إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ ١. وقال ﵎ فيما يأمر به المؤمنين من شأن المشركين: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّين﴾ ٢. فهذا قضاؤه وحكمه، فاتباعه لله طاعة، وتركه معصية لله، فادع إلى الإسلام وأمر به فإن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٣. فمن أسلم من نصراني أو يهودي، أو مجوسي من أهل الجزية فخالط عمَّ المسلمين وفارق داره التي كان بها فإن له ما للمسلمين، وعليه ما عليهم، وعليهم أن يخالطوه وأن يواسوه غير أن أرضه وداره إنما هي من فيء الله على المسلمين عامة، ولو كانوا أسلموا عليها قبل أن يفتح الله للمسلمين كانت لهم ولكنها فيء الله على المسلمين عامة.
وأما من كان محاربا فليُدْعَ إلى الإسلام قبل أن يقاتل فإن أسلم فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم، وله ما أسلم عليه من أهل أو مال.
وإن كان من أهل الكتاب فأعطى الجزية وأمسك بيديه فإنا نقبل ذلك منه.
стр. 107
وأما الهجرة فإنا نفتحها لمن هاجر من أعرابي فباع ماشيته في الهجرة، وانتقل من دار أعرابيته إلى دار الهجرة، وإلى قتال عدونا، فمن فعل ذلك فله أسوة المهاجرين فيما أفاء الله عليهم، وإن الله نعت المؤمنين عند ذكر الفيء فجعله للفقراء والمهاجرين ﴿الَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِم﴾ ١. والذين جاءوا من بعدهم ثم قال: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِم﴾ ٢، وقد كان المهاجرون يجاهدون على غير عطاء ولا رزق يجرى عليهم فيوسع الله عليهم، ويعظم الفتح لهم ولمن تأسى بهم، وعمل بصالح سنتهم ممن يحبون من إخوانهم ليوجبن الله له الأجر في الآخرة، وليعظمن له الفتح في الدنيا.
وأما الصدقات فإن الله ﵎ فرضها وسمى أهلها حين طعن فيها أناس وبلغوا فيها تهمة نبيهم فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ ٣، فقال الله ﵎ عند ذلك: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ
стр. 108
قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ١، فبين رسول الله ﷺ صدقة الأموال: الحرث، والمواشي، والذهب، والورق، فتؤخذ الصدقات كما بين رسول الله ﷺ وفرض، لا يظلمون ولا يتعدى عليهم ولا يحابي بها قريب ولا يمنعها أهلها، ثم تجعل إلى مرضيين من أهل الإسلام فيجعلونها حيث أمرهم الله، يحملهم الإمام من ذلك على ما حمل وينزه نفسه من ذلك من أمر قد أكثر فيها على الأئمة.
وأما الخمس فإن من مضى من الأئمة اختلفوا في موضعه، فطعن في ذلك طاعن من الناس وأكثر فيه، ووضع مواضع شتى فنظرنا فإذا هو على سهام الفيء في كتاب الله لم تخالف واحدة من الاثنتين الأخرى، فإذا عمر ابن الخطاب ﵀ قد قضى في الفيء قضاء قد رضي به المسلمون، فرض للناس أعطية وأرزاقا جارية لهم، ورأى أن لن يبلغ بتلك الأبواب ما جمع من ذلك، ورأى أن فيه لليتيم والمسكين وابن السبيل، فرأى أن يلحق الخمس بالفيء وأن يوضع مواضعه التي سمى الله وفرض، ولم يفعل ذلك إلا ليتنزه منه وخيفة التوهم فيه، فاقتدوا بإمام عادل فإن الآيتين
стр. 109
متفقتان، آية الفيء وآية الخمس، فإن الله قال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ١.
وكذلك فرض الله الخمس، فنرى أن يجمعا فيجعلا فيئا للمسلمين، ولا يستأثر عليهم ولا يكون ﴿دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُم﴾ ٢.
ونرى أن الحمى يباح للمسلمين عامة، وقد كانت تحمى فتجعل فيها نِعَمُ الصدقات. فيكون في ذلك قوة ونفع لأهل فرائض الصدقات، وأدخل فيها وطعن فيها طاعن من الناس فنرى في ترك حماها والتنزه عنها خيرا إذا كان ذلك من أمرها، وإنما الإمام فيها كرجل من المسلمين، إنما هو الغيث ينزله الله لعباده فهم فيه سواء.
ثم إن الطلاء لا خير فيه للمسلمين، إنما هو الخمر يكنى باسم الطلاء قد جعل الله عنه مندوحة وأشربة كثيرة طيبة، وقد علمت أن ناسا يقولون: قد أحله عمر ﵁ وشربه ناس ممن مضى من خيارنا، وإن عمر إنما أتي منه بشراب طبخ حتى خثر، فقال حين أتى به: أطلاء هذا؟ يعني به طلاء الإبل، فلما ذاقه قال: لا بأس بهذا فأدخل الناس فيه بعد عمر. أما من شربه من صالحيكم فإنهم شربوه قبل أن يتخذ مسكراً وقد قال رسول
стр. 110
الله ﷺ : "حرامٌ كل مسكر على كل مؤمن" ١، فلا أرى أن يتخذ الفاجر البارَّ دلسة، ونرى أن يتنزه المسلمون عنه عامة، وأن يحرموه فإنه من أجمع الأبواب للخطايا وأخوفها عندي أن تصيب المسلمين منه جائحة تعمهم.
وأما البحر فإنا نرى سبيله سبيل البر، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ ٢، فأذن فيه أن يتجر فيه من شاء، وأرى أن لا نحول بين أحد من الناس وبينه، فإن البر والبحر لله جميعا سخرهما لعباده يبتغون فيهما من فضله فكيف نحول بين عباد الله وبين معايشهم؟
ثم إن المكيال والميزان نرى فيهما أمورا علم من يأتيها أنها ظلم إنه ليس في المكيال زيغ إلا من تطفيف ولا في الميزان فضل إلا من بخس، فنرى أن تمام مكيال الأرض وميزانها أن يكون واحدا في جميع الأرض كلها.
وأما العشور فنرى أن توضع إلا عن أهل الحرث، فإن أهل الحرث يؤخذون بذلك وإنما أهل الجزية ثلاثة نفر: صاحب أرض يعطي جزيته
стр. 111
منها، وصانع يخرج جزيته من كسبه، وتاجر يتصرف بماله يعطي جزيته من ذلك وإنما سنتهم واحدة.
