وحيث إن هذا الفعل متعلق بزمان حيث حدده ﷺ بوقت محدود فهو فعل محدث في ذلك الوقت مفعول حينئذ فهو صفة فعل لا صفة ذات فليس هذا الفعل نزولا حقيقيا لأن الذي لم يزل ليس متعلقا بزمان البتة.
وقد بين الرسول ﷺ في بعض ألفاظ الحديث المذكور ما ذلك الفعل وهو أنه ذكر ﵊ أن الله يأمر ملكا ينادي في ذلك الوقت بذلك.
ويؤيد أن نزول الله تعالى فعل يفعله ليس نزولا حقيقيا، اختلاف ثلث الليل في البلاد باختلاف المطالع والمغارب يعلم ذلك ضرورة من بحث عنه فصح ضرورة أنه فعل يفعله ربنا تعالى في ذلك الوقت لأهل كل أفق من قبول الدعاء في هذه الأوقات لا حركة ونقلة لأنهما من صفات المخلوقين حاشى الله تعالى منهما.
ويبطل جعل النزول نقلة، أن النقلة لا تكون إلا للأجسام ولو انتقل تعالى لكان محدودا مخلوقا مؤلفا شاغلا لمكان وهذه صفة المخلوقين تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وقد حمد الله إبراهيم خليله ورسوله ﷺ إذ بين لقومه بنقلة الكوكب أنه ليس ربا فقال: "فلما أفل قال لا أحب الآفلين" (١) إذ كل منتقل عن مكانه فهو آفل عنه، تعالى الله عن هذا.
ورأى أبي محمد في المجىء الوارد في قوله تعالى: "وجاء ربك والملك صفا صفا" (٢) والإتيان الوارد في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ
стр. 352
تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (١) كرأيه في النزول فكل ذلك عنده فعل يفعله الله تعالى في ذلك اليوم أو الوقت المحدد يسمى ذلك الفعل مجيئا وإتيانا ونزولا.
ويروى عن الإمام أحمد بن حنبل ﵀ أنه قال: "وجاء ربك" إنما معناه وجاء أمر ربك. (٢)
مذهب ابن حزم الذي بينا في نزول الله تعالى ومجيئه وإتيانه مخالف لمذهب السلف الذين يثبتون لله تعالى ما أثبته لنفسه، وأثبته له رسوله محمد ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، ويقرون بأن ما وصف الله به نفسه فهو حق يعرفون معناه فلا يشبهونه بما يعلمون من مخلوقاته لعلمهم أنه ليس كمثله شيء في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته وأفعاله وينزهونه عن كل ما أوجب النقص أو الحدوث لاستحقاقه الكمال الذي لا غاية فوقه وممتنع عليه الحدوث لامتناع العدم عليه، واستلزام الحدوث سابقه العدم، ولافتقار المحدث إلى محدث ولوجوب وجوده بنفسه .
وهناك شبه منعت ابن حزم من جعل النزول على معناه الحقيقي فلجأ إلى تأويله، بما ذكر من أنه فعل يفعله سبحانه من الفتح لقبول الدعاء. وهذا المسلك تأويل يخالف مذهبه الأخذ بظواهر النصوص كما يدعى.
والشبه هي:
الأولى: أن الرسول ﷺ قد حدد النزول بزمان فهو محدث، والذي لم يزل ليس متعلقا بزمان.
стр. 353
الثانية: اختلاف ثلث الليل بالنسبة للمواضع على ظهر الأرض، وعلى هذا فيلزم أن يكون الله تعالى دائما نازلا، لأن الثلث مستمر طيلة أربع وعشرين ساعة بالنسبة لجزء من العالم نظرا لاختلاف المطالع والمغارب.
الثالثة: أن في النزول الحقيقي نقلة والنقلة من خصائص الأجسام فيلزمها لوازم تمتنع في حق الله تعالى.
الرابعة: نقل تفسير مجىء الله تعالى بمجىء أمره عمن يوثق به من علماء السلف وهو أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.
وسنجيب بحول الله تعالى وقوته على هذه الشبه ليتم القول بأن الله تعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كما في الحديث ويجىء ويأتي لفصل القضاء بين عباده يوم القيامة وأن ذلك من صفاته حقيقة على ما يليق بجلاله وكماله.
" الرد على الشبهة الأولى "
إن التحديد الوارد في الحديث بأن الله تعالى "ينزل حين يبقى ثلث الليل الآخر، أو حين يمضي شطره أو ثلثاه، أو إذا مضى ثلثه الأول إلى أن يضىء الفجر "ليس متعلقا بالله تعالى، وإنما تعلقه بالنسبة للخلق الذين يتعلق بهم الزمان فيتعاقب عليهم الليل والنهار بغروب الشمس وطلوعها وهذا إنما يكون على الخلق لا على الخالق لأن الله ﵎ بائن من خلقه عال عليهم ومحيط بهم، ولا يحيط به شيء من خلقه فلا تتعاقب عليه هذه الظواهر الكونية.
فمعنى التحديد في الحديث "إذا بقى ثلث الليل" يكون بالنسبة
стр. 354
لمن قد خيم الليل عليهم بظلامه، وتعالى الله أن يحاط بمخلوق.
فإن قيل: إذا لم يكن هذا التحديد الزمني متعلقا بالله تعالى فلماذا كان النزول به وحده دون غيره.
قلنا: تعلق النزول بهذا الوقت لمزيد فضل فيه بالنسبة لمن هو متعلق بهم لأن هذا الوقت، هو وقت الاستغراق في النوم والراحة وفي ترك ذلك والقيام للصلاة والدعاء، دلالة على صدق النية والإِخلاص في العبادة لهذا فالدعاء في هذا الوقت مظنة الإِجابة.
هذا من جهة بيان الزمن وتعلقه.
أما من جهة كونه محدثا فلا يمنع ذلك من حمله على النزول الحقيقي لله على ما يليق به على مذهب أهل السنة والجماعة. يقول ابن تيمية "فأهل السنة والجماعة يثبتون ما يقوم بالله تعالى من الصفات والأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها" (١).
ويستدلون على ذلك بأدلة كثيرة منها:
قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ (٢).
وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾. (٣)
يقول الدارمي بعد سياق الآيات: "وهذا يوم القيامة إذا نزل ليحكم بين العباد". (٤)
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي
стр. 355
سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾. (١)
وفي الآيات بيان لفعل سيكون أو كان من الله تعالى هو إتيانه ومجيئه يوم القيامة، واستواؤه على العرش بعد أن خلق السموات والأرض.
فدلت هذه الآيات على اتصاف الله تعالى بالأفعال الاختيارية وغير هذه الآيات كثير مما هو مشتمل على الصفات الدالة على أن الله تعالى يفعل بقدرته ومشيئته. وكذلك الأحاديث المتضمنة لمثل ذلك كأحاديث النزول وغيرها لأن الفعل لا بد له من فاعل سواء كان متعديا إلى مفعول أو لم يكن والفاعل لا بد له من فعل سواء كان فعله مقتصرا عليه أو متعديا إلى غيره.
