← Акыда

Акыда · id 116

ابن حزم وموقفه من الإلهيات عرض ونقد

أحمد بن ناصر الحمد

Полный текст (510 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الدليل الخامس: ما روى البخاري بسنده عن جرير بن عبد الله قال: قال النبي ﷺ : "إنكم سترون ربكم عيانًا" (١). الدليل السادس: ما روى البخاري بسنده عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ أرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة وقال لهم: "إصبروا حتى تلقوا (٢) الله ورسوله فإنى على الحوض" (٣). والأحاديث عن النبي ﷺ الدالة على رؤية الله تعالى ولقائه كثيرة جدًّا يطول بنا المقام لو ذكرناها ويذكر ابن القيم أنها متواترة وعد قرابة ثلاثين صحابيًّا ممن رووها عن النبي ﷺ وذكر أحاديثهم. (٤).

стр. 387

الدليل السابع على جواز الرؤية: هو ما وقع من الخلاف بين الصحابة ﵃ في شأن رؤية النبي ﷺ لربه ليلة المعراج بين مثبت وناف ولم يكفر بعضهم بعضًا بهذا السبب ولم ينسبه إلى البدعة والضلالة. وهذا دليل على إجماعهم على عدم امتناعها عقلًا في الدنيا وقد أجمعوا على أنها ستحصل للمؤمنين في الآخرة، ولو كانت ممتنعة لما صح أن يقول أحد من الصحابة بوقوعها، فقول البعض بالوقوع دليل على أنها جائزة قطعًا (١). الدليل الثامن: يقول الرازي: "إن القلوب الصافية مجبولة على حب معرفة الله تعالى على أكمل الوجوه، وأكمل طرق المعرفة هو الرؤية، فوجب أن تكون رؤية الله تعالى مطلوبة لكل أحد، وإذا ثبت هذا وجب القطع بحصولها لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ﴾ (٢)." (٣). تلك بعض الأدلة السمعية على جواز الرؤية، وهناك أدلة كثيرة تدل على إثبات الرؤية للمؤمنين في الجنة، أو الحث على طلبها بالعمل الصالح والوعد بها أو نفيها عن الكفار، وما دل على الوقوع

стр. 388

فهو دال على الجواز من باب أولى لأن غير الجائز لا يقع. يقول الغزالي: "ومهما دل الشرع على وقوعه فقد دل أيضًا لا محالة على جوازه" (١). وسنذكر أدلة الوقوع بعد الأدلة العقلية على الجواز إن شاء الله تعالى. (ب) الأدلة العقلية على جواز الرؤية: استدل القائلون بجواز رؤية الله تعالى بأدلة عقلية كثيرة جلها لا يخلو من اعتراضات قوية ترد عليه، يصعب الإِجابة عليها، حتى إن المستدلين بها أدركوا أنها أدلة لا تقوى على الاستدلال فجعلوا عمدة القول بالجواز هي أدلة النقل. ونذكر هذه الأدلة لمجرد معرفة ما قال العلماء من غير ذكر للاعتراضات والردود عليها لأنها كما قلنا مسالك ضعيفة، ولأنها أدلة على شىء تحقق لدينا جوازه ووقوعه سمعا، ولولا السمع لم تكن الأدلة العقلية التي استدل بها على الجواز كافية في إثباته ولسهل ردها من قبل النفاة. الدليل الأول: هو الاستدلال على جواز رؤية الله تعالى بوجوده. قال أبو الحسن الأشعرى: "ومما يدل على رؤية الله بالأبصار أنه ليس موجود إلا وجائز أن يريناه الله وإنما لا يجوز

стр. 389

أن يرى المعدوم، فلما كان الله موجودا مثبتا كان غير مستحيل أن يرينا نفسه ". (١) وسلك ابن تيمية في تقرير هذا الدليل طريقا آخر فلم يجعل المصحح للرؤية الوجود المجرد لأنه يلزم عليه لوازم فاسدة لا تصلح أن تكون مصححا للرؤية، وإنما جعل المصحح لها أمورا وجودية لا أن كل موجود تصح رؤيته لأنها أمر وجودى محض لا يسيطر فيها أمر عدمى. (٢) الدليل الثاني: الاستدلال برؤية الله تعالى للأشياء، ولا يرى الأشياء من لا يرى نفسه. فإذا كانت نفسه تعالى مرئية فجائز أن يريناها لعدم استحالة الرؤية عليها. واستدل بهذا الدليل أبو الحسن الأشعرى فقال: "ومما يدل على رؤية الله سبحانه بالأبصار أن الله يرى الأشياء وإذا كان للأشياء رائيا. فلا يرى الأشياء من لا يرى نفسه، وإذا كان لنفسه رائيا فجائز أن يرينا نفسه وذلك أن من لا يعلم نفسه لا يعلم شيئا فلما كان الله عالما بالأشياء كان عالما بنفسه، فلذلك من لا يرى

стр. 390

نفسه لا يرى الأشياء، فلما كان الله رائيا للأشياء كان رائيا لنفسه، وإذا كان رائيا لها فجائزان يرينا نفسه كما أنه لما كان عالما بنفسه جاز أن يعلمناها وقد قال تعالى ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾. (١) فأخبر أنه سمع كلامهما ورآهما، ومن زعم أن الله لا يجوز أن يرى بالأبصار يلزمه أن لا يجوز أن يكون الله رائيا ولا عالما ولا قادرا لأن العالم القادر الرائى جائز أن يرى" (٢) ثانيًا: أدلة وقوع الرؤية الدليل الأول: ما ذكر ابن حزم ونذكره لبيان وجه الاستدلال - هو قوله تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. (٣) وجهه الاستدلال من الآية: أن النظر في اللغة يرد لمعان كثيرة مختلفة فإذا تجرد عن الصلات وتعدى بنفسه كان بمعنى التوقف والانتظار وفي لسان العرب" النظر الانتظار يقال نظرت فلانا وانتظرته بمعنى واحد فإذا قلت انتظرت فلم يجاوزك فعلك فمعناه، وقفت، وتمهلت، ومنه قوله تعالى ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾. (٤) قرىء انظرونا، وأنظرونا بقطع الألف، من قرأ بضم الألف فمعناه انتظرونا،

стр. 391

ومن قرأ أنظرونا فمعناه أخرونا. وقال الزجاج قيل: معنى أنظرونا انتظرونا أيضا ومنه قول عمرو ابن كلثوم: أبا هند فلا تعجل علينا ... وأنظرنا نخبرك اليقينا (١) وقال الفراء تقول العرب، أنظرنى أي انتظرنى قليلا ويقول المتكلم لمن يعجله أنظرنى أبتلع ريقى أي أمهلنى (٢). ومن ذلك قوله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ (٣) أي ما ينتظرون. وقوله تعالى: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (٤) أي منتظرة. وقول قراد بن أجدع: وإن يك صدر هذا اليوم ولى ... فإن غدا لناظره قريب (٥) أي لمنتظره. وقال الحطيئة: وقد نظرتكم إعشاء صادرة ... للخمس طال بها حوزى وتنساسي (٦) (٧) أي انتظرتكم.