فأما المسلمون فإنما عليهم صدقات أموالهم، إذا أدوها في بيت المال كتبت لهم بها البراءة فليس عليهم في عامهم ذلك في أموالهم تباعة.
وأما المكس فإنه البخس الذي نهى الله عنه فقال: ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ١، غير أنهم كنوه باسم آخر.
ونرى أن لا يتجر إمام، ولا يحل لعامل تجارة في سلطانه الذي هو عليه فإن الأمير متى يتجر يستأثر، ويصيب أمورا فيها عنت وإن حرص على أن لا يفعل.
ونرى أن لا يباع عمارة الأرض، فإنما يشترى المشتري لنفسه ويقطع لنفسه، فإنما يصيب من ذلك خراب الأرض وظلم أهلها، وأما من كان من عرب أهل الأرض في غير أرضه وجزيته جارية عليه في أرضه، فليس عليه إلا ذلك وعامل أرضه أولى بتبعته.
ونرى أن توضع السخر عن أهل الأرض فإن غايتها أمور يدخل فيها الظلم. ونرى أن ترد المزارع لما جعلت له، فإنما جعلت لأرزاق المسلمين عامة، فإن أمر العامة هو أفضل للنفع وأعظم للبركة.
стр. 112
ثم إن مواريث أهل الأرض إنما هي لأوليائهم أو لأهل أرضهم الذين يخرجون الخراج فنرى أن لا يؤخذ منهم شيء إلا أن يكون عاملا فيبعثه الإمام في عمله بالذي يرى عليه من الحق. والسلام عليك١.
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أمراء الأجناد ينصحهم ويبين لهم كيفية تأديب الجهال والعدالة في العقوبة، وعدم التأثر بمن حولهم وأمرهم بالإخلاص لله وحده فقال:
من عبد الله عمر بن عبد العزيز أمير المؤمنين إلى أمراء الأجناد، أما بعد:
"فإنه من بُلي بالسلطان تحضره مكاره كثيرة، وبلايا عظام، إن أغبته يوما فهي حرية أن تحضره في اليوم الآخر، وإنه ليس أحد بأشغل عن نفسه ولا أكثر تعرضا لزيغ من ولي السلطان إلا ما عافى الله ورحم، فاتق الله ما استطعت واذكر منزلك الذي أنت به والذي حملت، فقاتل هواك كما تقاتل عدوك، واصبر نفسك٢ عندما كرهت ابتغاء ما عند الله من حسن ثوابه الذي وعد المتقون فيما بعد الموت،والذي وعدكم على التقوى والصبر من النجاة في عاجل الأمر وآجله.
стр. 113
فإذا حضرك الخصم الجاهل الخرق ممن قدر الله أن يوليك أمره، وأن تبتلى به فرأيت منه سوء رعة١، وسوء سيرة في الحق عليه، والحظ له فسدده ما استطعت وبصره وارفق به وعلمه، فإن اهتدى وأبصر وعلم، كانت نعمة من الله وفضلا، وإن هو لم يبصر ولم يعلم كانت حجة اتخذت بها عليه، فإن رأيت أنه أتى ذنبا استحل فيه عقوبة فلا تعاقبه بغضب من نفسك عليه، ولكن عاقبه وأنت تتحرى الحق في قدر ذنبه بالغا ما بلغ، وإن لم يبلغ ذلك إلا قدر جلدة واحدة تجلده إياها، وإن كان ذنبه فوق ذلك ورأيت عليه من العقوبة في ذلك قتلا فما دونه فأرجعه إلى السجن، ولا يسرعن بك إلى عقوبته حضور من يحضرك، فإنه - لعمري - ربما عاقب الإمام لمحضر جلسائه ولتأديب أهل بلده ولتغامزهم به، وما من إمام له جلساء إلا سيكون ذلك فيهم وما من قوم يسمعون بقضاء إمام إلا سيختلفون فيه على أهوائهم، إلا من رحم الله فإن من رحم الله لا يختلفون في قضاء فإنه قال: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ ٢.
стр. 114
وإن استجهلت فتثبت، وإذا نظر إليك ممن حولك ما أنت فاعل بسفيه من رعيتك إن سفه، وأخطأ حظه فاعمد في ذلك للذي ترى أنه أبرّ وأتقى وخير لك غدا فيما بعد الموت، ولا يطربك نظرهم إليك ولا حديثهم، فإنه لا يبقى في أنفسهم حديث أحبوه ولا كرهوه إلا قليلا إلا أبدوه.
فاغتنم كل يوم أخرجك الله فيه سالما، وكل ليلة مضت عليك وأنت فيها كذلك، وأكثر دعاء الله بالعافية لنفسك ولمن ولاك الله أمره، فإن لك في صلاحهم ما ليس لأحد منهم، ولا تبتغ منهم جزاء خير أحسنته إليهم ولا بتسديد سددتهم، ولا تطلب بعمل صالح عملته فيهم جزاء ولا ثوابا ولا مدحة، ولا حظوة، وليكن ذلك لمن لا يعطي الخير ولا يصرف السوء غيره - يعني الله ثم تعاهد صاحب بابك وصاحب حرسك، وعاملك المقيم عندك، والذي تبعث، فلا يعملون في شيء مما تحت يديك بغشم ولا بظلم، وأكثر المسألة عنهم، فمن كان منهم محسنا نفعه ذلك ومن كان منهم مسيئا استبدلت به من هو خير منه.
نسأل الله ربنا برحمته وقدرته على خلقه أن يغفر لنا ذنوبنا وأن ييسر لنا أمورنا، وأن يشرح لنا صدورنا بالبر والتقوى، والعمل فيما يحب ويرضى، وأن يعصمنا من المكاره كلها، وأن يجعلنا من الذين لا يريدون
стр. 115
علوا في الأرض ولا فسادا، ومن المتقين الذين لهم العاقبة والسلام عليكم ورحمة الله١.
وكتب إلى بعض عماله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبيان سبب عدم القيام بهما، فقال:
"أما بعد: فإنه لم يظهر المنكر في قوم قط ثم لم ينههم أهل الصلاح منهم إلا أصابهم الله بعذاب من عنده أو بأيدي من يشاء من عباده.