يقول ابن تيمية: "فإن الله تعالى وصف نفسه بالأفعال اللازمة كالاستواء وبالأفعال المتعدية كالخلق، والفعل المتعدي مستلزم للفعل اللازم فإن الفعل لا بد له من فاعل سواء كان متعديا إلى مفعول أو لم يكن والفاعل لا بد له من فعل سواء كان فعله مقتصرا عليه أو متعديا إلى غيره والفعل المتعدي إلى غيره لا يتعدى حتى يقوم بفاعله .. فقوله ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٢) تضمن فعلين أولهما متعد إلى المفعول به، والثاني مقتصر لا يتعدى فإذا كان الثاني وهو قوله "ثم استوى" فعلا متعلقا بالفاعل فقوله خلق كذلك بلا نزاع بين أهل العربية. ولو قال قائل: خلق لم يتعلق بالفاعل بل نصب المفعول به ابتداء كان جاهلا
стр. 356
بل في "خلق" ضمير يعود إلى الفاعل كما في "استوى"" (١)
ويدل من طريق العقل أن أفعال الله تعالى تقوم به:
أن من يفعل بمشيئة واختيار، فإن شاء فعل، وإن لم يشأ لم يفعل أكمل ممن يكون الفعل لازمًا له، والفاعل لا بد له من فعل ولا يكون فاعلا إلا من قام به الفعل.
ولو لم يتصف الله تعالى بالنزول، والمجىء، والإِتيان وغير ذلك من صفات الأفعال التي وصف بها نفسه أو وصفه بها رسوله ﷺ لكان من يتصف بذلك من خلقه أكمل منه وأتم، ولا يقول بهذا أحد وفي القاعدة الكلامية المشهورة: أن كل كمال ثبت لمخلوق من غير أن يستلزم نقصا بوجه من الوجوه فالخالق ﵎ أولى به من كل مخلوق. وكل نقص تنزه عنه مخلوق فالخالق أولى بتنزهه عنه من كل موجود. (٢)
ويقول ابن تيمية في بعض استدلاله على قيام الأفعال الاختيارية بذات الله : "فإن المثبتين يقولون كونه قادرا على الفعل بنفسه صفة كمال، كما أن قدرته على المفعول المنفصل صفة كمال فإنا إذا عرضنا على صريح العقل من يقدرعلى الفعل القائم به والمنفصل عنه ومن لا يقدر إلا على أحدهما علم أن الأول أكمل كما إذا عرضنا عليه من يعلم نفسه وغيره، ومن لا يعلم إلا أحدهما وأمثال ذلك، ويقول من يجوز دوام الحوادث وتسلسلها: إذا عرضنا على صريح العقل من يقدر على الأفعال المتعاقبة الدائمة ويفعلها دائمة متعاقبة ومن لا يقدر على الدائمة المتعاقبة كان الأول أكمل.
стр. 357
وكذلك إذا عرضنا على العقل من فعل الأفعال المتعاقبة مع حدوثها ومن لا يفعل حادثا أصلا، لئلا يكون عدمه قبل وجوده عدم كمال، شهد صريح العقل بأن الأول أكمل". (١)
يبين ابن تيمية أن الكمال في إثبات قيام الأفعال بذات البارىء وقدرته على الفعل القائم به والمنفصل عنه، والقدرة على الأفعال الدائمة والمتعاقبة وفعلها دائمة متعاقبة مع حدوثها بخلاف من لا يفعل حادثا أصلا فليس في هذا كمال، لأن فيه نفي للقدرة والفعل مع أن سبب نفيهم للفعل الحادث هو الخوف من عدم الفعل في الأزل فعطلوا لأجل ذلك الله تعالى عن الفعل مطلقا.
وفي إثبات الفعل الحادث بالقدرة الإِلهية إثبات كمال لله تعالى وهو قدرته وفعله لهذه الأفعال وإن لزم من ذلك عدم الفعل في الأزل قبل هذا الفعل الحادث، إذ أن عدم القدرة والفعل المطلقين، ليس كالفعل والقدرة المستمرين في الكمال وإن سبقهما العدم والأدلة النقلية والعقلية الدالة على قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى كثيرة جدا يطول بنا المقام لو حاولنا استقصاءها ومناقشة الأقوال فيها، والرد عليها فاقتصرنا على تلك الإِشارة إلى بعضها بما رأينا فيه كفاية لإِزالة الشبهة التي نحن بصدد الجواب عليها.
الرد على الشبهة الثانية:
قبل الشروع في الرد على الشبهة نبين كيف ترد على كل الروايات التي رويت في النزول فنقول:
стр. 358
يرى أبو محمد بن حزم أن اختلاف الزمن المحدد في البلاد باختلاف المطالع والمغارب، مما يبعد حمل النزول على الحقيقة لأن تحديد النزول بوقت محدد، كما في ألفاظ الحديث - ثلث الليل الآخر، أو إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه، أو مضى ثلثه الأول إلى أن يضىء الفجر، والمتواتر من هذه الروايات: إذا بقى ثلث الليل الآخر (١) - وحمله على الحقيقة أي أن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا تلك المدة بالنسبة لكل أهل مكان يجعله دائما نازلا، لأن مدة النزول تكون إما سدس الزمان أو ربعه أو سدسه أو ربعه على اختلاف الروايات في ذلك.
إذ أن لفظ الليل والنهار في كلام الشارع إذا أطلق من غروب الشمس إلى طلوعها ومن طلوعها إلى غروبها على الراجح. (٢)
والشبهة المذكورة واردة على كل رواية وليس بالأخذ بأي رواية منها ما ترد به الشبهة. وإنما ترد بما يلي:
قلنا في أثناء الرد على الشبهة الأولى: أن أهل السنة والجماعة يثبتون قيام الأفعال الاختيارية بذاته تعالى، وإثباتهم ذلك له على ما يليق به وينايسب كمال جلاله وعظمته، فإثبات نزول الله تعالى ومجيئه وإتيانه على الوجه الذي يليق به.
فلا يثبتون له مجيئا وإتيانا ونزولا كما يكون للخلق إذا فعلوا ذلك من شغل محل وتفريغ آخر ومن كون ما نزلوا عنه فوق ما نزلوا إليه وغير ذلك مما هو لازم للمخلوقين إذا فعلوا شيئا من ذلك ومثل هذا ممتنع في حق الله ﵎ والله منزه عما يكون من صفات المحدثين ومن سمات المربوبين.
стр. 359
فمجىء الله تعالى وإتيانه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده ونزوله كل ليلة كما في الحديث كل ذلك حقيقة من غير أن يلزم فعله ما يلزم المخلوق، إذا فعل مثل ذلك، فالله تعالى يفعل ما ذكر ولا يخلو منه العرش، ولا يكون شيئا من مخلوقاته عاليا عليه فهو بائن من جميع خلقه عال عليهم ومحيط بهم وهو مستو على عرشه تعالى وتقدس.
وفي ثبوت اختلاف الليل في البلاد ودوام استواء الله على عرشه إبطال لحمل النزول على نحو نزول الخلق.
