← Акыда

Акыда · id 116

ابن حزم وموقفه من الإلهيات عرض ونقد

أحمد بن ناصر الحمد

Полный текст (510 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

فإذا كان معنى هذه العبارة ليس الجنب الحقيقي إذا وردت - بالنسبة للإنسان المتصف بالجنب حقيقة واتفاقا، فكيف يحمل ما ورد من ذلك بنفس اللفظ بالنسبة لله تعالى على المعنى الذي لم يصح استعمال اللفظ فيه بالنسبة لمن هو متصف بالجنب حقيقة، مع أن إثبات الصفات لله تعالى لا يصح إلا من طريق دلالة النص ولم نعرف نصا يدل على ذلك. (١) (١٤) الساق: يذهب أبو محمد بن حزم إلى أن الساق الوارد في قوله تعالى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ (٢). وفيما صح عن النبي ﷺ عن يوم القيامة أن الله يكشف عن ساق فيخرون سجدا. إنما هو إخبار عن شدة الأمر وهول الموقف كما تقول العرب قد شمرت الحرب عن ساقها قال جرير: الأرب سامي الطرف من آل مازن ... إذا شمرت عن ساقها الحرب شمرا (٣) تأويل ابن حزم الساق بالشدة وهول الموقف، موافق لتأويل

стр. 317

المعتزلة (١) والأشاعرة (٢) فهؤلاء لا يثبتون الساق صفة لله تعالى، ويؤولون الآية وما ورد من الأحاديث بالشدة وهول الموقف فلا خلاف بينهم وبين ابن حزم المدعى للظاهرية. والذي نقول في الساق، إنه صفة من صفات الله تعالى تليق بجلاله وكبريائه على ما وصف به نفسه، وليس بمعنى الجارحة، لأن الجوارح من صفات الأجسام المركبة المفتقرة إلى مركب وهذا نقص ويتعالى الله عن كل نقص. وننفي كونها بمعنى الشدة، لأن النصوص التي وردت دالة على إثبات الساق صفة لله تعالى لا يصح حملها على هذا التأويل ونبين هذا بعد سياق تلك النصوص التي ورد فيها ذكر الساق. النص الأول: يقول تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ (٣)

стр. 318

الثاني. روى البخاري بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: قلنا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تضارون في رؤية الشمس والقمر إذا كانت صحوا؟ قلنا لا. قال: فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ إلا كما تضارون في رؤيتهما. ثم قال: ينادي مناد ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون. فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم، وأصحاب الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم حتى يبقى من كان يعبد الله من بر أو فاجر وغبرات من أهل الكتاب ثم يؤتي بجهنم تعرض كأنها سراب، فيقال لليهود ماكنتم تعبدون؟ قالوا كنا نعبد عزيرًا ابن الله. فيقال كذبتم لم يكن لله صاحبة ولا ولد فما تريدون. قالوا نريد أن تسقينا: فيقال اشربوا فيتساقطون في جهنم. ثم يقال للنصاري: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله. فيقال كذبتم لم يكن لله صاحبة ولا ولد. فما تريدون. فيقولون: نريد أن تسقينا فيقال اشربوا فيتساقطون. حتى يبقى من كان بعبد الله من بر أو فاجر فيقال لهم ما يحبسكم وقد ذهب الناس. فيقولون: فارقناهم، ونحن أحوج منا إليه اليوم، وإنا سمعنا مناديا ينادي: ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون. وإنما ننتظر ربنا قال فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة، فيقول: أنا ربكم فيقولون أنت ربنا، فلا يكلمه إلا الأنبياء. فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه؟ فيقولون الساق فيكشف عن ساقه فيسجد له كل مؤمن. ويبقى من كان يسجد لله

стр. 319

رياء وسمعة فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقا واحدا .. الحديث" (١) الثالث: روى مسلم بسنده عن عبد الله بن عمرو حديثا طويلا - عن خروج الدجال ومكثه. في الأرض، ونزول عيسى وقتله له وذهاب أهل الخير وبقاء شرار الناس وعبادتهم الأوثان والنفخ في الصور، وبعث من في القبور - وساق الحديث إلى أن قال: "ثم ينفخ فيه (الصور) أخرى فإذا هم قيام ينظرون. ثم يقال: يا أيها الناس. هلم إلى ربكم وقفوهم إنهم مسئولون. قال: ثم يقال: أخرجوا بعث النار فيقال من كم؟ فيقال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين. قال ذاك يوم يجعل الولدان شيبا. وذلك يوم يكشف عن ساق" (٢) نرى فيما ذكرنا من الأدلة على إثبات صفة الساق لله تعالى. وبيان عدم صحة حمل الساق فيها على الشدة، أن معنى الآية إذا أولت بالشدة يكون يوم يكشف عن شدة ويدعون إلى السجود وهذا غير صحيح، لأن وقت كشف الساق هو في وقت الشدة وهي لم تذهب بعد، فلا يصح هذا التأويل.

стр. 320

وفي كشف الشدة والهول - على معنى إذهابها وإزالتها يقال: كشفت الشدة، لا كشف عنها، فإذا قيل كشف عنها أصبح المعنى أنها أظهرت وبينت. وعلى هذا الشاهد "إذا شمرت عن ساقها الحرب" أي أعلنت فظهرت مشتدة لا تخفى على أحد. وفي الحديث: "هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها؟ فيقولون الساق. فيكشف عن ساقه". وبيان عدم صحة حمل الساق هنا على التأويل بالشدة، أن المخاطبين في حال من الشدة بلا خلاف، ولو أرادوا بالآية التي يعرفونه تعالى بها - الشدة لقالوا حين سألهم: كشف الشدة، لأنها حالة بهم. فلما قالوا: "الساق" ثم كشف عن ساقه وحصل السجود أو محاولته. تبين أن المقصود بهذا الساق. شيء خاص بالله تعالى هو صفة له، وليس إذهابا للشدة لأنها موجودة بعد كشفه إذ أن أشد الشدة عند حال السجود خاصة ممن لم يستطع ذلك. وفي حديث مسلم: "ذاك يوم يجعل الولدان شيبا وذلك يوم يكشف عن ساق". ولا يمكن حمل كشف الساق هنا على كشف الشدة لأنه بين شدة ذلك اليوم بأنه يشيب الولدان. وهذا تناقض. فإن قيل: لا تناقض في الكلام وهذا ممكن إذ يكون في أول اليوم شدة تشيب الولدان، وفي آخره تزال هذه الشدة. قلنا: لا يمكن حمله على إزالة الشدة لأنها وإن زالت عن من رضى الله تعالى عنه، فهي باقية على أشد مما كانت عليه في أول اليوم بالنسبة للمغضوب عليهم، وعلى هذا فلا يمكن حمل الشدة في كل ما ذكرنا من الأدلة على غير الساق الحقيقي الذي يناسب عظمة المتصف به وكماله.

