الصفات التي تنفي عن الله تعالى ما لا يليق بجلاله، كالقدم، والبقاء. وصفات المعاني: ويقصد بها ما يدل على معنى زائد على الذات وهي الصفات السبع، الحياة والقدرة، والإرادة، والعلم، والكلام، والسمع، والبصر. والمعنوية: ويقصد بها الأحوال الثابتة للذات إذا قامت بها المعاني، عند من يثبت الأحوال (١). أما ابن حزم فليس لديه تقسيم للصفات وعند الكلام عليها يعنون بقوله: "الكلام في العلم، الكلام في سميع وبصير" ونحو ذلك فحرصنا أن نعرض مذهبه كما هو قبل أن نبدأ بنقده. فلم نتعرض لهذه المسالة. ١ - الحياة يذهب أبو محمد بن حزم إلى تسمية الله ﵎ "بالحي" لورود النص بذلك كما قال تعالى: " ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾ " (٢) وقوله: " ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ " (٣) وغيرهما من الآيات.

стр. 215

ويقول: إن النص لم يأت بإثبات أن له حياة فلا نقول بذلك. ثم إنه تعالى لو كان حيًّا بحياة لم تزل، وهي غيره لوجب ضرورة أن يكون تعالى مؤلفًا مركبًا من ذاته وحياته، وسائر صفاته فيكون كثيرًا لا واحدًا وهذا إبطال الإسلام (١). لما كان أبو محمد بن حزم يلتزم بإثبات ما ورد الله ﵎ من الأسماء بألفاظها الواردة بحرفيتها إثباتًا مجردًا، دون إثبات ما تدل عليه تلك الأسماء من الصفات أثبت أن الله حي، دون أن يقول بأن له حياة لعدم ورود ذلك بالنص الصريح. وقد بينا عند الكلام على اتصاف الله بالصفات أن قول سلف الأمة إثبات ما ورد من الأسماء، وما تدل عليه من صفات خلافًا لمن نفى ذلك كابن حزم ولا نكررما سبق فليراجع هناك (٢). والذي نقول هنا: إن الله جل وعلا صفة حياة حقيقية لازمة لذاته لائقة بكماله وجلاله (٣). يقول البيهقي: فهو حي "الله" وله حياة يباين بها صفة من ليس بحي" (٤). واستدل القائلون بأن الله تعالى حياة بما ورد في القرآن الكريم من

стр. 216

ذكر "الحي" كما في قوله تعالى: " ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١)﴾ " (١) وقوله: " ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾ " (٢) وقوله: " ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ " (٣) وقوله: " ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ " (٤) على أنه لا يكون حيا إلا بحياة كما هو رأي أهل السنة قاطبة، والحياة عندهم من صفات الكمال بل هي مستلزمة لجميع صفات الكمال وكل كمال لا نقص فيه ثبت لمخلوق وأمكن أن يتصف به الخالق فهو به أولى (٥). يقول ابن أبي العز الحنفي: "إن الحياة مستلزمة لجميع صفات الكمال ولا يتخلف عنها صفة منها إلا لضعف الحياة فإذا كانت حياته تعالى أكمل حياة وأتمها استلزم إثباتها إثبات كال كمال يضاد نفيه كمال الحياة" (٦). ومما نستدل به على إثبات صفة الحياة لله تعالى ما استدل به أهل الملل وغيرهم على أن الله "حي" لأن إثبات ذلك مما اتفق عليه الكل (٧).

стр. 217

فنقول: يدل على أن الله ﵎ حي فيما لم يزل ظهور الأفعال منه لاستحالة ظهورها ممن يجهلها ويعجز عنها فهو عالم قادر ويستحيل قيام العلم والقدرة بغير الحي (١). ومعنى هذا الدليل أن من شرط من يتصف بالعلم والقدرة. أن يكون حيًّا إذ أن ما ليس بحي يمتنع أن يكون عالمًا، والعلم بهذا ضروري وهذه الشروط العقلية لا تختلف شاهدا ولا غائبًا فتقدير عالم بلا حياة ممتنع بصريح العقل (٢). ونجيب من قال: إن الله تعالى "حي" ولم يقل بأن له حياة، أنا وجدنا اسم حي اشتق من حياة وكذلك سميع وبصير من سمع وبصر، ولا تخلو أسماء الله تعالى من أن تكون مشتقة لإفادة معناه، أو تكون على طريق التلقيب، ولا يجوز أن يسمى الله على طريق التلقيب باسم لا يفيد معناه، وليس مشتقا من صفة كقولنا: زيد، وعمرو. على مسمى بهما. وإذا كان قولنا عن الله ، حي، سميع، بصير. ليس تلقيبًا بل ذلك مشتق من حياة، وسمع، وبصر، فقد وجب إثبات الحياة، وإن كان ذلك لإفادة معناه فلا يختلف ما هو لإفادة معناه، ووجب إذا كان معنى الحي منا أن له حياة، أن يكون كل حي فهو ذو حياة ولا محذور هنا كما إذا كان قولي

стр. 218

موجود مفيدًا فينا الإثبات كان الباري تعالى واجبًا إثباته لأنه موجود. وهذا الدليل يدل على إثبات صفات الله تعالى لذاته من القدرة والعلم والسمع، والبصر (١). وقول ابن حزم - إنه لو كان له حياة لكانت لم تزل "وهي غيره" فيكون مركبًا من ذاته وحياته فتحصل بذلك الكثرة - غير مسلم، إذ المثبتون لصفة الحياة لا ينكرون قدم هذه الصفة فهي قديمة بقديم، ولا يقولون إنها غيره، ولا إنها ليست غيره (٢) لما في لفظ الغير من الإجمال، فنفيه وإثباته يوهم معنى فاسدًا فيجب أن يستفصل عن المقصود بلفظ "الغير" فإذا كان القصد بقوله "إنها غيره" غيرًا منفصلًا عنه فهذا غير صحيح لأن صفات الباري ﵎ لازمة لذاته لا تنفك عنه وليست غيرًا بهذا الاعتبار. وإن كان القصد "بالغيرية" أن هناك ذاتًا وصفات يمكن الشعور بالذات دون الصفات، والعلم بها دونهن فليس هذا غيرا حقيقة، وإنما هو مباينة في الذهن لكونه قد يعلم هذا دون هذا، وهو لا ينفي التلازم في نفس الأمر (٣). وقول ابن حزم "إن إثبات حياة لم تزل وهي غيره، يحصل بذلك الكثرة من ذات وحياة". هذا القول هو بعينه مذهب المعتزلة الذين ينفون الصفات خوفًا من تعدد القدماء مع الله تعالى، لأن في إثباتها - كما يزعمون - مشاركة