стр. 392

وقال امرؤ القيس: فإنكما إن تنظرانى ساعة ... من الدهر تنفعنى لدى أم جندب (١) أي إن تنتظرانى. فحين ذكر النظر فيما مر عاريا عن الصلات والتعدية لم يحتمل إلا الانتظار. وإذا عدى باللام كان بمعنى الإنعام أي الرأفة والرحمة والتعطف، مثل أن يقال نظر السلطان لفلان أي رأف به وتعطف عليه. وإذا عدى بفى كان بمعنى التفكر والاعتبار كقوله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢). وكما تقول نظرت في الأمر لفلان أي تفكرت فيه واعتبرت (٣). وإذا عدى بإلى احتمل الرؤية وغيرها. ومما جاء معدى بإلى وهو نص في الرؤية قوله تعالى "رب أرني أنظر إليك" (٤) حيث رتب النظر على الإِراءة والمرتب على الإِراءة هو الرؤية فيدل على أن النظر هو الرؤية ولا يمكن حمله على غير هذا من معاني النظر. وقوله تعالى ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ (٥) والذى يفيد كيفية معرفة الخلقة هو الرؤية لا تقليب الحدقة أو غير ذلك.

стр. 393

ومما عدى بإلى وليس نصا في الرؤية قوله تعالى في صفة الكفار ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (١) فنفى تعالى كونه ناظرا إليهم وهو يراهم بلا خلاف والمفسرون قاطبة على أن معنى الآية لا يرحمهم ولا يحسن إليهم ولا ينيلهم خيرا، فالنظر المنفى هنا والمعدى بإلى غير الرؤية. (٢) وقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٣) ذكر في الآية النظر وعداه بإلى وأراد به الانتظار. وقال الأبيوردى: هي التي لا تزال الدهر ناظرة ... إلى العلى ولسؤال وفي كتب (٤) فقوله ناظرة إلى العلا أي إنها طالبة له ومتوقعة. (٥) عرفنا مما ذكر أن النظر يرد في اللغة بمعنى الانتظار، والإنعام والتفكر، والرؤية على حسب وروده تجردا وتعدية ولكنه إذا عدى بإلى وأضيف إلى الوجه الذي هو محل البصر فلا يحتمل إلا الرؤية بالأعين وهذا هو ما وردت به الآية الكريمة فهي نص في الرؤية ولا تحتمل غيرها من المعاني. يقول أبو الحسن الأشعري بعد ذكر الآية: "ولا يجوز أن يكون

стр. 394

عنى (الله) نظر الانتظار لأن النظر إذا ذكر مع ذكر الوجه فمعناه نظر العينين اللتين في الوجه". (١) وقال الباقلاني: "وإذا قرن النظر بذكر الوجه وعدى بحرف الجر ولم يضف الوجه إلى قبيلة وعشيرة كان الوجه الجارحة التي توصف بالنضارة التي تختص بالوجه الذي فيه العينان فمعناه رؤية الأبصار". (٢) فعلى هذا فالنظر الوارد في الآية يكون بمعنى الرؤية لأن الله تعالى قد وصف الوجوه التي هي الجوارح بأنها تنظر إليه وقد وصفها بما لا يجوز أن يوصف به إلا جارحة حيث قال ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ والنضارة لا تكون إلا في الجارحة التي هي الوجه. (٣) فإن قال النفاة لا نسلم أن "إلى" في قوله "إلى ربها ناظرة" حرف جر وإنما هي اسم وهي واحدة الآلاء وهي النعم فهر، في موضع مفعول به لناضرة، أو أنها بمعنى عند، وحيث إننا اتفقنا على أن لفظ "ناظرة" إذا كان عاريا عن حرف "إلى" أفاد معنى الانتظار، وعليه يكون تقدير الآية "وجوه يومئذ ناضرة نعمة ربها منتظرة، أي كأنه تعالى قال "وجوه يومئذ ناضرة آلاء ربها منتظرة ونعمه مترقبة هذا على الأول، وعلى الثاني "وجوه يومئذ ناضرة عند ربها منتظرة". (٤) قلنا: إن حمل لفظ "إلى" في الآية على واحد الآلاء بعيد لأن الله

стр. 395

تعالى أخبر أن تلك الوجوه قد حصلت لها النضرة وهي النعمة لأن النضرة نعمة فإذا حصلت لها النعمة فبعيد أن ينتظر ما قد حصل لأن الانتظار يكون لما لم يحصل بعد (١) ونقول أيضا: إن حمل لفظ "إلى" في الآية على واحد الآلاء أو على معنى عند وكون "ناظرة" بمعنى منتظرة غير جائز لأن الانتظار يتضمن الغم والمشقة ويؤدى إلى التنغيص والتكدير كما قيل في المثل الانتظار يورث الاصفرار والانتظار الموت الأحمر، والآية وردت في شأن أهل الجنة وذلك لا يجوز عليهم، ثم إنها وردت مبشرة لهم، والبشارة بما يوجب الغم والتنغيص غير لائقة بالحكمة، وإنما البشارة التي في الآية للمؤمنين بالإكرام والإنعام وحسن الحال وفراغ البال، وذلك في رؤيته تعالى فإنها أجل النعم والكرامات المستتبعة لنضارة الوجه لا في الانتظار المؤدى إلى عبوسه. (٢). فتعين أن الآية الكريمة دالة دلالة صريحة على أن الوجوه الحسنة المضيئة في الجنة تنظر إلى ربها ﵎ نظرا حقيقيًا بأعين رؤوسها لا يلحقها في هذه الرؤية مضارة ولا شك ولا مرية. والله أعلم.