стр. 321

يقول أبو يعلى بعد أن ذكر حديث أبي سعيد الخدري: "ولا يصح تأويل ذلك على الشدة، ولأنه قال: فيتمثل لهم الرب وقد كشف عن ساقه. والشدائد لا تسمى ربا. ولأنه قال "يخرون .. سجدا" .. والسجود لا يكون للشدائد". (١) وفي مختصر الصواعق: قوله تعالى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ (٢) مطابقا لقوله ﷺ : "فيكشف عن ساقه" وتنكيره للتعظيم والتفخيم كأنه قال: يكشف عن ساق عظيمة قالوا وحمل الآية على الشدة لا يصح بوجه، فإن لغة القوم أن يقال: كشفت الشدة عن القوم لا كشفت عنها. كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ﴾ (٣) فالعذاب هو المكشوف لا المكشوف عنه. وأيضا فهناك تحدث شدة لا تزول، إلا بدخول الجنة. وهنا لا يدعون إلى السجود، وإنما يدعون إليه أشد ما كانت الشدة" (٤) مما ذكرنا عن أبي يعلى وابن القيم، نرى استبعادهم لحمل الساق الوارد إثباته لله تعالى على معنى الشدة ويثبتونه صفة لله تعالى على ما يليق بجلاله تعالي وتقدس. (١٥) القدم والرجل يذهب أبو محمد بن حزم إلى أن معنى القدم والرجل - في قول الرسول ﷺ : "إن جهنم لا تمتلىء حتى يضع فيها

стр. 322

قدمه" (١) وقوله ﷺ "حتى يضع فيها رجله" (٢) - الأمة التي تقدم في علم الله تعالى أنه يملأ بها جهنم، لأنه ﷺ بين ذلك في حديث آخر صحيح أخبر فيه أنه تعالى بعد يوم القيامة يخلق خلقا يدخلهم الجنة، وأنه تعالى يقول للجنة والنار لكل واحدة منكما ملؤها، فمعنى القدم في الحديث المذكور إنما هو كما قال تعالى ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، (٣) يريد سالف صدق فمعناه الأمة التي تقدم في علمه تعالى أنه يملأ بها جهنم ومعنى رجله نحو ذلك، لأن الرجل الجماعة في اللغة، أي يضع فيها الجماعة التي سبق في علمه تعالى أنه يملأ جهنم بها (٤). مذهب ابن حزم الذي بينا في قدم الله ورجله، موافق لمذهب بشر المريسى، (٥) في القدم موافقة تامة، حيث يرى بشر أن المقصود بالقدم المذكورة في الحديث: أهل الشقوة الذين سبق في علم الله تعالى أنهم

стр. 323

صائرون إليها. (١) وعدم إثبات القدم صفة لله تعالى هو مذهب المعتزلة عامة (٢) وبعض الأشاعرة (٣). يقول الآمدي في تأويل الحديث: "يحتمل أن يراد به بعض الأمم المستوجبين النار، وتكون إضافة القدم إلى الجبار تعالى إضافة التمليك. وقد قيل يحتمل أن يكون المراد به قدم بعض الجبارين المستحقين للعذاب الأليم بأن يكون قد ألهم الله النار الاستزادة إلى حين استقرار قدمه فيها". (٤) فالتأويل الأول الذي ذكره الآمدي هو مذهب المريسي وابن حزم ومن تبعهم. ونرى عدم صحة هذا القول وأن تأويل القدم والرجل الوارد ذكرهما في الحديث بالجماعة، أو بغير ما يدل عليه اللفظ من الصفة الحقيقية لله تعالى على ما يليق بجلاله وكماله: (٥) لا يتم حتى مع صحة ورود الرجل والقدم بمعنى الطائفة والجماعة لغة. (٦) إذ لا يلزم على هذا أن تلازم ذلك المعنى دون غيره مما وضعت له، بل إن حال الكلام الذي ترد فيه هو المحدد للمعنى المقصود من معانيها.

стр. 324

ثم إن في نص الأحاديث التي ذكر فيها القدم، والرجل ما يبعد حملها على تأويل ابن حزم ونص الأحاديث ما يلي: (١) روى مسلم بسنده عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "تحاجت النار والجنة فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين وقالت الجتة: فما لي لا يدخلنى إلا ضعفاء الناس وسقطهم (١) وعجزهم. (٢) فقال الله للجنة: أنت رحمتى أرحم بك من أشاء من عبادى. وقال للنار: أنتى عذابى أعذب بك من أشاء من عبادى ولكل واحدة منكما ملؤها فأما النار فلا تمتلىء، فيضع قدمه عليها فتقول: قط، قط. (٣) فهناك تمتلىء، ويزوى بعضها إلى بعض". (٤) (٢) روى مسلم بسنده عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ وساق الحديث كالحديث السابق إلى أن قال: "فأما النار فلا تمتلىء حتى يضع الله ﵎ رجله. تقول قط قط قط فهناك تمتلىء، ويزوى بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحدا. وأما الجنة، فإن الله ينشىء لها خلقا". (٥)

стр. 325

(٣) وروى مسلم بسنده عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: "لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد حتى يضع فيها رب العزة ﵎ قدمه فتقول: قط قط وعزتك ويزوى بعضها إلى بعض". (١) (٤) وروى مسلم أيضا بسنده عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوى بعضها إلى بعض وتقول قط قط بعزتك، وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشىء الله لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة". (٢) في هذه الأحاديث المصرحة بأن الله تعالى يضع رجله أو قدمه في النار ما يبعد حملها على تأويل ذلك بالأمة أو الجماعة التي سبق في علمه تعالى أنه يملأ جهنم بها، لأن في كل الأحاديث التي ذكرنا: "أنه ينزوي بعفرا النار إلى بعض" أي يقرب بعضها إلى بعض، يقال: انزوى القوم بعضهم إلى بعض إذا تدانوا وتضاموا (٣) والمعنى في الأحاديث أن النار بعد هذا الفعل من الله تعالى تجمع وتضيق على من فيها فتمتلىء بهم. ولو أن المقصود بوضع القدم أو الرجل الجماعة لقال في تلك الأحاديث يلقى فيها حتى تمتلىء لأن الجماعة تلقى فيها

