← Акыда

Акыда · id 116

ابن حزم وموقفه من الإلهيات عرض ونقد

أحمد بن ناصر الحمد

Полный текст (510 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وأن أخا الأحقاف إذ يعذلونه ... يجاهد في ذات الإله ويعدل (١) فإن قيل: إن المراد بقول النابغة إن روى قوله "محلتهم" بالحاء المهملة، المنزل المختص بالإله وهو بيت المقدس، وإن روى بالمعجمة فالمراد كتابهم المنزل من عند الله المختص به وهو الحكم والمواعظ الزاجرة عن الفواحش والمنكرات (٢). والمراد بقول خبيب: إن ذلك في الخصلة المختصة بالله وهي طاعته. وبقول حسان: إن أخا الأحقاف يدعو إلى عبادة الله تعالى. قلنا: تأويلكم هذا لو جاز لنا الأخذ به بالنسبة لقول النابغة لم يجز بالنسبة لقول خبيب وحسان ﵄ فقولهما دليل على إثبات الذات من وجهين: الوجه الأول: إن كان "لفظ ذات" فيهما حقيقة فالرسول ﷺ لم ينه عنها حين رويت له عن خبيب، كما لم يرو إنكاره على حسان ﵁ قوله. وهو قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، فلا يحتمل الأمر غير الجواز. الثاني: إن كانت فيما وردت فيه مجازًا، فلا يصح استعمالها فيه إلا إذا كان المعنى الأصلي ثابتًا حتى يمكن للذهن أن ينتقل من الملزوم

стр. 282

إلى لازمه. ويؤيد صحة استعمالها أن الله ﵎ أثبت لنفسه الصفات وأثبتها له رسوله ﷺ ، ولا يمكن وجود الصفات إلا بما به تصير صفات من الذات، ولا وجود الذات إلا بما به تصير ذاتًا من الصفات (١). وقد ذكر أبوحامد الغزالي أن إطلاق الذات في حق الله تعالى مما وقع الاتفاق عليه يقول: "ومما وقع عليه الاتفاق بين الفقهاء والعلماء من الأسامي "المريد، والمتكلم، والشيء، والذات، والأزلي، والأبدي، وأن ذلك مما يجوز إطلاقه في حق الله تعالى" (٢). (٩) الوجه مذهب ابن حزم إثبات لفظ كل ما ورد به النص، وقد ورد إضافة الوجه إلى الله ﵎ كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (٣). وليس إثبات ابن حزم هذا للوجه إثبات صفة، وإنما على مذهبه في الإثبات إرجاع ذلك إلى الذات يقول: ووجه الله تعالى ليس غيره بدليل قوله تعالى حاكيا عمن رضى قوله: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ (٤). فصح يقينا أنهم لم يقصدوا غير الله تعالى وقوله : ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٥). إنما معناه فثم الله تعالى بعلمه

стр. 283

وقبوله لمن توجه إليه (١). أثبت الله ﵎ لنفسه الوجه فهو صفة من صفاته حقيقية وليس هو الذات، كما ذكر ابن حزم. وجعل الوجه هو الذات هو مذهب نفاة الصفات كأبي الهذيل العلاف من المعتزلة، فهو يثبت لله تعالى وجها هو هو (٢) والحقيقة أن هذا ليس إثباتا، إنما إلإثبات جعله صفة لله تعالى على ما يليق به لا يفنى ولا يلحقه الهلاك فلا يشبه وجها ولا يشبهه وجه تعالى وتقدس (٣). ويدل على الإثبات من القرآن قوله ﵎ لمحمد ﷺ : ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ " (٥) وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٦). وقوله ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (٧). أثبت الله ﵎ لنفسه الوجه في الآيات السابقة ووصفه

стр. 284

بالجلال والإكرام، وحكم له بالبقاء ونفى الهلاك عنه. يقول ابن خزيمة: "فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة واليمن والعراق، والشام ومصر، مذهبنا أنا نثبت لله ما أثبته لنفسه نقر بذلك بألسنتنا ونصدق بذلك بقلوبنا من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين، وعز ربنا عن أن نشبهه بالمخلوقين وجل ربنا عن مقالة المعطلين" (١). وجاء ذكر وجه ربنا ﵎ في مواضع كثيرة من القرآن كقوله ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ (٢). وقوله: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ (٣). وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ (٤)، وقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ (٥). وهذه الآيات وغيرها مما جاء فيها ذكر الوجه له سبحانه دليل على ثبوت هذه الصفة له سبحانه. فإن قال المخالف: إن الآيات التي استدللتم بها على ثبوت صفة الوجه لله تعالى لا تدل على ذلك، حيث إن المراد بالوجه المذكور فيها الذات إذ أن من يدعوه، ويتقرب إليه يريد ذاته ثم لا خصوص للوجه في البقاء وعدم الهلاك. قلنا: الجواب على هذا الاعتراض من أوجه: الأول: لو لم يكن لله ﵎ وجه حقيقة لما جاز استعماله في معنى الذات، لأن اللفظ الموضوع لمعنى لا يمكن أن يستعمل في

стр. 285

معنى آخر إلا إذا كان المعنى الأصلى للفظ ثابتا للموصوف حتى يمكن للذهن أن ينتقل من ذلك الملزوم إلى لازمه (١). الثاني: ندفع اعتراضهم بمثله. فنقول: أسند التقرب في الآيات والبقاء إلى الوجه ويلزم منه إرادة الذات وبقائها (٢)، إذ قولهم إنه أطلق الوجه وأراد الذات. الثالث: لايصح حمل الوجه في قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ على الذات، لأنه أضاف الوجه إليها بقوله "وجه ربك" فوجب أن يكون المضاف، والمضاف إليه شيئين كما يقال دار زيد، وغلام عمرو، ثم أضاف النعت إلى الوجه بقوله: ﴿وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ فدل على أن ذكر الوجه ليس بصلة وأن قوله ﴿ذُو الْجَلَالِ﴾ صفة للوجه والوجه صفة للذات (٣). فإن قيل: وهل كلما ورد ذلك الوجه منسوبا إلى الله تعالى فالمراد به هذا الوجه الحقيقي لله الذي هو صفة من صفاته؟ قلنا: لا يلزم هذا بل يأتى في كل مكان بحسبه مما صح وضعه له لغة وقد ورد الوجه مرادا به الجهة كما في قوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٤). وقد استدل ابن حزم بهذه الآية على أن المراد فثم الله تعالى بعلمه وقبوله لمن توجه إليه وهذا تأويل يخالف مذهبه الظاهرى والآية ليست على ما أولها فيما نرى، إذ أن الوجه يرد في اللغة بمعنى الجهة (٥)

