← Акыда

Акыда · id 116

ابن حزم وموقفه من الإلهيات عرض ونقد

أحمد بن ناصر الحمد

Полный текст (510 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الْمُنْذِرِينَ﴾ (١). ويرى أن القران، وكلام الله لفظ مشترك يعبر به عن خمسة أشياء: ١ - الصوت المسموع يسمى قرآنا حقيقة لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (٤) وصدق مؤمني الجن في قولهم: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ (٥). فصح بهذا أن المسموع وهو الصوت الملفوظ به هو القران حقيقة وهو كلام الله تعالى. والصوت هو الهواء المندفع من الصدر والحلق والحنك واللسان والأسنان، والشفتين إلى آذان السامعين بحروف الهجاء. وحروف الهجاء والهواء كل ذلك مخلوق. يقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (٦). وقال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (٧). واللسان العربي ولسان كل قوم كل ذلك مخلوق بلاشك. ٢ - المفهوم من صوت القارىء يسمى قرآنًا وكلام الله على الحقيقة والمعبر عنه في القران كله مخلوق حاشا الله تعالى وتقدس خالق

стр. 247

كل ما دونه. ٣ - المصحف كله يسمى قرآنًا وكلام الله لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ (١). وقد نهى الرسول ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (٢). فقد سمى رسول الله ﷺ المصحف قرآنا إذ نهى أن يسافر به إلى أرض الحرب لئلا يناله العدو. أما الورق، والمداد المكون منه المصحف وحركة اليد في خطه فكل ذلك مخلوق. ٤ - والمستقر في الصدور يسمى قرآنًا لقوله ﷺ : إذ أمر بتعاهد القرآن فقال: "إنه أشد تفصيًا من صدور الرجال من النعم من عقلها" (٣). وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (٤). واستقرار القرآن في الصدور عرض والأعراض مخلوقة، وعيسى ﵇ هو كلمة الله تعالى وهو مخلوق، قال تعالى: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ (٥).

стр. 248

٥ - وعلم الله تعالى لم يزل وهو كلامه غير مخلوق وليس هو غير الله تعالى برهان ذلك قول الله : ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ (٢). يقول ابن حزم: ولما كان اسم القرآن يقع على هذه المعاني الخمسة وقوعًا مستويًا صحيحًا ويعبر عن كل معنى بأنه قرآن وأنه كلام الله تعالى بنص القرآن والسنة كما ذكرنا منها أربعة مخلوقة كما بينا ذلك وأوحد غير مخلوق لم يجز البتة لأحد أن يقول إن القرآن مخلوق، ولا أن كلام الله مخلوق، لأن قائل هذا كاذب إذ أوقع صفة الخلق على ما لا يقع عليه، مما يقع عليه اسم قرآن، واسم كلام الله ووجب ضرورة أن يقال إن القرآن وكلام الله لا خالق له ولا مخلوق، لأن الأربع مسميات منه ليست خالقة، ولأن المعنى الخامس غير مخلوق، . فلا يجوز إطلاق اسم خالق على القرآن أو كلام الله، إذ لا يجوز أن توضع صفة البعض على الكل الذي لا تعمه تلك الصفة بل واجب أن يطلق نفي تلك الصفة التي للبعض على الكل (٣). ويرى ابن حزم بأن لله تعالى كلامًا، وأنه كلم موسى، ومن كلم من الأنبياء والملائكة ﵈ تكليمًا حقيقة لا مجازًا بكلام مسموع بالآذان معلوم بالقلوب بخلاف القول فإنه يكون بوسيطة مكلم غير الله تعالى.

стр. 249

ويتناقض عند القول بأن الله تعالى "متكلم". ففي الفصل والمُحلى، ينفي أن يقال بأن الله تعالى متكلم لأنه تعالى لم يسم بذلك نفسه يقول تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (١) ويقول: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ (٢). ويقول: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ (٣). فهذا ما سمى الله تعالى به نفسه (٤). وفي كتاب الأصول والفروع يثبت أن الله لم يزل متكلمًا، وأن الكلام لا يكون إلا من متكلم يقول: "وكلام الله تعالى صفة قديمة من صفاته، ولا توجد صفاته إلا به ولا تبين منه لأنه لم يزل متكلمًا كما أن قدرته لا تبين منه لأن الكلام لا يكون إلا من متكلم، ولا تكون القدرة إلا من قدير .. ويقول: "والله لم يزل متكلمًا ليس لكلامه أول ولا آخر (٥). تبين لنا من عرض مذهب ابن حزم في كلام الله تعالى أنه قريب من مذهب السلف حيث قال: إن القرآن هو كلام الله تعالى على الحقيقة بلا مجاز ويعبر به عن خمسة أشياء، الصوت المسموع، والمفهوم من الصوت، والمصحف كله، والمستقر في الصدور وعلم الله وهو كلامه. وبين اشتمال الأربعة الأولى على ما هو مخلوق مما هو من صفات العباد، وهو بهذا موافق لمذهب السلف فهم لا يقولون بأن ما هو من أفعال العباد غير مخلوق. ولكنهم لا يطلقون الحكم