стр. 326

القاء. ولم يقل: "يزوى بعضها إلى بعض". وفى معنى الزوى الجمع والتضييق ولا يحتاج إلى هذا مع زيادة فيها غير الموجودين، لأن الله ﵎ قادر على ملئها من غير تضييق خاصة على هذا القول - خلق أناس لها - لكن مقتضى عدله يخالف هذا فلا يعذب أحدا بغير ذنب. وكما إلى هذه الإشارة في الحديث الثاني مما ذكرنا بقوله: "ولا يظلم الله من خلقه أحدا" ولسعة فضله وسابغ إنعامه لم يضيق الجنة ليفى لها بوعده، بل خلق لها خلقا. لم يعملوا وأسكنهم فضلها. وفى كل من تضييق النار على من فيها حتى تمتلىء. وخلقه تعالى للجنة خلقا يملؤها وفاء بوعده تعالى لما قال: "لكل واحدةٍ منكما ملؤها" كما في الحديث الأول السابق وقوله تعالى ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (١) فإن قيل: كيف يصح لكم أن تثبتوا لله تعالى قدما حقيقية، ثم تقولون إنه يضعها في لنار إذا طلبت المزيد، والملء كما وعدها، ووضع القدم في النار مستحيل؟ قلنا: أما إثباتنا القدم لله تعالى، فليس ابتداعا من عند أنفسنا ولا نثبت لله تعالى شيئا لم يثبته لنفسه، أو يثبته له أعلم الخلق به رسوله محمد ﷺ . وقد أثبت القدم لربه كما في الأحاديث السابقة. وليس في إثبات القدم، أو الرجل نقص في حقه سبحانه فصفاته تليق بجلاله وكماله، وليست على ما نعلم من صفات الخلق فليست بجارحة بل صفة له تليق بعظمته. وقد عاب الله سبحانه على من يعبد الأصنام بقوله: "ألهم أرجل

стр. 327

يمشون بها" (١) فجعل عبادتهم لأصنام ليس لها أرجل محل ذم لهم. (٢) أما وضعه تعالى قدمه في النار فهذا لا استحالة فيه بالنسبة لله ﵎ رب كل شىء ومليكه، وقياسكم ذلك على الخلق باستحالة وضع القدم منهم هو عين التشبيه الذي ادعيتم الفرار منه، فوقعتم في أعظمه. فقياسكم الله تعالى على خلقه هو الذي أوقعكم في تعطيله بعد تشبيهه فجمعتم بين محذورين تشبيه الله بخلقه وتعطيله بنفي صفاته اللائقة بجلاله وعظمته. (٣) ثم إن دعوى استحالة وضع القدم في النار غير صحيحة حتى بالنسبة للمخلوق. فالله قد خلق للنار خزنة يدخلونها ملائكة غلاظ شداد يقول ﵎: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. (٤) فيخرجون من النار من أمرهم الله بإخراجه وهم غير معذبين بها. يقول تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾. (٥) فإذا كانت جهنم لا تضر الخزنة الذين يدخلونها ويقومون عليها فكيف تضر الذي سخرها لهم تعالى وتقدس (٦)

стр. 328

أما استدلال ابن حزم على مذهبه بما في الحديث، من أن الله تعالى يخلق خلقا يدخلهم الجنة، وأنه تعالى يقول للجنة والنار لكل واحدة منكما ملؤها، فمعنى القدم في الحديث إنما هو كما قال تعالى ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (١) يريد سالف صدق فمعناه الأمة التي تقدم في علمه تعالى أنه يملأ بها جهنم فليس صحيحا، لأن في الحديث الوعد بالملء للجنة والنار. وأن الله يخلق خلقا يدخلهم الجنة - وليس في الحديث ذلك بالنسبة للنار، وإنما الذي فيه أدن الله يضع قدمه فيها أو عليها، ولو كان يخلق للنار خلقا يعذبهم، كما يخلق للجنة خلقا ينعمهم - لقال ﷺ في الحديث: إن الله يخلق خلقا يدخلهم الجنة، ويخلق خلقا يدخلهم النار، أو أن الجنة والنار لا تمتلئان حتى يضع الله فيهما قدمه أو رجله. ولم يقل النبي ﷺ ذلك فليس هو المقصود. والذين تدل عليهم الآية "أن لهم قدم صدق" هم غير من يخلقون لملء الجنة، فهم ممن سبقت لهم البشارة وهم الذين آمنوا، ومن يخلق لملء الجنة لم يسبق له إيمان. وفى معنى قوله تعالى "قدم صدق" قيل إنها الأعمال الصالحة أو الثواب، أو شفاعة الرسول ﷺ للمؤمنين. (٢) فإن قيل: إن الله تعالى ذكر أنه يخلق خلقا لملء الجنة، وهذا بين الدلالة. وقال: إنه يضع قدمه على النار فتمتلىء، وهذا غير ظاهر الدلالة فنحمل ما ورد مجملا من ذلك على ما ورد مفصلا. قلنا: إن قوله ﷺ في الأحاديث: "يضع رب العزة فيها قدمه" ظاهر الدلالة لا إجمال فيه، وقد بين المراد صلى الله

стр. 329

عليه وسلم بما لا يدع مجالا للإيهام أو الشك. فنص في الأحاديث على أنه يزوى بعض النار على بعض. وفى بعضها "إنه لا يظلم من خلقه أحدا" فيبعد هذا احتمال أن وضع القدم فيها زيادة سكانها، وأن يدخل فيها أحدا من خلقه من غير ذنب. وليس بعد هذا الإيضاح بيان والله أعلم. (١٦) الاستواء: يذهب ابن حزم إلى نفي كون الاستواء صفة، لأن الله تعالى لم يسم نفسه مستويا، ولا يصح أن يسمى الله تعالى بما لم يسم به نفسه، لأن هذا إلحاد في أسمائه، ثم إن الأمة مجمعة على أنه لا يدعوا أحد فيقول يا مستوى ارحمني، ولا يسمى ابنه عبد المستوى (١) ثم رد على من استدل بقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٢) على أن الله تعالى في مكان دون مكان، بما رد به على من قال: إن الله في كل مكان. بقوله: إن من هو في مكان فهو شاغل له وما كان في مكان فإنه متناه بتناهي مكانه فهو ذو جهات وهذه صفة الأجسام. (٣) وقد رد ابن حزم أيضا على من يقول: إن استوى بمعنى استولى (٤) وعلى من جعله صفة ذات، ومعناه نفى الاعوجاج. (٥) ثم ارتضى في معنى الاستواء على العرش القول بأنه تعالى: فعل

стр. 330

فعله في العرش، وهو انتهاء خلقه إليه، فليس بعد العرش شيء. ويبين ذلك ان رسول الله ﷺ ذكر الجنات وقال: "فاسألوا الله الفردوس الأعلى فإنه وسط الجنة، وأعلى الجنة وفوق ذلك عرش الرحمن" (١) فصح أنه ليس وراء العرش خلق، وأنه نهاية جرم المخلوقات الذي ليس خلفه خلاء ولا ملاء. والاستواء في اللغة يقع على الانتهاء قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (٢) أي فلما انتهى إلى القوة والخير وقال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ (٣) أي أن خلقه وفعله انتهى إلى السماء بعد أن رتب الأرض على ما هي عليه (٤). لما كان ابن حزم يلتزم الأخذ بالظاهر في مذهبه على زعمه نفى أن يقال إن الله تعالى مستو على عرشه، لأن هذه التسمية لم ترد. وفسر استواء الله تعالى الوارد بالنص بالانتهاء لصحة ذلك في اللغة على ما ذكر. ونرى عدم صحة هذا المذهب. فنقول: إن الله تعالى مستو على عرشه بذاته حقيقة استواء يليق بجلاله وكمال عظمته، لا على معنى القعود والمماسة، ولا على أي