стр. 286

ففي قوله تعالى ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ أي جهته الله وقبلته فالمقصود بوجه الله هنا الجهة التي تستقبل في الصلاة كما قال في أول الآية ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ (١). ثم قال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ كما قال: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢). فإذا كان المشرق والمغرب لله تعالى ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ (٣)، وقوله "موليها" أي مستقبلها فهذا كقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، أي فأينما تستقبلوا فثم وجهة الله تعالى (٤). الادلة من السنة على إثبات صفة الوجه لله تعالى ". ورد إثبات الوجه لله ﵎ في كثير من الأحاديث النبوية الصحيحة من ذلك ما روى مسلم بسنده عن أبى موسى أنه قال: "قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات فقال: "إن الله لا ينام، ولا ينبغى له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار. وعمل النهار قبل عمل الليل. حجابه النور - وفى رواية أبى بكر النار - لو كشفه لأحرقت سبحات (٥)

стр. 287

وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه (١). فإضافة السبحات التي هي الجلال والنور إلى الوجه، وإضافة البصر إليه تبطل كل مجاز، وتبين أن المراد وجهه حقيقة الذي هو صفة من صفاته. (٢). ومن الأحاديث المثبتة لصفة الوجه ما روى البخاري بسنده عن أبى بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه عن النبي ﷺ قال "جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبر على وجهه في جنة عدن" (٣). وروى البخاري أيضًا بسنده عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مثل المجاهد في سبيل الله ابتغاء وجه الله مثل القائم المصلى حتى يرجع المجاهد" (٤). وروى البخاري أيضًا بسنده عن جابر ﵁ قال: "لما نزلت هذه الآية ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال رسول الله ﷺ : أعوذ بوجهك قال: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال أعوذ بوجهك. ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ (٥). قال رسول الله ﷺ : هذا

стр. 288

أهون أو هذا أيسر" (١). وفي الأحاديث التي ذكرنا دليل على إثبات صفة الوجه لله ﵎ حقيقة وتأويله بالذات، أو بغيرها حمل للكلام على غير معناه الحقيقي، ولا يصح ذلك إلا بقرينة مانعة من حمله على الحقيقة، ولا أرى في هذا قرينه صحيحة. وقد روى تفسير "المزيد" في قوله ﵎: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (٢). بالنظر إلى وجه الله الكريم عن كثير من أصحاب رسول الله ﷺ موقوفا، فروى عن أبى بكر الصديق ﵁، وعن أبي موسى الأشعرى، وهو قول علي بن أبي طالب في رواية وحذيفة وعبادة بن الصامت، وكعب بن عجرة، وصهيب، وابن عباس في رواية وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعامر بن سعد، وإسماعيل بن عبد الرحمن السدى، والضحاك بن مزاحم، وعبد الرحمن بن سابط، وأبي إسحاق السبعى، وقتادة وسعيد بن المسيب، والحسن البصرى وعكرمة مولى ابن عباس، ومجاهد بن جبر نقله المفسرون عنهم (٣).

стр. 289

وبهذا ندرك أن سلفنا الصالح من الصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان قد أثبتوا لله تعالى ما أثبته لنفسه، وأثبته له رسوله ﷺ فلم يتجاوزوا القرآن والحديث مع علمهم أن ما ورد إثباته فيهما من صفات الله ﵎ فهو حق ليس فيه لغز ولا أحاجى بل معناه يعرف كما يعرف معنى سائر كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ في غير الإخبار عن الله تعالى مع علمهم أنه سبحانه ليس كمثله شىء في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته فكما نتيقن أن الله سبحانه موجود حقيقة وليس كسائر الموجودات فكذلك له صفات حقيقة لا تشبه شيئا من صفات الموجودات.

стр. 290

(١٠) العين والأعين: العين والأعين مما ورد بالنص إضافتها إلى الرب وكما عرفنا من إثبات ابن حزم لظاهر ما ورد بالنص كالحي، والسميع والبصير ونحو ذلك. كذلك هنا يثبت العين لله تعالى لقوله ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ (١) والأعين لقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ (٢) ولا يرى جواز القول بأن لله تعالى عينين لعدم ورود النص بذلك. ويرى أن ما ورد بالنص إثباته من العين، والأعين، فالله هو المراد به لا شيء غيره. (٣) نقد مذهب ابن حزم في العين والأعين لا يختلف عما ذكرنا في نقد مذهبه في الوجه، إذ أن إثباته لما ورد بالنص إثبات لظاهر مجرد دون حقيقة، إذ يورد بعد كل إثبات: "أن الله تعالى هو المراد بكل ذلك لا شيء غيره" والحقيقة أن هذا نفي لما يدل عليه ظاهر النص وإثبات ذات مجردة عن الصفات. وهذا مخالف لمذهب أهل السنة والجماعة الذين يثبتون ما وصف الله تعالى به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ من غير زيادة ولا نقص. ونقول في العين: إن لله ﵎ عينين يرى بهما جميع المرئيات. وهما صفتان حقيقيتان له على ما يليق بجلاله وكبرياء عظمته، ولا يقتضي هذا الإثبات أن تكونا جارحتين،

стр. 291

ولا مركبتين مما تتركب منه الأعين المخلوقة التي هي من صفات الأجسام. بل هما عينان لا كالأعين لائقتان بالله تعالى. (١) يدل على هذا قول الله تعالى ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ (٢) وقوله: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ (٣) فظاهر الآيتين يدل على اتصاف الله تعالى بالأعين والعين. يقول أبو يعلى: "والدلالة على كونهما صفتين قوله تعالى ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ وقوله ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ولا يصح حمل ذلك على أن المراد بقوله ﴿عَلَى عَيْنِي﴾ بمرأى ومشهد مني، وقوله ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ أي بحفظنا وكلاءتنا لأن الله تعالى كان رائيا له مشاهدا له قبل هذه الحالة، وكذلك كان حفظه وكلاءته له قبل وجود الجريان، ومنه قوله تعالى ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ (٤) " (٥). ويدل على إثبات العينين لله تعالى من السنة ما روى مسلم بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : ما من نبي إلا وقد حذر أمته الأعور (٦)، الكذاب، ألا إنه أعور وإن ربكم

