← Акыда

Акыда · id 116

ابن حزم وموقفه من الإلهيات عرض ونقد

أحمد بن ناصر الحمد

Полный текст (510 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

أَجْمَعِينَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ (٢). في هذه الآيات التي سردنا وغيرها على هذا النحو كثير وكله كلام الله لا يتعارض ولا يبطل بعضه بعضا قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٣). فصح يقينًا أن كل ما أوردنا من الآيات متفق لا مختلف فنظرنا فيها فوجدناها ظاهرة لائحة وهو أن الله تعالى أخبر أنه هدى ثمود فلم يهتدوا، وهدى الناس كلهم السبيل ثم هم بعد إما شاكرًا وإما كفورًا، وأخبر تعالى في الآيات الأخرى أنه هدى قومًا فاهتدوا ولم يهد آخرين فلم يهتدوا، وأنه لم يشأ أن يؤتى كل نفس هداها، ولا أن يجمع الناس كلهم على الهدى، فعلمنا ضرورة أن الهدى الذي أعطاه الله جميع الناس هو غير الذي أعطاه بعضهم ومنعه بعضهم فلم يعطهم إياه هذا أمر معلوم بضرورة العقل وببديهته، فإذ لا شك في ذلك فقد لاح الأمر وهو أن الهدى في اللغة العربية من الأسماء المشتركة وهي التي يقع الاسم منها على قسمين مختلفين بنوعهما فصاعدًا. فالهدى يكون بمعنى الدلالة تقول: هديت فلانًا الطريق بمعنى أريته إياه ووقفته عليه وأعلمته إياه سواء سلكه أو تركه وتقول فلان هاد بالطريق أي دليل فيه فهذا الهدى الذي هداه الله ثمود وجميع الجن والملائكة، وجميع الإنس كافرهم ومؤمنهم لأنه تعالى دلهم على الطاعات والمعاصي وعرفهم ما يسخط مما يرضى يبين هذا قوله تعالى:

стр. 422

"إنا هديناه السبيل" (١) فبين تعالى أن الذي هداهم له هو الطريق فقط وكذلك أيضًا قوله تعالى: "ألم نجعل له عينين ولسانًا وشفتين وهديناه النجدين" (٢) أي بينا له طريقي الخير والشر. ويكون الهدى بمعنى التوفيق والعون على الخير والتيسير له وخلقه لقبول الخير في النفوس فهذا هو الذي أعطاه الله الملائكة كلهم والمهتدين من الإنس والجن، ومنعه الكفار من الطائفتين والفاسقين فيما فسقوا فيه ولو أعطاهم إياه تعالى لما كفروا ولا فسقوا. (وقال أبو محمد) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ (٣). هو نص جلي على ما قلنا وبيان أن الدلالة لهم على طريق جهنم يحملون فيه إليها هدى لهم إلى تلك الطريق ونفى عنهم تعالى في الآخرة كل هدى إلى شيء من الطرق إلا طريق جهنم ونعوذ بالله من الضلال (٤). الأضلال: يذهب أبو محمد بن حزم، إلى أن الله تعالى يضل من يشاء من خلقه لقوله في الآيات التي سقناها في الكلام على الهدى والتوفيق. إن الله لا يهدي من يضل، وإنه أضل من شاء من خلقه وجعل صدورهم ضيقة حرجة.

стр. 423

فبين تعالى في نص القرآن أن إضلاله لمن أضل من عباده إنما هو أن يضيق صدره عن قبول الإيمان، وأن يحرجه حتى لا يرغب في تفهمه والجنوح إليه ولا يصبر عليه، ويوعر عليه الرجوع إلى الحق حتى يكون كأنه يتكلف في ذلك الصعود إلى السماء، وفسر ذلك أيضًا في آية أخرى هي قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ (١). وذكر تعالى، جعل الأكنة على قلوبهم أيضًا في سورتي الإِسراء (٢)، والكهف (٣)، وهذه الأكنة هي أنه تعالى يجعل ساترًا على قلوب الكافرين يحول بينها وبين تفهم القرآن، والإصاخة لبيانه وهداه، وأن يفقهوه، وأنه جعل تعالى بينهم وبين قول الرسول ﷺ حجابًا مانعًا لهم من الهدى، وفسره أيضًا لعالى بانه ختم على قلوبهم وطبع عليها فامتنعوا بذلك من وصول الهدى إليها، فالنصوص القرآنية توجب، أن الإضلال معنى زائدًا أعطاه الله للكفار والعصاة، وهو ما ذكرنا من تضييق الصدور وتحريجها والختم على القلوب والطبع عليها وإكنانها عن أن يفقهوا الحق. فإن قالوا: إن هذا فعل النفوس كلها إن لم يمدها الله تعالى بالتوفيق. قلنا لهم: من خلقها هذه الخلقة المفسدة إن لم يؤيدها بالتوفيق. فإن قالوا: الله تعالى خلقها كذلك أقروا بأن الله تعالى أعطاها هذه البلية وركب بها هذه الصفة المهلكة.

стр. 424

فإن قيل: إنه جاء في القرآن أن الشياطين يضلون الناس وينسونهم ذكر الله تعالى ويزينون لهم ويوسوسون، ونسب فعل ذلك من بعض الناس لبعض. قلنا: هذا صحيح وهو إلقاء لذلك في القلوب وهو من الله تعالى خلق لكل ذلك فيها، وخالق لأفعال هؤلاء المضلين من الجن والإنس، وكذلك قوله تعالى حسدًا من عند أنفسهم لأنه فعل أضيف إلى النفس لظهوره منها وهو خلق الله تعالى فيها. وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ (١) فهو أنه لا يضل قومًا حتى يبين لهم ما يتقون وما يلزمهم، لأن المرء قبل أن يأتيه خبر الرسول غير ضال بشيء مما يفعل أصلًا فإنما سمى الله تعالى فعله في العبد إضلالًا بعد بلوغ البيان إليه لا قبل ذلك. فصح، أنه يضلهم بعد أن يبين لهم (٢). إن ما ذهب إليه ابن حزم في الهدى وإلإضلال، مذهب تؤيده الأدلة الصحيحة والصريحة من القرآن الكريم وتلك الأدلة كثيرة جدا، ذكرنا في عرض مذهبه، الكثير منها ودلالتها واضحة على أنه تعالى هدى قومًا فاهتدوا، ولم يهد آخرين فلم يهتدوا، فهدى الناس كلهم هداية الدلالة ببيان الطريق لهم. طريق الخير، وطريق الشر، وهدى من اهتدى بأن وفقه وأعانه على الخير ويسر له سبله وجعل له القبول في نفسه. وأن إضلال الله لمن يشاء من خلقه بأن يجعل صدورهم ضيقة حرجة ويجعل على قلوبهم أكنة تحول بينهم وبين تفهم القرآن، وقول