стр. 331

معنى يوجب حدوثه (١) وإنما على معنى الاستقرار، والعلو، والارتفاع، والصعود إلى السماء والبينونة من الخلق (٢). فخلافنا مع ابن حزم ينحصر في نقطتين جوهريتين: الأولى: إثباتنا أن الله مستو على العرلض خلافا لمذهبه. الثانية: جعلنا الاستواء على العرش الوارد بالنص بمعنى العلو وليس بمعنى الانتهاء على ما يزعم. أما ما حكى الإِجماع عليه من عدم جواز دعاء الله تعالى بالمستوى فلا نخالفه في ذلك، لأن لفظ "المستوى" ليس من أسماء الله الحسنى الواردة بالنص. وليس الدعاء كالإخبار. يقول تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٣) فأمر سبحانه بدعائه بهذه الأسماء الحسنى دون غيرها، وإن لم يمتنع الإخبار عنه بغيرها مما هو صحيح المعنى مما دلت عليه تلك الأسماء الحسنى. يقول ابن تيمية: "ويفرق بين دعائه والإخبار عنه فلا يدعى إلا

стр. 332

بالأسماء الحسنى وأما الإخبار عنه فلا يكون باسم سيء لكن قد يكون باسم حسن، أو باسم ليس بسيء وإن لم يحكم بحسنه" (١). وقد وقع الاتفاق على جواز إطلاق أسماء على الله تعالى وليست من الأسماء الحسنى لكن معناها حق مثل المتكلم والمريد وغيرهما. (٢) والدليل على قولنا إن الله تعالى مستو على عرشه ما جاء في القرآن الكريم والسنة المطهرة، من ذكر استوائه على العرش. ومذهب أهل السنة أن الله تعالى إذا أثبت لنفسه اسما أو فعلا أنهم يثبتون له ذلك وما يدل عليه من صفة أو اسم لله يليق بجلاله إذا لم يلزم من إثبات ذلك معنى فاسدا. يقول ابن القيم: "والرب تعالى يشتق له من أوصافه وأفعاله أسماء، ولا يشتق له من مخلوقاته. وكل اسم من أسمائه فهو مشتق من صفة من صفاته أو فعل قائم به .. فإذا لم يقم به فعل ولا صفة فلا معنى للاسم المجرد، وهو بمنزلة صوت لا يفيد شيئا وهذا غاية الإلحاد". (٣) وعلى هذا فاشتقاق "مستو" مما أثبت الله تعالى لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ من لفظ "استوى" اشتقاق صحيح وقد روى إثبات أن الله تعالى "مستو على عرشه" عن كثير من علماء أهل السنة والجماعة مما يدل على صحة تسمية الله تعالى عندهم بالمستوى على عرشه ووصفه بالاستواء. يقول ابن خزيمة: "فنحن نؤمن بخبر الله جل وعلا، أن خالقنا

стр. 333

مستو على عرشه لا نبدل كلام الله ولا نقول قولا غير الذي قيل لنا" (١). ويقول أبو الحسن الأشعري: "نقول إن الله مستو على عرشه" (٢) وكرر هذا في مواضع كثيرة من كتابه الإِبانة (٣). ويقول أبو حامد الغرالي: "وأنه مستو على العرش على الوجه الذي قاله" (٤). ويقول ابن تيمية بعد أن ذكر الأقوال في الاستواء: "والقول الفاصل هو ما عليه الأمة الوسط، من أن الله مستو على عرشه استواء يليق بجلاله ويختص به" (٥). تلك بعض نصوص كلام من قال إن الله تعالى "مستو على عرشه" ومنها نعرف عدم صحة دعوى ابن حزم - عدم جواز تسمية الله المستوى - فهؤلاء الذين ذكرنا أقوالهم: "إن الله مستو على عرشه" من أكابر علماء أهل السنة وبما قال هؤلاء يقول كثير من العلماء. والأدلة التي بنوا عليها قولهم هذا هي: أولا: ما جاء في القرآن الكريم من ذكر استوائه تعالى على العرش وذلك في سبعة مواضع هي: قوله تعالى: " ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ

стр. 334

أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (١) وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٢) وقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٣). وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٤). وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٥). وقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٦). وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٧). وفي كل هذه المواضع التي ذكر الله فيها استواءه على العردش ذكر مع ذلك ما يبهر العقول من صفات جلاله وكماله التي هي منها متمدحا بذلك، وهذا ظاهر في كل الآيات ولا ينكره أحد. وذكو هذا الشنقيطي، وسرد الآيات وما تشتمل عليه من تمدح الرب تعالى بتلك الصفات التي لا تليق إلا به، والاستواء منها وقال

стр. 335

بعد ذكرها: "فالشاهد أن هذه الصفة التي يظن الجاهلون أنها صفة نقص ويتهجمون على رب السموات والأرض بأنه وصف نفسه صفة نقص ثم يسببون عن هذا أن ينفوها ويؤولوها مع أن الله جل وعلا تمدح بها، وجعلها من صفات، الجلال والكمال مقرونة بما يبهر العقول من صفات الجلال والكمال، هذا يدل على جهل وهوس من ينفي بعض صفات الله جل وعلا بالتأويل" (١) ثانيا: مما جاء في السنة المطهرة من ذكر استوائه تعالى على العرش. ما روى عن قتادة بن النعمان أنه سمع النبي ﷺ يقول: "لما فرغ الله من خلقه استوى على عرشه" (٢). وروى الإِمام الشافعي في فضل الجمعة بسنده عن أنس بن مالك ﵁ قال: "أتى جبريل بمرآة بيضاء فيها نكتة إلى النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : ما هذه؟ فقال هذه الجمعة فضلت بها أنت وأمتك فالناس لكم فيها تبع - اليهود والنصارى - ولكم فيها خير، وفيها ساعة لا يوافقها مؤمن يدعو الله بخير إلا استجيب له وهو عندنا يوم المزيد فقال النبي ﷺ يا جبريل وما يوم المزيد؟ فقال: إن ربك اتخذ في الفردوس واديا أفيح، فيه كثب المسك فإذا كان يوم الجمعة أنزل الله ﵎ ما شاء من ملائكته وحوله منابر من نور عليها مقاعد النبيين والصديقين، وحف تلك المنابر بمنابر من ذهب مكللة بالياقوت