стр. 396

الدليل الثاني على وقوع الرؤية: قوله تعالى: "وإذا رأيت ثم رأيت نعيمًا وملكًا كبيرًا" (١). قال الرازي: "فإن إحدى القراءات في هذه الآية "ملكًا" بفتح الميم وكسر اللام، وأجمع المسلمون على أن ذلك الملك ليس إلا الله تعالى، وعندى التمسك بهذه الآية أقوى من التمسك بغيرها" (٢). وقال الألوسي عند تفسيرها: "وقيل هو النظر إلى الله " (٣). فعلى القراءة المذكورة تكون دلالة الآية على الرؤية ظاهرة، والله أعلم. الدليل الثالث: قوله تعالى: "كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون" (٤). والاستدلال بهذه الآية على إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، استدلال بالمفهوم حيث قال جل ذكره عن الكفار "إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون" والحجب المنع والكلام على حذف مضاف يمكن تقديره رحمة أو رؤية. وتقدير الثاني هو مذهب أهل السنة والجماعة

стр. 397

وقد روى عن الشافعي أنه قال إن في الآية دليلا على أن أولياء الله يرون ربهم يوم القيامة (١)، وجمهور المفسرين أن حجب الكفار عن ربهم عدم رؤيتهم له فإذا حجب أعداءه فلم يروه، تجلى لأوليائه حتى يروه. ولو لم يكن كذلك لما كان فرق، ولم يكن لذكر حجب الكفار فائدة إذا كان الكل يراه (٢). الدليل الرابع: ما روى البخاري بسنده عن أبي هريرة ﵁: "أن الناس قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة فقال رسول الله ﷺ هل تضارون في القمر ليلة البدر؟ قالوا لا يا رسول الله، قال فهل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب قالوا لا يا رسول الله قال فإنكم ترونه كذلك يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول من كان يعبد شيئًا فليتبعه .. الحديث. (٣). والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًّا أغلبها في الصحيحين.

стр. 398

الدليل الخامس: روى البخاري بسنده عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه" (١). في الأحاديث التي ذكرناها وغيرها مما لم نذكر مما في معناها دلالة لما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من رؤية الله ﵎ حقيقة كما ترى الشمس والقمر إذا لم يحل دونهما حائل من غير أن يلحقهم ضيم أو مشقة في الحصول على هذه الرؤية ودلالة الأحاديث على هذا صريحة لا تحتمل التأويل وبعضها يفسر بعضا ويبين المقصود من الآخر وهي صحيحة لا تقبل الرد اتفق على صحتها جميع المحدثين، ولم يتعرض لتأويلها أوردها إلا بعض الفرق كالمعتزلة ومن تبعهم ممن حادوا عن الصواب.

стр. 399

الفصل الخامس أفعال الله تعالى يشتمل هذا الفصل بعد التمهيد في بيان مذهب المعتزلة في أفعال الله تعالى على: (١) القضاء والقدر. (٢) خلق أفعال العباد. (٣) الهدى والإِضلال. (٤) التعديل والتجوير. (٥) تعليل أفعال الله تعالى. (٦) اللطف والأصلح. (٧) إرسال الرسل.

стр. 400

أفعال الله تعالى تمهيد: قبل أن نعرض رأي ابن حزم ونبين موقفه من أفعال الله تعالى نحب أن نقدم بين يدي القارىء نبذة مؤجزة عن مذهب المعتزلة في أفعال الله تعالى لأن ابن حزم قد وقف معهم طويلًا في هذا الموضوع وناقش مذهبهم ورد على حججهم وأزال شبههم وأجاب على اعتراضاتهم فهم خصومه في ذلك. ومذهب المعتزلة مبني على خمسة أصول: الأول: التوحيد. الثاني: العدل. الثالث: الوعد والوعيد. الرابع: المنزلة بين المنزلتين. الخامس: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والذي يتناول موضوعنا من هذه الأصول هو العدل يقول القاضي عبد الجبار: "وأما الأصل الثاني من الأصول الخمسة وهو الكلام في العدل، وهو كلام يرجع إلى أفعال القديم تعالى جل وعز وما يجوز عليه وما لا يجوز" (١). ويقول الشهرستاني: إن واصل بن عطاء قال في تقرير هذا الأصل: "إن الباري تعالى حكيم عادل لا يجوز أن يضاف إليه شر ولا ظلم ولا يجوز أن يريد من العباد خلاف ما يأمر، ويحتم عليهم

стр. 401

شيئًا ثم يجازيهم عليه، فالعبد هو الفاعل للخير والشر والإيمان والكفر والطاعة والمعصية وهو المجازى على فعله والرب تعالى أقدره على ذلك كله .. ويستحيل أن يخاطب العبد بافعل وهو لا يمكنه أن يفعل، وهو يحس من نفسه الاقتدار والفعل" (١). فعند المعتزلة أن العبد هو الخالق لأفعاله خيرها وشرها فيستحق عليها الثواب والعقاب في الآخرة. والله تعالى منزه عن أن يضاف إليه شر وظلم وفعل هو معصية وكفر إذ لو أضيف إليه ذلك كان ظالمًا فهو لا يفعل إلا الصلاح والخير ويجب من حيث الحكمة رعاية مصالح العباد. ويقول بعضهم: إن الله تعالى لم يدخر عن عباده شيئًا مما علم أنه إذا فعل بهم أتوا بالطاعة والتوبة من الصلاح والأصلح واللطف، لأنه قادر عالم جواد حكيم لا يضره الإعطاء ولا ينقص من خزائنه المنح ولا يزيد في ملكه الادخار وليس الأصلح عند هؤلاء هو الألذ بل هو الأعود في العاقبة والأصوب في العاجلة وإن كان دلك مؤلمًا مكروهًا، ولا يقول هؤلاء إنه تعالى يقدر على شيء هو أصلح مما فعله بعبده، والتكاليف كلها ألطاف وبعثة الأنبياء وشرع الشرائع وتمهيد الأحكام، والتنبيه على الطريق الأصوب كلها ألطاف (٢).