стр. 219

لله في القدم الذي هو أخص صفاته فتشاركه في الإلهية (١). وهذا المذهب مأخور عن الفلاسفة الذين لا يثبتون إلا الذات المجردة عن كل كثرة (٢). وقد أشرنا قريبًا إلى أن إثبات الصفات ليس فيه إثبات قديم مع الله غيره، ونزيد ذلك وضوحًا فنقول لما كان لفظ "الغير" بالنسبة لصفات الله تعالى من الألفاظ المبتدعة المجملة كان السلف من هذه الإمة لا يطلقون على صفات الله أنها "غيره" ولا أنها ليست غيره، بل يستفصلون ممن أثبت أو نفى. فإن أريد "بالغير" أن ذلك شيء بائن عنه فهذا باطل، وإن أريد به ما يمكن الشعور بأحدهمًا دون الآخر فقد يذكر الله تعالى من لا يشعر حينئذ بكل معاني أسمائه، بل وقد لا يخطر له حينئذ أنه عزيز، وأنه حكيم. وإذا أريد هذا فإنما يفيد المباينة في ذهن الإنسان لكونه قد يعلم هذا دون هذا. وذلك لا ينفي التلازم في نفس الأمر، فهي معان متلازمة لا يمكن وجود الذات دون هذه المعاني، ولا وجود هذه المعاني دون وجود الذات، واسم الله، إذا قيل الحمد لله، أو قيل باسم الله يتناول ذاته وصفاته ولا يتناول ذاتًا مجردة عن الصفات، ولا صفات مجردة عن الذات، فصفاته داخلة في مسمى أسمائه فلا يقال إنها غيره - على معنى أن

стр. 220

هناك ذاتًا وصفات كل وحده لأن هذا غير موجود في الخارج، وإنما هو مما يعرض للذهن فليس هناك كثرة على ما يدعون ولا يقال إنها زائدة على الذات. إلا إذا أريد أنها زائدة عى ما أثبته أهل النفي من الذات المجردة فهو صحيح، فإن أولئك قصروا في الإثبات فزاد المثبتون عليهم فقالوا الرب له صفات زائدة على ما علمتموه. وإن أريد بالتكثر والزيادة مع الذات وعليها، أي على الموجودة في نفس الأمر فهو كلام متناقض لأنه ليس في نفس الأمر ذات مجردة حتى يقال إن الصفات زائدة عليها كما بينا قريبًا، أنه لا يمكن وجود الذات إلا بما به تصير ذاتًا من الصفات، ولا يمكن وجود الصفات إلا بما به تصير صفات من الذات فتخيل وجود أحدهما دون الآخر ثم كثرته معه أو زيادته عليه تخيل باطل (١). ٢ - العلم يذهب أبو محمد بن حزم إلى أن الله تعالى علمًا حقيقة لقوله تعالى: " ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ " (٢)، وعلمه لم يزل، وهو غير مخلوق، وليس هو غير الله تعالى، ولا نقول هو الله (٣). وليس هو غير القدرة، ولا القدرة غير العلم إذ لم يأت دليل بغير هذا (٤).

стр. 221

ويقول ابن حزم: "وثبت ضرورة أن علم الله تعالى ليس عرضًا ولا جسمًا أصلًا لا محمولًا فيه ولا في غيره" (١). ويقول بعموم علم الله ﵎ وأنه لم يزل عليمًا بكل ما كان أويكون مما دق أوجل لا يخفى كليه شيء لقوله تعالى " ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ " (٢). وهذا عموم لا يجوز أن يخص منه شيء. ويقول تعالى: " ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ " (٣) والأخفى من السر هو ما لم يكن بعده (٤). بعد عرض مذهب ابن حزم في علم الله تعالى. أرى أن الموافق للصواب منه: إثباته أن الله تعالى علما، وأنه لم يزل، وغير مخلوق، وعموم علمه ﵎ بكل ما كان أو يكون مما دق أو جل لا يخفى عليه شيء، ونفي أن يكون علم الله تعالى جسمًا لا محمولًا فيه ولا في غيره. والمخالف فيه: جعله العلم ليس غير القدرة، وليسا غير الله. وقد تعرضنا لهذا المنحى عند اتصاف الله تعالى بالصفات وهل هي الذات أو غيرها (٥). وأما نفي أن يكون العلم عرضًا فغير مسلم على إطلاقه، لأن لفظ "العرض" لفظ مجمل، فلا بد من فهم المعنى المقصود بهذا اللفظ: فإن أريد به ما هو معروف في اللغة من أن الأعراض، هي الأمراض

стр. 222

والآفات، كما يقال: فلان. عرضه عارض من الحمى ونحوها (١). وفلان به عارض من الجن فهذا من النقائص التي ينزه الله عنها (٢). وإن أريد به اصطلاح خاص كما يقال: إن العرض هو الموجود الذي يحتاج في وجوده إلى محل يقوم به كاللون المحتاج في وجوده إلى جسم يقوم به (٣)، فهذا اصطلاح محدث، وليست هذه لغة العرب التي نزل بها القرآن، ولا العرف العام، ولا اصطلاح أكثر الخائضين في العلم بل مبتدعو هذا الاصطلاح، هم من أهل البدع المحدثين في الأمة. وبكل حال فمجرد هذا الاصطلاح وتسمية العلم عرضًا لا يخرجه عن كونه من الكمال الذي يكون المتصف به أكمل ممن لا يمكنه الاتصاف به أو يمكنه ذلك ولا يتصف به (٤). وفي نفي ابن حزم أن يكون علم الله تعالى عرضًا لا محمولًا فيه ولا في غيره إبطال لحقيقة ما أثبت من اتصاف الله تعالى بالعلم. فأصبح إثباته العلم مجرد ظاهر فقط لا معنى له حيث لا يقول بما يتضمن معنى هذا الإثبات، فهو لا يثبت شيئًا اسمه العلم يكون صفة من صفات الذات الإلهية، وإنما يثبت الذات فقط وعلمًا ليس هو غير الذات، أي اسم علم جامد لا يدل على صفة، فهو عنده ليس عالمًا بعلم هو صفة من صفاته فلا معنى لإثباته للعلم، ويكفي