стр. 336

والزبرجد عليها الشهداء والصديقون، فجلسوا من ورائهم على تلك الكثب فيقول الله : "أنا ربكم قد صدقتكم وعدى فسلوني أعطكم" فيقولون: ربنا نسألك رضوانك فيقول الله "قد رضيت عنكم ولكم ما تمنيتم ولدي مزيد" فهم يحبون يوم الجمعة لما يعطيهم فيه ربهم من الخير وهو اليوم الذي استوى فيه ربكم تبارك اسمه على العرش وفيه خلق آدم وفيه تقوم الساعة". (١) وذكر الذهبي أن هذا الحديث روى من عدة طرق، وإن كان في بعضها ضعف إلا أنه يقوى بعضها بعضا. (٢) ومحل استدلالنا من الحديث - استواء الله على العرش - ثابت بالنص القطعي الذي لا مجال للشك فيه. فيما ذكرنا من الآيات والأحاديث ذكر استواء الله على العرش وقد بينا أن مذهب أهل السنة والجماعة أنهم لا يجمدون على إثبات الظواهر دون ما تدل عليه من معاني كابن حزم وأنهم يشتقون لله تعالى من أفعاله أسماء وصفات على ما يليق بجلاله فيثبتون له الاستواء ويقولون إنه مستو على عرشه حقيقة مع نفى كل استواء يوجب حدوثه.

стр. 337

دليل أن استواء الله الوارد بالنص بمعنى العلو: هو أن استواء الله على العرش الوارد بالنص جاء مقيدا بعلى وإذا قيد بها فلا يحتمل من المعانى إلا العلو والارتفاع والاعتدال ونحو هذا، ولا يكون بمعنى الانتهاء إلا إذا جاء مطلقا. يقول ابن القيم: "إن لفظ الاستواء في كلام العرب الذي خاطبنا الله تعالى بلغتهم وأنزل بها كلامه "نوعان" مطلق ومقيد. فالمطلق ما لم يوصل معناه بحرف مثل قوله ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ (١) وهذا معناه كمل وتم، يقال استوى النبات واستوى الطعام. وأما المقيد فثلاثة أضرب: أحدها مقيد "بإلى" كقوله "ثم استوى إلى السماء. واستوى فلان إلى السطح إلى الغرفة. وقد ذكر سبحانه هذا المعدى بإلى في موضعين من كتابة في البقرة في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾. (٢) والثاني في سورة السجدة ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾. (٣) وهذا بمعنى العلو والارتفاع بإجماع السلف. والثاني مقيد بعلى كقوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ (٤) وقوله ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ (٥) وقوله ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾. (٦) وهذا أيضا معناه العلو

стр. 338

والارتفاع والاعتدال بإجماع أهل اللغة. الثالث: المقرون بواو "مع" التي تعدى الفعل إلى المفعول معه نحو استوى الماء والخشبة بمعنى ساواها. وهذه معاني الاستواء المعقولة في كلامهم، وليس فيها معنى استولى البتة، ولا نقله أحد من أئمة اللغة الذين يعتمد قولهم، وإنما قاله متأخروا النحاة ممن سلك طريق المعتزلة والجهمية". (١) وعلى هذا فحمل ابن حزم "استواء الله على العرش" الثابت بالنص على الانتهاء مما لايصح لغة، لأنه جاء مقيدا بعلى فتحدد معناه بالعلو، أو الارتفاع، أو الاستقرار، أو الصعود. وما أحتج به من أن الاستواء في اللغة يقع على الانتهاء، صحيح لكنه فيما ورد مطلقا أما إذا قيد فيختلف معناه بحسب الحال التي ورد فيها ويؤيد صحة تفسير الاستواء بالعلو والارتفاع والصعود ما ورد بالنص من علو الله تعالى وارتفاعه فوق العرش مباينا للخلق. يقول تعالى ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾. (٢) وقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾. (٣) وقوله ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٤) وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٥) وقوله ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (٦) وقوله ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ

стр. 339

فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾. (١) وغير هذه الآيات في هذا المعنى كثير. ومن الأحاديث ما روى مسلم بسنده عن معاوية بن الحكم السلمي قال: كانت لي جارية ترعى غنما لي قبل أحد والجوانية (٢) فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون لكني صككتها صكة فأتيت رسول الله صلى الله عليه فعظم ذلك على. قلت يا رسول الله أفلا أعتقها قال "ائتنى بها" فأتيته بها فقال لها "أين الله؟ " قالت: في السماء. قال "من أنا؟ " قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة" (٣). وما روى مسلم أيضا بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم. كيف تركتم عبادى؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون" (٤)

стр. 340

والأحاديث الدالة على أن الله تعالى في السماء مباين لخلقه عال عليهم كثيرة جدا. وفيما ذكرنا من الآيات والأحاديث المصرحة بالرفع إلى الله والفوقية له، والصعود والعروج إليه وكونه في السماء دلالة صريحة على أن الله ﵎ في السماء بذاته دون الأرض مستو على العرش. يقول الدارمي: "فالله ﵎ فوق عرشه فوق سمواته بائن من خلقه فمن لم يعرفه بذلك لم يعرف إلهه الذي يعبد. وعلمه من فوق العرش بأقصى خلقه وأدناهم واحد لا يبعد عنه شىء ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾. (١) سبحانه وتعالى عما يصفه المعطلون علوا كبيرا". (٢) ويقول أبو الحسن الأشعرى: "فالسموات فوقها العرش، فلما كان العرش فوق السموات قال: أأمنتم من في السماء لأنه مستو على العرش الذي فوق السموات، وكل ما علا فهو سماء فالعرش أعلى السموات وليس إذا قال: أأمنتم من في السماء يعنى جميع السموات، وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السموات ألا ترى أن الله ذكر السموات فقال: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ (٣) ولم يرد أن القمر يملأهن جميعا وأنه فيهن جميعا، ورأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء لأن الله مستو على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش كما لا يحطونها إذا دعوا إلى الأرض". (٤) في ذكرنا لقولي الدارمي والأشعرى بيان لمذهبهما في علو الله تعالى

стр. 341

على خلقه وبينونته منهم، واستوائه على عرشه في سمائه دون أرضه وخلقه، وهذا مذهب السلف عامة فهم يثبتون لله تعالى ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ من غير تكييف ولا تمثيل، ولا تحريف ولا تعطيل. روى عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ مالك (١) رحمهما الله لما سئل عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾. (٢) قال: "الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ومن الله تعالى الرسالة، وعلى الرسول ﷺ البلاغ وعلينا التصديق (٣). ويروى أيضا جواب مالك عن هذا السؤال بقوله: "الكيف غير معقول والاستواء منه غير مجهول، والإِيمان به واجب والسؤال عنه بدعة". (٤)