стр. 292

ليس بأعور ومكتوب بين عينيه كـ ف ر" (١). يدل الحديث على إثبات العينين لله تعالى، صفة من صفاته فهو ﷺ ينفي نقص العور عن الله ﵎. (٢). فإن قال لنا من يدعي الظاهر: على أي شيء اعتمدتم في إثبات العينين لله ﵎. وكل ما ورد بالنص إنما هو إثبات العين والأعين لله تعالى فقط. قلنا: اعتمدنا في ذلك على ما ورد بالنص من القرآن الكريم والسنة المطهرة. فجاء في القرآن إثبات الأعين بالجمع، والعين بالإفراد، وعلى هذا قلنا بإثبات العينين لأن ذلك جائز في لغة العرب فيعبر بها عن الإثنين بلفظ الجمع كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (٣). والمراد قلباكما، ويقوم فيها، الواحد مقام الإثنين كما يقال رأيت بعيني، وسمعت بأذني، والمراد عيناي وأذناي (٤). وحيث صح هذا في لغة العرب وجاء في السنة النبوية ما يثبت العينين لله تعالى حملنا ما ورد بإثبات المفرد أو المجموع على التثنية والذي ورد في السنة قول الرسول صلى الله اعليه وسلم في الحديث السابق "إن ربكم ليس بأعور" فالنقص منفى عن الله ﵎،

стр. 293

والعور في المخلوق نقص بلا خلاف، ولا أحد ينكر أن كل كمال اتصف به المخلوق وأمكن أن يتصف به الخالق فالخالق أولى بالاتصاف به من كل مخلوق. وكل نقص تنزه عنه المخلوق فالله أحق بالتنزه عنه وأولى ببراءته منه (١). فإثبات العينين لله ﵎ كما يجب إثباته له بلا كيف كما هو مذهب أهل السنة والحديث كما حكى هذا أبو الحسن الأشعري عنهم. (٢) وصرح بإثبات العينين صفة لله تعالى أيضًا محمد بن إسحاق بن خزيمة، (٣) وأبو يعلى الحنبلي، (٤) وابن تيمية، (٥) وغيرهم. * * * * *

стр. 294

(١١) اليد واليدين والأيدي: يثبت أبو محمد بن حزم لفظ اليد، والأيدي لله تعالى ويستدل على إثبات اليد له تعالى بقوله سبحانه: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (١) وعلى إثبات اليدين بقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٢) وقوله ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (٣) وقوله ﷺ : "عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين" (٤). ويرى أن الحديث مثل قوله تعالى ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٥) يريد وما ملكتم. ثم إن اليمين يراد بها في لغة العرب الحظ للأفضل كما قال الشماخ: إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين (٦) يريد أنه يتلقاها بالسعي الأعلى. فكذا قوله وكلتا يديه يمين أي كل ما يكون منه من الفضل فهو الأعلى. ويستدل على إثبات الأيدي لله تعالى بقوله سبحانه: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ (٧). ويرى أن كل هذا إخبار عنه تعالى لا يرجع إلى شيء سواه. (٨). ونقول: ليس إثبات ابن حزم لليد، واليدين، والأيدي هو

стр. 295

الإثبات الصحيح الذي درج عليه السلف من أن الله تعالى يدا، ويدين حقيقة، لأن الإِثبات الذي جرى عليه ابن حزم هو إثبات الظواهر مجردة عما تدل عليه من معاني فلا تدل على صفات، وإنما ترجع إلى الذات. ويحمل قول الرسول ﷺ "وكلتا يديه يمين" على أن كل ما يكون من الله تعالى فهو الأعلى - أي على المجاز - وهذا تأويل يخالف مايدعى من وجوب الأخذ بظواهر النصوص ما لم يمنع من ذلك نص آخر أو إجماع أو ضرورة حس يقول: "قول الله يجب حمله على ظاهره ما لم يمنع من حمله على ظاهره نص آخر أو إجماع أو ضرورة حس" (١). ويقول: "لا يجوز إطلاق اسم على غير موضوعه في اللغة إلا أن يأتي به نص فيقف عنده وندري حينئذ أنه منقول إلى ذلك المعنى الآخر وإلا فلا" (٢). وقد ناقض ابن حزم هنا منهجه إذ ليس في حمل اليدين في الحديث على الحقيقة اللائقة بالله مانع من نص أو إجماع أو ضرورة والحقيقة أن الله تعالى له يدان كلاهما يمين، أي علية كريمة مباركة لأن المياسر تنقص عن الميامن في القوة والبطش والتمام، أو يكون المراد العطاء باليدين جميعا، لأن اليمنى هي المعطية فإذا كانت اليدان يمينين كان العطاء بهما. (٣) وهذا ما يجب أن يحمل عليه الحديث، حيث إن إثبات اليدين ورد في القرآن الكريم صراحة ولا مانع من إثباته لله تعالى حتى نحمل

стр. 296

ما ورد من ذلك على غير الحقيقة. إذ لا يصف الله تعالى أعلم بالله من الله، ولا يصف الله بعد الله أعلم بالله من رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى. وقد أثبت الله ﵎ لنفسه اليد، واليدين حقيقة في مواضع كثيرة من كتابه، وورد إثبات ذلك صراحة على لسان رسوله ﷺ وقد قال عنه سبحانه: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾، (١) ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ (٢) " (٣). وقد نقل ابن تيمية عن أبي عمر بن عبد البر إمام المغرب قوله "أهل السنة مجمعون على الإِقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإِيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة. وأما أهل البدع الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة، ويزعم أن من أقرّ بها شبه، وهم عند من أقرّ بها نافون للمعبود والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله وهم أئمة الجماعة" (٤).