стр. 223

عن هذا المذهب إثبات الذات فقط. وقوله هذا فيما يؤول إليه كقول أبي الهذيل العلاف حيث يقول: "إن الباري تعالى عالم بعلم، وعلمه ذاته" (١). وعندنا أن العلم صفة من صفات ذاته تعالى فهو عالم بعلم قائم بذاته قديم أزلي متعلق بمعلومات غير متناهية (٢). والدليل على اتصاف الله تعالى بالعلم قوله تعالى: " ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ " (٣) وقوله: " ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ (٤). وقوله: " ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ " (٥). والآيات الدالة على إضافة العلم إلى الله تعالى كثيرة. ومما يدل على اتصال الله تعالى بالعلم قوله: " ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ " (٦) وقوله: " ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ " (٧) والذي يعلم كل شيء لابد أن يعلمها بعلم حيث لا يعقل عالم بلا

стр. 224

علم، أي أن كل اسم من أسمائه فهو مشتق من صفة من صفاته. ويدل على أنه تعالى عالم إيجاد الأشياء لاستحالة إيجاده الأشياء مع الجهل بها، لأنه ﵎ خالق والخلق يسبقه القصد والقصد يلزم منه العلم إذ كيف يقصد ما لا يعلمه" (١). ويدل أيضًا على علمه تعالى أن من المخلوقات من هو عالم والعلم صفة كمال، وكل كمال اتصف به المخلوق فالخالق به أولى، بيان هذا من طريقين: الأول: أن الخالق أكمل من المخلوق، والعلم صفة كمال في المخلوق فإذا لم يكن الخالق عالمًا، لزم أن يكون في المخلوقات من هو أكمل منه وذلك محال. الثاني: أن كل علم في المخلوقات فهو منه ﵎ ومن الممتنع أن يكون مبدع الكمال وواهبه عاريًا منه بل هو أحق به، وهو أحق بكل كمال وأولى بالتنزه عن كل نقص (٢).

стр. 225

وحيث ثبت أنه عالم ثبت أن له علمًا ويدل على أنه تعالى عالم بعلم، أنه لا يخلو إما أن يكون تعالى عالمًا بذاته لا بعلم، أو عالمًا، بعلم هو ذاته، أو بعلم ليس ذاته. فإن كان عالمًا بذاته لا بعلم. ففي هذا نفي لصفة العلم نهائيًا، وإثبات لذات مجردة عن الصفة وهذا محال، لأنه لا يوجد في الخارج ذات غير متصفة بالصفات. وإن كان عالمًا بعلم هو ذاته فهذا إثبات ذات هي بعينها صفة، أو صفة هي بعينها ذات وهذا لا يصح. يقول أبو الحسن الأشعري في رد هذا عند استدلاله على أن الله تعالى عالم بعلم: "فإن كان عالمًا بنفسه كانت نفسه علمًا، لأن قائلًا لو قال: إن الله تعالى عالم بمعنى هو غيره لوجب عليه أن يكون ذلك المعنى علمًا، ويستحيل أن يكون العلم عالمًا، أو العالم علمًا، أو يكون الله تعالى بمعنى الصفات. ألا ترى أن الطريق الذي يعلم به أن العلم علم أن العالم به علم، لأن قدرة الإِنسان التي لا يعلم بها لا يجوز أن تكون علمًا. فلما استحال أن يكون الباري تعالى علمًا استحال أن يكون عالمًا بنفسه، فإذا استحال ذلك صح أنه عالم بعلم يستحيل أن يكون هو نفسه" (١). والدليل على علمه تعالى بمعلومات غير متناهية: أنه لو لم يتعلق علمه بجميع المعلومات لكان كماله بالنسبة إلى ما لم يتعلق به علمه من المعلومات أنقص بالنسبة إلى حال من تعلق به علمه من المخلوقين وهو محال.

стр. 226

يقول أبو يعلى: "إنه قد ثبت أنه تعالى قادر في كل وقت على خلق حوادث أكثر مما فعلها أبدًا ولا يجوز أن يأتي عليه زمان لا يصح أن يخلق فيه شيئًا إذ لو جاز ذلك عليه أفضى إلى عجزه. وإذا ثبت أن مقدوراته غير متناهية ثبت أن معلوماته كذلك لأنها لو لم تكن كذلك أفضى إلى جواز الجهل عليه ويتعالى عن ذلك" (١). وعلى هذا فالله عالم بعلم لا حد له هو صفة من صقاته. ٣ - القدرة والقوة يذهب ابن حزم إلى أن قدرة الله تعالى، وقوته حق لقوله " ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ " (٢) وقوله ﷺ : "اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك" (٣). فقدرة الله تعالى عامة فلا يعجز عن شيء، ولا عن كل ما يسأل عنه السائل من محال، أو غيره مما لا يكون أبدًا (٤)، وسواء كان المحال

стр. 227

بالإضافة (١). أو بالوجود (٢)، أو في بنية العقل فيما بيننا (٣)، أو محالًا مطلقًا وهو ما أوجب على ذات البارى ﵎ تغييرًا فهذا هو المحال لعينه وهذا لم يزل محالًا في علم الله تعالى. وبضرورة العقل نعلم يقينًا أن الله تعالى لم يفعله قط، ولا يفعله أبدًا، ولكن لا يجوز أن نصف الله تعالى بعدم القدرة - الذي هو العجز بوجه أصلًا (٤). أما المحال في بنية العقل فلا يكون في هذا العالم البتة، وهذا واقع بالنفس بالضرورة، لكن لا يبعد أن يكون الله تعالى يفعله في عالم له آخر (٥). والدليل على قدرة الله تعالى على هذا المحال: أن الله تعالى هو الذي خلق العقل بعد أن لم يكن، وهو قوة من قوى النفس، عرض محمول فيها أحدثه الله تعالى، وأحدث رتبه على ما هي عليه مختارًا لذلك، فما جعله محالًا فيه فإنما كان محالًا مذ جعله الله محالًا، ولو شاء أن لا يجعله محالًا لما كان محالًا، لأن من اخترع شيئًا لم يكن قط لا على مثال سلف، ولا عن ضرورة أوجبت عليه اختراعه وإنما فعل ذلك مختارًا فإنه قادر على ترك اختراعه، وعلى