стр. 342

فهذا هو مذهب السلف في صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه يفهمون معناها الذي تدل عليه ولا يكيفونها بما يعقلون من صفات المحدثين لعلمهم أن الله ﵎ لا يشبهه شىء من خلقه تعالى وتقدس عن صفات المخلوقين. ولا يؤولونها عن معانيها الظاهرة المتبادرة من ألفاظها إلا إذا ثبت عندهم أن هذا الظاهر غير مراد. يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطى: "إنه ينبغى للمؤولين أن يتأملوا آية من سورة الفرقان وهي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾. (١) ويتأملوا معها قوله تعالى في سورة فاطر ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾. (٢) فإن قوله في الفرقان ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ بعد قوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَن﴾ يدل دلالة واضحة أن الله الذي وصف نفسه بالاستواء خبير بما يصف به نفسه لا تخفى عليه الصفة اللائقة من غيرها ويفهم منه أن الذي ينفى عنه صفة الاستواء ليس بخبير نعم والله هو ليس بخبير". (٣) في كلام الشنقيطي بيان لخطورة تأويل الاستواء بغير ما يدل عليه حقيقة؛ لأن في ذلك مخالفة بوصف من وصف نفسه - وهو العليم الخبير - بغير ما وصف به نفسه. ونرى بهذا القدر كفاية لبيان أن الله تعالى مستو علي عرشه بذاته، لا على معنى الاستيلاء، ولا على معنى نفى الاعوجاج وعلى هذين المعنيين رد الإمام ابن حزم ولا نخالفه في ذلك حيث إنا لا نرى صحة

стр. 343

القول بهذين القولين. وأما رده على من استدل بقوله تعالى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾. (١) بأن الله في مكان دون مكان، فلا نوافقه على هذا النفى المطلق وإنما نقول إن لفظ مكان من الألفاظ المجملة التي تحتمل معاني يصح إطلاقها على الله تعالى، وأخرى ينزه الله عنها لأنها من صفات المحدثين، ومن سمات المربوبين. يقول ابن تيمية: "قد يراد بالمكان ما يحوى الشىء، ويحيط به وقد يراد به ما يستقر الشىء عليه بحيث يكون محتاجا إليه وقد يراد به ما كان الشىء فوقه وإن لم يكن محتاجا إليه، وقد يراد به ما فوق العالم وإن لم يكن شيئا موجودا. فإن قيل هو في مكان بمعنى إحاطة غيره به، وافتقاره إلى غيره فالله منزه عن الحاجة إلى الغير وإحاطة الغير به ونحو ذلك. وإن أريد بالمكان ما فوق العالم وما هو الرب فوقه. قيل إذا لم يكن إلا خالق أو مخلوق، والخالق بائن من المخلوق كان هو الظاهر الذي ليس فوقه شىء، وإذا قال القائل هو سبحانه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه فهذا المعنى حق سواء سميت ذلك مكانا أو لم تسمه. (٢) وقول ابن تيمية هذا يوضح موقف السلف من القول بأن الله تعالى في مكان، ببيان الجائز عليه من معنى هذا الإِطلاق المجمل ثم إن مذهب السلف إثبات أن الله تعالى في جهة العلو بائن من خلقه

стр. 344

فهو ﵎ وحده فوق المخلوقات فلا شىء من مخلوقاته يحصره أو يحيط به بل هو العالى عليها والمحيط بها يقول ﷺ "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته ... الحديث. (١) وقد شبه ﷺ رؤية الله تعالى برؤية القمر وهو في جهة العلو من الرائين. ويقول ﷺ في الحديث الآخر: "إنكم سترون ربكم عيانا". (٢) وفى هذا إثبات للرؤية البصرية التي لا تتم إلا على ما كان في جهة من الرائى. وقد ذكرنا الكثير من أدلة علو الله على خلقه، وليس في إثبات أن الله في جهة العلو قدح في تنزيهه لأنه أثبته لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ ثم إن جهة العلو هي أشرف الجهات وأكملها "وكل كمال ثبت لموجود من غير استلزام نقص فالخالق تعالى أحق به وأكمل فيه منه". (٣)

стр. 345

يقول ابن رشد في كلامه على الجهة: "وأما هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة من أول الأمر يثبتونها لله سبحانه، حتى نفتها المعتزلة، ثم تبعهم على نفيها متأخروا الأشعرية كأبى المعالى ومن اقتدى بقوله وظواهر الشرع كلها تقتضى إثبات الجهة مثل قوله تعالى: "ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية". (١) ومثل قوله "يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون". (٢) ومثل قوله تعالى "تعرج الملائكة والروح إليه". (٣) ومثل قوله تعالى: "أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور" (٤) إلى غير ذلك من الآيات التي إن سلط التأويل عليها عاد الشرع كله مؤولا، وإن قيل فيها إنها من المتشابهات عاد الشرع كله متشابها لأن الشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء، وأن منه تنزل الملائكة بالوحى إلى النبيين، وأن من السماء نزلت الكتب، وإليها كان الإِسراء بالنبي ﷺ حتى قرب من سدرة المنتهى. وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله والملائكة في السماء كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك، والشبهة التي قادت نفاة الجهة إلى نفيها هي أنهم اعتقدوا أن إثبات الجهة يوجب إثبات المكان، وإثبات المكان يوجب إثبات الجسمية، ونحن نقول إن هذا كله غير لازم فإن الجهة غير المكان، وذلك أن الجهة هي إما سطوح الجسم نفسه المحيطة به وهي ستة وبهذا نقول إن للحيوان فوقا وأسفلا ويمينا وشمالا وأماما وخلفا. وإما سطوح جسم آخر محيط بالجسم ذات الجهات الست.

стр. 346

فأما الجهات التي هي سطوح الجسم نفسه فليست بمكان للجسم نفسه أصلا، وأما سطوح الأجسام المحيطة به فهي له مكان، مثل سطوح الهواء المحيطة بالإِنسان، وسطوح الفلك المحيطة بسطوح الهواء هي أيضا مكان للهواء. وهكذا الأفلاك بعضها محيطة ببعض ومكان له وأما سطح الفلك الخارج فقد تبرهن أنه ليس خارجه جسم، لأنه لو كان ذلك كذلك، لوجب أن يكون خارج ذلك الجسم جسم آخر ويمر الأمر إلى غير نهاية، فإذًا سطح آخر أجسام العالم ليس مكانا أصلا، إذ ليس يمكن أن يوجد فيه جسم ... إلى أن قال - فقد ظهر لك من هذا أن إثبات الجهة واجب بالشرع والعقل وأنه الذي جاء به الشرع وانبنى عايه، وأن إبطال هذه القاعدة إبطال للشرائع (١). يقرر ابن رشد في كلامه هذا صحة إثبات الجهة لله تعالى من غير أن يلزم من ذلك إثبات المكان المحيط بمن فيه أي بالأجسام التي هو حاوٍ لها وينفى أن يكون سطح آخر أجسام العالم مكانا لعدم وجود جسم فيه. فإن قيل: كأن ابن رشد يقول إن الفلك الخارج الذي ليس على سطحه جسم قد أحاط بما دونه من الأفلاك، وعلى هذا فما تقولون به من إثبات جهة العلو لا يتم لأن إحاطة هذا الفلك الخارج بما دونه من الأفلاك يجعل بعض هذا الفلك بالنسبة لبعض أجزاء الأفلاك الأخرى في جهة السفل وهذا مما لا تقولون به.