ومن أول النزول أو غيره من صفات الله تعالى وأفعاله خوفا مما يلزم ذلك بالنسبة للخلق إذا فعلوا مثل ذلك أو اتصفوا به، فقد أخطأ حيث ظن أن أفعال الله تعالى وصفاته كأفعال خلقه وصفاتهم، فشبه الله بخلقه فوقع فيما فر منه وجمع بين التعطيل والتشبيه.
وسلف الأمة وأئمتها يعلمون أن الله تعالى إذا وصف نفسه بصفة أو وصفه رسوله ﷺ بشيء من ذلك أنه ثابت له على ما يليق به فلا يشبه شيئا من صفات خلقه كما لا تشبه ذاته تعالى ذواتهم.
ثم إن في صفات الخلق ما يختلف بعضها عن بعض، فيكون من بعضها ما لا يكون من الآخر، كما في حركة أرواح الآدميين والملائكة فالروح توصف بما يستحيل اتصاف البدن به. فإذا كان هذا في المخلوقات فكيف يستحيل اتصاف الله تعالى بما هو مستحيل بالنسبة للخلق.
يقول ابن تيمية: "وإذا قيل الصعود والنزول والمجىء والإِتيان أنواع جنس الحركة قيل: والحركة أيضا أصناف مختلفة فليست حركة
стр. 360
الروح كحركة البدن ولا حركة الملائكة كحركة البدن. والحركة يراد بها انتقال البدن والجسم من حيز ويراد بها أمور أخرى. كما يقول كثير من الطبائعية والفلاسفة منها الحركة في الكم كحركة النمو، والحركة في الكيف كحركة الإِنسان من جهل إلى علم، وحركة اللون والثياب من سواد إلى بياض. والحركة في الأين كالحركة تكون بالأجسام النامية من النبات والحيوان في النمو والزيادة، أو في الذبول والنقصان وليس هناك انتقال جسم من حيز إلى حيز" (١).
وحيث تبين أن الاختلاف يقع فيما هو داخل تحت مسمى واحد في المخلوقات لكل منها بحسبه.
وعلى هذا فإن ما يوصف به الرب ﵎ يناسب عظمته وكماله فصفاته أكمل وأعلى وأتم من كل ما يتصف به خلقه، إذ هو واهب الكمال ومبدعه فلا يكون سواه أتم فيه منه.
وقد ذكر في كتابه وجاء على لسان رسوله ﷺ ما يدل على قربه من عباده مع أنه مستو على عرشه لكمال قدرته وإحاطة علمه سبحانه فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء يقول سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ (٢).
ويقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (٣).
وروى البخاري بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي
стр. 361
وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة". (١)
وقرب العباد من الله تعالى بتقربهم إليه وهذا مما يقربه جميع من يقول إنه فوق عرشه عال على سمواته بائن من خلقه، ومعيته لهم بعلمه وإحاطته وتوفيقه وهدايته ورحمته لعباده وهذا هو المشهور عن سلف الأمة وأئمتها. (٢)
فإن قيل: إذا أثبتم نزول الله تعالى حقيقة في زمن محدد من الليل وسلمتم أن هذه المدة التي ينزل فيها سبحانه تستغرق كل الزمن على أي قول، وقد ورد أن الله سبحانه يقرب عشية عرفة، وينزل إلى السماء الدنيا لأجل الحجاج. (٣) وهذا الوقت هو بلا شك من أوقات نزوله من الليل في أماكن أخرى في غير عرفة، فكيف يكون قريبا من الحجاج في عرفة ونازلا لإجابة دعاء الداعين والغفران للمستغفرين هناك؟
стр. 362
قلنا: ما ذكرتم في هذا الاعتراض لا يرد إلا على من يقول إن نزول الله تعالى وقربه كنزول الخلق ومجيئهم وإنه مثلهم تعالى وتقدس عن مشابهة المحدثين. وأما من يقول: إن نزوله وقربه يناسب كماله وعظمته، ولا يشبه شيئا من أفعال خلقه، فلا يمتنع في حقه تعالى أن يقرب ممن دعاه دون من لم يدعه مع كونهم في مكان واحد، وأن ينزل عشية عرفة وينزل في الوقت نفسه الذي هو ثلث الليل الآخر في مكان آخر فلا يشغله شأن عن شأن. وقد بين الرسول ﷺ مثل هذا لما سأله أبو رزين (١) فقال: أكلنا يرى الله يوم القيامة وما آية ذلك في خلقه قال: "يا أبا رزين أليس كلكم يرى القمر مخليا به؟
قال: قلت بلى يا رسول الله قال: فالله أعظم" (٢).
وقال رجل لابن عباس ﵁: كيف يحاسب الله العباد في ساعة واحدة؟ قال: كما يرزقهم في ساعة واحدة. (٣)
стр. 363
وفي الحديث، والأثر دلالة على إحاطة الله التامة بمخلوقاته فلا يعجز عن شيء ولا يشغله شأن عن شأن فيراه جميعهم كما يراه واحد منهم ويحاسب جميعهم سبحانه كما يحاسب واحدا منهم.
ويبين ذلك الرسول ﷺ بما يزيل العجب والاستغراب بما هو مشاهد في المخلوقات مع بعضها، فالجموع الكثيرة من الناس ترى القمر في آن واحد من غير تزاحم ولا كلفة تلحقهم عند رؤيته، والله خالق الكل أعظم من ذلك فقدرته لا تقاس بشيء من مخلوقاته، والرسول ﷺ شبه رؤية الناس لله في وقت واحد برؤيتهم للقمر في مثل ذلك. وليس التشبيه للقمر بالله تعالى وتقدس أن يشبهه شيء من خلقه، وإنما التشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئى بالمرئى.
وورد أحاديث صحيحة تدل على نحو هذا من إحاطة علم الله بخلقه وسعة سمعه لكل المسموعات وإجابته للدعوات.
فروى مسلم بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال .. سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي. وإذا قال: الرحمن الرحيم. قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي. وإذا قال: مالك يوم الدين. قال: مجدني عبدي "وقال مرة: فوض إلى عبدي" فإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين. قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال: إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. قال: هذا لعبدي ولعبدي
стр. 364
ما سأل" (١).
فهذا القول من الله تعالى لكل مصل قرأ الفاتحة ومن يصلى في وقت واحد في ساعة واحدة، ويقرأ الفاتحة لا يحصى عددهم إلا هو سبحانه ويقول تعالى لكل قارىء منهم ما يقول للآخر ولا عجب فقد بين الرسول ﷺ عدم استحالة مثل ذلك عند حساب الله لخلقه فسبحان الذي وسع سمعه الأصوات مع اختلاف اللغات وتفنن الحاجات يسمع دعاء خلقه سمع إجابة، ويسمع كل ما يقولون سمع علم وإحاطة لا يشغله سمع عن سمع ولا تغلطه المسائل ولا يتبرم بإلحاح المحلين فإنه هو الخالق لكل هذا ﵎.