стр. 402

ومما وقع الاتفاق عليه بين المعتزلة، أن الحسن والقبح صفتان ذاتيتان للحسن والقبيح (١). فعندهم أن الحسن ما حسنت العقول، والقبيح ما قبحته فيحسن من الله تعالى ما حسن منا ويقبح منه ما قبح منا ويحكم عليه بالعقل بما يحكم به علينا (٢). وبناء على أصلهم العدل وقولهم بالحسن والقبح العقليين قالوا على اختلاف فيما بينهم: إن الله تعالى هدى المكلفين عامة بمعنى دلهم وبين لهم الطريق وسهل لهم سبيله لا بمعنى أنه خلق الإيمان والطاعة فيهم (٣) وأضلهم بمعنى ذهب بهم عن طريق الجنة إلى طريق النار، لا بمعنى أنه خلق فيهم الكفر (٤). وقالوا هو الخالق لأفعال نفسه خيرها وشرها، ويجب عليه تعالى رعاية مصالح العباد فليس عنده شيء أصلح مما أعطاه جميع الناس مؤمنهم وكافرهم، ولا عنده أهدى مما قد هدى به الكافر والمؤمن، وأنه لا يقدر على شيء أصلح مما فعل بالكافر والمؤمن إلى غير هذا مما ليس هذا مجال ذكره. وقالوا بالحكم على الله تعالى بالعقل فيحكم عليه بما يحكم به

стр. 403

بعضنا على بعض فلا حسن عندهم إلا ما حسنت عقولهم ولا قبيح إلا ما قبحته. وقد رد ابن حزم على هذه المذاهب فبين هدى الله تعالى وإضلاله للخلق وخلقه لأفعال خلقه، وأنه لا يجب عليه تعالى من الأفعال إلا ما أوجب على نفسه، وأنه عدل لا ينسب إليه ظلم ولا جور. ومن ردوده على تلك الآراء ومناقشته لتلك المذاهب، وبيانه لما يراه في تلك المسائل، تظهر قوة حجته وسلامة مذهبه في أغلب تلك المسائل وسنعرض مذهب ابن حزم في القضاء والقدر، وفي خلق أفعال العباد وفي الهدى والإضلال. وفي التعديل والتجوير، وفي تعليل أفعال الله تعالى ثم في اللطف والأصلح وإرسال الرسل. مع النقد لمذهب ابن حزم في كل ذلك إن شاء الله تعالى. ١ - القضاء والقدر: يرى ابن حزم، أن القضاء في لغة العرب: الحكم فقط، ولذلك يقولون: القاضي بمعنى الحاكم. ويأتي بمعنى أمر: قال الله تعالى: "وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه" (١) أي أمر. ويأتي بمعنى أخبر: قال الله تعالى: "وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين" (٢) بمعنى أخبرناه.

стр. 404

ويكون بمعنى أراد، وهو قريب من معنى حكم. قال الله تعالى: "إذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون" (١). ومعنى ذلك حكم بكونه فكونه. ومعنى القدر في اللغة العربية: الترتيب والحد الذي ينتهي إليه الشيء تقول قدرت البناء تقديرًا إذا رتبته، وحددته قال تعالى: "وقدر فيها أقواتها" (٢) بمعنى رتب أقواتها وحددها. وقال تعالى "إنا كل شيء خلقناه بقدر" (٣). يريد تعالى برتبة وحد. فمعنى قضى وقدر: حكم ورتب. ومعنى القضاء والقدر: حكم الله تعالى في شيء بحمده أو ذمه وبكونه وترتيبه على صفة كذا وإلى وقت كذا فقط (٤). والقدر حق ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا. قال الله : "ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها" (٥). ولقوله: "إنا كل شيء خلقناه بقدر". وقوله: "والله خلقكم وما تعملون" (٦). أي ما تعملون من خير وشر لا خالق مع الله، يقول تعالى: "ولو شاء الله ما

стр. 405

فعلوه" (١) ويقول تعالى: "وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليمًا حكيمًا" (٢). وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: "تحاج آدم وموسى فحج آدم موسى فقال له موسى: أنت ادم الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة؟ فقال آدم: أنت الذي أعطاه الله علم كل شيء، واصطفاه على الناس برسالته؟ قال: نعم. قال: فتلومني على أمر قدر علي قبل أن أخلق؟ " (٣). ويقول ﷺ : "كتب الله مقادير الخلائق. قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة" (٤). والمقدور ما أصاب العبد في وقته وساعته، وسبق به الحكم بأنه يكون لا محالة. وفعل الله تعالى قبل فعل العبد. وذلك مثل قوله تعالى: "فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى" (٥). وقوله تعالى: "قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم" (٦). فهذا كله فعل الله تعالى قبل فعل العبد. ثم إن الله تعالى يتولى الخير، ولا يتولى الشر مع أنه خالقهما يقول سبحانه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ

стр. 406

أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١). أي أن الله تعالى أمر بالخير وتولى صاحبه ووفقه، وترك صاحب الشر فلم يتولاه (٢). مذهب ابن حزم في قضاء الله وقدره: هو مذهب المؤمنين بالقضاء والقدر والأمر والنهي الذين يفعلون المأمور ويبتعدون عن المحظور، ويصبرون على المقدور، وإذا أصابتهم مصيبة في الأرض أو في أنفسهم علموا أن ذلك في كتاب وأن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم وما أخطأهم لم يكن ليصيبهم، فيسلمون الأمر لله ويصبرون على ما ابتلاهم به معتقدين أن القدر خيره وشره من الله تعالى. وهذا هو المذهب الحق الذي تؤيده الأدلة من الكتاب والسنة وقد ذكرنا بعضًا منها في عرض مذهب ابن حزم، ودلالتها واضحة وصريحة على أن كل ما كان فهو مقدر من الله تعالى من خير وشر فهو الخالق لكل ما يكون في الوجود ولا عذر لأحد بالقدر. يقول ابن تيمية: "فمن احتج بالقدر فحجته داحضة، ومن اعتذر بالقدر فعذره غير مقبول، ولو كان الاحتجاج بالقدر مقبولًا لقبل من إبليس وغيره من العصاة، ولو كان القدر حجة للعباد: لم يعذب الله أحدًا من الخلق لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولو كان القدر حجة لم يقطع سارق ولا قتل قاتل، ولا أقيم حد على ذي جريمة،