стр. 250

جزافًا لما في النفي والإثبات من الاجمال، وكل ما ذكر ابن حزم عند التفصيل أنه مخلوق فالسلف لا يخالفونه فيه. ولكنهم لا يقولون كقوله بأن أربعة الأشياء التي يعبر بالقرآن عنها مخلوقه بل يفصلون فما كان فعلًا للعبد فمخلوق وما ليس بفعل له فغير مخلوق. ويخالفون ابن حزم في قوله، إن القرآن ليس غير الله، وهذا ما قد تعرضنا له عند الكلام على اتصاف الله بالصفات (١)، ويخالفونه في قوله إن الله ليس متكلمًا. ويوافقهم في قوله الأخر "إنه لم يزل متكلمًا". وسأقرر المذهب الذي أرى أنه الصواب في كلام الله تعالى ليتضح ما قلت عن مذهب ابن حزم في كلام الله من نقاط الاتفاق والاختلاف بكلام مختصر عن مسماه، واتصاف الله به ثم بيان كون القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، وأنه المتلو والمسموع والمكتوب في المصاحف، وبيان ما يضاف إلى العباد من القراءة والكتابة وغيرهما مما هو من أفعالهم. مسمى الكلام: يقال إن مسمى الكلام في الأصل: "هو اللفظ الدال على المعنى، وقيل المعنى المدلول عليه باللفظ، وقيل: لكل منهما بطريق الاشتراك اللفظي، وقيل بل هو اسم عام لهما جميعًا يتناولهما عند الإطلاق، وإن كان مع التقييد يراد به هذا تارة وهذا تارة (٢).

стр. 251

اتصاف الله بالكلام: الكلام صفة كمال، لأن من يتكلم أكمل ممن لا يتكلم، كما أن من يعلم ويقدر أكمل ممن ليس كذلك، ومن يتكلم بمشيئة وقدرة أكمل ممن يكون الكلام لازمًا لذاته، ليس له عليه قدرة، ولا له فيه مشيئة، والكمال إنما يكون بالصفات القائمة بالموصوف لا بالأمور المباينة له، ومن لم يزل موصوفًا بصفات الكمال أكمل ممن حدثت له بعد أن لم يكن متصفًا بها ولو كان حدوثها ممكنًا فكيف إذا كان ممتنعًا فتبين أن الرب لم يزل ولا يزال موصوفًا بصفات الكمال منعوتًا بنعوت الجلال ومن أجلّها صفة الكلام (١). فالله تعالى متكلم (٢) حقيقة بكلام هو صفة من صفاته اللازمة لذاته. يدل على هذا ما في القرآن الكريم من الإخبار عن ذلك بقوله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ﴾ وقوله: "يقول الله" في مواضع كثيرة جدًّا، وقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٣) وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ

стр. 252

رَبُّهُ﴾ (١) والتكليم هو المشافهة، وقوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٢)، وما في القرآن من ذكر مناداته ومناجاته بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢)﴾ (٣). وذكر سبحانه نداءه لموسى ﵇ في عدة مواضع من كتابه منها قوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ (٤) والنداء لا يكون إلا صوتًا مسموعًا حادثًا بكلام والكلام لا يكون إلا حروفًا. ومما يدل على كلام الله أيضًا في القرآن ما ذكر من إنباء الله - وقصصه كقوله تعالى: ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ (٥) وقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ (٦). وما فيه من دكر حديثه كقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ (٧) وقوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ (٨). وغير ذلك مما يدل على أن الله سبحانه متكلم وأن القرآن كلامه. ثم إنه سبحانه يتكلم بصوت لا مثل له والصوت الذي ينادي به عباده يوم القيامة، والصوت الذي سمعه منه موسى ﵇ هو

стр. 253

حروف مؤلفة، وليس شيء من ذلك مخلوقًا، ولا يماثل صفات المخلوقات، لأنه ﵎ يتكلم بصوت نفسه وحروف نفسه وذلك غير مخلوق، وصفات الله تعالى لا تماثل صفات العباد، فإن الله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله (١). ولم يتعرض ابن حزم لهذا الجانب - فيما أعلم - فلم يذكر هل تكلم الله بحرف وصوت أم لا؟ وجنس الحروف التي تكلم الله بها بالقرآن وغيره ليست مخلوقة والكلام العربي الذي تكلم الله به ليس مخلوقًا، والحروف المنتظمة فيه جزء منه ولازمة له وقد تكلم الله بها فلا تكون مخلوقة، والحروف المعينة محدثة لأن لها مبدأ ونهاية، وهي مسبوقة بغيرها وما كان كذلك لم يكن إلا محدثًا (٢). الكلام على القرآن: القرآن كلام الله تعالى منزل مخير مخلوق منه بدأ. أي هو المتكلم

стр. 254

به ابتداء لم يخلقه في غيره - وإليه يعود - أي أنه يسرى به حتى لا يبقى في المصاحف منه حرف ولا في القلوب منه آية. (١). وقد تكلم الله بلفظه ومعناه بصوت نفسه قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٢) فبين أن الكلام المسموع هو كلام الله تعالى وقد سمعه ﷺ من جبريل ﵇ الذي سمعه من الله تعالى ونزل به إليه وأسمعه محمد ﷺ لأصحاب، وهو الذي نتلو نحن بألسنتنا كما قال ﷺ : "زينوا القرآن بأصواتكم" (٣) وهو الذي بين الدفتين، وما في صدورنا مسموعًا ومكتوبًا ومحفوظًا كله كلام الله غير مخلوق (٤).