стр. 297

فإثبات ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ من اليدين حقيقة هو مذهب أهل السنة والجماعة كما حكى الإجماع على هذا إمام المغرب، ويدل على هذا الإثبات القرآن الكريم والسنة المطهرة. الأدلة: من القرآن ما ذكرنا من الآيات المصرحة بإثبات اليد، واليدين لله تعالى. ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (١). ومن السنة ما روى مسلم بسنده عن طاووس قال سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا خيبتنا، وأخرجتنا من الجنة، فقال له آدم: أنت موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده "وفي بعض الروايات: كتب لك التوارة بيده" أتلومنى على أمر قدره الله على قبل أن يخلقني بأربعين سنة فقال النبي ﷺ : "فحج آدم موسى، فحج آدم موسى" (٢). وروى مسلم بسنده أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "احتج آدم وموسى ﵉ عند ربهما فحج آدم موسى. قال موسى أنت آدم الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته وأسكنك في جنته، ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض .. الحديث" (٣).

стр. 298

وروى مسلم أيضا بسنده عن بي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ينزل الله في السماء الدنيا لشطر الليل، أو ثلث الليل الآخر، فيقول من يدعوني فأستجيب له، أو يسألني فأعطيه، ثم يبسط يديه ﵎ يقول: من يقرض غير عدوم (١) ولا ظلوم" (٢). والأحاديث والآثار الواردة في هذا المعنى كثيرة جدا ذكر الكثير منها ابن خزيمة (٣). وذكر بعضها أبو يعلى الحنبلي (٤) وابن القيم (٥) وابن كثير (٦) وغيرهم. وفي الآيات والأحاديث السابقة الدلالة واضحة على إثبات اليدين لله ﵎ حقيقة وهما صفة ذاتية له سبحانه على ما يليق بجلاله وعظمته ليستا جارحتين ولا قدرتين ولا نعمتين بل يدان لا كالأيدي. وننفي كونهما جارحتين لأن الجوارح من صفات الأجسام (٧)، وهي لا تكون إلا مركبة من أجزاء منفردة أو من مادة وصورة أو مما يقبل الانقسام، أي ما كان مفرقا فاجتمع أو نحو هذا والله ﵎ منزه عن كل ذلك ولم يرد إثبات الجسم لله تعالى ولا نفيه لا في القرآن

стр. 299

ولا في السنة، فلا نثبته ولا ننفيه تمشيا مع النص. ولكن يجب علينا أن ننزه الله تعالى عن كل عيب، ونقص وآفة فإنه القدوس السلام الصمد السيد الكامل في كل نعت من نعوت الكمال، كما لا يدرك الخلق حقيقته. منزها عن كل نقص تنزيها لا يدرك الخلق كماله، وكل كمال ثبت لموجود من غير استلزام نقص فالخالق تعالى أحق به وأكمل فيه منه، وكل نقص تنزه عنه مخلوق، فالخالق أحق بالتنزه عنه وأولى ببراءته منه (١). وننفى كون ما أثبتنا لله تعالى من اليدين بمعنى النعمة، لأنه لا يجوز في لسان العرب، ولا في عادة أهل الخطاب، أن يقول القائل عملت كذا بيدى ويعنى به النعمة، وإذا كان الله ، إنما خاطب العرب بلغتها، وما يجرى مفهومها في كلامها ومعقولا في خطابها، وكان لا يجوز في لسان أهل البيان أن يقول القائل فعلت بيدى. ويعنى النعمة بطل أن يكون قوله : ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ النعمة (٢). ثم إن هذا القول من الله تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ توبيخ له على امتناعه عن السجود لآدم الذي خلقه الله تعالى بيده، ولو كان معنى اليد هنا النعمة لكان لا فضيلة لآدم ﵇ على إبليس في ذلك ولم يكن لهذا التوبيخ معنى تعالى الله أن يكون كلامه بلا معنى.

стр. 300

يقول الإمام أبو الحسن الأشعرى: "لو كان معنى قوله "بيدي" نعمتي لكان لا فضيلة لآدم ﵇ على إبليس في ذلك على مذاهب مخالفنا لأن الله قد ابتدأ إبليس على قولهم كما ابتدأ بذلك آدم ﵇ وليس يخلو النعمتان أن يكون علا بهما بدن آدم فالأبدان عند مخالفنا من المعتزلة جنس واحد، وإذا كانت الأبدان عندهم جنسا واحدا فقد حصل في جسد إبليس على مذهبهم من النعمة ما حصل في جسد آدم ﵇، وكذلك إن عنى عرضين فليس من عرض فعله في بدن آدم من لون أو حياة أو قوة أو غير ذلك إلا وقد فعل من جنسه عندهم في بدن إبليس، وهذا يوجب أنه لا فضيلة لآدم ﵇ على إبليس في ذلك .. وإنما احتج على إبليس بذلك ليريه أن لآدم ﵇ في ذلك الفضيلة فدل ما قلناه على أن الله لما قال "لما خلقت بيدى" لم يعنى نعمتى" (١). ويبعد تأويل اليد بالنعمة قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (٢). إذ لو كان معنى اليد النعمة لقرئت الآية "بل يداه مبسوطة أو منبسطة" لأن نعم الله أكثر من أن تحصى ومحال أن تكون نعمتين لا أكثر فهما يدان حقيقة والآية جاءت تكذيبا لليهود حين قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾. فقال تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ ولا يقول أحد أن معنى ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ غلت نعمهم، ولم يرد اليهود أيضا بقولهم ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ أي نعمه مغلولة فهم أرادوا اليد حقيقة. ورد الله عليهم

стр. 301

مقالتهم بإثبات أن يديه مبسوطتان ينفق كيف يشاء (١). وأيضا لا يجوز حمل اليدين في قوله تعالى: "لما خلقت بيدى" على القوة، كما يجوز في الأيدى في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْد﴾ (٢). وقوله: ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ (٣). حملها على القوة لأن العرب تقول: ما لهم بذلك "أيد" أي قوة (٤). يقول الهراس: "لفظ اليدين بالتثنية لم يعرف استعماله إلا في اليد الحقيقية ولم يرد قط بمعنى القدرة أو النعمة فإنهه لا يسوغ أن يقال خلقه الله بقدرتين، أو بنعمتين، على أنه لا يجوز إطلاق اليدين، بمعنى النعمة أو القدرة أو غيرهما إلا في حق من اتصف باليدين على الحقيقة ولذلك لا يقال للريح يد ولا للماء يد" (٥). وإن سلمنا جواز استعمال "يدى" بمعنى القوة، وأن الله تعالى أرادها بقوله: "خلقت بيدى" أي بقوتى وقدرتى، فهو مناقض لقول من يدعيه، لأن المدعى لذلك لا يثبت لله تعالى قدرة واحدة فكيف بقدرتين. ثم لو عنى الله ﵎ بقوله "خلقت بيدى" القدرة لم يكن لآدم ﵇ على إبليس خصوصية يتميز بها. وقد أراد الله تعالى أن يرى إبليس أن لآدم فضل عليه وهو خلقه له بيديه دونه ولو كانت اليدين بمعنى القوة لم يكن لهذا التفضيل وجه، لأن أبليس أيضا قد