стр. 228

اختراع غيره مثله، أو على خلافه ولو لم يكن كذلك لكان مضطرًا لا مختارًا. (١). ويؤيد القول بقدر الله التامة والشاملة لما لم يكن ولا يكون ما ذكر من استطاعته تعالى على هدى من علم أنه لا يهديه، يقول تعالى عن نوح ﵇ أنه قال: " ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ " (٢). مع قوله تعالى: "أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن" (٣) وتعذيب من علم أنه لا يعذب أبدًا: يقول تعالى " ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ " (٤). ويقول تعالى: " ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ " (٥). وتبديل أزواج قد علم أنه لا يبدلهن أبدًا: يقول تعالى: " ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ " (٦). وهذه نصوص تبين قدرته تعالى على إبطال علمه الذي لم يزل، وعلى تكذيب قوله الذي لا يكذب أبدًا.

стр. 229

وقد دل على عموم قدرته بقوله: " ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ " (١). وقوله: " ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ " (٢)، وقوله: " ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ " (٣). وقوله: " ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ " (٤) وقوله: " ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ " (٥). في الآيات عموم للقدرة لم يخصص ولو لم يكن تعالى كذلك لكان متناهي القدرة، ولو كان متناهي القدرة لكان محدثًا تعالى الله عن ذلك (٦). ولكن ابن حزم مع هذا الإثبات المطلق للقدرة. لا يثبتها صفة من صفات الله تعالى، وإنما هي عنده اسم علم يقول: "وعلم الله تعالى. وقدرته وقوته حق وكل ذلك ليس هو غير الله ولا يقال إنه الله ولا العلم غير القدرة ولا القدرة غير العلم إذ لم يأت دليل بغير هذا" (٧). * * * * *

стр. 230

مذهب ابن حزم في قدرة الله تعالى يتلخص فيما يلي: ١ - عموم قدرة الله تعالى لكل ما يسأل عنه السائل لا يحاشى من ذلك شيئًا. ٢ - أن القدرة ليست غير العلم ولا العلم غير القدرة وكل ذلك ليس هو غير الله تعالى، وفي هذا نفي لصفتي العلم والقدرة، وقد تعرضنا لهذه المسألة عند الكلام على اتصاف الله بالصفات (١). أما إثباته عموم القدرة، وعدم وصف الله تعالى بعدم القدرة على شيء ولو كان محالًا مطلقًا، فغير مسلم بالنسبة للمحال المطلق والمحال لذاته. وأما ما سواهما - أي جميع الممكنات - فإنها داخلة تحت القدرة، وهذا ما تؤيده الأدلة. وأما المحال المطلق، وهو ما أوجب على ذات الباري تغييرا - أي الحق ﵎ وصفاته - فإنه غير داخل تحت القدرة وهذا هو المشهور عند أهل العلم. يقول ابن تيمية: "ما تعلقت به المشيئة تعلقت به القدرة فإن ما شاء الله كان، ولا يكون شيء إلا بقدرته، وما تعلقت به القدرة تعلقت به المشيئة فإنه لا يكون شيء إلا بقدرته ومشيئته، وما جاز أن تتعلق به القدرة جاز أن تتعلق به المشيئة، وكذلك بالعكس وما لا فلا. وقوله: "إن الله على كل شيء قدير" (٢)، أي على كل مايشاء

стр. 231

فمنه ما قد شيء فوجد، ومنه ما لم يشأ لكنه شيء في العلم بمعنى أنه قابل لأن يشاء فقوله: "على كل شيء قدير" يتناول ما كان شيئًا في الخارج والعلم، وما كان شيئًا في العلم فقط بخلاف ما لا يجوز أن تتناوله المشيئة وهو الحق تعالى وصفاته أو الممتنع لنفسه" (١). وأما الممتنع لذاته كالجمع بين النقيضين، أي مثل كون الشيء الواحد موجودًا معدومًا في حال واحدة، فهذا لا حقيقة له ولا يمكن تحققه في الخارج ولا يتصوره الذهن ثابتًا فيه إلا على وجه التمثيل، بأن يقدر في الذهبن اجتماع النقيضين ثم يحكم على ذلك بأنه ممتنع في الخارج إذا كان يمتنع تحققه في الأعيان، وتصوره في الأذهان فهو إذا ليس بشيء، وما ليس بشيء فهو غير داخل تحت القدرة (٢). إذ هي عبارة عن الصفة التي يتأتى بها الإِيجاد والإِعدام، والمصحح للمقدورية هو الإِمكان لأن الوجوب والإِمتناع الذاتيين يحيلان المقدورية (٣). وإن قيل: وهل يدخل تحت قدرة الله تعالى ما لم يفعله ولا يفعله مما يصح أن تتعلق به القدرة؟ قلنا: نعم، إذ لو وصفناه تعالى بعدم القدرة عليه وهو مما تتعلق به القدرة؟ لأثبتنا له العجز، وهو عيب ونقص يتنزه الله عنه، ويجب علينا أن ننزه الله تعالى عما نزه عنه نفسه فنفاه عن نفسه كالظلم