стр. 255

والله هو المتكلم بالقرآن والتوراة والإنجيل وغير ذلك من كلامه بكلام لم يكن أزليًّا قديمًا بقدم الله، وإن كان جنس كلامه ﵎ قديمًا وليس مخلوقًا منفصلًا عنه وهو يتكلم بمشيئته وقدرته وكلامه قائم بذاته تعالى (١). وهو من علمه وفيه أسماؤه وذلك لا يكون مخلوقًا قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (٣) وقال: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٤). وفي الآيات دليل على أن الذي جاءه ﷺ من العلم هو القرآن المنزل من عند الله ﵎ (٥) يقول تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ

стр. 256

أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١). ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (٢). وقال: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٣). وقال: " ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٤). فأخبر أنه منزل من الله. ولم يخبر عن شيء أنه منزل منه إلا كلامه بخلاف نزول الملائكة والمطر والحديد وغير ذلك. أما نزول الملائكة والمطر فورد مقيدًا بالإنزال من السماء ويراد به العلو أي نزول اللائكة من عند الله، ونزول المطر من السحاب، ونزول الحديد وغيره ورد مطلقًا فلا يختص بنوع من الإنزال فيتناول الإنزال من أعلى إلى أسفل كإنزال الحديد من رؤوس الجبال، والإنزال من ظهور الحيوان كإنزال الفحل الماء. والنزول المقيد بأنه من الله لم يرد إلا في نزول القرآن، وليس من الله جل وعلا شيء مخلوق" (٥). فالقرآن نزل به جبريل ﵇ بعدما سمعه من الله تعالى وسمعه محمد ﷺ من جبريل، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٦) وقال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (٧).

стр. 257

وقال: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ (١) فأخبر تعالى أنه نزله روح القدس وهو الروح الأمين جبريل ﵇ من الله بالحق على قلب محمد ﷺ على الحقيقة (٢). فليس مخلوقًا يدل على هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٣). يقول أبو الحسن الأشعري: "فلو كان القرآن مخلوقًا لوجب أن يكون مقولًا له كن فيكون، ولو كان الله قائلًا للقول كن. كان للقول قولًا وهذا يوجب أحد أمرين: إما أن يؤول الأمر إلى أن قول الله غير مخلوق، أو يكون كل قول واقع بقول لا إلى غاية وذلك محال، وإذا استحال ذلك صح وثبت أن لله قولًا غير مخلوق" (٤). ويقول تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (٥). ففصل سبحانه بين الخلق والأمر بالواو الذي هو حرف الفصل، ولو كان أمره مخلوقًا لكان كأنه قال ألا له الخلق والخلق، وهذا تكرار من الكلام لا فائدة فيه وينزه

стр. 258

القرآن عنه. فينبغي أن يحمل على فائدة مجددة. ويقول تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ (١). فلما جمع سبحانه في الذكر بين القرآن الذي هو كلامه، وصفته وبين الإنسان الذي هو خلقه ومصنوعه. خصص القرآن بالتعليم والإنسان بالتخليق، فلو كان القرآن مخلوقًا كالإنسان لقال: خلق القرآن والإنسان، وقول تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ (٢) والسماء والأرض لا تقوم بمخلوق (٣). يقول الآجري (٤) "من زعم أن القرآن مخلوق، فقد زعم أن الله مخلوق، ، يقول الله : "بسم الله الرحمن الرحيم"، فالرحمن لا يكون مخلوقًا، والرحيم لا يكون مخلوقًا، والله لا يكون مخلوقًا" (٥).

стр. 259

والقرآن كلام الله تعالى غير مخلوق حيث تصرف أي حيث تلى وكتب وقرىء مما هو في نفس الأمر كلام الله، فهو كلامه لفظه ومعناه قرآن واحد غير مخلوق (١). والأدلة على أن القرآن غير مخلوق كثيرة جدًّا، وما ذكرناه إشارة إلى بعضها ويطول بنا المقام لو ذكرناها. الكلام المتلو والمسموع: من تكلم مبتدئًا بكلام نسب هذا الكلام إليه، وإن جرى على لسان غيره فيقال: قال فلان، وهذا كلام فلان وتستمر نسبة هذا الكلام إليه، مع أن غيره يؤديه بصوته وحركاته. والسامع يسمعه ممن يلقيه على أنه كلام من قاله أولًا مع أن ما بلغ مسمعه صوت الناقل فلم يغيره ذلك عن نسبته إلى المتكلم به أولا. فالقران كلام الله تعالى إذ لم يسبقه إلى الكلام به أحد. يقول ابن تيمية: "إذا قرأ الناس كلام الله تعالى فالكلام في نفسه غير مخلوق إذا كان الله قد تكلم به، وإذا قرأه المبلغ لم يخرج عن أن يكون كلام الله فإن الكلام كلام من قاله مبتدئًا أمرا يأمر به، أو خبرًا يخبره ليس هو كلام المبلغ له عن غيره إذ ليس على الرسول إلا البلاغ المبين.

стр. 260

وإذا قرأه المبلغ فقد يشار إليه من حيث هو كلام الله فيقال هذا كلام الله مع قطع النظر عما بلغه به العباد من صفاتهم وقد يشار إلى نفس صفة العبد كحركته وحياته وقد يشار إليهما فالمشار إليه الأول غير مخلوق، والمشار إليه الثاني مخلوق والثالث منه مخلوق ومنه غير مخلوق" (١). والمسموع من القارىء كلام الله تعالى على الحقيقة لقوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٢). فبين أن المسموع كلام الله تعالى. ويدل لهذا ايضًا توعد الله ﵎ بالنار للمغيرة بن شعبة المخزومي على مقالته حين سمع تلاوة القرآن من النبي ﷺ بقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ (٣). فقال تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ (٤). أي على مقالته هذه ولو كانت التلاوة التي سمعها للقرآن غير المتلو لما توعده بالنار. لكن سمع السامع، وفهم الفاهم لكلام الله تعالى شيء حدث في السامع والفاهم عند إرادة الله تعالى سماع كلامه وفهمه (٥).