ولا يزال الناس معصومين من العقوبات والنقمات ما قمع فيهم أهل الباطل واستخفي فيهم بالمحارم فلم يظهر من أحد محرّم إلا انتقموا ممن فعله، فإذا ظهرت فيهم المحارم فلم ينههم أهل الصلاح نزلت العقوبات من السماء إلى الأرض (على أهل المعاصي وعلى المداهنين لهم) ولعل أهل الإدهان أن يهلكوا معهم وإن كانوا مخالفين لهم، فإني لم أسمع الله ﵎ فيما نزل من كتابه عند مُثلة أهلك بها أحدا نجى أحدا من أولئك إلا أن يكونوا الناهين عن المنكر، ويسلط الله على أهل تلك المحارم إن هو لم يصبهم بعذاب من عنده أو بأيدي من يشاء من عباده من الخوف والذل، والنقم، فإنه ربما انتقم بالفاجر من الفاجر، وبالظلم من الظالم، ثم صار كلا الفريقين بأعمالهم إلى النار، فنعوذ بالله أن يجعلنا ظالمين أو يجعلنا
стр. 116
مداهنين للظالمين. وإنه قد بلغني أنه قد كثر الفجور فيكم، وأمن الفساق في مدائنكم، وجاهروا من المحارم بأمر لا يحب الله من فعله ولا يرضى المداهنة عليه، كان لا يظهر مثله في علانية قوم يرجون لله وقارا، ويخافون منه غِيرًا وهم الأعزون الأكثرون من أهل الفجور، وليس بذلك مضى أمر سلفكم ولا بذلك تمت نعمة الله عليهم، بل كانوا ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّار﴾ ١ ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ ٢، ولعمري إن من الجهاد في سبيل الله الغلظة على أهل محارم الله بالأيدي والألسن والمجاهدة لهم فيه، وإن كانوا الآباء، والأبناء، والعشائر وإنما سبيل الله طاعته.
وقد بلغني أنه بطَّأ بكثير من الناس عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اتقاء التلاوم أن يقال: فلان حسن الخلق قليل التكلف، مقبل على نفسه، وما يجعل الله أولئك أحاسنكم أخلاقا بل أولئك أسوأكم أخلاقا.
وما أقبل على نفسه من كان كذلك بل أدبر عنها ولا سلم من الكلفة لها بل وقع فيها: إذ رضي لنفسه من الحال غير ما أمره الله أن يكون عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
стр. 117
وقد ذلت ألسنة كثير من الناس بآية وضعوها في غير موضعها وتأولوا فيها قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ١. وصدق الله ﵎، ولا يضرنا ضلالة من ضل إذا اهتدينا ولا ينفعنا هدى من اهتدى إذا ضللنا ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ٢. وإن ما على أنفسنا وأنفس أولئك مما أمر الله به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا يظهروا محرما إلا انتقموا ممن فعله منهم من كنتم ومن كانوا.
وقول من قال: إن لنا في أنفسنا شغلا، ولسنا من الناس في شيء. ولو أن أهل طاعة الله رجع رأيهم إلى ذلك ما عمل لله بطاعة، ولا تناهوا له عن معصية، ولقهر المبطلون المحقين. فصار الناس كالأنعم أو أضل سبيلا. فتسطلوا على الفساق من كنتم ومن كانوا فادفعوا بحقكم باطلهم وببصركم عماهم، فإن الله جعل للأبرار على الفجار سلطاناً مبينا، وإن لم يكونوا ولاة ولا أئمة.
стр. 118
ومن ضعف عن ذلك باليد أو اللسان فليرفعه إلى إمامه، فإن ذلك من التعاون على البر والتقوى، قال الله لأهل المعاصي: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ١. ولينتهين الفجار أو ليهيننهم الله بما قال: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ٢،٣.
فهذه كتبه المتتابعة التي كتبها إلى عماله يظهر عند كل واحدة منها لونا من كتابات هذا الخليفة العظيم.
فالأول كتاب يظهر فيه صفة الحاكم المنفذ للشرع، والخليفة العادل.
والثاني كتاب يظهر فيه صفة الحاكم الموجه، والمؤدب لعماله، والناصح لهم في أعمالهم وما يجابهون من مشاكل الحكم وتحمل التبعة، وكيف تخدم السنة.
стр. 119
وأما الكتاب الثالث فهو يبين الخليفة المعلم الداعي إلى الخير والآمر بالمعروف، والقائم بالحجة، الذي له خبرة بأحوال الناس ودوافعهم، وبعلمه يبطل حججهم وبورعه يحذرهم، وينذرهم، وبسلطانه يتوعدهم ويهددهم١. مسخرا الولاية والخلافة لخدمة السنة وأهلها. وقد كان رحمه الله تعالى في ولايته على المدينة النبوية يؤدب أهل الفسق والمجون.
فروى ابن عبد البر عن أسامة بن زيد الليثي أن عمر بن عبد العزيز كان إذا انصرف من الجمعة أقام على باب المسجد حرساً يجزون كل شين الهيئة في شعره لم يفرقه٢.
وكان ﵀ شديدا في حكمه، فكان يؤدب كل من يظهر بمظاهر لا تليق بالإسلام فإذا وجد رجلا يصفف جمته جلده وحلقه٣.
ولم يكن عمر بن عبد العزيز يعجب بالغناء فلذا أمر حين تولى الخلافة بنفي الأحوص إلى دهلك٤، واستمر هناك طوال خلافة عمر.