стр. 232

والكذب والنسيان وغير ذلك. وإذا لم يفعل ﵎ شيئًا لم يكن عدم فعله له عجز، وإنما لعدم إرادته تعالى فعله، ولو وصف تعالى بعدم القدرة على هذا لم يكن تركه له وتنزهه عنه مدحًا، وإنما يأتي المدح إذا لم يفعله وهو مقدور له، وترك فعله، لأن الاتصاف به نقص والله لا يوصف إلا بما هو مدح وثناء في نفسه، أو يتضمن المدح والثناء له ﵎ كالعلم والقدرة والكلام والإِرادة والسمع والبصر .. الخ. فصح أن الله تعالى قادر على ما لم يفعله مما هو ممكن ولم يشأ فعله . والذي نقول عن القدرة أنها صفة من صفات ذات الله تعالى فهو قادر بقدرة قديمة قائمة بذاته متعلقة بجميع المقدورات غير متناهية بالنسبة إلى ذاتها ولا بالنظر إلى متعلقاتها (١). والدليل على اتصاف الله تعالى بهذه القدرة، وأنها قائمة به قوله تعالى: " ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ " (٢). وقوله: " ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ " (٣). وقوله ﷺ : "اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك" (٤). وفي الآيتين والحديث دلالة على إثبات صفة القدرة لله ﵎.

стр. 233

والآيات الدالة على أن الله ﵎ قادر كثيرًا جدًّا ولا يعقل أن يكون قادرًا إلا من له قدرة قائمة به ومن الآيات قوله ﵎: " ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ " (١) وقوله تعالى: " ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ " (٢) وقوله: " ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ " (٣). ويدل على أن الله تعالى قادر ظهور الأفعال منه تعالى إيجادًا لاستحالة ظهورها من العاجز (٤). وإذا ثبت أنه قادر وجب أن يكون له قدرة بيان هذا كما قال ابن تيمية: "إن الفاعل إما مجرد الذات، وإما الذات بصفة فإن كان الأول فمعلوم أن العلة التامة تستلزم وجود المعلول، فإذا كان مجرد الذات هو الواجب فمجرد الذات علة تامة فيلزم وجود المعلول جميعه، ويلزم قدم جميع الحوادث وهو خلاف المشاهد. وإن كان الثاني فالصفة التي يصلح بها الفعل هي القدرة، أو يقال فإذا لم يكن موجبًا لذاته بل بصفة تعين أن يكون مختارًا فإنه إما موجب بالذات، وإما فاعل بالاختيار والمختار، إنما يفعل بالقدرة، إذ القادر هو الذي إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل فأما من يلزمه المفعول بدون إرادته فهذا ليس بقادر بل ملزوم بمنزلة الذي تلزمه الحركات الطبيعية التي لا قدرة له على فعلها ولا تركها" (٥). ومما يدل أيضًا على أن الله تعالى قادر بقدرة، أنه لا يخلو إما أن يكون تعالى قادرًا بذاته لا بقدرة، أو قادرًا بقدرة هي ذاته أو بقدرة ليست ذاته.

стр. 234

فإن كان قادرًا بذاته لا بقدرة ففي هذا نفي لصفة القدرة نهائيًا، وإثبات لذات مجردة عن الصفة وهذا محال، لعدم وجود ذات في الخارج غير متصفة بالصفات. وإن كان قادرًا بقدرة هي ذاته ففي هذا إثبات لذات هي بعينها صفة، أو صفة هي بعينها ذات، وهذا يوجب أن تكون ذاته قدرة، لأن قائلًا لو قال: إن الله تعالى قادر بمعنى هو غيره لوجب عليه أن يكون ذلك المعنى قدرة ويستحيل أن تكون القدرة قادرًا، أو القادر قدرة، أو يكون الله تعالى بمعنى الصفات. ألا ترى أن الطريق الذي يعلم به أن القدرة قدرة أن القادر به قدر لأن علم الإنسان الذي لا يقدر به، لا يجوز أن يكون قدرة، فلما استحال أن يكون الباري ﵎ قدرة استحال أن يكون قادرا بنفسه فإذا استحال ذلك صح أنه قادر بقدرة يستحيل أن تكون هي نفسه (١). تلك بعض الأدلة على أن الله تعالى متصف بالقدرة والله أعلم. * * * * *

стр. 235

٤ - الإِرداة يرى ابن حزم صحة القول بأن الله "أراد، ويريد ما أراد، ولا يريد ما لم يرد" أخذا بظاهر قوله تعالى: " ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ " (١)، وقوله: " ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا﴾ " (٢) وقوله: " ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٣). وقوله: " ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ " (٤). وقوله: "فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإِسلام، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا" (٥) ونحو هذه الآيات. ويحكم بالترادف بين المشيئة والإِرادة، ويرى أن كلا منهما مشترك لفظي له معنيان" (٦). أحدهما: الرضى والاستحسان فهذا منهى عن الله تعالى أنه أراده، أوشاءه في كل ما نهى عنه.

стр. 236

والثاني: أن يقال أراد وشاء بمعنى أراد كونه وشاء وجوده فهذا هو الذي نخبر به عن الله في كل موجود في العالم من خير أو شر (١). ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وهذا على عمومه موجب أن كل ما في العالم كان أو يكون أي شيء كان فقد شاءه الله تعالى، وما لم يكن ولا يكون فلم يشأه الله تعالى يقول تعالى: " ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ (٢). والآية نص صريح على أنه تعالى أراد كون كل ذلك (٣). فأثبت أن المشيئة هي الإِرادة، وأنه يقال أراد الله، ويريد، ولم يرد، ولا يريد، وأن الإِرادة هي الخلق، ولا إرادة له إلا ما خلق، ونفى أن يكون له إرادة لم تزل، وأن يكون مريدا، حيث لم يأت نص بهذا، ولم يأت عن أحد من السلف ﵃، ولأن الإِرادة لو كانت لم تزل لكان المراد لم يزل بنص القرآن يقول تعالى: " ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ " (٤). فأخبر تعالى أنه إذا أراد الشيء كان وهذا محل إجماع من المسلمين ما شاء الله كان (٥). هذا المذهب - إثبات أن الله أراد، ويريد ما أراد ولا يريد ما لم يرد، وأن المشيئة هي الإرادة، ووقوعها على معنيين - رأي، تؤيده الأدلة الصحيحة، وهو ما ذهب إليه سلف الأمة فيثبتون الله تعالى ما أثبته لنفسه، وأثبته له رسوله ﷺ .