стр. 261

ولا يجوز إطلاق اللفظ على القرآن، فلا يقال لفظي أو اللفظ بالقرآن مخلوق، أو غير مخلوق، لأن اللفظ في لغة العرب: أن ترمي في الشيء كان في فيك، ولفظ بالشيء يلفظ لفظًا تكلم. يقول تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (١). ولفظت بالكلام، وتلفظت به أي تكلمت (٢). وقال الإمام أحمد: "من قال لفظي بالقران مخلوق فهو جهمي" (٣) لأن هذا يشعر أن هذا القرآن الذي يقرؤه ويلفظ به مخلوق من اللفظ وهو الرمي، لأن كلمة اللفظ فيها إجمال. والذين قالوا هذا القول أرادوا إثبات أنه مخلوق فزينوا بدعتهم بهذا القول، والذي يصح أن يقال عن القرآن إنه يقرأ ويتلى ويكتب ويحفظ (٤).

стр. 262

المكتوب في المصاحف: المكتوب في المصاحف هو كلام الله تعالى غير مخلوق وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو" (١). وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ (٢). وقال: ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ (٣). وقال: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ (٤). وقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٥). وفي الحديث والآيات دليل على أن المكتوب في المصاحف وفي اللوح المحفوظ كلام الله تعالى وهو القرآن حقيقة وما كتب فيها من الحروف التي تكلم الله بها غير مخلوقة (٦).

стр. 263

المضاف إلى العباد: إن ما كان من صفات العباد، وأفعالهم التي بها يقرؤون ويكتبون كلام الله تعالى - كأصواتهم، ومدادهم، فهو مخلوق، لأن العبد وصوته وحركاته وسائر صفاته مخلوق، فالقران الذي يقرأه المسلمون هو كلام الله تعالى حقيقة، والصوت الذي يقرأ به العبد صوت القارىء يقول ﷺ : "زينوا القرآن باصواتكم" (١). فبين ﷺ أن الأصوات التي يقرأ بها القرآن أصواتنا، وهي بلاشك مخلوقه والقرآن كلام الله غير مخلوقة. يقول ﷺ : "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" (٢). وفي هذا أن رفع الصوت وتحسينه بالقرآن منسوب إلى فعل العبد ويقول تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (٣) وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ (٤) ففرق بين المداد الذي تكتب به الكلمات وهو مخلوق، وبين كلمات الله غير المخلوقة. والقرآن واحد لا يكثر في نفسه بكثرة قراءة القراء، وإنما الذي

стр. 264

يكثر ما يقرأون به القرآن. فما يكثر ويحدث في العباد فهو مخلوق (١). يقول البخاري: "حركاتهم - أي العباد - وأصواتهم واكتسابهم وكتابتهم مخلوقة". فأما القرآن المتلو المبين المثبت في المصاحف المسطور المكتوب الموعى في القلوب، فهو كلام الله ليس بمخلوق قال الله: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (٢). وقال إسحاق بن إبراهيم (٣). فأما الأوعية فمن يشك في خلقها؟ قال الله: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ (٤). وقال: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ (٥). فذكر أنه يحفظ ويسطر قال: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (٦) " (٧). فكلام الله تعالى غير مخلوق، وما نسب إلى الخلوق فمخلوق.

стр. 265

٦ - السمع والبصر يذهب ابن حزم في سمع الله تعالى وبصره إلى القول بأن الله تعالى سميع بصير بذاته، وهو لم يزل سميعًا للمسموعات بصيرًا للمبصرات يرى المرئيات ويسمع المسموعات ومعنى هذا أنه عالم بكل ذلك كما قال تعالى ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (١). ولا يقول: إن الله تعالى سميع بسمع، ولا بصير ببصر وحجته عدم ورود النص بذلك (٢). إثبات ابن حزم أن الله تعالى سميع بصير بذاته، دون القول إنه سميع بسمع بصير ببصر يتمشى مع مذهبه الظاهري. لكننا نراه يخالف هذا المذهب حقيقة حيث جعل الله تعالى سميعًا بصيرًا بذاته ثم أرجع ذلك إلى العلم وليس في ظاهر ما استدل به ما يؤيد هذا. وهذا المسلك يوافق الكعبي ومن تبعه من المعتزلة البغداديين الذين يرون أن الله تعالى سميع بمعنى أنه عالم بالمسموعات، وبصير بمعنى أنه عالم بالمبصرات (٣).

стр. 266

وقد عرفنا ماذهب بن حزم في علم الله تعالى (١) وبينا أنه يؤول إلى مذهب أبي الهذيل العلاف من المعتزلة، وأن حقيقة هذا القول تجريد الذات عن الصفات كما هو رأي الفلاسفة. وأهل الإثبات كلهم على خلاف هذا الرأي. يقول ابن تيمية: "إثبات كونه سميعًا بصيرًا، وأنه ليس مجرد العلم بالمسموعات والمرئيات هو قول أهل الإثبات قاطبة من أهل السنة والجماعة (٢). وقد وافق أهل الإثبات طائفة من المعتزلة البصريين (٣). قال عبد القاهر البغدادي: "إن البصريين منهم - أي من المعتزلة - مع أصحابنا في أن الله سامع للكلام والأصوات على الحقيقة لا على معنى أنه عالم بها" (٤). وقد استدل ابن حزم بقوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (٥) على جعل سمع الله تعالى للمسموعات وبصره للمبصرات ورؤيته للمرئيات علمه بذلك. وليس في الآية دليل لما ذهب إليه بل دلالتها تخالفه لأن فيها التفريق بين السمع والرؤية ولو كانا بمعنى العلم لما كان لهذا فائدة وكان لغوًا، إذ يكون المعنى، أنني معكما أعلم، وأعلم. وهذا لا يليق بكلام الله تعالى.