الرد على الشبهة الثالثة:
من الرد على الشبهتين السابقتين يأتي الرد على هذه الشبهة أي القول بقيام أفعال الله تعالى بذاته، وأن نزوله لا يشبه نزول الخلق فلا يلزمه ما لزمهم.
أي أن الباري يتصف بالصفات التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله ﷺ على ما يليق به فصفاته لا تشبه شيئا من صفات خلقه، كما أن ذاته وحياته لا تشبه سائر الذوات وحياتهم وكذا سمعه وبصره وسائر صفاته لا تشبه أسماع
стр. 365
وأبصار خلقه وشيئا من صفاتهم فنزوله ﵎ ومجيئه وإتيانه لا يشبه نزول الخلق وإتيانهم ومجيئهم فهو نزول ومجىء وإتيان ليس كمثله نزول ومجىء وإيتان.
فنفي حقيقة هذا والقول بأنه يلزم ذلك ما يلزم الخلق عند نزولهم ومجيئهم وإتيانهم خطأ بين وتحكم لا معنى له.
ولا يرد محذور ولا يلزم لوازم تمتنع في حق الله تعالى من إثبات ما أثبت الله تعالى لنفسه من الصفات والأفعال ولا ما أثبته له رسوله ﷺ والدعوى أن هناك لوازم تلزم أهل الإثبات عند التزام القول بإثبات ما ورد ليس صحيحا، إذا لو كان كذلك فهي لازمة لمن جاء بالإثبات، إذ أن المثبتين لم يثبتوا شيئا من عند أنفسهم وإنما أخذوا بالنصوص وصدقوها وآمنوا بما جاء فيها على مراد قائلها،
فاللوازم إنما تلزم من أولها بتأويله لها عن مدلولها. (١)
يقول ابن القيم: "إن الصفة يلزمها لوازم لنفسها وذاتها فلا يجوز نفي هذه اللوازم عنها لا في حق الرب ولا في حق العبد، ويلزمها لوازم من جهة اختصاصها بالعبد، فلا يجوز إثبات تلك اللوازم للرب، ويلزمها لوازم من حيث اختصاصها بالرب فلا يجوز سلبها عنه ولا إثباتها للعبد" (٢).
ويشبه أبو محمد الله تعالى بخلقه حين يحمل نزوله على نزولهم فيجعل من لوازم نزوله النقلة وغيرها مما يلزم نزول الخلق. (٣)
وقد ذكرنا مرارا أن صفات الله لا تشبه بصفات المخلوقين،
стр. 366
وتشبيه النفاة فعل الله تعالى بفعل خلقه وصفاته بصفاتهم هو الذي حملهم على تعطيله عما يستحق من الصفات بعد أن شبهوه بالمخلوقات. (١)
واستدلال أبي محمد بقول الله تعالى عن إبراهيم ﵇: "لا أحب الآفلين" وقد حمده الله على ذلك وهو ﵊ قد استدل بنقلة الكوكب وحركته على عدم صلاحيته للربوبية غير صحيح، وبيان هذا أن إبراهيم ﵇ كما حكى الله عنه في قوله: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (٢).
في الآيات أن إبراهيم ﵇ لما رأى الكوكب قال هذا ربي ثم قال نحو ذلك مع القمر لما رآه بازغا، ثم مع الشمس لما رآها بازغة وبإفول كل من الكوكب، والقمر، والشمس نفى إبراهيم ﵇ أن تكون ربا له لأفولها.
والأفول هو التغيب (٣) ويكون تغيب الكواكب والقمر والشمس الطبعي بسقوطها إلى جهة المغرب، وهي لم تصل إلى الغروب إلا بتحركها نحوه، وهذا مشاهد ولم ينف إبراهيم ﵇ أن تكون ربا له خلال مدة سيرها وتحركها وهو يراها كذلك ويرقبها فإذا غربت
стр. 367
استدل بهذه الصفة - وهي نقص - على عدم صلاحيتها لأن تكون ربا له، بخلاف الصفات الثانية وهي بزوغها وتحركها فالدليل يدل على خلاف ما استدل به ابن حزم وغيره. (١)
الرد على الشبهة الرابعة:
روى أبو محمد عن أحمد بن حنبل رواية تأويل مجىء الله تعالى بمجىء أمره مستأنسا بها على تأويله النزول والمجىء والإِتيان بما يخالف الظاهر الذي يدعيه.
وقد خالف أحمد فأول كثيرا من الصفات كالاستواء، والقدم والأصابع والساق والتزم أيضا في الإِثبات إثبات الظاهر المجرد، دون حقائق المعنى وأرجع ما أثبت إلى الذات ولم يتعرض في شيء من هذا إلى بيان رأى أحمد هناك وحين جاءت هذه الرواية في التأويل لاقت قبولا عنده فأتى بها مستشهدا.
وهذه الرواية رواها عن أحمد حنبل بن إسحاق (٢) وهي أنهم لما احتجوا عليه في المحنة بالقول بخلق القرآن بقول النبي صلى الله
стр. 368
عليه وسلم: "تجىء البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو غيايتان (١) أو فرقان من طير صواف" (٢) وقالوا له لا يوصف بالإِتيان والمجىء إلا مخلوق فعارضهم بأن المراد مجىء ثواب البقرة وآل عمران ثم عارضهم بقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ (٣) قال إنما يأتي أمره. (٤)
يقول ابن تيمية بعد ذكر رواية حنبل: "هكذا نقل حنبل (٥) ولم ينقل هذا غيره ممن نقل مناظرته في المحنة كعبد الله بن أحمد (٦) وغيره" (٧).
وفي مختصر الصواعق: "وأما الرواية المنقولة عن الإِمام أحمد فاختلف فيها أصحابه على ثلاث طرق:
أحدهما: أنها غلط عليه، فإن حنبلا تفرد بها عنه، وهو كثير
стр. 369
المفاريد المخالفة للمشهور من مذهبه، وإذا تفرد بما يخالف المشهور عنه فالخلال (١) وصاحبه عبد العزيز (٢) لا يثبتون ذلك رواية وأبو عبد الله بن حامد (٣) وغيره يثبتون ذلك رواية والتحقيق أنها رواية شاذة مخالفة لجادة مذهبه هذا إذا كان ذلك من مسائل الفروع فكيف في هذه المسألة؟
وقالت طائفة أخرى بل ضبط حنبل ما نقل وحفظه، ثم اختلفوا في تخريج هذا النص، وقالت طائفة منهم إنما قاله أحمد على سبيل المعارضة لهم، فإن القوم كانوا يتأولون في القرآن من الإِتيان والمجىء بمجيء أمره سبحانه، ولم يكن في ذلك ما يدل على أن من نسب إليه المجىء والإِتيان مخلوق، فكذلك وصف الله سبحانه كلامه بالإِتيان والمجىء هو مثل وصف نفسه بذلك فلا يدل على أن كلامه مخلوق بحمل مجىء القرآن على مجىء ثوابه، كما حملتم مجيئه سبحانه وإتيانه على مجىء أمره وبأسه.