стр. 120
ومن خدمته للسنة وتوظيفه الخلافة لخدمتها ما كتبه إلى عماله من النهي عن الحلف، والعصبية القبلية البغيضة، قال ابن عبد الحكم:"كتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله حين سمع بأن بعض رعيته يتداعون إلى الحلف فقال: "أما بعد، فإن الله جعل الإسلام الذي رضي به لنفسه ومن كرم عليه من خلقه، لا يقبل الله دينا غيره، كرَّمه بما أنزل من كتابه الذي فرق به بين الإسلام وبين ما سواه، فقال: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١، وقال: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ ٢، فبعث الله محمداً ﷺ حين بعثه، وأنزل عليه الكتاب حين أنزله، وأنتم معشر العرب فيما قد علمتم من الضلالة والجهالة والجهد، وضنك العيش وتفرُّق الدار، والفتن بينكم عامة، والناس لكم حاقرون مستأثرون عليكم بالدين، وليس من ضلالتهم من شيء إلا وأنتم على مثله، من عاش منكم عاش فيما ذكرت من الجهل والضلالة، ومن مات منكم مات إلى النار. حتى أخذ الله بنواصيكم عما
стр. 121
كنتم فيه من عبادة الأوثان والتقاطع والتدابر وسوء ذات البين، فأنكر منكركم، وكذَّب مكذبكم، ونبي الله ﵊ يدعو إلى كتاب الله وإلى الإسلام، ثم أسلم معه قليل مستضعفون في الأرض، يخافون أن يتخطفهم الناس فآواهم وأيدهم بنصره، وزرقهم الله من أذن له بالإسلام، والدنيا مقبوضة عنه، والله منجزٌ لرسوله موعوده الذي ليس له خلف، فيراه من يراه بعيدا إلا قليلا من المؤمنين فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ ١، وقال في بعض ما يعده والمسلمين أن قال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ ٢، فأنجز الله لنبيه عليه والصلاة والسلام وأهل الإسلام موعودهم الذي وعدهم، فلم يعطكم الله يا أهل الإسلام ما أعطاكم من ذلك إلا بهذا الذي تفلجون به على خصمكم، وبه تقومون شهداء يوم القيامة، ليس لكم نجاة غيره، ولا حجة ولا حرزٌ ولا منعة في الدنيا والآخرة، فإذا أعطاكم الله منه أحسن يوم وعدتموه فارجوا ثواب الله فيما بعد الموت، فإن الله قال: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا
стр. 122
لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ١، وإني أحذركم هذا القرآن وتباعته فإن تباعته وشروطه قد أصابكم منها أيتها الأمة وقائع من هراقة دماء وخراب ديار، وتفرق جماعات، فانظروا ما زجركم الله عنه في كتابه فازدجروا عنه، فإن أحق ما خيف وعيد الله بقول أو بعمل أو غير ذلك، فإن كان بقول في أمر الله فنعما له، وإن كان بقول في غير ذلك فإنما يُفضي إلى سبيل هلكة، ثم إن ما هاجني على كتابي هذا أمر ذكر لي عن رجال من أهل البادية، ورجال أمروا حديثا، ظاهر جفاؤهم، قليل علمهم بأمر الله اغتروا فيه بالله غرة عظيمة، ونسوا فيه بلاءه نسيانا عظيماً، وغيَّروا فيه نعمه تغييراً لم يكن يصلُح لهم أن يبلغوه، وذُكر لي أن رجالاً من أولئك يتحاربون إلى مضر وإلى اليمن، يزعمون أنهم ولاية على من سواهم، وسبحان الله وبحمده ما أبعدهم من شكر نعمة الله، وأقربهم من كل مهلكة مذلة وصُغُر، قاتلهم الله أيةَ منزلةٍ نزلوا، ومن أي أمان خرجوا، أو بأي أمر لصقوا، ولكن قد عرفت أن الشقي بنيته يشقى، وأن النار لم تخلق باطلا، أولم يسمعوا إلى قول الله في كتابه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ٢، وقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
стр. 123
دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ ١، وقد ذكر لي مع ذلك أن رجالا يتداعون إلى الحلف، وقد نهى رسول الله ﷺ عن الحلف وقال: "لا حِلف في الإسلام". قال: "وما كان من حلف في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة"٢.
فكان يرجوا أحدا من الفريقين حفظ حلفه الفاجر الآثم الذي فيه معصية الله ومعصية رسوله، وقد ترك الإسلام حين انخلع منه وأنا أحذر كل من سمع كتابي هذا، ومن بلغه أن يتخذ غير الإسلام حصناً، أو دون الله ودون رسوله ودون المؤمنين وليجة، تحذيراً بعد تحذير، وأذكرهم تذكيراً بعد تذكير، وأشهد عليهم الذي هو آخذ بناصية كل دابة، والذي هو أقرب إلى كل عبد من حبل الوريد، وإني لم آلُكم بالذي كتبت به إليكم نصحاً، مع أني لو أعلم أن أحداً من الناس يحرّك شيئا ليؤخذ له به، أو ليدفع عنه، أحرص - والله المستعان - على مذلته من كان: رجلاً أو عشيرة أو قبيلة أو أكثر من ذلك، فادع إلى نصيحتي وما تقدمت إليكم به، فإنه هو الرشد ليس له خفاء، ثم ليكون أهل البر وأهل الإيمان عوناً
стр. 124
بألسنتهم، وإن كثيراً من الناس لا يعلمون. نسأل الله أن يخلف فيما بيننا بخير خلافة في ديننا وأُلفتنا وذات بيننا والسلام١.
ولما سمع بأن نساءً من أهل السفه يقمن بالنياحة على موتاهن، وتحقق في هذا الأمر، كتب إلى عامله في تلك الجهة ما يأتي:
أما بعد فإنه ذُكر لي أن نساءً من أهل السفة، والجفاء يخرجن (إلى الأسواق) عند موت الميت، ناشراتٍ رؤوسهن يَنُحن نياحة أهل الجاهلية، ولعمري ما رُخِّص للنساء في وضع خُمْرِهِنّ مذ أُمرن أن يضربن بهن على جيوبهن، فانْه عن هذه النياحة نهيا شديداً، وتقدم إلى صاحب شرطكم فلا يقِرُّ نوحا في دار ولا طريق فإن الله قد أمر المؤمنين عند مصائبهم بخير الأمرين في الدنيا والآخرة، فقال: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ ٢ ٣.
стр. 125
المبحث الرابع: أخلاقه رحمه الله تعالى
أ- الزهد:
إن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى رجل توَّاق لا ينال شيئاً إلا تاق إلى ما هو أشرف وأعلى مما ناله، فلما وصل إلى الخلافة وهي أعلى منصب دنيوي على الإطلاق تاقت نفسه إلى الآخرة، والعمل بالعدل، فوظَّف الخلافة لنيل سعادة الآخرة، ولا شك أن سلعة الله ﵎ سلعة غالية لا تنال بالتمني وإنما تنال بالأعمال الصالحة الموافقة لما جاء به نبينا محمد ﷺ فالتزم أخلاقا فاضلة منها: الزهد، والورع، والتواضع.
والزهد في الدنيا هي الصفة التي اشتهر بها نظرا للمحيط الذي كان يعيش فيه، والأشخاص الذين عاصرهم، ولا شك أن الزهد المبني على الكتاب والسنة زهد مشروع مرغب فيه، وهو ترك ما لا ينفع في الآخرة١، ومن المعلوم أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى قد بذل ما بوسعه لترك كل أمر لا ينفعه في آخرته فلم يفرح بموجود وهي الخلافة، ولم يحزن على مفقود كما في وفاة ابنه البار عبد الملك أحب الناس إليه، وهذا هو تطبيق نص الآية الكريمة قال تعالى: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ
стр. 126
وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ ١، ولقد شهد له غيره بالزهد في الدنيا، لأن خير الزهد المشروع أن يترك الإنسان ما هو قادر على تحصيله من متاع الدنيا انشغالا بما هو خير في الآخرة ورغبة فيما عند الله .