стр. 267

ومما يدل على أن سمع الله تعالى وبصره غير علمه تفريقه سبحانه بين السمع والبصر كما في الآية المذكورة وفي غيرها كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (١) .. وقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (٢). وقوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ (٣). وقوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ (٤). وقوله ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ (٥). فالآيات تفرق بين العلم وبين السمع والبصر ولا يفرق بين علم وعلم لتنوع المعلومات كما قال: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٦)، وقوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٧). وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٨). وفي الآيات السابقة ذكر سمعه لأقوالهم وعلمه ليتناول باطن أحوالهم. قال أبو منصور الماتريدي في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ

стр. 268

الْعَلِيمُ﴾ (١): "أنك أنت "السميع "لدعائهم" "العليم" بما نووا وأضمروا" (٢). والآيات عمومًا فيها التفريق بين السمع والبصر والعلم وأن كلا منهما له متعلق يتعلق به يناسبه دون غيره ويتم به من المعنى ما لا يتم بغيره. والعلم أعم من السمع. والبصر فيتعلق بكل شيء. أي بالواجب والممكن والمستحيل، لأن كل ذلك يصلح أن يكون معلومًا. أما السمع والبصر فيتعلقان بالمسموعات والمبصرات، فلا يجوز أن يكون كل معلوم مسموعًا أو مبصرًا، ويجد الإنسان من نفسه معنى زائدًا على العلم بالدليل أو الخبر عند السمع والبصر لا محالة إن هذه التفرقة مما يشهد بصدقها نظر ذوى الألباب فإنكارها مما لا سبيل إليه إلا عن جحد أو عناد (٣). بعد أن بينا أنه ليس المراد بالسميع والبصير، العلم بالمسموعات والبصرات كما قال ابن حزم نبين أيضًا مخالفتنا لما ذهب إليه من أن الله تعالى سميع، بصير لا بسمع وبصر فنقول: إن الله تعالى سميع

стр. 269

بسمع، وبصير ببصر وهذا مذهب أهل السنة والجماعة. وقد بينا هذا عند الكلام على اتصاف الله تعالى بالصفات (١). وأن المذهب الصحيح هو أن أسماء الله تعالى ليست أعلامًا جامدة فكل اسم مشتق من صفة. ونريد هنا أن نبين الأدلة على إثبات أن السمع والبصر صفتان قائمتان بذاته تعالى زائدتان على كونه عالمًا (٢). زيادة على دلالة سميع وبصير - الواردة في الآيات - على إثبات السمع والبصر. الدليل الأول: إن الله ﵎ لو لم يتصف بالسمع والبصر، لا تصف بضد ذلك، وهو العمى، والصمم، لأن القابل للشيء لا يخلو عنه أو عن ضده والمصحح لكون الشيء سميعًا بصيرًا هو الحياة فإذا انتفت إمتنع إتصاف المتصف بذلك، والجمادات لا توصف بالسمع والبصر لانتفاء الحياة فيها وإذا كان المصحح هو الحياة كان الحي قابلًا لذلك فإن لم يتصف به لزم اتصافه بأضداده. إذ لو جاز خلو الموصوف عن جميع الصفات المتضادات لزم وجود عين لا صفة لها، وهو جوهر بلا عرض يقوم به. وقد علم بالاضطرار

стр. 270

امتناع خلو الجواهر عن الأعراض، وهو امتناع خلو الأعيان والذات عن الصفات ولهذا أطبق العقلاء من أهل الكلام والفلسفة وغيرهم على إنكار زعم تجويز جوهر خال عن جميع الأعراض (١). فإن قيل: إن هذه الصفات متقابلة تقابل العدم (٢)، والملكة (٣) لا تقابل السلب والإيجاب. وما كان كذلك. إنما يلزم من انتفاء أحدهما ثبوت الآخر إذا كان المحل قابلًا لهما كالحيوان الذي لا يخلو إما أن يكون أعمى أو بصيرًا، لأنه قابل لهما وما لا يقبل الاتصاف لا بهذا ولا بهذا كالجماد فليس كذلك. والجواب بإبطال هذا من وجوه كما يقول ابن تيمية: "أحدها أن يقال: الموجودات "نوعان" نوع يقبل الاتصاف بالكمال كالحي ونوع لا يقبله كالجماد، ومعلوم أن القابل للاتصاف بصفات الكمال أكمل ممن لا يقبل ذلك. وحينئذ: فالرب إن لم يقبل الاتصاف بصفات الكمال لزم انتفاء اتصافه بها. وأن يكون القابل لها - وهو الحيوان الأعمى الأصم الذي

стр. 271

يقبل السمع والبصر - أكمل منه، فإن القابل للسمع والبصر - في حال عدم ذلك - أكمل ممن لا يقبل ذلك. فكيف المتصف بها فلزم من ذلك أن يكون مسلوبًا لصفات الكمال - على قولهم - ممتنعًا عليه صفات الكمال، فأنتم فررتم من تشبيهه بالأحياء فشبهتموه بالجمادات، وزعمتم أنكم تنزهونه عن النقائص، فوصفتموه بما هو أعظم النقص. الوجه الثاني: أن يقال: هذا التفريق بين السلب والإيجاب وبين العدم والملكة، أمر إصطلاحي، وإلا فكل ما ليس بحي فإنه يسمى ميتًا كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (١). الوجه الثالث: أن يقال: نفس سلب هذه الصفات نقص، وإن لم يقدر هناك ضد ثبوتي، فنحن نعلم بالضرورة أن ما يكون حيًّا عليمًا قديرًا متكلمًا، سميعًا بصيرًا أكمل ممن لا يكون كذلك، وأن ذلك لا يقال سميع ولا أصم كالجماد وإذا كان مجرد إثبات هذه الصفات من الكمال، ومجرد سلبها من النقص: وجب ثبوتها لله تعالى لأنه كمال ممكن للموجود ولا نقص فيه بحال بل النقص في عدمه" (٢).