стр. 370
فأحمد ذكر ذلك على وجه المعارضة والإِلزام لخصومه بما يعتقدونه في نظير ما احتجوا به عليه، لا أنه يعتقد ذلك، والمعارضة لا تستلزم اعتقاد المعارض صحة ما عارض به.
وقالت طائفة أخرى: بل تثبت عن أحمد بمثل هذا رواية في تأويل المجىء والإِتيان ونظائر ذلك من أنواع الحركة، ثم اختلفوا في ذلك، فمنهم من قصد التأويل على هذا النوع خاصة وجعل فيه روايتين ومنهم من حكى روايتين في باب الصفات الخبرية بالنقل والتخريج والرواية المشهورة من مذهبه ترك التأويل صريحا. فإنه لما سأله عن تفسير النزول هل هو أمره، أم ماذا؟ نهاه عنه" (١)
رأينا مما ذكر ابن تيمية وابن القيم أن هذه الرواية عن أحمد ليست محل اتفاق وعلى فرض صحتها فإنها قيلت في معارضة الذين احتجوا بالحديث على أن القران مخلوق لأنه وصف بالإِتيان والمجىء وإذا قيل هذا على سبيل الإِلزام لم يلزم أن يكون القائل له موافقا على ما يقول ملتزما به لأنه يقصد إبطال حجتهم لا بيان رأيه في ذلك ومذهبه وفرق بين الإِلزام والإِلتزام.
الرد على ابن حزم في تأويل النزول:
بعد أن بينا أن الشبه التي ذكر ابن حزم ورأى أنها مانعة من إرادة النزول الحقيقي - غير واردة على ما يقوله المثبتون من النزول الحقيقي المناسب لكمال الله وعظمته وأنها لا ترد إلا على من يشبه الله تعالى بخلقه فيرى أن نزوله كنزولهم وأن صفاته كصفاتهم. نبين خطأ
стр. 371
التأويل الذي ذهب إليه في النزول وهو قوله: "إن هذا النزول صفة فعل وأن هذا الفعل هو أن الله تعالى يأمر ملكا ينادي في ذلك الوقت - المذكور في الحديث - بذلك".
ونقول: إن النزول والمجىء والإِتيان من صفات الله تعالى حقيقة لا مجازا فهو تعالى ينزل ويجىء ويأتي على ما يليق به فلا يشبه ما يكون من الخلق ولا يلزمه ما يلزمهم إذا فعلوا شيئا من ذلك.
ويدل على أن النزول حقيقة تواتر الأخبار (١) عن أعلم الخلق بالله وأنصحهم للأمة وأقدرهم على العبارة التي لا توقع لبسا محمد ﷺ بأن الله ينزل إلى السماء الدنيا وليس في جميعها ما يدل على أن المراد بهذا النزول المجاز وإنما جاء فيها ما يدل على أن المراد الحقيقة كقوله: "وعزتي وجلالي لا أسأل عن عبادي غيري" وقوله "من ذا الذي يسألني فأعطيه من ذا الذي يستغفرني فأغفر له. من ذا الذي يدعوني فأستجيب له". إلى نحو هذا مما جاء في ألفاظ الأحاديث مما يدل على أن المراد الحقيقة، إذ لا يمكن أن يقول هذا ملك ولا غيره، لأنه كلام الله الذي لا يقوله سواه، لأنه هو المجيب للدعاء والغافر للذنوب والمعطي لكل سائل سؤاله . (٢)
ومما يؤيد حمل النزول على الحقيقة أن لفظ الخبر: "إن الله ينزل إلى السماء الدنيا" وهذا خبر عن نفس ذات الله تعالى لا عن غيره وعن معنى لا عن لفظ والمخبر عنه هو مسمى هذا الاسم العظيم، فإن
стр. 372
الخبر يكون عن اللفظ تارة وهو قليل، ويكون عن مسماه ومعناه وهو الأكثر فإذا قلت زيد عندك، فإنما أخبرت عن الذات لا عن الاسم فقول الله "الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل" (١) وهو خبر عن ذات الرب تعالى فلا يحتاج المخبر أن يقول: الله خالق كل شيء بذاته وكذلك جميع ما أخبر الله به عن نفسه إنما هو خبر عن ذاته لا يجوز أن يخص من ذلك إخبار واحد البتة. (٢)
ولو كان النزول على ما أوله ابن حزم "أن الله يأمر ملكا ينادي" لكان الواجب أن يقول: "من يدعو الله فيستجيب له؟ من يسأله فيعطيه من يستغفره فيغفر له؟ لأن هذا موجب اللغة التي بها خوطبنا بل وموجب جميع اللغات فإن ضمير المتكلم لا يقوله إلا المتكلم فأما من أخبر عن غيره فإنما يأتي باسمه الظاهر وضمائر الغيبة.
ومن هذا ما روى مسلم بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله إذا أحب عبدا، دعا جبريل فقال إني أحب فلانا فأحبه. قال فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء، قال ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلانا فأبغضه قال فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء، إن الله يبغض فلانا فأبغضوه. قال فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض". (٣)
стр. 373
فقد بين النبي ﷺ الفرق بين نداء الله تعالى ونداء جبريل فقال في نداء الله "يا جبريل إني أحب فلانا" وقال في نداء جبريل: "إن الله يحب فلانا فأحبوه" وهذا ظاهر. (١)
ومما يبعد حمل النزول على نزول الملائكة أن الملائكة تنزل إلى الأرض في كل وقت والنزول المذكور في الحديث مخصوص بوقت محدود وجعل منتهاه السماء الدنيا ونزول الملائكة لا يختص بذلك الوقت ولا بهذا الزمان. (٢)
فإن قيل: إذا لم يتم القول بأن الذي ينزل ملك من الملائكة فيمكن أن يحمل النزول على نزول أمر الله ورحمته.
قلنا: وكذلك لا يستقيم تأويل النزول على نزول أمر الله ورحمته وما قلنا في منع تأويل النزول بالملك يقال على منع التأويل بالأمر والرحمة.
ونزيد على ذلك هنا فنقول: إن أراد من يقول بإتيان أمر الله ورحمته أن الله إذا جاء أو نزل حلت رحمته وأمره فهذا حق.
وإن أراد أن النزول والإِتيان للأمر والرحمة فقط، وأن الله تعالى لا يأتي وينزل فهذا باطل لما ذكرنا مما هو مؤيد لكون النزول نزول الله تعالى لا نزول الملك، لأنه إن أريد بنزول الرحمة والأمر الصفة القائمة بذات الله تعالى فنزول الرحمة والأمر يستلزم نزول الذات ومجيئها قطعا.
وإن أريد بهما مخلوقا منفصلا عن الله تعالى وسمى هذا المخلوق رحمة وأمرا لزم أن يكون الذي ينزل ويأتي لفصل القضاء مخلوقا محدثا
стр. 374
لا رب العالمين وفي هذا تكذيب للخبر وهذا معلوم البطلان. (١)
ومما يبطل تأويل النزول بالأمر والرحمة أن نزول ذلك لا يختص بذلك الوقت المحدد، فلا تنقطع رحمته ولا أمره عن العالم العلوي والسفلي طرفة عين. (٢)
فإن قيل: إذا لم يتم ما قلنا من تأويل النزول والمجىء والإِتيان وكان ذلك حقيقة على ما تقولون فكيف يكون هذا النزول والمجىء والإِتيان بالنسبة لله تعالى.