стр. 237

ويقولون: إن المشيئة هي الإِرادة (١)، ويقسمون الإِرادة إلى كونية خلقية، وهي المستلزمة لوقوع المراد عمومًا في العالم ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. وإلى دينية أمرية شرعية وهي المتضمنة للمحبة والرضا (٢). تلك إشارة إلى ما كان محل اتفاق بيننا وبين ابن حزم في القول بالإِرادة ويبدأ الاختلاف بعد ما يجمد ابن حزم على إثبات هذه الظواهر دون ما تدل عليه من معاني فينفي أن يكون الله إرادة لم تزل ويجعلها الخلق، ولا يقول إن الله تعالى مريد. وهذا الرأي - نَفْيُ أن يكون الله إرادة لم تزل، وأن لا إرادة له إلا ما خلق - يوافق مذهب من ينفي اتصاف الله تعالى بالصفات حيث قال به

стр. 238

أبو الهذيل العلاف من المعتزلة فيما حكاه عنه الكعبي (١). وقول أهل الإِثبات في الإرادة، أنها صفة من صفات الذات المقدسة. ويقولون: إن الله مريد بإرادة قديمة النوع حادثة الآحاد (٢) يقول ابن تيمية: "إنه (الله) لم يزل مريدًا بإرادات متعاقبة فنوع الإِرادة قديم وأما إرادة الشيء المعين فإنما يريده في وقته" (٣). وعلى هذا كثير من سلف الأمة وأئمتها، فهم يصفون الله تعالى بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل لقوله سبحانه: " ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ " (٤). فلا مثل له لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله لقوله: " ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ " (٥). ولقوله: " ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ " (٦). ولقوله: " ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ " (٧). إلى غير ذلك مما فيه وصف الله تعالى وتفرده بصفات الكمال وتنزهه عن النقائص.

стр. 239

ولا شك أن من يعمل بإرادة واختيار أكمل ممن يكون العمل لازمًا له، لأن الثاني لا يسمى قادرًا على الفعل. والإِرادة ينقسم جنسها إلى محمود ومذموم كالعدل، والظلم والله تعالى لا يوصف إلا بالمحمود دون المذموم فأتى ما يوصف الله تعالى به من الإرادة في أسماء تخص المحمود كاسمه الحكيم والرحيم والرؤوف والحليم ونحو هذا مما يتضمن معنى الإرادة. ونزه نفسه عن بعض أنواعها بقوله: " ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ " (١). وقوله: " ﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ " (٢). وأثبت إرادته بما فيه الرأفة والرحمة بالعباد بقوله: " ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ " (٣). وقوله: " ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ " (٤) (٥). الأدلة العقلية على أن الله متصف بالإِرادة: الدليل الأول: أن الحي إذا لم يتصف بالإِرادة اتصف بضدها كالسهو والإِكراه وما في معناهما من الآفات. كما أنه إذا لم يكن عالمًا أصلًا كان موصوفًا بضد ذلك من الجهل والسهو والغفلة أو الموت أو ما أشبه ذلك، فيستحيل أن يكون الله تعالى لم يزل موصوفًا بضد الإِرادة لأن هذا

стр. 240

يوجب أن لا يريد شيئًا على وجه من الوجوه لأن الله تعالى إذا كان لم يزل متصفًا بضد الإِرادة، وجب أن يكون قديمًا ومحال عدم القديم وحدوثه، فإذا استحال عدمه وجب أن لا يريد الباري شيئًا على وجه من الوجوه، وذلك فاسد، وإذا فسد هذا صح أن الباري لم يزل مريدًا" (١). الدليل الثاني: يدل على أن الله تعالى متصف بالإِرادة ما في العالم من التخصيصات كتخصيص كل شيء بما له من القدر والصفات والحركات كطوله وقصره وطعمه ولونه وريحه وحياته وقدرته وعلمه وسمعه وبصره، وسائر ما فيه، وهو ليس واجب الوجود بنفسه، فهو ممكن أن يكون على خلاف ذلك، والذات المجردة عن الإِرادة لا تخصص فلابد من صفة وراء الذات بها كان التخصيص وتلك هي الإِرادة. (٢). الدليل الثالث: أن الله سبحانه لو لم يكن ذا إرادة، لاستحال منه ترتيب الأفعال ووضعها مواضعها، كاستحالة ذلك ممن ليس بعالم فأفعاله المرتبة

стр. 241

دليل على أنه سبحانه مريد ذلك بإرادة هي صفة من صفاته (١). الدليل الرابع: هو أن المخلوقات تنقسم إلى قسمين: مريد، وغير مريد، والمريد أكمل من غير المريد، لأن غير المريد هو الموات والجماد. فعدم الإِرادة صفة نقص. فثبوتها صفة كمال، وكل كمال هو في المخلوق مستفاد من الخالق فالخالق به أحق وأولى (٢). وبثبوت أن الإِرادة صفة من صفات الذات الإِلهية رد لما ذهب إليه ابن حزم من القول "بأن لا إرادة له إلا ما خلق" إذ أن هذا نفي لاتصاف الله تعالى بالصفة، وقد بينا بالأدلة ثبوتها. وقد احتج على نفي الصفة بعدم ورود النص، والمثبتون للإِرادة يقولون: إن الأسماء الحسنى الثابتة الله تعالى بالنص دالة على وصفه بالصفات، فهو مريد بإرادة (٣). وكل اسم من أسمائه فهو مشتق من صفة من صفاته أو فعل قائم به. ومن منع هذا جعل أسماءه تعالى ألفاظًا فارغة عن المعاني لا حقائق لها، وهذا هو الإِلحاد فيها، وإنكار أن تكون حسنى وقد قال تعالى: " ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ " (٤). وقد دل القرآن والسنة على إثبات مصادر هذه الأسماء له سبحانه وصفًا كقوله: " ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ

стр. 242

جَمِيعًا﴾ " (١). وقوله: " ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ " (٢). ولولا هذه المصادر لانتفت حقائق الأسماء والصفات والأفعال، فإن أفعاله غير صفاته، وأسماءه غير أفعاله وصفاته فإذا لم يقم به فعل ولا صفة فلا معنى للاسم المجرد وهو بمنزلة صوت لايفيد شيئًا (٣). لهذا اتفق أهل السنة على القول بأن الله " ﴿مَرِيدٍ﴾ " لأن معناه حق، ولأنه لا يعقل أن يكون المتصف بإرادة قائمة به ليس مريدًا لما ذكرناه من إثبات مصادر تلك الأسماء (٤). قدم إرادة الله تعالى: إذا قيل إن الله ﵎ لم يزل مريدًا لما شاء وغير مريد لما لم يشأ لم يكن هذا ممتنعًا بل إن هذا هو الواجب، لأن الإِرادة صفة كمال لا نقص فيها والرب أحق أن يتصف بذلك إذ كل كمال لا نقص فيه ثبت للمخلوق وأمكن أن يتصف به الخالق فالخالق أولى به، ولأن الواجب الخالق أحق بالكمال المطلق من المحدث الممكن المخلوق، وكل كمال ثبت لمخلوق فإنما هو من الخالق وما جاز اتصافه به من

стр. 243

الكمال وجب له، فإنه لو لم يجب له لكان إما ممتنعًا وهو محال. وإما ممكنا فيتوقف ثبوته له على غيره، والرب لا يحتاج في ثبوت كماله إلى غيره فإن معطي الكمال أحق به، فيلزم أن يكون غيره أكمل منه لو كان غيره معطيًا له الكمال وهذا ممتنع، بل هو بنفسه المقدسة مستحق لصفات الكمال فلا يتوقف ثبوت كونه مريدًا على غيره فيجب ثبوت كونه مريدًا، وأن ذلك لم يزل ولا يزال. ثم إن من يفعل بإرادة أكمل ممن يكون الفعل لازمًا له بدون إرادة، والذي لم يزل مريدًا لما شاء أكمل ممن صار مريدًا بعد أن لم يكن له إرادة (١). والدليل على قدم إرادة الله تعالى قوله: " ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ " (٢). والفعل والإرادة متلازمان فما أراد أن يفعل فعل، وما فعله فقد أراده فهو سبحانه يفعل بإرادة ومشيئة ولم يزل كذلك، لأنه سبحانه ذكر - فعله لما يريد - في معرض المدح والثناء على نفسه، وأن ذلك من كماله سبحانه ولا يجوز أن يكون عادمًا لهذا الكمال في وقت من الأوقات أزلًا وأبدًا (٣). ويدل أيضًا على قدم إرادة الله تعالى، ما ذكرنا في الدليل الأول من أدلة اتصاف الله تعالى بالإِرادة وقد سبق قريبًا (٤).

стр. 244

والقول بنفي الإِرادة القديمة يلزم منه التعطيل قبل ذلك أي أن الله لم يزل غير مريد ثم صار مريدًا تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا" (١). واستدلال ابن حزم على عدم أزلية الإِرادة، بأنها لو كانت لم تزل لكان المراد لم يزل لقوله تعالى: " ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ " (٢). فغير مسلم، ولا يلزم من قدم الإِرادة قدم المراد بل إن المراد متأخر عنها (٣). يقول القاضي أبو يعلى: "والإرادة ليست بموجبة أصلًا سواء كانت مقدورة للمريد ومن فعله أو غير مقدور وغير فعل له، وسواء كانت الإِرادة قديمة أو محدثة أو قبل المراد أو معه .. والدلالة عليه أن كونها موجبة لا يخلو إما أن تكون بمعنى أنها سبب مؤكد للمراد، أو على أنها علة للحكم، أو على أنها فارضة ملزمة له، فيستحيل أن تكون مؤكدة لقيام الدلالة على إرادة قديمة، والإِرادة القديمة لا يصح أن تكون علة للمحدث ولا سببًا له، لأن السبب والعلة لا تتقدم مشيئته ومعلوله، ولا يجوز أن تكون ملزمة وفارضة لأن الملزم لا يكون ملزمًا إلا بالزام وذلك محال في صفة الإِرادة .. لقيام الدلالة على أن جميع أفعال العباد حادثة من قبل الله تعالى، وبقدرته القديمة دون قدرة العبد واستحال كون العبد محدثًا موجدًا" (٤). ولنا أن نقول: إذا كانت إرادة الله تعالى غير قديمة فهي محدثة،

стр. 245

وإذا كانت محدثة وجب على هذا أن يكون الله تعالى غير مريد قبل ذلك فيكون معطلًا تعالى الله عن هذا علوًا كبيرًا. ثم لو كانت الإرادة محدثة لم يجز خروجها بدلا من ضدها إلا بإرادة أخرى، وتلك الإرادة بإرادة أخرى إلى غير نهاية، وذلك يحيل الحوادث رأسًا فدل ذلك على أن ارادة الله قديمة (١). واستدلال ابن حزم بالآية على ما ذهب إليه، لا يستقيم، وليس في الآية دلالة على قدم مراد الله، إذا كانت إرادته قديمة، وخاصة على مذهب من يقول بتجدد الإرادة عند إرادة الله تعالى إيجاد الأشياء في وقتها المخصص لإيجادها، لأن على مذهب هؤلاء أن الله متصف بالإرادة أزلًا وأبدًا، ولا يقال إن الكه يكون مريدًا في وقت دون وقت، فنوع الإرادة قديم وآحادها متجددة عند إرادة الله تعالى إحداث الأشياء فتحدث عقب إرادته للشيء وقوله تعالى ﴿كُنْ﴾ فيكون عقبة لامعة في الزمان، ولا متراخيًا عنه (٢). ٥ - الكلام مذهب ابن حزم في القرآن أنه كلام الله على الحقيقة بلا مجاز نزل به جبريل ﵇ على قلب محمد ﷺ كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ

стр. 246

الْمُنْذِرِينَ﴾ (١). ويرى أن القران، وكلام الله لفظ مشترك يعبر به عن خمسة أشياء: ١ - الصوت المسموع يسمى قرآنا حقيقة لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (٤) وصدق مؤمني الجن في قولهم: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ (٥). فصح بهذا أن المسموع وهو الصوت الملفوظ به هو القران حقيقة وهو كلام الله تعالى. والصوت هو الهواء المندفع من الصدر والحلق والحنك واللسان والأسنان، والشفتين إلى آذان السامعين بحروف الهجاء. وحروف الهجاء والهواء كل ذلك مخلوق. يقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (٦). وقال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (٧). واللسان العربي ولسان كل قوم كل ذلك مخلوق بلاشك. ٢ - المفهوم من صوت القارىء يسمى قرآنًا وكلام الله على الحقيقة والمعبر عنه في القران كله مخلوق حاشا الله تعالى وتقدس خالق

стр. 247

كل ما دونه. ٣ - المصحف كله يسمى قرآنًا وكلام الله لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ (١). وقد نهى الرسول ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (٢). فقد سمى رسول الله ﷺ المصحف قرآنا إذ نهى أن يسافر به إلى أرض الحرب لئلا يناله العدو. أما الورق، والمداد المكون منه المصحف وحركة اليد في خطه فكل ذلك مخلوق. ٤ - والمستقر في الصدور يسمى قرآنًا لقوله ﷺ : إذ أمر بتعاهد القرآن فقال: "إنه أشد تفصيًا من صدور الرجال من النعم من عقلها" (٣). وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (٤). واستقرار القرآن في الصدور عرض والأعراض مخلوقة، وعيسى ﵇ هو كلمة الله تعالى وهو مخلوق، قال تعالى: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ (٥).

стр. 248

٥ - وعلم الله تعالى لم يزل وهو كلامه غير مخلوق وليس هو غير الله تعالى برهان ذلك قول الله : ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ (٢). يقول ابن حزم: ولما كان اسم القرآن يقع على هذه المعاني الخمسة وقوعًا مستويًا صحيحًا ويعبر عن كل معنى بأنه قرآن وأنه كلام الله تعالى بنص القرآن والسنة كما ذكرنا منها أربعة مخلوقة كما بينا ذلك وأوحد غير مخلوق لم يجز البتة لأحد أن يقول إن القرآن مخلوق، ولا أن كلام الله مخلوق، لأن قائل هذا كاذب إذ أوقع صفة الخلق على ما لا يقع عليه، مما يقع عليه اسم قرآن، واسم كلام الله ووجب ضرورة أن يقال إن القرآن وكلام الله لا خالق له ولا مخلوق، لأن الأربع مسميات منه ليست خالقة، ولأن المعنى الخامس غير مخلوق، . فلا يجوز إطلاق اسم خالق على القرآن أو كلام الله، إذ لا يجوز أن توضع صفة البعض على الكل الذي لا تعمه تلك الصفة بل واجب أن يطلق نفي تلك الصفة التي للبعض على الكل (٣). ويرى ابن حزم بأن لله تعالى كلامًا، وأنه كلم موسى، ومن كلم من الأنبياء والملائكة ﵈ تكليمًا حقيقة لا مجازًا بكلام مسموع بالآذان معلوم بالقلوب بخلاف القول فإنه يكون بوسيطة مكلم غير الله تعالى.

стр. 249

ويتناقض عند القول بأن الله تعالى "متكلم". ففي الفصل والمُحلى، ينفي أن يقال بأن الله تعالى متكلم لأنه تعالى لم يسم بذلك نفسه يقول تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (١) ويقول: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ (٢). ويقول: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ (٣). فهذا ما سمى الله تعالى به نفسه (٤). وفي كتاب الأصول والفروع يثبت أن الله لم يزل متكلمًا، وأن الكلام لا يكون إلا من متكلم يقول: "وكلام الله تعالى صفة قديمة من صفاته، ولا توجد صفاته إلا به ولا تبين منه لأنه لم يزل متكلمًا كما أن قدرته لا تبين منه لأن الكلام لا يكون إلا من متكلم، ولا تكون القدرة إلا من قدير .. ويقول: "والله لم يزل متكلمًا ليس لكلامه أول ولا آخر (٥). تبين لنا من عرض مذهب ابن حزم في كلام الله تعالى أنه قريب من مذهب السلف حيث قال: إن القرآن هو كلام الله تعالى على الحقيقة بلا مجاز ويعبر به عن خمسة أشياء، الصوت المسموع، والمفهوم من الصوت، والمصحف كله، والمستقر في الصدور وعلم الله وهو كلامه. وبين اشتمال الأربعة الأولى على ما هو مخلوق مما هو من صفات العباد، وهو بهذا موافق لمذهب السلف فهم لا يقولون بأن ما هو من أفعال العباد غير مخلوق. ولكنهم لا يطلقون الحكم

стр. 250

جزافًا لما في النفي والإثبات من الاجمال، وكل ما ذكر ابن حزم عند التفصيل أنه مخلوق فالسلف لا يخالفونه فيه. ولكنهم لا يقولون كقوله بأن أربعة الأشياء التي يعبر بالقرآن عنها مخلوقه بل يفصلون فما كان فعلًا للعبد فمخلوق وما ليس بفعل له فغير مخلوق. ويخالفون ابن حزم في قوله، إن القرآن ليس غير الله، وهذا ما قد تعرضنا له عند الكلام على اتصاف الله بالصفات (١)، ويخالفونه في قوله إن الله ليس متكلمًا. ويوافقهم في قوله الأخر "إنه لم يزل متكلمًا". وسأقرر المذهب الذي أرى أنه الصواب في كلام الله تعالى ليتضح ما قلت عن مذهب ابن حزم في كلام الله من نقاط الاتفاق والاختلاف بكلام مختصر عن مسماه، واتصاف الله به ثم بيان كون القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، وأنه المتلو والمسموع والمكتوب في المصاحف، وبيان ما يضاف إلى العباد من القراءة والكتابة وغيرهما مما هو من أفعالهم. مسمى الكلام: يقال إن مسمى الكلام في الأصل: "هو اللفظ الدال على المعنى، وقيل المعنى المدلول عليه باللفظ، وقيل: لكل منهما بطريق الاشتراك اللفظي، وقيل بل هو اسم عام لهما جميعًا يتناولهما عند الإطلاق، وإن كان مع التقييد يراد به هذا تارة وهذا تارة (٢).
следующие страницы →