قال مالك بن دينار: "الناس يقولون: مالك بن دينار زاهد، إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز الذي أتته الدنيا فتركها"٢.
ولقد وصف أحد الذين كتبوا عن عمر في العصر الحديث حاله تلك فقال: "إن عمر بن عبد العزيز قد عفّ عن مال المسلمين مع قدرته على استغلاله وإنفاقه كما يشاء، ولم يكن هناك من يستطيع أن يقول له: لم فعلت ذلك؟ وقد منع نفسه عن التمتع بلذائذ الحياة من عيشة هنية رضية، ومتاع دنيوي، وشهوات مباحة، أو غير مباحة لو أرادها لسعت إليه دون أن يسعى لها، ولأكل أطيب الطعام، ولشرب أفضل الشراب، وللبس ألين وأثمن الثياب، ولركب أفره الدواب، ولتزوج وتسرى أجمل وأحلى، وأشرف النساء والجواري، وكل ذلك تحت يديه ورهن إشارته لو أراد٣، وقد كان قبل خلافته يأخذ حظه من متاع الدنيا المباح، ولكن لما تولى
стр. 127
الخلافة كتب إلى عماله أما بعد: فإن هذا الأمر الذي ولاني الله لو كنت إنما أصبحت ورغبتي فيه مطعم، أو ملبس، أو مركب، أو اتخاذ أزواج، أو اعتقاد أموال لكنت قد بلغ الله بي من ذلك قبل ما ولاني من أفضل ما بلغ بعباده. ولكن أصبحت له خائفا، أعلم أن فيه أمرا عظيما وحسابا شديدا، ومسألة لطيفة عند مجاهدة الخصوم بين يدي الله إلا ما عافى الله ورحم ودفع ... "١.
قال ابن عبد الحكم: "ولما ولي عمر بن عبد العزيز زهد في الدنيا، ورفض ما كان فيه وترك ألوان الطعام فكان إذا صنع له طعام هيئ على شيء، وغطي، حتى إذا دخل اجتذبه فأكل"٢.
فإذا لا يهمه من الأكل إلا أنه يسد جوعه ويقيم صلبه، ولكن كم كانت نفقته وعياله في اليوم؟ قال سلم بن زياد: "كان عمر ينفق على أهله في غدائه وعشائه كل يوم درهمين"٣.
стр. 128
فلعله رحمه الله تعالى كان يتأول ما ورد عن أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها أنها كانت تقول: "ما شبع آل محمد ﷺ منذ قدم المدينة من طعام البُرّ ثلاث ليال تباعا" ١.
والواقع أن الزهد الشرعي لا يذم صاحبه، وهذا بخلاف الزهد الذي ابتدعه غلاة الصوفية وغيرهم بحيث لم يلتزموا بحدود الزهد المرغب فيه وهو التوسط في تناول المباحات التي أحلها الله، وأما ما يصل إلى حد الإسراف فهذا منهي عنه، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ ٢، فمن أسرف في تناول كل ما يحلو له فقد جانب الزهد المرغب فيه، ومن بالغ في تقتيره على نفسه بحيث امتنع عن تناول الطيبات، والمباحات بقصد الزهد فقد جانب الصواب أيضا، فإن الرسول الله ﷺ قال في رده على الثلاثة الذين سألوا عن عمله فتقالوها، فأوجب كل واحد منهم على نفسه تحريم شيء من المباحات، فلما علم ﷺ بقولهم غضب، وأخبر بأنه يتزوج النساء، ويصوم ويفطر، ويأكل اللحم. ونصوص أخرى كلها تدل على أن الشخص ينبغي عليه أن يكون معتدلا وسطا في مطعمه وملبسه، وكل شئونه، وما روى عن عمر ﵀
стр. 129
تعالى من الزهد فإنه يحمل على الزهد المرغب فيه الذي لا إفراط ولا تفريط فيه. فلم يزد في مأكله ما يكفيه لقوته فكان غداؤه وعشاؤه صفحة غليظة فيها خبز قد كسر وصب عليه ماء وملح وزيت، هذا في وقت الصباح. أما في العشاء فنفس القصعة فيها ثريد عدس وبصل، وقد اعتذر خادم عمر من خشونة هذا الطعام، فقال: "لو كان لعمر عشاء غيره لعشاكم منه وما فطره إلا على مثل هذا"١.
وكما زهد عمر في طعامه فكذلك زهد في لباسه فاقتصر على ما يدفع الحر والبرد، ويستر العورة، ولم يكن لباسه لباس شهرة، وقد كان ﷺ يلبس الخشن من الثياب وقد روى عن أبي بردة، قال: أخرجت إلينا عائشة ﵂ كساء ملبد أو إزاراً غليظا وقالت: "قبض رسول الله ﷺ في هذين"٢.
وقد ذُكر أن عمر بن عبد العزيز - بعد خلافته - كان لا يلبس إلا الخشن من الثياب، يحكى رياح بن عبيدة - وكان تاجرا - قال: كنت أتَّجِر فقال لي عمر بن عبد العزيز: "يا رياح اتخذ لي كساءين خزا أتخذ أحدهما محبسا، والآخر شعارا". قال: ففعلت فصنعتهما بالبصرة فلم آل ثم قدمت بهما، فأمر بقبضهما فلما أصبح غدوت عليه فقال لي: "يارياح ما
стр. 130
أجود ثوبيك لولا خشونة فيهما". وكان هذا قبل أن يلي الخلافة، فلما وُلّي قال لي: "يا رياح اتخذ لي من هذه الجباب الهروية عامل قطن فيهن صفر. قال: فاشتريت له ثلاث شقق فقطعت من الثلاث جبتين خشنتين ثم أتيت بهما إليه فقبضهما، فقال لي: "يا رياح ما أجود ثوبيك لولا لين فيهما". فقال رياح: فذكرت قوله الأول وقوله الآخر١.
ويُحكى كذلك أنه أخّر الجمعة يوما عن وقتها الذي كان يصلى فيه فيقال له: أخرت الجمعة اليوم عن وقتها؟ فيقول: "إن الغلام ذهب بالثوب يغسلها فحبس بها". فعرفنا أنه ليس له غيرها.