стр. 407

ولا جوهد في سبيل الله ولا أمر بمعروف، ولا نهي عن منكر" (١). وعدم صحة الاحتجاج بالقدر على الله تعالى: لأنه علم الأمور التي ستكون في خلقه فكتبها على ما هي عليه فما كان فهو المكتوب الذي علم الله أنه سيكون فلا يتغير عما علمه سبحانه. يقول ابن تيمية: "إن الله تعالى علم الأمور وكتبها على ما هي عليه، فهو سبحانه قد كتب: أن فلانًا يؤمن ويعمل صالحًا فيدخل الجنة، وفلانًا يفسق ويعصي فيدخل النار. كما علم وكتب أن فلانًا يتزوج امرأة ويطؤها فيأتيه ولد، وأن فلانًا يأكل ويشرب فيشبع ويروى، وأن فلانًا يبذر البذر فينبت الزرع، فمن قال إن كنت من أهل الجنة فأنا أدخلها بلا عمل صالح، كان قوله قولًا باطلًا متناقضًا لما علمه الله وقدره ... فمن ظن أنه يدخل الجنة بلا إيمان، كان ظنه باطلًا، وإذا اعتقد أن الأعمال التي أمر الله بها لا يحتاج إليها، ولا فرق بين أن يعملها أو لا يعملها كان كافرًا والله قد حرم الجنة إلا على أصحابها" (٢). مما ذكرنا من النصوص يظهر لنا أن رأي ابن حزم في قضاء الله تعالى وقدره موافق لرأي ابن تيمية وغيره من علماء السلف. وهو رأي أهل السنة والجماعة كما ذكر ابن تيمية بقوله: "مذهب أهل السنة والجماعة أن الله تعالى خالق كل شيء، وربه مليكه لا رب غيره ولا خالق سواه، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهو على كل شيء قدير،

стр. 408

وبكل شيء عليم، والعبد مأمور بطاعة الله، وطاعة رسوله، منهى عن معصية الله، ومعصية رسوله، فإن أطاع كان ذلك نعمة، وإن عصى كان مستحقًا للذم والعقاب، وكان لله عليه الحجة البالغة، ولا حجة لأحد على الله تعالى، وكل ذلك كائن بقضاء الله وقدره ومشيئته وقدرته، لكن يحب الطاعات ويأمر بها ويثيب أهلها على فعلها ويكرمهم، ويبغض المعصية وينهى عنها ويعاقب أهلها ويهينهم. وما يصيب العبد من النعم فالله أنعم بها عليه، وما يصيبه من الشر فبذنوبه ومعاصيه كما قال تعالى: "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم" (١). وقال تعالى: "ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك" (٢). أي ما أصابك من خصب ونصر وهدى فالله أنعم به عليك وما أصابك من حزن وذل وشر فبذنوبك وخطاياك وكل الأشياء كائنة بمشيئة الله وقدرته وخلقه، فلا بد أن يؤمن العبد بقضاء الله وقدره، وأن يوقن العبد بشرع الله وأمره" (٣). هذا النص الذي ذكرنا من كلام ابن تيمية مبين لمذهب أهل السنة والجماعة ومؤيد لما حكمنا به على منه هـ ب ابن حزم في قضاء الله تعالى وقدره في أن مذهبه مذهبهم. والله أعلم.

стр. 409

٢ - خلق أفعال العباد: يذهب أبو محمد بن حزم كأهل السنة إلى أن جميع أفعال العباد مخلوقة خلقها الله في الفاعلين لها يستدل على هذا من طريق النص، ومن طريق النظر. فيستدل من طريق النص: ١ - بقوله تعالى: "هل من خالق غير الله" (١) ودلالة الآية ظاهرة على نفي وجود خالق سواه. ٢ - وبقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (٢) وهذا برهان جلي على أن الدين مخلوق لله . ٣ - وقوله تعالى: "واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئًا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا ولا يملكون موتًا ولا حياة ولا نشورًا" (٣). (يقول أبو محمد) ومنهم من يعبد المسيح، وقالت الملائكة وصدقوا بل كانوا يعبدون الجن. فصح أن كل من عبدوه ومنهم المسيح والجن لا يخلقون شيئًا، ولا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا فثبت يقينًا أنهم مصرفون مدبرون وأن أفعالهم مخلوقة لغيرهم. ٤ - واستدل بقوله تعالى: "أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا

стр. 410

تذكرون" (١) فصح بنص هذه الآية أن الله تعالى هو يخلق وحده وكل من عداه لا يخلق شيئًا فليس أحد مثله تعالى. ٥ - وبقوله تعالى: "هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه" (٢). وهذا إيجاب. لأن الله تعالى خلق كل ما في العالم وأن كل من دونه لا يخلقون شيئًا أصلًا، ولو كان ههنا خالق لشيء من الأشياء غير الله تعالى لكان جواب هؤلاء المقررين جوابًا قاطعًا ولقالوا له: نعم نريك أفعالنا خلقناها من دونك ونعم ههنا خالقون كثير وهم نحن لأفعالنا. ٦ - ومن الأدلة قوله : "أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء" (٣) وهذا بيان واضح لا خفاء فيه؛ لأن الخلق كله جواهر، وأعراض ولا شك في أنه لا يفعل الجواهر أحد دون الله تعالى وإنما يفعلها الله وحده فدم يبق إلا الأعراض فلو كان الله خالقًا لبعض الأعراض ويكون الناس خالقين لبعضها لكانوا شركاء في الخلق ولكانوا قد خلقوا كخدممه، خلق أعراضًا وخلقوا أعراضًا وهذا تكذيب لله تعالى ورد للقرآن مجرد فصح أنه لا يخلق شيئًا غير الله ، والخلق هو الاختراع فالله مخترع أفعالنا كسائر الأعراض ولا فرق. ٧ - وقوله : "أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما

стр. 411

تعملون" (١) وهذا نص جلي على أنه تعالى خلق أعمالنا، وإنما عملنا النحت بنص الآية وبضرورة المشاهدة فهي التي عملنا وهي التي أخبر تعالى أنه خلقها لا المادة المنحوتة. ٨ - ومن الأدلة قوله : ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ (٢) فنص تعالى في الآية على أنه برأ المصائب كلها فهو بارىء لها والبارىء هو الخالق نفسه بلا شك فصح يقينًا أن الله تعالى خالق كل شيء إذ هو خالق كل ما أصاب في الأرض وفي النفوس ثم زاد تعالى بيانًا يرفع الإشكال جملة بقوله تعالى: "لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم" فبين تعالى أن ما أصاب الأموال والنفوس من المصائب فهو خالقها وقد تكون تلك المصائب أفعال الظالمين بإتلاف الأموال وأذى النفوس فنص تعالى على أن كل ذلك خلق له تعالى وبه التوفيق (٣). ويستدل ابن حزم على خلق الله لأفعال عباده من طريق النظر بقوله: "إن الحركة نوع واحد وكما يقال على جملة النوع فهو يقال مقول على أشخاص ذلك النوع ولابد فإن كان النوع مخلوقًا فأشخاصه مخلوقة. وأيضًا فلو كان في العالم شيء غير مخلوق لله لكان من قال العالم مخلوق والأشياء مخلوقة وما دون الله تعالى مخلوق