стр. 347

قلنا: إن إثباتنا لجهة العلو تامة حتى مع ما ذكرتم، لأن هذه الأفلاك المستديرة الكرية الشكل ليس لها إلا جهتان فقط، علو وسفل. فالعلو فيها: هو جهة المحيط وهو المحدب. والسفل فيها: جهة، المركز وهو الوسط من الداخل الذي تكون أبعاد سطح الكرة عنها متساوية، إذا كانت كرة تامة، وأما إذا كان في الكرة تسطيح تغيرت الأبعاد عن هذا المركز، فلا تكون متساوية تماما وعلى كل فسطح الكرة الخارجى هو جهة العلو، ومركزها هو جهة السفل وإن تفاوتت الأبعاد عن هذا المركز. وأما الجهات الست فهي للحيوان كما ذكر هذا ابن رشد، وهي بحسب النسب والإضافات، فيكون يمين هذا ما يكون يسار هذا، ويكون فوق هذا ما يكون تحت ذاك وهكذا، ولا يكون هذا بالنسبة للأفلاك فالمحيط هو العلو والمركز هو السفل دائما. فالأرض مثلا محاطة بالسماء وليس جزء من السماء مع هذه الإِحاطة واقعا تحت الأرض، لأن السماء بالنسبة إلى من هو على ظهر الأرض في أي جزء منها في جهة العلو، لأنه فوق محيطها المحدب، وليس هو في مركزها الذي يمثل جهتها السفلى. وأما ما يتصور في الذهن من أن من يكون على جزء من الأرض يكون شىء من السماء المحيطة بالأرض تحته فلا اعتبار لهذا التصور، إلا إذا اعتبرنا من نكس فجعل رأسه إلى الأرض ورجلاه إلى السماء أن تكون السماء تحته ولا يقول بهذا إلا من انقلبت عنده الحقائق. يقول ابن تيمية: " .. الفلك هو فوق الأرض مطلقا، وأهل

стр. 348

الهيئة (١) يقولون: لو أن الأرض مخروقة إلى ناحية أرجلنا وألقى في الخرق شىء ثقيل كالحجر ونحوه لكان ينتهى إلى المركز حتى لو ألقى من تلك الناحية حجر آخر لا التقيا جميعا في المركز، ولو قدر أن إنسانين التقيا في المركز بدل الحجرين لا التقت رجلاهما، ولم يكن أحدهما تحت الآخر بل كلاهما فوق المركز وكلاهما تحت الفلك كالمشرق والمغرب. فإنه لو قدر أن رجلا في المشرق في السماء أو في الأرض، ورجلا في المغرب في السماء أو في الأرض لم يكن أحدهما تحت الآخر، وسواء كان رأسه أو رجلاه أو بطنه أو ظهره أو جنبه مما يلى السماء أو مما يلى الأرض. وإذا كان مطلوب أحدهما ما فوق الفلك لم يطلبه الآخر إلا من الجهة العليا، ولم يطلبه من جهة رجليه أو يمينه أو يساره لوجهين: أحدهما: أن مطلوبه من الجهة العليا أقرب إليه من جميع الجهات. الثاني: أنه إذا قصد السفل بلا علو كان منتهى قصده المركز" (٢) وقبل هذا يجب أن نعلم أن العالم جميعه علويه وسفليه بالنسبة إلى خالقه ﵎ في غاية الصغر كما قال تعالى ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ

стр. 349

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١). وروى مسلم بسنده عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول: قال رسول الله ﷺ : "يقبض الله ﵎ الأرض يوم القيامة ويطوى السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض" (٢). وروى مسلم أيضا بسنده عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "يطوى الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوى الأرضين بشماله ثم يقول: أنا الملك. أين الجبارون؟ أين المتكبرون". (٣) ففي الآية والأحاديث ما يبين صغر السموات والأرضين بالنسبة لله ﵎. مع ما نعرف - وهو القليل جدا - من عظم هذه الأجرام "تبارك الله رب العالمين" (٤)

стр. 350

(١٧) النزول: يذهب أبو محمد بن حزم إلى أن الله ﵎ ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا إذا بقى ثلث الليل لما صح في الحديث. فروى بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يتنزل الله كل ليلة إلى سماء الدنيا (١) حين يبقى ثلث الليل الأخر فيقول من يدعوني فاستجيب له، ومن يسألني فأعطيه ومن يستغفرني فاغفر له" (٢) وروى الحديث من طرق أخرى في بعضها: "إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه" (٣). وفي بعضها: "إذا مضى ثلث الليل الأول إلى أن يضيء الفجر" (٤) ويرى أن هذا النزول فعل يفعله ﵎ في السماء الدنيا من الفتح لقبول الدعاء، وأن تلك الساعة من مظان القبول والإِجابة والمغفرة للمجتهدين والمستغفرين، والتائبين. وهذا معهود في اللغة تقول نزل فلان عن حقه بمعنى وهبه لي وتطول به علي.

стр. 351

وحيث إن هذا الفعل متعلق بزمان حيث حدده ﷺ بوقت محدود فهو فعل محدث في ذلك الوقت مفعول حينئذ فهو صفة فعل لا صفة ذات فليس هذا الفعل نزولا حقيقيا لأن الذي لم يزل ليس متعلقا بزمان البتة. وقد بين الرسول ﷺ في بعض ألفاظ الحديث المذكور ما ذلك الفعل وهو أنه ذكر ﵊ أن الله يأمر ملكا ينادي في ذلك الوقت بذلك. ويؤيد أن نزول الله تعالى فعل يفعله ليس نزولا حقيقيا، اختلاف ثلث الليل في البلاد باختلاف المطالع والمغارب يعلم ذلك ضرورة من بحث عنه فصح ضرورة أنه فعل يفعله ربنا تعالى في ذلك الوقت لأهل كل أفق من قبول الدعاء في هذه الأوقات لا حركة ونقلة لأنهما من صفات المخلوقين حاشى الله تعالى منهما. ويبطل جعل النزول نقلة، أن النقلة لا تكون إلا للأجسام ولو انتقل تعالى لكان محدودا مخلوقا مؤلفا شاغلا لمكان وهذه صفة المخلوقين تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وقد حمد الله إبراهيم خليله ورسوله ﷺ إذ بين لقومه بنقلة الكوكب أنه ليس ربا فقال: "فلما أفل قال لا أحب الآفلين" (١) إذ كل منتقل عن مكانه فهو آفل عنه، تعالى الله عن هذا. ورأى أبي محمد في المجىء الوارد في قوله تعالى: "وجاء ربك والملك صفا صفا" (٢) والإتيان الوارد في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ

стр. 352

تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (١) كرأيه في النزول فكل ذلك عنده فعل يفعله الله تعالى في ذلك اليوم أو الوقت المحدد يسمى ذلك الفعل مجيئا وإتيانا ونزولا. ويروى عن الإمام أحمد بن حنبل ﵀ أنه قال: "وجاء ربك" إنما معناه وجاء أمر ربك. (٢) مذهب ابن حزم الذي بينا في نزول الله تعالى ومجيئه وإتيانه مخالف لمذهب السلف الذين يثبتون لله تعالى ما أثبته لنفسه، وأثبته له رسوله محمد ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، ويقرون بأن ما وصف الله به نفسه فهو حق يعرفون معناه فلا يشبهونه بما يعلمون من مخلوقاته لعلمهم أنه ليس كمثله شيء في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته وأفعاله وينزهونه عن كل ما أوجب النقص أو الحدوث لاستحقاقه الكمال الذي لا غاية فوقه وممتنع عليه الحدوث لامتناع العدم عليه، واستلزام الحدوث سابقه العدم، ولافتقار المحدث إلى محدث ولوجوب وجوده بنفسه . وهناك شبه منعت ابن حزم من جعل النزول على معناه الحقيقي فلجأ إلى تأويله، بما ذكر من أنه فعل يفعله سبحانه من الفتح لقبول الدعاء. وهذا المسلك تأويل يخالف مذهبه الأخذ بظواهر النصوص كما يدعى. والشبه هي: الأولى: أن الرسول ﷺ قد حدد النزول بزمان فهو محدث، والذي لم يزل ليس متعلقا بزمان.

стр. 353

الثانية: اختلاف ثلث الليل بالنسبة للمواضع على ظهر الأرض، وعلى هذا فيلزم أن يكون الله تعالى دائما نازلا، لأن الثلث مستمر طيلة أربع وعشرين ساعة بالنسبة لجزء من العالم نظرا لاختلاف المطالع والمغارب. الثالثة: أن في النزول الحقيقي نقلة والنقلة من خصائص الأجسام فيلزمها لوازم تمتنع في حق الله تعالى. الرابعة: نقل تفسير مجىء الله تعالى بمجىء أمره عمن يوثق به من علماء السلف وهو أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى. وسنجيب بحول الله تعالى وقوته على هذه الشبه ليتم القول بأن الله تعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كما في الحديث ويجىء ويأتي لفصل القضاء بين عباده يوم القيامة وأن ذلك من صفاته حقيقة على ما يليق بجلاله وكماله. " الرد على الشبهة الأولى " إن التحديد الوارد في الحديث بأن الله تعالى "ينزل حين يبقى ثلث الليل الآخر، أو حين يمضي شطره أو ثلثاه، أو إذا مضى ثلثه الأول إلى أن يضىء الفجر "ليس متعلقا بالله تعالى، وإنما تعلقه بالنسبة للخلق الذين يتعلق بهم الزمان فيتعاقب عليهم الليل والنهار بغروب الشمس وطلوعها وهذا إنما يكون على الخلق لا على الخالق لأن الله ﵎ بائن من خلقه عال عليهم ومحيط بهم، ولا يحيط به شيء من خلقه فلا تتعاقب عليه هذه الظواهر الكونية. فمعنى التحديد في الحديث "إذا بقى ثلث الليل" يكون بالنسبة

стр. 354

لمن قد خيم الليل عليهم بظلامه، وتعالى الله أن يحاط بمخلوق. فإن قيل: إذا لم يكن هذا التحديد الزمني متعلقا بالله تعالى فلماذا كان النزول به وحده دون غيره. قلنا: تعلق النزول بهذا الوقت لمزيد فضل فيه بالنسبة لمن هو متعلق بهم لأن هذا الوقت، هو وقت الاستغراق في النوم والراحة وفي ترك ذلك والقيام للصلاة والدعاء، دلالة على صدق النية والإِخلاص في العبادة لهذا فالدعاء في هذا الوقت مظنة الإِجابة. هذا من جهة بيان الزمن وتعلقه. أما من جهة كونه محدثا فلا يمنع ذلك من حمله على النزول الحقيقي لله على ما يليق به على مذهب أهل السنة والجماعة. يقول ابن تيمية "فأهل السنة والجماعة يثبتون ما يقوم بالله تعالى من الصفات والأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها" (١). ويستدلون على ذلك بأدلة كثيرة منها: قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ (٢). وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾. (٣) يقول الدارمي بعد سياق الآيات: "وهذا يوم القيامة إذا نزل ليحكم بين العباد". (٤) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي

стр. 355

سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾. (١) وفي الآيات بيان لفعل سيكون أو كان من الله تعالى هو إتيانه ومجيئه يوم القيامة، واستواؤه على العرش بعد أن خلق السموات والأرض. فدلت هذه الآيات على اتصاف الله تعالى بالأفعال الاختيارية وغير هذه الآيات كثير مما هو مشتمل على الصفات الدالة على أن الله تعالى يفعل بقدرته ومشيئته. وكذلك الأحاديث المتضمنة لمثل ذلك كأحاديث النزول وغيرها لأن الفعل لا بد له من فاعل سواء كان متعديا إلى مفعول أو لم يكن والفاعل لا بد له من فعل سواء كان فعله مقتصرا عليه أو متعديا إلى غيره. يقول ابن تيمية: "فإن الله تعالى وصف نفسه بالأفعال اللازمة كالاستواء وبالأفعال المتعدية كالخلق، والفعل المتعدي مستلزم للفعل اللازم فإن الفعل لا بد له من فاعل سواء كان متعديا إلى مفعول أو لم يكن والفاعل لا بد له من فعل سواء كان فعله مقتصرا عليه أو متعديا إلى غيره والفعل المتعدي إلى غيره لا يتعدى حتى يقوم بفاعله .. فقوله ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٢) تضمن فعلين أولهما متعد إلى المفعول به، والثاني مقتصر لا يتعدى فإذا كان الثاني وهو قوله "ثم استوى" فعلا متعلقا بالفاعل فقوله خلق كذلك بلا نزاع بين أهل العربية. ولو قال قائل: خلق لم يتعلق بالفاعل بل نصب المفعول به ابتداء كان جاهلا
следующие страницы →