ويحكى أيضا أنه لم يعد يلبس من الثياب إلا المرقوع حسب ما يرويه سعيد بن سويد: أن عمر بن عبد العزيز صلى بهم الجمعة، وعليه قميص مرقوع الجيب، من بين يديه ومن خلفه فلما فرغ جلس وجلسنا معه، قال: فقال له رجل من القوم، يا أمير المؤمنين إن الله قد أعطاك فلو لبست وصنعت. فنكس مليا حتى عرفنا أن ذلك قد ساءه ثم رفع رأسه فقال: إن أفضل القصد عند الجدة، وأفضل العفو عند المقدرة٢.
стр. 131
فعمر رحمه الله تعالى كان زاهدا عن الدنيا حسب الروايات التي سبقت، رغبة فيما عند الله واستهانة بأمر الدنيا لأنها زائلة، وربما يريد من وراء ذلك حثَّ غيره من أهل بيته وعماله على الرغبة عن الدنيا، لأن الرغبة الشديدة فيها قد تؤدي إلى قسوة القلوب، وتبعدها عن تذكر الفقراء والمحتاجين، ولا حرج على المسلم أن يلبس أيّ لباس شاء مما يتناسب معه وهو ما أمر به الرسول ﷺ وفعله، فعن أبي الأحوص عن أبيه قال: دخلت على رسول الله ﷺ فرآني سيء الهيئة فقال: "هل لك من شيء" قال: "نعم من كلٍّ قد آتاني الله". فقال: "إذا كان لك مال فليُرَ عليك"١.
وكان ﵊ يلبس الحلة الجميلة، فعن البراء بن عازب ﵁ قال: "ما رأيت أحدا من الناس أحسن في حلة حمراء من رسول الله ﷺ ... "٢.
ولم يسكن رحمه الله تعالى القصور الشاهقة المفروشة بأنواع المفارش الوثيرة، وإنما كان قدوته وقائده سيد الخلق أجمعين محمد ﷺ الذي لم يضع
стр. 132
لبنة على لبنة حتى خرج من الدنيا، وهكذا كان عمر في خلافته رحمه الله تعالى، فقد كانت لعمر مرقاتان يرقى من صحن داره إلى مقر بيته عليهما، فانقلعت إحدى المرقاتين، فأتاها رجل من أهل بيته فأصلحها كراهية أن يشق على عمر، فلما جاء عمر ونظر إليها قال: "من صنع هذا؟ قالوا: فلان. قال: علي به. فلما جاء قال: "ويحك يا فلان أنفست على عمر أن يخرج من الدنيا ولم يضع لبنة على لبنة؟ والله لولا أن يكون فساد بعد إصلاح لغيرتها إلى ما كانت عليه"١.
وحتى هذه الدار المذكورة إنما ورثها عن والده عبد العزيز بن مروان، وهي الملاصقة للجامع الأموي، ويبدو أنها كانت دارا متواضعة بدليل أن المصادر لم تذكر وصفا لها لكونها كباقي بيوت العامة في ذلك الوقت، ولو أنها كانت أكثر من ذلك لحظيت بوصف المؤرخين لها.
стр. 133
وقد ظل عمر في منزله هذا بعد أن أفضت الخلافة إليه إلا أنه بدلا من زيادة طنافسه وستوره، ورياشه جرده من كل ما فيه منها وحتى ثيابه وعطره باعها، ووضع ثمنها في بيت المال١.
ومن زهده رحمه الله تعالى ترك مظاهر البذْخ والإسراف التي سادت قبله، فكان أول ما أنكره الناس منه أنه لما غُسل سليمان بن عبد الملك وكُفن، وصلي عليه ودُفن، أتي بمراكب الخلافة وهي البراذين، والخيل، وكان لكل دابة سائس فقال عمر: ما هذه؟ فقالوا له: مراكب الخلافة لم تركب من قبل، يركبها الخليفة عند ما يلي، فقال عمر: "ما لي ولها نَحُّوها عني، بغلتي أوفق لي". فأتوه بدابته فركبها، وقفل راجعا بعد ما أمر مزاحما مولاه بضم تلك المراكب والسرادقات والحجر التي لم يجلس فيها أحد قط، والتي جرت العادة أن تضرب للخليفة - أول ما يولَّى- إلى بيت المال٢.
стр. 134
ثم أمر بستور دار الخلافة فهتكت وبالبسط فرفعت وأمر ببيعها وأدخل أثمانها في بيت مال المسلمين١، وهكذا فعل بالجواري والعبيد حيث رد الجواري إلى أصحابهن إن كن من اللاتي أخذن بغير حق، ووزع العبيد على العميان وذوي العاهات، وحارب كل مظاهر الترف والبذخ، والإسراف.
ولم يكن عمر ﵀ يسعى هذا السعي الحثيث طلبا للجاه والمنزلة والشهرة وإنما كان يطلب من وراء ذلك كله مرضاة الله فقد زهد في الخلافة، فحينما بويع قام على الناس٢ خطيبا فقال:
"أيها الناس إني قد ابتليت بهذا الأمر من غير رأي كان مني فيه، ولا طلبة له، ولا مشورة من المسلمين، وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي فاختاروا لأنفسكم٣.
стр. 135
فصاح الناس صيحة واحدة، قد اخترناك يا أمير المؤمنين فَلِ أمرنا باليمن والبركة١.