стр. 302

خلقه الله تعالى بقدرته هو وسائر مخلوقاته. ولما أراد الله تفضيل آدم على إبليس بخلقه له "بيده" قال لإبليس موبخا استكباره على آدم أن يسجد له: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ﴾ (١). فدل على أنه ليس معنى الآية القدرة إذا كان الله خلق الأشياء جميعا بقدرته وهذا ما فهمه موسى ﵇ حين قال لآدم ﵇ "أنت آدم الذي خلقك الله بيده" حيث جعل خلق الله ﵎ له بيده من خصائصه وكذلك قول آدم لموسى ﵇: "اصطفاك الله بكلامه وكتب لك التوراة بيده" فجعل هذا من خصائصه ولو كانت اليد هنا بمعنى القدرة لم يكن لهذا معنى (٢). ويقال لهم بعد هذا: لم أنكرتم أن يكون الله عنى بقوله "خلقت بيدى" يدين ليستا نعمتين ولا قدرتين. فإن قالوا: لأن اليد إذا لم تكن بمعنى النعمة ولا بمعنى القوة لم تكن إلا جارحة، والجوارح من خصائص الأجسام والله منزه عن ذلك تعالى وتقدس. قلنا: ولم حكمتم بأن اليد إذا لم تكن نعمة ولا قوة لم تكن إلا جارحة؟ فإن كنتم بنيتم ذلك على الشاهد، وقضيتم به على الله تعالى فنحن كذلك لم نجد حيا من الخلق إلا جسما لحما ودما، ولم نجد مدبرا حكيما إلا إنسانا فاقضوا بذلك على الله تعالى. وإلا ثبت

стр. 303

تناقضكم. وإن أثبتم حيالا كالأحياء المخلوقين، ومدبرا حكيما ليس كالإنسان فلم أنكرتم أن تكون اليدان اللتان أخبر الله تعالى عنهما يدين ليستا نعمتين ولا قدرتين ولا جارحتين ولا كالأيدى (١). فإن قيل: إن الله ﵎ ذكر اليد بلفظ الإفراد في بعض الآيات وفى بعضها بلفظ التثنية، وبلفظ الجمع في البعض الآخر فلا دليل يخصص ما ذهبتم إليه من إثبات اليدين لله تعالى حقيقة دون إثبات أيد كثيرة أو يد واحدة. قلنا: إن الله ﵎ لما ذكر اليد مثناة، أضاف الفعل إلى نفسه بضمير الإفراد، وعداه بالباء إليهما فقال: "خلقت بيدى" ولما ذكر اليد مجموعة. أضاف الفعل إليها، ولم يعد الفعل بالباء فقال: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ (٢) فلا يحتمل "خلقت بيدى" من المجاز ما يحتمله "عملت أيدينا" فإن كل واحد يفهم من قوله "عملت أيدينا" ما يفهمه من قوله عملنا وخلقنا، كما يفهم ذلك من قوله ﴿كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (٣)، وأما قوله "خلقت بيدى" فلو كان المراد منه مجرد الفعل لم يكن لذكر اليد بعد نسبة الفعل إلى الفاعل معنى فكيف وقد دخلت عليها الباء؟ فكيف إذا ثنيت (٤). ويقال أيضا: قد أجمع على بطلان قول من أثبت لله أيديا، أو يدا

стр. 304

واحدة، فعليه يجب أن يكون الله تعالى وتقدس ذكر "أيد، ويدا"، وأراد يدين، لأن القرآن على ظاهره فلا يعدل عنه إلا بحجة وحجة العدول عن إثبات الأيدى، أو اليد الواحدة الإجماع. فيجب الأخذ بالظاهر الآخر الذي لم يأت ما يزيله عن ظاهره وهو إثبات اليدين لله ﵎ حقيقة (١). ولنا أن نقول: إن ما يصنع بالاثنين قد ينسب إلى الواحد، تقول رأيت بعينى، وسمعت بأذنى، والمراد عيناى، وأذناى، وكذلك الجمع يأتى بمعنى المثنى أحيانا كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (٢) والمراد قلباكما. وقوله تعالى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٣) أي يداهما (٤). فعلى هذا يتم القول بإثبات اليدين لله ﵎ حقيقة. ومما يبعد المجاز زيادة على ما ذكر ما ورد من إثبات اليمين والشمال (٥)

стр. 305

والأصابع (١)، والكف (٢) لله ﵎. وفي تأمل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (٣). استبعاد لحمل اليد الثابتة لله تعالى على المجاز لأن الرسول ﷺ كان هو السفير بين الله تعالى وبين خلقه فكانت مبايعته ﷺ مبايعة لله تعالى. ولما كان سبحانه فوق سمواته على عرشه، وفوق الخلائق كلهم كانت يده فوق أيديهم كما أنه سبحانه فوقهم، فهل يصح هذا ممن ليس له يد حقيقة، فكيف يستقيم أن يكون المعنى قدرة الله، ونعمته فوق قدرهم ونعمهم والله سبحانه أعلم (٤)

стр. 306

(١٢) الأصابع . يذهب أبو محمد بن حزم إلى تأويل أصابع الله بالتدبير والنعم. فيقول في معنى قوله ﷺ : "إن قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الله " (١) إنه بين تدبيرين ونعمتين من تدبير الله ونعمه إما كفاية تسره، وإما بلاء يأجره عليه. والإِصبع في اللغة النعمة وقلب كل أحد بين توفيق الله وجلاله وكلاهما حكمه (٢). مذهب ابن حزم في أصابع الله تعالى موافق للمؤولة من المعتزلة (٣) والأشاعرة (٤). فالجميع يؤولونها على خلاف مايدل عليه ظاهر النصوص المثبتة لها.