стр. 425

الرسول ﷺ فختم على قلوبهم وطبع عليها فامتنعوا بذلك من وصول الهدى إليها. والأدلة صريحة وواضحة في الدلالة على هذا المعنى. أن الله تعالى هو الذي يضل ويهدي وهذا قول أكثر الناس (١). يقول ابن القيم: "وقد اتفقت رسل الله أسن ولهم إلى آخرهم وكتبه المنزلة عليهم أنه سبحانه يضل من يشاء ويهدي من يشاء وأنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأن الهدى والضلالة بيده لا بيد العبد، وأن العبد هو الضال أو المهتدي، فالهداية والإِضلال فعله سبحانه وقدره. والاهتداء والضلال فعل العبد وكسبه" (٢). وقد ذكر ابن القيم بعد هذا مراتب الهدى والضلال في القرآن، وتكلم على كل منها وبين ما بينها من الخصوص والعموم وأطال في هذا (٣). وقد أجاب ابن تيمية على سؤال عن الباري تعالى: هل يضل ويهدي؟ بما يوافق ما ذكرنا من مذهب ابن حزم وغيره. أن الله تعالى خالق لكل شيء وأنه بمشيئته وقدرته. يقول: "إن كل ما في الوجود فهو مخلوق له، خلقه بمشيئته وقدرته، وما

стр. 426

شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو الذي يعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويعز ويذل، ويغني ويفقر، ويضل ويهدي، ويسعد ويشقي، ويولي الملك من يشاء، وينزعه ممن يشاء، ويشرح صدر من يشاء للإِسلام، ويجعل صدر من يشاء ضيقًا كأنما يصعد في السماء .. وهو الذي جعل المسلم مسلمًا والمصلي مصليًا قال الخليل: "ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك" (١) وقال: "رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي" (٢). وقال تعالى: "وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا" (٣) وقال عن آل فرعون: "وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار" (٤) .. وقال تعالى: "من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا" (٥) وهو سبحانه خالق كل شيء وربه ومليكه، وله فيما خلقه حكمة بالغة، ونعمة سابغة ورحمة خاصة وعامة وهو لا يسأل عما يفعل وهم يسألون لا لمجرد قدرته وقهره، بل لكمال علمه وقدرته ورحمته وحكمته" (٦). وقد رد الإِمام الأشعري على المعتزلة في قولهم إن الله هدى الناس أجمعين وإن الضلال من عند الضالين أنفسهم. فبين لهم عدم استقامة هذا القول ومناقضته لنصوص القرآن. وعدم تأييد اللغة لهم بأن المسمى ضالًا يقال له أضل وألزمهم إلزامات لا مفك لهم منها (٧).

стр. 427

٤ - التعديل والتجوير: مذهب ابن حزم في التعديل والتجوير (١) هو أن الله عدل لا يجور ولا يظلم فلا ينسب إليه جور ولا ظلم، لأنه هو الحاكم المطلق، والخالق لكل ما سواه، فلا يسأل عما يفعل، يفعل ما يشاء، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، وليس لأحد عليه حق ولا حجة مهما كان، وكل ما يفعل فهو الحق والعدل، ولا يشبه بخلقه فيحسن منه ما حسن منهم، ويقبح منه ما قبح منهم، لأنه ﵎ يخالفهم في ذاته وصفاته وأفعاله. يقول ابن حزم في تقرير هذا المذهب: "والقول الصحيح هو أن العقل الصحيح يعرف بصحته ضرورة أن الله تعالى حاكم على كل ما دونه، وأنه تعالى غير محكوم عليه، وأن كل ما سواه تعالى فمخلوق له سواء كان جوهرًا حاملًا، أو عرضًا محمولًا لا خالق سواه، وأنه يعذب من يشاء أن يعذبه ويرحم من يشاء أن يرحمه، وأنه لا يلزم أحدًا إلا ما ألزمه الله ، ولا قبيح إلا ما قبح الله، ولا حسن إلا ما حسن الله، وأنه لا يلزم لأحد على الله تعالى حق ولا حجة ولله تعالى على كل من دونه وما دونه الحق الواجب والحجة البالغة لو عذب المطيعين والملائكة والأنبياء في النار مخلدين لكان ذلك له ولكان عدلًا

стр. 428

وحقًا منه، ولو نعم إبليس والكفار في. الجنة مخلدين كان ذلك له، وكان حقًّا وعدلًا منه وأن كل ذلك إذا أباه الله تعالى وأخبر أنه لا يفعله صار باطلًا وجورًا وظلمًا. وقد علم المسلمون أن الله تعالى عدل لا يجور ولا يظلم ومن وصفه بالظلم والجور فهو كافر ولكن هذا ليس على ما ظنه الجهال من أن عقولهم حاكمة على الله تعالى في أن لا يحسن منه إلا ما حسنت عقولهم، وأنه يقبح منه تعالى ما قبحت عقولهم وهذا هو تشبيه مجرد لله تعالى بخلقه إذا حكموا عليه بأنه تعالى يحسن منه ما حسن منا ويقبح منه ما قبح منا ويحكم عليه في العقل بما يحكم علينا. والحق أن كل ما فعله الله تعالى أي شيء كان فهو منه حق وعدل وحكمة، وإن كان بعفذلك "منا" جورًا وسفهًا وكل ما لم يفعله الله فهو الظلم والباطل والعبث والتفاوت، وأما إجراؤهم الحكم على الباري تعالى بمثل ما يحكم به بعضنا على بعض فضلال بين. فإن قيل: هل في أفعال الله تعالى عبث وضلال ونقص ومذموم؟ قلنا: إما أن يكون في أفعاله تعالى عبث يوصف به أو عيب مضاف إليه أو ضلال يوصف به أو نقص ينسب إليه أو جور منه أو ظلم منه أو مذموم منه فلا يكون ذلك أصلًا بل أفعاله عدل وحكمة وخير وصواب وكلها حسن منه تعالى ومحمود منه. ولكن فيها عيب على من ظهرمنه ذلك الفعل وعبث منه وضلال منه وظلم منه ومذموم منه، ثم نسألهم فنقول لهم هل في أفعاله تعالى سخف وجنون وحمق وفضائح ومصائب وقبح وأقذار وأنتان ونجس ونحو هذا، فإن قالوا: لا، أكذبهم الله بقوله تعالى: "ما

стр. 429

أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ " (١). وإن قالوا: إن الله تعالى خلق كل ذلك، ولكن لا يضاف شيء منه إلى الله على الوجه المذموم، ولكن على الوجه المحمود، قلنا هذا قولنا فيما سألتمونا عنه (٢). تناول ابن حزم بالبحث تحت عنوان التعديل والتجوير مسألتين: عدل الله تعالى وتنزيهه عن الظلم. والتحسين والتقبيح. فأثبت في المسألة الأولى أن الله عدل لا يجور ولا يظلم، ولا يصح نسبة الظلم والجور إليه. وهذه المسألة محل اتفاق بين المسلمين، وسائر أهل الملل فعندهم أن الله تعالى عدل قائم بالقسط، لا يظلم شيئًا بل هو منزه عن الظلم (٣). ولكن حصل الاختلاف في معنى الظلم الذي ينزه الله عنه. ونرى في نفي ابن حزم الظلم عن الله تعالى وعدم صحة نسبة الجور والظلم إليه أنه علل ذلك بأن الله هو الحاكم المطلق، والخالق لكل ما دونه وأنه لا يسأل عما يفعل .. إلى آخر ما ذكر.