وأما ما قيل عن زهده بالنسبة للنكاح٢ فقد روى ابن عبد الحكم فقال: "وقالت فاطمة زوجته ما اغتسل من جنابة منذ ولي حتى لقي الله غير ثلاث مرات، ويقال: ما اغتسل من جنابة حتى مات"٣. فعلى فرض صحة هذه الرواية عن فاطمة زوجته فإنها تتحدث عما حدث لها معه بعد الخلافة وقد كان لعمر زوجات ثلاث غيرها ذكرناهن فيما سبق، فتَوُجَّهُ هذه الرواية على ما علمته فاطمة عنه ﵀، ولاشك أن الزواج مرغب فيه فإن الرسول ﷺ حث القادرين على الزواج بالتزوج فقال: "تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة"٤، وقال: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ... " ٥، وعاب ﷺ الذين يتركون النكاح وهم قادرون عليه وبين أن ذلك من الرهبانية المذمومة
стр. 136
التي نهينا عنها١، وعلاوة على هذا فإنه قد ورد عن فاطمة نفسها رواية أخرى ذكرها الفسوي بسنده عن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع القرشي: أنه دخل على فاطمة بنت عبد الملك وقال لها: ألا تخبريني عن عمر؟ فقالت: ما أعلم أنه اغتسل من جنابة، ولا من احتلام منذ استخلفه الله حتى قبضه٢، فصرحت في هذه الرواية على ما علمته منه، فقط ولا يمنعه من أن يتمتع بغيرها من نسائه البواقي، بل قد صرحت بأنه قد اغتسل ثلاث مرات حسب علمها، ومن المعلوم أن عمر بن عبد العزيز من أشد الناس حبا للسنة وتطبيقا لها، والزواج من سنة النبي ﷺ , فيستبعد منه ﵀ أن يترك السنة ويمنع نفسه من المباح الذي أحله الله له، ولا داعي في رأيي لما قام به بعض الباحثين٣ من دفاع عن عمر فيما يخص الرواية السابقة، فإن ترك الزواج وتحريم ذلك لا علاقة له بالزهد الإسلامي الذي جاء به رسولنا محمد ﷺ ، وهو دخيل على المجتمع المسلم، وهو مما تفتخر به بعض الفرق المنحرفة عن الإسلام وتدعي أنه من الزهد الإسلامي، ولهم في ذلك حكايات لا يشك من تأملها أنها لا تمت إلى الإسلام بصلة, فمن ذلك أن
стр. 137
أحدهم تزوج امرأة فبقيت عنده على الزهد ثلاثين سنة وهي بكر١، كما أن آخر منهم تزوج أربعمائة امرأة ولم يجامع واحدة منهن٢، وآخر تزوج ابنة شيخه فمكثت عنده ثماني عشرة سنة لا يقربها حياءً من والدها، ومات عنها وهي بكر٣.
ولهم في ذلك وصايا عجيبة، وتوجيهات غريبة، فمن أقوالهم:
- من ترك النساء والطعام فلا بد له من ظهور كرامة.
- من تزوج فقد أدخل الدنيا بيته ... فاحذروا من التزويج.
- لا يبلغ الرجل إلى منازل الصديقين حتى يترك زوجته كأنها أرملة، وأولاده كأنهم أيتام، ويأوي إلى منازل الكلاب.
- من تعود أفخاذ النساء لا يفلح.
- من تزوج فقد ركن إلى الدنيا ٤.
إلى غير ذلك كثير.
وهذا المفهوم أيضا يخالف الإسلام ومثله باعتباره دين توسط واعتدال، فقد قال النبي ﷺ لمن أراد التبتل وترك الزواج: "فمن رغب عن
стр. 138
سنتي فليس مني" ١. وجملة القول أن هذا الزهد الذي تحدث عنه هذه الفرقة المنحرفة بعيد كل البعد عن الزهد الذي عرفه السلف الصالح ومن سار على نهجهم.
ب - الورع:
ومن أخلاق أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أيضا "الورع"، والورع هو الإمساك عما قد يضر، فتدخل المحرمات، والشبهات لأنها قد تضر، فإنه من اتقى الشبهات استبرأ لعرضه، ودينه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي حول الحمى يوشك أن يواقعه٢.
فالورع المشروع من نوع التقوى الشرعية، وهو اتقاء ما يكون سببا للذم والعذاب، وهو فعل الواجب وترك المحرم، وما اشتبه تحريمه أمن المحرم أم ليس منه٣؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الأصل في الورع المشتبه قول النبي ﷺ : "الحلال بين، والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات، لا يعلمها كثير من الناس، فمن ترك الشبهات استبرأ عرضه ودينه، ومن وقع في الشبهات
стр. 139
وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه" ١، وقوله ﷺ : " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" ٢، وقوله ﷺ في صحيح مسلم في رواية: "البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وإن أفتاك الناس" ٣، وأنه ﷺ رأى على فراشه تمرة فقال: "لولا أني أخاف أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها" ٤.
وهذه الأدلة كلها تدل على أن على المسلم أن يتورع عن الشبهات قدر استطاعته، وهذا ما فعله أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵀
стр. 140
تعالى لا سيما بعد تسلمه الخلافة لأنه رأى أن هذه المشتبهات تشبه الحرام، فقد تكون سببا للوقوع في المحذور المقتضي للعذاب الأليم في الآخرة فتورع عنها.
ومن أمثلة ذلك: أنه رحمه الله تعالى ما كان يقبل أي هدية من عماله أو من أهل الذمة خوفا من أن يكون ذلك من باب الرشوة، فروى ابن الجوزي عن عمرو بن مهاجر قال: اشتهى عمر بن عبد العزيز تفاحا فقال: لو كانت لنا - أو عندنا - شيء من التفاح، فإنه طيب الريح طيب الطعم. فقام رجل من أهل بيته فأهدى إليه تفاحا.
فلما جاء به الرسول، قال عمر: ما أطيب ريحه وأحسنه، ارفعه يا غلام، فأقرئ فلانا السلام وقل له: إن هديتك قد وقعت منا بموقع بحيث تحب. فقلت يا أمير المؤمنين، ابن عمك ورجل من أهل بيتك وقد بلغك أن النبي ﷺ كان يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة. قال: ويحك؟ إن الهدية كانت للنبي ﷺ هدية وهي لنا اليوم رشوة١.
وعن ميمون بن مهران قال: أهدي إلى عمر بن عبد العزيز تفاحا وفاكهة فردها وقال: لا أعلم أنكم بعثتم إلى أحد من أهل عملى شيئا"
стр. 141
قيل له: ألم يكن رسول الله ﷺ يقبل الهدية؟ قال: بلى، ولكنها لنا ولمن بعدنا رشوة١.
وعن فرات بن مسلم قال: اشتهى عمر بن عبد العزيز تفاحا فطلب له فلم يوجد فركب وركبنا معه، فتلقاه غلمان من الديارنة٢ بأطباق منها تفاح فوقف على طبق منها فتناول منه تفاحة فشمها ثم أعادها في الطبق، ثم قال: ادخلوا ديركم، لا أعلم أنكم بعثتم إلى أحد من أصحابي بشيء. قال: فحركت بغلتي فلحقته، فقلت: يا أمير المؤمنين: اشتهيت التفاح، وطلب لك فلم يوجد، ثم أهدي إليك فرددته، ألم يكن رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمر ﵄ يقبلون الهدية؟ قال: إنها كانت لرسول الله ﷺ ولأبي بكر، وعمر ﵄ هدية، وللعمال بعدهم رشوة٣.