стр. 272

الدليل الثاني: أن السمع والبصر من صفات الكمال، فإن الحي إذا كان سميعًا بصيرًا أكمل من حي ليس كذلك كما أن الموجود الحي أكمل من موجود ليس بحي وهذا معلوم بضرورة العقل، وإذا كان كذلك فلو لم يتصف الرب ﵎ به لكان ناقصًا، ويتعالى الله عن كل نقص. وهذا الاستدلال مبني على أن كل كمال ثبت للممكن المحدث وهو كمال محض لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وهو ما كان كمالا للوجود غير مستلزم للعدم فهو جائز عليه وما كان جائزًا عليه من صفات الكمال فهو واجب له لأنه واجب قديم فهو به أولى من كل ممكن محدث. وأيضًا لو لم يتصف تعالى بالسمع والبصر لكان السميع البصير من مخلوقاته أكمل منه ومن العلوم في بدائه العقول أن المخلوق المصنوع المفعول لا يكون أكمل من الخالق البارىء الصانع إذ الكمال لا يكون إلا بأمر وجودي والعدم المحض ليس فيه كمال وكل وجود للمخلوق فالله خالقه ويمتنع أن يكون الوجود الناقص مبدعًا وفاعلًا للوجود الكامل (١).

стр. 273

الدليل الثالث: أن نفي السمع والبصر عن حي أوجماد نقص وما انتفى عنه ذلك فلا يجوز أن يحدث عنه شيء، ولا يخلقه ولا يجيب سائلًا لأنه لا يسمع كلام أحد ولا يبصر أحدًا فلا يصلح أن يكون معبودًا كما قال الخليل ﵇: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ (١) وقال لقومه: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ (٢) ومعلوم أن الدليل غير منقلب على إبراهيم ﵇ في معبوده لأنه يعبد سميعًا بصيرًا يسمع دعاءه ويبصره فلا يلزم عليه مالزمهم في معبوداتهم من عدم السماع والرؤية، ومن المستقر في الفطر أن ما لا يسمع ولا يبصر لا يكون ربًا معبودًا لأنه لا يسمع كلام أحد ولا يبصر أحدًا فإن لم يكن كالحي الأعمى الأصم كان بمنزلة من هو أقل من ذلك وهو الجماد الذي ليس فيه قبول أن يسمع أو يبصر، ونفى قبول هذه الصفات أبلغ في النقص. وأقرب إلى اتصاف المعدوم ممن يقبلها واتصف بأضدادها إذ الإنسان الأعمى الأصم أكمل من الحجر ونحوه مما لا يوصف بشيء من هذه الصفات، وإذا كان نفي هذه الصفات معلومًا بالفطرة أنه من أعظم النقائص، والعيوب وأقرب شبهًا بالمعدوم كان من المعلوم بالفطرة أن الخالق أبعد عن هذه النقائص والعيوب من كل ما ينفي عنه ذلك، وأن اتصافه تعالى بهذه

стр. 274

العيوب من أعظم الممتنعات (١). ٧ - العز والعزة والكبرياء يذهب أبو محمد بن حزم إلى إثبات ما ورد إثباته لله تعالى بالخبر من العز (٢). والعزة (٣)، والكبرياء (٤). لما روى بسنده عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ قالا جميعًا: قال رسول الله ﷺ "العز إزاره، والكبرياء رداؤه" (٥). يعني الله تعالى. ولما روى أيضًا بسنده عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ في حديث خلق الله تعالى الجنة والنار - أن جبريل عليه

стр. 275

السلام قال لله تعالى: "وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد" (١). وهذه العزة غير العزة المذكورة في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (٢) لأن الأخيرة مربوبة فهي مخلوقة بلا شك، وكذا العزة في قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ (٣). غير موجبة أنها لم تزل لأنها مثل قوله تعالى ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ (٤). وهذا غير موجب أن الشفاعة غير مخلوقة. وأما العزة التي أقسم بها جبريل ﵇ فغير مخلوقة وليست غير الله تعالى ولا العز ولا الكبرياء إذ لوكان شيء من ذلك غيره لكان إما لم يزل، وإما محدثًا فلو كان لم يزل لكان مع الله تعالى أشياء غيره لم تزل وهذا شرك مجرد ولو كان محدثًا لكان تعالى بلا عز ولا كبرباء قبل أن يخلق كل ذلك وهذا كفر (٥). إثبات ابن حزم للعزة لا يختلف عن باقي ما يثبت لله تعالى من العلم والقدرة والقوة - أي إثبات صوري لا حقيقة له. ويقسم العزة إلى قسمين: مخلوقة وغير مخلوقة. فالمخلوقة هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ

стр. 276

عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (١). فهي هنا مخلوقة لأنها مربوبة كما ذكر هذا ابن حزم والقول بأن هناك عزة مخلوقة قول صحيح لأن الله ﵎ جعلها مربوبة في هذه الآية. وأثبتها سبحانه لنفسه ولرسوله وللمؤمنين في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢). أي له العزة والغلبة. يقول ابن حيان (٣) عند تفسير قوله تعالى ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ "ختم الله تعالى هذه السورة بتنزيهه عما يصفه به المشركون وأضاف الرب إلى نبيه ﵇ تشريفًا له بإضافته وخطابه، ثم إلى العزة وهي العزة المخلوقة الكائنة للأنبياء ﵈ والمؤمنين" (٤). وإن حملت الإضافة في قوله تعالى ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ على الاختصاص بها أي كأنه قيل "ذو العزة" أي أن الله تعالى هو المختص بها وحده كما يقال مثلًا فلان صاحب صدق لاختصاصه بذلك (٥). فلا يقال إن العزة هنا مخلوقة بل صفة لله تعالى.