стр. 430

وفي هذا القول موافقة لمن فسر الظلم بما ليس بممكن الوجود وأن كل ممكن إذا قدر وجوده منه فإنه عدل، والظلم هو الممتنع عند هؤلاء كالجمع بين الضدين (١) فإن الظلم إما التصرف في ملك الغير أو مخالفة الآمر الذي تجب طاعته، ولا يكون هذا بالنسبة لله إذ كل ما سواه ملكه. وليس فوق الله آمر تجب عليه طاعته، فكل ما تصور وجوده وقدر فهو عدل، وهذا قول المجبرة مثل جهم ومن تبعه، وهو قول الأشعري وأمثاله من أهل الكلام وقول من وافقهم من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية (٢). ونرى عدم استقامة هذا المعنى للظلم والعدل، وأن الصواب هو: أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه (٣)، والعدل وضع كل شيء في موضعه، والله سبحانه حكم عدل يضع كل شيء في موضعه الذي يناسبه وتقتضيه الحكمة والعدل، ولا يفرق بين متماثلين ولا يسوى بين مختلفين ولا يعاقب إلا من يستحق العقوبة فيضعها موضعها لما في ذلك من الحكمة والعدل، قال : ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ

стр. 431

نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾، أم (١) وقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٢). وبهذا القول يتبين أن كل ما يفعله الرب فهو عدل، فلا يظلم مثقال ذرة ولا يجزي أحدا إلا بذنبه ولا يخاف أحد ظلمًا ولا هضمًا (٣). وفي المسألة الثانية: التحسين والتقبيح، تناول ابن حزم بالبحث شيئين: الأول: أن الحسن والقبح ليسا عقليين فلا قبيح إلا ما قبح الله، ولا حسن إلا ما حسن الله تعالى. الثاني: أن الله تعالى لا يُحكم عليه بالعقل بما يُحكم به علينا فيحسن منه ما حسن منا ويقبح منه ما قبح منا، وهذا المسلك صحيح فالله لا يقاس بخلقه، فلا يحكم عليه بما يحكم عليهم فذاته وصفاته وأفعاله تخالف ذواتهم وصفاتهم وأفعالهم فقياسه بهم قياس غير صحيح. وأقوال القدرية الباطلة مترتبة على قياس الله تعالى بخلقه في التحسين والتقبيح، وهم مشبهة الأفعال يشبهون الخالق بالمخلوق، والمخلوف بالخالق، وهذا مذهب باطل. فأفعال الله تعالى لا تمثل بأفعال المخلوقين فإن المخلوق لو كان له عبيد يظلمون ويأتون الفواحش وهو قادر على منعهم وتركهم فلم

стр. 432

يمنعهم كان ذلك قبيحًا منه وكان مذمومًا على ذلك، والرب تعالى وهو القادر على كل شيء يترك عبيده يظلمون ويأتون الفواحش وهو قادر على منعهم وليس ذلك بقبيح منه لما له في ذلك من الحكمة البالغة والنعمة السابغة هذا على قول السلف، والجمهور الذين يثبتون الحكمة في خلق الله وأمره (١). يقول ابن تيمية: "إنه ليس ما حسن منه "من الله" حسن منا وليس ما قبح منه يقبح منا، فإن المعتزلة شبهت الله بخلقه، وذلك أن الفعل يحسن منا لجلبه المنفعة، ويقبح لجلبه المضرة ويحسن لأنا أمرنا به، ويقبح لأنا نهينا عنه، وهذان الوجهان منتفيان في حق الله تعالى قطعًا" (٢). أما نفي الحسن والقبح العقليين فهو خلاف قول المعتزلة فهذا القول طرف وقول المعتزلة طرف آخر وليس الصواب واحدًا منهما. إذ أن من ينفي الحسن والقبح العقليين يقول كما قال ابن تيمية: "إن الأفعال لم تشتمل على صفات هي أحكام ولا على صفات هي علل للأحكام بل القادر أمر باحد المتماثلين دون الآخر، لمحض الإرادة لا لحكمة ولا لرعاية مصلحة في الخلق والأمر .. وهذا القول ولوازمه قول ضعيف مخالف للكتاب والسنة، ولإِجماع السلف والفقهاء، مع مخالفته أيضًا للمدقول الصريح، فإن الله نزه نفسه عن

стр. 433

الفحشاء فقال: "إن الله لا يأمر بالفحشاء" (١) كما نزه نفسه عن التسوية بين الخير والشر فقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (٢). وقال: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (٣). وقال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ (٤). وعلى قول نفاة التحسين والتقبيح العقليين لا فرق في التسوية بين هؤلاء وهؤلاء وبين تفضيل بعضهم على بعض ليس تنزيهه عن أحدهما بأولى من تنزيهه عن الآخر وهذا خلاف المتصوص والمعقول وقد قال الله تعالى: "الله أعلم حيث يجعل رسالته" (٥). وعندهم أن تعلق الإرسال بالرسول لا يستلزم ثبوت صفة لا قبل التعلق ولا بعده والفقهاء وجمهور المسلمين يقولون: الله حرم المحرمات فحرمت، وأوجب الواجبات فوجبت فهنا شيئان: أحدهما: الإيجاب والتحريم. والثاني: الوجوب والحرمة. فالأول كلام الله تعالى وخطابه، والثاني صفة الفعل. والله تعالى عليم حكيم، أمر ونهى لعلمه بما في الأمر والنهي والمأمور والمحظور من مصالح العباد ومفاسدهم، وهو أثبت حكم الفعل.

стр. 434

وأما صفته فقد تكون ثابتة بدون الخطاب" (١). يقول ابن القيم: "والحق .. أن الأفعال في نفسها حسنة وقبيحة، كما أنها نافعة وضارة، والفرق بينهما كالفرق بين المطعومات والمشمومات والمرئيات، ولكن لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب إلا بالأمر والنهي. وقبل ورود الأمر والنهي لا يكون قبيحًا موجبًا للعقاب مع قبحه في نفسه بل هو في غاية القبح. والله لا يعاقب عليه إلا بعد إرسال الرسل فالسجود للشيطان والأوثان، والكذب، والزنا، والظلم والفواحش كلها قبيحة في ذإتها، والعقاب عليها مشروط بالشرع" (٢). فالصواب في مسألة التحسين والتقبيح أنه ثلاثة أنواع: الأول: ما يكون فيه الفعل مشتملًا على مصلحة أو مفسدة، ولو لم يرد الشرع بذلك كالعدل والظلم. فالأول مشتمل على مصلحة العالم، والثاني مشتمل على فسادهم، فالحسن والقبح في هذا قد يعلم بالعقل، وورود الشرع بتقبيح الظلم، وتحسين العدل ليس فيه

стр. 435

إثبات صفة للفعل لم تكن من قبل، لكن العقاب على الفعل القبيح لا يحصل إلا بعد ورود الشرع بذلك لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (١) وقوله: "رسلًا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل" (٢) وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ (٣). ومثل هذا في القرآن والسنة كثير. النوع الثاني: ما يحصل فيه الحسن والقبح بخطاب الشارع فإذا أمر بشيء صار حسنًا، وإذا نهى عن شيء صار قبيحًا. النوع الثالث: ما أمر الله تعالى به لحكمة في نفس الأمر للامتحان هل يطاع أم يعصى، وليس المراد فعل المأمور به، وقد بكون المأمور به حسنًا في العقل وقد يكون قبيحًا، وهذا مثل أمر الله تعالى إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه فلما أسلما وتله للجبين وحصل المقصود فداه الله بالذبح كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا

стр. 436

لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (١). وإثبات هذه الأقسام جميعًا هو مذهب الحكماء والجمهور وهو الصواب (٢). ٥ - تعليل أفعال الله: مذهب ابن حزم أن الله تعالى لا يفعل شيئًا لعلة، فلا علة لما فعل، ولا علة لما لم يفعل لأنه لا شرط عليه، ولا علة موجبة عليه أن يفعل شيئًا لأن الفعل لعلة يلزم عليه لوازم تمتنع في حق الله ﵎، ولأن هذه صفة الخلق والله خلاف خلقه من كل الوجوه فيجب أن يكون فعله لا لعلة بل لأنه شاء ذلك. يقول: "إن الخلق لما كانوا لا يقع منهم الفعل إلا العلة وجب للبراهين الضرورية أن الباري جل وعز خلاف جميع خلقه من جميع الجهات فلما كان ذلك وجب أن يكون فعله لا لعلة بخلاف أفعال الخلق ولا يجب أن يقال في شيء من أفعاله لم فعل هكذا أولا؛ إذ حبا الإنسان بالعقل وحرمه سائر الحيوان، وخلق بعض الحيوان صائدًا وبعضه مصيدًا وباين جميع مفعولاته كما شاء .. تعالى الذي لا يسأل عن فعله يقول تعالى: "لا يسأل عما يفعل وهم يسألون" (٣)." (٤). ويقول: "إنه تعالى لا يفعل شيئًا لعلة وإنه تعالى يفعل ما يشاء،

стр. 437

وإن كل ما فعله فهو عدل وحكمه أي شيء كان" (١). ويبرهن أبو محمد على امتناع أن يكون الله تعالى يخلق شيئًا لعلة بقوله: إنه لو فعل شيئًا مما فعل لعلة كانت تلك العلة إما لم تزل معه وإما مخلوقة محدثة ولا سبيل إلى قسم ثالث، فلو كانت لم تزل معه لوجب من ذلك شيئان ممتنعان: أحدهما: أن معه تعالى غيره لم يزل. والثاني: أنه كان يجب إذ كانت علة الخلق لم تزل أن يكون الخلق لم يزل لأن العلة لا تفارق المعلول، ولو فارقته لم تكن علة له. وأيضًا فلو كانت ههنا علة موجبة عليه تعالى أن يفعل ما فعل لكان مضطرًا مطبوعًا أو مدبرًا مقهورًا لتلك العلة وهذا خروج عن الإلهية ولو كانت العلة محدثة لكانت ولا بد إما مخلوقة له تعالى وإما غير مخلوقة. والقول بعلة محدثة وغير مخلوقة غير صحيح، لأن المحدث لا يكون إلا مخلوقًا فبطل هذا القسم. وإن كانت مخلوقة وجب ولابد أن تكون مخلوقة لعلة أخرى أو لغير علة، فإن وجب أن تكون مخلوقة لعلة أخرى وجب مثل ذلك في العلة الثانية وهكذا أبدا وهذا يوجب وجوب محدثين لا نهاية لعددهم وهذا باطل. وإن قالوا: بل خلقت العلة لا لعلة، سئلوا: من أين وجب أن

стр. 438

يخلق الأشياء لعلة ويخلق العلة لا لعلة؟ ولا سبيل إلى دليل" (١). هذا ما يراه ابن حزم في أفعال الله تعالى، أنها غير معللة. وأن الله تعالى لا يفعل شيئًا لعلة أوجبت عليه الفعل، مع أن كل ما فعله ويفعله فهو عدل وحكمه أي شيء كان. هذا المبحث - تعليل أفعال الله، أو عدم تعليلها - مبحث واسع جدًّا يدخل فيه حدوث العالم، ووحدانية الله تعالى وصفاته وأفعاله وأحكامه إلى غير ذلك من المباحث الطويلة والمتشعبة. وليس غرضنا هنا هو بحث الموضوع من حيث هو والتعرض لمسائله وفروعه فإن هذا ليس مجال بحثنا، فموضوعنا هو معرفة مذهب ابن حرم ونقده. ومن خلال عرضنا السابق لرأي ابن حزم في أفعال الله ظهرت لنا مخالفته لرأى السلف القائلين بتعليل أفعال الله تعالى إذ ينفى أن الله تعالى يفعل شيئًا لعلة وهذا القول كما قال ابن تيمية: "قد قال به طوائف من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم وهو قول الأشعرى وأصحابه وقول كثير من نفاة القياس الظاهري كابن حزم وأمثاله" (٢).

стр. 439

ويقول: "وهذا القول في الأصل قول جهم بن صفوان ومن تبعه من المجبرة" (١). والذي نراه صوابًا هو مذهب القائلين بأن الله تعالى فعل المفعولات وأمر بالمأمورات لحكمة محمودة. وأصحاب هذا القول كما ذكر ابن تيمية أكثر الناس من المسلمين وغير المسلمين فقال به طوائف من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم، وطوائف من أهل الكلام من المعتزلة والكرامية والمرجئة وغيرهم، وأكثر أهل الحديث والتصوف وأهل التفسير وأكثر قدماء الفلاسفة وكثير من متأخيرهم على اختلاف فيما بين هؤلاء القائلين بالتعليل (٢). والذي قلنا بتصحيحه من أقوال هؤلاء هو ما قال به طوائف من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية وأهل الكلام وغيرهم والمتفلسفة وهو كما قال ابن تيمية: "أنه يفعل ما يفعل سبحانه لحكمة يعلمها وهو يعلم العباد أو بعض العباد من حكمته ما يطلعهم عليه وقد لا يعلمون ذلك، والأمور العامة التي يفعلها تكون لحكمة عامة ورحمة عامة كإرساله محمدًا ﷺ فإنه كما قال تعالى "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" (٣) فإن إرساله كان من أعظم النعمة على الخلق وفيه أعظم حكمة للخالق ورحمة منه لعباده" (٤).