قلنا: لا يعرف كيف الشيء إلا من يعلمه فيدركه ويحيط علمه به مما هو مشاهد وملموس.
أما من لم ير ولم يحاط به علما وهو أعظم مما يخطر على البال وما يدور في الخيال فلا يعرف له كيف.
ومذهب أهل السنة الإِيمان بما وصف الله به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل ويؤمنون بأن الله "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" (٣).
فلا يسأل عن صفات الله تعالى بكيف لأن الكيف غير معلوم.
يقول الدارمي: "لم نكلف كيفية نزوله في ديننا ولا تعقله قلوبنا وليس كمثله شيء من خلقه فنشبه منه فعلا أو صفة بفعالهم وصفتهم ولكن ينزل بقدرته ولطف ربوبيته كيف يشاء، فالكيف منه غير معقول والإِيمان بقول الرسول ﷺ في نزوله واجب،
стр. 375
ولا يسأل الرب عما يفعل كيف يفعل وهم يسألون لأنه القادر على ما يشاء أن يفعله كيف يشاء، وإنما يقال لفعل المخلوق الضعيف الذي لا قدرة له إلا ما أقدره الله تعالى عليه كيف يصنع وكيف قدر" (١).
ويقول ابن قتيبة: "لا نحتم على النزول منه (الله) بشيء، ولكنا نبين كيف النزول منا وما تحتمله اللغة من هذا اللفظ والله أعلم بما أراد.
والنزول منا يكون بمعنيين:
أحدهما: الانتقال عن مكان إلى مكان، كنزولك من الجبل إلى الحضيض ومن السطح إلى الدار.
والمعنى الآخر: إقبالك على الشيء بالإِرادة والنية.
وكذلك الهبوط والارتقاء والبلوغ والمصير، وأشباه هذا من الكلام ومثال ذلك أن يسألك سائل عن محال قوم من الأعراب وهو لا يريد المصير إليهم فتقول له: إذا صرت إلى جبل كذا، فانزل منه، وخذ يمينا وإذا صرت إلى وادي كذا، فاهبط فيه ثم خذ شمالا وإذا صرت إلى أرض كذا، فاعتل هضبة هناك حتى تشرف عليها وأنت لا تريد في شيء مما تقوله إفعله ببدنك إنما تريد إفعله بنيتك وقصدك، وقد يقول القائل: بلغت إلى الأحرار تشتمهم وصرت إلى الخلفاء تطعن عليهم وجئت إلى العلم تزهد فيه، ونزلت عن معالي الأخلاق إلى الدناءة وليس يراد في شيء من هذا انتقال الجسم.
стр. 376
وإنما يراد به القصد إلى الشيء بالإِرادة والعزم والنية" (١).
يبين ابن قتيبة في كلامه هذا ما تحتمله اللغة من معنى النزول أي ما يقال عنه إنه نزول حقيقي بالنسبة للخلق.
وفي المعنى الثاني الذي ذكر، دلالة على خطأ من يقول: إنه يلزم من نزول البشر مطلقا انتقال الجسم، وليس هو كذلك على هذا المعنى إذا ليس فيه انتقال جسم وهو لازم على المعنى الأول. فنزول البشر يأتي على تلك الصفتين وهو فيهما حقيقة.
ولا يحكم على نزول الله تعالى، أنه يكون كنزول خلقه وأنه يلزم نزوله ما يلزم نزولهم لأن الله ﵎ وصف نفسه بصفات ووصفه رسوله ﷺ بصفات وكل ذلك حق. ولا يعتقد من يثبت صفات الله تعالى أنها مشابهة لصفات خلقه، وإن كان هناك اشتراك في الاسم فهو لا يعدو اللفظ، أما حقيقة الصفة وقيامها بالمتصف بها، فصفات الله تعالى لائقة بكماله وجلاله وعظمته ولا يجوز نفيها خوفا من التشبيه لأنه لا مشابهة بين صفات الخالق وصفات المخلوق، كما لا مشابهة بين ذاته المقدسة وذواتهم، ولأن صفات الخلق مناسبة لحالهم وفنائهم وعجزهم وافتقارهم وصفاته مناسبة لعظمته وبقائه وقدرته وغناه .
стр. 377
١٨ - الرؤية:
يذهب أبو محمد بن حزم إلى أن الله تعالى يراه المسلمون يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (١). ولما روى بسنده عن جرير بن عبد الله أنه سمع رسول الله ﷺ يقول - ونظر إلى القمر -: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا لا تضامون (٢) في رؤيته" (٣) ولنحو هذا من الأحاديث الواردة في إثبات رؤية المؤمنين لله تعالى يوم القيامة.
ويقول: إن الآية والأحاديث الصحاح المأثورة في رؤية الله تعالى يوم القيامة موجبة القبول لتظاهرها وتباعد ديار الناقلين لها.
ويرى أن هذه الرؤية حقيقة وأنها كرامة للمؤمنين، وليست معرفة القلب لأن معرفة القلب حاصلة في الدنيا لجميع العارفين، بالله تعالى.
ورؤية الله تعالى التي ستحصل للمؤمنين في الآخرة لا تكون في الدنيا.
стр. 378
وليست تلك الرؤية بهذه القوة الموضوعة في العين الآن، والتي لا تقع إلا على الألوان، وإنما هي بقوة موهوبة من الله تعالى يجعلها في أعين من سيراه (١) كما جعل من القوة في إذن موسى ﵇ حتى سمع كلامه.
ويقول بعدم رؤية الكفار لله تعالى يوم القيامة إلا بقلوبهم لقوله تعالى ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (٢).
هذا هو مذهب ابن حزم في رؤية الله ومن يرى الله ﵎ (٣).
هذا المذهب الذي ذهب إليه ابن حزم في رؤية الله تعالى هو المذهب الذي تؤيده الأدلة الصريحة والصحيحة من الكتاب والسنة وهو ما عليه سلف الأمة وأئمتها. فهم يثبتون رؤية الله تعالى يوم القيامة كرامة للمؤمنين وهي أعلى نعيم أهل الجنة عندهم وقد فسروا
стр. 379
الزيادة المذكورة في قوله تعالى ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (١) بأنه النظر إلى وجه الله ﵎.
وأدلة جواز الرؤية ووقوعها كثيرة جدًّا نشير إليها إشارة من غير تعرض للخلاف فيها مع من نفاها، أو مناقشة لاعتراضاته، لأن قصدنا هنا تأييد رأي ابن حزم وتدعيمه فنقول: -
أولًا: أدلة جواز الرؤية زيادة على ما ذكر ابن حزم:
(أ) الأدلة النقلية:
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢).