ويبلغ بعمر الورع أنه لا يرى لنفسه أن تشم رائحة مسك أتته من أموال المسلمين، فروى ابن الجوزي قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن رياح بن عبيدة، وأبي سنان، عن عمر بن عبد العزيز أنه
стр. 142
وضعت بين يديه مِسْكة عظمية فأخذ بأنفه، فقيل يا أمير المؤمنين إنما هو ريح قال: وهل ينتفع منها إلا بريحها١.
وكما تورع في طعامه وشهوته وحتى حواسه التي لا يقدر على دفع ما يدخل فيها إلا بشق الأنفس، تورع أن يرى لنفسه حقا في دواب المسلمين التابعة لبيت مالهم أن يستعملها وإن استعملها أهله بدون معرفة منه دفع الثمن إلى بيت المال، فروى ابن الجوزي، عن رياح بن عبيدة كان عمر بن عبد العزيز يعجبه أن يتأدم بالعسل، فطلب من أهله يوما عسلا، فلم يكن عندهم، فأتوه بعد ذلك بعسل فأكل منه فأعجبه فقال لأهله: من أين لكم هذا؟ قالت امرأته بعثت مولاي بدينارين على بغل البريد فاشتراه لي فقال: أقسمت عليك لما أتيتني به فأتته بعُكَّة٢ فيها عسل، فباعها بثمن يزيد ورد عليها رأس المال وألقى بقيته في بيت مال المسلمين، وقال: أنصبتِ دواب المسلمين في شهوة عمر؟ ٣.
وللمسلم أن يأخذ بالرخص التي أباحها الشرع للحاجة والضرورة، ولكن عمر ﵀ لا يأخذ على نفسه إلا بالعزائم، ففي الشتاء البارد
стр. 143
والبرد القارس، احتاج عمر إلى من يسخن له الماء ليوم الجمعة قيل له ياأمير المؤمنين ما عندنا عود حطب. قال: فذهبوا بالقمقم١ إلى مطبخ المسلمين. قال: ثم جاءوا بالقمقم فقالوا هذا القمقم يا أمير المؤمنين وهو يفور فقال: ألم تخبروني أنه ليس عندكم حطب؟ لعلكم ذهبتم به إلى مطبخ المسلمين؟ قالوا: نعم. قال ادعوا لي صاحب المطبخ. فلما جاء قال له: قيل لك هذا قمقم أمير المؤمنين فأوقدت تحته؟ قال لا والله يا أمير المؤمنين ما أوقدت تحته عودا واحدا، وإن هو إلا جمر لو تركته لخمد حتى يصير رمادا. قال بكم أخذت الحطب: قال: بكذا. قال: أدوا إليه ثمنه٢.
واحترز عن استعمال أموال المسلمين العامة فكان يسرج السراج من بيت المال إذا كان في حاجة المسلمين، فإذا فرغ من حوائجهم أطفأها ثم أسرج عليه سراجه الخاص به من ماله الخاص٣.
ويحترز عمر ويتورع عن كل شيء مهما قل إذا كان من حق غيره، يتبين لنا ذلك في القصة التالية، فروى الفسوي عن فرات بن مسلم قال:
стр. 144
كنت أعرض على عمر بن عبد العزيز كتبي في كل جمعة، فعرضتها عليه فأخذ منها قرطاسا قدر شبر أو أربع أصابع بقي، فكتب فيه حاجة له. فقلت غفل أمير المؤمنين. فلما كان من الغد بعث إلي أن تعال وجئ بكتبك، فجئته بها، فبعثني في حاجة، فلما جئت قال: ما آن لنا أن ننظر كتبك بعد. قلت: لا، إنما نظرت فيها أمس. قال خذها حتى أبعث إليك. فلما فتحت كتبي وجدت قرطاسا قدر قرطاسي الذي أخذ١.
واشتهى يوما اللحم فأرسل غلامه بقطعة يشويها ليأكل فيقيم بذلك أوده، فرجع الغلام بها سريعا، فقال له عمر: "أسرعت بها؟ قال شويتها في نار المطبخ وكان للمسلمين مطبخ يغديهم فيه ويعشيهم. فقال لغلامه: كلها يا بني فإنك زرقتها ولم أرزقها٢. فتورع عن أكلها لأنها شويت في مطبخ المسلمين، وتركها لغلامه ليأكلها، وهو واحد من الرعية، له حق في مطبخ العامة ﵀.
وهناك أمثلة أخرى يذكرها المؤرخون لورع عمر بن عبد العزيز ﵀ كلها تدل على مدى اتصاف هذا الخليفة الراشد بصفة الورع، وحبه له، أملاً فيما عند الله حيث اعتبر أن البعد عن أموال المسلمين حتى
стр. 145
في الأشياء اليسيرة القليلة هو من باب الابتعاد عن الشبهة، فكان بعيدا عن الشبهات احتياطا لدينه. وذلك أن الأمور ثلاثة كما قال هو بنفسه:
١- أمر استبان رشده فاتبعه.
٢- وأمر تبين خطؤه فاجتنبه.
٣- وأمر أشكل عليك فتوقف عنه١.
ومن المهم الإشارة إلى أن شيخ الإسلام قد بين أن الغلط يقع في الورع من ثلاث جهات:
١- أحدها: اعتقاد كثير من الناس أن الورع من باب الترك، فلا يرون الورع إلا في ترك الحرام، لا في أداء الواجب، وهذا يبتلي به كثير من المتدينة المتورعة، ترى أحدهم يتورع عن الدرهم فيه شبهة: لكونه من مال ظالم أو معاملة فاسدة، ويتورع عن الركون إلى الظلمة من أجل البدع في الدين، وذوي الفجور في الدنيا، ومع هذا يترك أمورا واجبة عليه إما عينا وإما كفاية وقد تعينت عليه من صلة رحم، وحق جار، ومسكين، وصاحب، ويتيم، وابن سبيل، وحق مسلم وذي سلطان، وذي علم، وعن أمر بمعروف ونهي عن منكر، وعن الجهاد في سبيل الله، إلى غير ذلك مما فيه نفع للخلق في دينهم ودنياهم مما وجب عليه، أو يفعل ذلك لا على وجه العبادة لله تعالى بل جهة التكليف ونحو ذلك.