стр. 440

وسنذكر بعض أدلة هذا الرأي، ثم نعود إلى ما ادعى ابن حزم أنه مانع من تعليل أفعال الله ﵎ فنجيب عليه إن شاء الله تعالى. الأدلة على القول بالتعليل: الدليل الأول: إخبار الله تعالى في القرآن الكريم أنه فعل كذا لكذا وهذا في القرآن كثير جدًّا من ذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (١). وقال: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٢). وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ (٣). فإن قيل اللام في هذا كله لام العاقبة كقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ (٤) وقوله: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ (٥). وغير ذلك مما هو في القرآن كثير فإن ما بعد اللام في هذا ليس هو الغاية

стр. 441

المطلوبة، ولكن لما كان الفعل منتهيًا إليه وكان عاقبة الفعل دخلت عليه لام التعليل وهي في الحقيقة لام العاقبة. قلنا: إن لام العاقبة إنما تجيء في حق من لا يكون عالمًا بعواقب الأمور ومصايرها فيفعل الفعل الذي له عاقبة لا يعلمها كال فرعون. فأما من هو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير فلا يتصور منه أن يفعل فعلا له عاقبة لا يعلمها، وإذا علم أن فعله له عاقبة فلا يقصد بفعله ما يعلم أنه لا يكون فإن ذلك تمن وليس بإرادة. فاللام الواردة في أفعال الله وأحكامه لام الحكمة والغاية المطلوبة (١). وقد أجاب ابن القيم أيضًا على الاعتراض بجواب آخر، بإمكان حمل ما احتجوا به على أن اللام للعاقبة بحمل ذلك على أنها لام التعليل (٢). وما يلزم نفاة التعليل: أنهم يقولون بان الله تعالى أيد الرسل وأصحبهم بالمعجزات الخارقة للعادة بإحالة الطبائع المخالفة لما بني عليه العالم، وذلك لا يكون إلا من الله تعالى فهو الفاعل لها اتفاقًا وأنها لتصحيح صدق الرسل وصحة ما أتوا به من عند الله تعالى وهذا يخالف قولكم أن الله لا يفعل شيئًا لشيء وهذا باعترافكم أن الله فعل المعجزات لتصديق الرسل وهذا تعليل لأفعال الله تعالى فثبت تناقضكم (٣).

стр. 442

الدليل الثاني: إتيان الله ﵎ بكي وهي صريحة في التعليل في مواضع من كتابه من ذلك قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ (١). ففي هذه الآية ذكر سبحانه علة قسمة الفيء وهي منع الأغنياء من تداوله بينهم دون الفقراء (٢). الدليل الثالث: الإِتيان بلعل بعد إخبار الله أو أمره، وهي في كلام الله تعالى للتعليل المحض ولا تصح للترجي حيث لا يصح ذلك على الله تعالى. وتأتي للترجي إذا كانت من المخلوق حيث يصح عليه ذلك. ومما وردت فيه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٣). وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٤). فلعل في الآيتين وفي غيرهما مما وردت فيه؛ للتعليل (٥).

стр. 443

الدليل الرابع: إنكار الله سبحانه على من زعم أنه لم يخلق الخلق لغاية ولا لحكمة قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ (١). وقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (٢) والحق هو الحكم والغايات المحمودة التي لأجلها خلق الله ذلك كله. وقد أثنى الله تعالى على عباده المؤمنين حيث نزهوه عن إيجاد الخلق لا لشيء ولا لغاية فقال تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ﴾ (٣) وأخبر أن هذا ظن أعدائه لاظن أوليائه فقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٤). وفي الآيات دلالة ظاهرة على أن الله خلق المخلوقات غير عابث ولا لاعب بل لغرض هو الحق وهو الحكم والغايات التي لأجلها خلق الموجودات (٥). الدليل الخامس: جواب الله تعالى للملائكة: بقوله: " ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ حين قال لهم: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ

стр. 444

فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ (١). يقول ابن القيم: "لو كان فعله مجردًا عن الحكم والغايات والمصالح لكان الملائكة أعلم به إن سألوا هذا السؤال، ولم يصح جوابهم بتفرده بعلم ما لا يعلمونه من الحكم والمصالح التي في خلق هذه الخليقة. ولهذا كان سؤالهم إنما وقع عن وجه الحكمة، لم يكن اعتراضًا على الرب تعالى، ولو قدر أنه على وجه الاعتراض فهو دليل على علمهم أنه لا يفعل شيئًا إلا لحكمة، فلما رأوا أن خلق هذه الخليقة مناف للحكمة في الظاهر سألوه عن ذلك. ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (٢) فأجابهم بأن حكمته وعلمه يأبى أن يضع رسالاته في غير محلها وعند غير أهلها، ولو كان الأمر راجعًا إلى محض المشيئة لم يكن في هذا جواب. بل كان الجواب أن أفعاله لا تعلل وهو يرجح مثلًا على مثل بغير مرجح والأمر عائد إلى مجرد القدرة كما يقوله المنكرون" (٣). وذكر الله تعالى في القرآن أنه أعلم في مواضع كثيرة ومختلفة مخبرًا بها أنه فعل ما فعل عالمًا بكل ما سيكون عليه المفعول. وعلى هذا فلا يكون فعله للأشياء إلا لغرض وغاية هو أعلم بها.

стр. 445

الدليل السادس: أن الفعل لغير علة وغاية مطلوبة، إما أن يكون لمانع يمنع من إرادة تلك الغاية وقصدها، أو لاستلزامه نقصًا ومنافاته كمالًا. ولا مانع يمنع الرب ﵎ من فعل ما يريد يقول سبحانه "إن الله يفعل ما يريد" (١) ويقول: "إن الله يفعل ما يشاء" (٢) فلا راد لقضائه ولا معقب لحكمه يتصرف في ملكه كما يشاء سبحانه. أما استلزام النقص فيدرك في أول العقل أن من يفعل لحكمة وغاية مطلوبة يحمد عليها أكمل ممن يفعل لا لشيء البتة. ثم إن الفعل لغير غرض عبث ينزه الله عنه وقد نفى سبحانه هذا عن خلقه للمخلوقات بقوله: "وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين" (٣). فقد خلق المخلوقات لحكمة وغاية وليس لعبًا. والفعل لغاية لا يستلزم النقص إلا إذا كان الفاعل لا يقدر على الفعل إلا لهذه الغاية، ولا يقول أصحاب التعليل بذلك بل يقولون بكمال قدرة الله على كل شيء. فإن قيل: إن من يفعل لعلة فإنه يكون قبلها ناقصًا. قلنا: إن أردتم بذلك، عدم ما تجدد فغير مسلم أن عدمه قبل ذلك الوقت الذي اقتضت الحكمة وجوده فيه يكون نقصًا. وإن أردتم بكونه ناقصًا معنى غير ذلك فممنوع. بل يقال عدم

стр. 446

الشيء في الوقت الذي لم تقتض الحكمة وجوده فيه من الكمال كما أن وجوده في وقت اقتضاء الحكمة وجوده كمال، فليس عدم كل شيء نقصًا بل عدم ما يصلح وجوده هو النقص كما أن وجود ما لا يصلح وجوده نقص فتبين أن وجود هذه الأمور حين اقتضت الحكمة عدمها هو النقص لا أن عدمها هو النقص (١). يقول ابن القيم: "إن كمال الرب تعالى وجلاله وحكمته وعدله ورحمته وقدرته وإحسانه وحمده ومجده وحقائق أسمائه الحسنى تمنع كون أفعاله صادرة منه لا لحكمة ولا لغاية مطلوبة، وجميع أسمائه الحسنى تنفي ذلك وتشهد ببطلانه" (٢). ما أشرنا إليه من الأدلة على تعليل أفعال الله تعالى جزء قليل من أدلة القائلين بالتعليل رأينا في هذا القدر منها كفاية، وإلا فإن الأدلة على ذلك كثيرة جدًّا. فقد استدل ابن القيم في كتابه شفاء العليل من كلام الله وكلام رسوله ﷺ على تعليل أفعال الله وأنه لا يفعل إلا لحكمة محمودة باثنين وعشرين نوعًا من الأدلة (٣). بعد أن عرضنا مذهب ابن حزم في تعليل أفعال الله تعالى، وبينا أن الراجح لدينا خلافه وبيناه وذكرنا بعض أدلته، نعود لنجيب على شبه المذهب المرجوح كما وعدنا فنقول:

стр. 447

إن ذهاب ابن حزم إلى القول بعدم تعليل أفعال الله تعالى يخالف ما يدعيه من المذهب - الأخذ بظواهر النصوص - فالله سبحانه ذكر في كتابه في مواضع كثيرة أنه فعل كذا من الأفعال، لكذا من الأغراض، وذلك نص ظاهر على تعليل أفعاله سبحانه، ولو التزم الظاهرية لحتمت عليه القول بتعليل أفعال الله ولكنه تجاهلها هنا كعادته في مواضع أخرى نبهنا على ما هو في موضوعنا منها. ومما رأى ابن حزم أنه مانع من تعليل أفعال الله تعالى، أن الخلق لا يقع منهم الفعل إلا لعلة والله خلاف خلقه. وهذا القول غير صحيح فإن الخلق يقع الفعل منهم لعلة ولغير علة كتصرفات فاقد الوعي، والذي يفعل من الخلق لعلة أكمل ممن يفعل لغير علة. والله سبحانه متصف بالكمال المطلق. ومما هو متفق عليه: أن كل كمال ثبت لموجود من غير استلزام نقص فالخالق تعالى أحق به وأكمل فيه منه، وكل نقص تنزه عنه مخلوق فالخالق أحق بالتنزه عنه وأولى ببراءته منه (١). والله تعالى متصف بالكمال المطلق، وهو خلاف خلقه بلا شك وإذا كان لا يفعل إلا لعلة، وكان في خلقه من هو متصف بذلك، فلا يلزم من ذلك تشابه بين الخالق والمخلوق فلكل ما يخصه ويناسبه

стр. 448

فالعلل التي يفعل لأجلها المخلوق تناسب عجزه وافتقاره، والتي يفعل لأجلها الخالق سبحانه تناسب كماله وقدرته، ولا يدرك منها الخلق إلا القليل فلا تشابه إلا في مجرد الاسم كسائر صفات الله تعالى، فقد وصف الله نفسه بالحياة كما في قوله: "الله لا إله إلا هو الحي القيوم" (١). وقوله: "وتوكل على الحي الذي لا يموت" (٢). وقوله: "هو الحي لا إله إلا هو" (٣). ووصف سبحانه بعض خلقه بالحياة بقوله و: "وجعلنا من الماء كل شيء حي" (٤). وقال: "يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي" (٥). ووصف الله تعالى نفسه بالسمع والبصر في غير ما آية من كتابه قال: "إن الله سميع بصير" (٦). وقال: "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" (٧). ووصف بعض خلقه بالسمع والبصر، قال: "إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعًا بصيرًا" (٨). ونحن لا نشك بأن ما في القرآن حق وبأن لله جل وعلا صفة حياة

стр. 449

حقيقة لائقة بكماله وجلاله، وله صفتا سمع، وبصر حقيقيان لائقان بجلاله وكماله. كما أن للمخلوقين حياة وسمعًا وبصرًا حقيقة صفات لهم تناسب حالهم وعجزهم وفنائهم وافتقارهم وبين صفات الخالق والمخلوق من المخالفة كمثل ما بين ذات الخالق والمخلوق وذلك بون شاسع بين الله وخلقه (١). وجعل ابن حزم تعليل أفعال الله تعالى سؤالًا له عما يفعل غير صحيح. فهو سبحانه لا يسأل عما يفعل لكمال حكمته وحمده وأن أفعاله عن تمام الحكمة والرحمة والمصلحة، فكمال علمه وحكمته وربوبيته وكون تصرفه في ملكه الذي لا يشاركه فيه أحد - فهو المتفرد بالألوهية والسلطنة لذاته - ينافي اعتراض المعترضين عليه وسؤال السائلين له (٢). يقول ابن تيمية: "قولهم: لا يقال في أفعاله "لم" لا ينفي ثبوت الحكمة التي تكون مقصودة له في نفس الأمر، ولا كونه مريدًا لها قاصدًا، وإن كان ذلك ينفيه من ينفيه من نفاة التعليل ومثبتيه، ولهذا قال بعض السلف: إن الله علم علمًا علمه عباده، وعلم علمًا لم يعلمه العباد، وإن القدر من العلم الذي لم يعلمه العباد" (٣). ونقول: إن معرفة الحكمة التي لأجلها خلق الله تعالى ليست سؤالًا له بل هي من النظر في مخلوقاته ومن التدبر لها وهذا مما أمر به

стр. 450

الخلق يقول سبحانه في الثناء على المتفكرين في آيات خلق السموات والأرض: "الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلًا سبحانك فقنا عذاب النار" (١). فإن قيل: إن ابن حزم لم ينف حكمة الله تعالى، فهو يقول: بأن فعل الله تعالى كله عدل وحكمة أي شيء كان. وقد ذكرتم هذا في عرضكم لمذهبه. قلنا: إن الحكمة التي يثبتها ابن حزم محل اتفاق فلا ينفيها أحد من المسلمين. يقول ابن تيمية: " .. أجمع المسلمون على أن الله تعالى موصوف بالحكمة، لكن تنازعوا في تفسير ذلك فقالت طائفة الحكمة ترجع إلى علمه بأفعال العباد وإيقاعها على الوجه الذي أراده، ولم يثبتوا إلا العلم والإِرادة والقدرة. وقال الجمهور من أهل السنة وغيرهم: بل هو حكيم في خلقه وأمره والحكمة ليست مطلق المشيئة إذ لو كان كذلك لكان كل مريد حكيمًا، ومعلوم أن الإرادة تنقسم إلى محمودة ومذمومة بل الحكمة تتضمن ما في خلقه وأمره من العواقب المحمودة والغايات المحبوبة" (٢). والجواب على الدليل الذي رآه ابن حزم مانعًا من تعليل أفعال الله تعالى من أوجه:

стр. 451

الوجه الأول: نفى لزوم قدم المعلول لقدم العلة من عدة أوجه . منها: ما أجاب به ابن القيم بقوله: "لا يخلو إما أن يمكن أن يكون الفعل قديم العين، أو قديم النوع، أو لا يمكن واحد منهما. فإن أمكن أن يكون قديم العين أو النوع أمكن في الحكمة التي يكون الفعل لأجلها أن تكون كذلك، وإن لم يمكن أن يكون الفعل قديم العين ولا النوع، فيقال: إذا كان فعله حادث العين أو النوع كانت الحكمة كذلك. فالحكمة يحذى بها حذو الفعل، فما جاز عليه جاز عليها، وما امتنع عليه امتنع عليها" (١). ومن أوجه النفي، أن يقال ما المانع أن تكون الفاعلية معللة بعلة قديمة إذ القول يلزم من قدمها قدم المعلول ينتقض بالعلم فإنه قديم ولم يلزم من قدمه قدم المعلوم. فإن قلتم العلم القديم تعلق بالمعلوم في وقت حدوثه، فهلا قلتم إن الحكمة القديمة تعلقت بالمفعول وقد حدوثه، كما قلتم في العلم. فان قلتم: إن العلم يختلف عن الحكمة. قلنا: لا فرق فالحكمة والعلم والإرادة مصدر لتخصيص الشيء بزمانه ومكانه وصفته. فإن لزم من قدم الحكمة قد الفعل لزم من قدم العلم قدم العلوم وإن لم يلزم ذلك لم يلزم هذا (٢).