والاستدلال بهذه الآية على الجواز من ستة أوجه:
الأول:
أن موسى ﵇ سأل الرؤية ولو كانت ممتنعة لما سألها لأنه حينئذ إما أن يعلم امتناعها أو لا يعلمه. فإن علم فالعاقل لا يطلب
стр. 380
المحال الممتنع وإن جهله فالجاهل بما لا يجوز على الله ويمتنع لا يكون نبيًّا كليمًا، وقد وصفه الله تعالى بذلك ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (١). فسؤال موسى ﵇ الرؤية دل على عدم امتناعها، لكونه رسولًا مصطفى مختارًا إذ يمتنع عليه الجهل بمن أرسله واصطفاه (٢).
الوجه الثاني:
أن الله تعالى لم ينهه ولا أيأسه لما طلب الرؤية، ولو كانت محالة لأنكر عليه، فقد أنكر على نوح ﵇ لما سأله نجاة ابنه حيث قال ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣) ولم ينكر على الخليل ﵇ حين قال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (٤) ولم ينكر أيضًا على عيسى ﵇ حين قال: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (٥). ففي إنكاره جل وعلا على نوح ﵇ دليل على
стр. 381
عدم جواز ما طلب، وفي عدم الإِنكار على الخليل وموسى وعيسى ﵈ دليل الجواز وعدم الاستحالة (١).
الوجه الثالث:
أن الله أجاب موسى بقوله "لن تراني" وفي هذا دلالة على الجواز إذ لو كانت الرؤية مستحيلة عليه تعالى لقال "لا تراني، أو لست بمرئي، أو لا تجوز رؤيتي" ألا ترى أنه لو كان في يد رجل حجر مثلًا فقال له آخر أعطني هذا لآكله، فإنه يقول له هذا لا يؤكل، ولا يقول له لا تأكله ولو كان في يده بدل الحجر تفاحة لقال له لا تأكلها أي أن هذا مما يؤكل ولكنك لا تأكله. والفرق بين الجوابين ظاهر لمن تأمله .. ففي قوله تعالى جوابًا لموسى "لن تراني" دليل على أنه سبحانه يرى ولكن موسى ﵇ لا تحتمل قواه رؤيته في هذه الدار لضعف قوة البشر فيها عن رؤية العلي العظيم ولم يرد سبحانه أن يراه أحد في الحياة الدنيا (٢).
الوجه الرابع:
أن الله تعالى علق الرؤية على أمر جائز، وهو استقرار الجبل والمعلق على الجائز جائز فيلزم كون الرؤية في نفسها جائزة.
قال الرازي: "إذا ثبت هذا وجب أن تكون رؤيته جائزة الوجود في نفسها, لأنه لما كان ذلك الشرط أمرًا جائز الوجود لم يلزم من فرض وقوعه محال، فبتقدير حصول ذلك الشرط، إما أن يترتب عليه الجزاء الذي هو حصول الرؤية أو لا يترتب فإن ترتب عليه حصول الرؤية
стр. 382
لزم القطع بكون الرؤية جائزة الحصول، وإن لم يترتب عليه حصول الرؤية قدح هذا في صحة قوله: إنه متى حصل ذلك الشرط حصلت الرؤية وذلك باطل" (١)
الوجه الخامس:
أن الله تعالى تجلى للجبل وهذا التجلي هو الظهور، قال القرطبي: "تجلى أي ظهر من قولك جلوت العروس أي أبرزتها وجلوت السيف أبرزته من الصدأ جلاء فيهما وتجلى الشيء انكشف" (٢).
والمقصود إعلام نبي الله موسى ﵇ أن الإِنسان لا يطيق رؤية الله تعالى حيث إن الجبل مع قوته وصلابته لم يصمد حين تجلى الرب له فاندك وتفرقت أجزاؤه فبدا مسوى بالأرض مدكوكًا.
وحيث جاز تجلى الله تعالى للجبل ورؤيته له وهو جماد لا ثواب له ولا عقاب فكيف يمتنع أن يتجلى لأنبيائه ورسله وأوليائه في دار كرامته ويريهم نفسه إن ذلك بعيد.
الوجه السادس:
أن من جاز عليه التكلم والتكليم وأن يسمع مخاطبة كلامه بغير وساطة فرؤيته أولى بالجواز وكليم الله وأعرف الناس به في زمانه لما سمع كلامه ومناجاته له من غير وساطة اشتاقت نفسه إلى رؤيته لعلمه عدم التفريق بين الرؤية والكلام لهذا فلا يتم إنكار الرؤية إلا بإنكار التكليم (٣).
стр. 383
الدليل الثاني من أدلة النقل على جواز الرؤية:
قوله تعالى لموسى ﵇: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (١).
ووجه الاستدلال من الآية على جواز الرؤية هو استنباط من مواساة الله تعالى لموسى ﵇ وتسليته حين منعه من الرؤية ولو طلب غير جائز لنهاه ورده بلا مواساة.
يقول الرازي: "إعلم أن موسى ﵇ لما طلب الرؤية ومنعه الله منها، عدد الله عليه وجوه نعمه العظيمة التي له عليه، وأمره أن يشتغل بشكرها كأنه قال له إن كنت قد منعتك الرؤية فقد أعطيتك من النعم العظيمة كذا وكذا فلا يضيق صدرك بسبب منع الرؤية، وانظر إلى سائر أنواع النعم التي خصصتك بها واشتغل بشكرها.
والمقصود تسلية موسى ﵇ من منع الرؤية، وهذا أيضًا أحد ما يدل على أن الرؤية جائزة على الله تعالى، إذ لو كانت ممتنعة في نفسها لما كان إلى ذكر هذا القدر حاجة" (٢).
стр. 384
الدليل الثالث:
قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١).
ووجه الاستدلال على الجواز، أن الله تعالى تمدح بقوله "لا تدركه الأبصار" ولو لم يكن جائز الرؤية لما حصل هذا التمدح لأن المعدوم لا تصح رؤيته والعلوم والقدرة والإِرادة والروائح والطعوم لا يصح رؤية شيء منها ولا مدح لها في ذلك، لأن الشيء إذا كان في نفسه بحيث تمتنع رؤيتة فحينئذ لا يلزم من عدم رؤيته مدح وتعظيم للشيء بخلاف ما إذا كانت رؤيته جائزة ثم إنه قدر على حجب الأبصار عن رؤيته وعن إدراكه فإن هذه القدرة الكاملة دالة على المدح والعظمة (٢).
ونقول أيضا في وجه الاستدلال: إن الله تعالى نفى إدراك الأبصار له وهو أن تحيط به فهذا النفي ورد على مقيد وهي الرؤية المحيطة، فإذا المنفى هو قيد الإِحاطة، وهذا يشهد بأن الرؤية جائزة، لأنها لو كانت ممتنعة لكان المنفى هو أصل الرؤية لا الرؤية المحيطة. نظير ذلك أنه إذا كان هناك شخصان أحدهما لم يأت إليك والثاني أتى غير راكب فإنك تقول في الثاني لم يأت راكبًا تريد نفي الركوب لا نفي الإِتيان، ولا تقول في الأول لم يأت راكبًا بل تقول لم يأت، وهذا معنى قولهم في القواعد العامة، إذا ورد النفي على مقيد بقيد كان
стр. 385
النفي منصبًا على القيد لا المقيد، والنفي في الآية الكريمة ورد على الرؤية المحيطة فيكون المراد نفى الإِحاطة وهذا بدوره يقتضي ثبوت أصل الرؤية والله أعلم.