стр. 277

واستدلال ابن حزم على العزة غير المخلوقة وعلى العز والكبرياء بقول الرسول ﷺ "العز إزاره، والكبرياء رداؤه" وقول جبريل ﵇ لله تعالى "وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد" دليل صحيح على إثبات العز والكبرياء والعزة لله ﵎. ويدل أيضًا على إثبات العزة لله قول إبليس لربه ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١) حيث أقسم هنا بعزة الله تعالى (٢). ولو كانت مخلوقة لما صح أن يقسم بها جبريل ﵇، وإبليس لعنه الله. لكن ابن حزم بعد أن أثبت لله تعالى عزة غير مخلوقة، وعزًا وكبرياء لم يقف على هذا الإثبات ملتزمًا لما يدل عليه ظاهر تلك النصوص بل أرجع ذلك إلى الله تعالى فقال: إن هذه العزة غير مخلوقة وليست غير الله تعالى ولا العز ولا الكبرياء (٣). وهو بهذا المذهب موافق لأبي الهذيل العلاف موافقة تامة يقول أبو الحسن الأشعري: "وأما "أبو الهذيل" من المعتزلة فإنه أثبت العزة والعظمة والجلال والكبرياء وكذلك في سائر الصفات التي يوصف بها لنفسه، وقال: هي الباري كما قال في العلم والقدرة" (٤). وفي هذا المذهب نفي للصفة عن الله تعالى وإثبات لذات مجردة عن الصفات، ووجود ذات في الخارج مجردة عن الصفات محال بل وجود الذات الموصوفة بصفات الكمال الثابتة لها لا تنفصل عنها وإنما

стр. 278

يعرض للذهن ذات وصفة كل وحدة ويستحيل تحقق ذلك في الخارج (١). والقول الصحيح، أن العزة والعز والكبرياء من صفات الله ﵎ حقيقة. وعلى قول ابن حزم: "لو كان شيء من ذلك غير الله لكان إما لم يزل وإما محدثًا. . . الخ". نقول: إذا لم تكن العزة والعز والكبرياء قديمة ولا محدثة فماذا تكون؟ قال عند كلامه على العلم "ليس هو غير الله ولا نقول هو الله". (٢) وقد بينا عند نقد مذهبه في الصفات أن نفي القول بأنه الله تعالى صحيح. أما كون ذلك ليس غير الله فلفظ "الغير" مجمل ونفيه يوهم معنى فاسدًا وكذا إثباته فيجب الاستفصال عن المقصود، ولا داعي لإعادة ما سبق فليراجع هناك (٣). ٨ - النفس والذات يثبت ابن حزم النفس (٤) لله تعالى لورود النص بذلك: قال تعالى

стр. 279

﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (١). وقال ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (٢) وقال ابن حزم إن الذات كالنفس ونفس الله تعالى إخبار عنه لا عن شيء غيره أصلًا (٣). مذهب ابن حزم في إثبات النفس والذات لله تعالى مذهب صحيح (٤) فيما نرى. موافق لما ورد بالنص من إثبات النفس له تعالى. ولم تصح عبارة ابن حزم التي يسوقها بعد كل إثبات يدعيه إلا في هذا الموضع وهي "إن هذا إخبار عن الله لا عن شيء غيره". وهذا محلها التي هي له، لا لسائر الصفات الثابتة لله تعالى من العلم والقدرة والكلام ونحو ذلك. ومن أدلة إثبات النفس لله تعالى زيادة على ما ذكره قوله تعالى لكليمه موسى ﵇: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ (٥). وقوله تعالى حكاية عن عيسى ﵇: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ (٦) ولا يقال إن إطلاق النفس عليه تعالى في الآية الأخيرة من باب المشاكلة، لأنها وردت من غير ذلك كما في الآيات الأولى وفي كثير من الأحاديث النبوية الصحيحة من ذلك ما روى البخاري بسنده عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لما خلق الله الخلق كتب في كتابه - وهو يكتب على نفسه وهو وضع عنده على

стр. 280

العرش - إن رحمتي تغلب غضبي" (١). تلك بعض الأدلة الدالة على إثبات النفس لله تعالى، وعندنا إن ذات الشيء هي نفسه وحقيقته فلا فرق وسنبين أيضًا ما يدل على إثبات الذات. ولكن إثبات ابن حزم للذات يخالف مذهبه إلتزام الظاهر وعدم إثبات شيء لله تعالى من غير ورود النص عليه، وقد أثبت الذات لا على استناد إلى نص وإنما على أنها كالنفس. ونرى أن مما يصحح إثبات الذات لله تعالى أنها هي نفس الشيء وحقيقته ثم إنها وردت عن العرب منسوبة إلى الله تعالى كما في قول النابغة: مجلتهم ذات الإله ودينهم ... قويم فما يرجون غير العواقب (٢) وقول خبيب بن عدي ﵁ حين أسره أهل مكة فلما أخرجوه للقتل قال: وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع (٣) وقول حسان بن ثابت شاعر الرسول ﷺ ينشده:

стр. 281

وأن أخا الأحقاف إذ يعذلونه ... يجاهد في ذات الإله ويعدل (١) فإن قيل: إن المراد بقول النابغة إن روى قوله "محلتهم" بالحاء المهملة، المنزل المختص بالإله وهو بيت المقدس، وإن روى بالمعجمة فالمراد كتابهم المنزل من عند الله المختص به وهو الحكم والمواعظ الزاجرة عن الفواحش والمنكرات (٢). والمراد بقول خبيب: إن ذلك في الخصلة المختصة بالله وهي طاعته. وبقول حسان: إن أخا الأحقاف يدعو إلى عبادة الله تعالى. قلنا: تأويلكم هذا لو جاز لنا الأخذ به بالنسبة لقول النابغة لم يجز بالنسبة لقول خبيب وحسان ﵄ فقولهما دليل على إثبات الذات من وجهين: الوجه الأول: إن كان "لفظ ذات" فيهما حقيقة فالرسول ﷺ لم ينه عنها حين رويت له عن خبيب، كما لم يرو إنكاره على حسان ﵁ قوله. وهو قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، فلا يحتمل الأمر غير الجواز. الثاني: إن كانت فيما وردت فيه مجازًا، فلا يصح استعمالها فيه إلا إذا كان المعنى الأصلي ثابتًا حتى يمكن للذهن أن ينتقل من الملزوم