стр. 452

ومن أوجه النفي: أن القول بأن الله لو خلق لعلة لزم قدم العلول فيكون مع الله تعالى غيره لم يزل، لا يتم إلا على قول الفلاسفة القائلين بأن المبدع علة تامة موجب بذاته، وبطلان هذا ظاهر لأن العلة التامة تستلزم معلولها فلا يجوز أن يتأخر عنها شيء من معلولها، والحوادث مشهورة في العالم. ويمتنع أن يكون الحادث صادرًا عن علة تامة أزلية، لأن معلولها لا يتأخر عنها فيلزم من ذلك أن لا يحدث شيء في العالم، وحدوث الحوادث دليل على أن فاعلها ليس بعلة تامة في الأزل حيث تخلف عنها معلولها فليس هناك شيء قديم من الخلق، وهذا لا ينفي أن يكون الله تعالى لم يزل متصفًا بصفاته وأفعاله، فهو لم يزل فعالًا وإذا قدر أنه فعال لأفعال تقوم بنفسه، أو مفعولات حادثة شيئًا بعد شيء كان ذلك وفاء بموجب هذه الحجة مع القول بأن كل ما سوى الله محدث مخلوق كائن بعد أن لم يكن كما أخبرت الرسل أن الله - خالق كل شيء وأخبر هو سبحانه عن نفسه بقوله: "ذلكم الله ربكم خالق كل شيء" (١). وقوله: "الله خالق كل شيء" (٢) وإن كان النوع لم يزل متجددًا كما في الحوادث المستقبلة كل منها حادث مخلوق، وهي لا تزال تحدث شيئًا بعد شيء والمخلوق لا يكون إلا مسبوقًا بالعدم، والقرآن يدل على أن ما سوى الله تعالى مخلوق محدث فليس شيء من الموجودات مقارنًا لله تعالى وتقدس. والمحدث المعين لا يكون أزليًا، سواء

стр. 453

حدث عنه بوساطة أو بدونها (١). الوجه الثاني: إبطال دعوى أن من يفعل لعلة ليس مختارًا أما دعوى أن من يفعل لعلة يكون مضطرًا لا مختارًا فغير مسلمة بالنسبة لله تعالى، فالعلة التي يفعل لأجلها الله سبحانه ومعلولها من إيجاده ومن فعيه باختياره فلم يوجب عليه أحد شيئًا. والمضطر من فرض عليه أن يعمل هذا العمل مثلًا لغرض أو لغير غرض. والقول بأن من يفعل لغرض يكون مضطرًا لا يتم إلا إذا كانت العلة التي فعل لأجلها اضطرته للفعل قهرًا - والمجبر لا يكون إلهًا - ولا يقول بهذا أحد حيث إنه هو الفاعل باختياره لعلة أرادها، فهو الفاعل المختار يفعل ما يشاء لاراد لقضائه ولا معقب لحكمه سبحانه. الوجه الثالث: إبطال التسلسل اللازم للعلة إذا كانت محدثة . القول بأن المخلوق المحدث لابد له من علة والعلة لابد لها من علة أخرى وهكذا، غير لازم لأنه إنما يلزم لو قيل كل حادث لابد له من علة والمثبت للعلة لا يقول هذا بل يقول إنه يفعل لحكمة،

стр. 454

والمفعول لأجله مراد للفاعل ومحبوب له، والمراد المحبوب تارة يكون مرادًا لنفسه وتارة يكون مرادًا لغيره، والمراد لغيره لابد أن ينتهي إلى المراد لنفسه قطعًا للتسلسل. والله سبحانه يخلق لحكمة وتلك الحكمة لحكمة حتى ينتهى الأمر إلى حكمة لا حكمة فوقها. يقول ابن القيم: "إن التسلسل إما أن يكون ممكنًا أو ممتنعًا، فإن كان ممكنًا بطل استدلالكم. وإن كان ممتنعًا أمكن أن يقال في دفعه تنتهي المرادات إلى مراد لنفسه لا لغيره، وينقطع التسلسل" (١). ومما يلزم المانعين لتسلسل الحوادث في الماضى والنافين للحكمة، أن يقال لهم: إنكم تقولون بإحداث الله تعالى لسائر المفعولات بعد ان لم تكن، وليس من فرق بينكم وبين من يقول بالتعليل إذ القول في حدوث الحكمة كالقول في حدوث المفعول المستعقب للحكمة فما لزم هذا لزم ذاك (٢). الوجه الرابع: تسليم التسلسل في إثبات الحكمة: يقول ابن القيم: "إن الرب ﵎ إذا خلق شيئًا فلا بد من وجود لوازمه، ولابد من عدم أضداده، فوجود الملزوم بدون لازمة

стр. 455

محال، ووجود الضد مع ضده ممتنع، والمحال الممتنع ليس بشيء. ولا يتصور العقل وجوده في الخارج. وإذا كان هذا التسلسل الجائز من لوازم خلقه وحكمته لم يكن في القول محذور. بل كان المحذور في نفيه" (١). ويمكن أن يقال: إذا قيل إن خلق المخلوقات لعلة محدثة يوجب كون العلة لعلة وهكذا .. وهذا باطل. إن التسلسل نوعان، ممتنع، وجائز، فأي النوعين هو اللازم؟ فإن عنيتم التسلسل الممتنع منع اللزوم، وإن عنيتم الجائز منع انتفاء اللازم. فالتسلسل في الآثار المستقبلة ممكن بل واجب، وفي الآثار الماضية فيه قولان للناس. أما التسلسل المحال فهو التسلسل في العلل والفاعلين وهذا باتفاق العقلاء وهو كون الفاعل لابد له من فاعل قبله وكذلك ما قبله إلى غير نهاية، وأما أن يكون الفاعل الواحد القديم الأبدي لم يزل يفعل ولا يزال فهذا غير ممتنع. والحكمة التي لأجلها يفعل الفعل تكون حاصلة بعده فإذا كان بعدها حكمة أخرى فغاية ذلك أنه يلزم حوادث لا نهاية لها وهذا جائز بل واجب باتفاق المسلمين (٢).