стр. 307

والتأويل بالنسبة لابن حزم يخالف مذهبه، الأخذ بظواهر النصوص، ويوافق ابن الثلجى (١)، في تأويلها بالنعمة. (٢). ونرى عدم صحة هذا التأويل ونقول: إن الأصابع من صفات الله ﵎ حقيقة على ما يليق بجلاله وكماله، وعظمته، وليست على معنى الجارحة، ولا بمعنى النعمة ولا على أي معنى يلزم منه حدوثها (٣). وننفي كونها بمعنى الجارحة لأن الجوارح من صفات الأجسام المخلوقة وهي لا تكون إلا مركبة، فهي مفتقرة والله ﵎ منزه عن كل نقص (٤). وننفي كون الأصابع الثابتة لله تعالى بمعنى النعمة، لأن الإِثبات ورد في حديثين ولا يمكن حمل ما ورد فيهما على النعمة. أما الحديث الأول فهو ما سبق ذكره "إن قلوب العباد كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد .. الحديث".

стр. 308

والمانع من حمل الأصبعين في الحديث هذا على النعمتين أن القلب إذا كان بين نعمتين فهو محاط بهما فلو مال عن واحدة أصاب الأخرى فلا وجه للدعاء بالتثبيت حتى على تأويل ابن حزم بقوله: "إما كفاية تسره، وإما بلاء يأجره عليه" لأنه على طاعة في كلتا الحالتين فلا وجه لطلب التثبيت. يقول ابن قتيبة بعد أن أورد الحديث وذكر القول بتأويله بالنعم "ونحن نقول: إن هذا الحديث صحيح، وإن الذي ذهبوا إليه في تأويل الأصبع، لا يشبه الحديث، لأنه ﵇ قال في دعائه "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" فقالت له إحدى أزواجه: "أو تخاف يا رسول الله على نفسك؟ فقال: "إن قلب المؤمن، بين أصبعين من أصابع الله ". فإن كان القلب عندهم بين نعمتين من نعم الله تعالى فهو محفوظ بتينك النعمتين، فلأي شيء دعا بالتثبيت، ولم احْتَجّ على المرأة التي قالت له: أتخاف على نفسك - بما يؤكد قولها وكان ينبغي أن لا يخاف، إذا كان القلب محروسا بنعمتين. (١) وبهذا يتضح أن حمل الأصبعين في الحديث على النعمتين غير صحيح ولا يستقيم معنى الحديث على هذا التأويل فالحمل عليه خطأ بين. فإن قيل: إذا لم يمكن حمل الأصبعين في الحديث على النعمتين فيمكن أن يقال: إن في لفظ الحديث، كناية عن سرعة تقليبه تعالى قلوب عباده، وأن ذلك أمر معقود بمشيئته . (٢) قلنا إن كان في لفظ الحديث كناية، فهو دليل أيضا على

стр. 309

إثبات أن لله تعالى أصابع حقيقة، إذ لو لم يكن له أصابع حقيقة لما جاز استعمالها بالنسبة له في غير الحقيقة، إذ لا يقال للريح أصبع، ولا للجبل أصبع ولا غير ذلك مما لا أصابع له حقيقة، ثم إنه ورد إثبات الأصبع لله تعالى في غير هذا الحديث، ولا يمكن حمله على غير الحقيقة وسنذكر ذلك. وأما الحديث الثاني الذي ورد فيه إثبات الأصبع فهو: ما روى البخاري بسنده عن عبد الله، (١) أن يهوديا جاء إلى النبي ﷺ . فقال يامحمد: إن الله يمسك السموات على إصبع والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر على إصبع، والخلائق على إصبع، ثم بقول: أنا الملك فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (٢) وفي بعض طرق الحديث: "فضحك رسول الله ﷺ تعجبا وتصديقا له". (٣)

стр. 310

ولا يحمل الأصبع في هذا الحديث على النعمة لعدم صحة ذلك في اللغة فلا يقول أحد: إن الله يمسك السموات على نعمة، والأرضين على نعمة .. الخ. ولعدم استقامة تأويل هذا الحديث بالنعمة، أو بالقدرة كما قال المؤولة، لجأوا إلى رده بأنه من تخليط اليهود وهم مشبهة. وضحكه ﷺ من قول الحبر يحتمل الرضى والإِنكار. وقول الراوي "تصديقا له" ظن منه وحسبان. والحديث روى من طرق ليست فيها هذه الزيادة. (١) ويقول القرطبي: "وضحك النبي ﷺ ، إنما هو للتعجب من جهل اليهودي، ولهذا قرأ عند ذلك" ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (٢) أي ما عرفوه حق معرفته ولا عظموه حق تعظيمه". (٣) ونقول الحديث رواه البخاري ومسلم، والترمذي وغيرهم من طرق عدة في بعضها "فضحك رسول الله ﷺ تعجبا وتصديقا له". والحديث صحيح لا مجال للشك فيه، وعدم ورود الزيادة في بعض طرق الحديث لا تخرجها عن الصحة فهي مروية في الطرق الأخرى وهي صحيحة. يقول ابن خزيمة: "قد أجل الله قدر نبيه ﷺ عن أن يوصف الخالق البارىء بحضرته بما ليس من صفاته فيسمعه