стр. 412

كاذب، لأن في كل ذلك عندهم ما ليس بمخلوق ولكان من قال العالم غير مخلوق ولم يخلق الله تعالى الأشياء صادقًا، ونعوذ بالله تعالى من قول أدى إلى هذا" (١). ويستدل أيضًا من طريق النظر بقوله: "إن العالم كله ما دون الله تعالى ينقسم قسمين: جوهر، وعرض، لا ثالث لهما، ثم ينقسم الجوهر إلى أجناس وأنواع ولكل منها فعل يتميز به مما سواه من الأنواع التي يجمعها وإياه جنس واحد. وبالضرورة نعلم أن ما لزم الجنس الأعلى لزم كل ما تحته إذ محال أن تكون نار غير حارة أو هواء راسب بطبعه أو إنسان صهال بطبعه وما أشبه هذا، ثم بالضرورة نعلم أن الإنسان لا يفعل شيئًا إلا الحركة والسكون والفكر والإرادة، وهذه كلها كيفيات (٢) يجمعها مع اللون والطعم والمجسة والأشكال جنس الكيفية فمن المحال الممتنع أن يكون بعض ما تحت النوع الواحد والجنس الواحد مخلوقًا وبعضه غير مخلوق، وهذا أمر يعلمه باطلًا من له أدنى علم بحداد العالم وانقسامه وحركتنا وسكوننا بجميع كل ذلك مع كل حركة في العالم وكل سكون في العالم نوع من الحركة ونوع من السكون. ثم ينقسم كل ذلك قسمين ولا مزيد؛ حركة اضطرارية، وحركة اختيارية وسكونًا اختياريًا، وسكونًا اضطراريًا وكل ذلك حركة تحد بحد الحركة وسكون يحد بحد السكون ومن المحاكم أن يكون بعض الحركات مخلوقًا لله تعالى وبعضها غير مخلوق

стр. 413

وكذلك السكون أيضًا" (١). تلك بعض أدلة ابن حزم من طريق النص والنظر على أن الله تعالى خالق أفعال العباد خيرها وشرها كل ذلك مخلوق خلقه الله ، وهو تعالى خالق الاختيار والإرادة والمعرفة في نفوس عباده، ولا عذر لأحد بما قدر الله تعالى لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهو الحاكم الذي لا حاكم عليه ولا معقب لحكمه يقول تعالى: "فعال لما يريد" (٢). مذهب ابن حزم في أفعال العباد أنها مخلوقة لله تعالى وهذا مذهب السلف وهو المشهور من مذاهب العلماء. يقول ابن تيمية: "أفعال العباد مخلوقة باتفاق سلف الأمة وأئمتها كما نص على ذلك سائر أئمة الإسلام الإمام أحمد ومن قبله ومن بعده حتى قال بعضهم: من قال إن أفعال العباد غير مخلوقة فهو بمنزلة من قال: إن السماء والأرض غير مخلوقة" (٣). وجل العلماء نصوا على أن الله سبحانه هو الخالق لأفعال عباده. من هؤلاء: البخاري (٤)، والماتريدي (٥)، وأبو يعلى (٦)،

стр. 414

والبيهقي (١)، والرازي (٢) وابن تيمية (٣)، وابن القيم (٤)، والتفتازاني، (٥)، وغير هؤلاء كثير. وفى عرضنا لمذهب ابن حزم بينا أدلته النقلية والعقلية وهي أدلة لكل القائلين بأن الله تعالى هو الخالق لأفعال العباد وفيها كفاية لبيان المقصود، ولكن نريد هنا أن نبين بعض المسائل لتوضيح هذا المذهب وتأييده فنقول: إذا قيل عن فعل "ما" إنه فعل الله تعالى، أو فعل العبد، فيجب معرفة المقصود من هذا، لأن في هذا القول إجمال، فقد يراد الفعل نفسه، وقد يراد مسمى المصدر. فإذا أريد بالفعل الفعل الذي هو مسمى المصدر كصلاة الإنسان وصيامه ونحو هذا، فالفعل هنا هو المفعول وهذا لا يقال عنه إنه فعل الله تعالى باتفاق المسلمين وبصريح العقل. يقول تعالى: "يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات" (٦) فجعلا هذه المصنوعات معمولة للجن ومن هذا الباب

стр. 415

قوله تعالى: "والله خلقكم وما تعملون" (١) فإنه في أصح القولين أن "ما" بمعنى الذي والمراد به ما تنحتونه من الأصنام كما قال تعالى: "أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون" (٢) أي والله خلقكم وخلق الأصنام التي تنحتونها، فالعمل عملهم، والله خالق الكل، كما قال ﷺ : "إن الله خالق كل صانع وصنعته" (٣)، وتكون فعل الله تعالى إذا أريد بها كونها مفعولة مخلوقة كسائر المخلوقات (٤). يوضح هذا: أنك إذا كتبت بالقلم مثلا، هل يكون القلم شريكك، أو يضاف إليه شيء من نفس الفعل وصفاته؟ أم هل يصلح أن تلغي أثره وتقطع خبره، وتجعل وجوده كعدمه؟ أم يقال به كتبت - ولله المثل الأعلى - فإن الأسباب بيد العبد ليست من فعله وهو محتاج إليها لا يتمكن إلا بها. والله سبحانه خلق الأسباب ومسبباتها وجعل خلق البعض شرطًا وسببًا في خلق غيره، وهو مع ذلك غني عن الاشتراط والتسبب ونظم بعضها ببعض لكن الحكمة تتعلق بالأسباب وتعود إليها والله عزيز حكيم (٥). فعلى هذا فمشيئة العبد للخير والشر موجودة، وله قدرة على هذا

стр. 416

وهذا وهو العامل للخير والشر والله خالق ذلك كله وربه ومليكه لا خالق غيره ولا رب سواه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وقد أثبت سبحانه مشيئته، ومشيئة العبد، وبين أن مشيئة العبد تابعة لمشيئته سبحانه في قوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ (١) وقال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ (٢). وقال: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)﴾ (٣). وقد نطق القرآن بإثبات فعل العبد في كثير من الآيات: "يعملون، يفعلون، يؤمنون، يكفرون، يتفكرون، يحافظون، يتقون". فمذهب السلف أن فعل العبد فعل له حقيقة، وهو مخلوق لله، ومفعول له سبحانه، وليس هو نفس فعل الله، ففرق بين الفعل والمفعول، والخلق والمخلوق (٤). ولصراحة الأدلة على إثبات أن العبد فاعل، وله مشيئة واختيار أنكر السلف وعلماء أهل السنة على الجبرية قولهم، إن الأفعال الصادرة من الخلق كلها نوع واحد، يصدر الفعل عنها من غير إرادة ولا مشيئة كحركة الأشجار بهبوب الرياح وحركة المرتعش، ونبضات القلب ونحو هذا.