стр. 456

وسنختتم الجواب على شبه ابن حزم المانعة من تعليل أفعال الله على زعمه بما أجاب به ابن تيمية عن الشبه المانعة من التعليل وهو جواب حاصر قال: "لا ريب أن الله يحدث مفعولات لم تكن، فإما أن تكون الأفعال المحدثة يجب أن يكون لها ابتداء ويجوز أن تكون غير متناهية في الابتداء كما هي غير متناهية في الانتهاء، فإن وجب أن يكون لها ابتداء أمكن حدوث الحوادث بدون تسلسلها. فإذا قال القائل لو فعل لعلة محدثة لكان القول في حدوث تلك العلة كالقول في حدوث معلولها ويلزم التسلسل، كان جوابه على هذا التقدير أن الحوادث يجب أن يكون لها ابتداء، وإذا فعل الفعل لحكمة محدثة كان الفعل وحكمته محدثين، ولا يجب أن يكون للعلة المحدثة علة محدثة إلا إذا جاز أن يكون للحوادث ابتداء فأما إذا جاز أن يكون لها ابتداء بطل هذا السؤال فكيف إذا وجب أن يكون لها ابتداء" (١). ٦ - اللطف والأصلح: يذهب أبو محمد بن حزم إلى عدم إيجاب شيء على الله تعالى لأنه الخالق المطلق فهو خالق العباد وأفعالهم. وفعله كله عدل وحق وحكمة يقول ﵎: "لا يسأل عما يفعل وهم يسألون" (٢). ولا تجرى أفعاله تعالى على الحكمة المعهودة بيننا ولا على العدل

стр. 457

المعهود بيننا لأن إجراءها على ذلك تشبيه له تعالى بخلقه، وهو لا يوصف بشيء من صفات العباد فلو شاء لهدى كل كافر يقول سبحانه: "قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين" (١). ولا حد لقدرته سبحانه فكل ما خلق شيئًا صغيرًا أو ضعيفًا أو كبيرًا أو قويًّا أو مصلحة فإنه أبدًا بلا نهاية قادر على خلق أصغر منه وأضعف وأقوى وأصلح ومع عدم فعله شيئًا من ذلك لايعد ظالمًا ولا بخيلًا ولا ممسكًا ولا عاجزًا، ويدل على قدرته قوله تعالى: "إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين" (٢). وقوله "قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس" (٣). لأنه تعالى نص على أنه هو المطلوب منه العون لنا والهدى إلى صراط من خصه بالنعمة عليه لا إلى صراط من غضب عليه تعالى وضل فلولا أنه تعالى قادر على الهدى المذكور وأن عنده عونًا على ذلك لا يؤتيه إلا من شاء دون من لم يشأ وأنه تعالى أنعم على قوم بالهدى، ولم ينعم به على آخرين لما أمرنا أن نسأله من ذلك ما ليس يقدر عليه أو ما قد أعطانا إياه. ونص سبحانه على أنه قادر على صرف وسوسة الشيطان. فلولا أنه تعالى يصرفها عمن يشاء لما أمرنا أن نستعيذ مما لا يقدر على الإعاذة منه أو مما قد أعاذنا منه. ويقرر ابن حزم قدرة الله تعالى على فعل ما لو فعله بجميع الكفار

стр. 458

والعصاة لآمنوا وأطاعوا لقوله تعالى: "ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض" (١). وقوله: "ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفًا من فضة" (٢) لأنه إذا قدر على فعل ما لو فعله بهم لكفروا كذلك هو قادر على أن يفعل بهم ما لو فعله بهم لآمنوا (٣). ٧ - إرسال الرسل: لما كان رأي ابن حزم عدم إيجاب شيء على الله تعالى، فلا يوجب عليه أن يفعل بالخلق ما هو الأصلح لهم في الدين والدنيا، كان مذهبه عدم إيجاب إرسال الرسل عليه تعالى. كما أنه لا يحكم بامتناع إرسال الرسل على الله كما تقول ذلك البراهمة (٤). الذين يرون أن إرسال الرسول إلى من يعلم أنه لا يصدقه عبث، فيجب عندهم لهذا نفي بعث الرسول عن الله لنفي العبث والعنت عنه.

стр. 459

(يقول أبو محمد): "إن مجيء الرسل قبل أن يبعثهم الله تعالى واقع في باب الإِمكان وأما بعد أن بعثهم الله ففي حد الوجوب ثم أخبر الصادق ﵇ عنه تعالى أنه لانبي بعده فقد جدّ الامتناع" (١). واستدل على الإمكان بالقول "بأنه لما صح أن الله تعالى أخرج العالم كله إلى الوجود بعد أن لم يكن بلا كلفة ولا معاناة ولا طبيعة ولا استعانة ولا مثال سلف ولا علة موجبة ولا حكم سابق قبل الخلق يكون ذلك الحكم لغيره تعالى فقد ثبت أنه لم يفعل إذا لم يشأ وفعل إذا شاء كما شاء فيزيد ما شاء وينقص ما شاء فكل منطوق به مما يتشكك في النفس أو لا يتشكك فهو داخل له تعالى في باب الإمكان. ويقول: إن الممكن واقع في العالم وقوعًا واحدًا ألا ترى أن نبات اللحية للرجال ما بين الثمان عشرة إلى العشرين سنة ممكن وهو في حدود الإثني عشر سنة إلى العامين ممتنع وإن فك الإِشكالات العويصة واستخراج المعاني الغامضة وقول الشعر البديع وصناعة البلاغة الرائقة ممكن لذى الذهن اللطيف والذكاء النافذ وغير ممكن من ذي البلادة الشديدة والغباوة - المفرطة فعلى هذا ما كان ممتنعًا بيننا إذ ليس في بنيتنا ولا في طبيعتنا ولا من عادتنا فهو غير ممتنع على الذي لا بنية له ولا طبيعة له ولا عادة عنده ولا رتبة لازمة لفعله فإذا قد صح هذا فقد صح أنه لا نهاية لا يقوى عليه تعالى فصح أن النبوة ممكنة. وهي بعثة قوم قد خصهم الله تعالى بالفضيلة لا لعلة إلا أنه شاء ذلك، فعلمهم الله تعالى العلم بدون تعلم ولا تنقل في مراتبه ولا

стр. 460

طلب له" (١). دليل ابن حزم على وجوب النبوة إذا وقعت: يستدل بقوله إنه لما صح أن الله تعالى ابتدأ العالم ولم يكن موجودًا حتى خلقه الله تعالى فبيقين ندري أن العلوم والصناعات لا يمكن البتة أن يهتدي أحد إليها بطبعه فيما بيننا دون تعليم كالطب ومعرفة الطبائع والأمراض وسببها على كثرة اختلافها ووجود العلاج لها بالعقاقير التي لاسبيل إلى تجريبها كلها أبدًا، وكيف يجرب كل عقار في كل علة ومتى يتهيأ هذا ولا سبيل له إلا في عشرة آلاف من السنين ومشاهدة كل مريض في العالم وهذا يقع دونه قواطع الموت والشغل بما لابد منه من أمر المعاش وذهاب الدول وسائر العوائق، وغير ذلك من العلوم التي لا يمكن إدراكها إلا في مدة طويلة ولا يمكن الاهتداء إليها ابتداء دون تعليم فوجب بالضرورة ولابد أنه لابد من إنسان واحد فأكثر علمهم الله تعالى ابتداء كل هذا دون معلم لكن بوحي حققه عنده وهذه صفة النبوة إذ لابد من نبي أو أنبياء ضرورة فقد صح وجود النبوة والنبي في العالم بلا شك (٢). وبعد أن بين ابن حزم النبوة وصحة وجودها في العالم لما حصل فيه من العلم الذي صعب إدراكه بالبحث والتتبع، بيّن البراهين التي يعلم بها صحتها ممن ادعاها فذكر بعض المعجزات التي أيد الله بها
следующие страницы →