стр. 282

إلى لازمه. ويؤيد صحة استعمالها أن الله ﵎ أثبت لنفسه الصفات وأثبتها له رسوله ﷺ ، ولا يمكن وجود الصفات إلا بما به تصير صفات من الذات، ولا وجود الذات إلا بما به تصير ذاتًا من الصفات (١). وقد ذكر أبوحامد الغزالي أن إطلاق الذات في حق الله تعالى مما وقع الاتفاق عليه يقول: "ومما وقع عليه الاتفاق بين الفقهاء والعلماء من الأسامي "المريد، والمتكلم، والشيء، والذات، والأزلي، والأبدي، وأن ذلك مما يجوز إطلاقه في حق الله تعالى" (٢). (٩) الوجه مذهب ابن حزم إثبات لفظ كل ما ورد به النص، وقد ورد إضافة الوجه إلى الله ﵎ كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (٣). وليس إثبات ابن حزم هذا للوجه إثبات صفة، وإنما على مذهبه في الإثبات إرجاع ذلك إلى الذات يقول: ووجه الله تعالى ليس غيره بدليل قوله تعالى حاكيا عمن رضى قوله: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ (٤). فصح يقينا أنهم لم يقصدوا غير الله تعالى وقوله : ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٥). إنما معناه فثم الله تعالى بعلمه

стр. 283

وقبوله لمن توجه إليه (١). أثبت الله ﵎ لنفسه الوجه فهو صفة من صفاته حقيقية وليس هو الذات، كما ذكر ابن حزم. وجعل الوجه هو الذات هو مذهب نفاة الصفات كأبي الهذيل العلاف من المعتزلة، فهو يثبت لله تعالى وجها هو هو (٢) والحقيقة أن هذا ليس إثباتا، إنما إلإثبات جعله صفة لله تعالى على ما يليق به لا يفنى ولا يلحقه الهلاك فلا يشبه وجها ولا يشبهه وجه تعالى وتقدس (٣). ويدل على الإثبات من القرآن قوله ﵎ لمحمد ﷺ : ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ " (٥) وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٦). وقوله ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (٧). أثبت الله ﵎ لنفسه الوجه في الآيات السابقة ووصفه

стр. 284

بالجلال والإكرام، وحكم له بالبقاء ونفى الهلاك عنه. يقول ابن خزيمة: "فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة واليمن والعراق، والشام ومصر، مذهبنا أنا نثبت لله ما أثبته لنفسه نقر بذلك بألسنتنا ونصدق بذلك بقلوبنا من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين، وعز ربنا عن أن نشبهه بالمخلوقين وجل ربنا عن مقالة المعطلين" (١). وجاء ذكر وجه ربنا ﵎ في مواضع كثيرة من القرآن كقوله ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ (٢). وقوله: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ (٣). وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ (٤)، وقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ (٥). وهذه الآيات وغيرها مما جاء فيها ذكر الوجه له سبحانه دليل على ثبوت هذه الصفة له سبحانه. فإن قال المخالف: إن الآيات التي استدللتم بها على ثبوت صفة الوجه لله تعالى لا تدل على ذلك، حيث إن المراد بالوجه المذكور فيها الذات إذ أن من يدعوه، ويتقرب إليه يريد ذاته ثم لا خصوص للوجه في البقاء وعدم الهلاك. قلنا: الجواب على هذا الاعتراض من أوجه: الأول: لو لم يكن لله ﵎ وجه حقيقة لما جاز استعماله في معنى الذات، لأن اللفظ الموضوع لمعنى لا يمكن أن يستعمل في

стр. 285

معنى آخر إلا إذا كان المعنى الأصلى للفظ ثابتا للموصوف حتى يمكن للذهن أن ينتقل من ذلك الملزوم إلى لازمه (١). الثاني: ندفع اعتراضهم بمثله. فنقول: أسند التقرب في الآيات والبقاء إلى الوجه ويلزم منه إرادة الذات وبقائها (٢)، إذ قولهم إنه أطلق الوجه وأراد الذات. الثالث: لايصح حمل الوجه في قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ على الذات، لأنه أضاف الوجه إليها بقوله "وجه ربك" فوجب أن يكون المضاف، والمضاف إليه شيئين كما يقال دار زيد، وغلام عمرو، ثم أضاف النعت إلى الوجه بقوله: ﴿وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ فدل على أن ذكر الوجه ليس بصلة وأن قوله ﴿ذُو الْجَلَالِ﴾ صفة للوجه والوجه صفة للذات (٣). فإن قيل: وهل كلما ورد ذلك الوجه منسوبا إلى الله تعالى فالمراد به هذا الوجه الحقيقي لله الذي هو صفة من صفاته؟ قلنا: لا يلزم هذا بل يأتى في كل مكان بحسبه مما صح وضعه له لغة وقد ورد الوجه مرادا به الجهة كما في قوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٤). وقد استدل ابن حزم بهذه الآية على أن المراد فثم الله تعالى بعلمه وقبوله لمن توجه إليه وهذا تأويل يخالف مذهبه الظاهرى والآية ليست على ما أولها فيما نرى، إذ أن الوجه يرد في اللغة بمعنى الجهة (٥)
следующие страницы →