стр. 311

فيضحك عنده ويجعل بدل وجوب التكبير والغضب على المتكلم به ضحكا تبدو نواجذه تصديقا وتعجبا لقائله، لا يصف النبي ﷺ بهذه الصفة مؤمن مصدق برسالته" (١). فضحك الرسول الأمين ﷺ ، وعدم إنكاره دليل على صحة وصف الله تعالى بالأصابع. فالسنة كل ما أثر عن الرسول ﷺ من قول أو فعل أو تقرير، وسكوت الرسول ﷺ تقرير لكلام اليهودي، ولو لم يكن لله تعالى أصابع حقيقة لبين ذلك الرسول ﷺ بهذه المناسبة ولم يسكت عن البيان ويضحك متعجبا من استعظام اليهودي لهذه القدرة الإِلهية. فضحك الرسول ﷺ تعجبا من كون هذا اليهودي يستعظم ذلك في قدرة الله تعالى فقرأ لذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي أن ما ذكر اليهودي ليس بجانب قدرة الله تعالى بعظيم فليس قدره في القدرة على ما يخلق على الحد الذي ينتهي إليه الوهم ويحيط به الحصر فهو تعالى قادر على إمساك مخلوقاته على غير شيء كما هي عليه اليوم (٢). فإن قيل: إنكم أثبتم لله تعالى أصابع حقيقة، فهل تعتقدون أن القلوب بين أصابع الله تعالى على الحقيقة كما نفهم من ظاهر النص فإن كان الجواب بالإيجاب، كانت أصابع الله تعالى وتقدس حالة في صدور العباد إذ هي مكان القلوب، وهذا مما لا تقولون به، وإن كان بالنفي فليست بحقيقة عندكم كما هي عندنا؟

стр. 312

قلنا: أما إثبات الأصابع لله تعالى حقيقة فإنا نقول به ونثبتها صفة له تعالى على ما يليق بجلاله، كما أثبتها له أعلم الخلق به رسوله ﷺ . ولا نشبه شيئا من صفات ربنا بشيء من صفات خلقه أما كون القلوب بين أصبعين من أصابعه حقيقة على ما يفهم من كون الشيء بين أصبعين من أصابع المخلوق فهذا مما لا يدل عليه الحديث ولا يفهم منه ذلك بالنسبة لله تعالى وفي نص الحديث: "إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الله كقلب واحد" ولم يقل: "إن كل قلب من قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الله" فقوله: "إن قلوب العباد" ثم قوله "إنها كقلب واحد" مبعد لاحتمال ما ذكرتم والله تعالى وتقدس بائن من خلقه. وليس شيء منه تعالى حالا في مخلوقاته أو بشيء منها وصفات الله تعالى تليق به فلا يقاس بشيء من خلقه فيشبه فعله بفعلهم وصفاته بصفاتهم. وتشبيهكم له بخلقه هو الذي جعلكم تعطلونه عما هو ثابت له على ما يليق به فصفات الخالق تليق بعظمته وكماله، وصفات المخلوق تناسب عجزه وافتقاره. (١٣) الجنب يقول أبو محمد بن حزم في قوله تعالى حاكيا عن قول قائل ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ (١). وهذا معناه فيما يقصد به إلي الله وفى جنب عبادته. (٢). وأرى صحة هذا القول في معنى الآية الكريمة لأمرين:

стр. 313

الأول: أن قول من قال: إن الجنب من صفات الله تعالى (١) لا دليل عليه. ولم يرد إثباته لله تعالى، وإنما جاء مضافًا إلى الله تعالى فيما حكاه عن قول قائل: "ياحسرتا على ما فرطت في جنب الله" ومجرد هذه الإضافة، لا يقتضى كون المضاف إلى الله صفة له كما في قوله تعالى حاكيا قول رسوله صالح ﵇ لقومه: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ (٢) وقوله تعالى ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ (٣) وغير هذا مما هو مضاف إلى الله تعالى وليس هو من صفاته بالاتفاق. يقول ابن تيمية بعد ذكر الآية: "فليس في مجرد الإِضافة ما يستلزم أن يكون المضاف إلى الله صفة له، بل قد يضاف إليه من الأعيان المخلوقة وصفاتها القائمة بها ما ليس بصفة له باتفاق الخلق كقوله تعالى "بيت الله" (٤) و ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ (٥)، و ﴿عِبَادَ اللَّهِ﴾ (٦). بل وكذلك "روح الله" (٧) عند سلف المسلمين وأئمتهم وجمهورهم، ولكن إذا

стр. 314

أضيف إليه ماهو صفة له، وليس بصفة لغيره، مثل كلام الله، وعلم الله، ويد الله ونحو ذلك كان صفة له". (١) يبين ابن تيمية أن الإِضافة لا تستلزم أن يكون المضاف صفة للمضاف إليه لمجرد الإِضافة، فيضاف ما هو صفة، وما هو غير صفة للمضاف إليه. ثم إن التفريط المذكور في الآية لا يكون في شىء من صفات الله تعالى، لأنه إما فعل أو ترك فعل وهذا لا يكون قائما بذات الله تعالى لا بجنب ولا غيره (٢) الثاني: أن ما ذهب إليه ابن حزم من معنى الآية هو ما تدل عليه اللغة: فقيل: إن الجنب يأتي بمعنى الأمر كما قال كثير عزة: أما تتقين الله في جنب عاشق ... له كبد حرى وعين ترقرق (٣) وفي لسان العرب: "قال الفراء: (٤) الجنب: القرب، وقوله على

стр. 315

ما فرطت في جنب الله "أي في قرب الله وجواره. وقال ابن الأعرابي (١) في قوله "في جنب الله" أي في قرب الله من الجنة. وقال الزجاج: (٢) معناه على ما فرطت في الطريق الذي هو طريق الله الذي دعانى إليه وهو توحيده والإِقرار بنبوة رسوله ﷺ ". (٣). ويقول الدارمى إن معنى الآية: "تحسر الكفار على ما فرطوا في الإِيمان والفضائل التي تدعو إلى ذات الله تعالى، واختاروا عليها الكفر والسخرية بأولياء الله فسماهم الساخرين". (٤) وقول ابن حزم الذي ذكرنا في معنى الجنب موافق لتلك الأقوال التي سقناها عن بعض علماء اللغة والسلف. ويؤيد هذا أنك إذا قلت فلان قد فرط في جنب فلان. لا يراد به أن التفريط وقع في شىء من نفس ذلك الشخص أي جنبه الحقيقى الذي هو الشق وإنما يقصد به التفريط في جهته وفى حقه.