الدليل الرابع على جواز الرؤية:
قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇ في محاجة قومه في النجوم: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (١).
ووجه الدلالة أن الخليل ﵇ حاج قومه في النجوم وبين أنها تأفل في حين أن الرب لا يغيب ولا يأفل ثم قال في ذلك لا أحب الآفلين، ولم يحاجهم بأنه لا يحب ربًا يرى، ولكن حاجهم بأنه لا يحب ربًا يأفل وهو دليل عدم الدوام وهو الذي يمتنع على الله ﵎ أما الرؤية فلا، حيث لم يجعلها الخليل من موانع الربوبية كالأفول والغيبة (٢).
стр. 386
الدليل الخامس:
ما روى البخاري بسنده عن جرير بن عبد الله قال: قال النبي ﷺ : "إنكم سترون ربكم عيانًا" (١).
الدليل السادس:
ما روى البخاري بسنده عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ أرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة وقال لهم: "إصبروا حتى تلقوا (٢) الله ورسوله فإنى على الحوض" (٣).
والأحاديث عن النبي ﷺ الدالة على رؤية الله تعالى ولقائه كثيرة جدًّا يطول بنا المقام لو ذكرناها ويذكر ابن القيم أنها متواترة وعد قرابة ثلاثين صحابيًّا ممن رووها عن النبي ﷺ وذكر أحاديثهم. (٤).
стр. 387
الدليل السابع على جواز الرؤية:
هو ما وقع من الخلاف بين الصحابة ﵃ في شأن رؤية النبي ﷺ لربه ليلة المعراج بين مثبت وناف ولم يكفر بعضهم بعضًا بهذا السبب ولم ينسبه إلى البدعة والضلالة.
وهذا دليل على إجماعهم على عدم امتناعها عقلًا في الدنيا وقد أجمعوا على أنها ستحصل للمؤمنين في الآخرة، ولو كانت ممتنعة لما صح أن يقول أحد من الصحابة بوقوعها، فقول البعض بالوقوع دليل على أنها جائزة قطعًا (١).
الدليل الثامن:
يقول الرازي: "إن القلوب الصافية مجبولة على حب معرفة الله تعالى على أكمل الوجوه، وأكمل طرق المعرفة هو الرؤية، فوجب أن تكون رؤية الله تعالى مطلوبة لكل أحد، وإذا ثبت هذا وجب القطع بحصولها لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ﴾ (٢)." (٣).
تلك بعض الأدلة السمعية على جواز الرؤية، وهناك أدلة كثيرة تدل على إثبات الرؤية للمؤمنين في الجنة، أو الحث على طلبها بالعمل الصالح والوعد بها أو نفيها عن الكفار، وما دل على الوقوع
стр. 388
فهو دال على الجواز من باب أولى لأن غير الجائز لا يقع.
يقول الغزالي: "ومهما دل الشرع على وقوعه فقد دل أيضًا لا محالة على جوازه" (١).
وسنذكر أدلة الوقوع بعد الأدلة العقلية على الجواز إن شاء الله تعالى.
(ب) الأدلة العقلية على جواز الرؤية:
استدل القائلون بجواز رؤية الله تعالى بأدلة عقلية كثيرة جلها لا يخلو من اعتراضات قوية ترد عليه، يصعب الإِجابة عليها، حتى إن المستدلين بها أدركوا أنها أدلة لا تقوى على الاستدلال فجعلوا عمدة القول بالجواز هي أدلة النقل.
ونذكر هذه الأدلة لمجرد معرفة ما قال العلماء من غير ذكر للاعتراضات والردود عليها لأنها كما قلنا مسالك ضعيفة، ولأنها أدلة على شىء تحقق لدينا جوازه ووقوعه سمعا، ولولا السمع لم تكن الأدلة العقلية التي استدل بها على الجواز كافية في إثباته ولسهل ردها من قبل النفاة.
الدليل الأول:
هو الاستدلال على جواز رؤية الله تعالى بوجوده.
قال أبو الحسن الأشعرى: "ومما يدل على رؤية الله بالأبصار أنه ليس موجود إلا وجائز أن يريناه الله وإنما لا يجوز
стр. 389
أن يرى المعدوم، فلما كان الله موجودا مثبتا كان غير مستحيل أن يرينا نفسه ". (١)
وسلك ابن تيمية في تقرير هذا الدليل طريقا آخر فلم يجعل المصحح للرؤية الوجود المجرد لأنه يلزم عليه لوازم فاسدة لا تصلح أن تكون مصححا للرؤية، وإنما جعل المصحح لها أمورا وجودية لا أن كل موجود تصح رؤيته لأنها أمر وجودى محض لا يسيطر فيها أمر عدمى. (٢)
الدليل الثاني:
الاستدلال برؤية الله تعالى للأشياء، ولا يرى الأشياء من لا يرى نفسه. فإذا كانت نفسه تعالى مرئية فجائز أن يريناها لعدم استحالة الرؤية عليها.
واستدل بهذا الدليل أبو الحسن الأشعرى فقال: "ومما يدل على رؤية الله سبحانه بالأبصار أن الله يرى الأشياء وإذا كان للأشياء رائيا. فلا يرى الأشياء من لا يرى نفسه، وإذا كان لنفسه رائيا فجائز أن يرينا نفسه وذلك أن من لا يعلم نفسه لا يعلم شيئا فلما كان الله عالما بالأشياء كان عالما بنفسه، فلذلك من لا يرى
стр. 390
نفسه لا يرى الأشياء، فلما كان الله رائيا للأشياء كان رائيا لنفسه، وإذا كان رائيا لها فجائزان يرينا نفسه كما أنه لما كان عالما بنفسه جاز أن يعلمناها وقد قال تعالى ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾. (١) فأخبر أنه سمع كلامهما ورآهما، ومن زعم أن الله لا يجوز أن يرى بالأبصار يلزمه أن لا يجوز أن يكون الله رائيا ولا عالما ولا قادرا لأن العالم القادر الرائى جائز أن يرى" (٢)
ثانيًا: أدلة وقوع الرؤية
الدليل الأول:
ما ذكر ابن حزم ونذكره لبيان وجه الاستدلال - هو قوله تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. (٣)
وجهه الاستدلال من الآية: أن النظر في اللغة يرد لمعان كثيرة مختلفة فإذا تجرد عن الصلات وتعدى بنفسه كان بمعنى التوقف والانتظار وفي لسان العرب" النظر الانتظار يقال نظرت فلانا وانتظرته بمعنى واحد فإذا قلت انتظرت فلم يجاوزك فعلك فمعناه، وقفت، وتمهلت، ومنه قوله تعالى ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾. (٤) قرىء انظرونا، وأنظرونا بقطع الألف، من قرأ بضم الألف فمعناه انتظرونا،