стр. 417

وعلماء السنة يقسمون الأفعال إلى نوعين: نوع اضطراري لا اختيار فيه، ولا يجد الإِنسان من نفسه القدرة على منعه أو التحكم فيه كحركة الارتعاش، ونبضات القلب والآخر اختياري يجد الإنسان من نفسه القدرة على التحكم فيه فقد يريده وتتعلق قدرته به فيفعله، وقد لا يريده فلا تتعلق قدرته به فلا يفعله (١). ومن أجل هذا الإثبات كره السلف اطلاق لفظ "الجبر" لما فيه من معنى الإِكراه، يقال: أجبر الأب ابنته على النكاح إذا أكرهها. ومن جعل مريدًا للفعل مختارًا له راضيًا به لا يقال عنه إنه مجبر. يقول ابن تيمية: "فإن الله أعلى وأجل قدرًا من أن يجبر أحدًا وإنما يجبر غيره العاجز عن أن يجعله مريدًا للفعل مختارًا له محبًا له راضيًا به والله سبحانه قادر على ذلك، فهو الذي جعل المريد للفعل المحب له الراضى به مريدًا له محبًا له راضيًا به، فكيف يقال: أجبره وأكرهه كما يجبر المخلوق المخلوق" (٢). ولعدم صلاحية هذا المعنى في الجبر بالنسبة للقادر على كل شيء قالوا: إن الله تعالى، جبل فلانًا على كذا، وهذا مما وردت به السنة، يقول ﷺ : لأشج عبد القيس (٣): "إن فيك لخلقين

стр. 418

يحبهما الله: الحلم والأناءة، فقال: أخلقين تخلقت بهما؟ أم خلقين جبلت عليهما؟ فقال: بل خلقين جبلت عليهما. فقال: الحمد لله الذي جبلني على ما يحب" (١). في الحديث بيان أن تلك الصفتين في أشج عبد القيس مما جبله الله عليهما فليستا من فعله (٢). ويمكن الاستدلال بالحديث على نفي الجبر ووقوع الإختيار في أفعال الإنسان. لأن تلك الصفتين اللتين جبل عليهما أشج عبد القيس قد يأتي بما يخالفهما وليس هناك ما يمنعه فليس مجبرًا عليهما. ٣ - الهدي والتوفيق والإضلال: في بيان هدى الله تعالى للعبد وإضلاله له. يقرر أبو محمد بن حزم هذا ببيان أن الله تعالى خلق نفس الإِنسان

стр. 419

مميزة عاقلة عارفة بالأشياء على ما هي عليه فهمة بما تخاطب به. وجعلها مأمورة منهية فعالة منعمة معذبة ملتذة آلمة حساسة، وخلق فيها قوتين متعاديتين متضادتين في التأثير وهما التمييز والهوى كل واحدة منهما تريد الغلبة على آثار النفس. فالتمييز هو الذي خص به نفس الإنسان والجن والملائكة دون الحيوان الذي لا يكلف، والذي ليس ناطقًا. والهوى هو الذي يشاركها فيه نفوس الجن والحيوان الذي ليس ناطقا من حب اللذات والغلبة، فالملائكة ليس عندها هذه القوة، لذلك لم يقع منها معصية أصلًا بوجه من الوجوه. فإذا عصم الله النفس غلب التمييز بقوة من عنده. هي له مدد وعون فجرت أفعال النفس على ما رتب الله في تمييزها من فعل الطاعات، وهذا هو الذي يسمى العقل. وإذا خذل جل وعز النفس أمد الهوى بقوة هي الإضلال فجرت أفعال النفس على ما رتب الله في هواها من الشهوات وحب الغلبة والحرص والبغي والحسد وسائر الأخلاق الرذلة والمعاصي وقد قامت البراهين على أن النفس مخلوقة وكذلك جميع قواها المنتجة عن قوتيها الأولتين التمييز والهوى كل ذلك مخلوق مركب في النفس مرتب على ما هي عليه، فإذا قد صح أن كل ذلك خلق الله تعالى فلا مغلب لبعض ذلك على بعض إلا خالق الكل وحده لاشريك له يقول صلى الله عليه و "كل ميسر لما خلق له" (١) فبين ﵇

стр. 420

أن الهدى والتوفيق هو تيسير الله تعالى المؤمن للخير الذي له خلقه، وأن الخذلان تيسيره الفاسق للشر الذي له خلقه. وهذا موافق للغة والقران والبراهين الضرورية العقلية، ولما عليه الفقهاء، والأئمة المحدثون من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وعامة المسلمين (١). الهدى والتوفيق: قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾، (٢) ويقول تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣) إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤)﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾. (٥) وقال تعالى: "من يضلل الله فلا هادي له" (٦). وقال: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (٧)، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ

стр. 421

أَجْمَعِينَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ (٢). في هذه الآيات التي سردنا وغيرها على هذا النحو كثير وكله كلام الله لا يتعارض ولا يبطل بعضه بعضا قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٣). فصح يقينًا أن كل ما أوردنا من الآيات متفق لا مختلف فنظرنا فيها فوجدناها ظاهرة لائحة وهو أن الله تعالى أخبر أنه هدى ثمود فلم يهتدوا، وهدى الناس كلهم السبيل ثم هم بعد إما شاكرًا وإما كفورًا، وأخبر تعالى في الآيات الأخرى أنه هدى قومًا فاهتدوا ولم يهد آخرين فلم يهتدوا، وأنه لم يشأ أن يؤتى كل نفس هداها، ولا أن يجمع الناس كلهم على الهدى، فعلمنا ضرورة أن الهدى الذي أعطاه الله جميع الناس هو غير الذي أعطاه بعضهم ومنعه بعضهم فلم يعطهم إياه هذا أمر معلوم بضرورة العقل وببديهته، فإذ لا شك في ذلك فقد لاح الأمر وهو أن الهدى في اللغة العربية من الأسماء المشتركة وهي التي يقع الاسم منها على قسمين مختلفين بنوعهما فصاعدًا. فالهدى يكون بمعنى الدلالة تقول: هديت فلانًا الطريق بمعنى أريته إياه ووقفته عليه وأعلمته إياه سواء سلكه أو تركه وتقول فلان هاد بالطريق أي دليل فيه فهذا الهدى الذي هداه الله ثمود وجميع الجن والملائكة، وجميع الإنس كافرهم ومؤمنهم لأنه تعالى دلهم على الطاعات والمعاصي وعرفهم ما يسخط مما يرضى يبين هذا قوله تعالى:

стр. 422

"إنا هديناه السبيل" (١) فبين تعالى أن الذي هداهم له هو الطريق فقط وكذلك أيضًا قوله تعالى: "ألم نجعل له عينين ولسانًا وشفتين وهديناه النجدين" (٢) أي بينا له طريقي الخير والشر. ويكون الهدى بمعنى التوفيق والعون على الخير والتيسير له وخلقه لقبول الخير في النفوس فهذا هو الذي أعطاه الله الملائكة كلهم والمهتدين من الإنس والجن، ومنعه الكفار من الطائفتين والفاسقين فيما فسقوا فيه ولو أعطاهم إياه تعالى لما كفروا ولا فسقوا. (وقال أبو محمد) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ (٣). هو نص جلي على ما قلنا وبيان أن الدلالة لهم على طريق جهنم يحملون فيه إليها هدى لهم إلى تلك الطريق ونفى عنهم تعالى في الآخرة كل هدى إلى شيء من الطرق إلا طريق جهنم ونعوذ بالله من الضلال (٤). الأضلال: يذهب أبو محمد بن حزم، إلى أن الله تعالى يضل من يشاء من خلقه لقوله في الآيات التي سقناها في الكلام على الهدى والتوفيق. إن الله لا يهدي من يضل، وإنه أضل من شاء من خلقه وجعل صدورهم ضيقة حرجة.

стр. 423

فبين تعالى في نص القرآن أن إضلاله لمن أضل من عباده إنما هو أن يضيق صدره عن قبول الإيمان، وأن يحرجه حتى لا يرغب في تفهمه والجنوح إليه ولا يصبر عليه، ويوعر عليه الرجوع إلى الحق حتى يكون كأنه يتكلف في ذلك الصعود إلى السماء، وفسر ذلك أيضًا في آية أخرى هي قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ (١). وذكر تعالى، جعل الأكنة على قلوبهم أيضًا في سورتي الإِسراء (٢)، والكهف (٣)، وهذه الأكنة هي أنه تعالى يجعل ساترًا على قلوب الكافرين يحول بينها وبين تفهم القرآن، والإصاخة لبيانه وهداه، وأن يفقهوه، وأنه جعل تعالى بينهم وبين قول الرسول ﷺ حجابًا مانعًا لهم من الهدى، وفسره أيضًا لعالى بانه ختم على قلوبهم وطبع عليها فامتنعوا بذلك من وصول الهدى إليها، فالنصوص القرآنية توجب، أن الإضلال معنى زائدًا أعطاه الله للكفار والعصاة، وهو ما ذكرنا من تضييق الصدور وتحريجها والختم على القلوب والطبع عليها وإكنانها عن أن يفقهوا الحق. فإن قالوا: إن هذا فعل النفوس كلها إن لم يمدها الله تعالى بالتوفيق. قلنا لهم: من خلقها هذه الخلقة المفسدة إن لم يؤيدها بالتوفيق. فإن قالوا: الله تعالى خلقها كذلك أقروا بأن الله تعالى أعطاها هذه البلية وركب بها هذه الصفة المهلكة.

стр. 424

فإن قيل: إنه جاء في القرآن أن الشياطين يضلون الناس وينسونهم ذكر الله تعالى ويزينون لهم ويوسوسون، ونسب فعل ذلك من بعض الناس لبعض. قلنا: هذا صحيح وهو إلقاء لذلك في القلوب وهو من الله تعالى خلق لكل ذلك فيها، وخالق لأفعال هؤلاء المضلين من الجن والإنس، وكذلك قوله تعالى حسدًا من عند أنفسهم لأنه فعل أضيف إلى النفس لظهوره منها وهو خلق الله تعالى فيها. وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ (١) فهو أنه لا يضل قومًا حتى يبين لهم ما يتقون وما يلزمهم، لأن المرء قبل أن يأتيه خبر الرسول غير ضال بشيء مما يفعل أصلًا فإنما سمى الله تعالى فعله في العبد إضلالًا بعد بلوغ البيان إليه لا قبل ذلك. فصح، أنه يضلهم بعد أن يبين لهم (٢). إن ما ذهب إليه ابن حزم في الهدى وإلإضلال، مذهب تؤيده الأدلة الصحيحة والصريحة من القرآن الكريم وتلك الأدلة كثيرة جدا، ذكرنا في عرض مذهبه، الكثير منها ودلالتها واضحة على أنه تعالى هدى قومًا فاهتدوا، ولم يهد آخرين فلم يهتدوا، فهدى الناس كلهم هداية الدلالة ببيان الطريق لهم. طريق الخير، وطريق الشر، وهدى من اهتدى بأن وفقه وأعانه على الخير ويسر له سبله وجعل له القبول في نفسه. وأن إضلال الله لمن يشاء من خلقه بأن يجعل صدورهم ضيقة حرجة ويجعل على قلوبهم أكنة تحول بينهم وبين تفهم القرآن، وقول

стр. 425

الرسول ﷺ فختم على قلوبهم وطبع عليها فامتنعوا بذلك من وصول الهدى إليها. والأدلة صريحة وواضحة في الدلالة على هذا المعنى. أن الله تعالى هو الذي يضل ويهدي وهذا قول أكثر الناس (١). يقول ابن القيم: "وقد اتفقت رسل الله أسن ولهم إلى آخرهم وكتبه المنزلة عليهم أنه سبحانه يضل من يشاء ويهدي من يشاء وأنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأن الهدى والضلالة بيده لا بيد العبد، وأن العبد هو الضال أو المهتدي، فالهداية والإِضلال فعله سبحانه وقدره. والاهتداء والضلال فعل العبد وكسبه" (٢). وقد ذكر ابن القيم بعد هذا مراتب الهدى والضلال في القرآن، وتكلم على كل منها وبين ما بينها من الخصوص والعموم وأطال في هذا (٣). وقد أجاب ابن تيمية على سؤال عن الباري تعالى: هل يضل ويهدي؟ بما يوافق ما ذكرنا من مذهب ابن حزم وغيره. أن الله تعالى خالق لكل شيء وأنه بمشيئته وقدرته. يقول: "إن كل ما في الوجود فهو مخلوق له، خلقه بمشيئته وقدرته، وما
следующие страницы →