стр. 316

فإذا كان معنى هذه العبارة ليس الجنب الحقيقي إذا وردت - بالنسبة للإنسان المتصف بالجنب حقيقة واتفاقا، فكيف يحمل ما ورد من ذلك بنفس اللفظ بالنسبة لله تعالى على المعنى الذي لم يصح استعمال اللفظ فيه بالنسبة لمن هو متصف بالجنب حقيقة، مع أن إثبات الصفات لله تعالى لا يصح إلا من طريق دلالة النص ولم نعرف نصا يدل على ذلك. (١) (١٤) الساق: يذهب أبو محمد بن حزم إلى أن الساق الوارد في قوله تعالى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ (٢). وفيما صح عن النبي ﷺ عن يوم القيامة أن الله يكشف عن ساق فيخرون سجدا. إنما هو إخبار عن شدة الأمر وهول الموقف كما تقول العرب قد شمرت الحرب عن ساقها قال جرير: الأرب سامي الطرف من آل مازن ... إذا شمرت عن ساقها الحرب شمرا (٣) تأويل ابن حزم الساق بالشدة وهول الموقف، موافق لتأويل

стр. 317

المعتزلة (١) والأشاعرة (٢) فهؤلاء لا يثبتون الساق صفة لله تعالى، ويؤولون الآية وما ورد من الأحاديث بالشدة وهول الموقف فلا خلاف بينهم وبين ابن حزم المدعى للظاهرية. والذي نقول في الساق، إنه صفة من صفات الله تعالى تليق بجلاله وكبريائه على ما وصف به نفسه، وليس بمعنى الجارحة، لأن الجوارح من صفات الأجسام المركبة المفتقرة إلى مركب وهذا نقص ويتعالى الله عن كل نقص. وننفي كونها بمعنى الشدة، لأن النصوص التي وردت دالة على إثبات الساق صفة لله تعالى لا يصح حملها على هذا التأويل ونبين هذا بعد سياق تلك النصوص التي ورد فيها ذكر الساق. النص الأول: يقول تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ (٣)

стр. 318

الثاني. روى البخاري بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: قلنا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تضارون في رؤية الشمس والقمر إذا كانت صحوا؟ قلنا لا. قال: فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ إلا كما تضارون في رؤيتهما. ثم قال: ينادي مناد ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون. فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم، وأصحاب الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم حتى يبقى من كان يعبد الله من بر أو فاجر وغبرات من أهل الكتاب ثم يؤتي بجهنم تعرض كأنها سراب، فيقال لليهود ماكنتم تعبدون؟ قالوا كنا نعبد عزيرًا ابن الله. فيقال كذبتم لم يكن لله صاحبة ولا ولد فما تريدون. قالوا نريد أن تسقينا: فيقال اشربوا فيتساقطون في جهنم. ثم يقال للنصاري: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله. فيقال كذبتم لم يكن لله صاحبة ولا ولد. فما تريدون. فيقولون: نريد أن تسقينا فيقال اشربوا فيتساقطون. حتى يبقى من كان بعبد الله من بر أو فاجر فيقال لهم ما يحبسكم وقد ذهب الناس. فيقولون: فارقناهم، ونحن أحوج منا إليه اليوم، وإنا سمعنا مناديا ينادي: ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون. وإنما ننتظر ربنا قال فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة، فيقول: أنا ربكم فيقولون أنت ربنا، فلا يكلمه إلا الأنبياء. فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه؟ فيقولون الساق فيكشف عن ساقه فيسجد له كل مؤمن. ويبقى من كان يسجد لله

стр. 319

رياء وسمعة فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقا واحدا .. الحديث" (١) الثالث: روى مسلم بسنده عن عبد الله بن عمرو حديثا طويلا - عن خروج الدجال ومكثه. في الأرض، ونزول عيسى وقتله له وذهاب أهل الخير وبقاء شرار الناس وعبادتهم الأوثان والنفخ في الصور، وبعث من في القبور - وساق الحديث إلى أن قال: "ثم ينفخ فيه (الصور) أخرى فإذا هم قيام ينظرون. ثم يقال: يا أيها الناس. هلم إلى ربكم وقفوهم إنهم مسئولون. قال: ثم يقال: أخرجوا بعث النار فيقال من كم؟ فيقال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين. قال ذاك يوم يجعل الولدان شيبا. وذلك يوم يكشف عن ساق" (٢) نرى فيما ذكرنا من الأدلة على إثبات صفة الساق لله تعالى. وبيان عدم صحة حمل الساق فيها على الشدة، أن معنى الآية إذا أولت بالشدة يكون يوم يكشف عن شدة ويدعون إلى السجود وهذا غير صحيح، لأن وقت كشف الساق هو في وقت الشدة وهي لم تذهب بعد، فلا يصح هذا التأويل.

стр. 320

وفي كشف الشدة والهول - على معنى إذهابها وإزالتها يقال: كشفت الشدة، لا كشف عنها، فإذا قيل كشف عنها أصبح المعنى أنها أظهرت وبينت. وعلى هذا الشاهد "إذا شمرت عن ساقها الحرب" أي أعلنت فظهرت مشتدة لا تخفى على أحد. وفي الحديث: "هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها؟ فيقولون الساق. فيكشف عن ساقه". وبيان عدم صحة حمل الساق هنا على التأويل بالشدة، أن المخاطبين في حال من الشدة بلا خلاف، ولو أرادوا بالآية التي يعرفونه تعالى بها - الشدة لقالوا حين سألهم: كشف الشدة، لأنها حالة بهم. فلما قالوا: "الساق" ثم كشف عن ساقه وحصل السجود أو محاولته. تبين أن المقصود بهذا الساق. شيء خاص بالله تعالى هو صفة له، وليس إذهابا للشدة لأنها موجودة بعد كشفه إذ أن أشد الشدة عند حال السجود خاصة ممن لم يستطع ذلك. وفي حديث مسلم: "ذاك يوم يجعل الولدان شيبا وذلك يوم يكشف عن ساق". ولا يمكن حمل كشف الساق هنا على كشف الشدة لأنه بين شدة ذلك اليوم بأنه يشيب الولدان. وهذا تناقض. فإن قيل: لا تناقض في الكلام وهذا ممكن إذ يكون في أول اليوم شدة تشيب الولدان، وفي آخره تزال هذه الشدة. قلنا: لا يمكن حمله على إزالة الشدة لأنها وإن زالت عن من رضى الله تعالى عنه، فهي باقية على أشد مما كانت عليه في أول اليوم بالنسبة للمغضوب عليهم، وعلى هذا فلا يمكن حمل الشدة في كل ما ذكرنا من الأدلة على غير الساق الحقيقي الذي يناسب عظمة المتصف به وكماله.
следующие страницы →